النص المفهرس
صفحات 41-60
مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان قال: فأخبرنى عن الساعة. قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرنى عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان. قال : ثم انطلق ، فلبثت مليا فالفاء دليل الجواب وتعليل الجزء الأول لأن ما بعدها لا يصلح للجواب لأن رؤية الله للعبد حاصلة سواء رآه العبد أم لا، بل الجواب محذوف استغناء عنه بالمذكور لأنه لازمه، كذا فى المرقاة (عن الساعة) أى عن وقت قيامها (ما المسؤل) ما نافية (عنها) أى عن وقتها (بأعلم من السائل) الباء مزيدة لتأكيد النفى، والمقام يقتضى أن يقال: لست بأعلم بها منك. لكنه عدل إشعارا بالتعميم تعريضا للسامعين أن كل سائل ومسئول فهو كذلك. قال الحافظ: هذا وإن كان مشعرا بالتساوى فى العلم لكن المراد التساوى فى العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها لقوله بعد خمس: لا يعلمها إلا الله - انتهى. فهو كناية عن تساويهما فى عدم العلم. وإنما سأل جبريل ليعلهم أن الساعة لا يسئل عنها (عن أماراتها) بفتح الهمزة جمع أمارة أى علامة. والمراد منها ما يكون من نوع المعتاد ويكون سابقا على غير المعتاد مثل طلوع الشمس من مغربها (أن تلد الأمة ربتها) أى تحكم البنت على الأم من كثرة العقوق حكم السيدة على أمتها. ولما كان العقوق فى النساء أكثر خصصت البنت والأمة بالذكر. ووقع فى الرواية الأخرى ربها على التذكير والمراد بالرب والربة السيد والسيدة ، أو المالك والمالكة. واختلفوا فى معنى ذلك على وجوه ، والأوجه عندنا ما قدمنا من أنه يكثر العقوق فى الأولاد فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الاهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليها ربها مجازا لذلك. قال الحافظ: أو المراد بالرب المربى، فيكون حقيقة وهذا أوجه الأوجه عندى لعمومه ، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الحال مستغربة ومحصله الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربى مربيا ، والسافل عاليا، وهو مناسب لقوله فى العلامة الأخرى ((أن تصير الحفاة العراة ملوك الأرض)) - انتهى. (الحفاة) بضم الحاء جمع الحافى، وهو من لا فعل له (العراة) جمع العارى، وهو المجرد عن الثياب (العالة) جمع عائل، وهو الفقير من عال يعيل، إذا افتقر. أو من عال يعول، إذا افتقر وكثر عياله (رعاء الشاء) بكسر الراء والمد جمع راع والشاء جمع شاة (يتطاولون فى البنيان) أى يتفاضلون فى ارتفاعه وكثرته ويتفاخرون فى حسنه وزينته، وهو مفعول ثان إن جعلت الرؤية فعل البصيرة ، أو حال إن جعلتها فعل الباصرة. والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤسائهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه (قال) أى عمر (ثم انطلق) أى السائل (فلبثت مليا) بفتح الميم وتشديد الياء من الملاوة، أى زمانا أو مكثا طويلا ، وبينته رواية أبى داود والنسائى والترمذى، قال عمر: فلبثت ثلاثا. وهو مخالف لحديث أبى هريرة من أنه يَّ ذكره فى ذلك المجلس، وجمع النووى بين الحديثين بأن عمر لم يحضر قول النبي مَّه فى المجلس بل كان من قام، إما مع الذين توجهوا فى طلب الرجل أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له ٤١ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان ثم قال لى: يا عمر أتدرى من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبرئيل أتاكم يعلمكم دينكم، رواه مسلم . فأخبر النبي ◌َّ الحاضرين فى الحال ولم يتفق الاخبار لعمر إلا بعد ثلثة أيام. ويدل عليه قوله: فقال لى: يا عمر. فوجه الخطاب له وحده بخلاف إخباره الأول (فإنه جبريل) أى إذا فوضتم العلم إلى الله وسوله فإنه جبريل على تأويل الإخبار أى تفويضكم ذلك سبب للاخبار به، وقرينة المحذوف قوله ((الله ورسوله أعلم)) فالفاء فصيحة لانها تفصح عن شرط محذوف (أتاكم) استيناف بيان أو خبر لجبريل على أنه ضمير الثان (يعلكم دينكم) جملة حالية من الضمير المرفوع فى أتاكم أى عازما تعليمكم. فهو حال مقدرة لأنه لم يكن وقت الإتيان معلما، أو مفعول له بتقدير اللام كم فى رواية. أسند التعليم إليه مجازا لأنه السبب فيه، أو لأن غرضه من السوال كان التعليم ، فأطلق عليه المعلم لذلك. وفيه دلالة على أن السوال الحسن يسمى علما وتعليما، لأن جبريل لم يصدر منه سوى السوال ومع ذلك فقد سماه معلما ، وقد اشتهر قولهم («السوال نصف العلم، فإن قيل قد فوق النبى مؤ تم فى هذاالحديث بين الإسلام والإيمان، وجعل الأعمال كلها من الإسلام لا من الايمان، والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة فى مسمى الإيمان. وحكى الشافعى على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أدركهم، تدل على دخول الأعمال فى الايمان النصوص الصريحة من آيات القرآن والأحاديث الصحيحة ، وأيضا ظاهر سوال جبريل عن الإسلام والإيمان. وجوابه يقتضى تغايرهما وأن الايمان تصديق بأمور مخصوصة، والاسلام إظهار أعمال مخصوصة. وتقدم عن البخارى أنه يرى أنهما عبارة عن معنى واحد. قلت : عقد البخارى على حديث جبريل هذا بابا فى صحيحه ليرد ذلك بالتأويل إلى مسلكه وطريقته فارجع إليه. وقال البغوى فى الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي مؤقيم الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، وجعل الايمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الايمان ، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هى كلها شىء واحد وجماعها المدين . ولذلك قال ◌َ ◌ّم: أتاكم يعلكم دينكم. والتصديق والعمل يتناولهما اسم الايمان والاسلام جميعا، يدل عليه قوله سبحانه تعالى: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام - ٣: ١٨، ورضيت لكم الإسلام دينا - ٣:٥، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه - ٣: ٨٣) فأخبر سبحانه وتعالى أن الدين الذى رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين فى محل القبول والرضاء إلا بانضمام التصديق إلى العمل - انتهى. وقيل: فسر فى الحديث الإيمان بالتصديق والإسلام بالعمل وإنما فسر إيمان القلب والإسلام فى الظاهر لا الايمان الشرعي والإسلام الشرعى ، ولا شك فى تغاير هما لغة .. وأجاب ابن رجب فى شرح الأربعين (١٩) بوجه آخر، ومحصل جوابه أن الايمان والاسلام يفترقان إذا اجتمعا، وحيث أفرد كل منهما بالذكر فلا فرق بينهما ، وارجع للتفصيل إلى شرح الأربعين وكتاب الإيمان لابن تيمية (رواه مسلم) هذا الحديث تفرد به مسلم عن البخارى بإخراجه. قال الحافظ: وإنما لم يخرجه الخارى ٤٢ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان ٣- (٢) ورواه أبو هريرة مع اختلاف، وفيه: وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض لاختلاف فيه على بعض رواته - انتهى. وحديث عمر هذا أخرجه أيضا أحمد وأبو داود فى السنة والترمذى والنسائى فى الايمان وابن ماجه فى السنة وابن خزيمة وأبو عوانة وابن حبان وغيرهم ، وفى الباب عن غير واحد من الصحابة ، ذكرهم الحافظ فى الفتح والعينى فى العمدة . ٣- (رواه أبو هريرة) الدوسى اليمانى الصحابي الجليل حافظ الصحابة الفقيه كان من أوعية العلم ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة والعبادة والتواضع. واختلف فى اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا يبلغ إلى نحو ثلثين قولا، وأشهر ما قيل فيه: إنه كان فى الجاهلية عبد شمس أو عبد عمرو وفى الاسلام عبد الله أو عبد الرحمن. وقال أبو أحمد الحاكم فى الكنى: أصح شىء عندنا فى اسم أبى هريرة عبد الرحمن بن صخر ، وقد غلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له غيرها. أسلم عام خيبر وشهدها مع النبى محويته ثم لزمه وواظب عليه رغبة فى العلم راضيا بشبع بطنه، فكانت يده مع يد رسول اللّه مَّه، وكان يد ورمعه حيث ما دار، وكان من أحفظ الصحابة ، وكان يحضر ما لا يحضر سائر المهاجرين والأنصار لاشتغال المهاجرين بالتجارة والأنصار بحوائطهم. وقد شهد له رسول الله مرثية بأنه حريص على العلم والحديث. وقال أبو هريرة: يا رسول الله إنى قد سمعت منك حديثا كثيرا وأنا أخشى أن أنسى ، فقال: ابسط ردائك ، قال: فبسطته فغرف بيده فيه، ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت شيئا بعد. وقال البخارى: روى عنه أكثر من ثمان مائة رجل من بين صاحب وتابع ، ومن روى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس وواثلة. ولم يزل يسكن المدينة وبها كانت وفاته سنة ٥٧ هـ، وقيل سنة ٥٨ هـ، وقيل سنة ٥٩ م، وهو ابن ثمان وسبعين، وقيل مات بقصره بالعقيق لحمل إلى المدينة وصلى عليه الوليد بن عقبة بن أبى سفيان ، وكان يومئذ أميرا على المدينة، كذا فى الاستيعاب. قال أبو هريرة: كنت أرعى غنما وكان لى هرة صغيرة ألعب بها فكنونى بها. وقيل رآه النبي مَثّ وفى كمه هرة فقال يا أبا هريرة. وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع. روى له خمسة آلاف حديث وثلثمائة وأربعة وستون حديثا، اتفقا على ثلثمائة وخمسة وعشرين ، وانفرد البخارى بثلاثة وتسعين ومسلم بمائة وتسعين ، ذكره العينى (ج ١: ص ١٢٤). (مع اختلاف) أى بين بعض الفاظهما (وفيه) أى فى مروى أبى هريرة (الصم) أى عن قبول الحق (البكم) أى عن النطق بالصدق جعلوا لبلادتهم وحماقتهم كأنه أصيبت مشاعرهم مع كونها سليمة تدرك ما ينتفعون به (ملوك الأرض) زاد مسلم: فذاك من أشراطها. وقوله (ملوك الأرض) منصوب على أنه مفعول ثان لرأيت، أو على أنه حال. ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة فى هذين الحديثين يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها كما قال النبي ◌َّ لمن سأله عن الساعة: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. فإنه إذا صار الحفاة العراة ٤٣ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان فى خمس لا يعلمهن إلا الله ثم قرأ: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث الآية - ٤:٣١). متفق عليه. ٤ - (٣) وعن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول اللّه مؤفتر: رعاء الشاء، وهم أهل الجهل والجفاء رؤساء الناس وأصحاب الثروة والأموال حتى يتطاولون فى البنيان ، فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا ، فإنه إذا كان رؤس الناس من كان فقيرا عائلا فصار ملكا على الناس سواء كان ملكه عاما أو خاصا فى بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطى الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال، وإذا كان مع هذا جاهلا جافيا فسد بذلك الدين ، لأنه لا يكون له همة فى إصلاح دين الناس ولا تعليمهم ، بل همته فى جمع المال وإكثاره ولا يبالى بما أفسده من دين الناس ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم (فى خمس) أى معرفة وقت الساعة هى واحدة من خمس لا يعلمه إلا الله. وقيل: أى على وقت قيام الساعة داخل فى خمس من الغيب ، فهو مرفوع المحل على الخبرية تدل عليه رواية أبى نعيم فى الحلية ، وفيها قال: فمتى الساعة؟ قال: هى فى خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله، ووجه الانحصار فى هذه الخمس مع أن الأمور التى لا يعلمها إلا الله كثيرة هو أنهم سألوا الرسول عن هذه الخمس فنزلت الآية جوابا لهم، أو أن هذه الخمسة أمهاتها وأصولها وما سواها راجعة إليها ، والمراد من العلم فى الحديث والآية العلم الكلى ، وإليه إشارة بقوله ( وعنده مفاتح الغيب - ٦: ٥٩) فلا يعترض بما صدر عن الأولياء وبما يخبر به بعض الكهنة والمنجمين ، لأن علم الجزئيات ليس بعلم فى الحقيقة ، فالعلم هو العلم الكلى، أو لأنه من الظن لا من العلم، فافهم. الآية تمامها: ﴿ويعلم ما فى الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير- ٣١: ٣٤)﴾. (متفق عليه) أى اتفق الشيخان على رواية أصل حديث أبى هريرة، مع قطع النظر عن خصوص الزيادة المذكورة، فإنها تفرد بها مسلم عن البخارى، نعم هى فى رواية الاسماعيلى كما ذكره الحافظ فى الفتح. وحديث أبى هريرة أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجه ورواه النسائى أيضا عن أبى ذر مقرونا مع أبى هريرة .. ٤ - (وعن ابن عمر) المراد به حيث أطلق عبد الله بن عمر بن الخطاب، وإن كان لعمر أبناء آخرون أيضا، كما أنه يراد بابن عباس وابن مسعود وابن الزبير عند الإطلاق هو عبد الله. بسط ترجمته الذهبى فى تذكرته ، والحافظ فى الإصابة وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشى العدوى المكى، أسلم بمكة قديما مع أبيه وهو صغير وهاجر معه واستصغر عن أحد وشهد الخندق وله خمس عشرة سنة وما بعدها ، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية، وأحد العبادلة الأربعة. وكان من أهل الورع والعلم والزهد شديد التحرى والاحتياط والاتباع للأثر، قال جابر بن عبد الله: ما منا أحد إلا مالت به الدنيا ومال بها، ما خلا عمر وابنه عبد الله. وقال ميمون بن مهران: ما رأيت أورع من ابن عمر ، ولا أعلم من ابن عباس. وقال نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف انسان، أو زاد. وهو الذى قال فيه النبى معَّه: إنه رجل صالح. ومناقبه وفضائله كثيرة جدا. روى له ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثا اتفقا منها على مائة وسبعين حديثا، وانفرد البخارى بأحد وثمانين، ومسلم بأحد ٤٤ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان بنى الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلوة ، وإيتاء الزكوة، والحج، وصوم رمضان ، وثلثين. وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبى هريرة، ولد بعد البعث بقليل، ومات بعد الحج سنة ٧٣ هـ، وقيل سنة ٧٤ هـ بعد قتل ابن الزبير بثلثة أشهر، وقيل بستة أشهر، ودفن بالمحصب أو بفخ أو بذى طوى ، وكلها مواضع بقرب مكة. ذكر الزبير أن عبد الملك لما أرسل إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شق عليه ذلك ، فأمر رجلا معه حربة يقال إنها كانت مسمومة ، فلما دفع الناس من عرفة لصق ذلك الرجل به فأمر الحربة على قدمه فمرض منها أياما ثم مات وله ٨٤ سنة . قيل ٨٦. روى عنه خلق كثير (بنى الإسلام) ذكر المصنف هذا الحديث فى كتاب الإيمان لبين أن الإسلام يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان بمعنى واحد، ولا شتما له على لفظ البناء الدال على تركب الايمان صراحة ، ولاحتوائه على أهم أجزاء الإيمان. وقد تقدم أن الإيمان عند السلف مركب ذو أجزاء، وأن الأعمال داخلة فى حقيقتها (على خمس) أى خمس دعائم ، كما فى رواية عبد الرزاق ومحمد بن نصر فى كتاب الصلوة ، أو خصال أو قواعد أو نحو ذلك. مثلت حالة الإِسلام مع أركانه الخمس بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة وقطبها الذى تدور عليه الأركان هو الشهادة المشبهة بالعمود الوسط للخيمة ، وبقية شعب الإيمان وخصاله بمنزلة الأوتاد للخباء وتتمة لها ، فإذا فقد منها شىء نقص الخباء وهو قائم لا ينقص بنقص ذلك بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس ، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعا بغير إشكال، وكذلك يزول بفقد الشهادتين. واختلفوا فى ترك الصلوة فذهب أحمد وطائفة من السلف والخلف إلى أن تركها كفر. واستدلوا بأحاديث متعددة تدل على كون تاركا كافرا. قال محمد بن نصر: هو قول جمهور أهل الحديث، وذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمس عمدا أنه كافر. قال النووي: حكم الاسلام فى الظاهر يثبت بالشهادتين، وإنما أضيف إليهما الصلوة ونحوها لكونها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها ، وبقيامه بها يتم إسلامه، وتركه لها يشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله. فإن قيل المبنى لا بد أن يكون غير المبنى. عليه. أجيب بأن الاسلام عبارة عن المجموع ، والمجموع غير كل واحد من أركانه، أو يقال إن المراد بالإسلام هو التذلل العام الذى هو اللغوى لا التذلل الشرعى الذى هو فعل الواجبات حتى يلزم بناء الشىء على نفسه. ومعنى الكلام أن التذلل اللغوى يترتب على هذه الأفعال مقبولا من العبد طاعة وقربة (شهادة أن لا إله إلا الله) بالجر على البدل من خمس ، ويجوز الرفع على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا الله، أو على حذف المبتدأ والتقدير: أحدها شهادة أن لا إله إلا اللّه، ويجوز النصب بتقدير أعنى (وإقام) أصله إقامة حذفت تاءه للازدواج. وقيل هما مصدران (الصلوة) المفروضة أى المداومة عليها، أو الإتيان بها بشروطها وأركانها (وإيتاء الزكوة) أى إعطائها أهلها (والحج وصوم رمضان) لم يذكر الجهاد لأنه من فروض الكفاية وتلك فرائض الأعيان، ولم يذكر ٤٥ ٠٠ مرعاة المفاتيح ج١ كتاب الإيمان متفق عليه. ٥ - (٤) وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول اللّه ◌َبفى: الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول ((لا إله إلا الله))، وأدناها إماطة الأذى الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه حديث جبريل لأن المراد بالشهادة تصديق الرسول بكل ما جاء به فيستلزم جميع ما ذكر من المعتقدات. والواو لمطلق الجمع فلا يرد أن الصوم فرض فى السنة الثانية من الهجرة ، والحج سنة ست أو تسع على أنه ورد فى رواية لمسلم بتقديم الصوم على الحج. ووجه الحصر فى الخمس أن العبادة إما قولية وهى الشهادة ، أو غير قولية فهى إما تركى وهو الصوم، أو فعلى وهو إما بدفى وهو الصلاة، أو ما لى وهو الزكوة، أو مركب منهما وهو الحج (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الايمان وفى التفسير، ومسلم فى الايمان وأخرجه أيضا أحمد والترمذى والنسائى فى الإيمان . ٥ - قوله (الإيمان بضع وسبعون شعبة) البضع بكسر الباء وقد تفتح: القطعة من الشىء، وهو فى العدد ما بين الثلاث إلى التسع لأنه قطعة من العدد، وكونه عددا مبهما مقيدا بما بين الثلاث إلى التسع هو الأشهر، وفيه أقوال أخرى ذكرها العينى. واختلفت الروايات الصحيحة فى ذكر العدد من غير شك، ففى مسلم وأبى داود والترمذى والنسائى بضع وسبعون، وفى رواية البخارى بضع وستون، فرجح الحليمى وعياض والنووى الرواية الأولى لأنها زيادة من ثقة فتقبل وتقدم، وليس فى رواية الأقل ما يمنعها ويخالفها. قال الحافظ : لا يستقيم ذلك إذ الذى زادها لم يستمر على الجزم، لا سيما مع اتحاد المخرج. وقد رجح ابن الصلاح الأقل لكونه المتيقن - انتهى. وقيل: هو كنانة عن الكثرة، وليس المراد التحديد، فإن كثيرا من أسماء العدد تجىء كذلك. ويحمل الاختلاف على تعدد القضية". ولو من جهة راو واحد. والشعبة بالضم القطعة والفرقة، وهى واحدة ((الشعب)) وهى أغصان الشجر، والمراد فى الحديث الخصلة أى الإيمان ذو خصال متعددة ، وكما شبه الإسلام فى حديث ابن عمر المتقدم بخباء ذات أعمدة وأطناب شبه الايمان فى هذا الحديث بشجرة ذات أغصان وشعب، ومن المعلوم أن الشعب وكذا الأوراق والثمار أجزاء للشجرة، والأغصان والأوراق والثمار قد تكون وقد لا تكون مع بقاء الشجرة، كذلك الأعمال قد تكون وقد لا تكون مع بقاء أصل الإيمان، فنسبة الأعمال إلى الإيمان كنسبة الأغصان والأوراق والثمار إلى الشجرة (فأفضلها) هو جزاء شرط محذوف، كأنه قيل: إذا كان الايمان ذا شعب يلزم التعدد، وحصول الفاضل والمفضول بخلافه إذا كان أمرا واحدا (قول لا إله إلا الله) المراد به مجموع الشهادتين عن صدق قلب، أو الشهادة بالتوحيد فقط لكن عن صدق قلب على أن الشهادة بالرسالة شعبة أخرى (وأدناها) أى أدونها مقدارا ومرتبة ، بمعنى أقربها تناولا وأسهلها تواصلا من الدنو بمعنى القرب (إما طة الأذى) أى إزالته وتنحيته وإبعاده، والأذى اسم لما يؤذى ٤٦ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ، متفق عليه. ٦ - (٥) وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنه قال: قال رسول اللّه حرف : فى الطريق كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها ، وفى الحديث إشارة إلى أن مراتب الإيمان متفاوتة (والحياء) بالمد (شعبة) أى عظيمة (من الإيمان) أى من شعبه، وهو فى اللغة تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به ، وقد يطلق على مجرد ترك الشىء بسبب ، والترك إنما هو من لوازمه. وفى الشرع خلق يبعث على اجتناب القيح، ويمنع من التقصير فى حق ذى الحق ، ولهذا جاء فى الحديث: الحياء خير كله. فإن قيل: الحياء من الغزائر فكيف جعل شعبة من الإيمان؟ أجيب بأنه قد يكون غزيرة، وقد يكون تخلقا، ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية. فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثا على أفعال الطاعة وحاجزا عن فعل المعصية. ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير، فكيف يصح أن يقال: الحياء خير كله، ولا يأتي إلا بخير لأن ذلك ليس شرعياً بل هو عجز وخور ، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازا لمشابهته الحياء الحقيقى الشرعى. وإنما أفرد الحياء بالذكر من بين سائر الشعب لأنه كالداعى إلى سائر الشعب، فإن الحى يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر وينزجر. وقال الطبى: معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله فى الشعب كأنه يقول : هذه شعبة واحدة من شعبه ، فهل تحصى شعبه كلها ؟ هيهات إن البحر لا يغرف. قال القاضى عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد وفى الحكم يكون ذلك مراد النبي مَ ◌ّ صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل فى الايمان إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة ، والإيمان بأنها هذا العدد واجب فى الجملة - انتهى. (متفق عليه) أى اتفق الشيخان على رواية أصل الحديث، وليس المراد أنهما اتفقا على خصوص اللفظ الذى ذكره فلا يعترض بأن قوله ((بضع وسبعون) من إفراد مسلم، وكذا قوله ((فأفضلها)) إلى قوله ((عن الطريق)) من إفراده فلا يكون متفقا عليه. ٦ - قوله (وعن عبد الله بن عمرو) كتب بالواو ليتميز عن عمر ، ومن ثمة لم يكتب حالة النصب لتميزه عنه بالألف. وهو ابن العاص السهمى القرشى أبو محمد، أسلم قبل أبيه ، وكان بينه وبين أبيه فى السن اثنتى عشرة سنة: وقيل إحدى عشرة ، وكان غزير العلم كثير الاجتهاد فى العبادة. وكان أكثر حديثا من أبي هـريرة لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا یکتب. ومع ذلك فالذی روی له قليل بالنسبة إلىما روی لأبى هريرة. روی له سبعمائة حديث. اتفقا منها على سبعة عشر، وانفرد البخارى بثمانية، ومسلم بعشرين. روى عنه خلق كثير. كان يلوم أباه على القتال فى الفتنة بأدب وتؤدة. ويقول: واصفين ما لى ولقتال المسلمين لوددت أنى مت قبلها بعشرين سنة. توفى بمكة أو بالطائف أو بمصر فى ذى الحجة من سنة (٦٣)، أو (٦٥)، أو (٦٧)، وقيل مات سنة (٧٢)، أو (٧٣) ، عن ٤٧ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر اثنتين وسبعين سنة (المسلم) أى الكامل نحو زيد الرجل، أى كامل فى الرجولية ، والمال الايل ، والناس العرب. وقيل معناه المسلم الممدوح. قال ابن جنى: من عادتهم أن يوقعوا على الشىء الذى يخصوته بالمدح اسم الجنس ، ألا ترى كيف سموا الكعبة بالبيت ، وكتاب سيبويه بالكتاب - انتهى. فإن قيل إنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كان كاملا. أجيب بأن المراد هو الكامل مع مراعاة باقى الأركان والصفات. قال الخطابي: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله، وأداء حقوق المسلمين - انتهى. واقتصر على الثانى لأن الأول مفهوم بالطريق الأولى، ويمكن أن يكون هذا واردا على سبيل المبالغة تعظيما لترك الايذاء، فهو محصور فيه على سيل الادعاء، وأمثاله كثيرة. والحاصل أن القصر فيه باعتبار تنزيل الناقص منزلة المعدوم فلا حاجة إلى تقدير الكمال، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التى يستدل بها على إسلامه، وهى سلامة المسلمين من لسانه ويده كما ذكر مثله فى علامة المنافق (من) أى انسان كان ذكرا أو أنثى (سلم المسلمون) أى والمسلمات إما تغليبا ، أو تبعاكما فى سائر النصوص والمخاطبات ويلحق بهم أهل الذمة حكما فذكر المسلمين خرج مخرج الغالب لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تاكيدا، ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه. ووقع فى رواية ابن حبان: من سلم الناس (من لسانه) أى بالشتم واللعن والغيبة والبهتان والنميمة والسعى إلى السلطان وغير ذلك (ويده) بالضرب والقتل والهدم والدفع والكتابة بالباطل ونحوها. وخصا بالذكر لأن أكثر الأذى بهما ، أو أريد بهما مثلا، وقدم اللسان لأن الايذاء به أكثر وأسهل، ولأنه أشد نكاية، ولهذا كان النبى مَّم يقول لحسان: اهح. المشركين فإنه أشق عليهم من رشق النبل. ولأنه يعم الأحياء والأموات، وابتلى به الخاص والعام خصوصا فى هذه الأيام. وعبر به دون القول ليشمل إخراجه استهزاء لغيره. وقيل خص اليد مع أن الفعل قد يحصل بغيرها لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها إذ بها البطش والقطع والوصل والمنع والاعطاء والأخذ ونحوه. وقال الزمخشرى: لما کانت أ کثر الأعمال تباشر بالأیدی غلبت ، فقیل فی کل عمل «ھذا ما عملته أيديهم، وإن لم یکن وقوعه بها ، ثم الحد والتعزير وتأديب الأطفال والدفع لنحو الصيال ونحوها فهى استصلاح وطلب السلامة ، أو مستثنى شرعا ، أو لا يطلق عليه الأذى عرفا (والمهاجر) هوبمعنى الهاجر وإن كان لفظ المفاعل يقتضى وقوع فعل من اثنين لكنه هنا للواحد كالمسافر بمعنى السافر ، والمنازع بمعنى النازع، لأن باب فاعل قد يأتى بمعنى فعل (هجر) أى ترك وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة، وباطنة. فالباطنة ترك ما تدعوا إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن. وكان المهاجرين خوطبوا بذلك لثلا يتكلوا على مجرد تحولهم من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه. ويحتمل أن يكون ذلك بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطيبا لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى ٤٨ 1 مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان ما نهى الله عنه. وهذا لفظ البخارى، ولمسلم قال: إن رجلا سأل النبى مريم أى المسلمين خير؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده. ٧ - (٦) وعن أنس - رضى الله عنه - قال: قال رسول اللّه مح لل: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه الله عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معانى الحكم والأحكام، كذا فى الفتح. وفى الحديث بيان شعبتين من شعب الإيمان وهما سلامة المسلين من لسان المسلم ويده وهجر ما نهى الله عنه (هذا لفظ البخارى) وأخرجه أبو داود والنسائى (ولمسلم) أى فى صحيحه عن عبد الله بن عمرو (خير) أى أفضل وأكمل. ورواه البخارى من حديث أبى موسى بلفظ (قالوا أى الاسلام أفضل؟ قال من سلم المسلمون إلخ، والمراد أى ذوى الاسلام، أو أى أصحاب الاسلام. وفيه بان للتأويل الذى ذكرناه فى قوله «المسلم، من أنه محمول على التفضيل والمراد المسلم الكامل، أو أفضل المسلمين. هذا، وقد ثبت من تكون من سلم الناس من أذاه أفضل المسلين وأخيرهم وأكلهم أن بعض خصال المسلين المتعلقة بالإسلام أفضل من بعض، وحصل منه القول بقبول الإيمان للزيادة والنقصان ، ففيه رد على المرجئة فإنه ليس عندهم إيمان وإسلام ناقص . ٧ - قوله (وعن أنس) بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري الخزرجى البخارى ، خادم رسول الله عليه، نزيل البصرة، خدمه عشر سنين بعد ما قدم رسول اللّه مَ الله المدينة، وهو ابن عشر سنين. روى له عن رسول اللّه ◌َويقل ألفا حديث ومائتا حديث وست وثمانون حديثا، اتفقا على مائة وثمانية وستين حديثا منها. وانفرد البخارى بثلاثة وثمانين ، ومسلم بأحد وتسعين. وكان أكثر الصحابة. ولدا، قالت أمه يا رسول الله خويدمك أنس ادع الله له. فقال: اللهم بارك فى ماله وولده وأطل عمره واغفر ذنبه. فقال: لقد دفنت من صلي مائة إلا إثنين. وكان له بستان يحمل فى سنة مرتين، وفيه ريحان يجىء منه ريح المسك. وقال لقد بقيت حتى سئمت من الحياة وأنا أرجو الرابعة أى المغفرة. قيل عمر مائة سنة وزيادة، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة (٥٩٣). روى عنه خلق كثير، وكنيته أبو حمزة، وهى اسم بقلة كان يحبها، ومنه حديث أنس (( كنانى رسول الله مؤلّ ببقلة كنت أجتنيهاء (لا يؤمن) أى لا يكتمل إيمان من يدعى الإيمان. فالمراد بالنفى كمال الإيمان وففى اسم الشىء على معنى نفى الكمال عنه مستفيض فى كلامهم كقولهم: فلان ليس بإنسان (حتى أكون) بالنصب بأن مضمرة ، وحتى جارة. ومعنى هذه الغاية أعنى حتى أكون مهنا وفى أمثاله هو أنه لا يكمل الايمان بدون هذه الغاية لا أن حصول هذه الغاية كافية فى كمال الإيمان وإن لم يكن هناك شىء آخر (أحب) بالنصب لأنه خبر أكون، وهو أفعل التفضيل بمعنى المفعول، وهو على خلاف القياس وإن كان كثيرا ، إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل. وقال ابن 7 ٤٩ ٠٠ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان من والده وولده والناس أجمعين ، متفق عليه. ٨ - (٧) وعنه قال: قال رسول اللّه مَ لّم: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : مالك: إنما يشذ بناءه للمفعول إذا خيف اللبس بالفاعل ، فإن أمن بأن لم يستعمل للفاعل. أو قرن به ما يشعر بأنه المفعول لا يشند إلخ. وفصل بينه وبين معموله «من والده، لأن الممتنع الفصل بأجنبي لا مطلقا، والظرف فيه توسع فلا يمنع (من والده) المراد به ذات له ولد، أو هو بمعنى ذو ولد نحو لابن وتامر، فيتناول الأب والأم كليهما، أو يقال اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفى عن أحد الضدين بالآخر، ولم يذكر النفس لأنها داخلة فى عموم قوله (والناس اجمعين)، أو لم تكن حاجة إلى ذكرها مع ذكر الوالد والولد لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال بل ربما يكونان أعز من نفس الرجل على الرجل ، فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل، فكأنه قال ((حتى أكون أحب إليه من جميع أعزته)) ويعلم منه حكم غير الأعرة لأنه يلزم فى غيرهم بالطريق الأولى (وولده) أى الذكر والأنثى (والناس أجمعين) هو من عطف العام على الخاص، وهو كثير كقوله تعالى ﴿ ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم - ١٥: ٨٧) قال الخطابي: لم يرد بالحب حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار المسند إلى الإيمان لأن حب الإنسان أهله وماله طبع مركوز فيه، خارج عن حد الاستطاعة ، ولا سبيل إلى قلبه. قال : فعناه لا يصدق فى إيمانه حتى يفدى فى طاعتى نفسه ويؤثر رضاى على هواه وإن كان فيه هلاكه - انتهى. وحاصله ترجيح جانبه مرافقه فى أداء حقه بالتزام طاعته، واتباع طريقته على كل من سواه. قال النووى: المحبة أصلها الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه كحسن الصورة والصوت والطعام وبما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والجمال، وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضار عنه، ولا يخفى أن المعانى الثلاثة كلها موجودة فى رسول اللّه مَ له، لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال أنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعيم، والابعاد من الجحيم، ولا شك أن الثلاثة فيه أكمل مما فى الوالدين لو كانت فيها فيجب كونه أحب منهما لأن المحبة ثابتة لذلك، حاصلة بحسبها، كاملة بكمالها ، ومن محبته وحقه نصرة سنته والذب عن شريعته وقمع مخالفيها وامتثال أو امره وتمنى إدراكه فى حياته لبذل نفسه وماله دونه. والحديث صريح فى أن محبة الرسول من أمور الايمان، والناس فيها متفاوتون وهو يستلزم زيادة الايمان ونقصانه (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والنسائى فى الايمان وابن ماجه فى السنة . ٨ - قوله (ثلث) مبتدأ والجملة الشرطية خبر، وجاز مع أنه نكرة لأن التقدير خصال ثلاث، أو ثلث خصال ، أو تنوينه للتعظيم بجازا لابتداء به، ويجوز أن تكون الشرطية صفة له ويكون الخبر من كان (من كن) أى حصلن فيه فهى تامة، أو من كن مجتمعة فيه وهى ناقصة (وجد بهن) أى بسبب وجودهن فى نفسه (حلاوة الإيمان) أى حسنه ٥ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان من كان اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب من حلى فلان فى عينى وبعينى بالكسر يحلى بالفتح: إذا حسن وأعجب. أو لذته وطعمه من حلاله الشىء يحلو: أى لذ فهو حلو وهو نقيض المر ، والأظهر الثانى على ما لا يخفى، فالمراد بحلاوة الايمان التلذذ بالطاعات، وتحمل المشاق فى رضى الله ورسوله، وإيثار ذلك على عرض الدنيا، وذلك لأن المرأ إذا تأمل أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل يصير هواه تبعا له فيلتذ بامتثال أوامره، وتحمل المشقة فى رضى الله ورسوله. قال الحافظ فى الفتح: قوله حلاوة الإيمان استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن فى الايمان بشىء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشىء، وأضافه إليه. وفيه تليح إلى قصة المريض والصحيح لأن المريض الصفراوى يجد طعم العسل مرا ، والصحيح يذوق حلاوته على ما هى عليه، وكلما نقصت الصحة شيئا ما نقص ذوقه بقدر ذلك ، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوى استدلال المصنف أى البخارى على الزيادة والنقص - انتهى. وإنما عبر إلا لتذاذ بالطاعات بالحلاوة لأنها أظهر اللذائذ الحسية وإن كان لا نسبة بين هذه اللذة واللذات الحسية. وهذه الأمور الثلاثة عنوان لكمال الإيمان المحصل لتلك اللذة التى ربما تغلب على جميع لذات الدنيا. قال البيضاوى: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانا لكمال الإيمان لأن المرأ إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع فى الحقيقة سواه ، وأن ما عداه وسائط ، وأن الرسول هو الذى يبين له مراد ربه اقتضى ذلك أن يتوجه بكليته نحوه فلا يحب إلا ما يحب ولا يحب من يحب إلا من أجله، وإن يتيقن أن جملة ما وعدوا وعد حق يقينا ويخيل إليه الموعود كالواقع فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة ، وأن العود إلى الكفر إلقاء فى النار - انتهى ملخصا. قال القاضى عياض : هذا الحديث بمعنى حديث ((ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا إلخ، وذلك أنه لا تصح محبة الله ورسوله حقيقة. وحب الآدمى فى الله ورسوله وكراهة الرجوع فى الكفر إلا لمن قوى الايمان فى نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه ، وهذا هو الذى وجد حلاوته. قال والحب فى اللّه من ثمرات حب الله (من كان) لا بد من تقدير مضاف. قبله لأنه على الوجه الأول إما بدل أو بيان أو خبر لمبتدأ محذوف هو (هى)) أو (هن)) أو ((إحداها)) وعلى الثانى. خبر ، أى محبة من كان (الله ورسوله) برفعهما (أحب إليه) بالنصب على أنه خبر كان (مما سواهما) من نفس وأهل ومال وكل شىء ولم يقل ممن سواهما ليعم من يعقل ومن لا يعقل ، ومحبة العبد ربه بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك. محبة الرسول. وثنى الضمير فى سواهما مع أنه رد على الخطيب قوله ((ومن يعصهما فقد غوى)، فقال: بئس الخطيب. أنت. إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة منهما ، فإنها وحدها ضائعة لاغية. وأمر بالإفراد فى حديث الخطيب إشعارا بأن كل واحد من المعطوفين مستقل باستلزام الغواية، إذا العطف فى تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين فى الحكم. وله أجوبة أخرى ذكرها الحافظ فى الفتح (ومن أحب) أى ٥١ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان عبدا لا يحبه إلا الله، ومن يكره أن يعود فى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى فى النار ، متفق عليه. ٩ - (٨) وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول اللّه لم : وثانيتها محبة من أحب (لا يحبه) أى لشىء (إلا لله) استثناء مفرغ والجملة حال من الفاعل أو المفعول أو منهما (ومن يكره) أى وثالثتها كراهة من كره (أن يعود) أى يصير أو يرجع ويتحول (فى الكفر بعد أن أنقذه اللّه) أى أخلصه. قال الحافظ: الإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد على الاسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الايمان كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله (يعود)) على معنى الصيرورة بخلاف الثانى فإن العود فيه على ظاهره - انتهى. وفى)) هذا بمعنى ((إلى، كما فى قوله تعالى ﴿أو لتعودن فى ملتنا - ٧: ٨٨) أى تصيرن إلى ملتنا (كما يكره) الكاف للتشبيه وما مصدرية، أى مثل كرهه (أن يلقى) فى محل النصب ، لأنه مفعول يكره، وأن مصدرية أى الإلقاء وهو على صيغة المجهول (متفق عليه) وأخرجه أيضا أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه . ٩ - قوله (وعن العباس بن عبد المطلب) أى عم النبي مؤثّ، وكنيته أبو الفضل، وكان أسن من النبى مؤَّه بسنتين ، وقيل بثلاث سنين. وضاع وهو صغير فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير فوجدته فكست البيت الحرير، فهى أول عربية كست ذلك. وكان إليه فى الجاهلية سقاية الحاج وعمارة البيت، والمراد بها أنه كان يحمل قريشا على عمارته بالخير وترك السيئات فيه وقول الهجر. وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم، وشهد بدرا مع المشركين مكرها ، فأسر فافتدى نفسه وابن أخيه عقيل بن أبى طالب ورجع إلى مكة ، فيقال إنه أسلم وكثم قومه ذلك وصار يكتب إلى النبى مَثّم بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح وثبت يوم حنين. وقال النبي ◌ُّ من آذى العباس فقد آذانى، فإنما عم الرجل صنو أبيه. أخرجه الترمذى فى قصة. قال سفيان بن الحرث بن عبد المطلب: كان العباس أعظم الناس عند رسول الله مَّم، والصحابة يعترفون للعباس فضله ويشاورونه ويأخذون رأيه. وقال مجاهد: أعتق العباس عند موته سبعين ملوكا. وقال ابن عبد البر: كان رئيسا فى الجاهلية، وإليه العمارة والسقاية وأسلم قبل فتح خيبر، وكان أنصر الناس لرسول اللّه مَّم بعد أبى طالب، وكان جوادا مطعما وصولا الرحم ذا رأى حسن ودعوة مرجوة ، وكان لا يمر بعمر وعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز إجلالا له. وفضائله ومناقبه كثيرة وترجمته مطولة فى تاريخ دمشق. مات بالمدينة يوم الجمعة لاثنتى عشرة خلت من رجب، أو رمضان سنة ٣٢هـ، وهو ابن (٨٨) سنة ودفن بالبقيع. روى له خمسة وثلاثون حديثا اتفقا على حديث ، وانفرد البخارفى ٥٢ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، رواه مسلم. ١٠ - (٩) وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول اللّه مفع: والذى نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودى ولا نصرانى، ثم يموت ولم يؤمن بالذى أرسلت به إلا كان من أصحاب النار، بحديث، ومسلم بثلاثة. روى عنه جماعة (ذاق طعم الإيمان) أى حلاوة الايمان ولذته (من رضى بالله ربا) منصوب على التمييز وكذا أخواته. قال صاحب التحرير: معنى رضيت بالشىء: قنعت به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره. فمعنى الحديث : لم يطلب غير اللّه تعالى ولم يسع فى غير طريق الاسلام ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد مَّة، ولا شك فى أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الايمان إلى قلبه وذاق طعمه. وقال القاضى عياض: معنى الحديث: صح إيمانه واطمأنت به نفسه وعامر باطنه ، لأن رضاه بالمذكورات دليل ثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قله، لأن من رضى أمرا سهل عليه فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الايمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له (رواه مسلم) وكذا أحمد (ج ١: ص ٢٠٨) والترمذى فى الايمان وصمعه. ١٠ - قوله (لا يسمع بى) هو جواب القسم، والباء زائدة. وقيل بمعنى من. قال القارى: والأظهر أنها تأكيد التعدية كما فى قوله تعالى: ﴿ما سمعنا بهذا - ٣٨: ٧) وضمن معنى الاخبار أى ما يسمع مخبرا بيعثى. وحاصل المعنى لا يعلم برسالتى (أحد) أى بمن هو موجود فى زمنى وبعدى إلى يوم القيامة فكلهم ممن يجب عليه الدخول فى طاعته (من هذه الأمة) أى أمة الدعوة وهم الخلق جميعا ومن تبعيضية وقيل بيانية (يهودي ولا نصرانى) صفتان لأحد. وحكم المعطلة وعبدة الأوثان يعلم بالطريق الأولى، لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لحم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى، أو بدلان عنه بدل البعض من الكل، وخصا بالذكر لأن كفرهما أقبح لكونهم يعرفونه كمايعرفون أبناءهم. قال تعالى: ﴿ يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والانجيل -٧: ١٥٧ ) وعلى كل لا زائدة لتاكيد الحكم (ثم يموت) ثم للاستبعاد كما فى قوله تعالى: ﴿ ومن أظلم من ذكربآيات ربه ثم أعرض عنها - ٣٢: ٢٢) أى ليس أحد أظلم ممن بينت له آيات الله الظاهرة والباطنة ودلائله القاهرة فعرفها ثم أنكرها أى بعيد عن العاقل ، قاله الطبي (إلا كان) أى فى علم الله، أو بمعنى يكون وتعبيره بالمضى لتحقق وقوعه وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال. قال القارى: ((لا)) فى لا يسمع بمعنى ليس، و((ثم يموت)) عطف على يسمع المثبت، و(لم يؤمن، عطف على يموت، أو حال من فاعله وليس لنفى هذا المجموع ، وتقديره: ليس أحد يسمع بى ثم يموت ولم يؤمن، أو غير مؤمن كائنا من أصحاب شئ إلا من أصحاب النار - انتهى. وذلك لأن معجزته القرآن المستمر إلى يوم القيامة مع خرقه العادة فى ٥٣ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان رواه مسلم . ١١ - (١٠) وعن أبى موسى الأشعرى - رضى الله عنه - قال: قال رسول اللّه ح ): ثلاثة لهم أجران : رجل من أهل الكتاب أسلوبه وأخباره بالمغيبات وعجز الجن والإنس عن أن يأتوا بسورة مثله يوجب الايمان برسالته، ويوجب الدخول على الكل فى طاعته، فمن لم يؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار. قال النووى: فى الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا وَّ ، وفى مفهومه دلالة على أن من لم يبلغه دعوة الإسلام فهو معذور (رواه مسلم) هو مسلم من إفراد مسلم من بين أصحاب الكتب الستة . ١١ - قوله (وعن أبى موسى الأشعرى) نسبة إلى الأشعر، أحد أجداده وهو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعرى، مشهور باسمه وكنيته معا. قيل إنه قدم مكة قبل الهجرة ، فأسلم ثم هاجر إلى الحبشة، ثم قدم المدينة مع أصحاب السفینتین بعد فتح خيبر. وقيل بل رجع إلى بلاد قومه ، ولم يها جر إلى الحبشة، ثم خرج من بلاد قومه فى سفينة فألقتهم الريح بأرض الحبشة فوافقوا بها جعفر بن أبى طالب ، فأقاموا عنده ورافقوه إلى المدينة، وهذا قول الأكثر، وهو أصح. واستعمله النبي ◌َّم على بعض اليمن كزييد وعدن وأعمالهما، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة فافتتح الأهواز ثم الأصبهان ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين ، ثم اعتزل الفريقين ، وكان حسن الصوت بالقرآن. وفى الصحيح المرفوع: لقد أوتى مزمارا من مزامير آل داود. وقال أبو عثمان النهدى: صليت خلف أبى موسى فما سمعت فى الجاهلية صوت صنج ولا بربط ولا نأى أحسن من صوت أبى موسى بالقرآن ، وكان عمر إذا رآه قال: ذكرنا يا أبا موسى. وفى رواية: شوقنا إلى ربنا. فيقرأ عنده. وكان أبو موسى هو الذى فقه أهل البصرة، وأقرأهم. وأخرج البخارى عن الحسن قال: ما أتاها ، يعنى البصرة ، راكب خير لأهلها منه ، يعنى من أبى موسى. قال الشعبى: كتب عمر فى وصيته أن لا يقر لى عامل أكثر من سنة، وأقروا الأشعرى أربع سنين. ومناقبه كثيرة ، له ثلثمائة وستون حديثا اتفقا على خمسين وانفرد البخارى بأربعة ومسلم بخمسة وعشرين ، روى عنه خلق مات سنة (٥٠)، وقيل بعد ذلك وهو ابن (٦٣)، قيل بالكوفة ، وقيل بمكة (ثلاثة) مبتدأ تقديره: ثلاثة رجال ، أو رجال ثلاثة (لهم أجران) أى لكل واحد أجران يوم القيامة. وهو مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ الأول (رجل) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أو لهم أو أحدهم بدل من ثلاثة بدل البعض ، بالنظر إلى كل رجل بدل الكل بالنظر إلى المجموع، وقيل غير ذلك. وحكم المرأة الكتابية حكم الرجل كما هو مطرد فى جل الأحكام ، حيث يدخلن مع الرجال بالتبعية إلا ما خصه الدليل (من أهل الكتاب) فى محل الرفع لأنه صفة لرجل ، ولفظ الكتاب عام ومعناه خاص أى المنزل من عند الله، والمراد به التوراة والانجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة، حيث يطلق ٥٤ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان آمن بنبيه وآمن بمحمد ، أهل الكتاب ، ويؤيد العموم أى الحمل على أهل التوراة والإنجيل، أعنى اليهود والنصارى ما رواه أحمد فى مستده (ج.٥: ص ٢٥٩) عن أبى أمامة قال: إنى لتحت راحلة رسول اللّه مَ ◌ّه يوم الفتح، فقال قولا حسنا جميلا وقال فيما قال: من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين ، وله مالنا، وعليه ما علينا ، ومن أسلم من المشركين فله أجره، وله ما لنا وعليه ما علينا، وما رواه النسائى فى آداب القضاة (ج ٢: ص ٢٦٥) عن ابن عباس فى تأويل قوله عز وجل: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - ٥: ٤٤)﴾ من حديث طويل وفيه فقال الله تبارك وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته -٥٧: ٢٨﴾ أجرين بايمانهم بعيسى وبالتوراة والانجيل، وبإيمانهم بمحمد مرَّ الحديث، ويؤيده أيضا أن الحديث مستفاد من قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين ١٥٣:٢٨) وأنه نزل فى عبد الله بن سلام وأشباهه، كما رواه الطبرانى من حديث رفاعة القرظى، والطبرى عن على ابن رفاعة القرظى وغيره أنها نزلت فى رفاعة القرظى ، وعبد الله بن سلام، وسلمان وغيرهم من أهل الكتاب الذين كانوا بالمدينة. وأما ما ورد فى البخارى (ج ١: ص ٤٩٠) فى كتاب الأنبياء وإذا آمن بعيسى ثم آمن بي بدل قوله ((من أهل الكتاب، وهو يدل على أن المراد فى حديث الباب أهل الإنجيل أى النصارى فقط، فهو محمول على اقتصار الراوى واختصاره، والأصل كما ذكره آخرون. فإن قيل: حمل الكتاب على العموم حتى يشمل اليهود صعب جدا ، لأنهم كفروا بعيسى عليه السلام خبط إيمانهم بموسى، ثم إنهم لما آمنوا بمحمد عَ له لم يق لهم إلا عمل واحد ، وهو الإيمان بنينا يَّ فلا يستحقون عليه إلا أجرا واحدا. قلنا: من دخل فى اليهودية من غير بنى إسرائيل ولم يكن بحضرة عيسى عليه السلام فلم تبلغه دعوته ، يصدق عليه أنه يهودى مؤمن، إذ هو مؤمن بنيه موسى عليه السلام ولم يكذب نيا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد مَّ ممن كان بهذه المثابة وآمن به لا يشكل أنه يدخل فى حديث أبى موسى، ومن هؤلاء عرب نحو اليمن متهودون ولم تبلغهم دعوة عيسى لكونه أرسل إلى بنى إسرائيل خاصة إجماعا دون غيرهم، وكذا يدخل فى قوله ((أهل الكتاب)) يهود المدينة الذين كانوا بحضرة النبى معر فه كما دخلوا فى قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ لأنه لم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام، لكونها لم تنتشر فى أكثر العباد فاستمروا على يهوديتهم مؤمنين بنبيهم موسى عليه السلام إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد مرَّة. وقيل: الظاهر أنه بلغ عبد الله ابن سلام وأصحابه، من أسلموا من يهود المدينة خبر عيسى عليه السلام كسائر الأخبار تحمل من بلد إلى بلد من غير أن يبلغ إليه الدعوة إلى شريعته بخصوصها فآمنوا به وصدقوه بخاشا مثل ابن سلام وأضرا به مع سعة علومهم، وكمال عقولهم، وسلامة فطرتهم ، أن يبلغ إليهم خبر عيسى ثم يكذبوه فلا نسيئى الظن بهم ، وإذا كان الأمر كذلك فقد كفاهم تصديقهم به إجمالا لاستحقاق أجر إيمانهم عن عهدة التزام شريعته لأنه لم تبلغهم الدعوة إلى شريعته بخصوصها مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة يطأها فأدبها فلم يكن عليهم إلا التصديق مجملا ، وحينئذ بقاءهم على اليهودية لا يمنع من إحراز الأجر، ثم لما آمنوا بنبينا مؤيّ حصل لهم الأجر مرتين ، نعم يخرج من الحديث يهود الشام من بنى إسرائيل الذين بعث فيهم عيسى ودعاهم إلى شريعته فكذبوه وكفروا به فلا يحصل لهم بالايمان بالنبي مَّ إلا أجر واحد. وقال الطبي: يحتمل إجراء الحديث على عمومه إذ لا يبعد أن يكون طريان الايمان بمحمد معروففي سبا لثوابه على الايمان السابق وسيا لقبول تلك الأعمال والأديان ، وإن كانت منسوخة كما ورد فى الحديث ((أن مبرات الكفار وحسناتهم مقبولة بعد إسلامهم - انتهى. واعلم أنه قال بعضهم: إن الكتابى الذى يضاعف أجره مرتين هو الذى بقى على ما بعث به نيه من غير تبديل وتحريف ، فمن كان على الحق فى شرعه عقدا وفعلا إلى أن آمن بمحمد مؤتم فله الأجر مرتين ومن بدل منهم ، أو حرف لم يبق له أجر فى دينه فليس له أجر إلا بإيمانه بنبينا مؤلّ. قلت: هذا خلاف نص الحديث لأنه مَِّ قال ذلك فى أهل زمانه من اليهود والنصارى، وحالهم فى التحريف والتبديل معلوم. وقال الحافظ: ويشكل عليه أن النبى مؤلفته كتب إلى هرقل: أسلم يؤتك الله أجرك مرتين)). وهرقل كان ممن دخل فى النصرانية بعد التبديل. ثم إن الكرمانى قال: هذا مختص بمن آمن من أهل الكتاب فى عهد البعثة ، فلا يشمل من آمن منهم فى زماننا وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد عَّ باعتبار عموم بعثته. قال الحافظ: وقضيته أن ذلك أيضا لا يتم لمن كان فى عهد النبي مزين ، فإن خصه بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق فى ذلك بين عهده وبعده ، فما قاله شيخنا أظهر ، أراد به ما قاله من أن هذه الثلاثة المذكورة فى الحديث مستمرة إلى يوم القيامة. وتعقبهما العينى بما يطول الكلام بذكره، ثم إنه مخصوص بما عدا أكابر الصحابة بالإجماع ، فيدخل فى هذا الحكم كل صحابى لا يدل دليل على زيادة أجره على من كان كتابيا ، والله أعلم (والعبد المملوك) وصف به لأن جميع الناس عباد الله، فأراد تميزه بكونه مملوكا للناس (إذا أدى حق اللّه) مثل الصلاة والصوم ونحوهما (وحق مواليه) من خدمتهم الجائزة جهده وطاقته. وجمع الموالى لأن المراد بالعبد جنس العبيد ، حتى يكون عند التوزيع لكل عبد مولى لأن مقابلة الجمع بالجمع أو ما يقوم مقامه مفيدة للتوزيع ، أو أراد أن استحقاق الأجرين إنما هو عند أداء حق جميع مواليه لو كان مشتركا بين طائفة ملوكالهم. لا يقال: إنه يلزم أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السادات ، لأنه قد يكون للسيد جهات أخر يستحق بها أضعاف أجر العبد ، أو المراد ترجيح العبد المؤدى للحقين على العبد المؤدى لأحدهما (كانت عنده أمة) فى محل الرفع ، لأنها صفة رجل ، وارتفاع أمة لكونها اسم كانت (يطأها) أى يحل وطئها سواء صارت موطوءة أولا، وهو فى محل الرفع لأنه صفة لأمة (فأدبها) بأن راضها بحسن الأخلاق وحملها على جميل الخصال من الأدب ، وهو حسن الأحوال والأخلاق ، فالتأديب ٥٦ ١ ١ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الإيمان فأحسن تأْديها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران ، يتعلق بالمروءات والأمور الدنيوية، وهو عطف على يطأها (فأحسن تأديبها) أن استعمل معها الرفق واللطف واجتنب العنف والضرب وبذل الجهد فى إصلاحها (وعليها) ما لا بد من أحكام الشريعة لها (فأحسن تعليمها) بتقديم الأهم فالأهم (ثم أعتقها) بعد ذلك كله، عطفه ثم خلا الجميع فإنه عطفه بالفاء، قال العينى: لأن التأديب والتعليم يتعقبان على الوطأ بل لا بدههنا من نفس الوطأ بل قبله أيضا لوجوبهما على السيد بعد التملك بخلاف الإعتاق، أو لأن الإعتاق نقل من صنف من أصناف الأناسى إلى صنف آخر منها. ولا يخفى ما بين الصنفين المنتقل منه والمنتقل إليه من البعد بل من الضدية فى الأحكام ، والمنافاة فى الأحوال ، فناسب لفظ دال على التراخى بخلاف التأديب - انتهى. (فله) أى فلرجل الأخير (أجران) أجر على إعتاقه وأجر على تزوجه، فالأجران على هذين العملين على الإعتاق لأنه عبادة بنفسها ، وعلى النكاح لأن التزوج بعد العتق عبادة أخرى. وفائدة ذكر التأديب والتعليم أنها أكمل للأجر إذ تزوج المرأة المؤدبة المعلمة أكثر بركة وأقرب أن تعين زوجها على دينه. ولم يقتصر على قوله أولا فلهم أجران ، مع كونه داخلا فى الثلاثة بحكم العطف، لأن الجهة كانت فيه متعددة، وهى التأديب والتعليم والعنق والتزوج، وكانت مظنة أن يستحق الأجر أكثر من ذلك ، فأعاد قوله «فله أجران)) إشارة إلى أن المعتبر من الجهات أمران: وهو الإعتاق والتزوج، ولذا ذكر عقبهما قوله ((فله أجران))، بخلاف التأديب والتعليم، فإنهما موجبان للأجر فى الأجنبي والأولاد وجميع الناس، فلا يكون مختصا بالاماء، فلم يبق الاعتبار إلا فى الجهتين: العتق والتزوج، لأنه يصير محسنا إليها إحسانا أعظم بعد إحسان أعظم بالعتق، لأن الأول فيه تخليص من الرق وأسره ، والثانى فيه الترقى إلى إلحاق المقهور بقاهره. وقيل فى بيان تكرير الحكم غير ذلك. ويجوز أن يعود الضمير فى ((فله)) إلى كل واحد من الثلاثة، فيكون التكرير التاكيد أو لطول الكلام ، فيكون كالفذلكة ويمكن أن يكون من باب اختصار الراوى ، أو نسيانه. قلت: هذان الأخيران مر الظاهر ، لأن الحديث أخرجه البخارى فى العلم ، وفى العتق، وفى الجهاد ، وفى الأنياء، ، وفى النكاح ، ومسلم فى الايمان مطولا، وفى النكاح مختصرا ، والنسائى مطولا ومختصرا، والترمذى وابن ماجه الثلاثة فى النكاح، وعند الجميع كرر الحنكم فى الأمور الثلاثة ، ما خلا البخارى فى العلم، والنسائى فى النكاح. واعلم أنه لا مفهوم للعدد المذكور فى حديث أبى موسى ، فالمراد هذه الأشياء وأمثالها ، وليس المقصود بذكرها نفى ما عداها ، فإن التنصيص باسم الشىء لا يدل على نفى الحكم عما عداه، وهو مذهب الجمهور، وهذا لأن عدد الذين يؤتون أجرهم مرتين بلغ بالتتبع إلى عشرين، بل يحصل بمزيد التتبع أكثر من ذلك. وقد ذكر بعضها العزيزى فى السراج المنير (ج ١: ص ١٨٩)، والحافظ فى الفتح فى شرح باب اتخاذ السرارى (ج ١١: ص ٣٨) والعلقمى والسيوطى. وقال بعضهم: الظاهر أن المراد بالحديث لهم أجران على كل عمل لا أن لهم أجرين على العملين ، إذ ثبوت أجرين على ٥٧ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان متفق عليه. ١٢ - (١١) وعن ابن عمر - رضى الله عنهما - قال: قال رسول اللّه مَلَّى: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول اللّه، عملين لا يختص بأحد دون أحد ، نعم يمكن لهؤلاء أن يكون لهم أجران على كل عمل من جميع أعمالهم، والله تعالى أعلم. وقيل : فى وجه التخصيص لهؤلاء الثلاثة أن فى هذه الخصال الثلاثة أشكالا لا يتعقل حصول الأجرين فيها لما قد يتوهم فى العبد أنه ملوك لمولاه ، فلعله لا يستحق الأجر والثواب فى خدمته ، لأنه يؤدى بخدمته ما لزمه من حق مولاه، وكذلك تزوجها لغرض نفسه وفائدته، فلا يحصل له فيه الأجر أيضا، وكذلك قد يخطر فى البال أن مؤمن أهل الكتاب لا بد أن يكون مؤمنا بنينا مَّ لما أخذ اللّه عليهم العهد والميثاق، فإذا بعث فإيمانه مستمر فكيف يتعدد إيمانه حتى يتعدد أجره ، وأيضا يتبادر إلى بعض الأذهان أن الايمان عمل واحد ، فإن أصل جميع الأديان السماوية واحد لا فرق إلا فى الفروع، فاعتبار الايمان بعيسى أو بموسى أو لا، ثم اعتبار الإيمان بمحمد مدو ◌ّم ثانيا وعدهما شيئين ربما يستبعد ، فنبه فى الحديث أن الإيمان التفصيلى بعد بعثة محمد بأنه هو الموصوف والمنعوت فى الكتابين مغاير للإيمان الاجمالى بأن الموصوف بكذا هو رسول اللّه مَله ، فثبت التعدد وصرح بأن الإيمان وإن كان عملا واحدا إجمالا لكنه لما تعلق بعيسى أو بموسى بخصوصه تفصيلا، ولا شك أنه عمل ثم تعلق بمحمد كذلك صار متعددا ، أو صار عملين وحصل إيمانان بالنظر إلى التفصيل ، وفى وجه التخصيص بهولاء الثلثة أقوال أخر. وأورد المصنف هذا الحديث فى الإيمان ، لأنه يدل على فضل من آمن من أهل الكتاب بنينا مؤقّم وأن له ضعف أجر من لم يكن كتابيا فإيمانه بمحمد عزَّم من هذه الجهة أفضل من إيمان غيره، والله أعلم (متفق عليه) أخرجه البخارى فى العلم والعتق والجهاد والأنبياء والنكاح، ومسلم فى الايمان، وأخرجه أيضا الترمذى والنسائي وابن ماجه فى النكاح ١٢ - قوله (أمرت) على صيغة المجهول أى أمرنى اللّه لأنه لا آمر لرسول اللّه مؤتم إلا اللّه (أن أقاتل) أى بأن أقاتل وحذف الجار من أن كثير سائغ مطرد، وأن مصدرية تقديره: مقاتلة الناس (حتى يشهدوا) أى يقروا ويذعنوا (أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله) جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر فمقتضاه أن من شهد وأقام وآتى عصم دمه ولو جحد باقى الأحكام ، لكنه ليس كذلك. والجواب أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بجميع ما جاء به مع أن نص الحديث وهو قوله إلا بحق الاسلام يدخل فيه جميع ذلك ، فكأنه أراد الخمسة التى بنى الإسلام عليها . فإن قيل : فلم لم يكتف به ونص على الصلوة والزكوة؟ أجيب بأن ذلك لعظمهما والاهتمام بأمرهما، لأنهما أم العبادات. البدنية والمالية وأساسها والعنوان لغيرهما. قلت: والذى يتبين ويظهر من ألفاظ أحاديث الباب أن كلتى الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما ويصير بذلك مسلما فإذا دخل فى الإسلام فإن أقام الصلوة وآتى الزكوة وقام بشرائع ٥٨ مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مى دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على اللّه، الإسلام فله ما المسلمين وعليه ما على المسلمين ، وإن أخل بشىء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا، وقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتى بالشهادتين ويقم الصلوة ويؤتى الزكوة وجعلوا ذلك حجة على خطاب الكفار بالفروع وفى هذا نظر، وسيرة النبى ◌َّم فى قتال الكفار تدل على خلاف ذلك (ويقيموا الصلاة) أى يداوموا على الاتيان بشروطها، والمراد بالصلوة المفروض منها لا جنسها. واستدل بالحديث على مذهب الشافعى ومالك أن تارك الصلوة عمدا يقتل حدا ، ومذهب أحمد أن تاركها يقتل كفرا وردة ، وفى هذا الاستدلال نظر للفرق بين أقاتل وأقتل فالكلام فى المقاتلة لا فى القتل، ومقاتلة الإمام لتاركى الصلوة إلى أن يأتوا بها محل وفاق ، مع أنه منقوض بترك الزكوة فإنه لم يقل أحد بقتل تاركها . وقد أطنب ابن دقيق العيد فى شرح العمدة فى الإنكار على من استدل بهذا الحديث على جواز قتل تارك الصلوة. قال: ولا يلزم من إباحة المقاتلة إباحة القتل إلخ (ويؤتوا الزكوة) فيه دليل لقتال ما نعى الزكوة، ولا نزاع فيه، ومن ثم قاتلهم الصديق، وأجمع عليه الصحابة، ولم ينقل أنه قتل أحدا منهم صبرا. قلت: وكذا لا نزاع فى من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك الصلوة والزكوة (فإذا فعلوا ذلك) أى المذكور من الشهادة والصلاة والزكاة ، ويسمى القول فعلا لأنه فعل اللسان أو تغلييا (عصموا) بفتح الصاد أى منعوا وحفظوا (منى) أى من اتباعى أو من قبلى وجهة دينى (دماتهم وأموالهم) استباحتهم بالسيف والنهب (إلا بحق الإسلام) الإضافة لامية، ويجوز أن تكون بمعنى ((فى)) وبمعنى ((من، على ما لا يخفى، والاستثناء مفرغ، والمستثنى منه أعم عام الجار والمجرور والعصمة متضمنة لمعنى النفى حتى يصح تفريغ الاستثناء إذ هو شرط أى إذا فعلوا ذلك لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام من نحو قصاص أو حدأو غرامة متلف ونحو ذلك (وحسابهم) فيما يسرون من الكفر والمعاصى بعد ذلك (على الله) أى كالواجب على اللّه فى تحقق الوقوع، وكان الأصل فيه أن يقال: وحسابهم لله، أو إلى الله. والمعنى أن أمور سرائرهم إلى الله، وأما نحن فنحكم بالظاهر فتعاملهم فى الدنيا بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم، فقيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر. ومقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد ، فيدخل فيه أهل الكتاب الملتزمون لأداء الجزية وكذا المعاهد. والجواب من أوجه منها دعوى النسخ بأن يكون الاذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرا عن هذه الأحاديث، بدليل أنه متأخر عن قوله: (اقتلوا المشركين - ٩: ٥) ومنها أن يكون من العام الذى أريد به الخاص ، فيكون المراد بالناس فى قوله ((أقاتل الناس)) أى المشركين من غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسائى بلفظ ((أمرت أن أقاتل المشركين)). فإن قيل: إذا تم هذا فى أهل الجزية لم يتم ٥٩ : مرعاة المفاتيح ج ١ كتاب الايمان متفق عليه، إلا أن مسلما لم يذكر ((إلا بحق الإسلام)). ١٣ - (١٢) وعن أنس أنه قال: قال رسول اللّه عَلَّم: من صلى صلاتنا، وإستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذى له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله فى ذمته فى المعاهدين ولا فى من منع الجزية. أجيب بأن الممتنع فى ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما فى الهدنة، ومقاتلة من امتنع من أداء الجزية بدليل الآية. ومنها أن يقال الغرض من ضرب الجزية اضطرارهم إلى الإسلام وسبب السبب سبب، فكأنه قال: حتى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإسلام. قال الحافظ: وهذا أحسن، وفى الحديث رد على المرجئة فى قولهم: إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال، وفيه تنبيه على أن الأعمال من الإيمان. والحديث موافق. لقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة دخلوا سيلهم - ٥:٩﴾ (متفق عليه) أخرجه البخارى فى الإيمان والصلوة، ومسلم فى الإيمان (إلا أن مسلما لم يذكر إلا بحق الاسلام) لكنه مراد، والحديث أخرجه أيضا الشيخان من حديث أبى هريرة والبخارى من حديث أنس ومسلم من حديث جابر . ١٣ - قوله (من صلى صلوتنا) منصوب بنزع الخافض وهو فى نفس الأمر صفة لمصدر محذوف، أى من صلى صلاة كصلاتنا، ولا يوجد إلا من معترف بالتوحيد والنبوة. ومن اعترف بنبوة محمد مَّ فقد اعترف بجميع ما جاء به عن الله تعالى، فلهذا جعل الصلوة علما لإسلامه، ولم يذكر الشهادتين لأنهما داخلتان فى الصلاة (واستقبل قبلتنا) إنما ذكره والصلاة متضمنة له مشروطة به ، لأن القبلة أعرف من الصلاة ، فإن كل أحد يعرف قبلته ، وإن كان لا يعرف صلاته، ولأن من أعمال صلاتنا ما هو يوجد فى صلاة غيرنا كالقيام والقراءة، واستقبال قبلتنا مخصوص بنا ، ثم لما ذكر من العبادات ما يميز المسلم من غيره أعقبه بذكر ما يميزه عادة وعبادة (وأكل ذيحتنا) فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من العادات، فكذلك هو من العبادات الثابتة فى كل ملة، كذا فى شرح الطبى. والذبيحة: فعيلة بمعنى مفعولة ، والتاء للجنس كما فى الشاة ، وقيل فى تخصيص هذه الثلاثة من بين سائر الأركان وواجبات الدين أنها أظهرها. وأعظمها وأسرعها عا بها إذ فى اليوم الأول عن الملاقاة مع الشخص يعلم صلاته وطعامه غالبا، بخلاف نحو الصوم فإنه لا يظهر الامتياز بيننا وبينهم به، ونحو الحج فإنه قد يتأخر إلى شهور وسنين وقد لا يجب عليه أصلا (فذلك) أى من جمع هذه الأوصاف الثلاثة، وهو جواب الشرط وذلك مبتدأ وخبره (المسلم) أو هو صفة وخبره (الذى له ذمة الله وذمة رسوله) أى أما نهما وعهدهما وضمانهما من وبال الكفار وما شرع لهم من القتل والقتال وغيرهما ، أى يرتفع عنه هذا (فلا تخفروا الله فى ذمته) بضم التاء من الاخفار، والهمزة فيه للسلب، أى لسلب الفاعل عن المفعول أصل الفعل نحو أشكيته أى أزلت شكايته، وكذلك أخفرته أى أزلت خفارته ، ويقال أخفره إذا نقض عهده وغدر به ، أى لا تخونوا الله فى عهده ولا تتعرضوا فى حقه من ماله ودمه وعرضه، أو الضمير المسلم أى فلا تنقضوا عهد الله بحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، فى ذمته أى ما دام هو فى أمانه. وقال التور بشتى: ٦٠ .