النص المفهرس

صفحات 21-40

ثالثًا : أبرز شيوخه :
تقدم قول أبى داود أنه كتب عن ألف شيخ، وقد روى فى هذا
الكتاب عن قريبٍ من مائتين وخمسين شيخا(١).
وإليك ترجمة موجزة لخمسة من أبرز شيوخه :
١- شعبة بن الحجاج بن الوَزْد، أبو بِشْطَامَ الأَزْدِى العَتَكِى
مولاهم، الواسطى(١) ، نزيل البصرة ومحدثها ، شيخ الإسلام، أمير المؤمنين
فى الحديث .
قال الثورى : شعبة أمير المؤمنين فى الحديث . وقال الشافعى : لولا شعبة لما
عُرف الحديث بالعراق . وقال أحمد: كان شعبة أمة وحده فى هذا الشأن .
يعنى : فى الرجال، وبصره بالحديث ، وتثبته، وتنقيته للرجال. وقال ابن
حبان : وكان من سادات أهل زمانه حفظا، وإتقانا، وورعا ، وفضلا، وهو
أول من فَتَّش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار
عَلَمًا يقتدى به ، وتبعه عليه بعده أهل العراق . اهـ.
ولد سنة ٨٢هـ، ومات سنة ١٦٠ هـ، وقيل غير هذا فى ولادته ووفاته.
(١) سيأتى فى الفهارس العامة بآخر الكتاب معجم شيوخ أبى داود الطيالسى ، أذكر فيه شيوخه
فى هذا المسند ، وأرقام رواياتهم ، مع ما وقفت عليه من مشايخه ممن لم يورده فى هذا المسند،
مرتبين على حروف الهجاء ، مستفيدًا ذلك من الكتب التى ترجمت له أو لمشايخه ، وذلك إبرازًا
لشخصية المؤلف الحديثية ، ولعدم قيام أحد - فيما علمت - بجمعهم على الاستقصاء .
(٢) ينظر فى ترجمته: تاريخ بغداد ٩/ ٢٥٥، تهذيب الكمال ٤٧٩/١٢، السير ٢٠٤/٧.
٢١

ولقى خلقا لا يحصون، قال الحاكم: إمام الأئمة فى معرفة الحديث
بالبصرة، رأى أنس بن مالك، وعمرو بن سلمة الصحابيين، وسمع
أربعمائة من التابعين، وحدَّث عنه أمم لا يحصون ، آخرهم موتا على بن
الجعد .
وكان أبو داود من أخص أصحاب شعبة ، وأكثر عنه إكثارا لم يكثره
غيره، ولم يكثره هو عن غيره .
قال أبو داود : سمعت من شعبة سبعة آلاف حديث، وسمع منه غندر
مثلها ، أغربت عليه ألفا، وأغرب هو علىّ ألفاً(١) .
وقال أبو داود: كنت يوما بباب شعبة، وكان المسجد مليئا، فخرج
فاتكأ علىّ، وقال: يا سليمان، ترى هؤلاء كلهم يَخرجونَ محدِّثين؟
قلت : لا . قال: صدقت ، ولا خمسة ؛ یکتب أحدهم فى صغره، ثم إذا
كبر تركه، أو يشتغل بالفساد . قال: ثم نظرت بعد ذلك، فما خرج منهم
.(٢)
خمسة (٢).
وقال أبو داود: قال لى شعبة: عليك بورقاء، فإنك لا تلقى مثله،
حتى ترجع . عَنَى فى الخير (٣) .
وقال أحمد بن سعيد الدارمى: سألت أحمد بن حنبل عمن أكتب
(١) السير ٢١٦/٩.
(٢) السير ٢٢٥/٩.
(٣) السير ٩/ ٢٢٣.
٢٢

حديث شعبة؟ قال: كنا نقول وأبو داود حى: يكتب عن أبى داود (١).
وقال عثمان بن سعيد الدارمى : سألت ابن معين - يعنى عن أصحاب
شعبة - قلت: فأبو داود أحب إليك، أو خَزْمى؟ فقال: أبو داود
صدوق، أبو داود أحب إلى. قلت: فأبو داود أحب إليك، أو ابن
مهدى؟ قال: أبو داود أعلم به (١) .
وقال أحمد بن الفرات: ما رأيت أحدا أكثر فى شعبة من أبى داود (٢).
وقال سليمان بن حرب: كان شعبة إذا قام ، أملى عليهم أبو داود بأمر
.(٣)
شعبة(١) .
کل هذا يدل على أنه من أخص تلاميذه، وأن له أثرًا کبیرًا فى حياته ،
وإقباله على طلب الحديث، وجدِّه فيه .
٢- حَمَّاد بن سَلَمة بن دِينَار، أبو سَلَمة البصرى الخِرَقِى، مولى آل
ربيعة بن مالك(1) .
قال أحمد: حماد بن سلمة من الثقات، ما نزداد فيه كل يوم إلا
بصيرة .
وقال يحيى: إذا رأيت إنسانًا يقع فى عِكرمة، وحماد بن سلمة ،
(١) تاريخ بغداد ٢٨/٩ .
(٢) السير ٣٨٤/٩.
(٣) كنى ابن عبد البر ٦٠٦/١.
(٤) ينظر فى ترجمته: تهذيب الكمال ٢٥٣/٧، السير ٤٤٤/٧، تهذيب التهذيب ١١/٣.
٢٣

فاتهمه على الإسلام .
وكان عابدًا فاضلاً من مجابى الدعوة، قال ابن مهدى: لو قيل
لحماد بن سلمة : إنك تموت غدا. ما قدر أن يزيد فى العمل شيئا .
وهو أثبت الناس فى ثابت، وحميد الطويل، وعمار بن أبى عمار،
وعلى بن زيد بن جدعان ، وقد تغير حفظه لما كبر، ووقع منه بعض
الأوهام، ومن ذا يعصم من الوقوع فى الخطأ والوهم!
توفى فى ذى الحجة سنة ١٦٧هـ.
وقد أكثر عنه أبو داود ولازمه، قال أبو داود : لم يكن لحماد بن سلمة
کتاب غیر کتاب قيس بن سعد .
وقول بمثل هذا الجزم لا يقوله إلا قريب منه مطلع على خصائصه . وقد
ضاع كتاب حماد هذا كما ذكر ذلك أحمد، وحدَّث به من حفظه،
فتكلم بعض الأئمة فى حديثه عن قيس بن سعد .
٣- الوَضّاح بن عبد اللَّه، أبو عَوانة(١)، مولى يزيد بن عطاء
الیَشْكُرِى، الواسطى، البزاز.
ثقة ثبت إمام ، قال عفان: أبو عوانة أصح حديثا عندنا من شعبة .
وقال يحيى القطان: ما أشبه حديثه بحديث سفيان وشعبة. وقال
شعبة : إن حدَّثكم أبو عوانة عن أبى هريرة فصدِّقوه .
توفى فى ربيع الأول سنة ١٧٦هـ.
(١) ينظر فى ترجمته: تاريخ بغداد ٤٦٥/١٣، تهذيب الكمال ٤٤١/٣٠، السير ١٩٣/٨.
٢٤

٤- محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبى ذِئْب(١).
أحد الأعلام، قال أحمد: كان يُشَبّه بسعيد بن المسيب. فقيل
لأحمد: خلّف مثله؟ قال: لا. ثم قال: كان أفضل من مالك، إلا أن
مالكا - رحمه الله - أشد تنقية للرجال منه.
وقال مصعب الزبيرى: كان ابن أبى ذئب فقيه المدينة. وقال
الشافعى : ما فاتنى أحد فأسفت عليه ما أسفت على الليث بن سعد، وابن
أبی ذئب .
وكان قوّالًا بالحق ، وله مواقف مشهودة فى ذلك .
توفى سنة ١٥٩هـ.
٥- وَرْقَاء بن عمر بن كُلَيْب، أبو بِشْرِ اليَشْكُرِى - ويقال:
الشيبانى - الكوفى(٢)، نزيل المدائن.
الإمام الثقة، قال أحمد : ثقة، صاحب سنة .
ولما حضرته الوفاة جعل يهلل ويكبر، ويذكر الله، وقال لابنه : اکفنی
ردًّ السلام على هؤلاء ، لا يشغلونی عن ربى، عز وجل.
وتقدم(٢) قول شعبة لأبى داود : عليك بورقاء؛ فإنك لا تلقى بعده
(١) ينظر فى ترجمته: تاريخ بغداد ٢٩٦/٢، تهذيب الكمال ٦٣٠/٢٥، السير ١٣٩/٧.
(٢) ينظر فى ترجمته: التاريخ الكبير ١٨٨/٨، تاريخ بغداد ٥١٥/١٣، تذكرة الحفاظ ١/
٢٣٠، تهذيب الكمال ٤٣٣/٣٠، السير ٤١٩/٧، الميزان ٣٣٢/٤، تهذيب التهذيب ١١/
١١٣.
(٣) ص: ٢٠، ٢٢ .
٢٥

مثله، حتى ترجع. فقيل لأبى داود : ما يعنى بقوله؟ قال : أفضل وأورع
وخير منه .
رابعًا : مكانته العلمية :
حظى الإمام أبو داود بمكانة علمية عالية تتجلى فى الأمور الآتية :
أ- توثيقه، وثناء الأئمة عليه :
اتفق جمهور العلماء على توثيقه، والثناء عليه، ووصفه بأعلى درجات
التوثيق، وعابه البعض بأشياء .
أولا : أقوال العلماء فى الثناء عليه :
قال عمرو بن على الفلاس : ما رأيت فى المحدثين أحفظ من أبى داود .
قال الذهبى عقب هذا: قلت: قال هذا، وقد صحب يحيى القطان ،
وابن مهدى، ورافق ابن المدينى(١).
وقال ابن المدينى: ما رأيت أحفظ من أبى داود (٢).
وقال وكيع: ما بقى أحد أحفظ لحديث طويل من أبى داود. قال :
(١) السير ٩/ ٣٨٠.
(٢) السير ٩/ ٣٨٢.
٢٦
.

فذكر ذلك لأبى داود، فقال: قل له: ولا قصير (١) . وقال وكيع أيضا:
أبو داود جبل العام(١) .
وقال بندار: ما بكيت على أحد من المحدثين ما بكيت على أبى داود .
قيل له: كيف؟ قال: لما كان من حفظه، ومعرفته، وحسن مذاكرته (١).
وقال ابن مهدى: أبو داود أصدق الناس(١) . وقدمه ابن معين فى شعبة
على ابن مهدى(٤) .
وقال سليمان بن حرب: كان شعبة يحدث ، فإذا قام ، قعد أبو داود ،
وأملى من حفظه ما مرّ فى المجلس(٥).
وقال النسائى: ثقة، من أصدق الناس لهجة(٦).
وقال يونس بن حبيب: قدم علينا أبو داود، وأملى علينا من حفظه
مائة ألف حديث، أخطأ فى سبعين موضعا، فلما رجع إلى البصرة كتب
إلينا بأنى أخطأت فى سبعين موضعا فأصلِحوه(٧).
(١) السير ٩/ ٣٨٢.
(٢) السير ٣٨٣/٩.
(٣) السير ٩/ ٣٨٠.
(٤) تهذيب التهذيب ١٨٤/٤. وسبق هذا القول ص : ٢٣ .
(٥) تهذيب التهذيب ١٨٥/٤. وسبق هذا القول ص : ٢٣.
(٦) تهذيب التهذيب ١٨٤/٤.
(٧) تهذيب التهذيب ١٨٦/٤.
٢٧

وقال هو عن نفسه : أسرد ثلاثین ألف حدیث ولا فخر، وفی صدرى
اثنا عشر ألفا لعثمان الثُرِّى، ما سألنى عنها أحد من أهل البصرة،
فخرجت إلى أصبهان فبثئتها فيهم(١).
وقال العجلى : بصرى ثقة، وكان كثير الحفظ، رحلت إليه فأصبته
مات قبل قدومی بیوم، و کان شرب البلاذر هو وعبد الرحمن بن مهدى ،
فجُذِمَ هو، وبرص عبد الرحمن، فحفظ أبو داود أربعين ألف حديث،
وحفظ عبد الرحمن عشرة آلاف حديث(٢).
وروى ابن أبى حاتم عن يونس بن حبيب، قال: قال أبو داود: كنا
ببغداد ، وكان شعبة وابن إدريس يجتمعون بعد العصر يتذاكرون ، فذكروا
باب المجذوم، فذكر شعبة ما عنده، فقلت: حدثنا ابن أبى الزناد ، عن
أبيه، عن خارجة بن زيد، قال: كان معيقيب يحضر طعام عمر، فقال له
عمر: یا معیقیب کل مما يليك ... الحديث، فقال لی شعبة : يا أبا داود ،
لم تجئ بشىء أحسن مما جئت به .
قال ابن أبى حاتم بعده: هذا يدل على أن أبا داود كان محله أن
يذاكر شعبة (٣).
وقال عمر بن شبة : كتبوا عن أبى داود بأصبهان أربعين ألف حديث
(١) السير ٣٨٣/٩.
(٢) تهذيب التهذيب ١٨٤/٤. والبلاذر: ثمر الفهم. تاج العروس مادة (ب ل ذر).
(٣) الجرح ٤/ ١١٢.
٢٨

وليس معه كتاب (١).
وقال الخطيب: كان حافظا مكثرا، ثقة، ثبتًاً(٢).
ووثقه أيضًا أحمد، وابن سعد، والنعمان بن عبد السلام، وابن
حبان. وقال النعمان : ثقة مأمون(٢).
ثانيًا : ما انتقد به وأجيب عنه :
عاب عليه البعض ثلاثة أمور :
الأول : وقوع الخطأ فى حديثه :
اختلفوا فى مقدار خطئه؛ فذكر أبو حاتم أنه كان كثير الخطأ، وذكر
الجَوْهَرى أنه أخطأ فى ألف حديث، وهذه مبالغة لا تقبل، قال الذهبى :
هذا قاله إبراهيم على سبيل المبالغة، ولو أخطأ فى سُبُع هذا لضعفوه (١).
وقال الخطيب: وكان أبو داود يحدِّث من حفظه، والحفظ خوّان، فكان
يغلط، مع أن غلطه يسير فى جنب ما روى على الصحة والسلامة(٤).
وتقدم قبل قليل عنه أنه حدَّث بخراسان بمائة ألف حديث من حفظه ،
أخطأ فى سبعين منها، ولاشك أن هذا يعد قليلا جدا فى جنب القدر
الكبير المملی .
(١) السير ٣٨٢/٩.
(٢) تهذيب التهذيب ١٨٣/٤ - ١٨٦.
(٣) السير ٩/ ٣٨٢.
(٤) تاريخ بغداد ٢٦/٩.
٢٩

ولهذا ، فالذى عليه المحققون أن له أخطاءً قليلة كغيره من حفاظ
الحديث، لا تؤثر فى وصفه بالحفظ والإتقان، فإنه لا يسلم أحد من بنى
آدم من الخطأ والنسيان، قال أحمد بن الفرات: ما رأيت أحدا أكثر فى
شعبة من أبى داود، وسألت أحمد عنه، فقال: ثقة صدوق . قلت : إنه
يخطئ. قال: يحتمل له (١).
وقال ابن عدى: وأبو داود الطيالسى له حديث كثير عن شعبة وغيره
من شيوخه، وكان فى أيامه أحفظ مَنْ بالبصرة، مقدَّم على أقرانه لحفظه
ومعرفته، ولا أدرى لأى معنى قال فيه ابن المنهال ما قال(١)؟! فهو - كما
قال عمرو بن على - ثقة. فإذا جاوزت فى أصحاب شعبة من معاذ بن
معاذ، وخالد بن الحارث، ويحيى القطان، وغندر، فأبو داود خامسهم،
وقد حدَّث بأصبهان - كما حكى عنه بندار - أحدا وأربعين ألف حديث
ابتداء، وإنما أراد به من حفظه، وله أحاديث يرفعها، وليس بعجب من
يحدث بأربعين ألف حديث من حفظه أن يخطئ فى أحاديث منها ، يرفع
أحاديث لا يرفعها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتى فى ذلك
من حفظه ، وما ينجو من ذلك حفظه، وما أبو داود عندى وعند غیری إلا
متيقظ ثبت(٢).
وأبو حاتم الذى قال عنه أنه كثير الخطأ، قد جعله أحفظ من أبى أحمد
(١) السير ٣٨٤/٩.
(٢) سيأتى قول ابن المنهال فى الصحفة التالية.
(٣) الكامل ١١٢٩/٣.
٣٠

الزبيرى(١). وأبو أحمد هذا: ثقة ثبت(٢).
الثانى : وصفه بالتدليس :
أما وصفه بالتدليس، فلا يُسَلَّم به أيضًا، إذ إن عمدة من وصفه
بالتدليس قول لابن المنهال، لم يقبله المحققون .
قال ابن المنهال : كنت أتهمه؛ قال لى : لم أسمع من ابن عون شيئا .
ثم سألته بعد: أسمعت من ابن عون ؟ قال : نعم، نحو عشرين حديثا .
قال الذهبى : الجمع بين القولین، أنه سمع منه شيئا ما ضبطه، ولا حفظه،
فصدق أن يقول: ما سمعت منه. وإلا فأبو داود أمين صادق(٣).
ثم إن هذا لو سلم به ليس من التدليس بل أدهى منه .
وقال ابن المنهال أيضًا : حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة بحديثين،
قال يزيد: حدَّثت بهما أبا داود، فكتبهما عنى، ثم حدَّث بهما عن
شعبة .
قال الحافظ(٤): يجوز أن يكون نسيهما، فلما حدَّثه يزيد بهما
ذكرهما . ا هـ . أو أنه سمعهما من شعبة بعد تحدیث یزید له .
وعلى التسليم بتدليسه لهما، فإن الأئمة يحتملون رواية من يندر
(١) تهذيب التهذيب ٤ / ١٨٥.
(٢) التقريب ١٧٦/٢.
(٣) السير ٣٨٣/٩.
(٤) فى تهذيب التهذيب ١٨٦/٤.
٣١

تدليسه، ولذا عده الحافظ فى الطبقة الثانية من المدلسين، وهم مَنْ احتمل
الأئمة تدلیسهم ().
الثالث : اجتناب البخارى لحديثه :
أما عدم إخراج البخارى لحديثه ، فليس جرحا من البخارى له ، ولا أنه أقل
من شرط الصحيح، بل السبب فى ذلك ما قاله الذهبى ، أنَّ البخارى سمع
عدة من أقران أبى داود، فما احتاج إليه(٢)، كابن الجعد ، وأبى الوليد
الطيالسى ، وغيرهما ممن تأخرت وفاتهم فأدركهم البخارى وسمع منهم .
ب - آراؤه فى الرجال :
هو غیر مکثر من أقوال الجرح والتعديل، ولم يشتهر بهذا، بل اشتهر
بنقل أقوال الجرح والتعديل الصادرة من شيوخه وأبرزهم شعبة(١)، ومع هذا
فقد وُجد له كلام يسير فيهم، وسأذكر بعض الأمثلة لأقواله فى الرجال ،
لعلها تعطى تصورا عن مذهبه فى الجرح والتعديل، ومعرفته بهذا الفن،
وسأقارن أقواله بأقوال أئمة هذا الشأن، مرجِّحا ما يحتاج إلى ترجيح منها ،
ثم أستخلص أهم النتائج من ذلك :
١- الشَّرِى بن يحيى بن إياس الشيبانى، أبو الهيثم البصرى.
(١) وانظر هذه الحكاية أيضًا فى تعليقى على الحديث رقم (١٣٣١).
(٢) السير ٣٨٣/٩ .
(٣) ينظر على سبيل المثال تهذيب التهذيب ٦٥/٨، ٧٠، ٣٥٣، ٣٩٢، و١٥٦/٩، ١٦٧،
٣٠٢، ٤٤٢.
٣٢

قال أبو داود: حدثنا السرى بن يحيى وكان ثقة. ((الجرح ٤/
٢٨٣)). ووافقه على هذا أئمة الجرح والتعديل؛ فقد وثقه أحمد،
ويحيى بن سعيد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائى، وابن حبان .
وخالف هؤلاء الأزدى فذكره فى الضعفاء، قال ابن عبد البر: هو
أوثق من الأزدى بمائة مرة. وقال الحافظ: ثقة، أخطأ الأزدى فى
(١)
تضعيفه(١).
٢- سهل بن أسلم العدوى ، مولاهم أبو سعيد البصرى .
قال أبو داود: حدثنا سهل العدوى، وكان ثقة. ((الجرح ٤/ ١٩٤)).
ووافقه ابن المدينى، وأبو داود السجستانى، وابن حبان ، فوثقوه، وقال أبو
حاتم: لا بأس به. وقال ابن حجر: صدوق. ولم أر من جرحه، وأبو
حاتم متشدد، فلا ينزل عن الثقة(٢) .
٣- صالح بن رُسْتم المزنى مولاهم، أبو عامر الخَزّاز البصرى.
قال أبو داود: حدثنا أبو عامر الخزاز وكان ثقة. ((الجرح ٤٠٣/٤)).
ووافقه أبو داود السجستانى، والبزار، ومحمد بن وَضَّاح، وابن حبان،
فوثقوه. وقال أحمد: صالح الحديث. وقال العجلى: جائز الحديث .
وقال ابن عدى: عزيز الحديث، روى عنه يحيى القطان مع شدة
استقصائه، وهو عندى لا بأس به، ولم أر له حديثا منكرًا جدًّا. اهـ.
(١) الكاشف ٣٥٠/١، تهذيب التهذيب ٣/ ٤٦٠، التقريب ٢٨٥/١.
(٢) الكاشف ٤٠٦/١، تهذيب التهذيب ٢٤٦/٤، التقريب ٣٣٥/١.
٣٣

ولعل هذا يشير إلى وجود بعض ما ينكر له .
وضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والدارقطنى، وأبو أحمد الحاكم، ولم
يفسروا جرحهم .
وعليه، فالراجح : أنه ثقة له ما ينكر ؛ لتوثيق مَنْ تقدم، وعدم تفسير
الجارح لجرحه(١).
٤- عبد اللَّه بن بُجَيْر بن حُمْران التميمى، أبو حُمران البصرى.
قال أبو داود: ثقة. ((التهذيب (١٥٣/٥)). ووثقه أحمد، وابن
معين، وأبو داود ، وأبو حاتم، وابن حبان ، والذهبى ، وابن حجر، ولم أر
من جرحه(٢) .
٥- عامر بن إبراهيم بن واقد بن عبد اللَّه الأصْبَهانى المؤذن، مولی
أبى موسى الأشعرى .
قال أبو داود: اكتبوا عن عامر بن إبراهيم؛ فإنه ثقة. ((الجرح ٦/
٣١٩)). ووثقه عمرو بن علی ، وابن حجر، ولم أر من جرحه(٢)
٦- عبد الرحمن بن بُدَيْل بن مَيْسَرة العُقَيْلى ، البصرى .
قال أبو داود(٤) : حدثنا عبد الرحمن بن بديل، وكان ثقة صدوقًا .
((الجرح ٢١٦/٥)). وقال ابن معين، وأبو داود، والنسائى: ليس به بأس.
(١) الكامل ١٣٨٩/٤، الكاشف ٢/ ٢٠، تهذيب التهذيب ٣٩١/٤، التقريب ٣٦٠/١.
ز
(٢) الجرح والتعديل ١٥/٥، الكاشف ٧٣/٢، التقريب ٤٠٣/١.
(٣) الكاشف ٥٣/٢، تهذيب التهذيب ٦١/٥، التقريب ٣٨٦/١.
(٤) انظر الحديث (١٦٥١).
٣٤

وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الذهبى: ثقة. وقال ابن حجر: لا
بأس به. وقال ابن معين فى رواية: ضعيف. وقال الأزدى: فيه لين.
والراجح ما قاله الأئمة، وتابعهم ابن حجر: لا بأس به. وهذا غير
مخالف لما قاله الطيالسى ؛ لأنه لم يوثقه توثيقا مطلقا ، بل قرنه بما يشعر
خفة ضبطه(١).
٧- المغيرة بن مسلم القَسْمَلى، أبو سَلَمة السراج.
قال أبو داود: حدثنا المغيرة بن مسلم، وكان صدوقا مسلما . ((الجرح
٢٢٩/٨)). وقال ابن معين: ثقة. وقال مرة: صالح. وقال أحمد: ما
أرى به بأسا. وقال أبو حاتم: صالح الحديث صدوق. وقال الدار قطنى :
لا بأس به. وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الذهبى : حسن الحديث .
وقال ابن حجر: صدوق. فما قاله الطيالسى وافقه الأئمة عليه (٢).
٨- ؤُهَيْب بن خالد بن عَجْلان الباهلى ، أبو بكر البصرى، صاحب الكرايس .
قال أبو داود: حدثنا وهيب ، وكان ثقة. ((الجرح ٩/ ٣٥)). وكذلك
وثقه أحمد ، وابن معین، وابن مهدی، وأبو حاتم، والعجلی، وابن سعد ،
وغيرهم. ولم أر من جرحه سوى وصفه بالتغير القليل بأخرة (٣).
٩- سليمان بن المغيرة القيسى ، مولاهم ، أبو سعيد البصرى .
(١) الكاشف ١٥٧/٢، تهذيب التهذيب ١٤٣/٦، التقريب ٤٧٣/١.
(٢) الكاشف ١٦٩/٣، تهذيب التهذيب ٢٦٩/١٠، التقريب ٢٧٠/٢.
(٣) الكاشف ٢٤٦/٣، تهذيب التهذيب ١٦٩/١١، التقريب ٣٣٩/٢.
٣٥

قال أبو داود: حدثنا سليمان بن المغيرة، وكان خيارا من الرجال .
((الجرح ١٤٥/٤))، وسليمان ثقة ثبت، متفق عليه(١).
١٠- حماد بن الجعد الهذلى البصرى .
قال أبو داود: كان إمامنا أربعين سنة، ما رأينا إلا خيرًا. ((التهذيب
٥/٣)).
وضعفه ابن مهدى، وابن معين، وأبو داود، وأبو زرعة، وعثمان بن
سعيد، والنسائى، وابن حبان، وجَرْمحهم متجه إلى الضبط كما فسره
بعضهم، فلا يعارض تضعيفُهم ثناءً الطيالسی علیه؛ لأن ثناءه متجه إلى
العدالة كما يفهم من تفسيره(٢).
١١- زائدة بن قدامة الثقفى.
قال أبو داود : حدثنا زائدة، و کان لا يحدث قدریا ولا صاحب
بدعة. ((التهذيب ٣٠٦/٣)). ووافقه على هذا سفيان بن عيينة. وزائدة
مشهور بأنه سُنِّى لا يحدث أحدا حتى يمتحنه، ويعلم أنه من أهل السنة .
وقال أيضا فى زائدة: لم يكن زائدة بالأستاذ فى حديث أبى إسحاق .
((التهذيب ٣٠٧/٣)). ووافقه على هذا أحمد حيث قال: إذا سمعت
الحديث عن زائدة ، وزهير، فلا تبال أن لا تسمعه من غيرهما ، إلا حديث
أبى إسحاق (٣).
(١) تهذيب التهذيب ٢٢٠/٤، التقريب ٣٣٠/١.
(٢) الجرح ٣/ ١٣٤، التقريب ١٩٦/١.
(٣) الجرح ٦١٣/٣، تهذيب التهذيب ٣٠٦/٣، التقريب ٢٥٦/١.
٣٦

١٢- قيس بن الربيع الأسدى .
قال أبو داود : إنما أُتی قیس من قِبل ابنه ، كان ابنه يأخذ حديث
الناس، فيدخلها فى فُرَج كتاب قيس، ولا يعرف الشيخ ذلك. ((التهذيب
٣٩٤/٨)).
وقيس بن الربيع مختلف فيه، والراجح تضعيفه، وقيل فى تضعيفه
عدة أسباب ، منها ما ذكره الطیالسی هنا، وهو أنه ابتُلی بابن له يُدخل فى
كتابه ما ليس منه فيحدث به. ووافقه على هذا أبو حاتم، وابن نمير،
والعجلی، وابن حبان(١) .
١٣- سعيد بن أبى عَرُوبة .
قال أبو داود: كان أحفظ أصحاب قتادة. ((الجرح ٦٥/٤)). ووافقه
على هذا ابن أبى خيثمة، وأبو حاتم، وابن عدى(٢).
١٤- هشام بن أبى عبد اللَّه سَنْبَرِ الدَّسْتُوَائى .
قال أبو داود: هشام أمير المؤمنين فى الحديث. ((الجرح ٩/ ٦٠)).
وهشام ثقة ثبت متفق على جلالته وإمامته ، يقول شعبة : هشام أحفظ
منى عن قتادة. وقال يحيى بن أبى كثير: الدستوائى لا تسأل عنه أحدا،
ما أرى الناس يروون عن أحد أثبت منه، أما مثله فعسى ، وأما أثبت منه
(٣)
فلا(٣) .
(١) الجرح ٩٦/٧، المجروحين ٢١٦/٢، تهذيب الكمال ٢٥/٢٤.
(٢) تهذيب التهذيب ٦٣/٤، التقريب ٣٠٢/١.
(٣) تهذيب التهذيب ٤٣/١١، التقريب ٣١٩/٢.
٣٧

١٥- زُرَارة بن أَوْفَى العامرى .
قال أبو داود: لم يسمع زرارة من ابن مسعود. ((الجرح ٦٠٣/٣)).
ولم أقف على من أثبت ذلك أو نفاه ، ولا من ذكر مجرد روايته عنه .
وانظر ((المراسيل ص: ٦٣))، و ((التهذيب ٣٢٢/٣)).
١٦- أَشْرَس ، من أهل الرى.
قال أبو داود: حدثنا صاحب لنا يقال له : أشرس . من أهل الرى ، ثقة .
ذكره فى ((التهذيب ٢٣١/١)) فى ترجمة إسحاق بن راشد الجَزَرِى،
ولم أجد لأشرس هذا ترجمة :
١٧- زياد بن ميمون .
أخرج مسلم فى ((مقدمة صحيحه ص : ٢٤)) عن محمود بن
غيلان ، قال: قلت لأبي داود : قد أكثرت عن عباد بن منصور، فما لك
لم تسمع منه حديث العَطّارة الذى روى لنا النضر بن شميل؟ قال لى:
اسكت، فأنا لقيت زيادَ بنَ ميمون، وعبد الرحمن بنَ مهدى، فسألناه
فقلنا له : هذه الأحاديث التى ترويها عن أنس ؟ فقال : أرأيتما رجلا يذنب
فيتوب، أليس يتوب الله عليه؟ قال : قلنا: نعم. قال: ما سمعت من
أنس من ذا قليلا ولا كثيرا، إن كان لا يعلمُ الناسُ فأنتما تعلمان أنى لم
ألق أنسا. قال أبو داود: فبلغنا بعد أنه يروى، فأتيناه أنا وعبد الرحمن،
فقال: أتوب. ثم كان بعد يحدِّث فتركناه .
١٨- الزهرى ، وقتادة ، والأعمش ، وأبو إسحاق .
قال أبو داود: وجدنا الحديث عند أربعة؛ الزهرى، وقتادة،
والأعمش، وأبى إسحاق. قال: وكان الزهرى أعلمهم بالإسناد، وكان
!
٣٨
٠

قتادة أعلمهم بالاختلاف، وكان أبو إسحاق أعلمهم بحديث على ، وعبد
اللَّه، وكان عند الأعمش من كل هذا. ((تدريب الراوى ٤٠١/٢)).
ونستنتج مما تقدم ما يأتى :
أ - أن الطيالسى لم يكن مكثرا من أقوال الجرح والتعديل .
ب - أنه لم يقتصر على أقوال الجرح والتعديل، بل تكلم فيما يتعلق
باتصال الأسانيد وانقطاعها .
ج - أنه ممن يعتمد قوله فى الجرح والتعديل، ولذلك نقلوا أقواله كما
سبق، وأثبتوها فى تراجم الرجال، وأيدوها .
وقد ذكره الحافظ الذهبى فى كتابه: (( ذكر من يعتمد قوله فى الجرح
والتعديل))، وكذا ذكره السخاوى فى كتابه: ((المتكلمون فى الرجال))،
تحت عنوان: ثم كان بعدهم ممن إذا قال سُمع منه(١) .
د - أن مذهبه معتدل فى الجرح والتعديل، وذلك من خلال موافقة
الجمهور له فيما سبق من أقواله .
هـ - أنه لم يخرج عن عبارات أئمة الجرح والتعديل فى التوثيق أو
التجريح .
و - أنه ذو معتقد سليم عرى من البدع، وإلا لما حدَّثه زائدة بن قدامة
الذى لا يحدِّث قدريًّا ولا صاحب بدعة.
ز - عنايته بالسنة وحرصه على سلامتها، وكان هو وابن مهدى
(١) ينظر: من يعتمد قوله فى الجرح والتعديل ص : ١٦٧، والمتكلمون فى الرجال ص : ٩١.
٣٩
7

زميلين فى الطلب صغارا، والتعليم والإملاء والذب عن السنة كبارا،
وسيأتى مزيد إيضاح لهذا .
ح - سعة مروياته، وعلو علمه ومعارفه، فإن قوله الأخير لا يقوله إلا
من أحاط بجُلٌّ مرويات السنة فى عصره، فوجدها - أى أكثرها
وأصحها - عند أولئك الأربعة، ثم أحاط بما عندهم أو جُلُّه، فسبره
وحرره، وعلم ما يميز كل واحد منهم، وتلك مكرمة عالية، ومنزلة
جليلة .
ج - الرحلة إليه :
والرحلة فى طلب الحديث لها شأن رفيع عند المحدثين ، يرحل أحدهم
فى صغره لسماع الحديث وجمعه، فإذا تميز بكثرة حفظه، وجودة
مروياته، رحل الناس إليه لأخذ ما عنده، والطيالسى أحد من تفرد فى هذا
الباب، وذاع صيته، واحتاج الناس إلى ما عنده .
روى الخطيب بإسناده إلى العجلى الحافظ قال: أبو داود الطيالسى ثقة
كثير الحديث، رحلت إليه، فأصبته قد مات قبل قدومى بأيام(١) .
وقد رحل أبو داود إلى خراسان للإملاء، قال يونس بن حبيب : قدم
علينا أبو داود، وأملى علينا من حفظه مائة ألف حديث، فلما رجع إلى
البصرة كتب إلينا بأنى أخطأت فى سبعين موضعا فأصلِحوه(١).
(١) الرحلة فى طلب الحديث ١٨٠. وتقدم ص : ٢٨.
(٢) تهذيب التهذيب ١٨٦/٤. وتقدم ص : ٢٧ .
٤٠