النص المفهرس
صفحات 61-80
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
٠
رواه البخارى.
١٤ - (١٣) وعن أبى هريرة قال: أتى أعرابى النبى معَّ فقال: دلنى على عمل إذا عملته
دخلت الجنة. قال تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة المفروضة
المعنى أن الذى يظهر عن نفسه شعار أهل الإسلام والتدين بدينهم، فهو فى أمان الله لا يستباح منه ما حرم
من المسلم، فلا تنقضوا عهد الله فيه - انتهى. وإنما اكتفى فى النهى بذمة الله وحده ولم يذكر الرسول كما ذكر أو لا
لأنه ذكر الأصل لحصول المقصود به ولاستلزامه عدم إخضاره ذمة الرسول ، وأما ذكره أو لا فلتا كيد وتحقيق
عصمته مطلقا. وفى الحديث دليل كالذى قبله على أن أمور الناس محمولة على الظاهر دون باطنها ، فمن أظهر شعار الدين
أجريت عليه أحكام أهله ما لم يظهر منه خلاف ذلك ، وفيه أنه لا بد للؤمن من الأعمال خلافا للمرجئة (رواه البخارى)
وأخرجه أيضا النسائى فى الايمان .
١٤ - قوله (أتى أعرابى) أى بدوى منسوب إلى الأعراب، وهم سكان البادية. قال بعضهم: الأعرابى
السائل فى حديث أبى هريرة هذا هو ابن المنتفق على ما رواه البغوى وابن السكن والطبرانى فى الكبير وأبو مسلم الكجى
فى السنن. وزعم الصير فى أن اسم ابن المنتفق هذا لقيط بن صبرة ، وافد بنى المنتفق. قلت: فى قول هذا البعض
عندى نظر ، فإن قصة سوال ابن المنتفق شبيهة بسياق حديث أبى أيوب عند مسلم دون سياق حديث أبى هريرة كما
لا يخفى على من له اطلاع على الروايات. وقال العينى: هو سعد بن الأخرم وفيه أيضا نظر (دلى) بضم الدال وفتح
اللام المشددة (على عمل) صفة أنه (إذا عملته دخلت الجنة) دخولا أوليا (قال تعبد الله) مرفوع المحل بالخبرية لمتدأ
محذوف. أى هو يعنى العمل الذى إذا عملته دخلت الجنة هو عبادة الله. قال النووى: العبادة هى الطاعة مع
خضوع ، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا معرفة الله تعالى، والإقرار بوحدانيته. وهو شامل النبوة لأنه لا يعتبر
بدونها ، فذكره مغن عن ذكرها. قال: فعلى هذا يكون عطف الصلوة والزكوة والصوم عليها لإ دخالها فى الإسلام،
فإنها لم تكن دخلت فى العبادة، وعلى هذا إنما اقتصر على هذه الثلاث لكونها من أركان الاسلام وأظهر شعائره،
والباقى ملحق بها. ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة الطاعة مطلقا، فيدخل جميع وظائف الإسلام فيها فعلى هذا يكون
عطف الصلوة وغيرها من باب ذكر الخاص بعد العام ، تنبيها على شرفه ومرتبته، وأما قوله ، لا تشرك به شيئا ، فإنما
ذكره بعد العبادة لأن الكفار يعبدونه سبحانه فى الصورة ويعبدون معه أو ثانا يزعمون أنها شركاء فنفى هذا (الصلوة
المكتوبة) أى المفروضة (الزكوة المفروضة) فرق بين القيدين للتفنن، أى كراهية لتكرير اللفظ الواحد. وقيل عبر
فى الزكوة بالمفروضة للاحتراز عن صدقة التطوع ، فإنها زكاة لغوية. وقيل احترز من الزكاة المعجلة قبل الحول ،
٦١
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
وتصوم رمضان ، قال : والذى نفسى بيده لا أزيد على هذا ولا أنقص منه ، فلما ولى قال
النبى معَّة : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا، متفق عليه.
١٥ - (١٤) وعن سفيان بن عبد الله الثقفى قال: يا رسول اللّه قل لى فى الاسلام
قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك وفى رواية ((غيرك))
فإنها. زكوة وليست مفروضة (وتصوم رمضان) ولا يكون إلا مفروضا ولذا لم يقيده (لا أزيد على هذا) أى ما ذكر
(شيئا) من عند نفسى (ولا أنقص منه) برائى، ولما كانت العبادة شاملة لفعل الواجبات وترك المنكرات صح إثبات
النجاة له بمجرد ذلك (من سره) إلخ الظاهر أنه يرفض علم أنه يوفى بما التزم، وأنه يدوم على ذلك ويدخل الجنة، ولم يخبر
السائل بالتطوع فى هذا الحديث ، وكذا فى حديث طلحة الآتى فى قصة الأعرابى وغيرهما ، بل أقره على الحلف بترك
التطوعات فى حديث طلحة لأن أصحاب هذه القصص كانوا حديثى عهد بالإسلام ، فاكتفى منهم بفعل ما وجب عليهم
ثلا يثقل ذلك عليهم فيملوا، حتى إذا انشرحت صدورهم للفهم عنه والحرص على تحصيل ثواب المندوبات سهلت
عليهم. وقيل لئلا يعتقدوا أن التطوعات واجبة. واعلم أنه لم يأت ذكر الحج فى هذا الحديث، وكذا لم يذكر فى بعض
هذه الأحاديث الصوم ، ولم يذكر فى بعضها الزكوة ، وذكر فى بعضها صلة الرحم، وفى بعضها ذكر الايمان فتفاوت
هذه الأحاديث فى عدد خصال الإيمان زيادة ونقصانا وإثباتا وحذفا. وأجاب القاضى عياض وغيره بما ملخصه :
أن سبب ذلك تفاوت الرواة فى الحفظ والضبط ، فالاقتصار على بعض الخصال انما لقصور حفظ الراوى عن تمامه،
وليس هذا باختلاف صادر عن رسول اللّه مَف. وقد استحسن النووى هذا الجواب. وقال العينى بعد ذكره:
والأحسن أن يقال: إن رواة هذه الأحاديث متعددة وكل ما روى واحد منهم بزيادة على ما رواه غيره أو بنقص لم
يكن بتقصير الراوى وإنما وقع ذلك بحسب اختلاف الموقع واختلاف الزمان - انتهى. وفى الحديث دليل على أنه
لا بد من أعمال الجوارح فى الايمان خلافا المرجئة ..
١٥ - قوله (وعن سفيان بن عبد الله) بن ربيعة بن الحارث الثقفى الطائفى، يكنى أبا عمرو، وقيل أبا عمرة.
أسلم مع وفد ثقيف، واستعمله عمر على صدقات الطائف. روى عنه أولاده عاصم وعبد الله وعلقمة وعمرو
وأبو الحكم وغيرهم. قال ابن عبد البر: هو معدود فى أهل الطائف، له صحبة وسماع ورواية، كان عاملا لعمر بن
الخطاب على الطائف ، ولاه عليها إذ عزل عثمان بن أبي العاص عنها، ونقل عثمان حينئذ إلى البحرين - انتهى. قال
الخزرجى: انفرد له مسلم بحديث. وقال القارى: مروياته خمسة أحاديث - انتهى (الثقفى) بفتحتين نسبة إلى قبيلة
ثقيف (قل لى فى الاسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك) أى بعد سوالك. طلب منه مبين أن يعلمه كلاما جامعا
لأمر الاسلام كافيا حتى لا يحتاج بعده إلى غيره (وفى رواية غيرك) أى لا أسأل عنه أحدا غيرك، والأول مستلزم
٦٢
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الإيمان
قال : قل آمنت بالله، ثم استقم، رواه مسلم.
١٦ - (١٥) وعن طلحة بن عبيد الله
لهذا لأنه إذا لم يسأل أحدا بعد سؤاله لم يسأل غيره، وبهذا يظهر وجه أولوية الأول بجعله أصلا والثانى رواية خلافا
لما فعل النووى فى أربعينه، قاله القارى (قل آمنت بالله) أى جدد إيمانك بالله ذكرا بقلبك ونطقا بلسانك وعملا بمقتضاه
بجوارحك. وفى رواية ((قل ربى الله) أى وحد ربك، وأراد به التوحيد الكامل الذى يحرم صاحبه على النار وهو
تحقيق معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو المعبود الذى يطاع فلا يعصى خشية وإجلالا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلا
ودعاء ، والمعاصى كلها قادحة فى هذا التوحيد لأنها إجابة لداعى الهوى، وهو الشيطان ، وعلى رواية الكتاب المعنى
أظهر ، فإن الايمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف ومن تابعهم من أهل الحديث (ثم استقم) الاستقامة:
هى سلوك الطريق المستقيم ، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة . ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها
الظاهرة والباطنة ، وترك المنهيات كلها كذلك ، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها فالحديث من جوامع
الكلم الشامل لأصول الإسلام: التوحيد والطاعة وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا
٤١: ٣٠)﴾ أى لم يحيدوا عن التوحيد، والتزموا طاعته سبحانه إلى أن توفوا على ذلك، وهو معنى الحديث. ولا يخفى
مناسبة الحديث لكتاب الايمان، فإنه يدل على وجوب امتثال الطاعات والانتهاء عن المعاصى ، ففيه رد على
المرجئة (رواه مسلم) وأخرجه أيضا أحمد والنسائى والترمذى وابن ماجه والحاكم وابن حبان فى صحيحه.
١٦ - قوله (وعن طلحة بن عبيد الله) بن عثمان التيمى القرشى المدنى، يكنى أبا محمد، يجتمع مع رسول اللّه م
فى الأب السابع كأبى بكر ، أحد العشرة وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، والخمسة الذين أسلموا على يد
الصديق، والسنة أصحاب الشورى الذين توفى رسول اللّه مؤيّه وهو عنهم راض. شهد المشاهد كلها غير بدر لأن النبى
◌َّ بعثه مع سعيد بن زيد يتعرفان خبر العير التى كانت لقريش مع أبى سفيان ، ثم رجعا إلى المدينة فقدماها يوم وقعة
بدر، وقد ضرب له رسول اللّه عَل بسهمه، وآجره فيها وأبلى يوم أحد بلاء شديدا، ووقى النبى مَ ◌ّه بيده فشلت،
وجرح يومئذ أربعة وعشرين جراحة، وقيل خمسا وسبعين جراحة بين طعنة وضربة ورمية، وكان أبو بكر إذا ذكر يوم
أحد قال: ذلك يوم كله لطلحة. وروى من وجوه عن النبي مَو ◌َّ أنه قال: طلحة من قضى نحبه. وروى أيضا أنه
نظر إليه فقال: من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشى على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة، وسماه النبى مَّى ((طلحة خير»
و((طلحة الفياض))، و((طلحة الجواد)) له ثمانية وثلاثون حديثا، اتفقا منها على حديث، وانفرد البخارى بحديثين ومسلم
بثلاثة. وقال القسطلانی : له فى البخاری أربعة أحاديث ، استشهد يوم الجمل ، أتاه سهم غرب لا يدرى من رماه
واتهم به مروان، لعشر خلون من جمادى الأولى سنة (٣٦) عن (٦٤) سنة وقيل (٦٣) وقيل غير ذلك، ودفن.
بالبصرة. وقال ابن قتيبة: دفن بقنطرة قرة ثم رأته بنته بعد ثلاثين سنة فى المنام أنه يشكو إليها النداوة فأمرت
٦٣
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
قال: جاء رجل إلى رسول اللّه مؤلّم من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوى صوته ولا
نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول اللّه مؤفر فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول
اللّه مثل: خمس صلوات
فاستخرج طريا ، ودفن بدار البحرتين بالبصرة. روى له جماعة. وقال ابن عبد البر: لا يختلف العلماء فى أن مروان
قتل طلحة يوم الجمل. قال الخزرجى: خلف طلحة ثلثين ألف ألف درهم ، ومن العين ألفي ألف ومائتى ألف دينار
(جاء رجل) قيل هو ضمام بن ثعلبة وافد بنى سعد بن بكر ، وفيه نظر، والتفصيل فى الفتح (ج ١: ص ٥٦) وفى مقدمته
(من أهل نجد) صفة رجل. ونجد من بلاد العرب خلاف الغور، والغور: هو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة أى
مكة إلى أرض العراق فهو نجد ، وهو فى الأصل ما ارتفع من الأرض (ثائر الرأس) أى منتفش شعر الرأس ومنتشره
من عدم الارتفاق والرفاهة ، ففيه إشارة إلى قرب عهده بالوفادة ، من ثار الغبار: إذا ارتفع وانتشر، أطلق اسم الرأس
على الشعر مجازا تسمية للحال باسم المحل، أو مبالغة بجعل الرأس كأنه المنتشر ، أو يكون هو من باب حذف المضاف
بقرينة عقلية ، وهو مرفوع على أنه صفة. وقيل إنه منصوب على الحالية من رجل لوصفه بقوله من أهل نجد ،
والإضافة فى ثائر الرأس لفظية فلا تفيد إلا تخفيفا، ويجوز وقوع صاحب الحال نكرة إذا اتصف بشئ كما فى المبتدأ
أو أضيف أو وقع بعد نفى، (نسمع) بصيغة المتكلم المعلوم على الصحيح (دوى صوته) بالنصب على أنه مفعوله، وفى
بعض النسخ يسمح بالياء مجهولا ورفع دوى على النيابة عن الفاعل ، وكذا الوجهان فى قوله ((لا تفقه)) بالنون والياء.
قال العينى: رواية النون فيهما هى المشهورة، وعليها الاعتماد، والدوى بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء ، قال
الخطابى: الدوى: صوت مرتفع متكرر لا يفهم. وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد. ويقال الدوى شدة الصوت
وبعده فى الهواء وعلوه ، والمعنى نسمع شدة صوته وبعده فى الهواء فلا يفهم منه شئ كدوى النحل والذباب
(ما يقول) فى محل النصب على أنه مفعول ، أو فى محل الرفع على النيابة والمعنى نسمع كلامه ولا نفهمه لعده (حتى)
للغاية بمعنى إلى أن (دنا من رسول اللّه مَّه) ففهمنا كلامه (فإذا) للفاجاة (هو) أى الرجل (يسأل عن الاسلام)
أى عن شرائعه وفرائضه، يدل عليه ما زاد البخارى فى آخر حديث طلحة هذا فى كتاب الصيام ، فأخبره رسول الله
◌َّ بشرائع الإسلام. ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه على أنه يعلمها، أو علم
أنه يسأل عن الشرائع الفعلية ، أو ذكر الشهادة له ولم يسمعها طلحة منه لبعد موضعه، أو نسيها أو اختصرها لشهرتها،
ولم يذكر الحج لأن الراوى اختصره، ويؤيده ما ذكرنا من الزيادة فى آخر هذا الحديث، فقد دخل فيه باقى
المفروضات بل والمندوبات (خمس صلوات) الرفع على الصحيح، على أنه خبر مبتدأ محذوف أى الاسلام، أو هى
خمس صلوات، أو مبتدأ محذوف الخبر أى من شرائعه أداء خمس صلوات، ويجوز النصب بتقدير خذ أو صل. قال
٦٤
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
فى اليوم والليلة. فقال: هل على غيرهن؟ فقال: لا ، إلا أن تطوع
العينى: ويجوز الجر على أنه بدل من الإسلام. قال القارى: لا يصح الجر رواية ولا دراية، أما الأول فيظهر من
تتبع النسخ المصححة. وأما الثانى فلان البدل والمبدل لا يكونان إلا فى كلام شخص واحد إلخ (هل على غيرهن)
أى هل يجب على من الصلاة غير الصلاة الخمس فى اليوم والليلة، أو الجار خبر مقدم وغيرهن مبتدأ مؤخر (فقال لا)
أى لا يجب عليك غيرها. وفيه حجة على من أوجب الوتر وهم الخفية. وأجاب القارى عنه بأن هذا قبل وجوب
الوتر ، أو إنه تابع للعشاء. وقال العينى: لم يكن الوتر واجبا حينئذ، يدل عليه أنه لم يذكر الحج - انتهى. وتعقب
بأن هذا يحتاج إلى معرفة التاريخ، ودونها خرط القتاد على أنه موقوف على ثبوت وجوب صلاة الوتر ، ولا دليل
على وجوبها لا من كتاب ولا من سنة صحيحة ولا من إجماع بل الأمر على عكس ما قالوا ، فإن الدلائل الصحيحة
الصريحة من السنة قائمة على عدم وجوبها كما ستعرف إن شاء اللّه، فلا يصح أن يقال إن هذا كان قبل وجوب الوتر.
وأما قول العينى يدل عليه أنه لم يذكر الحج ففيه أنه إنما يتم ذلك إذا ثبت أنه لم يفرض الحج حينئذ، وفيه نظر لأنه
يحتمل أن الرجل سأل عن حاله خاصة حيث قال «هل على غيرها، فأجابه عليه السلام بما عرف من حاله، ولعله من لم
يكن الحج واجبا عليه. والظاهر أنه مؤلّه ذكره له لكن اختصره الراوى، يدل عليه رواية البخارى فى الصيام،
فأخبره بشرائع الإسلام كما تقدم، حصره ثمَّ جنس الصلاة الواجبة فى اليوم والليلة فى الخمس ونفى وجوب الصلاة
الأخرى مع ذكر باقى الواجبات يدل على عدم وجوب الوتر. وأما قول القارى إنه تابع للعشاء ففيه أنه قد أنكر
أبو بكر بن مسعود الكاسائى الخنفى كونه تابعا للعشاء حيث قال فى بداتعه (ج ١: ص ٢٧٠) وذا (أى كون تقديم
العشاء شرطا عند التذكر) لا يدل على التبعية كتقديم كل فرض على ما يعقبه من الفرائض ، ولهذا اختص بوقت
استحسانا فإن تأخيرها إلى آخر الليل مستحب وتأخير العشاء إلى آخر الليل يكره أشد الكراهة وذا أمارة الأصالة ،
إذ لو كانت تابعة للعشاء لتبعته فى الكراهة والاستحباب جميعا. انتهى (إلا أن تطوع) بتشديد الطاء والواو، وأصله
((تتطوع، بنائين فأدغمت إحداهما فى الطاء، ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحداهما. قال النووي: المشهور
التشديد ، ومعناه: إلا أن تفعله بطواعيتك واعلم أن هذا الاستثناء يجوز أن يكون منقطعا بمعنى لكن ، ويجوز أن
يكون متصلا، واختارت الشافعية والحنابلة الانقطاع، والمعنى: لكن يستحب لك أن تطوع. وتمسكوا به على أنه
لا يلزم إتمام النفل بالشروع ، بل يستحب فقط فيجوز قطعه ، ولا يجب القضاء عمدا قطعه أو من عذر. واختارت
الحنفية والمالكية الاتصال فإنه هو الأصل فى الاستثناء، واستدلوا به على أن من شرع فى صلاة نقل أو صوم نقل
وجب عليه إتمامه ، ولا يجوز القطع إلا بعذر. ثم اختلفوا فقالت الحنفية: يلزم القضاء مطلقا عمدا قطعه أو عذرا،
٦٥
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
قال رسول الله
وقالت المالكية: لا يلزم القضاء إلا إذا قطعه عمدا من غير عذر. وقال القرطى المالكى: نفى فى الحديث وجوب
شئ آخر ، والاستثناء من النفى إثبات ، فيلزم أن يكون التطوع واجبا ، ولا قائل لوجوبه لاستحالته ، فتعين أن يكون
المراد إلا أن تشرع فى تطوع فيلزمك إتمامه - انتهى. قالت الحنفية: ويدل على كون الاستثناء فى الحديث للاتصال
حديث عائشة عند أحمد والنسائي والترمذى، وفيه أنه قال: صوما يوما مكانه. فأمر بالقضاء، فدل على أن الشروع
ملزم ، وأن القضاء بالإفساد واجب وأجيب عن تقرير القرطبى أو لا بأنه مغالطة، لأن الاستثناء ههنا من غير
الجنس ، لأن التطوع لا يقال فيه عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شتى إلا إن أردت أن تطوع ، فذلك لك. وقد
علم أن التطوع ليس بواجب فلا يجب شتى آخر أصلا. وثانيا بأن الحنفية لا يقولون بفرضية الإتمام ، بل بوجوبه ،
واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتبيانهما، فلا يصح حملهم الاستثناء فى الحديث على الاتصال وثالثا بأن الاستثناء من
النفى عندهم ليس للإثبات ، بل مسكوت عنه ورابعاً بما قاله بعض العلماء الحنفية: إن الحديث خارج عن موضع
النزاع، فإن الايجاب المذكور فيه إنما هو الايجاب من جهة الوحى، ومسئلة لزوم النفل بالشروع إنما هو فى إيجاب
العبد على نفسه شيئا بخيرته وطوعه وخامسا بأنه قال رؤيته فى الزكاة مثل ما قال فى الصلاة والصوم ، لكن لا يمشى
تقرير القرطب وغيره من قال بوجوب الإتمام فى الزكاة. قال السندهى الحنفى: لا يظهر هذا فى الزكاة إذ الصدقة قبل
الإعطاء لا تجب، وبعده لا توصف بالوجوب. ولا يقال إنه صار واجبا بالشروع فظزم إتمامه ، فالوجه أنه استثناء
منقطع، أى لكن التطوع جائز أو خير. ويمكن أن يقال من باب المبالغة فى نفى واجب آخر ، على معنى ليس عليك
واجب آخر إلا التطوع، والنطوع ليس بواجب، فلا واجب غير المذكور - انتهى. قال القارى مجيبا عن الثانى: بأنه
منوع، فإن الواجب عندنا فرض عملى لا اعتقادى، وبهذا الاعتبار يطلق عليه أنه فرض ، فالمراد بالفرض فى الحديث
المعنى الأعم ، مع أنه لا محذور فى جعل الاستثناء منقطعا لصحة الكلام ، فيكون المعنى: لكن التطوع باختيارك، أى
ابتداء كما هو مذهبنا. قلت الفرق بين الفرض والواجب بالمعنى الاصطلاحى ، ثم تقسيم الفرض إلى الفرض
الاعتقادى والعملى، وجعل الواجب الاصطلاحى فرضا عمليا من المصطلحات الحادثة لم يعرفها الصحابة ، فلا ينبغى أن
يحمل الحديث على مصطلحات الفنون الحادثة بعد عصر الصحابة، والظاهر بل المتعين فى معناه على كون الاستثناء
للانقطاع هو أن يقال لكن يستحب لك أن تطوع، أو لكن التطوع باختيارك انتهاء كما هو فى طواعتك ابتداء.
ويؤيده حديث أم هانئى عند التر مذى وغيره، وفيه الصائم المتطوع أمير أو أمين نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر.
ويؤيده أيضاً ما رواه النسائي عن عائشة مرفوعا: إنما مثل صوم التطوع مثل الرجل الذى يخرج من ماله الصدقة ، فإن
شاء أمضاها وإن شاء حبسها . وقال القارى بجيا عن الثالث: بأنه مدخول ، فإن هذا إنما يرد عليهم لو استدلوا بهذا
الحديث، وتقدم أن دليلهم الآية والإجماع، وإنما حملوا لفظ الحديث على المعنى المستفاد منهما يعنى بالآية قوله تعالى:
٦٦
١
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
﴿ لا تبطلوا أعمالكم - ٤٧: ٣٣) قلت: قد استدل بهذا الحديث غير واحد من الحنفية والمالكية على مذهبهم،
وذكروه فى معرض الاستدلال ، كما صرح به العينى فى شرح البخارى ، والقرطى فى شرح مسلم ، والزرقانى فى شرح
الموطأ وغيرهم. وأما الاحتجاج بالآية والاجماع فهو مخدوش، كما ستعرف، فلا يصح حمل هذا الحديث على ما
ذهبوا إليه فى معناه، وذلك لفساد البناء. وأما حديث عائشة الذى جعلوه قرينة على حمل الاستثناء على الاتصال،
فالجواب عنه أن الأمر فيه للاستحباب لا للوجوب، والقرينة على ذلك حديث أبى سعيد عند البيهقى ، وسنذكره على
أن حديث عائشة مرسل ، والمرسل على الصحيح ليس بحجة. قال الخلال: اتفق الثقات على إرساله، وشذ من وصله ،
وتوارد الحفاظ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا، ضعفه أحمد والبخارى والنسائى بجهالة زميل ، كذا فى الفتح.
قلت: قد استدل عامة الحنفية على لزوم الإتمام بعد الشروع بقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا أعمالكم) وبإجماع
الصحابة على وجوب الإتمام ، وبالقياس على الحج والعمرة وأجيب عن الاستدلال بالآية بوجوه: الأول أنه
يلزم الحنفية حيث استدلوا بها أن يقولوا إن الاتمام فرض، وهم إنما يقولون بوجوبه. قال القارى : هذا مدفوع بأن
الآية قطعية، والدلالة ظنية - انتهى وفيه أن هذا لا يفيد الحنفية بل يضرهم، إذ يقطع أصل الاستدلال، لأن
أحاديث أم هانئى وعائشة وأبى سعيد وما فى معناها وإن كانت ظنية لكن دلالتها على النخير قطعية بلا شبهة ، ومن
المعلوم أن مناط الاستدلال هى الدلالة لا الثبوت، وعلى هذا ففى الاستدلال بالآية المذكورة على وجوب الإتمام
ترجيح ما هو ظنى الدلالة على ما هو قطعى الدلالة ، ولا شك أنه ترجيح المرجوح، وذالا يجوز عند أحد. والثانى
أن الآية المذكورة عامة. قال ابن المنير المالكى: ليس فى تحريم الأكل فى صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة
كقوله لا تبطلوا أعمالكم، إلا أن الخاص مقدم على العام كحديث سلمان - انتهى والثالث أن المراد فى الآية بالإيطال
هو الايطال الأخروى بالرياء والسمعة، لا الايطال الفقهى .. قال ابن عبد البر المالكى: من احتج فى هذا بقوله لا تبطلوا
أعمالكم فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهى عن الرياء، كأنه قال لا تبطلوا أعمالكم
بالرياء ، بل أخلصوها لله. وقال الآخرون لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهى عن إبطال ما
لم يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب،
وهم لا يقولون بذلك - انتهى. وقال الشيخ محمد أنور الحنفى: أما الاستدلال بقوله تعالى لا تبطلوا أعمالكم ليس
بناهض ، لأن الآية إنما سيقت لبطلان الثواب لا للبطلان الفقهى، كما يدل عليه السياق، فهى كقوله تعالى: ﴿لا تبطلوا
صدقاتكم بالمن والأذى ٢: ٢٦٢﴾ - انتهى. والرابع ما ذكره الشيخ بحر العلوم اللكنوى الحنفى فى شرح مسلم
الثبوت (٥٨ من طبعة الهند) إن هنا كلامان عويصان: الأول أن الدليل لوتم لدل على وجوب الإتمام ، فتركه يكون
إنما، وقد صح عن رسول الله مَ لّهه فى صحيح مسلم إفساد صوم النفل بالأكل ، ولا ينفع حينئذ ما فى فتح القدير أنه
عليه الصلاة والسلام لعله قضاه ، فإن الكلام فى نفس الإفطار فإنه حينئذ مشتمل على ترك الواجب. فإن قلت: لعله
يكون الإفطار فى صيام التطوع رخصة مطلقا كما أنه رخصة فى الفرض فى حق المسافر. قلت فأين الوجوب فإن
٦٧
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الإيمان
٤
الواجب ما يأثم بتركه ، ولا مخلص عند هذا العبد إلا بإبداء عذر (أى معين لا احتمالا) أو بإثبات المنسوخية، أو
بالقول بأن الوجوب كوجوب الصلاة على من أستأهل فى الآخر، فتدبر. الثانى أن بعض الصوم لما لم يكن صوما لم يكن
فيه إيطال العمل ، فإنه ما عمل إلا بعد الصوم، وليس بعمل، فالإفطار لا يوجب إبطال العمل ، فتأمل فيه - انتهى.
وأجاب بعضهم عن الثانى بأن بعض الصوم وإن لم يكن عملا بالفعل لكنه فى معرض أن يصير عملا ، فتركه إبطال
للعمل. وتعقب بأن إطلاق العمل على ما هو فى معرض أن يصير عملا لا شك أنه مجاز، وعلى هذا فيلزم الجمع بين
الحقيقة والمجاز، وهو لا يجوز عند الحنفية وأجيب عن الاحتجاج بإجماع الصحابة ، بأنه مجرد دعوى بلا سند،
فلا يقبل. قال القارى: هو مردود، لأن ذكر السند ليس بشرط لصحة الاجماع ، مع أن الآية سند معتمد لصحة
الإجماع. قلت: لم يثبت نصا عن أحد من الصحابة أنه ذهب إلى وجوب الإتمام بعد الشروع، فضلا عن إجماعهم
على ذلك فلا يلتفت إلى دعوى الإجماع مع وجود النصوص الصريحة على عدم الوجوب ، وأما الاستناد بالآية فقد
عرفت فساده. وأما الجواب عن القياس فهو أن الحج امتاز عن غيره بلزوم المضى فى فاسده فكيف فى صحيحه،
وكذلك امتاز بلزوم الكفارة فى نفله كفرضه ، ويرد على أصل مذهب الحنفية بأن النفل إذا كان واجبا بالشروع كما
فى كتب الأصول ففى التلويح (ج ١: ص ٣٠٦ - طبعة مصر): والنفل لا يضمن بالترك. وأما إذا شرع فيه،
وأفسد فقد صار بالشروع واجبا فيقضى - انتهى. وفى كشف الأسرار (ج ١: ص ١٣٥): وأما إذا شرع النفل
ثم أفسده ، فإنما يجب القضاء، لأنه بالشروع صار ملحقا بالواجب ، لا لأنه نفل كما قبل الشروع - انتهى. فيلزم
حينئذ أن لا يكون النفل من حيث أنه نقل عبادة عملا ، وعلى هذا فالمسائل التى تتعلق بنفس النفل لا يكون لها مصداق
فى الواقع مثل قولهم صلاة المفترض خلف المتفل لا تجوز، فتأمل وقالت الشافعية: الدليل على كون الاستثناء فى
الحديث منقطعا ما روى النسائى وغيره أن النبى رؤيته كان أحيانا ينوى صوم التطوع ثم يفطر، وفى البخارى أنه أمر
جويرية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت ، ولم يأمرها بالقضاء، وروى البيهقى عن أبى سعيد قال صنعت
للنبي ◌َّ طعاما، فلما وضع قال رجل أنا صائم فقال رسول رسول اللّه مَّه: دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر فصم
مكانه إن شئت. قال الحافظ فى الفتح بعد ذكر هذا الحديث: إسناده حسن - انتهى. ففى هذه الأحاديث الثلاثة ،
وحديثى أم هانئى وعائشة المتقدمين دليل على أن الشروع فى العبادة لا يستلزم الاتمام إذا كانت نافلة، بهذه النصوص
فى الصوم، وبالقياس فى الباقى إلا الحج، وأجاب العينى عن ذلك بأن حديث النسائى لا يدل على أنه مؤيفة ترك القضاء،
وإفطاره مَّه ربما كان لعذر مثل الجوع أو غيره، وحديث جويرية إنما أمرها بالإفطار عند تحقق واحد من
الأعذار كالضيافة ، أو لأنها صامت بغير إذنه واحتاج لها ، وليس فيه أنها تركت القضاء، وكل ما جاء من أحاديث
الباب محمول على مثل هذا - انتهى. وقال الزرقانى: وإذا احتمل ذلك سقط به الاستدلال لأن القصتين من وقائع
الأحوال التى لا عموم لها. وقد قال تعالى: لا تبطلوا أعمالكم ـ انتهى. قلت: ابداء مثل هذه الاحتمالات ، من غير
منشأ وقرينة تدل عليها، مما لا يلتفت إليه فإنه تحكم محض ، يفعله صاحبه ترويجا ادعواه وتمشية لمذهبه، ولو كان القضاء
٦٨
مرعاة المفاتيح ج.١
كتاب الايمان
وصيام شهر رمضان، فقال: هل على غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: وذكر له
رسول اللّه عَّ الزكاة، فقال: هل على غيرها؟ فقال لا، إلا أن تطوع،
واجبا لأمر ◌َّ جويرية بالقضاء، ونقل إلينا ألبتة، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. ولو سلم أنه وقع
القضاء منهما لما كفى لاثبات وجوب القضاء، فإن الفعل لا يدل على الوجوب فيحتمل أن قضائهما كان ندبا ، لا لأنه
واجب. وأما قول الزرقانى ففيه أن قوله مزوّم وأمره وفعله وتقريره حجة لكل شخص فى كل زمان ومكان وحال،
ما لم يدل دليل على الخصوصية. وقد تقدم أن الاستناد بالآية على وجوب الإتمام جهل. وقال العينى: ولو وقع
التعارض بين الأخبار فالترجيح معنا لثلاثة أوجه. أحدها : إجماع الصحابة. والثانى: أحاديثنا مثبتة ، وأحاديثهم
نافية، والمثبت مقدم. والثالث: أنه احتياط فى العبادة. قلت: قد عرفت فيما تقدم أن دعوى الإجماع باطلة . وأما
قوله إن أحاديث الحنفية تقدم على أحاديث الشافعية لكون الأولى مثبتة والثانية نافية، ففيه أن تقديم المثبت على الثانى
إنما هو إذا كانت أحاديث الطرفين متساوية فى القوة والضعف، وههنا أحاديث النفى أرحج وأقوى من حيث الكثرة
والصحة ، وأحاديث الإثبات مرجوحة ضعيفة ، فتقدم أحاديث النفى عليها ، وليس الاحتياط فى جعل الشئى واجبا من
غير دليل قوى ، بل الاحتياط فى العمل بالسنة الصحيحة سواء كانت مثبتة للوجوب أو نافية له مع أن الأصل براءة
الذمة فافهم (وصيام شهر رمضان) عطف على خمس صلوات، وجملة السوال والجواب معترضة (قال) أى طلحة
راوى الحديث (وذكر له رسول الله مؤلّ الزكاة) هذا قول الراوى، كانه نسى ما نص عليه رسول اللّه مو ◌ّل أو
التبس عليه فقال ((وذكر له الزكاة). وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ معتبرة فى الرواية، فإذا التبس عليه يشير فى
لفظه إلى ما ينبئى عنه كما فعل الراوى ههنا. وفى رواية البخارى فى الصيام : قال: فأخبرنى بما ذا فرض الله على من
الزكاة ، قال فأخبره رسول الله رؤيتهم بشرائع الإسلام أى بنصب الزكاة ومقاديرها وغير ذلك مما يتناول الحج
وأحكامه وجميع المنهيات وأما تعقب الابى بإرجاع لفظ الشرائع إلى ما ذكر قبله لأن العام المذكور عقب خاص
يرجع إلى ذلك الخاص على الصحيح، فهو مردود عليه فإن الصحيح والحق فى مثل هذا أن ذكر العام بعد الخاص يكون
للتعميم ولدفع توهم اختصاص الحكم بالخاص المذكور قبله. فافهم. قال الحافظ: تضمنت هذه الرواية أن فى القصة
أشياء أجملت منها بيان نصب الزكاة فانها لم تفسر فى الروايتين، وكذا أسماء الصلوات ، وكان السبب فيه شهرة ذلك
عندهم ، أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناج وإن لم يفعل النوافل - انتهى (فقال لا إلا أن تطوع)
قيل : يعلم منه أنه ليس فى المال حق سوى الزكاة بشروطها. قال القارى: وهو ظاهر إن أريد به الحقوق الأصلية
المتكررة تكررها وإلا فقوق المال كثيرة كصدقة الفطر والنفقات الواجبة. قلت: الكلام فى حقوق المال وايس شئ
من هذه الأشياء من حقوق المال بمعنى أنه يوجبه المال بل يوجبه أسباب أخر كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك
٦٩
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله
مرَّفتى : أفلح الرجل إن صدق، متفق عليه.
١٧ - (١٦) وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: إن وفد عبد القيس
(والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه) أى لا أزيد على شرائع الإسلام ولا أنقص منها شيئا. والدليل عليه ما فى
رواية البخارى (ج ١: ص ٢٥٤) فى الصيام لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله على شيئا. قيل: كيف أقره على
حلفه وقد ورد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرا؟ وأجيب بأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص،
وهذا جار على الأصول بأن لا إثم على غير تارك الفرائض ، فهو مفلح وإن كان غيره أكثر فلاحا منه وقال الباجى:
يحتمل أنه سويع فى ذلك لأنه فى أول الإسلام (أفلح الرجل إن صدق) قال ابن بطال: دل هذا على أنه إن لم يصدق فى
التزامها أنه ليس بمفلح ، وهذا خلاف قول المرجئة. وليس فيه تسويغ لترك السنن لما قال القرطبي : لم يسوغ له تركها
دائما ولكن لقرب عهده بالإسلام اكتفى منه بالواجبات ، وأخره حتى يأنس وينشرح صدره ويحرص على الخير
فيسهل عليه المندوبات - انتهى. وفى الحديث رد على المرجئة إذ شرط فى فلاحه أن لا ينقص من الأعمال والفرائض
المذكورة، وهم يقولون: التصديق وحده كاف للنجاة ، لا حاجة إلى العمل ، ولا يضر المعصية مع التصديق
(متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود والنسائى.
١٧ - قوله (وعن ابن عباس) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشى الهاشمى، أبو العباس المكى ثم
المدنى ثم الطائفى، ابن عم النبى مَّه وصاحبه، وأمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث أخت ميمونة أم المؤمنين.
ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفى النبى معَّة وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقال أحمد: خمس عشرة سنة،
والأول أثبت. كان يقال له الحبر والبحر لكثرة عليه، وترجمان القرآن. دعا له النبي حديثة بالحكمة والفقه والعلم
وتأويل الكتاب، ورأى جبرائيل عليه السلام مرتين. قال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت أجمل الناس،
وإذا نطق قلت أفصح الناس، وإذا حدث قلت أعلم الناس. وكان عمر يدنيه ويقربه ويشاوره مع
أجلة الصحابة ، ومناقبه كثيرة وفضائله مشهورة ، بسط ترجمته الحافظ فى الإصابة، وابن عبد البر فى الاستيعاب.
روى عن النبى يَّ ألفا وست مائة وستين حديثا، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخارى بثمانية وعشرين، ومسلم
بتسعة وأربعين. ورى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. مات بالطائف سنة ٦٨، وهو ابن ٧١، سنة على
الصحيح، فى أيام ابن الزبير ، وصلى عليه محمد بن الحنفية. وقد كف بصره فى آخر عمره. وقال الخزرجى: ابن
عباس سمع النبي مرَّ خمسة وعشرين حديثا، وباقى حديثه من الصحابة، واتفقوا على قبول مرسل الصحابى - انتهى
(إن وفد عبد القيس) الوفد جمع وافد، وهو الذى أتى إلى الأمير برسالة من قوم. وقيل الوفد: الجماعة المختارة من
٧٠
١
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
لما أتوا التى تَّ قال رسول اللّه عَلَى: من القوم أو من الوفد؟ قالوا: ربيعة. قال:
مرحبا بالقوم أو بالوفد غير خزايا ولا ندامى.
القوم ليتقدموهم إلى لقى العظماء والمصير إليهم فى المهمات. وعبد القيس: أبو قبيلة عظيمة تنتهى إلى ربيعة بن نزار بن
معد بن عدنان. وربيعة: قبيلة عظيمة فى مقابلة مضر، وكان قبيلة عبد القيس ينزلون البحرين وحوالى القطيف وما بين
هجر إلى الديار المصرية. وقال صاحب التحرير: وفد عبد القيس كانوا أربعة عشر راكبا، كبيرهم الأشج المصرى.
وقيل كانوا ثلاثة عشر راكبا، كما فى المعرفة لابن مندة. وقيل كانوا أربعين رجلا ، رواه الدولابى. وجمع بأن لهم
وفادتين إحداهما فى سنة خمس أو قبلها أو سنة ست وكان عدد الوفد فيها ثلاثة عشر را كبا وكان فيهم الأشج العصرى.
وثانيتهما كانت فى سنة الوفود وكان عددهم حينئذ أربعين رجلا وكان فيهم الجارود العبدى، أو يقال بأن الأربعة
عشر كانوا رؤس الوفد وأشرافهم وكان الباقون أتباعا وقال العينى (ج ١: ٣٠٩) جملة الجمع تكون خمسة وأربعين
نفساً ، فعلمنا أن التنصيص على عدد معين لم يصح، ولهذا لم يخرجه البخارى ومسلم بالعدد المعين، ثم ذكر العينى نقلا عن
شرح مسلم للنووى سبب قدومهم. قال القاضى: كان وفودهم عام الفتح قبل خروج النبي حديثه إلى مكة. قال الحافظ:
تبع القاضى فيه الواقدى وليس بجيد لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح، ولكن القاضى يختار أن فرض الحج
كان سنة تسع حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور (لما أتوا النبى مَّ) أى حضروه (من القوم أو من الوفد) شك
من الراوى ، والسؤال الاستئناس، أو ليعرفوا فينزلوا منازلهم (قالوا ربيعة) أى قال بعض الوفد نحن ربيعة أو وفدريعة،
على حذف مضاف. وفى نسخة بالنصب أى نسمى ربيعة ، وفيه التعبير عن البعض بالكل لأنهم بعض ربيعة ، وهذا من
بعض الرواة فإن عند البخارى فى الصلاة: فقالوا إنا هذا الحى من ربيعة (قال مرحبا بالقوم أو بالوفد) أى أصاب
د ..
الوفد رحبا بضم الراء أى سعة، والرحب بالفتح: الشفى الواسع أو أتى القوم موضعا واسعا، فالباء زائدة فى الفاعل،
ومرحبا مفعول به لمقدر، أو أتى الله بالقوم مرحبا ، فالباء للتعدية ومرحبا مفعول مطلق. وقيل هو من المفاعيل
المنصوبة بعامل مضمر لازم إضماره لكثرة دورانه على ألسنة العرب. ويقال هذا لتأنيس الوافد وإزالة الاستحياء
عن نفس من أتى من باغى خير وقاصد حاجة (غير خرايا) بفتح الخاء جمع خزيان من الخزى وهو الذل والإهانة،
أى غير أذلاء مهانين ، ونصب غير على الحال من الوفد، والعامل فيه الفعل المقدر فى مرحبا. وفى رواية للبخارى مرحبا
بالوفد الذين جاؤا غير خزايا. قال القارى: وجوز جره على أنه بدل من القوم. وقال العينى: ويروى غير بكسر
الراء على أنه صفة للقوم. فإن قلت: إنه نكرة كيف وقعت صفة للمعرفة؟ قلت: العرف بلام الجنس قرب المسافة بينه.
وبين النكرة لحكمه حكم النكرة إذ لا توقيت فيه ولا تعيين - انتهى (ولا ندامى) جمع نادم على غير قياس، إذ قياسه
· نادمين لكنه اتبع خزايا تحسينا للكلام ، كما قالوا العشايا والغدايا، والقياس الغدوات جمع غداة لكنه اتبع لما يقارنه،
٧١
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
قالوا: يا رسول اللّه إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا فى الشهر الحرام وبيننا وبينك هذا الحمى
من كفار مضر فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا وندخل به الجنة ،
وإذا أفردت لم يجز إلا الغدوات. وقيل هو جمع ندمان بمعنى نادم من الندامة كما حكى القزاز والجوهرى وغيرهما من
أهل اللغة. وعلى هذا يكون الجمع على الأصل ولا يكون من باب الاتباع. والمعنى: ما كانوا بالإتيان إلينا خاسرين
خائبين لأنهم أسلموا طوعا من غير حرب أو سبى يخزيهم ويفضحهم (قالوا يا رسول الله) فيه دليل على أنهم كانوا حين
المقابلة مسلمين، وكذا فى قولهم («كفارمضر، وفى قولهم («الله ورسوله أعلم» (لا نستطيع أن نأتيك) أى فى جميع الأزمنة
(إلا فى الشهر الحرام) المراد به الجنس فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده رواية البخارى فى المغازى بلفظ إلا فى أشهر
الحرم ، وفى المناقب إلا فى كل شهر حرام. وقيل اللام للعهد، والمراد شهر رجب، وفى رواية للبیقی التصريح به ،
وكانت حضر بالغ فى تعظيم شهر رجب ظهذا أضيف إليهم فى حديث أبى بكرة عند البخارى حيث قال: رجب مضر،
والظاهر أنهم بخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال فى الأشهر الثلاثة الأخرى إلا أنهم ربما أنسوها بخلافه. وإنما
قالوا ذلك اعتذارا عن عدم الإتيان إليه مول فى غير هذا الوقت لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضا ، ويكفون
فى الأشهر الحرم تعظيما لها وتسهيلا على زوار البيت الحرام من الحروب والغارات الواقعة منهم فى غيرها ، ومن ثم
كان يمكن مجى هؤلاء إليه عليه الصلوة والسلام فيها دون ما عداها. قال الحافظ: وفيه دليل على تقدم إسلام
عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة ، ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضا ما رواه البخارى فى الجمعة
عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة فى مسجد رسول مَّه فى مسجد عبد القيس بحوائى من البحرين، وإنما
جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم. فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام - انتهى، واحفظه فإنه ينفعك فى مسئلة
الجمعة فى القرى (وبيننا وبينك هذا الحى) الجملة حال من فاعل نأتيك، أو بيان لوجه عدم الاستطاعة. والحى: هو اسم
لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به اتساعا لأن بعضهم يحيى ببعض (من كفار مضر) كلمة من البيان، ومضر هو ابن نزار
ابن معد بن عدنان، فهو أخو ربيعة أبى عبد القيس (بأمر فصل) الفصل بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل ، أى يفصل
بين الحق والباطل ، أو بمعنى المفصل المبين المكشوف، حكاه الطيبى. وقال الخطابى: الفصل هو الواضح البين الذى
ينفصل به المراء ولا يشكل. وقيل المحكم. والأمر بمعنى الشان، واحد الأمور. والباء صلة والمراد به معنى اللفظ
ومورده. وقيل الأمر واحد الأوامر أى القول الطالب للفعل والباء الاستعانه، والمراد بهاللفظ والمأمور به محذوف
أى مرنا بعمل بقولك آمنوا أو قولوا آمنا كذا فى المرقاة (خبر) بالرفع على أنه صفة ثانية لأمر أو استئناف، وبالجزم
على أنه جواب الأمر (من وراءنا) بفتح الميم، والهمزة موصولة أى من استقروا خلفنا (وندخل) برفع اللام وجزمها
عطفا على تخبر الموجه بوجهين (به) أى بسبب قبول أمرك والعمل به (الجنة) هذا لا ينافى قوله مؤيقيم «لن يدخل الجنة
٧٢
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
وسألوه عن الأشربة، فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع. أمرهم بالايمان بالله وحده. قال
أتدرون ما الايمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا اللّه،
وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلوة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس
أحد منكم بعمله، لأن المراد نفى كون العمل سببا مستقلا فى الدخول مع قطع النظر عن كونه من الرحمة والفضل ،
إذ القصد به الرد على من يرى عمله متكفلا بدخولها من غير ملاحظة لكونها من جملة رحمة الله، أو المراد الجنة العالية
أو أن درجاتها بالعمل ودخولها بالفضل (وسألوه عن الأشربة) جمع شراب وهو ما يشرب أى عن حكم ظروف
الأشربة، فالمضاف محذوف، أو التقدير عن الأشربة التى تكون فى الأوانى المختلفة فعلى هذا يكون محذوف الصفة ،
والمراد عن حكمها (فأمرهم بأربع) أى بأربع خصال، أو بأربع جمل بقولهم حدثنا بحمل من الأمر فى رواية البخارى
فى المغازى (ونهاهم عن أربع) أى أربع خصال وهى أنواع الشرب باعتبار أصناف الظروف الآتية (قالوا الله ورسوله أعلم)
تأدبا وطلبا للسماع منه رَّةٍ لأن القوم كانوا مؤمنين (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) برفع شهادة
لا غير على أنها خبر مبتدأ محذوف هوهو ، أى الإيمان بالله وحده الذى هو بمعنى الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله
إلخ (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان) برفع الثلاثة على ما سيأتى بيانها وقيل بجرها عطفا على الإيمان فى
قوله أمرهم بالايمان بالله وحده (وأن تعطوا من المغنم) بفتح الميم والنون أى الغنيمة (الخمس) بضم الميم وسكونها وأن
تعطوا فى محل الرفع عطفا على قوله وصيام رمضان فيكون واحدا من الأركان. قال الطبى: فى الحديث إشكالان.
أحدهما: أن المأمور به واحد والأركان تفسير للإيمان بدلالة قوله «أتدرون ما الايمان بالله وحده)، وقد قال أربع
أى الايمان واحد والموعود بذكره أربع فأين الثلاثة الباقية؟ وثانيهما أن الأركان أى المذكورة خمسة وقد ذكر أولا
أنها أربعة. وأجيب عن الأول بأنه جعل الايمان أربعا نظرا إلى أجزاء المفصلة يعنى أن الإيمان باعتبار
أجزاءه المفصلة أربع وهو فى حد ذاته واحد والمعنى: أنه اسم جامع للخصال الأربع التى ذكر أنه يأمرهم بها ثم فسرها
فهو واحد بالنوع متعدد بحسب وظائفه كما أن المنهى عنه وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار واحد بالنوع متعدد بحسب
أوعيته. وعن الثانى بأن عادة البلغاء إذا كان الكلام منصبا لغرض من الأغراض جعلوا سياقه له وكأن ما سواه
مطروح: فيهنا ذكر الشهادتين ليس مقصودا لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتى الشهادة ولكن ربما كانوا يظنون
أن الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر فى صدر الاسلام، قال فلهذا لم يعد الشهادتين فى الأوامر. وقال الكرمانى:
لم يجعل الشهادة بالتوحيد وبالرسالة من الأربع لعلهم بذلك وإنما أمرهم بأربع لم يكن فى علمهم أنها دعائم الإيمان، وإلى
هذا نحا القرطبى فقال: ذكر الشهادتين تبركا بهما كما فى قوله ﴿واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه - ٨: ٤١)
٧٣
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
ونهاهم عن أربع، عن الحنتم
ومحمل كلام الطبى والكرمانى والقرطبي أن ذكرهما ليس مقصودا من الأربع بل هو جملة معترضة بين الأربع وبين مبينها ،
ويؤيده رواية البخارى (ج ٢: ص ٦١٢) فى الأدب أربع وأربع أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان
وأعطوا خمس ما غنمتم، الحديث. ويؤيده أيضا حديث أبى سعيد الخدرى عند أحمد (ج ٣: ص ٢٣) فى قصة وفد
عبد القيس من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عروبة، وفيه آمركم بأربع وأنها كم عن أربع، اعبدوا الله ولا تشركوا به
شيئا. فهذا ليس من الأربع وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا من الغنائم الخمس، الحديث.
لكن ينافى قولهم ، ويعارض حديث أبى سعيد هذا رواية البخارى فى المغازى بلفظ آمركم بأربع وأنها كم عن أربع
الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة، وفى فرض الخمس وعقد بيده. وفى رواية أبى داود: وعقد بيده
واحدة فدلت هذه الروايات أن الشهادة إحدى الأربع. لا يقال: إن العقد كان للإشارة إلى التوحيد لأن المعهود فيها
الإشارة بنصب المسبحة دون العقد، والراوى ذكر الفقد، وكذا يخالفهم ما فى رواية البخارى فى أوائل المواقيت
· ولفظه: آمركم بأربع وأنها كم عن أربع الايمان بالله ثم فسرها لهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله،
الحديث. فهذا أيضا يدل على أنه عد الشهادتين من الأربع لأنه أعاد الضمير فى قوله «ثم فسرها)، مؤنثا فيعود على
الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرا ، لكن يمكن أن يقال إنه أنت الضمير نظرا إلى أن المراد بالإيمان
الشهادة أو إلى أنه خصلة. وأجيب أيضا عن الإشكال الثانى بأنه عد الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها فى كتاب
اللّه، وتكون الرابعة أداء الخمس. وقيل أداء الخمس داخل فى عموم إيتاء الزكاة فلم يعده مستقلا؟ والجامع بينهما أنهما
إخراج مال معين فى حال دون حال. هذا ، وما ذكرناه فى توضيح الاشكال ورفعه يوافق حديث جبريل ومذهب
:
السلف فى الإيمان من كون الأعمال داخلة فى حقيقته فإنه قد فسر الإسلام فى حديث جبريل بما فسر به الايمان فى
قصة وفد عبد القيس ، فدل هذا على أن الأشياء المذكورة، وفيها أداء الخمس، من أجزاء الإيمان، وأنه لا بد فى
الإيمان من الأعمال خلافا المرجئة. قال الحافظ معتذرا عن عدم ذكر الحج فى الحديث: إنما أخبرهم ببعض الأوامر
لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة ، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله فى الحال ولم يقصد إعلامهم بجميع
الأحكام التى تجب عليهم فعلا وتركا، ويدل على ذلك اقتصاره فى المناهى على الانتباذ فى الأوعية مع أن فى المناهى ما هو
أشد فى التحريم من الانتباذ لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها. انتهى (ونهاهم عن أربع) أى خصال (عن الحنتم)
بدل من قوله عن أربع باعادة الجار وهو من إطلاق المحل وإردة الحال أى ما فى الحنتم ونحوه. وصرح المراد فى
رواية للنسائى فقال: وأنها كم عن أربع ما ينتبذ فى الحنتم، الحديث. والحنتم بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح
المثناة من فوق: هى الجرة مطلقا، وقبل خضراء، وقيل حمراء أعناقها فى جنوبها يجلب فيها الخمر من مضر وقيل من
الطائف، وقيل هى جرار تعمل من طين ودم وشعر، أقوال الصحابة وغيرهم ولعلهم كانوا ينقبذون فى ذلك كله.
٧٤
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
والدباء والنقير والمزفت، وقال: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم. متفق عليه، ولفظه للبخارى.
١٨ - (١٧) وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول اللّه مؤ فتم وحوله عصابة من
أصحابه: بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم
(والدباء) بضم الال المهملة وتشديد الموحدة والمد وقد يقصر: وعاء القرع وهو اليقطين اليابس وهو جمع والواحدة دباءة
ومن قصر قال ((دباة)) (والنقير) بفتح النون وكسر القاف: أصل النخلة ينقر وسطه فيتخذ منه وعاء وينبذ فيه (والمزفت)
بتشديد الفاء أى المطلى بالزفت أى القار ، وربما قال ابن عباس المقير بدل المزفت. ومعنى النهى عن الانتباذ فى هذه
الأوعية بخصوصها لأنه يسرع فيها الإسكار فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم ثبتت الرخصة فى الانتباذ فى كل وعاء مع
النهى عن شرب كل مسكر كما سيأتى فى باب النقيع (احفظوهن) أى الكلمات المذكورات (وأخبروا بهن) بفتح الهمزة
(من وراء كم) بفتح من وهى موصولة ووراء كم يشمل من جاءوا من عندهم وهذا باعتبار المكان ويشمل من يحدث لهم من
الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان فيحتمل إعمالها فى المعنين حقيقة ومجازا (متفق عليه) وأخرجه أيضا أبو داود
والترمذى والنسائى وغيرهم (ولفظه البخارى) يعنى لمسلم معناه فيهذا المعنى صار الحديث متفقا عليه.
١٨ - قوله (وعن عبادة) بضم العين وتخفيف الموحدة (بن الصامت) بن قيس الأنصارى الخزرجى المدنى ،
يكنى أبا الوليد، شهد العقبتين وبدرا والمشاهد كلها ، وهو أحد النقباء، ثم وجهه عمر إلى الشام قاضيا ومعلما فأقام
بحمص ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها فى الرملة، وقيل بيت المقدس سنة ٣٤ وهو ابن ٧٢ سنة، وقيل عاش إلى خلافة
معاوية وهو أحد من جمع القرآن فى زمن النبي ◌َّ ، رواه البخارى فى تاريخه الصغير وابن سعد عن محمد بن كعب
القرظى ، وكان طويلا جسيما جميلا فاضلا. قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار. له مائة وأحد وثمانون
حديثا، اتفقا منها على ستة ، وانفرد البخارى بحديثين ، وكذا مسلم. روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين (وحوله)
نصب على الظرفية خبر لقوله (عصابة) بالكسر اسم جمع كالعصبة لما بين العشرة إلى الأربعين من العصب وهو الشد ،
كأن بعضهم يشد بعضا. والجملة حالية (من أصحابه) فى محل الرفع لأنه صفة لعصابة، أى عصابة كائنة من أصحابه.
وكلمة ((من)) للتبعيض، ويجوز أن تكون البيان (بايعونى) أنى عاقدونى. سميت المعاهدة على الإسلام بالمبايعة تشبيها
لنيل الثواب فى مقابلة الطاعة بعقد البيع الذى هو مقابلة مال ، ووجه المفاعلة أن كلامن المتبايعين يصير كأنه باع ما عنده
من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته كما فى قوله تعالى: ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة -
٩: ١١١﴾ (لا تشركوا بالله شيئا) مفعول به أو مفعول مطلق (ولا تسرقوا) من سرق بالفتح يسرق بالكسر سرقا
وهو أخذ مال الغير محرزا بخفية (ولا تقتلوا أولادكم) خص القتل بالأولادلأنه قتل وقطيعة رحم، فالعناية بالنهى عنه
٧٥
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
ولا تأتوا بيهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا فى معروف، فمن وفى منكم فأجره
على اللّه ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فى الدنيا
آكد و لأنه كان شائعا فيهم وهو وأد البنات خوف لحوق عيب وعار وقتل البنين خشية إملاق وإقتار، أو خصهم
بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم (ولا تأتوا بيهتان) الباء للتعدية والبهتان بالضم الكذب الذى يبهت سامعه
أى يدهشه لفظاعته (تفترونه) أى تخلقونه، صفة بهتان (بين أيديكم وأرجلكم) أصل هذا كان فى بيعة النساء وكنى بذلك
عن نسبة المرءة الولد الذى تزنى به أو تلتقطه إلى زوجها كذبا لأن بطنها الذى يحمله بين يديها وفرجها الذى تلد منه بين
رجليها ، ثم لما استعمل هذا اللفظ فى بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولا فقيل معناه: لا تأتوا بيتان
من قبل أنفسكم ومن عند ذواتكم ، فاليد والرجل كنايتان عن الذات لأن معظم الأفعال يقع بهما وقد يعاقب الرجل
بجناية قولية فيقال له: هذا بما كسبت يداك. أو معناه لا تنسوه مبنيا على ظن فاسد وغش مبطن من ضمائركم
وقلوبكم التى بين أيديكم وأرجلكم ، فالأول كناية عن إلقاء البهتان من تلقاء أنفسهم، والثانى عن إنشاء البهتان من دخيلة
قلوبهم مبنيا على الغش المبطن. وقيل معناه: لا تنبهتوا الناس بالعيوب كفاحا مواجهة، كما يقال: فعلت هذا بين يديك
أى بحضرتك، وأراد ههنا الأيدى وذكر الأرجل تاكيدا له (ولا تعصوا) بضم الصاد وفى رواية للبخارى ، ولا
تعصونى وهو مطابق للآية (فى معروف) قال فى النهاية: هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى والإحسان
إلى الناس ، وكل ما ندي إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات - انتهى. ونبه بذلك على أن طاعة المخلوق
إنما تجب فيما كان غير معصية لله فهى جديرة بغاية التوقى فى معصية الله (فمن وفى) أى ثبت على ما بايع عليه بتخفيف الفاء
وتشديدها وهما بمعنى (فأجره على الله) قال الحافظ: أطلق هذا على سبيل التفخيم لأنه لما ذكر المبايعة المقتضية لوجود
العوضين أثبت ذكر الأجر فى موضع أحدهما، وأفصح فى رواية الصنابحى عن عبادة فى هذا الحديث فى الصحيحين بتعيين
العوض فقال بالجنة، وعبر هنا بلفظ على البالغة فى تحقيق وقوعه كالواجبات فإن قيل لم اقتصر على المنهيات ولم
يذكر المأمورات فالجواب أنه لم يهملها بل ذكرها على طريق الاجمال فى قوله ولا تعصوا، إذ العصيان مخالفة
الأمر ، والحكمة فى التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكف أيسر من إنشاء الفعل لأن اجتناب
المفاسد مقدم على اجتلاب المصالح والتخلى عن الرذائل قبل التحلى بالفضائل وترك سائر المنهيات لزيادة الاهتمام
بالمذكورات ، وفيه رد على المرجئة الذين يقولون بأن التصديق وحده كاف للنجاة وإنه لا تضر المعصية مع الايمان
(ومن أصاب من ذلك) أى من المذكور (نحوقب به) هو أعم من أن تكون العقوبة حدا أو تعزيرا، واختلفوا فى أنه
يتم العقوبات الشرعية ويشمل العقوبات القدرية كالمصائب والآلام والأسقام وغيرها أم لا ، فقيل نعم كما فى الحديث
لا يصيب المسلم نصب ولا هم ولا حزن حتى الشوكة يشاكما الرجل إلا كفر الله بها من خطاياه. وقيل لا ، لحديث
٧٦
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله عليه فهو إلى اللّه إن شاء عفا
عنه وإن شاء عاقه، فبايعناه على ذلك ،
خزيمة بن ثابت عند أحمد فى مسنده (ج ٥: ص ٢١٤، ٢١٥) بإسناد حسن: من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك
الذنب فهو كفارته. فإنه صريح فى أن المراد عن العقوبة المذكورة فى الحديث الحدود دون المصائب وقال الحافظ :
يحتمل أن يراد أن المصائب تكفر ما لا حد فيه (فهو) العقاب، وهذا مثل هو فى قوله تعالى: {اعدلوا هو أقرب
للتقوى - ٥: ٨﴾ (كفارة له) زاد فى رواية للبخارى: وطهور، بفتح الطاء أى يكفر إثم ذلك ولم يعاقب به فى
الآخرة قال النووى: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به - ٤: ٤٨﴾ فالمرتد إذا
قتل على الردة لا يكون القتل له كفارة - انتهى. ويستفاد من الحديث. أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب.
المحدود، وهو قول الجمهور. وقيل لا بد من التوبة ، وبذلك جزم بعض التابعين، وهو قول للعتزلة ، ووافقهم ابن
حزم، ومن المفسرين البغوى وطائفة يسيرة - انتهى. قلت: الأول قول مجاهد وزيد بن أسلم والثورى والإمام أحمد،
ورجحه ابن جرير وضعف القول بخلاف ذلك ووهنه جدا. قال الحافظ فى الفتح: واستدل البغوى ومن وافقه
باستثناء من تاب فى قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم - ٥: ٣٤)﴾ قال والجواب فى ذلك أنه فى
عقوبة الدنيا ولذلك قيدت بالقدرة عليه. انتهى (ثم ستره الله) أى ذلك الشئى المصاب (فهو إلى الله) أى أمره
وحكمه من العفو والعقاب مفوض إليه فلا يجب عليه عقاب عاص كما لا يجب عليه ثواب مطيع على المذهب الحق .
وفيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ، ورد على المعتزلة الذين يوجون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة لأن
النبى ◌َّم أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل لا بد أن يعذبه (إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) يشمل من تاب من ذلك
ومن لم يتب، وقال بذلك طائفة، وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة ومع ذلك فلا يأمن مكر الله
لأنه لا إطلاع له هل قبلت توبته أو لا. وقيل يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب، كذا فى الفتح وأعلم أنه
ذهب أكثر العلماء ومنهم الشافعية إلى أن الحدود كفارات وسواتر، واستدلوا بحديث عبادة هذا، وهو صريح فى
ذلك ويؤيده ما رواه غير واحد من الصحابة منهم على بن أبى طالب أخرج حديثه أحمد والترمذى فى الايمان وحسنه
وابن ماجه والحاكم وصححه، ومنهم أبو تميمة الجهيمى أخرج حديثه الطبرانى باسناد حسن ، ومنهم خزيمة بن ثابت
أخرج حديثه أحمد وقد تقدم لفظه ، ومنهم ابن عمر وأخرج حديثه الطبرانى مرفوعاواختلفت الحنفية فيه فقال
أبو الحسن الطالقانى الحنفى كما فى طبقات الشافعية وأبو بكر الكاسانى صاحب البدائع: إن الحدود كفارات. وصرح
صاحب الدر المختار بأنها ليست بكفارة بل هى روادع وزواجر فقط واستدل له بقوله تعالى: ﴿ ذلك لهم خزى فى الدنيا
ولهم فى الآخرة عذاب عظيم - ٥: ٣٣)﴾ فى آية المحاربة فإنه يدل على أنهم يعذبون فى الآخرة بعد إقامة الحد عليهم فى
٧٧
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
الدنيا فلم يكن الحد كفارة لهم وأجيب بأن الآية نزلت فى العرنيين ومعلوم أنهم كانوا ارتدوا بعد إسلامهم وحينئذ
فالآية خارجة عن موضع النزاع لأن المسئلة إنما كانت فى المسلمين لأن التكفير فى حق المشركين لم يقل به أحد والآية
وإن لم تأخذ الكفر والارتداد فى العنوان بل أدارت الحكم على وصف قطع الطريق وهو يقتضى أن يدور الحكم على
هذا الوصف سواء كان من المسلم أو المرتد أو الكافر أو الذمى ، ولا يقتصر على المرتد والكافر فقط ، لكن يمكن أن
يقال إنه جرى ذكر العذاب فى الآخرة فى الآية لحال الفاعلين أى لحال كفرهم لا لحال الفعل فإن المعصية الواحدة
تختلف شدة وضعفا باعتبار حال الفاعلين ، فقد تكون المعصية من المؤمن ويخف العذاب عليها رعاية لإيمانه، وقد
تكون تلك المعصية بعينها من الكافر ويزاد فى عقوبته لحال كفره ، فقطع الطريق من المسلمين شفيع ، وهو من المرتدين
أشنع. وعلى هذا فلا دليل فى الآية على أن المسلم لو فعل ذلك ثم أقيم عليه الحد كان له عذاب فى الآخرة أيضا لأنه
ليس جزاء للفعل على هذا التقدير بل الشناعة فى الجزاء بشناعة الفاعلين، كذا قرره الشيخ محمد أنور الحنفى ويمكن
أن يقال: إنه يحتمل أن يكون حديث عبادة مخصصا لعموم الآية أو مينا أو مفسرا لهاواستدل له أيضا بقوله تعالى:
﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه، إن الله غفور رحيم - ٥: ٣٩)﴾ فى آية حد السرقة. قيل هو دليل
صريح على أن إقامة الحد لا تكون كفارة إلا بعد التوبة من ظلمه وإصلاح عمله وأجيب عنه بأنه لا دليل فى الآية
على ذلك لأن ظاهر معنى الآية: أن من تاب من بعد ظلمه، أى سرقته يعنى حسن حاله فى المستقبل وأصلح عمله وعزم
على ترك العود إلى مثل ذلك فيقبل الله توبته ويرحمه ويطهره من جميع الذنوب، وأما ذنب هذه السرقة فقد زال بنفس
إقامة حد السرقة ، ولم يتوقف على التوبة ، وبالجملة الآية إنما تتعلق بالتوبة والإصلاح فى الاستقبال لا بما تقدم من
ذنب السرقة. وقيل معنى الآية: فمن تاب أى من السرقة وأصلح أمره فإن الله يتوب عليه، أى يغفر له ويتجاوز عنه
ويقبل توبته أى يسقط عنه حق الله، وأما حق الآدميين من القطع ورد المال فلا يسقط ، نعم إن عفا قبل الرفع إلى
الإمام سقط القطع ، كما ذهب إليه الشافعى واستدل له أيضا بقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم
شهادة أبدا واولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم - ٢٤: ٥،٤)
فى آية حد القذف. قيل هو أقوى دليل على أن إقامة الحد لا تطهر القاذف من الذنب ولا تخرجه من الفسق إلا بعد
التوبة وإنما وعد الله المغفرة والرحمة لمن تاب بعد ذلك وأصلح عمله وأجيب عنه بأن حد القذف ليس هو الجلد فقط
بل هو مجموع أمرين أو ثلاثة أمور: الجلد، وعدم قبول الشهادة، والحكم بكونه فاسقا ، لكن بينها فرق وهو أن
الجلد لا يرتفع بالتوبة فإنه يحلد التائب كالمصر بالاجماع، وأما عدم قبول الشهادة والحكم بالفسق فيزولان بالتوبة بناء
على أن الاستثناء يتعلق بالجملتين وهذا عند الأئمة الثلاثة ، خلافا لأبى حنيفة فإنه ذهب إلى أنه لا يقبل شهادة القاذف أبداً
أى ما دام حيا وإن تاب، وهذا لأن الاستثناء عنده يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط ، فلا يزول عنده بالتوبة إلا اسم
الفسق ، وأما عدم قبول الشهادة فيقى على حاله بعد التوبة وإصلاح العمل أيضا كالجلد، ففرق أبو حنيفة بين القذف
٧٨
١
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
وسائر الكبائر مثل الزنا والسرقة وشرب الخمر والميسر فقال بقبول الشهادة من التائبين من هذه المعاصى بعد إقامة
الحدود عليهم كالأئمة الثلاثة وخالفهم فى التائب من ذنب القذف فلم يقبل شهادته أبدا ، وإذا كان عدم قبول
الشهادة داخلا فى حد القذف وجزأ منه خلافا لسائر الحدود، حتى إنه لا يقبل شهادته بعد التوبة أيضا
عند أبى حنيفة ، ظهر منه أن حكم حد القذف مخالف لحكم سائر الحدود فلا يتطهر القاذف من ذنب
القذف إلا بالتوبة كما نص على ذلك الآية بخلاف سائر الحدود ، فإنها تكون كفارة ومطهرة بنفسها من غير
احتياج إلى التوبة بعد إقامة الحد واستدل له أيضا بما سيأتى فى باب الشفاعة فى الحدود من حديث أبى أمية المخزومى
أن النبى مَّم وسلم أنى بلص قد اعترف اعترافا، الحديث. وفيه: فأمر به فقطع فى به فقال له رسول الله {ٹ :
استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال رسول اللّه ◌َفي: اللهم تب عليه. أخرجه أبو داود
والنسائي وابن ماجه. قالوا لو كان الحد كفارة لما احتاج إلى الاستغفار بعد القطع مع أن النبى مؤ لم أمره
بالاستغفار، فعلم أن الحدود أصلها للزجر لا للستر والتكفير وأجيب عنه بأن معنى قوله تب أى فى الاستقبال
بأن لا تفعله ثانيا فيخرج الحديث عما نحن فيه ولا يتم الاستدلال. وقال السندى فى حاشية النسائى: قوله استغفر الله
(أى فى حديث أبى أمية المذكور) لعل المراد الاستغفار والتوبة من سائر الذنوب أو لعله قال ذلك ليعزم إلى عدم العود
إلى مثله ، فلا دليل لمن قال الحدود ليست كفارات لأهلها مع ثبوت كونها كفارات بالأحاديث الصحاح التى كادت
تبلغ حد التواتر كيف والاستغفار ما أمر به النبى مؤتم فقال استغفر لذنبك. وقد قال الله تعالى: {لقد تاب الله على
النبي - ٩: ١١٧ ٣ لمعان ومصالح ذكروا فى محله، فمثله لا يصلح دليلا على بقاء ذنب السرقة، والله تعالى أعلم - انتهى.
وقال القارى: هذا منه مَّ يدل على أن الحد ليس مطهرا بالكلية مع فساد الطوية وإنما هو مطهر لعين ذلك الذنب،
فلا عقاب عليه ثانيا من جهة الرب - انتهى وتوقف بعض العلماء فى كون الحدود كفارات ولم يقضوا فى ذلك بشئى
لحديث أبى هريرة أن النبى ◌َّم قال: لا أدرى الحدود كفارات لأهلها أم لا، أخرجه الحاكم فى المستدرك، وقال:
صحيح على شرط الشيخين ، وأخرجه البزار وأحمد أيضا ، واختلف فى وصله وإرساله. وأجيب عنه بأن حديث
عبادة أصح وصحته متفق عليها ، بخلاف حديث أبى هريرة على ما نص عليه القاضى عياض وغيره ، فلا تعارض لكون
حديث عبادة واجب التقديم فلا وجه للتوقف فى كون الحدود كفارة، ولو سلم التساوى والمعارضة جمع بينهما بأنه
يمكن أن يكون حديث أبى هريرة ورد أولا قبل أن يعلمه الله ثم أعلمه بعد ذلك. قال القاضى: فإن قيل: حديث
عبادة هذا كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول ◌َّع البيعة الأولى بمنى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين
عام خيبر، فكيف يكون حديثه متقدما؟ قيل يمكن أن يكون أبو هريرة ما سمعه من النبى مُؤفضّعٍ، وإنما سمعه من
صحابى آخر كان سمعه من النبى عَ لَّه قديما، ولم يسمع من النبى محر ◌ّم بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمعه عبادة.
انتهى. وقال الحافظ: الحق عندى أن حديث أبى هريرة صحيح، وهو سابق على حديث عبادة، والمبايعة المذكورة
٧٩
مرعاة المفاتيح ج ١
كتاب الايمان
متفق عليه.
١٩ - (١٨) وعن أبى سعيد الخدرى قال: خرج رسول الله مح له فى أضحى أو فطر
إلى المصلى فمر على النساء فقال: يا معشر النساء تصدقن فإنى أريتكن أكثر أهل النار.
فى حديث عبادة على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة، ثم ذكر نص بيعة ليلة العقبة من مغازى ابن إسحق وغيره ، وقال
بعد سرد الروايات من صحيحى البخارى ومسلم والنسائى والطبرانى: فهذه أدلة ظاهرة فى أن هذه البيعة صدرت بعد
نزول آية الممتحنة بل بعد صدور بيعة النساء بل بعد فتح مكة وذلك بعد إسلام أبى هريرة - انتهى. هذا، وقد أطال
الحافظ البحث ههنا ، وتعقبه العينى فارجع إلى الفتح والعمدة وتأمل فى تعقبات العينى (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد
والترمذى والنسائى وغيرهم.
١٩ - قوله (وعن أبى سعيد الخدرى) بضم الخاء وسكون الدال المهملة نسبة إلى خدرة، وهو أبحر بن عوف
أحد أجداد أبى سعيد اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عيد الأنصارى الخزرجى، اشتهر بكنيته. استصغر يوم أحد
فرد ثم غزا بعد ذلك اثنتى عشرة غزوة مع رسول الله ژیێے فأول مشاهده الخندق، واستشهد أبوه یوم أحد. روی له
ألف حديث ومائة وسبعون حديثا، اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخارى بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين .
روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين. قال ابن عبد البر: كان من حفظ عن رسول الله من فضله سننا كثيرة وروى عنه
علما جما، وكان من نجباء الأنصار وعلمائهم وفضلاءهم. قال حنظلة بن أبى سفيان عن أشياخه لم يكن أحد من أحداث أصحاب
رسول الله مَ ◌ّل أفقه من أبى سعيد مات بالمدينة سنة (٦٣) أو (٦٤) أو (٦٥) وقيل سنة (٧٤) (فى أضحى) بفتح
الهمزة والتنوين واحدة أضحاة، لغة فى الأضحية، أى فى عيد أضحى على حذف المضاف، بل غلب على عبد النحر فيئذ معن
عن التقدير كالفطر ، وفى بعض النسخ بترك التنوين ، سمى بذلك لأنه يفعل وقت الضحى وهو ارتفاع النهار (أو خطر)
شك من الراوى (إلى المصلى) هو موضع صلاة العيد فى الجبانة (يا معشر النساء) أى جماعتهن. قال الليث: المعشر:
كل جماعة أمرهم واحد (أريتكن) بضم الهمزة وكسر الراء على صيغة المجهول أى أرانى اللّه إيا كن (أكثر أهل النار)
بالنصب على الحال بناء على أن أفعل لا يتعرف بالإضافة كما صار إليه الفارسى وغيره. قيل: المراد أن الله تعالى
أراهن فى ليلة الإسراء، والظاهر أن هذه الروية وقعت فى صلاة الكسوف كما يدل عليه رواية ابن عباس الآتية فى
صلاة الكسوف. وقيل: أريتكن متعد إلى ثلاثة مفاعيل: الأول التاء التى هى مفعول ناب عن الفاعل. والثانى كن.
والثالث: أكثر أى أخبرت وأعلمت على طريق الوحى بأنكن أكثر دخولا فى النار من الرجال، والصدقة تقى منها .
قال عليه السلام: اتقوا النار ولو بشق تمرة. ولا يعارض هذا ما أخرجه أبو يعلى عن أبى هريرة فى حديث الصور
الطويل مرفوعا: فيدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة ما ينشئى الله وزوجتين من ولد آدم وغير ذلك من الأحاديث
٨٠
٠