النص المفهرس

صفحات 41-60

ولكي نعرف نسب علم هذا الإمام، والمدرسة التي تخرج فيها، والدور الذي قام به،
لابد أن نوجز الكلام فنقول: لقد كانت مصادر الفتوى زمن الشيخين: أبي بكر وعمر:
كتاب الله العزيز، وسنة رسوله الكريم، والقياس أو الرأي وهو فرع الكتاب والسنة،
والإجماع الذي كان مستندهم فيه على كتاب أو سنة، أو قياس، ولذا فقد كان الخلاف
في الأحكام قليلاً لأنها لا تصدر إلا عن استشارة، أو عن نص من كتاب محكم، أو سنة
متبعة معروفة، فلم يبق من سبب للخلاف إلا صدور الفتوى عن رأي، واعتمادهم على
الرأي كان قليلاً.
ولما توفي ابن الخطاب انتشر الصحابة في الأمصار. وتسلم صغارهم راية الفتوى
فكانوا معقد الآمال، ومحط رحال الأمصار، لأن البلاد قد اتسعت، وجدت في الحياة
حاجات لم تكن، وهم بحاجة إلى معرفة الحكم فيها، ولا ملجأ للناس إذ ذاك إلا الصحابة
ومن زاحمهم في الفتوى من كبار التابعين.
وأصبح لكل مصر حل فيه صحابي أو أكثر مدرسة تروي حديثه وتنقل فتاواه،
فنشطت رواية الحديث، لأن عند كل صحابي ما ليس عند الآخر، ولكن هذا الحديث
الغزير لم يكن مجموعاً في كتاب واحد، ولم يكن دائراً في بلد واحد أيضاً، وكثرت
الفتاوى، وتعددت الآراء فكثر الاختلاف أيضاً.
ففي المدينة المنورة: عائشة أم المؤمنين (٥٧) هـ، وعبد الله بن عمر (٧٣) هـ، وأبو
هريرة (٥٨) هـ، وهؤلاء الثلاثة هم أكثر الصحابة من أهل المدينة حديثاً وفتوى في هذا
الزمن. وعليهم يدور علم أهل المدينة، وعنهم أخذ كبار التابعين، ومنهم: سعيد بن
المسيب (٩٤) هـ، وعروة بن الزبير (٩٤) هـ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن.
هشام المخزومي (٩٤) هـ، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٩٤) هـ، وعبيد الله
ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٩٨) هـ، وسالم بن عبد الله بن عمر (١٠٧) هـ،
والقاسم بن محمّد بن أبي بكر (١٠٦) هـ، ونافع مولى عبد الله بن عمر (١١٧) هـ، وابن
شهاب الزهري (١٢٤) هـ، ومحمد بن علي بن الحسين الباقر (١١٤) هـ، وعبد الله بن
ذكوان (١٣١) هـ، ويحيى بن سعيد الأنصاري (١٤٣) هـ، وربيعة بن فروخ (١٣٦) هـ.
٤١

وفي الكوفة: بعد أبي موسى، وابن مسعود وعلي بن أبي طالب تربَّع على منصةٍ
: الفتوى: علقمة بن قيس النخعي (٦٢) هـ، ومسروق بن الأجدع الهمداني (٦٣) ه،
وعبيدة بن عمرو السلماني المرادي (٩٢) هـ، والأسود بن يزيد النخعي (٩٥) هـ، وشريخ
ابن الحارث (٧٨) هـ، وإبراهيم بن يزيد النخعي (٩٥) هـ، وسعيد بن جبير مولى والبة
(٩٥)ه، وعامر بن شراحيل الشعبي (١٠٤) هـ.
وفي البصرة من الصحابة: أنس بن مالك الأنصاري (٩٣) هـ.
ومن التابعين: رفيع بن مهران أبو العالية الرياحي (٩٠) هـ، والحسن بن يسار
البصري (١١٠) هـ، وجابر بن يزيد أبو الشعثاء (٩٣) هـ، ومحمد بن سيرين (١١٠) هـ،
وقتادة بن دعامة السدوسي (١١٨) هـ.
وفي الشام: بعد معاذ، وأبي الدرداء: عبد الرحمن بن غنم الأشعري (٧٨) هـ، وأبو
إدريس الخولاني (٨٠) هـ، وقبيصة بن ذؤيب، ومكحول بن أبي مسلم (١١٣) هــ،
ورجاء بن حيوة (١١٢) هـ، وعمر بن عبد العزيز بن مروان (١٠١) هـ.
وفي مصر من الصحابة: عبد الله بن عمرو بن العاص (٦٥) هـ.
ومن التابعين: مرثد بن عبد الله اليزني (٩٠) هـ، ويزيد بن أبي حبيب (١٢٨) هـ.
وفي اليمن: استلم الفتوى بعد كبار الصحابة: طاووس بن كيسان الجندي
(١٠٦) هـ، ووهب بن منبه الصنعاني (١١٤) هـ، ويحيى بن أبي كثير (١٢٩) هـ.
وأما في مكة المكرمة: فقد أمسك بزمام الفتوى والحديث والتفسير حبر الأمة، وفقيه.
العصر، وإمام التفسير، من مسح رسول الله# رأسه وقال: «اللهُمَّ فَقْهْهُ فِي الدینِ
وعَلِّمْهُ التّأويلِ))(١). فزاده الله علماً وفهماً، ابن عم رسول الإسلام: عبد الله بن عباس
الذي اعتزل السياسة وجلس في بيت الله ينشر علمه الغزير في الحديث وفي التفسير،
(١)- أخرجه البخاري برقم (٧٥)، وفي الوضوء (١٤٣) باب: وضع الماء عند الخلاء، ومسلم في
فضائل الصحابة (٢٤٧٧) باب: فضائل عبد الله بن عباس.
وقد استوفينا تخريجه في «صحيح ابن حبان)) برقم (٧٠٥٥،٧٠٥٤،٧٠٥٣)، وفي («مسند الموصلي))
٤٢٧/٤ برقم (٢٥٥٣). وانظر أيضاً الحديث (٢٤٧٧) في مسند الموصلي مع التعليق عليه.
٤٢

فتسابق إليه الظامئون إلى العلم ينهلون من صافي معينه، وكان علم أهل مكة في التفسير،
والحديث والفقه يدور على ابن عباس رضي الله عنه.
وكان من أشهر من نشر علم هذه المدرسة: مجاهد بن جبر أحد أوعية العلم، وأعلم
من بقي بالتفسیر، توفي سنة (١٠٣) هـ.
وعكرمة مولى ابن عباس الذي قال الشعبي فيه: ((ما بقي أحد أعلم بكتاب الله
عزّ وجلّ من عكرمة)). وسئل سعيد بن جبير: أتعلم أحداً أعلم منك؟. قال: نعم، عكرمة.
توفي سنة (١٠٧) هـ.
وعطاء بن أبي رباح، قال أبو حنيفة: ما رأيت أفضل من عطاء. وقال ابن عباس: یا
أهل مكة، تجتمعون عليَّ وعندكم عطاء؟! توفي سنة (١١٤) هـ.
وأبو الزبير محمّد بن مسلم بن تدرس. قال يعلى بن عطاء: كان أكمل الناس عقلاً
وأُحفظھم، توفي سنة (١٢٧) هـ.
ولعله من الواجب علينا هنا أن نقول: إن تفرق الصحابة في الأمصار، وتعدد
المدارس الفقهية، وكثرة الأحاديث التي كانت وسائل هذه المدارس في فتاواها، وعدم
اجتماعها في کتاب واحد،
وإن الاضطراب السياسي، والانقسام إلى شيع وأحزاب، إن هذا كله قد أوجد
خلافاً كثيراً في الفتوى، ولولا وجود مكة والمدينة، ولولا حرمتهما عند المسلمين كافة،
ولولا أن مكة بيت محجوج ينتابه المسلمون على اختلاف نحلهم وميولهم، لولا ذلك، لزال
الاتصال العلمي بين علماء الأمصار المترامية، فقد تطور الفقه، واتسع القياس إلا أنه في
الحرمين: مكة والمدينة بقي على حاله، لا يحفل إلا بالنص الوارد بالسند المتصل إلى السراج
المنير المبعوث رحمة للعالمين، وبذلك تميز النشاط العلمي في مكة والمدينة بالعناية بالمأثور من
أقوال النبي ﴿ وأفعاله، في الوقت الذي انتشرت فيه شتى المذاهب القائلة بالرأي، والأخذ
بالقياس، والضاربة في آفاق الاجتهاد، إلا أنه لم تكن هناك قواعد معلومة واضحة
٤٣

للمجتهدين، لأن الفقه كان - إلى ذلك الوقت- لم يتبوأ المكان اللائق لأن أصول الفقه -
وهي القواعد التي يلزم المجتهد أن يتبعها في استنباطه- لم يتم تدوينها وتصنيفها.
لقد حملت مدرسة ابن عباس مسؤولية نقل معارفها من طبقة إلى أخرى، حتى
أنتجت سفيان بن عيينة، ومسلم بن خالد الزنجي، فالشافعي، وصاحبنا عبد الله بن الزبير
الحميدي.
وكان سفيان بن عيينة، شيخ الإسلام، وحافظ العصر، قال الشافعي: ((لولا مالك
وسفيان لضاع علم الحجاز)). فمالك إمام دار الهجرة، وسفيان الإمام العلم في مكة
المكرمة، وقد تتلمذ عليه الشافعي، وأحمد بن حنبل، وعدد كبير من طلاب العلم وروّاد
"المعرفة، لكن الذي تقدمهم جميعاً، وأصبح أجل أصحابه، وأجمعهم لحديثه، وأكثرهم اتباعاً
لأسلوبه وسنته، هو أبو بكر الحميدي، يؤيد ذلك قول محمّد بن عبد الرحيم الهروي:
((قدمت مكة سنة (١٩٨) هـ ومات سفيان في أولها، قبل قدومنا بسبعة أشهر، فسألت عن
أجلٌّ أصحاب سفيان بن عيينة، فذكر لي الحميدي، فكتبت حديث ابن عيينة، عنهِ))(١).
وليس الحميدي أجل أصحاب سفيان فحسب، بل هو أول أصحاب الشافعي
أيضاً، قال زكريا الساجي: ((قلت لأبي داود: من أصحاب الشافعي؟. فقال: أولهم
الحميدي، وأحمد بن حنبل، والبويطي: يوسف بن يحيى المصري))(٢).
وقال الحميدي: ((كان أحمد بن حنبل قد قام عندنا مكة على سفيان بن عيينة، فقال
لي ذات يوم: هاهنا رجل من قریش له بيان ومعرفة.
قلت: ومن هو؟. قال: محمّد بن إدريس الشافعي.
و کان أحمد بن حنبل قد جالسه بالعراق، فلم یزل بي حتی اجترني إلیه، ودارت
مسائل، فلما قمنا، قال لي أحمد بن حنبل: كيف رأيت؟. ألا ترضى أن يكون رجل من
قريش له هذه المعرفة وهذا البيان؟.
(١) - ((سير أعلام النبلاء)) ٦١٧/١٠.
(٢) - ((سير أعلام النبلاء)) ٥٩/١٠.
٤٤
۔

فوقع كلامه في قلبي، فجالسته، فغلبتهم عليه ... وخرجت مع الشافعي إلى مصر)).
وقد شهد الشافعي -وغيره- بأن الحميدي حافظ، قال الربيع بن سليمان: («سمعت
الشافعي يقول: ما رأيت صاحب بلغم أحفظ من الحميدي، كان يحفظ لسفيان عشرة
آلاف حديث))(١). وانظر الأحاديث: (٢٥٠، ٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٥، ٣٠٥، ٣١٣، ٣١٥،
٣٣٨، ٣٤١، ٣٤٨، ٣٧٨، ٤٥٩، ٤٨٩، ٥٨٧، ٦٣٨، ١١٨٣، ١٢٣١، ١٢٤٣)
تجد ما يدل على حفظه، وأمانته في نقل ما سمع.
وقال الذهبي في («العين)) ٣٧٧/١: ((عالم أهل مكة الحافظ ... وكان إماماً حجة)).
والحميدي إمام حجة في الحديث وفي الفقه أيضاً، وقد شهد له بذلك علماء لا تنال
شهادتهم إلا بشق النفس:
قال الإمام أحمد بن حنبل: ((الحميدي عندنا إمام))(٢).
وقال البخاري: ((الحميدي إمام في الحديث))(٣).
وقال إسحاق بن راهويه: ((الأئمة في زماننا: الشافعي، والحميدي، وأبو عبيد))(٤).
وقال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٥٧/٥: ((أثبت الناس في ابن عيينة
الحميدي، وهو رئيس أصحاب ابن عيينة، وهو ثقة إمام)).
وقال الذهبي في («تذكرة الحفاظ)) ٤١٤/٢: ((وكان من كبار أئمة الدين)).
وقال الحافظ في «فتح الباري)) ١٠/١: ((وهو إمام كبير، مصنف ... )).
فهؤلاء علماء، أئمة ملؤوا الدنيا بحديثهم، وشغلوا الناس بفقههم، قد شهدوا له
بالإمامة والجلال، والحفظ، والتقدم على الأقران.
(١)- ((سير أعلام النبلاء)) ٦١٨/١٠، و((طبقات السبكي)) ١٤٠/٢.
(٢) - ((سير أعلام النبلاء)) ٦١٧/١٠، و((طبقات السبكي)) ١٤٠/٢.
(٣)- ((سير أعلام النبلاء)) ٦١٩/١٠، و((طبقات السبكي)) ١٤٠/٢.
(٤)- ((سير أعلام النبلاء)) ٦١٨/١٠-٦١٩، و(«طبقات السبكي)) ١٤٠/٢.
٤٥

لقد دفعه صدق إيمانه إلى التحري عن الحق، فكساه الله رداء المهابة والاحترام، قال
:الإمام الذهبي: «ليس هو بالمكثر، ولكن له جلالة في الإسلام»(١).
وكان -رحمه الله- غيوراً على الإسلام، نصوحاً له، غيوراً على المسلمين، نصوحاً
لهم، قال يعقوب الفسوي: ((حدثنا الحميدي وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه))(٢).
لقد أدرك -رحمه الله- أن هذا الدين كامل، وأنه يدعو إلى حياة كاملة كمال
شريعته، سامية الهدف، مثالية القيم، عادلة الحكم، إنسانية المعنى عالية الشأن، عزيزة
الجانب، ونيرة أسباب النعم، شاملة الفضائل، متوازنة التكاليف للفرد والمجتمع، عالمية
الرؤيا، مستقرة الأمن والسلم، فكان احداً ممن حملوا هذه الأمانة فأدوها خير أداء الصدق
عقيدتهم التي وجهت سعيهم المخلص الأمين، وبصرتهم بحقائق هذا الدين، وبعمق
أسراره، وسمو مقاصده، ونبل غاياته في المجتمع البشري، فارتقى بهم ذلك إلى مصاف
عظماء التاريخ الذين يستحيل على من بعد عن منهجهم العقائدي والأخلاقي والتشريعي
أن ينهض بما نهضوا، وأن يرتقي إلى المستوى الذي ارتقوا.
لقد حمل القرآن والسنة، ووقف في وجه أولئك الذين يريدون تفتيت الوحدة التي
: يدعوهم إليها هذا الدين بتوحيدهم لله تعالى، بتوحيد الجهة التي يتجهون إليها في أجلّ
عباداتهم - في الصلاة- بتوحيد إمامهم في الصلاة مهما كثر عدد المصلين، بتوحيد الصف
وراء هذا الإمام إذا كان ذلك ممكناً، بالإشارة بالواحدة في الجلوس الأوسط، وفي القعود
: الأخير في صلواتهم كلها.
وقد وقف - مع أئمة صدقوا ما عاهدوا الله عليه- في وجوه أولئك الذين يرُدُّون
حديث رسول الله ﴿ هذه السنة التي صاغت سلسلة السلوك في المجتمع المسلم حلقه
فحلقه، ويدعون إلى تحكيم العقل في النصوص ليردوا كل ما لا يرضي أهواءهم ويشبع
رغباتهم وميولهم أولاً.
(١)- ((سير أعلام النبلاء)) ٦١٦/١٠.
(٢) - ((سير أعلام البلاء)) ٦١٧/١٠.
٤٦

ويزعمون أن في القرآن الكفاية، فهو الخيط الذي يجمع حبات العقد جميعها ثانياً،
ناسين أو متناسين أن هذا الحديث حديث رسول أمر بالبيان عن ربه، وبشرح مراد الله
تعالى من عباده بقوله و فعله.
لقد كان واحداً ممن اختارهم الله تعالى لحفظ هذه السنة الطاهرة، قال أبو عبد الله
الحاكم: «الحميدي مفتي أهل مكة، ومحدثهم، وهو لأهل الحجاز في السنة، كأحمد بن
حنبل لأهل العراق))(١).
ومن دواعي فخره أيضاً أنه المستودع الواعي الأمين لحديث سفيان بن عيينة محدث
الحرم ومفتي مكة، وأنه راويته، وأنه من أجل أصحابه، وأنه المرجع في الفتوى بعده في مكة
المكرمة.
وأنه الصاحب الوفي للإمام الشافعي في حله وترحاله، وأنه روى عنه، وتفقه به.
وأنه شيخ البخاري محدثاً، وعليه تخرج البخاري فقيهاً.
ولعل هذا -وغيره كثير - أجرى على لسان ابن حبان: ((كان صاحب سنة، وفضل
و دین).
ودفع يعقوب الفسوي إلى القول: ((ما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه)).
وجعل ابن عدي يجمل القول فيه: ((ذهب مع الشافعي، وكان من خيار الناس)).
وقد اتهمه بعض الأفاضل بالإقذاع في القول، والفحش في رد ما لا يرضيه،
معتمدين في ذلك على رواية لا يصح لها سند أخرجها الحاكم، عن شيخه حُسَيْنَك، عن
ابن خزيمة قال: ((كان ابن عبد الحكم من أصحاب الشافعي، فوقعت بينه وبين البويطي
وحشة في مرض الشافعي.
فحدثني أبو جعفر السكري - صديق الربيع- قال: لما مرض الشافعي، جاء ابن
عبد الحكم ينازع البريطي في مجلس الشافعي، فقال البريطي: أنا أحق به منك. فجاء
(١)- ((طبقات السبكي)) ١٤١/٢.
٤٧

الحميدي -وكان بمصر - فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من البويطي، وليس
أحد من أصحابي أعلم منه.
فقال ابن عبد الحكم: كذبت. فقال له الحميدي: كذبت أنت وأبوك وأمك.
وغضب ابن عبد الحكم فترك مذهب الشافعي.
فحدثني ابن عبد الحكم قال: كان الحميدي معي في الدار نحواً من سنة، وأعطاني
كتاب ابن عيينة، ثم أبوا إلا أن يوقعوا بيننا ما وقع ... )).
وواضح في هذه الرواية أن الخلاف حدث بين البويطي، وبين ابن عبد الحكم من
منهما يخلف الشافعي في مجلسه، وأن الحميدي هو الذي حمل نبأ استخلاف الشافعي
للبويطي.
ويؤيد ذلك ما نقله السبكي في ((طبقاته)) ١٦٤/٢ قال: «وعن الربيع: أن البويطي،
وابن عبد الحكم تنازعا الحلقة في مرض الشافعي، فأخبر بذلك، فقال: الحلقة للبويطي)» ..
ولكن الذي أخبر الشافعي بماحدث، ثم نقل ما قاله الشافعي لم يذكر اسمه في هذه الرواية.
ويؤيد قصة استخلاف الشافعي للبويطي أيضاً ما نقله السبكي في ((طبقاته)) ١٦٣/٢
قال: ((قال أبو عاصم: كان الشافعي -رضي الله عنه- يعتمد البويطي في الفتيا ويحيل عليه.
إذا جاءته مسألة)).
وقال: ((استخلفه على أصحابه بعد موته، فتخرجت على يديه أئمة تفرقوا في
البلاد، ونشروا علم الشافعي في الآفاق».
وقد أورد الذهبي هذه القصة في ((سير أعلام النبلاء)) ٦١٩/١٠ ولكنه أورد أن
الخلاف کان بين الحميدي، وبین ابن عبد الحكم.
قال الذهبي: «لما توفي الشافعي، أراد الحميدي أن يتصدر موضعه، فتنافس هو وابن
عبد الحكم على ذلك، وغلبه ابن عبد الحكم على مجلس الشافعي، ثم إن الحميدي رجع
إلى مكة وأقام ينشر فيها العلم)).
نقول: إسناد ما رواه الحاكم ضعيف، ولكن قصة استخلاف الشافعي تلميذه
البويطي تقدم ما يشهد لها، وأما بقية القصة، وما رواه الذهبي فلا يصح إسناداً، والواقع
٤٨

الذي حدث أنذاك يدحضه ويكذبه. لقد جلس البويطي في طاق الشافعي وخلفه على
مجلسه، وانفرد ابن عبد الحكم وابتعد عن الحلقة.
ونضيف أيضاً: لقد صحب الحميدي الشافعي صحبة تلميذ يعب علم شيخه ليعود
به إلى موطنه، ولم يصاحبه صحبة مهاجر من وطنه ينوي الإقامة في غيره، وعودتُهُ إِلى
مكة، وتصدره الفتوى والحديث فيها يؤيدان ما ذهبنا إليه، والذي تقدم من وصف الأئمة
-وهم عظماء الأمة- له، لدليل على بعده عن كل ما يخدش المروءة، وينافي الخلق القويم.
وسبب ذلك كله في نظرنا - والله أعلم- أنَّ الحميدي صنع كتاب «الرد على
النعمان)) فأثار حفيظة القوم، هدانا الله لما اختلف فيه إلى الحق، إنه على ما يشاء قدير.
وقد عاد الحميدي بعد موت شيخه الشافعي إلى مهبط الوحي، ومهوى الأفئدة،
وموطن الأمن والأمان، فأقام فيها الحدث، والفقيه، ينشر علمه، ویذود عن دينه، ويدحض
كل فكر إلا ما كان دليله القرآن الكريم، وحديث الرسول العظيم، إلى أن اختار الله لقاءه
سنة (٢١٩) هـ.
تغمده الله في رحمته، وحشرنا وإياه في موكب الأنبياء والمرسلين، والشهداء
والصالحين، إنه خير مسؤول وأسرع من يجيب.
٤٩

شيوخ الحميدي وتلاميذه
٢- شيوخه:
ما أشبه الشيوخ بواحة الزهر، ينتقل التلميذ بينهم فيعتصر جناهم، ويفيد من
تجاربهم وخبراتهم، فقد رسخت أقدامهم في ميادين العلم، ونضجت تجاربهم في ساخ
الحياة، واستوت خبراتهم على سوقها.
يختصر - بالإفادة منهم - أعماراً يضيفها إلى عمره فیوسع أفقه، ویعمق معارفه،
ويزين بالحلم - إلى جانب العلم- نفسه، وينقش صفحتها بعميق الحكمة فيصبح من
الشيوخ علماً وحلماً، واتزاناً وحكمة، وهو في مقتبل الشباب، يلون نفسه بما يعجيه من
صفاتهم، ويدرب نفسه على الرائق من أساليبهم، ويعمق أفكاره بالغوص وراء عميق المعاني،
ويعود نفسه الصبر على البحث والدرس وتقليب الأمر على وجوهه المختلفة قبل أن يبت
الرأي فيه.
والتلميذ يزداد رفعة، ويعظم شأنه إذا تعدد شيوخه، لأن التلميذ الذي يكتفي
بالشيخ الواحد، يرد إليه ويأوي في كل نازلة تحتاج بحثاً إليه، فإنه سيكون نسخة ثانية لهذا.
الشيخ بفارق لطيف لا يدركه الكثير من الرجال.
فمن هم شيوخ الحميدي الذين تعلم منهم، وتربى على مناهجهم، ودرج على
توجيهاتهم وإرشاداتهم؟.
من أشهر أساتذته هؤلاء الشيوخ:
١- سفيان بن عيينة: الإمام، الحجة، الحافظ، محدث الحرم، أعلم الناس بحديث
أهل الحجاز. الجامع للأحاديث وبخاصة أحاديث الأحكام، ومع ذلك فقد قال الشافعي:
((ما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه)). ولولا حفظه وجمعه لضاع نصف العلم، يقول:
الشافعي: ((لولا مالك في المدينة، وسفيان في مكة، لضاع علم الحجاز)).
لازمه الحميدي حوالي عشرين عاماً، فورث منه الإمامة في الحديث، ومنصة الفتوى في:
مكة، كما ورث منه زهده في الفتوى -تورعاً وتقوى- مع توافر شروطها وأسبابها.
٥

٢ -محمّد بن إدريس الشافعي القرشي: ناصر السنة، فقيه الإسلام، وسيد أهل
زمانه فيه، الإمام العلم، حبر المسلمين، أفصح العرب، الحافظ لشعر هذيل، الأديب
الأريب.
أعجب به الحميدي فلازمه ملازمة الظل، وصحبه في الحل والترحال، فعنه روی،
وبه تفقه، رحل معه إلى مصر وبقي له مصاحباً حتى فارق الحياة سنة (٢٠٤) هـ.
٣- إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: الحافظ الكبير، الإمام
الفقيه، الحجة، توفي سنة (١٨٥) ه.
٤- أنس بن عياض: أبو ضمرة، الإمام، المحدث، الفقيه، المعمر، عاش ستاً وتسعين
سنة (١٠٤ - ٢٠٠) هـ.
٥- بشر بن بكر البجلي الدمشقي التنيسي: الإمام، الحجة، ولد سنة (١٢٤) هـ،
توفي بدمياط سنة (٢٠٥) هـ.
٦- حماد بن أسامة بن زيد أبو أسامة: الإمام، الحافظ الثبت، الكوفي، ولد في
حدود (١٢٠) هـ، من نظراء وكيع، توفي سنة (٢٠١) هـ.
٧- عبد الله بن الحارث بن محمّد بن حاطب الحاطبي.
٨- عبد الله بن الحارث بن عبد الملك المخزومي: روى له مسلم، والأربعة.
٩- عبد الله بن رجاء البصري ثم المکي: عالم،صاحب حدیث،توفي بعد (١٩٠)هـ.
١٠- عبد الله بن سعيد بن عبد الملك الأموي: من أفقه فقهاء قریش، توفي في
حدود (٢٠٠) هـ.
١١- عبد الله بن يرفأ مولى بني الليث.
١٢ - عبد الرحمن بن سعد المؤذن.
١٣- عبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار: الإمام، الفقيه، ولد سنة (١٠٧) هـ،
وتوفي سنة (١٨٤) هـ.
١٤- عبد العزيز بن عبد الصمد العمي: الثقة، الثبت، الحافظ، ولد بعد المئة وتوفي
سنة (١٨٧) هـ.
٥١

١٥-عبد العزيز بن محمّد الدراوردي: الإمام، العالم، المحدث، توفي سنة (١٨٧)هـ.
١٦ - علي بن عبد الحميد بن زياد بن صيفي.
١٧ - فرج بن سعيد المأربي اليماني.
١٨- فضيل بن عياض الإمام، القدوة: الثبت، المجاور بحرم الله، شيخ الإسلام،
توفي سنة (١٨٧) ه.
١٩- محمّد بن عبيد الطنافسي: الكوفي، الحافظ، توفي سنة (٢٠٤) هـ.
٢٠ - مروان بن معاوية بن الحارث: الإمام، الحافظ، الثقة، أبو عبد الله الفزاري
الكوفي، توفي سنة (١٩٣) هـ.
٢١- وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي: الكوفي، الإمام، الحافظ، محدث
۔۔
العراق، ولد سنة (١٢٩) هـ، وكان من بحور العلم، وتوفي سنة (١٩٧) هـ.
٢٢ - الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي: الإمام، الحافظ، عالم أهل الشام،
توفي سنة (١٩٦) هـ.
٢٣- يعلى بن عبيد الطنافسي: الإمام، الحافظ، الثقة، توفي سنة (٢٠٩) هـ.
هذه كوكبة من الشيوخ العلماء الذين كان الحميدي يختار من رياض معارفهم ما.
عبق شذاه، ويجني من ثمار جهودهم خير ما اختزنوه في رحلة حياتهم طالت أو قصرت،
وملازمة بعض هؤلاء يعلي القدر، ويرفع المكانة، ويزرع الثقة في نفوس الباحثين عن الحق،
والاطمئنان في قلوب الخائفين من الانزلاق في مهاوي غلو الغالين وانتحال المبطلين.
٥٢

ب- تلاميذه:
لقد تقدم القول: إن نبالة الشيوخ وعلو شأنهم، وسعة اطلاعهم، وكثرة تجاربهم،
تعلي شأن التلميذ وترفع مكانته، ونقول أيضاً: تعرف مكانة الشيخ ومنزلته في كثير من
الأحيان من نبل تلامذته، ونبوغهم، وأقدارهم في العلم، ومن كثرة عددهم أيضاً، لأن
الشیخ إذا کثر قصاده، عظمت مکانته، وذاعت شهرته، فهل کان ممن نهل من صافي
معين الحميدي من يرفع قدر شيخه إذا تخرج عليه؟.
لقد كان على رأس من وردوا معين الحميدي إمام الدنيا، من له الفضل في تأليف
الصحيح:
١ - محمّد بن إسماعيل البخاري: قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري)): ((جزم
كل من ترجم البخاري بأن الحميدي من شيوخه في الفقه والحديث)).
فقد روى عن الحميدي في صحيحه (٧٥) حديثاً، وقد جعل فاتحة صحيحه - موطن
اعتزاز المسلمين- قول الرسول الكريم: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنَّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِ امْرِىءِ مَا
نَوَى ... ))(١)، وأخرجه من طريق الحميدي، معرضاً عن جميع الطرق الأخرى لهذا الحديث،
ومنها طريق الإمام مالك عالم المدينة، وإمام دار الهجرة.
قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ١٠/١: «فكأن البخاري امتثل قول النبي
*: ((قدموا قريشاً))، فافتتح كتابه بالرواية عن الحميدي لكونه أفقه قُرَيشِيّ أخذ عنه.
وله مناسبة أخرى: لأنه مكي كشيخه، فناسب أن تذكر في أول ترجمة الوحي، لأن
ابتداءه كان بمكة، ومن ثَمّ ثنى بالرواية عن مالك، لأنه شيخ أهل المدينة، وهي تالية لمكة
في نزول الوحي، وفي جميع الفضل».
وقال الحاكم: ((ومحمد بن إسماعيل إذا وجد الحديث عنه -يعني: عن الحميدي-
لا يخرجه إلى غيره من الثقة به)). فهذا أول تلاميذه وأشهرهم مكانة. توفي سنة (٢٥٦) هـ
وله اثنتان و ستون سنة.
(١)- هو أول حديث في صحيح البخاري من طريق الحميدي، وسيأتي تخريجه برقم (٢٨).
٥٣

٢- كما تتلمذ عليه سيد الحفاظ، الإمام عبيدالله بن عبد الكريم: أبو زرعة
الرازي، محدث الري. قال الإمام أحمد: ((ما جاوز الجسر أحد أفقه من إسحاق بن راهويه،
ولا أحفظ من أبي زرعة)).
وقال إسحاق بن راهویه: « کل حدیث لا يعرفه ابو زرعة الرازي، فليس له أصل))،
وذلك للثقة به، ولشمول معرفته. وهو الحافظ المشهور، توفي سنة (٢٦٤) هـ، وله من
العمر (٦٤) عاماً.
٣- وثالث تلاميذه الإمام، الحافظ، الناقد، شيخ المحدثين محمّد بن إدريس بن
المنذر: أبو حاتم الرازي، الذي طوف البلاد، وبرع في المعن والإسناد، وجمع وصنف،
وجرح وعدل، وصحح وعدل، بحر العلم، نافذ الفهم، المتوفى سنة (٢٧٧) هـ.
٤ - وتتلمذ عليه أيضاً محمّد بن يحيى الذهلي: الإمام العلامة، الحافظ، البارع،
شيخ الإسلام، وعلم أهل المشرق، من له من الجلالة ما للإمام أحمد في بغداد. توفي سنة
(٢٥٨)هـ.
٥- وإبراهيم بن صالح الشيرازي.
٦- وأحمد بن الأزهر، الإمام، الحافظ، الثبت، أبو الأزهر العبدي النيسابوري، توفي
سنة (٢٦٣) هـ.
٧- وإسماعيل بن عبد الله بن مسعود الأصبهاني، الإمام، الحافظ، الثبت،
الرحال، الفقيه، أبو بشر سَمُّويه صاحب الأجزاء والفوائد التي تنبىء بحفظه. ولد في حدود
(١٩٠)، وتوفي سنة (٢٦٧) هـ.
٨- وبشر بن موسى بن صالح الأسدي، البغدادي، الإمام، الحافظ، الثقة، المعمر،
الأمين، ولد سنة (١٩٠) هـ، في بيت حشمة وأصالة، وتوفي سنة (٢٨٨) هـ.
٩- وسلمة بن شبيب، الإمام، الحافظ، الثقة، نزيل مكة، أبو عبد الرحمن النسائي
النيسابوري، توفي سنة (٢٤٧) هـ.
١٠- وعبيد الله بن فضالة بن إبراهيم النسائي، الإمام، الثقة، الثبت، المأمون،
توفي سنة (٢٤١) هـ.
٥٤
----

١١- ومحمّد بن أحمد القرشي.
١٢- ومحمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني، نزيل المغرب.
١٣- ومحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، الإمام، الحافظ، الثقة، أبو عبد الله بن
البرقي، له كتاب: ((الضعفاء)). توفي سنة (٢٤٩) هـ.
١٤- ومحمد بن علي بن ميمون، الحافظ، الثقة، أبو العباس العطار، الرقي. توفي
سنة (٢٦٨) هـ.
١٥- ومحمد بن يونس النسائي روى عنه أبو داود وقال: كان ثقة.
١٦- ومحمد بن يونس الكديمي، الشيخ، الإمام، المعمر، الحافظ الكبير، أبو العباس
البصري الضعيف على الرغم من حفظه. ولد سنة (١٨٣) هـ، وتوفي سنة (٢٨٦)هـ.
١٧- وهارون بن عبد الله، الإمام، الحجة، الحافظ المجود، أبو موسى الحمال، ولد
سنة (١٧١) هـ، قيل فيه: لو كان الكذب حلالاً، لتركه هارون تنزهاً. توفي سنة (٢٤٣)هـ.
١٨- ويعقوب بن سفيان، الإمام، الحافظ، الحجة، الرحال، أبو يوسف الفسوي،
ولد سنة (١٩٠) هـ، وله تاريخ كبير جمّ الفوائد، وله مشيخة أيضاً. توفي سنة (٢٧٧) هـ.
١٩- ويعقوب بن شيبة، الحافظ الكبير، العلامة، الثقة، صاحب المسند الكبير،
المعلل، الذي ليس له نظير، ولد سنة (١٨٠) هـ. وتوفي سنة (٢٦٢) هـ.
٢٠ - ويوسف بن موسى بن راشد القطان، الإمام، المحدث، الثقة، كان من أوعية
العلم. توفي سنة (٢٥٣) هـ.
٥٥

آثار الحميدي
لقد كان عصر الحميدي عصراً مجيداً بالنسبة للسنة، فقد تنبه رواتها إلى وجوب
تدوينها وتصنيفها.
وقد تقدم أن المراد بالتصنيف ضم الأحاديث ذات الموضوع الواحد، كأحاديث
الصلاة، وأحاديث الصيام، وأحاديث الحج ... إلى بعضها، ثم ترتيب الموضوعات وضمها
في کتاب واحد.
وقد ثارت هذه الفكرة في جميع أمصار المسلمين في وقت واحد تقريباً، ولذا فقد
اختلف المؤرخون للسنة فيمن له فضيلة السبق. ولكن الذي لاخلاف فيه أن الإمام مالك من
السابقين إلى تدوين الحديث ممزوجاً بأقوال الصحابة وفتاويهم، وبعض فتاوى التابعين أيضاً.
وقد رأت فئة ثانية إفراد حديث رسول الله 8 4- عن غيره، فكان ما يعرف بالمسانيد،
فما كنت تجد إماماً من الأئمة، إلا وصنف مسنداً يكون الموجه لسلوكه، والهادي له في رحلة
الحياة، والراسم لطريقه إلى الله-عزّ وجلّ-، وعمدته فيما يصدر عنه من فتاوى.
والمسانيد هي الكتب التي موضوعها حَعْلُ حديث كل صحابي على حدة، صحيحاً
كان أو حسناً أو ضعيفاً، بغض النظر عن موضوعاتها، مرتبين على حروف الهجاء في أسماء
الصحابة، أو على القبائل، أو على السابقة في الإسلام، أو الشرافة في النسب، أوغير ذلك.
وقد كان الحميدي -رحمه الله- واحداً من هؤلاء الأئمة الذين كان لهم إسهامات
في أكثر من ميدان من ميادين العلم، فترك مجموعة من الآثار، وصل إلينا بعض أسمائها،
وإليك هذه الأسماء:
١- کتاب الدلائل، وقد ذکره حاجي خليفة في «كشف الظنون)) ص(١٨١٤).
٢- كتاب الرد على النعمان، وقد أثار هذا الكتاب حفيظة بعض الفضلاء فنالوا
من الحميدي بغير وجه حق فيما نرى، والله أعلم.
٣- كتاب التفسير، وقد ذكر الكتابين (الثاني، والثالث) ابن أبي حاتم في
(«الجرح والتعديل)) ٤٠/٨ ضمن ترجمة محمّد بن عمير الطبري: (روى عن عبد الله بن
الزبير الحميدي كتاب: ((الرد على النعمان))، وكتاب (التفسير))، عن الحميدي).
٥٧

وما وقعت على من نسب هذه الكتب إليه في غير ما ذكرت، وذلك في حدود
اطلاعي، وجل من ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ [سبأ:٣].
٤- وأما الذي وصلنا مما خلف الحميدي من ثروة علمية، فهو هذا المسند الذي
صنفه ليكون عدته في رحلة الحياة: مقوماً لسلوكه، مصححاً مساره، ومسدد خطاه.
صنفه ليكون سلاحه الذي لا يفل في التصدي للغزو الفكري، وفي صيانة المجتمع
من البدع والضلالات، لأن تصنيف المسند ما هو إلا تجسيد الطريقة المثلى للإسلام التي
تصنع الشخصية الإسلامية المتبعة لأخلاق رسولها الذي لا ينطق عن الهوى.
:
وقد دفعني إلى تحقيق هذا المسند النفيس أمور لعل أهمها:
١٠- نفاسة النسخة التي اتخذناها أما لعملنا، وقدمها بالنسبة لما اعتمد عليه الشيخ
حبيب الرحمن طيب الله ثراهٍ، وعلو قدم من قرؤوها وقرئت عليهم، وكثرة السماعات
التي طرزتها، وقد تقدم حديثنا عنها.
٢- نظافة هذا المسند الذي بلغت أحاديثه (١٣٣٠) حدیث، منها (٥٨٢) حدیث
اتفق عليها الشيخان، وانفرد البُخاريّ بـ (٩٦) حديثاً منها، بينما انفرد مُسلم بـ (١٥٢)
حدیث.
وإذا علمنا أن هناك عدداً من الآثار ينبغي تحييدها، ثم حسبنا النسبة المئوية لما فيه
:
من الضعيف لوجدناها أقل من ٧٪. وهذه النسبة لا تكون إلافي الكتب التي بلغت
غاية في النظافة.
٣- الخصومات الشديدة بين المسلمين التي سببها انتشار الأحاديث الضعيفة
والموضوعة وما نجم عنها من أحكام، وأكثرهم يجهل أن أعداء الإسلام يستغلون ذلك في
تعميق الخلاف وإثارة النزاع بين المسلمين حتى يعصوا ربهم فيقعوا فيما حذرهم منه: من
الفشل والضعف والانكسار: ﴿ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ
ریحکمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
٥٨

وكثير منهم أيضاً يجهل أن المسلمين هم أولى الناس بأن يكونوا صفاً واحداً
لأسباب تقدم بعضها(١)، ونذكر هنا منها بعضاً آخر:
- صلاة الجماعة في مسجد الحي: إذ ينادون خمس مرات في اليوم لأدائها في
مكان واحد: يتعارفون، يتناصحون، يتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر. ولذا فقد أكد
الرسول الكريم الدعوة إليها حتى كادت أن تكون فرضاً.
- صلاة الجمعة: حيث يجتمع العدد الأكبر، فيستمعون إلى خطبة الجمعة التي
تسهم في توحيد الأفكار، وتوشيج الصلاة، وتنمية التعاطف، وتزرع في أعماقهم بذور
الاستعداد للتفاهم.
- صلاة العيد مرتين في العام: حيث يخرج المسلمون في المدينة إلى المصلى وتتسع
بذلك دائرة التعاطف والتناصح والتواصي، وتزداد العادات قرباً، والتقاليد توحداً،
والأفكار انتشاراً.
- ثم يأتي رمضان في العام مرة: وفيه يتوحد وقت إفطارهم، ووقت إمساكهم
عن الطعام، وتنمو فيهم عواطف الخير والإحسان، ومحاسبة النفس حول أداء حقوق
الفقراء، ومشاركتهم في الفرح العام الذي يغمر مجتمع المسلمين، استعداداً لفرحة الفطر،
وأملاً في الحصول على فرحة اللقاء: لقاء الله تعالى.
- ثم الحج: وهو المؤتمر الإسلامي الكبير الذي يجتمع فيه المسلمون من كل فج في
مكان واحد: يتعارفون، يتبادلون المعارف، ينشرون المعلومات، يتساعدون في حل
المشكلات والإشكالات، تقوى الروابط، وتتسع دائرة المعرفة، يتجاوزون الخلافات
ويعودون وقد جددوا العهد مع الله على الطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهذه وظيفة المُسلم التي إذا تخلى عنها، تلاشى مجتمعه، واضمحلت قوته، وأصبح كما
هي الآن مجتمعات المسلمين ...
(١) - انظر الصفحة (٤٥-٤٦).
٥٩

فما أشد حاجتنا إذاً إلى العمل بالسنة الصحيحة، فهي التي تمثل الإسلام العملي في
الحياة، وهي التي تولد الاطمئنان في القلوب، لأن المسلم يؤمن بأن الله تعالى قد أرسل
رسوله بالهدى ودين الحق، أرسله بقرآن يهدي للتي هي أقوم في جميع مناحي الحياة:
السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفنية ...
والذي يحقق لنا التوازن في جميع هذه المجالات، هو اتباع الرسول 8# الذي أرسل
رحمة للعالمين.
فما أشد حاجتنا إلى السنة الصحيحة تفجر ينابيع الوعي في الأذهان والمراقبة في
القلوب: الوعي الكامل لما يقوم به الإنسان من أعمال، والمراقبة لله تعالى أثناء القيام بهذا.
"العمل أو ذاك حتى لا يقع الفرد في بلادة الحس نتيجة التكرار للأعمال بدون وعي،
ولا إثارة، ولاشوق: بدون طمع بما عند الله من حسن الثواب، وبدون خوف مما عند الله
من أليم العقاب.
والعلاج الشافي هو الاستجابة لله وللرسول وقد دعانا لما يحيينا.
ما أشد حاجتنا إلى العمل بالسنة الصحيحة حتى نقتلع تلك المقولات التي شرذمت
: الناس وفرقتهم باسم الميول والأهواء، والأذواق، والأمزجة ... فجعلت المجتمع شذر مذر،
لأن اختلاف الأمزجة والأهواء يُكوّن الحجاب الكثيف في وجه التواصل الاجتماعي:
تختلف وجهات النظر في كل أمر من أمور الحياة، ويكون التدابر، فالتنابذ بالألقاب.
وهذا ما نفر منه إسلامنا الحنيف، إسلامنا الحريص على حماية الفرد وصيانة
المجتمع: فهو الذي ينظم السلوك، ويبلور الطباع، ويؤحد الأخلاق، يجعل العادات
والتقاليد متقاربة وإن تباعدت البلدان، ويجعلها متماثلة على الرغم من تفاوت الأوضاع
الاجتماعية، والأحوال الاقتصادية ..
فالفرد يتفانى في العمل المفيد، وينسى نفسه إذا دعاه المجتمع لأمر، والمجتمع هو
الکافل الضامن هذا الفرد من کل ما يخشاه إنسان في أي مجتمع کان.
٦٠