النص المفهرس
صفحات 21-40
((إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذر بيجان
مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة.
فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب
اختلاف اليهود والنصارى.
فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها
إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد
ابن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان
للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه
بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم. ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، ردّ
عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمربما سواه من
القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق))(١).
وقال الزركشي في («البرهان)٢٣٦/١ بعد أن أورد الحديث السابق: ((وفي هذا
إثبات ظاهر أن الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن المنزل من غير زيادة ولا نقص. والذي
حملهم على جمعه أنه كان مفرقاً في الْعُسُبِ والِّخافِ وصدور الرجال، فخافوا ذهاب بعضه
بذهاب حفظته، فجمعوه وكتبوه كما سمعوه من النبي 83 من غير أن قدموا شيئاً أو أخروا.
وهذا الترتيب كان منه { # بتوقيف لهم على ذلك، وأن هذه الآية عقب تلك الآية،
فثبت أن سعى الصحابة في جمعه في موضع واحد، لا في ترتيب، فإن القرآن مكتوب في
اللوح المحفوظ على هذا الترتيب الذي هو في مصاحفنا الآن، أنزله الله جملة واحدة إلى
سماء الدنيا كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال
تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: ١]. ثم كان ينزل مفرقاً على رسول الله ﴾
(١)- أخرجه البخاري في فضائل القرآن (٤٦٨٧) باب: جمع القرآن.
٢١
مدة حياته عند الحاجة كما قال تعالى: ﴿ وَقُرْآنَاً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ
ونَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء: ١٠٦].
فترتيب النزول غير ترتيب التلاوة، وكان هذا الاتفاق من الصحابة سبباً لبقاء القرآن
في الأمة، ورحمة من الله على عباده وتسهيلاً وتحقيقاً لوعده بحفظه كما قال تعالى: ﴿إنّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وزال بذلك الاختلاف، واتفقت الكلمة(١)
ثانياً: السنة النبوية: وهي ما أثر عن النبي 8 من قول، أو فعل، أو تقرير، أوصفة
خِلْقية أو خُلُقية، مما هو تبيين للقرآن الكريم، وتفصيل للأحكام، وتعليم للآداب، وغير
ذلك من مصالح المعاش والمعاد.
والسنة الشريفة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وإذا كان القرآن الكريم وحياً
متلواً، فإن السنة الشريفة وحي غير متلو، وإليك الأدلة على كونها وحياً من عند الله
تعالی:
١ - القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾
[النجم: ٣-٤]، وهذا دليل عام يشمل كل ما نطق به النبي /*، ولذا فقد قال لعبد الله بن
عمرو: ((اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ ... )) وأشار بيده إلى فيه(٢).
وقال جلّ ثناؤه على لسان إبراهيم: ﴿رَبَّا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩].
وقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنا ويَزَكَيْكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمونَ﴾ [البقرة: ١٥١].
(١)- ((إعجاز القرآن)) ص: (١٧)، وانظر ((فتح الباري)) ١١/٩، و((الإتقان)) ٦١/١، و((البرهان
في علوم القرآن)) ٢٣٣/١-٢٣٤.
(٢)- حديث صحيح، أخرجه أحمد ١٩٢،١٦٢/٢، وأبو داود في العلم (٣٦٤٦) باب: في كتاب
العلم، والدارمي ١٢٥/١ باب: من رخص في كتابة العلم، والحاكم في ((المستدرك)) ١٠٥/١ -١٠٦،
وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وانظر («فتح الباري)) ٢٠٧/١.
٢٢
وقَال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُميينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَاَلِ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
وقال: ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكان
فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ [النساء: ١١٣].
وقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَان ◌َطيفاً
خبيراً﴾ [الأحزاب: ٣٤].
وقال الشافعي في ((الرسالة)) ص: (٧٨-٧٩): ((القرآن ذكر، وأُتْبعَتْهُ الحكمة، وَذَكَر
الله مَنَّهُ على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يجز -والله أعلم- أن يقال الحكمةُ
هاهنا إلاسنة رسول الله ﴿، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله عز وجل، وأن الله افترض
طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز أن يقال لقول فرضٌ إلا لكتاب الله،
ثم سنة رسوله ...
وسنة رسول الله مبينة عن الله معنى ما أراد: دليلاً على خاصِّه وعامِه، ثم قرن
الحكمة بها فأتبعها إياه ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله)).
٢- السنة النبوية: ويدل على كون السنة وحياً قولهم:﴿: ((ألا إنّي أُوتيتُ الْكِتَابَ
وَمِثْلَهُ مَعَهُ ... ))(١).
وقال الخطابي في «معالم السنن)) ٢٩٨/٤: (قوله: ((أُوتيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ))
يحتمل وجهين من التأويل:
أحدهما: أن يكون معناه أنه أوتي من الوحي الباطن غير المتلو مثل ما أعطي من
الظاهر المتلو.
(١)- حديث صحيح، أخرجه أبو داود في السنة (٤٦٠٤) باب: في لزوم السنة، والترمذي في العلم
(٢٦٦٦) باب: ما نهى عنه أن يقال عند حديث النبي #، وابن ماجه في المقدمة (١٢) باب: تعظيم حديث
رسول الله ﴿ والتخليط على من عارضه.
واستوفينا تخريجه في «صحيح ابن حبان)) برقم (١٢).
٢٣
ويحتمل أن يكون معناه أنه أوتي الکتاب و حياً يتلى، وأوتي من البیان، أي: أُذن له
أن يبين ما في الكتاب ويعم، ويخص، وأن يزيد عليه فيشرع ما ليس له في الكتاب ذكر،
فيكون ذلك في وجوب الحكم ولزوم العمل به كالظاهر المتلو من القرآن).
وقال البغوي في ((شرح السنة) ٢٠٢/١: ((والسنن التي لم ينطق القرآن بنصِّها مثل
ما أوتي من المتلو، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]،
فالكتاب: هو القرآن، والحكمة: هي السنة)).
وقال الشافعي في ((الأم)) ١٢٦/٥ -١٢٨: (ففي حكم اللعان في كتاب الله، ثم سنة
رسول الله# دلائل واضحة ينبغي لأهل العلم أن ينتدبوا بمعرفته، ثم يتحروا أحكام
رسول الله # في غيره على أمثاله، فيؤدون الفرض، وتنتفي عنهم الشبه التي عارض بها.
من جهل لسان العرب وبعض السنن، وغي عن موضع الحجة.
منها أن عويمراً سأل رسول الله لا عن رجل وجد مع امرأته رجلاً، فكره
رسول الله # المسائل، وذلك أن عويمراً لم يخبره أن هذه المسألة كانت.
وقد أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عامر بن سعد، عن أبيه: أن النبي
* قال: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْماً مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيءٍ لَمْ يَكُنْ، فَحُرُمَ مِنْ
أجْلٍ مَسْأَتِهِ ... ))(١) ...
قال الله عز وجل: ﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أشياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ... ﴾ [المائدة:
١
قال الشافعي -رحمه الله تعالى -: كانت المسائل فيها فيما لم ينزل إذا كان الوحي.
ينزل بمكروه لما ذكرت من قول الله -تبارك وتعالى- ثم قول رسول الله صل وغيره فيما في
معناه.
وفي معناه كراهية لكم أن تسألوا عما لم يحرم .......
وفيه دلائل على أن ما حَرَّم رسول الله ◌ّ * حرام بإذن الله تعالى إلى يوم القيامة
بما وصفت وغيره، من افتراض الله تعالى طاعته في غير آية من كتابه، وما جاء عنه لم/ مما
قد وصفته في غير هذا الموضع.
(١)- حديث صحيح، وقد استوفینا تخريجه في (رصحیح ابن حبان)) برقم (١١٠)، وفي («مسند
الحميدي)) برقم (٦٧)، وفي («مسند الموصلي)) برقم (٧٦٤،٧٦١) من حديث سعد بن أبي وقاص.
٢٤
وفيه دلالة على أن رسول الله ﴾ حين وردت عليه هذه المسألة -و کانت حكماً-
وقف عن جوابها حتى أتاه من الله عز وجل الحكم فيها، فقال لعويمر: («قَدْ أَنْزَلَ الله
فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ))(١)، فلاعن بينهما كما أمر الله تعالى في اللعان، ثم فرق بينهما،
وألحق الولد بالمرأة ونفاه عن الأب، وقال له: ((لاَ سَبِيلَ لَكَ عَلَيْها))(٢)، ولم يَرْدُدِ الصَّداق
على الزوج.
فكانت هذه أحكاماً وجبت باللعان -ليست باللعان بعينه- فالقول فيها واحد من
قولين:
أحدهما: أني سمعت ممن أرضى دينه وعقله وعلمه يقول: إنه لم يقض فيها ولا
غيرها إلا بأمر الله تبارك وتعالى.
قال: فأمر الله إياه وجهان: أحدهما: وحي ينزله فيتلى على الناس.
والثاني: رسالة تأتيه عن الله تعالى بأن افعل كذا فيفعله ... .
وقال غيره: سنة رسول الله ﴿ وجهان:
أحدهما: ما يبين ما في كتاب الله، المبين عن معنى ما أراد الله بجملته خاصاً
، وعاماً.
والآخر: ما ألهمه الله من الحكمة، وإلهام الأنبياء وحي ...
وقال غيرهم: سنة رسول الله ﴿ وحيّ، وبيان عن وحي، وأمر جعله الله إليه بما
ألهمه من حکمته و خصَّه به من نبوته، وفرض على العباد اتباع أمر رسوله {/# في کتابه.
قال: وليس تعدو السنن كلها واحداً من هذه المعاني التي وصفت، باختلاف من
حكيت عنه من أهل العلم، وأيُّها كان فقد ألزمه الله تعالى خلقه، وفرض عليهم اتباع
رسوله فیه.
(١)- فقرتان من حديث صحيح، وقد استوفينا تخريجه بطوله في ((صحيح ابن حبان)) برقم
(٤٢٨٥،٤٢٨٤،٤٢٨٣).
(٢)- المصدر السابق.
٢٥
وفي انتظار رسول الله ﴿ الوحي في المتلاعنَيْنِ، حتى جاءه فلاعن، ثم سنَّ الفُرْقة،
وسنَّ نفي الولد، ولم يَرْدُد الصداق على الزوج وقد طلبه، دلالةٌ على أن سنته لا تعدو
واحداً من الوجوه التي ذهب إليها أهل العلم: بأنها تبين عن كتاب الله: إما برسالة من
الله، أو إلهام له، وإما بأمر جعله الله إليه لموضعه الذي وضعه من دينه)).
وقال ابن حزم في «الإحكام)) ١٠٨/١-١١٠: ((لما بَّنا أن القرآن هو الأصل
المرجوع إليه في الشرائع، نظرنا فيه، فوجدنا فيه إيجاب طاعة ما أمرنا به رسول الله ﴿،
ووجدناه عز وجل يقول فيه واصفاً لرسوله م38: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هوَ إِلاَّ وَحْيٌ
يُوحَى﴾ [النجم: ٣]، فصحّ لنا بذلك أن الوحي ينقسم من الله عز وجل إلى رسوله 8 / على
قسمین:
أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام، وهو القرآن.
والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف ولا معجز النظام ولا متلو، ولكنه مقروء،
وهو الخبر الوارد عن رسول الله ﴾، وهو المبين عن الله -عزّ وجلّ- مراده منّا، قال
تعالى: ﴿لِتُبَيْنَ لِلنَاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ووجدناه تعالى قد أوجب طاعة هذا.
الثاني، كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق، فقال تعالى: ﴿أَطِيعُوا
الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، فكانت الأخبار التي ذكرنا أحد الأصول الثلاثة التي
ألزمنا طاعتها في الآية الجامعة لجميع الشرائع أولها عن آخرها، وهي قوله تعالى: ﴿يا أيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا أَطيعُوا الله﴾ [النساء:٥٩]، فهذا أصل وهو القرآن، ثم قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ﴾ فهذا ثان، وهو الخبر عن رسول الله لا ....
والقرآن، والخبر الصحيح بعضها مضاف إلى بعض، وهما شيء واحد في أنهما من
عند الله تعالى، وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما ...
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: ٩].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥].
فأخبر تعالى كما قدمنا أن كلام نبيه # كله وحي، والوحي بلا خلاف ذكر،
والذكر محفوظ بنص القرآن».
٢٦
۔۔
وقال أبو البقاء في ((كلياته)) ص(٢٨٨) أميرية: ((والحاصل أن القرآن والحديث
يتّحِدان في كونهما وحياً منزلاً من عند الله تعالى، بدليل قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَخيّ
يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، إلا أنهما يتفارقان من حيث أن القرآن هو المنزل للإعجاز والتحدي به،
بخلاف الحديث، وأن ألفاظ القرآن مكتوبة في اللوح المحفوظ، وليس لجبريل -عليه
السلام- ولا لرسول الله * أن يتصرفا فيها أصلاً.
وأما الحديث فيحتمل أن يكون النازل على جبريل معنى صرفاً فكساه حلّة
العبارة ... فأعرب الرسول # بعبارة تفصح عنه)).
وقال الشوكاني في (إرشاد الفحول)) ص(٣٣): ((قد اتفق من يعتد به من أهل العلم
على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم
الحرام، وقد ثبت عنه ﴿ أنه قال: (أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنُ ومِثْلَهُ مَعَهُ))، أي: أوتيت
القرآن، وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن، وذلك كتحريم لحوم الحمر
الأهلية، وتحريم كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، وغير ذلك مما لم يأت عليه
الحصر)).
وقال ابن حزم في («الإحكام)) ١٣٥/١: ((قال الله - عز وجل - عن نبيه # ﴿ وَمَا
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَخْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
وقال تعالى آمراً لنبيه - عليه السلام- أن يقول: ﴿إِنْ أَتْبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[الأحقاف: ٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وقال تعالى: ﴿لِتْبَينَ لِلنَّاسِ مَاتُوْلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
فصح أن كلام رسول الله 8# كله في الدين وحيّ من عند الله -عزّ وجلّ- لاشك
في ذلك، ولاخلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله
فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه
فمضمون ألايضيع منه. وأن لايحرف منه شيء أبداً تحريفاً لايأتي البيان ببطلانه)).
٢٧
وقال ابن حزم في («أحكامه)) ١٤٣/١ أيضاً: ((لا يشك أحد من المسلمين قطعاً في أن
كل ما علمه رسول الله # أمته من شرائع الدين: واجبها، وحرامها، ومباحها، فإنها سنة
الله تعالى، وقد قال عزّ وجلّ: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ
تَحْوِيلاً﴾ [فاطر: ٤٣]. هذا نص كلامه تعالى، وقد قال تعالى: ﴿لاَ تَيْدِیلَ لِکَلِماتِ اللهِ﴾
[يونس: ٦٤].
فصح يقيناً لا شك فيه أن كل سنة سنها الله تعالى من الدين لرسوله 8* وستها:
رسوله -عليه السلام- لأمته، فإنها لا يمكن في شيء منها تبديل ولا تحويل أبداً)).
ومن الوسائل التي هيأها الله تعالى أيضاً لحفظ السنة المباركة ما يرجع إلى النبي نفسه
/ حیث کان یتحدث بوضوح، ویعید ما قاله ثلاث مرات حتی یرسخ حديثه في أذهان
السامعين، ومما اتفق عليه الشيخان: أن عائشة - رضي الله عنها- قالت: «م يَكُنْ يَسْرُدُ
الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ))(١).
وفي رواية للشيخين عنها أيضاً: ((إِن كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿ فَيُحَدْثُ الحَديثَ لَوْ شَاءَ
الْعَاذُّ أنْ يُخْصِيَهُ أحْصَاهُ))(٢).
وكان﴿ يُرَغِبُ في سماع الحديث ووعيه وإبلاغه للناس كما سمع، يقول ؟
(نضَّرَ الله امْرِءاً سَمِعَ مِنَّا شَيْئاً فَبَلْغَهُ كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ))(٣).
وقال ﴿: ((مَنْ يُرِدِ اله بِهِ خَيْراً يُفَقَّهْهُ فِي الدينِ))(٤).
(١)- حديث صحيح، وقد استوفينا تخريجه في ((مسند الموصلي)) برقم (٤٣٩٣).
(٢)- وقد استوفينا تخريج هذه الرواية في ((مسند الحميدي)) برقم (٢٤٧).
(٣)- حديث صحيح، وأخرجناه من حديث ابن مسعود في («صحيح ابن حبان)) برقم
(٦٦، ٦٩،٦٨)، وفي ((مسند الحميدي)) برقم (٨٨)، وفي ((مسند الموصلي)) برقم (٥٢٩٦،٥١٢٦).
وخرجناه من حديث جبير بن مطعم في ((مسند الموصلي)) برقم (٧٤١٤،٧٤١٣)، وفي ((مجمع
الزوائد)) برقم (٥٩٨)، ومن حديث زيد بن ثابت في ((صحيح ابن حبان)) برقم (٦٨٠).
وخرجناه أيضاً في مجمع الزوائد برقم (٥٩٣،٥٨٩،٥٨٨، ٥٩٤، ٥٩٨،٥٩٦،٥٩٥) عن عدد
آخر من الصحابة.
(٤)- أخرجه البخاري في العلم (٧١) باب: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ومسلم في الزكاة
(١٠٣٧) باب: النهي عن المسألة.
٢٨
وقال: ((عَلَيْكُمْ بِسُنِّي وسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الَهْدِيين الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِها، عَضُّوا
عَلَيْهَا بِالنَّواجِذِ، وإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثةٍ بِدْعةٌ، وَكُلَّ بِدْعةٍ
ضَلالَةٌ)(١).
ومن وسائل الحفظ أيضاً أن الله تعالى قد هيأ جيلاً من الصحابة لايتلقون أمور دينهم
إلا إذا خرجت من مشكاة النبوة، لذلك حرصوا على السنة حرصهم على كتاب الله تعالى:
كانوا يسمعون الحديث من رسول الله / ثم إذا قاموا تذاكروه فيما بينهم حتى يحفظوه.
وكان بعضهم يكتب حديث رسول الله لا وقد جمع الخطيب في ((تقييد العلم))
فصلاً أسماه: (من روي عنه من الصحابة أنه كتب العلم أو أمر بكتابته). ثم اتبعه بفصل
فيه أسماء التابعين الذي كتبوا العلم -الحديث- أو أمر بكتابته.
وكانوا -رضي الله عنهم- يحتاطون جداً في رواية الحديث خشية من وعيده لل﴾
(مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعمداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))(٣).
وكانوا يرحلون لسماع الحديث ممن سمعه من النبي و # طلباً للتثبت فيه، أو لعلو
الإسناد، ولكن قد شاع وانتشر بين الناس أن الحديث النبوي الشريف ظل أكثر من مئة
عام محفوظاً في صدور الرجال يتناقله طبقة عن طبقة حفظاً في الصدور لا كتابة في
السطور، واستمر هذا الزعم ردحاً طويلاً من الزمن، وسبب انتشار هذا الزعم الخاطىء
عدم التحقيق في معاني الكلمات: (تقييد الحديث، تدوين الحديث، تصنيف الحديث)،
= وقد استوفينا تخريجه في ((صحيح ابن حبان)) برقم (٨٩). وفي ((مسند الموصلي)) برقم (٧٣٨١)
من حديث معاوية، وانظر تعليقنا عليه في ((مسند الموصلي)).
وأخرجناه من حديث أبي هريرة في ((مسند الموصلي)) برقم (٥٨٥٥) فانظره مع التعليق.
(١)- حديث صحيح، وقد استوفنا تخرجه في ((صحح ابن حبان)) برقم (٥)، وفي ((موارد الظمآن))
برقم (١٠٢).
(٣)- حديث صحيح، وقد خرجناه في («مسند الموصلي)» برقم: ( ٤٩٦،٢٦٠،٢٥٩،٧٣،
٥٨٨، ١٧٥١،١٦٣٦، ١٩٥٢٠١٨٤٧، ٢٩٠٩، ٣٧١٦،٣١٤٧، ٣٩٠٤، ٤٠٠١، ٤٠٧٠،٤٠٦٢،
٥٢٥١، ٦٨٦٨،٥٣٠٤) عن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم.
كما خرجناه في مجمع الزوائد برقم (٦٢٠) حتى الحديث (٦٦٣) عن عدد كبير من الصحابة أيضاً.
٢٩
واعتبار أن هذه الكلمات مترادفة دون التيقظ إلى الفروق الدقيقة بين معانيها: يقال: قيد
العلم، إذا أثبته وضبطه وهذه مرحلة مبكرة.
ويقال: دَرَّن العلم، إذا جمع شتاته في ديوان، أي: إذا جمع ما تفرق من شتات.
الصحف في مكان واحد خوف الضياع، وهذا هو التدوين، وهو مرحلة تالية للتقييد.
وأما التصنيف: فهو تأليف المادة وترتيبها. قال ابن فارس في ((مقاييس اللغة)).
٣١٣/٣: ((الصاد والنون والفاء أصل صحيح مطرد في معنيين: أحدهما: الطائفة من
الشيء، والآخر: تمييز الأشياء بعضها عن بعض، قال الخليل: التصنيف: تمييز الأشياء
بعضها عن بعض، ولعل تصنيف الكتاب من هذا، والتبويب: المصنف من هذا كأنه ميزت
أبوابه فجعل لكل باب حَيِّزُهُ))، وهذه هي المرحلة الثالثة من مراحل حفظ الحديث
الشريف. وإن المتأمل الذي يقرأ ما بين السطور يلحظ هذا التطور في قول الحافظ ابن
حجر في («هدي الساري)) ص (٦): ((اعلم - علمني الله وإياك- أن آثار النسبي ) لم تكن
في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع، ولا مرتبة ...
ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار ... )).
وفي قوله أيضاً في «فتح الباري)) ٢٠٨/١: ((وأول من دون الحديث ابن شهاب
الزهري على رأس المئة الثانية بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف،
وحصل بذلك خیر کثیر)).
فقد ذكر الحافظ مرحلة التدوين في الجوامع، ثم مرحلة التصنيف والتبويب، ولم
يذكر بصراحة مرحلة التقييد والكتابة التي تمت في عهد الرسول ﴿ ..
لم يألُ الصحابة جهداً في الحفاظ على حديث الرسول / بكل الوسائل المتاحة، ثم
تلقف التابعون منهم راية حفظ الحديث، والحفاظ عليه، ولم يكن الكذب منتشراً بينهم
لقرب العهد من السراج المنير، فلم يكن بينهم من يجترىء على الكذب على الله ورسوله،
ولكن من ضُعِّفَ منهم - وهم قليل- فإِنما ضُعِّفَ لمذهب اعتنقه، أولسوء حفظ، أو الجهالة.
٣٠
!
ثم جاء عصر أتباع التابعين فما بعده، فكثر الضعفاء والمغفلون، وانتشر الكذب
والزندقة، وتفرقت الأهواء، واختلفت الآراء، وسعى أصحاب البدع إلى تزيين بدعهم
للناس بوضع الحديث -وللحديث التسليم الكامل في قلوب المسلمين- تعصباً لمذهب
وانتصاراً له، أو تأييداً لبدعة أراد لها أصحابها الذيوع والانتشار، أو حقداً على الإسلام
وأهله، وما أكثر الحاقدين !...
وكان من نتائج ذلك شيوع عقائد زائفة، وآراء غريبة، وقواعد فقهية شاذة،
روجت لها فرق وطوائف وأناس لبسوا لها مسوح الدراويش حيناً، ومسوح الفلسفة حيناً
آخر، وزيّ العباد والزهاد أحياناً، فجافوا - في بعض الأحيان- السلوك السوي، والفكر
القويم، والعقل السليم، والطريق المستقيم، فضلاً عن محافاتهم كتاب الله وسنة رسوله.
وهب للتصدي لتلك الأباطيل علماء الإسلام الأفذاذ فبذلوا جهوداً جبارة في خدمة
حديث رسول الله ﴿ فبينوا أحوال الرواة وعرفوا بمن يجب قبول خيره، وبمن يجب ردّ
روايته، وبمن يجب التوقف فيه، ولم يخل قطر من جماعة متحن الرواة فتختبر أحوالهم،
وتمتحن رواياتهم إسناداً ومتناً، وتنتبع حركاتهم وسكناتهم، ثم تعلن الحكم عليهم.
وقد تضافرت جهود هذه الجماعات، فهتكوا أستار الكذابين، ونفوا عن حديث
رسول الله ﴿﴿ انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وافتراء المفترين، وتزوير المزورين،
فخلصوا الدين منها، وحفظت السنة، وتحقق وعد الله تعالى بحفظ القرآن، ويحفظ أحكامه.
قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟. فقال: تعيش لها الجهابذة، ثم
تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وأخيراً لا بد لنا أن نشير إلى نابتة سوء ترفع رأسها بين حين وآخر لتعلن أن
وحدة الأمة الإسلامية مرهونة بترك السنة، والاكتفاء بكتاب الله تعالى، وكأن السنة هي
التي فرقت الأمة بعد اجتماع، وقد أخبر الرسول - عن هذه الفئة بقوله: ((يُوشِكُ أَنْ
يَقْعُدَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى أَرِيكَةٍ يُحَدِثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ: بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى،
فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً، اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَهَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامَاً، حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ
اللهِ ◌َ﴿ كَمَا حَرَّمَ اللّهُ)).
٣١
لقد رفعت هذه الفئة رأسها مبكراً، فقد أخرج سعيد بن منصور عن عمران بن
حصین أنهم کانوا یتذکرون الجدیث، فقال رجل: دعونا من هذا، وجیۇونا بكتاب الله.
فقال عمران: إنك أحمق، أتجد في كتاب الله الصلاة مفسرة؟ أتجد في كتاب الله
الصيام مفسراً؟ إن القرآن أحكم ذلك، والسنة فسرته.
وقال عمران: نزل القرآن، وسنّ رسول الله ◌ّ / السنن، ثم قال: اتبعونا فوالله إن لم
تفعلوا تضلوا.
وقال رجل عند مطرف بن عبد الله: لا تحدثونا إلا بما في القرآن. فقال مطرف: إنا
والله ما نرید بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا.
وقال عمر، وعلي: سيأتي قوم يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن
أصحاب السنن أعلم بكتاب الله.
وقال علي لابن عمه عبد الله بن عباس عندما أرسله للحوار مع الخوارج: اذهب
إليهم فخاصمهم، ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة.
وقال الزهري: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة.
وقال عروة: اتباع السنن قوام الدين.
وقال أيوب: إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن، فاعلم
أنه ضالٌ.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: الرجل إلى الحديث أحوج منه إلى الأكل والشرب.
لأن الحديث يفسر القرآن.
وقال خالد بن يزيد: حرمة أحاديث رسول الله﴿، كحرمة كتاب الله عزّ وجلّ.
وقال الأوزاعي، ويحيى بن أبي كثير: جاءت السنة قاضية على الكتاب، ولم يجيء
الكتاب قاضياً على السنة.
وقال الأوزاعي: إذا بلغك عن رسول الله :﴿ حديثاً، فإياك أن تقول بغيره، فإن
رسول الله ﴿ كان مبلغاً عن الله تعالى.
٣٢
وقال الأوزاعي أيضاً: إن هذا العلم أدبُ الله تعالى الذي أُدَّبَ به نبيه، وأدّب الّبيُّ
أمته به، وهو أمانة الله تعالى إلى رسوله ليؤديه على ما أدي إليه، فمن سمع علماً، فليجعله
أمامه حجة فيما بينه وبين الله تعالى.
ومما تقدم نخلص إلى أن السنة وحي، وأن الله تعالى تعهد بحفظ الوحي، وأنها مثل
القرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وأن الأئمة المخلصين بذلوا غاية الجهد في تقعيد
القواعد، وصياغة المناهج للحفاظ على الوحي حتى أصبحت مناهجهم آية من الآيات التي
خص الله تعالى بها هذه الأمة التي أرجو أن تعود لتكون خير أمة أخرجت للناس، وما
ذلك على الله بعزيز.
وقد رأيت أن أختم هذا الفصل بوصف أحدهم أهل القرآن وأصحاب الحديث،
فقد قال: ((الحمد لله المنعم المنان، مظهر الإسلام على كل الأديان، وحافظ القرآن من
الزيادة والنقصان، ومانعه من مكائد الشيطان، وتحريف أهل الزيغ والكفران ...
ووكل بالآثار المفسرة للقرآن والسنن والأركان عصابة منتخبة، وَفَقَهُمْ لطلابها
وكتابتها، وقواهم على رعايتها وحراستها، وحبب إليهم قراءتها ودراستها، وهون عليهم
الدأب والكلال، والحل والترحال، وبذل النفس والأموال، وركوب المخوف من الأهوال،
فهم يرحلون من بلاد إلى بلاد، خائضين في العلم كل واد، شعث الرؤوس، خلقان
الثياب، حمص البطون، ذبل الشفاه، شحب الألوان، نحل الأبدان، قد جعلوا لهم هماً
واحداً، ورضوا بالعلم دليلاً ورائداً، لا يقطعهم عنه جوع ولا ظمأ، ولا يملهم منه صيف ولا
شتاء، مائزين الأثر: صحيحه من سقيمه، وقويه من ضعيفه بألباب حازمة، وآراء ثاقبة،
وقلوب للحق واعية، فأمنت تمويه المموهين، واختراع الملحدين، وافتراء الكاذبين.
فلو رأيتهم في ليلهم وقد انْفَضُّوا لنسخ ما سمعوا، وتصحيح ما جمعوا، هاجرين
الفرش الوطيّ، والمضجع الشهيّ، قد غشيهم النعاس فأنامهم، وتساقطت من أكفهم
أقلامهم، فانتبهوا مذعورين قد أوجع الكدّ أصلابهم، وتَيَّهَ السهر ألبابهم، فتمطوا ليريحوا
الأبدان، وتحولوا ليفقدوا النوم من مكان إلى مكان، ودلكوا بأيديهم عيونهم، ثم عادوا إلى
٣٣
الكتابة حرصاً عليها، وميلاً بأهوائهم إليها، لعلمت (١) أنهم حرس الإسلام، وخزان
الملك العلام.
فإذا قضوا من بعض ما راموا أوطارهم، انصرفوا قاصدين ديارهم، فلزموا المساجد،
لابسين ثوب الخضوع، مسالمين ومُسَلّمين، يمشون على الأرض هوناً، لا يؤذون جاراً،
ولايقارفون عاراً، حتى إذا زاغ زائغ، أو مرق من الدين مارق، خرجوا خروج الأُسْد من
الآجام، يناضلون عن معالم الإسلام ... ))(٢).
ومن هؤلاء الأئمة الذي شاركوا بإسهام مشكور في حفظ السنة ونشرها والالتزام
بما جاء فيها، الإمام عبد الله بن الزبير الحميدي رحمة الله عليه، ففي أي عصر عاش، وما
سمات هذا العصر؟ وأين وكيف نشأ هذا الإمام؟ وما الآثار التي خلفها ميراثاً للمسلمين؟.
(١)- جواب (لو) في أول الفقرة.
(٢)- انظر المحدث الفاصل ص(٢٢٠-٢٢١).
٣٤
.-
٢- عصر الحميدي وسماته العامة:
تذكر كتب الرواة أن الحميدي -رحمه الله - توفي سنة (٢١٩) هـ، ولكنها تهمل
ذكر سنة مولده، وتذكر أنه جالس إمام عصره سفيان بن عيينة حوالي عشرين عاماً، كما
تذكر أن سفيان بن عيينة اختاره الله إلى جواره سنة (١٩٨) هـ.
وبافتراض أن عمر الحميدي كان حوالي الخامسة والعشرين عندما بدأت صلته
بأستاذه العظيم ابن عيينة، يكون مولد الحميدي سنة بضع وخمسين ومئة، أي يكون قريباً
جداً من مولد أستاذه الكبير محمّد بن إدريس الشافعي - رحمه الله- ويكون الحميدي قد
عاصر الخلفاء: المهدي (١٥٨-١٦٩)، فالهادي (١٦٩-١٧٠)، فالرشيد (١٧٠-١٩٤)،
فالأمين (١٩٤-١٩٨)، ثم المأمون (١٩٨-٢١٨) وسنة واحدة من خلافة المعتصم. وعلى
هذا فقد عاش العصر الذي كانت الخلافة العباسية توطد دعائمها، والعصر الذي بلغت فيه
أوج قوتها وتألقها وازدهارها.
لقد كانت هذه المدة ظرفاً لثورات سياسية، وتبدلات اجتماعية، وصراعات فكرية،
وتيارات فلسفية، وأصبحت المدن الإسلامية بحاراً تتماوج فيها عناصر مختلفة من أجناس
متعددة، كل نمط من الناس يحمل ثقافة جنسه، وتقاليد قومه، ويعتز بعادات أهله وذويه،
ويفخر بأخلاقهم وثقافتهم.
وكان المترجمون -وقد كثروا في هذا العصر- يترجمون الفلسفة بشكل يغري ويرغب
باعتناقها، ولذا فإن فلسفة اليونان لم تصل إلينا خالصة، وإنما خطرت في ربوعنا بثوب
فارسي حيناً، وبمسوح يهودية حينا آخر، وبزي نصراني أحياناً.
وتصارعت الأفكار، وتعالت أصوات فرق لم تكن مسموعة، وثار الجدل، وحمي
الوطيس، وأخيراً تجلى الصراع عن فريقين من العلماء:
فريق تأثروا بالفلسفة، فتبتوا منها ما يخدم أساليبهم ويقوي احتجاجهم، ولكنهم
أخذوا بأسلوب خصومهم في الهجوم والدفاع، فشابت أفكارهم شوائب فلسفية لم تكن
مما يفكر فيه العلماء المسلمون: من الصحابة، والتابعين، والأئمة المتبوعين، فتكلموا في
٣٥
إرادة الإنسان، وأفعاله، وسلطان الله تعالى عليهما، كما تكلموا في صفات الله تعالى: هل
هي غير الذات، أم هي والذات شيء واحد؟. وقد ذهبوا إلى إثبات عقائدهم بالأقيسة
العقلية، ولذا فقد استخدموا المنطق والبحوث الفلسفية، فخالفوا طريقة السلف الصالح في
الاستدلال للعقائد التي كانت سائدة قبل حلول هذا البلاء.
وهؤلاء العلماء هم الذين أصبحوا أصحاب الحظوة في بلاط المنصور، والمهدي،
والمأمون ... ومن هؤلاء كان الوزراء، والحجاب، والكتاب، وكان بعضهم لا ينقصه.
الإخلاص للغاية التي يسعى إليها: وهي الدفاع عن هذا الدين الحنيف الذي ينتسبون إليه.
والفريق الثاني هم العلماء الذين جعلوا من القرآن الكريم، والسنة الشريفة الأساس
والضابط للفكر والسلوك. وليس على العقل إلا أن يفهم نصوصهما ويستنبط الأحكام من
عباراتهما أو إشاراتهما، وعليه أن يعمل الرأي إذا لم يكن هناك نص فيهما. وهؤلاء
العلماء هم الذين يتمتعون بالحظوة في بلاط الرشيد رحمه الله تعالى.
والخلاصة أن العصر الذي عاش فيه الحميدي كان عصر صراع الثقافات: فقد
التقت فيه ثقافة الهند، وفارس، واليونان في ميدان واحد تحت مظلة الإسلام.
كان عصر صراع الفرق والشيع والأحزاب، تجتهد كل فئة في إيجاد الوسيلة التي
توصل آراءها إلى الآخرين. وتزين كل شيعة ما ذهبت إليه، تدعو الناس بالحجج، وتنوع
أساليب الدعوة، وتدافع عما ذهبت إليه بشراسة إذا ما اعتدي عليه.
وقد كان عصراً خصباً، ازداد فيه الإنتاج: شمر المحدثون فيه عن جانب الجد وأغنوا
ما سبقوا إليه من قواعد ومناهج من أجل تمييز المروي عن رسول الله 8﴾ .. ودققوا في
الضوابط والمقاييس التي كانت ولازالت هي السبيل لمعرفة الثقات من الرواة، وهذا هو
الأساس في تمييز المرويات وتصنيفها في مراتب الصحيح، والحسن، والضعيف.
وقد كثرت فيه الرحلات، فجاب المحدثون والفقهاء بلاد المسلمين شرقاً وغرباً،
وذرعوا الأقاصي والأداني جيئة وذهاباً بحثاً عن الحديث والفقه وتفسير كتاب الله العزيز.
وفي هذا العصر روج دعاة السوء دعاويهم، ورفع الزنادقة رؤوسهم، ونشر
أصحاب الدعوات الهدامة أفكارهم، وكثر الجدل، واعتدي على شرعة رسول الله
٣٦
-٠
الذي ينتسب إليه الخلفاء فكان عليهم أن يرفعوا سوط التأديب، ويجردوا سيف الحد ليثبتوا
صدق انتسابهم إلى النبي الكريم، وليدللوا على إيمانهم بماجاء به هذا الرسول العظيم. فقربوا
العلماء، وشجعوا المناظرة بينهم ليطرح كل ماعنده فيذهب الزبد جفاء ويبقى ما ينفع الناس.
ولكن المؤتمر العلمي الكبير كان يجري في مكة المكرمة حيث بيت الله الحرام: محط
أنظار المسلمين جميعاً، إليه يذهبون، وحوله يجتمعون، فيسأل العلماء ويُسْألون، فيجمع
العالم منهم ما ليس عنده، ويتأكد من صواب ما عنده إذا التقت حوله الآراء، وعضدته
الأدلة، والإمام الحميدي واحد من أكبر المفتين في البيت الحرام، فمن هو هذا الإمام الذي
تناط به وبأمثاله هذه المسؤولية يا تُرى؟ ...
٣٧
ب- ترجمة الحميدي()
لعل من المفيد أن نقول بين يدي ترجمة هذا العلم: إن («التواريخ والسير فوائد
كثيرة، أهمها فائدتان:
إحداهما: أنها إن ذكرت سيرةً حازمٍ، ووصفت عاقبةً حالِهِ، أفادت حُسْن التدبير،
واستعمال الحزم.
أو سيرةً مفرط ووصفت عاقبته، أفادت الخوف من التفريط، فيتأدب المتسلط، ويعتبر
المتذكر، ويتضمن ذلك شحذ صوارم العقول، ويكون روضة للمتنزه في المنقول.
والثانية: أن يطلع بذلك على عجائب الأمور، وتقلبات الزمن، وتصاريف القدر،
وسماع الأخبار))(١).
وقال ابن الجوزي أيضاً: ((وذكر السير راحة للقلب، وجلاء للهم، وتنبيه للعقل،
فإنه إن ذكرت عجائب المخلوقات، دلت على عظمة الصانع، وإن شرحت سيرة حازم،
علمت حسن التدبير، وإِن قَصَّت قصة مفرط خوفت من إهمال الحزم، وإن وصفت
أحوال طريف، أوجبت التعجب من الأقدار، والتنزه فيما يشبه الأسمار))(٢).
ومما لا شك فيه أن تدارس سير الأنبياء، وقراءة أخبار الفضلاء، ومعرفة مواقف
العلماء، تعلم الإنسان حب الحق، وتخلقه بالصبر والرجولة، والكرم والبطولة، إضافة إلى
أن الحديث عن هؤلاء الذين صفا معدنهم فاستجابوا لربهم، ما هو إلا إحياء لذكرهم،
(*) - مصادر هذه الترجمة: ((التهذيب وفروعه والأنساب)) للسمعاني ٢٣١/٤-٢٣٢، و((اللباب))
٣٩٢/١، و«معجم المؤلفين)) ٥٤/٦، و(«تذكرة الحفاظ)) ٤١٣/٢، و((العبر)) ٣٧٧/١، و((التاريخ
الكبير)) ٩٦/٥، و«الصغير)) ٣٣٩/٢، و«الجرح والتعديل)) ٥٦/٥، و((طبقات الفقهاء)) للشيرازي
ص(٩٩-١٠٠)، و(ردول الإسلام)) ١٣٣/١، و(«البداية)) ٢٨٢/١٠، و(النجوم الزاهرة)) ٢٣١/٢،
و«شذرات الذهب)) ٤٥/٢-٤٦، و((طبقات ابن سعد)) ٣٦٨/٥، و((إيضاح المكنون)) ٤٨١/٢،
و((كشف الظنون)) ص(١٦٨٢،١٤١٨، ١٦٨٥)، و((حسن المحاضرة)) ٣٤٧/١، و((الأعلام)) للزركلي
٨٧/٤، و((سير أعلام النبلاء)) ٦١٦/١٠-٦٢١، و((ذكره الفسوي في المعرفة والتاريخ في أماكن كثيرة)).
(١)-الإعلان بالتوبيخ ص(٢)، و ((ناسخ القرآن ومنسوخه)) لابن الجوزي بتحقيقنا ص(٣٥-٣,٦).
(٢)- انظر ((ناسخ القرآن ومنسوخه)) ص(٣٦).
٣٨
ونشر لمكارمهم ومثلهم، وحث على اتباع فضائلهم، ولا بد من وجود راغب، أو معتبر،
أو متأمل، أو مستبصر، ورحم الله من قال:
إِذَا عَلِمَ الإِنْسَانُ أَخْبَارَ مَنْ مَضَى
تَوَهَّمْتَهُ قَدْ عَاشَ مِنْ أَوَّلِ الدَّهْرِ
إِذَا كَانَ قَدْ أَبْقَى الْجَمِيلَ مِنَ الدِّكْرِ
وَتَحْسَبُهُ قَدْ عَاشَ آخَرُ عُمْرَهُ
حَلِيماً كَرِيماً، فَاغْتَيِمْ أَطْوَلَ الْعُمْرِ (١)
فَقَدْ عَاشَ كُلِّ الدَّهْرِ مَنْ كَانَ عَالِماً
ونرى أنه من الواجب علينا الآن أن نبدأ بالترجمة -مستعينين بالله تعالى- فنقول:
في العصر الذي بلغ فيه العلم أوجه -أو كاد- وكثرت فيه الاضطرابات
والتكتلات، وفي مكة المكرمة حيث بيت الله الحرام، ولد أبو بكر: عبد الله بن الزبير بن
عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد
العزى الأسدي، المكي، الحميدي.
لقد ولد في يوم مجهول لأب قال فيه العقيلي في الضعفاء ٩١/٢: ((حديثه غير
محفوظ، حدّثنا، محمّد بن إسماعيل، قال: حدثنا خليل بن يزيد الباقلاني - دلنا عليه
الحميدي قال: عنده عن أبي حديثين- قال: حدثنا الزبير بن عيسى - تحرفت فيه إلى: عليّ -
الحميدي قال: ذكره هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قلت: يارسول الله! متى
لا نأمر بالمعروف، ولا ننهى عن المنكر؟.
قال: (إِذَا كَانَ الْبُخْلُ فِي خِيَارِكُمْ، وَإِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي رُذِّالِكُمْ، وَإِذْا كَان
الإِذْهَانُ فِي كِيَارِكُمْ، وَإِذَا كَانَ الْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ)).
لا یتابع علیه، ولا يعرف إلا به)).
وتابعه على هذا الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) ٦٨/٢، وأضاف الحافظ في ((لسان
الميزان)) ٤٧٢/٢: ((وقال النباتي عقب كلام العقيلي: لعمري إنه لباطل موضوع، يشهد له
القرآن والسنة)). وذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٣٣١/٦)).
(١) - انظر («ناسخ القرآن ومنسوخه)) ص(٣٦).
٣٩
وأما أسرته فقد أشاحت المصادر وجهها عنها، وطوت أخبارها في ظلام المجهول،
فلم نعرف عن أمه شيئاً، ولم نعرف عن زوجه، وأولاده، وقبل ذلك عن إخوته، ولا عن
سوية عيشه شيئاً.
ولكن المصادر تجمع على أنه قرشي، فهو يلتقي مع أم المؤمنين خديجة بنت خويلد
ابن اُسد،
ويلتقي مع فاختة بنت زهير بن الحارث بن أسد،
ومع ابنها حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد،
ويلتقي مع الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد،
ومع عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، في جدهم جميعاً أسد بن عبد
العزى بن قصي. ويجتمع مع النبي # في قصي.
وكان من العرف أن تدفع الأسر القرشية بأولادها إلى البادية ليصلب عودهم،
ولتستقيم ألسنتهم فصاحة وبياناً، لأنهم ينهلون اللغة من الينابيع الصافية: من الأعراب،
قبل أن تشوبها شائبة، ودون أن تكدر صافيها الدلاء، فلا بد إذا من أن يكون الحميدي قد
ذهب إليها وتعلم اللغة والشعر فيها، كيف لا؟ وشيخه الشافعي يقول: ((لا يحل لأحد أن
يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله ... ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر)(١).
فلا بد إذاً وهو القرشي من أن يكون ألم باللغة نثرها وشعرها لأنها لغة القرآن الكريم
الذي كان يحفظه كل طالب علم في بداية طلبه، ولأنها الوعاء الساحر للحديث الشريف.
وهذا المولدُ الذي لم تذع له کتب التراجم سراً کان في مهبط الوحي، في البلد
الأمين، في مكة المكرمة، مهوى القلوب، وموطن الأمان والاطمئنان، البلد المخضورة التي
غصت بجمهرة كبيرة من العلماء، ومن الزاهدين في متاع الحياة، ومن المجاورين لبيت الله
الحرام، المنقطعين للعبادة والعلم، ومن مهاجري الآفاق الذين عصفت بهم رياح الفتن،
وعضهم البغي بأنيابه، فهرعوا إلى مهبط الوحي ينشدون الأمان والاطمئنان بحيث لا ينالهم
بغي، ولا يطالهم عدوان.
(١)- ((الفقيه والمتفقه)) للخطيب البغدادي ١٥٧/٢.
٤٠