النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
عن ((مسند الإمام أحمد)).
١٦ - ((ثلاثيات المسند)) - وفيها زياداتُ الحافظ ضياء الدين المقدسي-
الإسماعيل بن عمر بن بكر المقدسي الحنبلي(١).
١٧ - ((حديث عبد الله بن يزيد المقرىء مما وافق روايةَ الإمام أحمد))؛
للضياء المقدسي(٢).
١٨ - ((القول المسدَّد في الذب عن مسند أحمد)) للحافظ العسقلاني.
١٩ - ((ذيل القول المسدّد))، للقاضي محمد صِبْغَة الله المِدْرَاسي
(ت ١٢٨١) .
٢٠ - ((شرح وتخريج المسند))؛ للمحقّق العلامة أحمد شاكر - رحمه الله
-تعالى-، وهو أشهر من أن يذكر.
٢١ - ((الفتح الربّاني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني))، للشيخ أحمد
عبد الرحمن البنا الساعاتي والد حسن البنا - رحمهما الله - تعالى-، وهو في
أربعة وعشرين جزءاً، مرتبة على الأبواب الفقهية، وهو مطبوعٌ.
... إلى غير ذلك من المؤلّفات الكثيرة التي لا يُمكن حصرها، وكلّها
اجتمعت حول خدمة ((مسند الإمام أحمد)) من أولئك العلماء الأعلام، في
جانبٍ - أو أكثر - من الجوانب العلمية، وذلك دليلٌ قاطعٌ منهم على ثبوت
نسبة ((المسند)) إليه، وأنه من مؤلفاته، كما لا يخفى على كل ﴿مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ
(٢) من مخطوطات الظاهرية.
(١) طبعت مع شرحها للعلامة محمد بن أحمد السَّفَّاريني الحنبلي في مجلّدين كبيرين.
(٢) مخطوط.
ثم طُبع قريباً.

٢٢
- الذَّبُّ الأحمد
أَوْ أَلْفَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾.
فسقطت بذلك الدعوى الأولى من دعاوي ذلك الهاشميِّ الباطلة.
ولنتوجّه الآن إلى نقض دعواه الثانية، وهي قوله: إن عبد الله بن أحمد
زاد فيه مروياته !
ثانياً: ردّ زعمه الثاني في زيادات عبد الله بن أحمد في ((المسند)):
فأقول: إن ظاهر قوله: ((وبعدما توفي الإمام أحمد زاد ابنه عبد الله في هذه
(المذكرة) -يعني: ((المسند)) !- مروياته)).
فظاهرُ هذا أن زياداتِ عبد الله المشار إليها في ((المسند)) قد اختلطت
أحاديثُها بأحاديث أبيه فيه! حتى لم يَعُدْ بالإمكان تمييزُ هذه من تلك !!
فهذا باطلٌ يشهد به كل من طالع ((المسند)) بعناية ومعرفة، وإليك البيان :
من المعلوم أن ((مسند أحمد)) - رحمه الله- يرويه عنه ابنُه عبد الله، ويرويه
عن عبد الله أبو بكر القَطِيعي - رحمه الله-، فما كان من أحاديث أحمدَ فيه؛ فلا
بُدّ من أن يذكر فيها اسمه، وهي - عادة - تكون مُصَدَّرَةً بقول القَطِيعي:
((حدثنا عبد الله: حدثنا أبي ... ))، وهذا النوعُ هو الغالب على ((المسند))، وما
كان من زيادات عبد الله؛ يقول القَطِيعي فيها: ((حدثنا عبد الله: حدثنا فلان
ابن فلان ... )) يُسَمِّي شيخَه الذي هو غيرُ أبيه، فانظر -مثلاً - أول حديث من
زيادات عبد الله في ((المسند)) كيف يتميّز بكل وضوح ويُسر عن حديث أبيه
- قبلَه-؛ فقد جاء فيه (١ / ٦٠- الطبعة الأولى، ورقم ٤٢٤،٤٢٣ - طبعة شاكر)
ما نصه :

٢٣
عن ((مسند الإمام أحمد)).
٤٢٣ - حدثنا عبد الله: حدثني أبي، قال: حدثنا عُبيد الله بن عمر ...
٤٢٤ - حدثنا عبد الله: ثنا محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّمي: حدثنا
أبو مَعْشر ...
من أجل ذلك قال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله من ((سير أعلام
النبلاء)) (١٢٣/٩): ((وله زيادات كثيرة في ((مسند)) والده -واضحة-، عن
عوالي شيوخه)).
قلت: وليس هذا بالأمر الذي تفرّد به عبد الله بن أحمد -رحمهما الله
-تعالى-؛ بل هو أسلوبٌ معروفٌ عند علماء الحديث، وفقهائه، يروي أحدُهم
الكتاب عن مؤلفه، ثم لا يرى أيَّ حرج بأنْ يزيد فيه زياداتٍ من عنده، ولكن
بعبارةٍ صريحة يعزوها إلى نفسه، لا إيهامَ فيها أنها للمؤلّف، ويحضرني الآن
مثلان في ذلك :
الأول: كتاب ((الزهد)) للإمام عبد الله بن المبارك، وهو من رواية يحيى
ابن محمد بن صاعد، عن الحُسين بن الحسن المَرْوَزي عنه؛ فإنه فيه زيادات
كثيرة لكل من الراويين المذكورين، يرويها كلٌّ منهما عن غير شيخه؛ فابنُ
صاعد، عن غير المروزي، وهذا عن غير ابن المبارك، فالعلامةُ الواضحةُ في
زياداتهما أن لا يُذكر ابن المبارك في أسانيدها، ولا بأس من أن أذكر هنا مثالاً
واحداً لكل منهما :
قال يحيى بن محمد بن صاعد - ضمن (زوائده) على ((الزهد)) (٢٥/٨) -:
حدثنا أبو عُمر الإمام عبد الحميد بن محمد بـ (حَرَّان)، قال: حدثنا مَخْلَد بن
يزيد الحَرَّاني، قال: حدثنا سُفيان الثوري، عن زُبيد، عن مُرّة، عن عبد اللّه،

٢٤
الذَّبُّ الأحمد
صلى الله
...
قال: قال النبي
وَستا
وقال يحيى (٩٧٠/٣٤٥): حدثنا الحُسَين قال: أخبرنا محمدُ بن
أبي عَدِيٌّ، قال: حَدَّثنا حُميد الطَّويل، عن أَنَس بن مالكٍ ...
والآخر: كتاب ((الأم)) للإمام الشافعي -رحمه الله-، وهو من رواية
الربيع بن سُليمان المراديّ - مولاهم - أبي محمد المِصري المؤذن، عن الإمام،
فنراه في كثير من الأحيان يذكر فيه كلاماً لنفسه مميزاً له عن كلام الشافعي.
فيقول فيه (١ / ٩٧) في مسألة فقهية: ((قال الربيع: وفيه قول آخر ... )).
وقال (١/ ١٠١) في حديث: ((قال الربيع: وحدثناه يحيى بن حسان ... )).
وقال في تفسير جملةٍ للإمام الشافعيِّ (١٧١/١): ((يريد: يُعيد الظهر)) ...
... إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي فيه كثيرة جدًّا، حتى توهّم من أجلها
بعضُ من لا علم عنده بفن الحديث وروايته - من كتّاب العصر الحاضر - أن
((الأم)) ليس للإمام الشافعيِّ !! كما أشار إلى ذلك المحقّق العلامة الشيخ أحمد
شاكر - رحمه الله- في مقدمة ((مسند الإمام أحمد)) (١٣/١)، ولا بأس من نقل
كلامه؛ لأنه لا يخلو من فائدةٍ لها صلةَ وُثقى بما نحن بصددهِ في هذه العُجالة :
قال - رحمه الله تعالى - :
((وجميع نسخ ((المسند)) فيها إسنادُ أبي بكر القَطِيعي إلى أحمد، يقول في
أول كل حديث: ((حدثنا عبد الله: حدثنا أبي))، وهذا على طريقة المتقدمين،
يذكر الراوي إسناده إلى مؤلّف الكتاب في كل حديث، أو في كل باب،
أو كتاب، فرأيت أن أحذفَ هذا؛ ليكونَ التَّحْدِيثُ في كل حديث من الإمام

٢٥
عن ((مسند الإمام أحمد)).
أحمدَ؛ اكتفاءً بإسناد الكتاب الذي ذُكر في أوله، وخشيةَ أن يقوم جاهلٌ بصناعة
الحديث والروايَةِ فيجترىءَ، فيزعُمَ أن الكتاب ليس من تأليف الإمام أحمد!
وأنه من تأليف القَطِيعي؛ كما كان منذ سنين؛ أن قام رجلٌ في مصر يزعم أن
كتاب ((الأم)) ليس من تأليف الشافعي؛ لشبهة مثل هذه الشبهة، أو أضعفَ
منها))(١).
وقد يقال: إن هذا الهاشمي الطاعن في ((المسند)) ورواتِهِ؛ لا يعني ما ادّعيته
من ظاهر كلامه؛ فإنه باطلٌ - كما سبق- من أساسه، وإنما يعني بيانَ الواقع فيه
فقط؛ دونما غمز أو لمز !
فأقول: يأبى هذا سياقُ كلامهِ، وعلى التسليم به: فلا فائدةَ تُذكر من
ذكره إياه في ذاك الصدد؛ لأن المعتمد على ((المسند))، والناقل عنه يتردّد في ذلك
بين ثقتين حافظين، وإن كان الأبُ أحفظَ من الابن بكثير، حتى ولو فُرض أنه
عزا ما لعبد اللَّهِ لأحمدَ - كما يقع ذلك لبعض الحفّاظ أحياناً-؛ فإنّه لا يضرُّه
ذلك - لما ذكرنا-، وإنما عليه أن يتثّت من رجالهما، وصحّة إسنادهما - كما
هو ظاهرٌ لا يخفى على العلماء -.
(١) قلت: وقد وقع اليوم في مثلها - بل وفي أخبثَ منها- هذا الهاشميُّ الذي نحن في
صدد الرد عليه - هداه الله تعالى ، وكفى المسلمين شرَّ كلامهِ -.

٢٦
-الذَّبُّ الأحمد
ثالثاً: كيف وصل ((المسند)) إلى أبي بكر القَطِيعي ؟
وأما قولُ ذلك الرجل: ((ثم إن هذه (المسؤَّدات) وصلت إلى رجل يسمى
بـ (القَطِيعي)» !
قلت: ففيه جهالتان :
الأولى: قوله: ((وصلت))؛ فإنه يُشعر القراء بذلك أن ((المسند)) وصل إلى
القَطِيعي بطريقة مجهولة غير معروفة عند العلماء! وهذا جهلٌ فاضحٌ، أو
تجاهُلٌ كاذب؛ فإنما وصل ((المسند)) إليه، وتلقّه عن مؤلّفه الإمام أحمد بنفس
الطريق الذي به تلقّى علماءُ الحديثِ ورواتُه الألوفَ المؤلّفة من الأحاديث
النبويّة؛ وأعني بذلك الإسناد الذي ميَّزَنا اللهُ به - نحن معشرَ المسلمين- على
سائر الأمم، والذي قال فيه بعضُ سلفنا الصالح: ((الإسناد من الدين، ولولاه؛
لقال مَن شاء ما شاء))(١)؛ هذا الإسناد الذي لولاه لم يكن علمُ الحديث،
وتراجمُ الرجال، والجرحُ والتعديل شيئاً مذكوراً؛ بل ولا لعلم التفسير،
والفقه، واللغة، وغيرها من العلوم الشرعية ذكرٌ؛ لأنها - كُلُّها- قائمةٌ عليه،
ولولاهُ لما تمكّن العلماء مِن التصحيح والتضعيف، ولا مِن رَدِّ الأحاديث
الدائرة على الألسنة، ولا أصل لها في السنة، إذ إن ذلك كله يدور على
الإسناد وُجوداً وعدماً، فما كان له إسنادٌ؛ فهو صحيحٌ أو
ضعيفٌ - على تفصيل معروف فيهما-، وإن كان مما لا إسناد له؛ قيل فيه:
لا أصل له.
(١) رواه الإمام مسلمٌ في مقدّمة ((صحيحه)) عن عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى -.

٢٧
عن «مسند الإمام أحمد)».
ومن هنا يظهر تميزُّنًا على سائر الأمم؛ بل وتميُّزُ أهل الحديث والسنة
على سائر الطوائف؛ فإنه لو قيل لهؤلاء وهؤلاء: أسندوا لنا كتابكم المقدس!
أو كتابكم الصحيح المعتمد؛ لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً؛ لأنه لا أسانيد لها
عندهم، وإن وُجدت؛ فمقاطيعُ ومراسيلُ، ومع ذلك فجُلُّ رواتهم مجاهيل؛ لا
تاريخ لهم يُعْرَف! ولا ترجمة تذكر !
وهذا على خلاف ما عند علمائنا من أهل السنة والحديث؛ فإنهم لا
يقبلون من الحديث إلا ما كان لهُ إسنادٌ معروفٌ، وفي كتابٍ ثابتِ النسبة إلى
مؤلفه، ثم يكون إسناده ثابتاً سالماً من علّة قادحة.
ولذلك فإننا مع جَزْمِنا بأن («المسند» هو للإمام أحمد - كما سبق ويأتي-؛
فإننا لا نقطع بأن كل ما فيه من الحديث صحيحُ النسبة إلى النبيِ نَّ؛ لعدم
توفُّر شروط الصحة في بعضها؛ كالسلامة من الانقطاع، والجهالة، وغير ذلك
و
من العلل التي لا يعرفَها إلا أهلُ الاختصاص في هذا العلم، وإن كان جُلُّ ما
فيه صحيحاً ثابتاً.
ومن هنا تظهر خطورة التشكيك في ثبوت نسبة ((المسند)) إلى الإمام أحمد؛
كما أبداه هذا الهاشميُّ! بدعوى أنه ليس من تأليفه - من جهة- وقد عرفت
بطلانها مفصّلاً مما سبق-، وبدعوى أنه لا يدري كيف وصل ((المسند)) إلى
القَطِيعي -من جهة أخرى-؟!
وهذا ما نحن في صدد الرد عليه فيه، فأقول:
5

٢٨
-الذَّبُّ الأحمد
إن كنت من أهل السنة الذين يُعطون للأسانيد ورواتها ما يستحقُّون من
التقدير والإجلال، ويبنون عليها صحة الأحاديث أو نفيها، وتعتقد أنه لا
طريق إلى ذلك بغير الإسناد؛ كالتعصُّب المذهبي، والكشف الصوفيّ -مثلاً-، أو
الهوى، إن كنت كذلك -وهذا ما نرجوه-؛ فكان عليك أن تنظر - قبل أن
تكتب ما كتبت- في الطريقة التي وصل ((المسند)) بها إلى القَطِيعي - إن كان
عندك معرفة بهذا العلم الشريف-، وإلا برَّأْتَ ذمتك بالتوجُّه إلى العلماء
بسؤالهم عنها؛ ائتماراً بقول الله - تبارك وتعالى -: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كَنْتَمْ
لاَ تَعْلَمُونَ﴾، فإذا لم تفعل؛ فالله حسيبك، ونحن نُبيِّنُ لك، ولمن قد يَضِلُّ
بكلامك الطريقةَ المشار إليها، عسى الله -تبارك وتعالى- أن ينفع به من كان
مخلصاً مجاهداً لهواه، لا يرجو إلا مرضاة مولاه؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِيْنَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، فَأَقُولُ:
إن الطريقة التي وصل ((المسند)) بها إلى القَطِيعي -رحمه الله تعالى-؛ إنما
هي طريقُ الروايةِ والسماع التي تحدّثتُ عنها آنفاً، وذلك مُسَجَّلٌ في نفس
(المسند))، وهو ما صرّح به العلماء الذين تحدّثوا عن ((المسند))، أو ترجموا
لرواته، ففي أول («المسند» يقول راويهِ حنبل بن عبد الله الرُّصافي:
((أخبرنا الشيخ أبو القاسم هِبَةُ الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن
الحُصَين الشيباني - قراءةً عليه، وأنا أسمع، فأقرَّ به -قال: أخبرنا أبو علي
الحسن بن علي بن محمد التميمي الواعظُ -ويُعرف بابن المُذْهِب؛ قراءةً عليه
من أصل سماعه-، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك
القَطِيعي - قراءةً عليه-، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد
ابن حنبل - رضي الله تعالى عنهم-، قال: حدَّثني أبي أحمدُ بن محمد بن حنبل

٢٩
-
عن «مسند الإمام أحمد)»
ابن هلال بن أَسَد - من كتابه-، قال ... )).
وكذلك ذكره الحافظ ابنُ الجزري في أول كتابه ((المصعد الأحمد في ختم
مسند الإمام أحمد))، قال: أخبرني بجميع هذا ((المسند)) المبارك -وهو كتابٌ لم
يُرْوَ على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه- جماعةً من الشيوخ سماعاً
وإجازة، ولكنّ اعتمادي على السماع المتصل ... )).
ثم ساق إسنادَه من طريقهم؛ بإسنادهم المتصل إلى حنبل المذكور
- بسنده المتقدم عن ابن المُذْهِب-، قال:
أخبرنا الشيخ، المحدّث، العالم، المفيد، الثقة أبو بكر أحمد بن جعفر بن
حمدان بن مالك بن شَبيب بن عبد الله القَطِيعي البغدادي، قال: حدثنا الشيخ
الإمام، الحجة، الحافظ أبو عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام الكبير، العالم،
الحُجّة، الحافظ، أحد أعلام الأمة، ومَن له على أهل السنة أعظمُ مِنة، أبي
عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ...
ولذلك جزم سائرُ الحُفاظ بسماع القَطِيعي لـ(المسند)) من عبد الله بن
أحمد؛ منهم: الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٧٣/٤)، والذهبي في
((النُّبلاء)) (١٩٨/١٠)، و((العِبَر)) (٣٤٧/٢)، والعسقلاني في ((اللسان))
(١٤٥/١-١٤٦)، وغيرهم ممن ترجم له، وهم كثيرٌ؛ كالحافظ الجزري، وقد
ترجم - أيضاً - لجميع رواة ((المسند)) من الإمام أحمد إلى آخر من دونه، وهو
حنبل بن عبد الله الرُّصافي، وأفاد أنه تابعه جماعة من الحُفَاظ، فليرجع إليه مَن
شاء.

٣٠
- الذَّبُّ الأحمد
قلت: مع كل هذه الحقائق والنصوص عن العلماء الفُحول، يتجاهل
ذاك الهاشميُّ طريقةَ وصول المذكرات -كما يُسَمّه هو !- ((المسند)) - إلى
القَطِيعي! أم هو الجهلُ بهذا العلم الشريف؟! وسواء كان هذا أو ذاك؛
فأحلاهما مُرٌّ.
تلك هي الجهالة الأولى من الجهالتين اللتين تضمّنتها فِقرتُه هذه.
وأما الأخرى؛ فهي في قولِهِ: ((رجل يُسمى بـ (القَطِيعي)))! فهذا إن دلَّ
على شيء؛ فهو أنه على جهل كبير برجال الحديث، وحُفّاظ السنة، وأنه لا
ثقافةَ عنده في ذلك البتّة، مع أنه يعيشُ في بَلَدٍ نعترف بأن لعلمائها الفضلَ
الأولَ في إحياء هذا العلم دراسةً، وتفقُّهاً، وعملاً - في العصر الحديثِ-، بل
هو ممّن لا علمَ عنده باللغة العربية، وآدابها إلى دَرَجَةِ أنه لا يعرف أن القَطِيعي
ليس من باب الأسماء، وإنما الأنساب! وليس هذا فقط؛ بل هو لا يُحْسِن
البحثَ، والرجوعَ عند الحاجة إلى كتب العلماء الخاصّة بالأسماء والأنساب؛
مما يستطيعه صغارُ الطلبةِ، فضلاً عن أنه ليس عنده مطالعةٌ ودراسةٌ في كتب
الحديث وتراجم رجاله؛ حتى يترسَّخَ في ذهنه ما فيها من العلم والثقافة؛
لِتصونَهُ عن الوقوع في مثل هذه الجهالة! فلو أنه كان عنده شيءٌ من ذلك؛
لَعَرَفَ اسمَ القَطِيعي من إسناده المذكور في أول («المسند» - كما تقدّم-، ولو
كان يُحْسِن البحثَ - على أقلِّ الأحوال-؛ لَرجع إلى ((الأنساب)) للإمام
السمعاني، أو مختصره ((اللُّباب)) لابن الأثير، أو ((معجم البلدان)) لياقوت
الحموي، فيعرف بواسطتها ما جَهلَ من اسمه، وأن القَطِيعي نسبة إلى (قَطِيعة
الدقيق)، وهي محلّةً في بغداد كان أبو بكر القَطِيعي - رحمه الله- يسكنها!
وذكروا جميعاً أن اسمه أحمد بن جعفر بن مالك، كما تقدّم عن ((المسند))،
:

٣١
-
عن ((مسند الإمام أحمد)»
وذكروا أنه كان معروفاً بالإكثار من رواية الحديث.
رابعاً: هل كان القَطِيعي فاسد العقيدة شريراً ؟!
وأما قوله: ((وهذا الرجلُ كان فاسدَ العقيدةِ، من أشرار الناس)) ؟ !.
فأقول: ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾! مِنْ هذا الأفاكِ الأثيم، الطاعنِ
في العلماء الصالحين، بغير حقُّ مبين؟! فقد مضى على وفاة القَطِيعي - رحمه
اللَّه - أكثرُ من عشرة قرون، لم يتعرّض أحدٌ له بطعن في عقيدته، ولا في خُلُقِه
- مطلقاً-، لا تلويحاً ولا تصريحاً؛ بل إن العلماء الذين ترجموا له؛ كلَّهم أجمعوا
على أنه كان حسنَ العقيدةِ صالحاً، وإليك بعض ما يحضرُنًا من أقوالهم :
١ - قال الحافظ محمد بن أبي الفوارس (ت ٤١٢)(١).
((كان أبو بكر بن مالك مستوراً، صاحِبَ سنة)).
٢- قال أبو بكر البَرْقاني (ت ٤٢٥)(١).
((كان شيخاً صالحاً)).
٣- وقال ابن الجوزي (ت ٥٩٧) في ((المناقب)):
((كان صاحب سنة)).
٤- وقال الخطيب: حُدِّثت عن أبي الحسن بن الفُرات (ت ٣٨٤)، قال:
((كان القَطِيعي مستوراً، صاحبَ سنة، كثير السماع)).
(١) وهما من شيوخ الخطيب، وهو الذي روى ذلك عنهما في ((التاريخ)) (٧٤/٣).
:

٣٢
ـ الذَّبُّ الأحمد
٥- وروى عن شيخه أبي طالب محمد بن الحسين بن أحمد بن بُکَیر
-وکان صدوقاً-، أنه قال:
((سُئل القَطِيعي - وأنا أسمعُ- عن الإيمان؟ فقال: قول، وعمل، ثم قال:
وهل يُشَكّ فيه ؟!)).
٦ - وقال الذهبي في ((العبر)) (٣٤٧/٢):
((مسند العراق، وكان شيخاً صالحاً).
....
... إلى غير ذلك من أقوالهم التي يصعب تتُّعها، وفيما ذكرنا كفايةٌ.
قلت: فأنت ترى إجماعَ هؤلاء الأئمّةِ على وصفهم للقَطِيعي بالصلاح
وحُسن الاعتقاد، وينبغي أن يُضَمّ إلى ذلك إجماعُ الأُمة على الاعتماد عليه في
روايته لِـ ((مسند الإمام أحمد))، إذ لا يُتَصَوّر أن يُجمعوا على ذلك، وهو فاسد
العقيدة شرير؛ كما لا يخفى على كل ذي عينين بَصِير!
فإن قلتَ: فمن أين تسرّبت هذه الفِرْيَةُ إلى قلب هذا الرجل الجاهل؛
حتی جری بذلك قلمُه، ولحق به إثمه ؟
فأقول: يبدو لي -والله أعلم- من مجموع كلامه المتقدّم بصورة عامة، ومن
قوله في هذه الفقرة بصورة خاصة -: أن الرجل حنفي المذهب، ماتُريديُّ
المعتقد، ومن المعلوم أنهم لا يقولون بما جاء في الكتاب، والسنة، وآثار
الصحابة من التصريح بأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال من الإيمان،
وعليه جماهيرُ العلماء سَلَفاً وخلفاً ما عدا الحنفيّة؛ فإنهم لا يزالون يُصِرُّون
على المخالفة؛ بل إنهم لَيُصَرِّحون بإنكار ذلك عليهم، حتى إن منهم من صرّح
-

٣٣
عن ((مسند الإمام أحمد))
بأن ذلك ردة وكفر -والعياذ بالله تعالى-، فقد جاء في (باب الكراهية) من
((البحر الرائق)) - لابن نُجَيم الحنفي - ما نصُّه (٢٠٥/٨): ((والإيمان لا يزيد
ولا ينقص؛ لأن الإيمان عندنا ليس من الأعمال))(١).
وقال في (باب أحكام المرتدّين) (١٢٩/٥-١٣١) ما نصّه: ((فيكفر إذا
وصف الله بما لا يليق به، أو سخر باسم من أسمائه ... - ثم سرد مكفرات
كثيرة، ثم قال : -... وبقوله: الإيمان يزيد وينقص)) !.
أقول: فلعلّ ما جاء به الرجلُ مِن ذاك الإفك إنّما هو من هذا الباب؛
فطعن به في القَطِيعي بغير حق ولا صواب، عامله الله بما يستحق!
وإني لأخشى أنْ يكونَ هذا الرجلُ قد تأثّر في إفكه هذا - وتعصُّبه على
القَطِيعي- بالشيخ زاهد الكوثري؛ بجامع الاشتراك معه في التعصُّب المذهبي
-أولاً-، ويمتابعته إياه في الطعن في الصادقين من رواة الحديث - ثانياً-؛ فقد
برَّز الكوثري بهذا في المتأخرين منهم، وَبَزَّ في ذلك مَن تقدَّمهم، حتى سَرَتْ
عدواه إلى كثير من المعاصرين؛ رددت على بعضهم في بعض كتبي؛ فقد كان
(١) وهذا يخالف - صراحةً - حديث أبي هريرة، أن رسول الله وَله سُئل: أيُّ العمل
أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله ... )) -الحديث- ، أخرجه البخاري -وغيره- ، وفي معناه
أحاديث أخرى ترى بعضها في («الترغيب)) (١٠٧/٢).
وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيميَّة وجهَ كون الإيمان من الأعمال ، وأنه يزيد وينقص
- بما لا مزيد عليه- في كتابه ((الإيمان)) ، فلْيراجعه من شاء البسط.
أقولُ: هذا ما كنتُ كتبتُهُ منذ أكثرَ من عشرين عاماً؛ مُقَرِّراً مذهبَ السلف، وعقيدةً أهل
السُّنَّةِ - ولله الحمدُ- في مسائل الإيمان، ثُمَّ يأتي - اليومَ - بعضُ الجهلةِ الأغمار، والناشئةِ الصِّغار:
فيرموننا بالإرجاء !! فإلى اللهِ المشتكى مِن سوء ما هم عليه مِن جهالة وضلالة وغُثاء ...

٣٤
الذَّبُّ الأحمد
الكوثري - مع معرفته بهذا العلم- شديدَ التعصُّب لمذهبه، متبعاً للهوى، حتى
أورده موارد الردى، فكان كثيرَ التفنّن في الغمز واللمز في رسائله وتعليقاته، لا
يَدَعُ فرصة تسنح له إلا اهتبلها، وشَنَّ الغارة على أهل الحديث والسنة
وأنصارها -بها -.
وحسبك -الآن- دليلاً على ما أقول: كتابه ((تأنيب الخطيب))؛ فقد طعن
فيه في عشرات الأئمة من الفقهاء والمحدثين -كما فصَّل القولَ في ذلك العلامةُ
المحققُ عبد الرحمن الْمُعَلِّمي اليماني في كتابه الفَذّ: ((التنكيل بما في تأنيب
الكوثري من الأباطيل)»(١)-؛ ومِن هؤلاء الذين طعن الكوثريُّ فيهم:
أبو بكر القَطِيعي - رحمه الله تعالى-؛ فقد وصفه الكوثري في (تأنيبه))
(ص ١١١) بأنه: ((مختلط فاحش الاختلاط)) !.
وهذا مما لم يَقُلْهُ أحدٌ من أئمة الحديث، لا المتقدّمين منهم ولا المتأخرين،
وهم وحدهم الذين لهم الحقُّ في الجرح والتعديل؛ لاختصاصهم بهذا العلم
- أولاً-، ولأنهم كانوا لا تأخذهم فيه لومة لائم - ثانياً-، فكانوا يجرحون مَن
كان معهم في العقيدة؛ إذا قام فيه سببُ الجرح، ويوثّقون من لم يقم ذلك فيه،
ولو كان مخالفاً لهم في العقيدة، ليس للأهواء في ذلك سلطانٌ عليهم، وهذا أمرٌ
مشهورٌ، لا حاجة لضرب الأمثلة على ذلك، بخلاف أهل الأهواء؛ كالكوثري،
وهذا الهاشمي الذي يلهث خلفه في التعصُّب المذهبي، ومثله الكوثري الصغير
المعروف بـ (أبو غدة)؛ فقد نَقَل عن شيخه الكوثري في تعليقه على ((الأجوبة
(١) طبع في دمشق؛ بتحقيقي وتعليقي ، وعلى نفقة الشيخ محمد نَصِيف وشركاه
-رحمهم الله تعالى -.
ثم طُبع - أخيراً- في مكتبة المعارف، الرياض.

٣٥
عن «مسند الإمام أحمد»
الفاضلة)) (ص ٩٧) كلاماً له في الطعن في القَطِيعي فمَن دونه من رواة
((المسند))، وأقرّه - نسأل الله السلامة -!!
- بيان غرضهم من الطعن في القَطِيعي :
وقد يتساءل البعضُ، فيقول: ما هو غَرَضُ الكوثري - ثم الهاشمي - مِن
الطعن في أبي بكر القَطِيعي ؟
والجواب: إنّ غرضَهم من وراء ذلك خبيث جدًّا، ألا وهو إسقاط الثقة
والحُجّة بكتاب ((مسند الإمام أحمد))؛ لما فيه من أحاديث كثيرةٍ تخالف مذهب
الحنفية في الأصول والفروع؛ ذلك لأنّهم يعلمون أن الاحتجاج بأحاديث
((المسند)) قائمٌ على ثبوت نسبته إلى الإمام أحمد، وهو إنما يرويه أبو بكر
القَطِيعي - كما سبق-، فلو أنه يَثبت - لا قدَّر الله - أنه فاسدُ العقيدة، شرير،
وذلك يعني أنه فاسقٌ ! - كما يَهْرِفُ الهاشمي-، أو فاحش الاختلاط ! - كما
يزعم الكوثري؛ فالقواعد الحديثية تقتضي -حينئذٍ - الإعراضَ عن
الاستدلال بأي حديث جاء في ((المسند))، ولو كان رواته ثقاتٍ أثباتاً، ما دام أنه
دونهم القَطِيعي الشرير المختلط - بزعمهم -!
ولكنْ خاب فألُهم، وفشل سعيُهم، فقد تتابع علماءُ المسلمين - سلفاً
وخلفاً- على صحة نسبة ((المسند)) إلى مؤلّفه الإمام أحمد - كما تقدّم-، وعلى
الاحتجاج بما فيه من الأحاديث بشروطها المعروفة في علم المصطلح، وذلك
إجماعٌ منهم على توثيق رواته إلى الإمام أحمد من ابنه عبد الله إلى القَطِيعي، فلو
فُرض أن أحداً من الأئمة لم يوثّقه - صراحةً-؛ فالإجماعُ المشار إليه كافٍ شافٍ،

٣٦
-
الذَّبُّ الأحمد
فكيف وقد وثّقه غير واحد -كما سبق -.
وحسبك دليلاً على ذلك أنه كان شيخاً لكثير من أئمة الحديث النُّقَّاد؛
كالإمام الدار قطني، وأبي بكر البَرْقَاني، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي نُعيم
الأصبهاني -وغيرهم-، واحتجَّ به الحاكم في كتابه ((المستدرك على
الصحيحين)) في مئات الأحاديث، وصحَّحها كلها، ووافقه الحافظ الذهبي على
ذلك، وإليك أرقام صفحات بعضها مما جاء في كتاب الإيمان - فقط - من
(المستدرك)): (٢٩،٩/١، ٣٦، ٣٧، ٤٢، ٥٠، ٥٥، ٥٧، ٧٤، ٧٥، ٧٩،٧٦)، وقال في
أحدها:
((هذا حديث صحيح، ورواته عن آخرهم ثقات))، ووافقه الذهبي
-أيضاً -.
فإن قيل: لعلَّ مستند الكوثري فيما نسبه إلى أبي بكر القُطِيعي من
الاختلاط الفاحش: ما ذكره الخطيبُ في ترجمته، قال (٧٣/٤ __ ٧٤): ((حُدِّثْتُ
عن أبي الحسن بن الفُرات، قال: كان ابن مالك القَطِيعي مستوراً، صاحبَ
سنة، كثير السماع من عبد الله بن أحمد -وغيره-، إلا أنه خلط في آخر عمره،
وكَفَّ بعده، وخَرفَ حتى كان لا يعرف شيئاً مما يُقرأ عليه)).
وجواباً عليه أقول:
لا يصلح ذلك له مستنداً لوجهين:
١ - أن ذلك لم يثبت عن ابن الفُرات، كما يُشعر بذلك قول الخطيب:
((حُدِّثْتُ))، فلم يذكر مَن حدّثه، فهي روايةً مجهولةً لا يحتج بمثلها، وليس هذا
مما يخفى على الكوثري، ولكنه يصطاد في الماء العكر! ويكفيك دليلاً على ذلك

٣٧
-
عن ((مسند الإمام أحمد)).
أن الخطيبَ نفسه قد زكاه في مطلع ترجمته بقوله: ((لم نر أحداً امتنع من الرواية
عنه، ولا ترك الاحتجاجَ به)).
فلو أنَّ الأمر كان كما زعم الكوثريُّ؛ ما أجمع العلماء على الاحتجاج به
- كما هو ظاهرٌ لا يخفى -.
نعم؛ قد يكون تغيّر حفظه في آخر عمره، وعلى ذلك يُحمل ما رواه
الخطيب في ترجمة شَيخِهِ ابن السِّيبي (٤/٤) مما لا ضرورةَ لذكره الآن، فقد
أشار الحافظُ الذهبي إلى ذلك بقوله في ((الميزان)): ((صدوق في نفسه، مقبول،
تغيَّر قليلاً)).
ثم ذكر قولَ ابنِ الفُرات المتقدم؛ ليردَّه بقوله: «فهذا القولُ غلوٌّ
وإسراف، وقد كان أبو بكر أسندَ أهل زمانه)).
وأيّده السيوطي على هذا القول، فقد قال عَقِبَهُ في (تدريب الراوي))
(ص ٥٢٨):
((وقد وثّقه البَرْقَاني، والحاكم، والدار قطني، ولم يذكروا شيئاً من ذلك،
وقال العراقي: في ثبوت ذلك نَظَرٌ، وما ذكره ابن الفُرات لم يثبت إليه)).
فأنت ترى أن الحُفّاظ تتابعوا على عدم ثبوت ما نُسب إلى ابن الفرات
من الاختلاط الفاحش، فتبيّن أن الكوثري يُخالف أهل الاختصاص في الجرح
والتعديل، وينهج هو نهجاً خاصًا به في ذلك، يتلاءم مع عصبيّته وأهوائه
- نسأل الله السلامة -.

٣٨
ـالذَّبُّ الأحمد
ويؤيِّد ذلك؛ الوجهُ التالي :
٢- هَبْ أنَّ ما ادَّعاه الكوثري من اختلاط أبي بكرِ القَطِيعِي ثابتٌ، فهو
يعلم أن ذلك ليس جرحاً بإطلاقه عند المحدثين، وإنما فيه التفصيلُ المعروفُ في
مصطلح الحديث، وهو على ثلاثة أنواع :
الأول: الاحتجاج بالمختلط إذا حدّث قبل الاختلاط.
الثاني: ترك الاحتجاج به إذا حدّث بعد الاختلاط.
الثالث: التوقّف إذا لم يُعلم أنه حدّث قبله أو بعده.
وعلى ذلك؛ فينبغي لكل من يريد البحث العلمي بعيداً عن الهوى
والغَرَض، والتعصُّب للرأي والمذهب، أن ينظرَ ويعيَ ما قاله العلماء في
الاختلاط المزعوم.
قال الحافظ العراقي عَقِبَ كلامه المتقدِّم:
((وعلى تقدير ثُبوته؛ فمن سمع منه في حال صحّته: الحاكم، والدار قطني،
وابن شاهين، والبَرْقاني، وأبو نعيم، وأبو علي التميمي (١) - راوي ((المسند))
عنه-؛ فإنه سمعه عليه سنة ستّ وستين، ومات سنة ثمان وستين وثلاث
مئة)).
وأقرّه على ذلك الحافظ ابن حجر بعد أن نقل خُلَاصَتَهُ.
(١) هو الحُسين بن علي بن محمد المعروف بابن المُذْهِب، توفي سنة (٤٤٤).

٣٩
عن («مسند الإمام أحمد)) ــ
ونصّه في ((لسان الميزان)):
((قلت: كان سماع أبي علي بن المُذْهِب منه لِـ ((مسند الإمام أحمد)» قبل
اختلاطه، أفاده شيخنا أبو الفَضْل بن الحسين(١)).
فتبَيَّن - مما ذكرنا- أن الطعن في أبي بكر القَطِيعي - رحمه الله -تعالى-
غيرُ ثابتٍ عند علماء الحديث ونُقَّاده -الذين هم فُرسان هذا الميدان وأبطالُه-،
وأنه لو ثبت ذلك فيه؛ فلا يُؤَثِّرُ في روايته لِـ ((المسند)) شيئاً؛ لِمَا سبق بيانُه، وقد
أشار إلى هذه الحقيقةِ الحافظ ابن كثير في ترجمته إياه في ((تاريخه)) المسمّى
بـ ((البداية والنهاية))، فقال (١١/ ٢٩٣):
((وكان ثقة، كثير الحديث، ولم يمتنع أحدٌ من الرواية عنه، ولا التفتوا إلى
ما طعن فيه بعضُهم، وتكلّم فيه ... )).
خامساً: هل أدخل القَطِيعي في ((المسند)) أحاديث موضوعة ؟!
وأما قولُه فيه: ((إنه أدخل في هذه المذكرة - ((المسند)) - روايات موضوعة،
حتى بلغ هذا الكتاب إلى ضعفين)) !
فأقول: هذا كسابقهِ في البَهْتِ، والافتراء، وقلة الحياء؛ بل هو في ذلك
أوضحُ وأظهرُ، حتى لَيَصْدُقَ فيه المثل السائر: ((جاء بقَرْنَي حمار))!
(١) هو الحافظ العراقي.

٤٠
- الذَّبُّ الأحمد
فإن الإدخال المزعوم إما أن يعني به أن القَطِيعي أدخلها على عبد الله في
روايته عنه؛ بأن يقول: حدثنا عبد الله ... وهو لم يحدّثه بها، وإما أن يعني أنه
أدخلها على غير عبد الله من شيوخه، ولم يحدِّثوه بها، وكل ذلك كذبٌ بَحْتٌ،
وسواء كان يعني هذا أو ذاك؛ فهو - أيضاً - افتراءٌ محضٌ لا يخفى على أحد؛
لمخالفته للواقع من وجهين :
الأول: إجماع العلماء على توثيق القَطِيعي، وتصديقه، والاحتجاج
بروايته، وذلك يعني - بالضرورة - تبرئةَ القَطِيعي من أن يكون روی مِن عنده
حديثاً موضوعاً واحداً، فكيف وهي من الكثرةِ عند ذاك الأفاك بحيث صارت
بها أحاديث ((المسند)) ضِعْفَيْهِ؟! وعدد أحاديثه كلها نحو ثلاثين ألفاً ؟!
والآخر: قد اختلفوا في ((المسند))؛ هل يوجد فيه أحاديث موضوعة؟
على قولين -لعلّه يأتي بيانهما-، والذي يهمُّنا ذكره - الآن- أن الذين
تَّعوا ما قِيل بوضعه من أحاديث ((المسند)) لم يستطيعوا أن يَصِلُوا بها إلى ما
دون الخمسين! فكيف جعلها ذاك الأفّاك الأثيم ضِعْفَ أحاديث ((المسند))؟!
-عامله الله بما يستحقُّ -.
فإن قيل: هل تظنُّ أن مثل هذا الافتراء المحض المخالفِ للواقع يُمكن أن
يقع في عصرنا هذا ؟
فأقول : ذلك غير مستبعد، ولم لا؟! وقد قيل على مرِّ القرون ما هو أكثرُ
من ذلك، وأفحشُ -كما هو معلومٌ من سيرة النبي ◌ُ﴾ مع قومه، وسائر
الأنبياء مع أقوامهم، ومن ذلك افتراءُ الرافضة على النِي ◌َّةٍ، وأهل بيته،
وعلى أهل السنة، وفي مقدّمتهم الخلفاء الراشدون - مما هو معروفٌ عند