النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
عن ((مسند الإمام أحمد)).
فبدأت بقراءة هذه الصفحات كلها، ولكن دون جدوى !
- خُطة رابعة :
وعلى ذلك؛ فإنّ اتخذت خُطّةً رابعةً، وهي أنه لا بُدّ من دراسة أسانيد
أحاديث بقية المجلدات الستة من ((المسند)) لتمام التثبُت والتحقّق، فبدأت بالمجلد
الثالث (ص ٢-٥٠٣)، وثُلُثُّهُ الأول والثاني منه (ص ٢ - ٤٠٠) مؤلّفٌ من
مسانيد ثلاثة من الصحابة الأنصار المشهورين: الأول: مسند أَنَس بن مالك،
والثاني: مسند أبي سعيد الخُدْري، والثالث: مسند جابر بن عبد الله
- رضي الله عنهم أجميعن -.
ولعلّه وَقَعَتْ في هذا المجلد سهواً من بعض النساخ أو الرواة؛ فإن محلَّها
في مسند الأنصار من المجلد الخامس -كما ذكرتُه آنفاً-، وقد أشار إلى مثل هذا
الخطإ في التصنيف والترتيب: الحافظ الذهبي -وغيره -.
فأتيت على هذه المسانيد الثلاثة، ولكنْ دون جدوى، ثم تابعت دراسةً
بقيةِ المجلد الثالث، ولكني لم أجد شيئاً !
- خُطة خامسة :
فمررتُ بالمجلد الرابع كله (ص٢-٤٤٧)، ثم بما كنت لم أَدْرُسْهُ من أول
المجلد الخامس (ص ٢-١١٣)، ثم أتبعته بدراسة المجلد السادس كلّه
(٢-٤٦٨)، فلم أَجدْ في كل هذه المجدّدات شيئاً من زيادات القَطِيعي إطلاقاً!
- خطة سادسة :
فما قَنِعْتُ بكل ذلك من التحقيق؛ بل تابعتُ السيرَ على الطريق،

٦٢
-الذَّبُّ الأحمد
فتمنيت أنه لو كان عندي في المكتبة الظاهرية نسخة مخطوطةً من كتاب ((زوائد
3
المسند)) للحافظ نور الدين الهيثمي؛ لأقوم بدراستها؛ زيادةً في التحقيق، ولمَّا
كنت على علم بعدم وجودها؛ اسْتَعَضْتُ عنه بمراجعةٍ كتابه الكبير ((مجمع
الزوائد» الذي جمع فيه زوائد عدّة كتب مسندة؛ منها ((مسند أحمد))، فمررتُ
على جميع مجلداته العشرِ، فلم أعثر فيها على شيء من زيادات القَطِيعي، اللهم
إلا حديثاً واحداً أورده في باب التوقيتِ في المسح على الخُفّين، فقال
(٢٥٨/١): ((عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ◌ُّ في المسح على الخُفَّين:
((للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن))، رواه [القَطِيعي من زياداته
على ((مسند] أحمد))، وأبو يعلى، والبَزَّار، والطبراني في ((الكبير))، و((الأوسط))،
ورجال البزّار وأبي يعلى ثقات))(١).
كذا في مطبوعة ناشرهِ الأستاذ القدسي، وعلّق على الزيادة التي وضعها
بين المعكوفين [] بقوله: ((ما بين القوسين غير موجود في الأصل)).
قلت: وهذا تعليقٌ قاصرٌ؛ إذ كان عليه أن يذكر النسخة التي وقعت فيها
هذه الزيادةُ المخالفةُ لأصلهِ، كما يقتضيه التحقيقُ العلمي؛ تيسيراً للباحثين،
و((الأصل)) الذي أشار إليه قد ذكر هو - تحت عنوان الكتاب- أنه نسخةُ
الأستاذ الجليل حافظ أفندي أحمد، مع المقابلة بنسخة دار الكتب المصرية
المكتوبة بخطّ تلميذ المؤلّف، والمقروءة على المصنّف، وفيها خطُّه، وخطُ الحافظ
ابن حَجَر، مع استكمالها، ومقابلة بعضها بأجزاء في الدار -أيضاً-، وبنسخة
الخزانة الظاهرية بدمشق.
(١) ليس في ((كشف الأستار (١٥٦/٢)، وانظر ((مجمع البحرين)) (٣٦٩/١).
مـ

٦٣
عن ((مسند الإمام أحمد))
فأقول: في ظاهرية دمشق نسختان منه، ولكنهما محرومتان، وقد رجعتُ
إلى المجلد الأول من كل منهما برقم (٢٤٧ -حديث)، و(٢٥٢ - حديث)، فلم
تَردْ هذه الزيادةُ إلا في الأُولى منهما، لكنها لم تقع فيها في صُلب الحديث، وإنما
استدركت على الهامش بخطّ مغاير لخط النسخة، وبجانبها علامةُ التصحيح،
فلم أدر: أهذا من ناسخها، أم مصحّحها؟! لِمَا فيها من الخَرْم الذي ذكرتُه
آنفاً، بخلاف النسخة الأخرى؛ فهي جيدة، مقروءة على المؤلف - رحمه الله-،
وعليها حواش مفيدة نقلاً عن الحافظ العسقلاني، وتلميذِه السخاوي
- وغيرهما-، وكثيرٌ منها غيرُ موجودٍ على هامش المطبوعة.
وإني لأقطعُ بوهم مَن ألحق هذه الزيادةَ بهذا الحديث؛ لمخالفتها للنسخ
الأخرى من مخطوطات ((مجمع الزوائد)) - كما عرفتَ-، ولمنافاتها للاستقراء،
والتحقيق الذي سبق حول زياداتِ القَطِيعي في ((المسند))؛ بل وأُرَجِحُ عدمَ
ورودهِ فيه مُطْلَقاً من رواية أحمدَ نفسِه، أو ابنه عبد الله في زوائدهِ عليه
للأسباب الآتية :
الأول: أنني راجعتُ له مسند ابن عمر في ((المسند)) طبعة أحمد شاكر، فلم
أجده !
الثاني: أنني استعنتُ على الكشف عنه فيه بالفهارس العلمية الموضوعة
حديثاً؛ لتيسير الوقوف على أيِّ حديث فيه والكتب الستة -وغيرها-؛ مثل
((مفتاح كنوز السنة))، و((المعجم المفهرس لألفاظ الحديث))، فراجعتُ في الأول
منهما مادة الوضوء -المسح على الخفين-، وفي الآخر لفظة: (يوم)، وراجعت
كل الصفحات التي أشاروا إليها في كل المجلدات، فلم أعثر عليه، ثم راجعت
فهارسَ الأجزاء المُلْحَقةَ بطبعة الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله- التي كان وضعها

٦٤
-الذَّبُّ الأحمد
في آخر كل جزء على الكتب والأبواب، فلم أره -أيضاً-؛ فعلتُ ذلك
احتياطاً، لدفع احتمال كونه قد ذُكر في مسند آخر من مسانيد الصحابة غير ابن
عمر، كما يقع ذلك أحياناً؛ يَردُ فيه - أحياناً - حديثُ صحابيّ في مسند
صحابي آخر سهواً، أو لمناسبة أُخرى - كما هو معلومٌ عند الدارسين لهذا
(المسند)) العظيم -.
الثالث: أنّي راجعتُ له - أيضاً - وبصورة خاصة - باب توقيت مدة المسح
من (الفتح الرباني))، فلم يورده من حديث ابن عمر أصلاً.
الرابع والأخير: أن الحديث أورده الحافظُ الزَّيْلَعي في ((نصب الراية))
(١٧٣/١) من رواية الطبراني في ((الأوسط)) وحده، عن ابن عمر، وهو يَتْبَعُ
في ذلك الشيخ ابن دقيق العيد في ((الإمام))، ثم تبعهما الحافظُ ابن حَجَر في
(الدراية)) (ص ٤٠)، والحافظ السُّيوطي في ((الجامع الكبير)) (٩٦/٥- (كنز
العمال)))، وفي ((الزيادة على (الجامع الصغير)) - مخطوط)) - (رقم ٥٠٦٥) من
((صحيح الجامع الصغير وزيادته)) -.
أقول: فلو أنّ حديث ابن عمر -هذا- كان في ((المسند))؛ ما خَفِيَ ذلك
على هؤلاء الحُفّاظ الأعلام، ولو فُرض أنّهم عرفوه فيه؛ ما استجازوا
- إن شاء الله - أن يعزُوه للطبرانيِّ دونه؛ لِعُلُوِّ طبقتِهِ، وجلالةِ قدرهٍ(١).
(١) قلت: ولا أستبعد أن يكون هذا الحديثُ في ((فوائد أبي بكر القطيعي))، ألحقه بعضهم
بـ ((مجمع الزوائد)) !
ثم طُبع ((جزء الألف دينار)) -وهو الخامس من ((الفوائد المنتقاة، والفرائد الغرائب
الحِسَان)» - للقَطِیعي-؛ فلم أره فيه.
=

٦٥
عن ((مسند الإمام أحمد)) -
ثم إنّه قد بقي في النَّفْسِ شيءٌ من عزو الهيثمي الحديثَ لأبي يعلى،
والطبراني ((الكبير))؛ فإن الحُفّاظ المذكورين -آنفاً - لم يعزوه إليهما، ولا وجدته
ونحوه: ما جاء في ((المسند)) (١٣٠/٥) -طبعة المؤسسة - تعليقاً على الحديث (٢٩٨٩) ما
نصه :
(جاء هنا بعد هذا الحديث في نسخة (ظ٩) بين الجزء الثامن والجزء السابع -بتقسيمها-
ورقة - لعلها طيّارة- فيها ما نصُّه:
(ومن فوائد أبي بكر أحمد بن جعفر بن حمدان - وهو القَطِيعيُّ- أحاديث كانت في آخر
الجزء الثامن ... )).
ثم ساق عشرةً أحاديثَ.
وظّي أن هذه الأحاديثَ هي من كتاب ((فوائد أبي بكر القَطِيعي)» كما هو مذكور في أول
هذا النقل ، وكان الأَوْلى بالمحقّقين أن يحصروا كلمة ((فوائد)) بين هلالين مزدوجين؛ إشعاراً بأنه
كتابٌ للقَطِيعِي ، وليس لهذه الأحاديث عَلَاقَةٌ بـ ((مسند الإمام أحمد))، خلافاً لما توهّمه بعضُ
إخواننا ، والدليلُ القاطعُ على ذلك أنها مُوَزَّعَةٌ على جماعة من الصحابة؛ مثل: عائشة ، وابن
عباس ، وأبي سعيد -وغيرهم-، وهذا أسلوبُ كتب ((الفوائد)) خلافاً لأسلوب («المسند».
وفي المكتبة الظاهرية بدمشق بعض الأجزاء من ((فوائد أبي بكر القَطِيعي)».
أملاه المؤلّف في مرضه ليلة ٤ صفر ، سنة ١٤١٩ - هجري- على ابنه عبد المصوِّر.
ثم قلتُ - بمناسبة ذِكر طبعة («المسند» التي تقوم على نشرها مؤسّسة الرسالة -:
من الغريبِ - وقد لا يكون غريباً !- أن تخلو هذه الطبعةُ - وهي جيّدةٌ في الغالب- مِن
إبداء رأيٍ واضحٍ بَيِّنٍ في هذه القضيّةِ الجليلة المهمّة؛ لا في مقدّمتِهِ الكبيرة الحافلة، ولا فيما
اطّلعتُ عليه من تعليقات (المخرّجين) عليه!
فعسى أنْ يكونَ لهم قَوْلٌ محرّرٌ - بَعْدُ-؛ عِلماً أنّه قد وصلت عددُ مجلّداتِ طبعتهم - إلى
هذه الساعة - إلى الثلاثين!

٦٦
-الذَّبُّ الأحمد
أنا في (مسند ابن عمر) من كتابيهما، غير أن النسخة المخطوطة المصوّرة من
((مسند أبي يعلى)) غير جيّدة(١)، ونسخة ((كبير الطبراني)) غيرُ كاملةٍ؛ فلذلك لا
أستطيعُ الاعتمادَ عليهما في الجزم بخطإ العزو المذكور.
على أنه من المحتمل أنه لا يعني به أنّهما أخرجا الحديث بتمامه، وفيه
التوقيتُ، وإنما مجرد المسح، ويؤيّد هذا أن الهيثميَّ نفسَه الذي عزاهُ للبزار
-أيضاً-كما سبق - قد أورده في ((زوائد البزار)) (ص ٣٦) عَقِبَ حديث عمر
- مختصراً جدًّا - بلفظ: ((مسح على خفيه))، ثم ساق من طريق أُخرى عن
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال ... فذكر نحوه، ثم ساقه من طريق
عُبيد اللَّه، عن نافع ... به، إلا أنه زاد: ((عن عمر نحوه))، لكنْ في إسناد هذا
شَرِيكُ بن عبد الله، وهو سَيِّئُ الحفظ، وإسناد ما قبله جيد رجاله ثقات، ولعله
هو الذي وثّق الهيثميُّ رجالَه فيما تقدم، ولكنّي لم أجده في (مسند ابن عمر)
من ((أبي يعلى)) - كما سبق-، وإنما أخرجه فيه (١/ ٥١) من طريق أُخرى، عن
سالم، عن ابن عمر، عن عمر: سمعتُ رسولَ الله ◌َّ يأمر بالمسح على ظَهْرِ
الخُفّين إذا لبسهما وهما طاهرتان، وفي رواية له لم يذكر شرط الطهارة، وقال:
((للمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ، وللمقيم يوم وليلة))، وفي إسناده ضَعْفٌ كما
بَيَّنته في تعليقي على ((الأحاديث المختارة)) برقمَي (١٨١،١٨٠)(٢).
ولحديث ابن عمر، عن أبيه عمر: أَصْلٌ في ((مسند أحمد)) - أيضاً-؛ فقد
أخرجه فيه (١/ ٣٥) من طريق عبد الرزّاق: أنبأنا عبيد الله بن عُمر، عن نافع،
(١) ثم طُبع ((مسند أبي يعلى)) تحقيق حسين سليم أسد ، فلم أره - أيضاً- في مسند ابن
عمر - منه -.
(٢) وقد انتهيت من تحقيق ((مسانيد الخلفاء الراشدين)) - منه-بحمد الله وتوفيقه -.
.

٦٧
عن «مسند الإمام أحمد»
قال: رأى ابن عمر سعدَ بنَ مالكٍ يمسح على خفيه، فقال ابن عمر: وإنكم
لتفعلون هذا؟! فقال سعد: نعم، فاجتمعا عند عمر، فقال سعد:
يا أمير المؤمنين! أَفْتِ ابنَ أخي في المسح على الخُفّين، فقال عمر: كنا ونحن مع
نبينا ◌َّ﴾ نمسح على خِفافنا، فقال ابنُ عُمَرَ: وإن جاء من الغائط والبول؟ فقال
عمر: نعم، وإن جاء من الغائط والبول، قال نافعٌ: فكان ابن عمر بعد ذلك
يمسحُ عليهما ما لم يخلعهما، وما يُوَقِّت لذلك وقتاً.
قال عبد الرزاق: فحدَّثْت به مَعْمَراً، فقال: حدَّثنيهِ أيوب، عن نافع ...
مثله، وقد أخرجه عبد الرزاق في ((المصنّف)) (١ / ١٩٦ / ٧٦٣) من الوجه
الأول، لكن وقع فيه: ((عبد الله بن عمر))، وهو العُمَري -الُكَبّر-، وهو
ضعيفٌ، وكذلك وقع في مكان آخر - منه - (١ /٨٠٤/٢٠٨) - مختصراً -.
ولعلّ ما في ((المسند)) أصحُّ؛ لتداول العلماء له، واشتهاره بينهم،
وخدمتهم إياه أكثر من (المصنّف))، ويُرَجِّحُ ذلك أن البيهقي أخرجه في ((السنن
الكبرى)) (٢٨٠/١) من طريقين آخرين عن عبيد الله بن عُمر، عن نافع، عن
ابن عمر، أنه كان لا يُوَقّت في المسح على الخُفَّين وقتاً، ثم قال: «وقد رُوِّينا عن
عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس التوقيتَ، وقولُهم يوافق السنة التي
هي أكثر وأشهر)).
وخلاصةُ التحقيق في تخريج الهيثمي لحديث ابن عُمر في المسح على
الخفین: أنه وقع له فيه اضطرابٌ من وجوه:
الأول: أنه عزاه لِـ ((المسند))، و((أبي يعلى))، و((كبير الطبراني))، وإنما هو
عندهم من رواية ابنِ عُمَر، عن أبيه؛ دون التوقيت، إلا رواية لأبي يعلى، وهي
مُنْكَرَةٌ؛ لمخالفتها لما صحَّ عن ابن عمر من ذكر التوقيت، وعزاه للبزّار، وهو

٦٨
-
-الذّبُّ الأحمد
عنده مختصرٌ دون التوقيت.
الثاني: أن اللفظَ الذي ذكره في ((المجمع)) إنما هو لفظُ الطبراني في
(الأوسط)) -فقط-، عن ابن عمر، فكان عليه أن يُمَيِّزَ ذلك مِن رواياتهم، ولو
بأن يقول: واللفظُ له، ثم يذكر التفصيلَ في ذلك - إن شاء -.
الثالث - والأخير -: عزوه للقَطِيعي في زياداته على ((المسند))؛ فإنه وَهَمٌ
مَحْضٌ - لِمَا سبق-، ولعلّه من بعض النساخ.
ثم إن في تخريج الهيثمي السابق فائدةً لا بُدّ بهذه المناسبة من بيانها، وهي
أنه أشار إلى أن في رجال إسناد ((الأوسط)) مَنْ ليس بثقةٍ، وهو كذلك؛ فقد
أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٢/٨/١ - ((مجمع البحرين))) من طريق حُمَيد
ابن عبد الرحمن الرُّؤاسِي، عن الحسن القَصَّاب، عن نافع، عن ابن عُمَرَ، به،
وقال الطبراني: ((لم يروه عن نافعٍ إلا الحسنُ)».
قلت: وهو ابن عبد اللّه، وهو غيرُ مشهور، ولا معروفٍ؛ فإن ابن أبي
حاتم لَمَّا أورده في ((الجرح والتعديل)) (٢٢/٢/١) لم يذكُر فيه شيئاً سوى
روايتهِ لهذا الحديثِ! وأمّا ابن حبان؛ فذكره في ((الثقات)) !
وأنا أرى أنه ممن لا يستحقُّ التوثيق؛ لأمرين :
الأول: أنه لم يُوَثّقْهُ غير ابن حبان، وهو مما لا يُعْتَدُّ به عند الأئمّة النَّقَّاد؛
كالحافظ الذهبي، وابن عبد الهادي، والعسقلاني - وغيرهم-، كما هو مبسوطٌ
في غير ما موضع.
والآخر: أنه مع قلّة حديثه التي يُنبئك عنها عدمُ شهرتهِ؛ فروايتُهُ لهذا
الحديث عن نافع، عن ابن عمر: مما يجرحُهُ ويُسقط حديثه؛ لمخالفتهِ لرواية

٦٩
-
عن ((مسند الإمام أحمد))
الثقات عن نافع، عن ابن عُمر: أنه كان لا يرى التوقيتَ، وهذا (١) يروي عن
نافع، عنه: أنه رواه عن النبي ◌ََّ! فكيف يصحُّ هذا عنه، وهو يخالفُه؟! حاشاه
من ذلك، وإنما وَهِمَ عليه في ذلك هذا الراوي المجهولُ(٢)، ولم يُترجم له الحافظُ
ابن حَجَر في ((تعجيل المنفعة))، وفي ذلك إشارة إلى أنه ليس من رجال ((المسند))،
وأن حديثَه هذا ليس فيه، وإلا لترجم له - والله أعلم -.
وجملةُ القول في هذا الفصل الخامس - والأخير -: أنّني لم أجد في ((مسند
الإمام أحمد)) - رحمه الله- ولا حديثاً واحداً من زيادات القَطِيعي فيه، وذلك
بعد البحث الطويل، والصبر المديد، فإنْ كان صواباً -وذلك ما أرجو-؛
فالفضلُ الله -عزّ وجلّ -، وإنْ كان غيرَ ذلك؛ فهو -على كل حال - دليلٌ
قاطعٌ على كذبِ من قال: إن القَطِيعِيَّ أدخل في ((المسند)) أحاديث موضوعةً
حتى صار ضِعْفَيْه(٣) !
ذلك لأن الدارسَ لهذا ((المسند)) يجدُ فيه ما قرّره العلماء أن أحاديث
الإمام أحمد - فيه - أكثرُ بكثير من زيادات ابنه عليه، وهذا على وجه اليقين،
وقدّر بعضُهم زياداتِ عبد الله بنحو رُبُع ((المسند))؛ فلو فرضنا أن فيه زياداتٍ
للقَطِيعي لم تقع عيني عليها؛ فهي قليلةٌ جدًّا، لا تكادُ تُذكر بجانب زيادات
عبد الله، فكيف صار الكتابُ بمثل هذه الزياداتِ المزعومة ضِعْفَيْه ؟ !!
(١) أعني: الحَسَن القصّاب.
(٢) ولم يتنبّه لهذا التحقيقِ المعلّقُ على ((مجمع البحرين)) (١/ ٣٦٩)!
(٣) ثم طُبع ((أطراف المسند)) - للحافظ ابن حَجَر -؛ فرأيتُ في مقدمتِه (١٦٩/١) كلامَ
ابن حَجَرٍ في ذكر طريقتهِ في ترتيب أحاديث ((المسند))، ثم قال: ((مع زيادات ابنهِ عليه))، فلم يذكر
القَطِيعِيَّ، ولا زياداتِهِ !! - كما تقدّمت الإشارةُ إلى ذلك -.

٧٠
ــ الذَّبُّ الأحمد
وأيضاً؛ فقد اختلف العلماءُ في وجودِ أحاديث موضوعةٍ في ((المسند))؛
كما بَسَطَ ذلك الحافظُ ابن حَجَر في كتابهِ القَيِّم ((القول المسدّد في الذب عن
المسند للإمام أحمد»، وحكى فيه (ص ٤) عن شيخه الحافظ العراقي: ((أن فيه
أحاديث ضعيفةً كثيرةً، وأن فيه أحاديثَ يسيرةً موضوعةً)).
ثم ساقها الحافظُ، وهي تسعةُ أحاديث، وتكلّم عليها، ثم استدرك على
شيخه العراقي أربعة عشر حديثاً، وتكلّم عليها حديثاً حديثاً، وختم الكلام
عليها بقوله (ص ٤٨):
((والذي أقولُ: إنه لا يتأتى الحكمُ على شيء منها بالوضع؛ لِمَا بَيَّنته من
الأجوبةِ عَقِبَ كُلِّ حديث)).
ثم جاء من بعدهِ الْمُحَدِّثُ العلامةُ محمد صِبْغَة الله المِدراسي، فوضع عليه
ذيلاً استدرك فيه على الحافظ اثنين وعشرين حديثاً مما قيل بوضعهِ، ومجموعُها
كلُّها لا يبلغ خمسين حديثاً.
وإنّ مما يَحْسُنُ استرعاءُ نظر القارىء إليه: هو أنه لا يُوجد في هذه
الأحاديث - ولا حديثٌ واحدٌ - من زيادات القَطِيعي! فكيف صار ((المسند))
بزياداته الموضوعة ضعفيه؟! وهؤلاء العلماءُ المتخصِّصون في دراسة أحاديث
(المسند)) لا يذكرون له ولا حديثاً واحداً! مع أنّهم ذكروا لعبد الله أربعةً
أحاديثَ من زياداته، فقاتل الله الكَذَّابين؛ ما أقلَّ حياءَهم!
فإن قيل: قد ذكر الحافظُ العسقلاني عن الحافظ العراقي أنه قال عَقِبَ
الجملة التي نقلناها عنه آنفاً: ((فَبَلَغني بعد ذلك أن بعض من ينتمي إلى مذهب
الإمام أحمد أنكر هذا إنكاراً شديداً مِن أن فيه شيئاً موضوعاً! وعاب قائلَ هذا،

٧١
عن ((مسند الإمام أحمد)) -
ونقل عن الشيخ تقي الدين ابن تيميَّة أن الذي وقع فيه مِن هذا: هو من
زيادات القَطِيعي، لا من رواية الإمام أحمد، ولا من رواية ابنه عبد الله عنه!
فحرّضني قولُ هذا القائل على أن جمعتُ في هذه الأوراق ما وقع في ((المسند))
من رواية الإمام أحمد، ومن رواية ابنه عبد الله - مما قال فيه بعضُ أئمّة هذا
الشأن: إنه موضوع-، وبعض هذه الأحاديث ممّا لم يُوافَق مَن ادّعى وضعَها
على ذلك، فَأُبَيِّنُهُ)).
قلتُ: ففي هذا النقل عن شيخ الإسلام ابن تيميَّة أن تلك الأحاديثَ من
زيادات القَطِيعي في («المسند»، فكيف تنفي وجودَها ؟
والجوابُ: أن الحافظ العراقي - رحمه الله - قد أشار إلى وَهَم هذا النقل،
وصرّح بأن تلك الأحاديثَ إنما هي من رواية الإمام أحمد في ((المسند))، وزوائد
ابنه عبد الله، وأنه ليس للقَطِيعي فيها صِلَةٌ مطلقاً، فالحقُّ - والحقَّ أقولُ -: لو
لم يكن في الردِّ على ذاك الرجل، وبيان افترائه إلا هذا النصُّ من الحافظ
العراقي؛ لكفى، فكيف وقد تَبَعَهُ الحافظ العسقلاني، وكلُّ مَن جاء مِن بعده؟!
ومن الظاهر -عندي - أنّ ما نقله مَن أشار إليه العراقي - عن ابن تيميَّة-
قد التبس عليه كتابُ ((المسند)) بكتابٍ آخرَ للإِمام أحمدَ وقعت فيه زياداتُ
القَطِيعي، وفيها بعضُ الموضوعات؛ احتجَّ بها بعضُ الشيعة في فضل علي -
رضي الله عنه-، وعزاها لأحمد! منها حديث ذكره ابن تيميَّة في ((منهاج السنة))
نقلاً عن الشيعي، ثم قال في الردِّ عليه (٦/٣-٧): ((والجوابُ: أن هذا الحديثَ
كذبٌ، موضوعٌ باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ليس هو في ((مسند الإمام أحمد))،
وأحمد قد صنّف كتاباً في ((فضائل الصحابة))، ذكر فيه فَضْلَ أبي بكرٍ، وعمرَ،
وعثمانَ، وعليّ، وجماعةٍ من الصحابة، وذكر فيه ما رُوي في ذلك من صحيح

٧٢
-الذَّبُّ الأحمد
وضعيف؛ للتعريف بذلك، وليس كلُّ ما رواه يكون صحيحاً.
ثم إن في هذا الكتاب - ((الفضائل)) - زياداتٍ من روايةِ ابنه عبد اللّه،
وزياداتٍ من رواية القَطِيعي عن شيوخه، وهذه - الزياداتُ التي رواها
القَطِيعِيُّ غالبُها كَذِبٌ - كما سيأتي ذكر بعضها -إن شاء الله - تعالى-، وشيوخ
القَطِيعِي يروون عمّن في طبقة أحمدَ، وهؤلاء الرافضةُ جُهّالٌ، إذا رَأَوْا فِيه
حديثاً ظنُّوا أن القائل لذلك أحمدُ بن حنبل، ويكونُ القائلُ لذلك القَطِيعي،
وذاك الرجلُ من شيوخ القُطِيعِي الذين يَرْؤُون عَمَّن في طبقة أحمدَ.
وكذلك في («المسند» زياداتٌ زادها ابنُهُ عبدُ اللَّه، لا سيَّما في مسند علي
ابن أبي طالبٍ - رضي الله عنه-؛ فإنه زاد زياداتٍ كثيرةً)).
هذا كلُّه من كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله - تعالى - في
((المِنْهَاج))، وتَبَعَهُ عليه الحافظُ الذهبي في ((المنتقى)) (ص ٣٠٧ -٣٠٨)،
ثم أعاده شيخ الإسلام بنحوهِ في مكان آخَرَ (٢٧/٤)، وتكلّم فيه
على بعض الأحاديث التي أشار إليها آنفاً، وبيَّن كذبَها وبطلانها
(ص ٦١، ٦٣، ٧٥، ١٠٦).
قلتُ: فأنت ترى أنّ شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله- قد فرّق بين
كتابي أحمد: ((الفضائل))، و((المسند)) من حيث وجودُ زياداتٍ للقَطِيعي فيهما،
فأثبتها في الأول دون ((المسند))، وهو مُطابقٌ لما جاء في كتاب الحافظ الذهبي
(سير أعلام النبلاء)) في ترجمة الإمام أحمدَ منه، فذكر فيها «مسندَه)»، وأنّ لابنه
فيه زياداتٍ، ولم يذكر زياداتِ القَطِيعي المزعومةَ، لا هنا، ولا في ترجمة القَطِيعي
-رحمه الله-، ولو أنه كان فيه شيءٌ منها؛ لذكر ذلك؛ فإنّهما مِن أعرفِ الناس
به، وأكثرهم استحضاراً لتونه، وهو الذي يتآيّد بهذه الدراسة الخاصة بهذا

٧٣
عن ((مسند الإمام أحمد)).
الموضوع.
فإن قيل: هذا يُنافي ما نقلته في أول هذه الرسالةِ عن بعض العلماء أن في
((المسند)) زياداتٍ للقَطِيعي قليلةً، فما هو الجوابُ؟!
أقولُ: مِن المحتمل أن يكونَ ذلك صَدَرَ من بعضِهم بناءً على نظرة سريعة
في أطرافِ بعض الأسانيد دون دراسةٍ علميةٍ خاصّةٍ بها، فلّما لم يجد فيها ذكراً
لأحمد، ولا لابنهِ عبد اللَّه؛ توهّم أنها للقَطِيعِيّ! كما وقع ذلك للشيخ البنا -
رحمه الله -على ما سبق تفصيلُه-، ثم تتابعوا على ذلك يقلّد بعضهم بعضاً!
ويؤيّد ذلك: أن الحافظ ابنَ الجَزَري ذكر في مقدمة ((المصعد الأحمد)) أنها
في مسند الأنصار، وليس في هذا المسند إلا تلك الأحاديثُ التي توهّمها البنّا
أنها من زياداتِ القَطِيعي، وهي في الحقيقة من زيادات عبد الله بن أحمد
-كما سلف بيانُه -.
ومن هذا القبيل: ما وقع لشيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله- في ردِّه
على الشيعي؛ فإنه نقل عنه (١٠٦/٤) قوله: ((روى أحمد بن حنبل في
(مسنده))، أن رسول الله وَّلل أخذ بيد حَسَن وحُسين، فقال: ((مَن أحبّني،
وأحب هذين، وأباهما، وأمّهما؛ فهو معي في درجتي يوم القيامة)).
فقال الشيخ - رحمه الله- تعالى- بعد أن ردَّ عليه بنحو ما نقلته عنه
- آنفاً - :
«هذا الحديث من زيادات القَطِيعي، رواه عن نَصْر بن علي الجَهْضَمِيِّ،
عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر)).
قلت: وهذا من أوهامهِ - رحمه اللَّه-؛ فإن هذا الحديثَ من زيادات
عبد الله بن أحمدَ في الكتابين -((المسند)) (٧٧/١)، و((الفضائل))

٧٤
الذَّبُّ الأحمد عن ((مسند الإمام أحمد)).
-
(١١٨٥/٦٩٣/٢)-، وليس من زيادات القَطِيعي، فقد صرّح بذلك فيهما
قائلاً: حدّثنا عبد الله، قال: حدّثني نصر بن علي الجَهْضَمي ... ))، وهكذا رواه
الضِّيَاء المقدسي في ((المختارة)) رقم (٣٩٢ - بتحقيقي) عن القُطِيعي.
فالعَجَبُ من الشيخ أن يقعَ منه مثلُ هذا الوهم؛ فإنّه من أحفظ الناس
لِـ ((المسند))، وأقواهم استحضاراً لأحاديثه، ومعرفةِ رجاله؛ فإن الجهضميَّ
-هذا- مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها؛ أي: قبل ولادة القَطِيعي بنحو ربع
قرن من الزمان!
وأعجبُ منه: أن يُتابعه على هذا الوَهَم الحافظ الذهبي في ((مختصر منهاج
السنة)) (ص ٤٧٦)! فسبحان من تفرّد بالكمال.
ثم إن الحديثَ المذكورَ لا يصحُّ؛ بل هو منكر سنداً ومتناً - كما بيّنته في
((الضعيفة)) (٣١٢٢)، ثم في التعليق على ((المختارة)) -.
... وهذا آخِرُ ما تيسرّ تحقيقُه حول مقال المدعو بـ ((عبد القُدُّوس
الهاشمي))، وبيان ما فيه من الضلال والبَهت؛ كَتَبْتُهُ تقرُّباً إلى الله - سبحانه-،
ودفاعاً عن سنة رسوله وَّةٍ، وذبًّا عن مصدر عظيم من مصادرها، سائلاً المولى
أن يتقبَّل ذلك مني، ويدّخر أجره لي، إنه سميع مجيب.
و کتب
محمد ناصر الدين الألباني
بُيِّضَ في دمشق(١)، بتاريخ: ٢٥ شعبان ١٣٩٩
(١) وقد راجعْتُهُ مراراً، وَنظرتُهُ تكراراً، وزدتُ عليه - في مواضعَ عدّةٍ- تعليقاتٍ،
وإضافاتٍ، ومسائلَ - على فَتَراتٍ -.

٧٥
تَذْبیلٌ واستدراك
- تَذْييلٌ واستدراك -
وبعد انتهائي من تأليف هذه الرسالةِ - بأكثرَ من عشرين سنةً - صدرت
كتبٌ علميةٌ حديثّةٌ كثيرةٌ - والحمدُ للَّه- لم تكن مطبوعةً من قبل، وقد تَأَكَّدْتُ
-من بعضها- صِحّةَ ما انتهيتُ إليه فيها من سلامةِ ((المسند)) -المطبوع- من
الأحاديث الموضوعة من رواية القَطِيعي؛ التي زعمها ذاك الهاشمي الكذاب!
وإنَّ من تلك الكتب: ((جامع المسانيد والسُّنن)) للحافظ ابن كثير، بتعليق
الدكتور القلعجي! و((إتحاف المهَرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة))
للحافظ ابن حَجَر، تحقيق الدكتور زهير بن ناصر الناصر -وغيره-، و «أطراف
مسند الإمام أحمد)) للحافظ ابن حَجَر -أيضاً-، تحقيق الدكتور زهير -أيضاً -.
وقد وجدتُ فيها بعضَ الأحاديث المعزوّة لِـ ((مسند الإمام أحمد))، مما
كان قد أعياني أمرُها، ولم أَجدها فيه بعد مزيدِ البحث عنها، فأُلقي في النفس
أنها غيرُ موجودةٍ في المطبوع منه، وقد نبّهت في بعض تخريجاتي على شيء
منها؛ كحديث (حبيبة بنت شُرَيق) في أمر ◌ََّ بالإفطار في أيام مِنى، وهو مخرّج
في ((الأحاديث الصحيحة)) (٣٥٧٣)، وهو تمّا نّه الدكتور زُهير في تعليقه على
((الأطراف)) أنه لم يجده في ((المسند))، (فوافق شنٌّ طَبَقَة)!

٧٦
تَذْییلٌ واستدراك
وأهمُّ من هذا كله: أنّ هذا الدكتورَ الفاضلَ قال في مقدمته
(٦١/١ __ ٦٢):
((وقد وقفتُ في ((أطراف المسند)) على أربعة أحاديث من زيادات
القَطِيعي، أنقلها هنا ... )).
ثم ساقها، وهي أربعة: من حديث أنس، وأبي بَرْزَة الأَسْلَمي، وأبي
مسعود الأنْصاريّ، وعائشةَ، وقد صدّرها كلَّها بقولهِ: ((لم أجده)).
إلا الثالثَ منها، وهو عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ بلفظِ: ((إنّ مَّا أدرك
الناسَ من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح؛ فاصنع ما شئت)).
ثم خرّجه الدكتورُ من مجلّدين من «المسند» (١٢١/٤، ٢٧٣/٥،١٢٢) في
الموضعين الأولين عن شُعبة والثوري، كلاهما عن منصور، عن ربْعِيّ بن
حِرَاش، عن أبي مسعودٍ الأنصاري، وفي الموضع الثالث، قال القَطِيعي: ثنا
الفضل بن الحُبَّاب: ثنا القَعْنَبِي: ثنا شُعبة ... به.
فأقولُ: روايةُ القَطِيعي هذه وقعَتْ في الصفحة المشار إليها عَقِبَ رواية
الثوري بلفظ: ((قال ابنُ مالكٍ: ثنا الفضل بن حُباب ... )» إلخ، وبلفظ الثوري
-حرفاً بحرف -.
وقد كنت خرّجتُ الحديثَ في ((الصحيحة)) (٦٨٤) من رواية البخاري،
وجمع آخَرَ من الحفاظ؛ منهم الإمام أحمدُ في الموضعين المشار إليهما؛ وَلِيَظْهَرَ
العجزُ البشريُّ؛ لم أُوَفَّق للرجوع إلى الموضع الثالث، وصَدَقَ اللَّهُ: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ
مِنَ العِلْم إِلاَّ قَلِيلاً﴾، وجزى الله خيراً الدكتور زهيراً الذي أَوْقَفنا على هذه
الفائدة.

٧٧
تَذْبِيلٌ واستدراك
وللقَطِيعي في كتاب الإمام أحمد ((فضائل الصحابة)) أكثرُ من روايةٍ عن
الفضل بن حُباب - هذا-، ولكنها متميزة عن أحاديث أحمد، وابنه عبد اللَّه،
فانظر - إن شئت - (١ / ٤١٨، ٢ / ٦٤٥،٦٤٣،٦٤١، ... ).
لكنّ الفائدة الكبرى من الكتابين المذكورين آنفاً - ((جامع المسانيد))،
و((أطراف المسند)) -: أنني رأيت فيهما ما يُوافق ما كنت ذكرتُه في كتابي هذا
- ((الذب الأحمد))- مِن أنّ الأحاديث المتقدمة (١- ١٣) كلّها لعبد الله ابن
الإمام أحمد على اختلافٍ يسير بينهما - كما ستأتي الإشارة إلى ذلك - إن شاء
م
الله-، وقد أشرتُ إلى مواطنها من (الجامع))، و((الأطراف)) بذكر الجزء،
والصفحة، والرقم، لكنّ الحافظ ابن حَجَر زاد عليها حديثاً آخر
(٨٣١/٤٧٥/١) من رواية عبد الله: ثنا محمد بن بَشّار ... فذكر إسناده عن
قتادة، عن أنس بحديث: ((يا أبا عمير! ما فعل النُّغَير؟)).
وهو في ((المسند)) (٢٧٨/٣) هكذا: حدثنا عبد الله: حدثنا أبي: ثنا محمد
ابن بَشّار ... فساق إسناده ومتنه (١).
فذكر بين عبد الله وبين محمد بن بَشّار قولَه: ((حدثنا أبي)).
وأنا أرى أن هذه الزيادةَ خطأً من الناسخ، أو الطابع؛ لأن محمد بن بشار
إنما ذكروه في شُيُوخ عبد الله ابن الإمام أحمد، ولم يذكروه في شيوخ أبيه؛ كما
(١) ونحوه فيما زاده الدكتور القَلْعَجي على ((جامع المسانيد)) للحافظ ابن كثير
(١٥٢/٢٣)، لكنْ لم يقع فيه: ((حدثنا عبد اللَّه: حدثنا أبي))! فصار ظاهر الإسناد أنه من رواية
الإمام أحمد! وهو خطأ - كما يأتي قريباً -.
وله في مثل هذا المجال أخطاء كثيرة ، لعلّه يأتي التنبيهُ عليها - أو بعضها -.

٧٨
تَذْبيل واستدراك
بيَّنه الدكتور زهير بن ناصر في تعليقه على ((أطراف المسند))، فقال (١ /٤٧٥)
-وقد وقع فيه على الصواب -: ((هكذا وقع هذا السند في المطبوع من رواية
الإمام أحمد! ولعلّ الصواب: أنه من زيادات عبد الله على ((المسند)) كما ذكره
الحافظ، ومحمد بن بشّار من مشايخ عبد الله بن أحمد، كما هو مذكورٌ في
((تاريخ بغداد)) (١٠١/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٤٥/٢)، و((تهذيب
التهذيب)) (٧١/٩))).
قلت: وهذا يرجّح ما في ((أطراف المسند)) على ما في ((المسند)) -كما
تقدم-، وعلى الصواب وقع - أيضاً - في كتاب الحافظ -الآخَر - («إتحاف المهرة
بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة)) (٢٦٧/٢)، ويؤيّده أن عبد الله بن أحمد
روى عن محمد بن بَشّار في ((فضائل الصحابة)» (٢٠٠/١).
ثم زاد الحافظ حديثاً آخر، فقال (١ /٤٩٦): قال عبد الله: حدثني أبو
بكر بن أبي شيبة ... وساق إسناده إلى قتادة، عن أنس بحديث: ((ما من أحد
يدخلُ الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا ... )).
قلتُ: الإسناد في ((المسند)) (٢٧٨/٣) هكذا -كما ذكره الحافظ -، لكن
بزيادة (أبي)، فدار الأمرُ بين أن يكون الحديثُ من زيادات عبد اللَّه، أو من
رواية أبيه الإمام أحمد؛ لأن كلاً منهما سمع من ابن أبي شَيْبَةَ؛ ولذا قال
الدكتور زهيرٌ في تعليقه عليه: ((هكذا وقع هذا السند في المطبوع من طريق
الإمام أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة يروي عنه الإمام أحمد، وابنه عبد اللَّه،
فالأمر مُحْتَمَلٌ -والله أعلم-)).
قلتُ: ووقع في إسناده في ((المسند)) (أبو خالد الأحول)! والصواب:
(أبو خالد الأحمر)؛ كما في ((مصنف ابن أبي شَيْبَة)) (٢٨٩/٥)، وعند مُسلم

٧٩
تَذْبِيلٌ واستدراك
(٦/ ٣٥)، وكتبِ الرجال، ووقع في تعليق الدكتور زهير ما يُشعر بأن
الصوابَ: (أبو خالد الأحول)، ولعلّه خطأً قلميٌّ، أو مطبعيٌّ - والله أعلم -.
والخلاصة: أن في هذا التذييل فائدةً كبرى تؤيد ما سبق تحقيقُه من أنه لا
يوجد في ((مسند الإمام أحمد)) غيرُ حديثٍ واحد من زيادات القَطِيعي، وأنه لم
يتفرّد به - كما سبق-، وأن مَن عزا إليه سواه من الزيادات المزعومة؛ فهو وَهَمٌ
محضٌ، أو شُبِّه له بكتاب غير ((المسند))؛ مثل: ((فضائل الصحابة)) - كما تقدم
نقلهُ عن شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله -.
هذا، ولعلّه من المفيد أن أذكر أن الأحاديثَ المتقدّمةَ من زيادات عبد الله
ابن الإمام أحمد، عن أبيه - كلَّها- صحيحةٌ، وبعضها في ((الصحيحين)) من
طرق أخرى.
وقد خفي حال هذه الزيادات على الدكتور عبد المعطي أمين القلعجي
فيما زاده من أحاديثَ على ((جامع المسانيد))، فكان يوردُها، ويعلّق على كل
حديث منها بأنه رواه أحمد! ثمّ يذكر الجزء والصفحة !! والظاهرُ أنه اغترّ
بالشيخ البنّا -رحمه الله-،وأوهامِه في شرحه عليها - كما تقدّم بيانه
مُفصّلاً-؛ فإنه قد تبيَّن لي أنه لا معرفة له بهذا العلم، وإنما هو جَمَّاعٌ نَقّالٌ
-وبالله التوفيق -.
والخُلاَصةُ: أن ((المسند)) المطبوع، والذي طَعَنَ فيه ذاك الهاشميُّ الكذابُ
ليس فيه من الزيادات التي زعمها شيءٌ البتّةَ، اللهم إلا حديث أبي مسعود
الأنصاريِّ - الواحد-، وقد رواه الإمام أحمد، والبُخاري بإسنادٍ أصحّ، فروايةٌ
القَطِيعي إياه إنْ لم تَزِدْهُ قوةً؛ فلن تضرَّه -كما لا يخفى على أهل العلمٍ -،
وكذلك يقال في الأحاديث الثلاثة الأُخرى التي وَقَعَتْ في بعض النسخ القديمةِ

٨٠
تَذْبِيلٌ واستدراك
عند الحافظ ابن حَجَر، فَلْيَحْسَأْ أعداءُ السنة مَن كانوا، وحيثما كانوا!
وبهذه المناسبة أقولُ:
لقد تبيَّن لي بدلالة الكتاب القيِّم: ((تحريف النصوص))؛ لفضيلة الشيخ
بكر أبو زيد (ص ١٥٢ / الطبعة الأولى): أن هناك بعضَ الحنفية - الآخرين-
مع الهاشمي في إفكه وافترائه؛ منهم: الشيخ أبو الحَسَنات اللكنوي - في رأي
الشيخ أبي زيد-، وذلك لأن اللكنويَّ ذكر في كتابه ((الأجوبة الفاضلة)»
(ص ٩٨ - ٩٩) في صدد كلامه عن ((مسند أحمد)) ومراتب أحاديثه:
((وأما في كُتُب الفضائل؛ فروى ما سمعه من شيوخه سواءٌ كان صحيحاً
أو ضعيفاً؛ فإنه لم يقصد أن لا يرويَ في ذلك إلا ما ثبت عنده، ثم زاد ابنه
عبد الله على ((مسند أحمد)) زياداتٍ، وزاد أبو بكر القَطِيعي زياداتٍ أحاديثَ
كثيرة موضوعة، فظنَّ ذلك الجُهَّالُ أنه من رواية أحمد، وأنه رواها في ((المسند))،
وهذا خطأ قبيح)) (١).
وأنا أرى أن الأَوْلى اتهام ناسخ كتاب ((الأجوبة)) بدسُّ هذه الجملة
(على ((مسند أحمد))) في كلام أبي الحسنات؛ فإنه يبدو أنه من جهلة الأحناف
ومتعصّبيهم، كما يُدَانُ به مُحَقّقُهُ (!) أبو غدة - أيضاً - اختلافاً -أو إقراراً
- على الأقل -! أما الناسخ الجاهل؛ فإنه نقل كلام اللكنوي مغايراً لِمَا في
كتاب ابن تيميَّة ((منهاج السنة)) في غير ما حرف واحد، من ذلك قوله في
النقل: ((في كتب الفضائل))، والصواب: ((كتاب))، فليس للإمام أحمد كتبٌ في
الفضائل، وإنما له كتاب ((فضائل الصحابة))، وقد ذكره هكذا أبو غدة نفسه في
(١) انظر نص كلام ابن تيميَّة - فيما تقدم (ص ٧٠-٧١) -.