النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة قال: انطلقتُ في المدّةِ التي كانت بيني وبينَ رسولِ اللهِ وَّر قال: فبينا أنا بالشامِ إِذ جيءَ بکتاب من النبيِّ پے إِلی هرقلَ. قال: وكانَ دحیةُ الکلميُّ جاء به فدفعه إِلی عظیم بُصرى، فدفعه عظيمُ بصرى إِلى هرقل، فقال هرقلُ: هل هُنا أحدٌ من قومِ هذا الرَّجلِ الذي يزعمُ أنه نبيٍّ؟ قالوا: نعم، فدُعيتُ في نفرٍ من قريشٍ، فدخلنا على هرقلَ، فأجلَسنا بينَ يدَيه، فقال: أيُّكم أقربُ نسباً من هذا الرَّجلِ الذي يزعمُ أنه نبيٌّ؟ قال أبو سفيانَ: فقلتُ: أنا، فأجلسوني بينَ يدَيه، وأجلَسوا أصحابي خَلفي، ثمَّ دعا بتَرجُمانه فقال: قُل لهم: إِني سائلٌ هذا يكن بيننا واسطة، كذا ذكره الطيبي. والأظهر أن معناه لم يكن أحد حاضراً غيري معه، كما يدل عليه حدّثني وكذا قوله: فيّ فإنه لو كان أحد غيره لجاز أن يرويه فلا يكون التحديث منحصراً من فمه إلى فمه فقط. (قال:) أي أبو سفيان (انطلقت) أي سافرت (في المدة) أي في مدة الصلح. (التي كانت بيني وبين رسول الله (3 8) يعني صلح الحديبية ذكره النووي. وكان سنة ست ومدتها عشر سنين، لكنهم نقضوا العهد بقتل بعض خزاعة من حلفائه وَالر، فغزاهم سنة ثمان وفتح مكة. (قال:) أي أبو سفيان (فبينا أنا بالشام) أي من أهل المقام (إذ جيء بكتاب من النبي (18 إلى هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، وهذا هو المشهور على ما في شرح مسلم. وفي نسخة بكسر الهاء والقاف وسكون الراء وهو غير منصرف للعجمة والعلمية. وهو ملك الروم ولقبه قيصر، وهو أول من ضرب الدنانير وأول من أحدث البيعة على ما في القاموس. (قال:) أي أبو سفيان (وكان دحية الكلبي) بكسر الدال ويفتح (جاء به) أي بالكتاب (فدفعه إلى عظيم بصرى) أي أميرها، وهي بضم الموحدة مقصورة. قرية بين المدينة ودمشق الشام. (فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. فقال هرقل: هل هنا) أي في أرض الشام (أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي) يعني لكي نسأل عن وصفه ليتبين لنا صدقه من كذبه. (قالوا:) أي بعض خدمه وحشمه (نعم. فدعيت في نفر) أي مع نفر من قريش وكانوا ثلاثين رجلاً. وقيل: المغيرة بن شعبة منهم، وفيه أنه سبق إسلامه لأنه أسلم عام الخندق، فيبعد أن يكون حاضراً وسكت مع كونه مسلماً. قلت: وقد يقال إنه لم يذكر فيه ما ينافي سكوته. (فدخلنا على هرقل فأجلسنا) بصيغة المفعول. وفي نسخة على بناء الفاعل. أي أمر هرقل بجلوسنا. (بين يديه) أي قدامه ليسمع كلامنا ونسمع كلامه. (فقال: أيكم أقرب نسباً من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي) قال العلماء: وإنما سأل قريب النسب لأنه أعلم بحاله وأبعد من أن يكذب في حقه. (قال أبو سفيان: فقلت: أنا.) أي أقرب نسباً منه. (فأجلسوني بين يديه) أي وحدي (واجلسوا أصحابي خلفي) وإنما أجلسهم خلفه ليكون أعون عليهم في تكذيبه إن كذب ولا يستحيوا منه؛ أو ليمكن لهم أن يشيروا إليه ويدلوا عليه بما هنالك، إما بإيماء يد أو بتحريك رأس ونحو ذلك. ولا يبعد أنه قصد في تقريبه تعظيمه لكونه أقرب في النسب على ما يقتضيه الأدب. (ثم دعا بترجمانه) بفتح التاء وضم الجيم وبضمهما والفتح أفصح. وسبق أنه يجوز فتحهما وهو المعبر عن لغة بلغة أخرى ثم الباء زائدة. والتقدير دعا أحداً بإحضار ترجمانه. (فحضر فقال: قل لهم) أي لأصحاب أبي سفيان (إني سائل هذا) وفي نسخة ،اککشعر اننا )) ٠٫٠٠ ٥٤٢ ٠٧٤٩ كتاب الفضائل والشمائل / باب علامات النبوة عن هذا الرجلِ الذي يزعمُ أنه نبيٍّ، فإِن كذَبني فكذّبوه. قال أبو سفيانَ: وآيُ اللَّهِ لولا مخافةُ أن يُؤْثِرَ عَلَيَّ الكذِب لكذبتُه، ثمَّ قال لتَرجمانِهِ: سَلْهُ كيف حسبَهُ فيكم؟ قال: قلتُ: هوَ فينا ذو حسَبٍ. قال: فهل كانَ منْ آبائه منْ ملِكِ؟ قلتُ: لا. قال: فهل كنتم تتَّهمونَه بالكذِبِ قبلَ أن يقولَ ما قال؟ قلتُ: لا. قال: ومَن يتَّبِعُه؟ أشرافُ الناسِ أمْ ضُعفاؤهُم؟ بالإِضافة. والمعنى إني أريد أن أسأل أبا سفيان. (عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي) أي عن وصفه (فإن كذبني) بتخفيف الذال، أي فإن تكلم بالكذب لي (فكذبوه) بالتشديد، أي فانسبوه إلى الكذب ولا تسكتوا على الباطل وأعلموني بالحق. (قال أبو سفيان: وأيم الله) بهمزة وصل ويقطع ويضم ميم، وتحقيقه تقدم وهو قسم. (لولا مخافة أن يؤثر) بصيغة المجهول، أي يروي. (علي الكذب) بفتح فكسر. وفي نسخة بكسر فسكون. والمعنى: لولا خوف أن ينقلوا عني الكذب إلى قومي ويتحدثوا به. (الكذبته) أي لكذبت عليه لبغضي إياه. قال الطيبي: وإنما عداه بعلى لتضمن معنى المضرة أي كذب يكون على لا لي، وفي هذا بيان أن الكذب قبيح في الجاهلية كما هو قبيح في الإِسلام. أقول: الظاهر أن معناه: لولا مخافة أن يكذبني هؤلاء الذين معي، لكذبته في تكذيبه في بعض كلامي لتحصيل مرامي. (ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم) الحسب ما يعده الإِنسان من مفاخر آبائه ذكره الجوهري. فهو أعم من النسب ولذا عدل عنه إليه. قيل: وفي البخاري كيف نسبه فيكم. وفي جامع الأصول: كيف حسبه. (قال: قلت: هو فينا ذو حسب) أي عظيم، فإن رسول الله هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأنا أبو سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وليس في النفر يومئذ أحد من بني عبد مناف غيري. (قال: فهل كان من آبائه) أي بعض أجداده وأسلافه. وفي نسخة: في آبائه، أي في جملتهم. (من ملك) أي من سلطان، وفي نسخة: من موصولة وملك بصيغة الماضي. أي من كان ملكاً. قال بعض المحققين: هو هكذا بحرف الجر، وملك صفة مشبهة، وهو رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر. في نسخة، وأبو ذر عن الكشميهني: من ملك على أن من موصولة وملك فعل ماض. ولأبي ذر كما في الفتح: من آبائه ملك، بإسقاط من. والأوّل أشهر. (قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه) بتشديد التاء الثانية، أي تنسبونه إلى التهمة. (بالكذب) أي بإيقاعه (قبل أن يقول ما قال) أي من دعوى النبوّة (قلت: لا. قال: ومن) بالواو (يتبعه) بسكون التاء وفتح الباء. وفي نسخة: بتشديد الفوقية وكسر الموحدة. (أشراف الناس) أي أشرافهم. (أم ضعفاؤهم) قال الطيبي: وفي الحميدي وجامع الأصول: فهل يتبعه. وأم ههنا متصلة، وفي وقوعها قرينة لهل(١) إشكال، لأن هل تستدعي السؤال عن حصول الجملة، وأم المتصلة تستدعي حصولها لأن السؤال بها عن تعيين أحد المنتسبين مسنداً ومسنداً إليه. والظاهر ما في صحيح مسلم وشرحه والمشكاة: (١) في المخطوطة ((لها)). ٥٤٣ كتاب الفضائل والشمائل / باب علامات النبوة قال: قلتُ: بل ضعفاؤهُم. قال: أيزيدونَ أم ينقصونَ؟ قلتُ: لا، بل يزيدونَ. قال: هلْ يرتدُّ أحدٌ منهم عنْ دِينِهِ بعدَ أن يدخلَ فيه سَخْطةً له؟ قال: قلتُ: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كانَ قتالُكم إياه؟ قال: قلت: يكونُ الحربُ بيننا وبينَه سجالاً، يصيبُ منَّا ونصيبُ منه. قال: فهل يَغْدِرُ؟ قلتُ: لا، ونحنُ منه في هذهِ المدَّةِ، لا نذري ما هوَ صانعٌ فيها؟ قال: والله ما أمكنَني من كلمة أُدخلُ فيها شيئاً غيرَ هذهِ. قال: فهل قال هذا القولَ فمن تبعه. فتكون همزة الاستفهام مقدرة في قوله: أشراف الناس. فسأل أوّلاً مجملاً ثم سأل ثانياً مفصلاً. (قال: قلت: بل ضعفاؤهم) المراد بالأشراف أهل النخوة والتكبر لا كل شريف، وإلا لورد مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ممن أسلم قبل سؤال هرقل كذا ذكره بعضهم. وتعقبه العيني بأن العمرين وحمزة كانوا من أهل النخوة. فقول أبي سفيان جرى على الغالب. (قال: أيزيدون) أي بزيادة أمثالهم (أم ينقصون) أي برجوع بعضهم إلى أدبارهم أو يموت بعضهم من غير جبرهم لكسرهم. (قلت: لا) أي لا ينقصون أبداً (بل يزيدون) أي دائماً (قال: هل يرتد) أي يرجع (أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه) أي بطيب نفسه (سخطة) بفتح السين ويضم وسکون الخاء المعجمة، أي کراهة وتعییباً. (له) أي لدينه، وهي مفعول له وخرج به من ارتد مكرهاً، أو لحظ نفساني. (قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه. قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه. قال: قلت: تكون) بالتأنيث ويذكر (الحرب) أي المحاربة (بيننا وبينه سجالاً) بكسر أوله أي مساجلة ومداولة (يصيب منا ونصيب منه) أي هو يقال هنا مرة لغلبته ونحن ننال منه أخرى لغلبتنا، فهو تفسير لقوله: سجالاً. وقد قال تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ [آل عمران - ١٤٠]. وقال الشاعر: فيوماً علينا ويوماً لنا * ويوماً نسر ويوماً نساء قال الطيبي: وأصله من السجل الذي هو الدلو لأن لكل واحد من الواردين دلواً مثل ما للآخر، أو لكل واحد منهم يوم في الاستقاء. ومعناه أن الحرب دول تارة له وتارة عليه. وقال غيره: السجال جمع سجل وهو الدلو الكبير، والحرب اسم جنس فصح الأخبار عنه بالجمع. وفيه تشبيه بليغ، أي الحرب نوب نوبة لنا ونوبة له. فقد وقعت المقاتلة بينه وَ له وبينهم قبل هذه القصة في ثلاث مواطن، بدر واحد والخندق، فأصاب المسلمون من المشركين في بدر وعكس في أحد وأصيب من الطائفتين ناس قليل في الخندق، فصدق أبو سفيان في كلامه سجالاً، على أنه لا يلزم منه التساوي. (قال: فهل يغدر) بكسر الدال من الغدر وهو نقض العهد وخلاف الوعد. (قلت: لا) أي ما وقع منه غدر فيما مضى (ونحن منه) أي على خطر (في هذه المدة) أي مدة الهدنة والصلح الذي جرى يوم الحديبية (لا ندري ما هو) أي النبي، أو الله [تعالى.] (صانع فيها) أي أيغدر في مدة هذا الصلح أم لا. (قال:) أي أبو سفيان (والله ما أمكنني من كلمة) أي ما قدرت على كلمة، والمراد بها جملة مفيدة. (أدخل فيها) أي في أثناء كلماتي (شيئاً) أي مما يطعن فيه في الجملة (غير هذه) أي غير هذه الجملة التي فيها يجوز احتمال الغدرة في مدة الهدنة (قال: فهل قال هذا القول.) أي من أمر النبوّة ودعوى الرسالة ٥٤٤ : # كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة أحدٌ قبلَه؟ قلتُ: لا. ثمّ قال لترجمانِه: قل له: إِني سألتُك عَن حسبَه فيكم، فزعمتَ أنَّه فيكم ذو حسبٍ، وكذلك الرسل تبعثُ في أحسابٍ قومِها. وسألتُكَ هل كانَ في آبائه مِلكٌ؟ فزعمتَ أنْ لا، فقلتُ: لو كانَ من آبائه مَلكُ قلتُ: رجلٌ يطلبُ مُلكَ آبائه. وسألتُكَ عن أتباعه أضعفاؤهُم أم أشرافهُم؟ فقلتَ: بل ضعفاؤهُم، وهُم أتباعُ الرُّسلِ. وسألتُكَ: هل كنتم تتَّهمونَه بالكذِبِ قبلَ أنْ يقولَ ما قال؟ فزعمتَ أن لا، فعرفتُ أنَّه لم يكنْ ليدَعِ الكذِبَ على النَّاسِ ثمَّ يذهبَ فيكذب على اللَّهِ. وسألتُكَ: هل يرتدُ أحدٌ منهم عن دينِهِ بعدَ أن يدخلَ فيه سخطةً له؟ فزعمتَ أن لا، وكذلكَ الإِيمانُ إِذا خالطَ بشاشتُه القلوبَ. (أحد قبله) أي ممن سبقه من غير الأنبياء المعروفين كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى عليهم السلام (قلت: لا. ثم قال) أي بعد ما فرغ من الأسئلة الدالة على النبوّة والرسالة، وأراد أن يشرع في تبيين توجيهاتها من جهة المنقول والمعقول والعرف والعادة قال: (لترجمانه. قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم فزعمت) أي فأجبت (أنه فيكم ذو حسب وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها) أي توقع بعثتهم في أحساب أقوامهم. فتعديته بفي لتضمين معنى الإِيقاع. ويمكن أن يكون في بمعنى من على ما جوزه صاحب القاموس والمغني وهو ظاهر جداً، يعني عما تكلف له الطيبي لقوله: هو من باب التجريد، أي يبعث وهو ذو حسب وهو كقولك في البيضة عشرون رطلاً، وهي في نفسها هذا المقدار. قيل: والحكمة في ذلك أنه أبعد من انتحاله الباطل وأقرب إلى انقياد الناس له؛ ولا يخفى أن هذا القول إنما يستفاد من النقل ويساعده العقل. (وسألتك هل كان في آبائه ملك) أي في جملتهم أحد من الملوك. ولو روي بضم الميم لكان له وجه. (فزعمت أن لا. فقلت:) أي في نفسي بمقتضى رأيي (لو كان من آبائه ملك) أي لو كان ظهر منهم سلطان (قلت: رجل يطلب ملك آبائه) أي سلطنتهم، وهذا دليل عقلي لا يخالفه نقل. (وسألتك عن أتباعه أضعفاؤهم) أي أفقراء الناس وأهل خمولهم. (أم أشرافهم) أي أغنياؤهم وأهل خيولهم. (فقلت: بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل) أي ابتداء كما هو المشاهد في أتباع العلماء والأولياء. قال النووي: وأما قوله: إن الضعفاء هم أتباع الرسل، فلكون الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم والضعفاء لا يأنفون، فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق. (وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فزعمت أن لا. فعرفت أنه لم يكن ليدع) اللام لام الجحود، أي ليترك. (الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله) أي فإن من المعلوم عند كل أحد أن الكذب على الله أقبح وأشد. ولذا قال تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً﴾ [الأنعام - ٢١]. (وسألتك هل يرتد أحد عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له فزعمت أن لا. وكذلك) [بالواو]. والظاهر أن يقال: فكذلك أي لا يخرج ولا يرجع. (الإيمان إذا خالط بشاشته) بفتح الموحدة أي أنسه وفرحه. (القلوب) أي فإن من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه بخلاف من دخل في الأباطيل، ذكره النووي. وقد عبر $ عن البشاشة، تارة بالطعم وأخرى بالحلاوة. فإن من ذاق لذة شيء أحبه لا محالة ومن لم يذق لم يعرف ومن مشرب العارفين لم يغرف. ولذا قال بعض ٥٤٥ كتاب الفضائل والشمائل / باب علامات النبوة وسألتُكَ هل يزيدونَ أم ينقصونَ؟ فزعمتَ أنهم يزيدونَ، وكذلكَ الإِيمانُ حتى يتمَّ. وسألتُكَ هل قاتلتُموه؟ فزعمتَ أنَّكم قاتلتُموه، فتكونُ الحربُ بينكم وبينَه سجالاً ينالُ منكم وتنالونَ منه، وكذلك الرسلُ تبتَلى، ثمَّ تكونُ لها العاقبة. وسألتُكَ هل يغدِر، فزعمتَ أنه لا يغدِر، وكذلك الرسل لا تغدِر، وسألتك هل قال هذا القولَ أحدٌ قبلَه؟ فزعمتَ أنْ لا، فقلتُ: لو كانَ قال هذا القولَ أحد قبله، قلت: رجلٌ ائتمَّ بقولٍ قيلَ قبلَه. قال: ثمّ قال: بما المشايخ: إنما رجع من رجع من الطريق، يعني فمن وصل مع الفريق إلى الرفيق في الأمن الداخل في البيت العتيق. وقد قال شيخ مشايخنا أبو الحسن البكري، قدس الله سره السري: الإيمان إذا دخل القلب أمن السلب. قلت: ولعل الإشارة إلى هذا المعنى والدلالة على هذا المبنى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فمن يكفر بالطاغوت﴾. أي بما سوى الله. (ويؤمن بالله﴾. أي حق الإِيمان وحق نية. ﴿لقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها﴾ [البقرة - ٢٥٦]. أي لا انقطاع ولا انفصال ولا اتحاد ولا اتصال. (وسألتك هل يزيدون أم ينقصون) ولعله ترك الواسطة وهي المساواة للإشارة إلى أن من لم يكن في الزيادة فهو في النقصان، لأن التوقف منفي في طور الإِنسان. (فزعمت أنهم يزيدون. وكذلك الإيمان) أي يزيد بنفسه وأهله (حتى يتم) أي يكمل بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وصيام وغيرها، ولذا نزل في آخر عمره وَلي: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة - ٣]. انجازاً لما وعده سبحانه بقوله: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ [التوبة - ٣٢]. ونحن بحمد الله إلى الآن بعد مضي الألف من الزمان في زيادة الإيمان تحت أشعة أنواره وفي بركة لمعان أسراره المستفادة من أخباره والمستفاضة من آثاره. (وسألتك هل قاتلتموه فزعمت أنکم قاتلتموه، فیکون الحرب بینکم وبينه سجالاً ينال منكم وتنالون منه.) أي يصيب منكم وتصيبون منه. (وكذلك الرسل تبتلى) وفيه ايماء إلى أن الدار دار ابتلاء. ولذا قال بعض العارفين: ما دمت في هذه الدار لا تستغرب وقوع الأكدار. وقد قال تعالى: ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ [الأعراف - ١٤١]. وفسر البلاء بالمحنة والمنحة، فهو من الأضداد الحاصل للعباد. والغالب أن البلاء لأهل الولاء، كما أشار إليه ويَله بقوله: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء)) (١). (ثم تكون لها) أي للرسل وأتباعها (العاقبة) أي المحمودة، قال تعالى: ﴿والعاقبة للتقوى﴾ [طه - ١٣٢]. ﴿والآخرة خير وأبقى﴾ [الأعلى - ١٧]. قال النووي: يعني نبتليهم في ذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم وبذل وسعهم في طاعة الله. (وسألتك هل يغدر فزعمت أنه) أي النبي أو الشأن. (لا يغدر) يعني والأصل بقاء الشيء على ما هو عليه كما هو مقرر في مسألة الاستصحاب، ولهذا أعرض عن الجملة المدخولة المعلولة. (وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله فزعمت أن لا. فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله، قلت: رجل انتم) أي هو رجل اقتدى (بقول قيل قبله. قال:) أي أبو سفيان (ثم قال: بما (١) الطبراني بنحوه. ذكره السيوطي في الجامع الصغير. وأخرج البخاري أوله. "مے أصورة "." .. " د-٠٩ ٥٤٦ . 1.39 كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج يأمرُكم؟ قُلنا: يأمرُنا بالصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصّلة، والعفاف. قال: إِنْ يكُ ما تقولُ حقّاً فإِنَّه نبيٍّ، وقد كنتُ أعلمُ أنَّه خارجٌ، ولم أكن أظنُّه منكم، ولو أني أعلمُ أني أخلُصُ إِليهِ لأحببتُ لقاءَه، ولو كنت عندَه لغسلتُ عن قدَميهِ، وليبلُغنَّ ملكه ما تحتَ قدَميَّ. يأمركم) بصيغة الجمع تغليباً أو التفاتاً، ولذا عدل عن قوله: قلت. إلى قوله: (قلنا: يأمرنا بالصلاة والزكاة) أي بالعبادة المالية والبدنية. (والصلة) أي صلة الرحم وكل ما أمر الله به أن يوصل. (والعفاف) بفتح العين أي الكف عن المحارم وكل ما يخالف المكارم. (قال: إن يك ما تقول حقاً فإنه نبي) في شرح مسلم قال العلماء: قول هرقل: إن يك ما تقول حقاً فإنه نبي أخذه من الكتب القديمة. ففي التوراة هذا ونحوه من علامات رسول الله وَّلقر فعرفه بالعلامات. وأما الدليل القاطع على النبوة فهو المعجزة الظاهرة الخارقة للعادة، وهكذا قاله المازري. وقال الشيخ أكمل الدين: ومع هذا لم يؤمن ولم ينتفع بتلك المعرفة، فإنه هو الذي جيش الجيوش على أصحاب رسول الله وَّلهر وقاتلهم ولم يقصر في تجهيز الجيش عليهم من الروم وغيره كرة بعد كرة فيهزمهم الله ويهلكهم، ولم يرجع إليه منهم إلا أقلهم. واستمر على ذلك إلى أن مات وقد فتح أكثر بلاد الشام ثم ولي بعده ولده، وبهلاكه هلكت المملكة الرومية. قلت: يعني الرومية الجاهلية ثم انقلبت لهم المملكة الإِسلامية بالغلبة والشوكة الإِيمانية، حتى أقامهم الله لمقاتلة الطائفة النصرانية ولمقابلة الرافضة الكفرانية وقاموا بخدمة الحرمين الشريفين من عمارتهما وخيراتهما ومبراتهما في البلدين المنيفين، وإرسال أمراء الحاج من كل فج عميق لا من الطريق الواصل إلى البيت العتيق مع ما فيهم من تعظيم الشريعة وتكريم العلماء واحترام المشايخ والأولياء، فجزاهم الله أحسن الجزاء ونصرهم على جميع الأعداء إلى يوم النداء. هذا ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. فما أعقله لو معقوله أكمله. لكن ما ساعده لعدم السعادة الأزلية ووجود الشقاوة الأبدية، والسبب في ذلك طمع الرياسة وظهور الكمال والميل إلى وصول المال وحصول المنال والغفلة عن المآل، وما يؤدي إلى النكال. ولذا قال: (وقد كنت أعلم) أي علماً يقيناً (أنه) أي النبي وَلقر (خارج) أي ظاهر في آخر الزمان. (ولم أك أظنه منكم) أي من نسل إسماعيل وهو أبو العرب، بل كنت أظنه أنه منا معشر بني إسحاق، فإن أكثر الأنبياء بعد إبراهيم عليه السلام منهم، وهذه حجة داحضة وبلية غامضة. فإن الظن لا يغني من الحق شيئاً. وما يتبع أكثرهم إلا ظناً. والحق أن يتبع. (ولو أني أعلم أني أخلص) بضم اللام، أي أصل. (إليه) أي إلى خدمته ودولته وحضرة رؤيته (لأحببت لقاءه) أي دولة ملاقاته وسعادة متابعته. (ولو كنت عنده) أي ولو صرت في مقامه ووصلت إلى موضع قيامه (لغسلت) أي وجهي (عن قدميه) أي غسلاً صادراً عن ماء أقدامه لما أرى له من الثبات على الحق وإقدامه، أو التقدير غسلت الغبار والوسخ عن قدميه فضلاً عن تقبيل يديه. (وليبلغن ملكه ما تحت قدمي) بالتشديد للتثنية المنبئة عن المبالغة والتأكيد. قال النووي: ولا عذر له في هذا لأنه قد عرف صدق النبي وَّر، وإنما شح بالملك ورغب في الرياسة فآثرها على الإِسلام وقد جاء ذلك مصرحاً به في صحيح البخاري، ولو أراد الله هدايته لوفقه كما وفق النجاشى وما زالت عنه الرياسة. وقال شيخ مشايخنا الحافظ جلال ٠٢٤٠٠ ٢٠ ٥٤٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج ثمَّ دعا بكتاب رسول الله وَله فقراَه. متفق عليه. وقد سبق تمامُ الحديثِ في ((باب الكتاب إِلى الكفّار)). « (٦) باب في المعراج الدين السيوطي: اختلف في إيمانه والأرجح بقاؤه على الكفر. ففي مسند أحمد أنه كتب: من تبوك إلى النبي ◌َّله إني مسلم، فقال النبي و 9: كذب بل هو على نصرانيته. قلت: ليس فيه نص على موته بالكفر وإنما رجح بناء على الأصل. (ثم دعا بكتاب رسول الله وَلخير فقرأه) أي فعظمه وبالغ في محافظته فصار سبباً لبقاء الملك في ذريته، بخلاف كسرى حيث شقه ومزقه فمزق الله ملكه وفرق ولده وأخرج الله عنهم ملكه. قال سيف الدين: أرسلني ملك العرب إلى ملك الفرنج في شفاعة فقبلها وعرض علي الإقامة فأبيت. فقال: لأتحفنك بتحفة سنية. فأخرج من صندوقه مقلمة من ذهب فأخرج منها كتاباً قد زال أكثر حروفه فقال: هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر ما زلنا نتوارثه إلى الآن وقد أوصانا بأنه ما دام عندنا لا يزول الملك منا فنحن نحفظه ليدوم الملك لنا. ذكره أكمل الدين (متفق عليه). (وقد سبق تمام الحديث) وهو أنه كتب إليه (في باب الكتابة إلى الكفار). (باب في المعراج) العروج هو الذهاب في صعود. قال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح﴾ [المعارج - ٤]. والمعراج بالكسر شبه السلم، مفعال من العروج بمعنى الصعود فكأنه آلة له. وقيل: بل هو آلة، وفرق بينه وبين الإسراء كما بينته في رسالتي المسماة بالمدراج للمعراج، وإنما سميت ليلة المعراج لصعود النبي ◌َّر فيها إلى السماء. وفي شرح السنة قال القاضي عياض: اختلف الناس في الإِسراء برسول الله وَّر، فقيل: إنما كان جميع ذلك في المنام. والحق الذي عليه أكثر الناس ومعظم السلف وعامة المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، أنه أسري بجسده، فمن طالعها وبحث عنها فلا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه فيحتاج إلى تأويل. وقيل: ذلك قبل أن يوحى إليه، وهو غلط لم يوافق عليه. فإن الإسراء أقل ما قيل فيه أنه كان بعد مبعثه وَ ﴿ بخمسة عشر شهراً. وقال الحربي: كان ليلة سبع وعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة. وقال الزهري: كان ذلك بعد مبعثه وَّر بخمس سنين. وقال ابن إسحاق: أسري به و 98 وقد فشا الإِسلام بمكة. وأشبه هذه الأقوال قول الزهري وابن إسحاق. وقد أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه. وأما قوله في رواية شريك: وهو نائم، وفي الرواية الأخرى: بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان. فقد يحتج به من يجعلها رؤیا نوم، ولا حجة فيه. إذ قد یکون فيه ذلك حالة أول وصول الملك إليه. وليس في الحديث ما يدل على كونه نائماً في القصة كلها. وقال محيي السنة في المعالم: والأكثرون على ذلك. قلت: ومن القليل من قال بتعداد الإسراء نوماً ويقظة، وبه ٥٤٨ ٠٠. كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج الفصل الأول ٥٨٦٢ _ (١) عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك ٦٠ /٢٣٢ يجمع بين الأدلة المختلفة. قال الطيبي: وقد روينا عن البخاري والترمذي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء - ٦٠]. قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله و * ليلة أسري بي إلى بيت المقدس(١). وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن ابن عباس قال: شيء أريه النبي ◌َ لتر في اليقظة رآه بعينه(٢)، ولأنه قد أنكرته قريش(٣) وارتدت جماعة ممن كانوا أسلموا حين سمعوه، وإنما ينكر إذا كانت في اليقظة، فإن الرؤيا لا ينكر منها ما هو أبعد من ذلك. على أن الحق أن المعراج مرتان مرة بالنوم وأخرى باليقظة. قال محيي السنة: رؤيا أراه الله قبل الوحي بدليل قول من قال: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة تحقيقاً لرؤياه، كما أنه رأى فتح مكة في المنام سنة ست من الهجرة. ثم كان تحقيقه سنة ثمان. وعن بعض المحققين أن الأرواح مأخوذة من أنوار الكمال والجلال وهي بالنسبة إلى الأبدان بمنزلة قرص الشمس بالنسبة إلى هذا العالم، وكما أن كل جسم يصل إليه نور الشمس تتبدل ظلماته بالأضواء، فكذلك كل عضو(٤) وصل إليه(٥) نور الروح انقلب حاله من الموت إلى الحياة. وقالوا: الأرواح أربعة أقسام: الأول الأرواح المكدرة بالصفات البشرية، وهي أرواح العوام غلبته القوى الحيوانية لا تقبل العروج. والثاني الأرواح التي لها كمال القوّة النظرية باكتساب العلوم وهذه أرواح العلماء. والثالث الأرواح التي لها كمال القوّة المدبرة للبدن باكتساب الأخلاق الحميدة وهذه أرواح المرتاضين إذا كبروا قوى أبدانهم بالارتياض والمجاهدة. والرابع الأرواح الحاصلة لها كمال القوتين، وهذه غاية الأرواح البشرية وهي للأنبياء والصديقين. فلما ازداد قوة أرواحهم ازداد ارتفاع أبدانهم عن الأرض، ولهذا لما كان الأنبياء عليهم السلام قویت فيهم هذه الأرواح عرج بهم إلى السماء، وأكملهم قوّة نبينا وَليل فعرج به إلى قاب قوسين أو أدنى. ١١٠٥٠/ 199 (الفصل الأوّل) ٥٨٦٢ - (عن قتادة) تابعي جليل (عن أنس بن مالك) أي خادم رسول الله وَ لجر (عن مالك (١) البخاري ٣٩٨/٨ حديث رقم ٤٧٥١. والترمذي حديث رقم ٣١٣٤. ١٣٢ (٢) أحمد في المسند ١/ ٣٧٠. (٣) في المخطوطة ذكر ((عائشة)) وهو خطأ واضح. (٤) في المخطوطة ((من). (٥) في المخطوطة ((إلى)). الحديث رقم ٥٨٦٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٠١/٧. حديث رقم ٣٨٨٧. ومسلم في صحيحه ١/ ١٥١ حديث رقم (٢٦٥. ١٦٤) وأخرجه النسائي في السنن ٢١٧/١ حديث رقم ٤٤٨. وأحمد في المسند ٤/ ٢٠٧ ٠٠٠٠ ، مدة ٥٤٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج ابن صعصعَةً، أنَّ نبي اللهِ وَّهَ حدَّثهم عن ليلةٍ أُسريّ به: ((بينما أنا في الحَطِيم - ورُبما قال في الحِجر - مضطجعاً إِذ أتاني آتٍ، فشقَّ ما بين هذِهِ إِلى هذِه)) يعني منْ ثُغْرةِ نحرِهِ إِلى شعرتِه «فاستخرج قلبي، ابن صعصعة) أنصاري مزني مدني سكن البصرة، وهو قليل الحديث. (أن نبي الله وَيقر حدثهم) أي الصحابة ومنهم أنس (عن ليلة أسري به) بالإضافة وفي نسخة بالتنوين أي ليلة أسري به فيها. قال زين العرب في شرح المصابيح: إنها مضافة إلى الماضي. وفي نسخة روايتي مجرورة منونة. وقال الطيبي: يجوز بناء ليلة وإعرابها وأسري بصيغة المجهول إيماء إلى قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً﴾ [الإسراء - ١]. والإِسراء من السري وهو السير في الليل. يقال: سرى وأسرى بمعنى. وقيل: أسري سار من أول الليل وسرى من آخره. قيل: وهو أقرب فالباء في به للتعدية وذكر الليل للتجريد أو للتأكيد، وفي الآية بالتنكير للتقليل والتعظيم. (بينما أنا في الحطيم) قال القاضي: قيل: هو الحجر سمي حجراً لأنه حجر عنه بحيطانه وحطيماً لأنه حطم جداره عن مساواة الكعبة، وعليه ظاهر قوله: بينما أنا في الحطيم. (وربما قال: في الحجر) فلعله وَّر حكى لهم قصة المعراج مرات فعبر بالحطيم تارة وبالحجر أخرى. وقيل: الحطيم غير الحجر وهو ما بين المقام إلى الباب. وقيل: ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر. والراوي شك في أنه سمع في الحطيم أو في الحجر انتهى. وقال ابن حبيب: الحطيم ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام حيث ينحطم الناس للدعاء. وقيل: كان أهل الجاهلية يتحالفون هنالك وينحطمون بالأيمان، كذا ذكره الشارح الأول والله أعلم. (مضطجعاً) قيد للروايتين وهو يحتمل النوم واليقظة. (إذ أتاني آت) أي جاءني ملك (فشق) أي قطع (ما بين هذه إلى هذه يعني) تفسير (١) من مالك على ما هو الظاهر، أي يريد النبي وَلقر بقوله: هذا. (من ثغرة نحره) بضم المثلثة وسكون العين المعجمة أي نقرة نحره التي بين الترقوتين. (إلى شعرته) بكسر الشين أي عانته. وقيل: منبت شعرها. كذا في النهاية. (فاستخرج قلبي) قال شارح: وهذا الشق غير ما كان في زمن الصبا، إذ هو لإخراج مادة الهوى من قلبه، وهذا لإدخال كمال العلم والمعرفة في قلبه. قلت: وفيه إيماء إلى التخلية والتحلية ومقام الفناء والبقاء ونفي السوي وإثبات المولى كما تشير إليه الكلمة العليا. ثم اعلم أن هذا معجزة فإن من المحال العادي أن يعيش من ينشق بطنه ويستخرج قلبه، وكأن بعضهم حملوها على المعاني المجازية. ولذا قال التوربشتي: ما ذكر في الحديث من شق النحر واستخراج القلب وما يجري مجراه فإن السبيل في ذلك التسليم دون التعرض(٢) بصرفه من وجه إلى وجه بنقول(٣) متكلف ادعاء للتوفيق بين المنقول والمعقول، هرباً مما يتوهم أنه محال ونحن بحمد الله لا نرى العدول عن الحقيقة إلى المجاز في خبر الصادق عن الأمر لعدم المحال به على القدرة. (ثم أتيت بطست) بفتح الطاء 414's (١) في المخطوطة ((نفسه). (٢) في المخطوطة ((التفويض)). (٣) في المخطوطة عبارة: ((إلى وجه سفر له)). رجب ١٣٠٠٠ ٥٥٠ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج ثمّ أُتيتُ بطَسْت من ذهب مملوءٍ إِيماناً، فغُسل قلبي، ثمَّ حُشي، ثمَّ أعيدَ» - وفي رواية: (ثمَّ غُسل البطنُ بماء زمزمَ، ثمَّ مُلىءَ إِيماناً وحكمةً - ثمَّ أتيت بدابَّة دونَ البغل وفوق الحمارِ، أبيض يُقال له: البراق، يضع خطوه عند أقصى طرفِه، فحُملتُ عليه، فانطلق بي وتكسر وسينه مهملة في العربية، ومعجمة في العجمية. (من ذهب) لعل الاستعمال كان قبل التحريم أو القضية من خصوصياته عليه الصلاة والسلام. (مملوء) على وزن مفعول بالهمز ويشدد (إيماناً) تمييز قال القاضي: لعله من باب التمثيل إذ تمثل له المعاني كما تمثل له أرواح الأنبياء الدارجة بالصور التي كانوا عليها قبله. الطيبي: وفيه أن الأرواح أجساد لطيفة على الصحيح من الأقوال إلا أن يقال: المراد تمثل له الأرواح بأجسادهم الفانية، ولكن فيه أن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء. نعم لو قيل ببقاء أجسادهم المتعلقة بها أرواحهم في عالم الملك وبتمثلها في عالم الملكوت لكان توجيهاً وجيهاً وتنبيهاً نبيهاً، بل هو الظاهر ولا يبعد عن قدرة القاهر. وفي شرح مسلم معنى جعل الإيمان في الطست جعل شيء فيه يحصل به الإِيمان فيكون مجازاً. وقد قال الشارح الأول: مانع من إرادة الحقيقة. أقول: والحاصل أن المعاني قد تتجسم كما حقق في وزن الأعمال وذبح كبش الموت ونحوهما. (فغسل قلبي ثم حشي) ماض مجهول من الحشو، أي ملىء من حب ربي (ثم أعيد) أي القلب إلى موضعه الأول على الوجه الأكمل (وفي رواية: ثم غسل البطن) أي الجوف مطلقاً أو محل القلب فإنه بيت الرب. (بماء زمزم ثم ملىء إيماناً وحكمة) أي ايقاناً واحساناً فهو تكميل وتذييل. (ثم أتيت بدابة) هي تطلق على الذكر والأنثى لقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود - ٦]. والتاء فيها للوحدة، فالمعنى بمركوب متوسط. (دون البغل) أصغر منه (وفوق الحمار) أي أكبر منه (أبيض) بالنصب على الحال أو الصفة (يقال له البراق) بضم أوّله سمي به لبريق لونه أو لسرعة سيره كبرق السحاب، ولا منع من الجمع وإن كان يؤيد الثاني قوله: (يضع خطوه عند أقصى طرفه) بفتح فسكون في كل منهما، أي يضع قدمه عند منتهى بصره وغاية نظره، قيل: الأصح أنه كان معداً لركوب الأنبياء. وقيل: لكل نبي براق على حدة وهو المناسب لمراتب الأصفياء. ففي شرح مسلم قالوا: هو اسم الدابة التي ركبها رسول الله وَل ليلة الإسراء. قال الزبيدي في مختصر العيني وصاحب التحرير: هي دابة كانت الأنبياء عليهم السلام يركبونها. وهذا الذي قالاه يحتاج إلى نقل صحيح. قال الطيبي: ولعلهم حسبوا ذلك من قوله في حديث آخر: فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء. أي ربطت البراق بالحلقة التي ربط بها الأنبياء. قلت: وليس فيه دلالة على تقدير تسليم تقديره لأن المراد بالبراق الجنس في الثاني. قال: وأظهر منه حديث أنس في الفصل الثاني قول جبريل للبراق: فما ركبك أحد أكرم على الله منه. قلت: هو مع ظهوره لا يخفى ما فيه من الاحتمال المانع من صحة الاستدلال، إذ يحتمل أنه ركبه بعض الملائكة أو جبريل قبله عند نزوله إليه *، أو التقدير فما ركب مثلك أو جنسك أحد أكرم على الله منه. فلا معنى لتنفرك عنه. (فحملت عليه) بصيغة المجهول أي ركبت عليه بمعاونة الملك أو بإعانة الملك، وفيه إيماء إلى صعوبته كما سيأتي وجهه. (فانطلق بي مرقادم ه ٥٥١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج جيريلُ حتى أتى السّماء الدنيا، فاستفتحَ، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلْ. قيل: ومَن معَك؟ قال: محمَّدٌ. قيل: وقد أُرسلَ إِليه؟ جبريل حتى أتى باب السماء الدنيا) ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء وتمسك به من زعم أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس. فأما المعراج فعلی غیر هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل رقي في المعراج وهو السلم كما وقع به مصرحاً ذكره العسقلاني. أقول: الأظهر أن هذا اقتصار من الراوي وإجمال لما سبق أنه ربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، نعم يمكن أن يكون سيره على البراق إلى بيت المقدس ثم إسراؤه إلى السماء بالمعراج الذي هو السلم والله أعلم. فكأن الراوي طوى الرواية فاختل به أمر الدراية. ثم قيل: الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج إلى السماء إظهار الحق للمعاندين، لأنه لو عرج به عن مكة إلى السماء أولاً لم يكن سبيل إلى إيضاح الحق للمعاندين كما وقع في الإخبار بصفة بيت المقدس وما صادفه في الطريق من العير، مع ما في ذلك من حيازة فضيلة الرحيل إليه لأنه محل هجرة غالب الأنبياء، ولما روي أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، فأسري إليه ليحصل العروج مستوياً من غير تعويج. ذكره السيوطي. (فاستفتح) أي طلب جبريل فتح باب السماء الدنيا (قبل: من هذا) أي المستفتح (قال: جبريل) بتقدير هو أو أنا. قال القاضي عياض: وفيه أن للسماء أبواباً حقيقة وحفظة موكلين بها، وفيه إثبات الاستئذان وأنه ينبغي أن يقول أنا زيد مثلاً. يعني لا يكتفي بقوله أنا كما هو المتعارف، إذ قد ورد به النهي. (قيل: ومن معك) أي أنت نعرفك ومن معك حتى تستفتح (قال: محمد قيل: وقد أرسل إليه) الواو للعطف وحرف الاستفهام مقدر، أي أطلب وأرسل إليه بالعروج أو بالوحي، والأول أشهر وأظهر وعليه الأكثر. قال النووي: وفي رواية أخرى: وقد بعث إليه، أي بعث إليه للإسراء وصعود السماء. وليس مراده الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة فإن ذلك لا يخفى على الملائكة إلى هذه المدة وهذا هو الصحيح. وقال البيضاوي: أي أرسل إليه للعروج. وقيل: معناه أوحي إليه وبعث نبياً، والأول أظهر لأن أمر نبوّته كان مشهوراً في الملكوت لا يكاد يخفى على خزائن السموات وحراسها وأوفق للاستفتاح والاستئذان ولذلك تكرر معه. وتحت هذه الكلمات ونظائرها أسرار يتفطن لها من فتحت بصيرته واشتعلت قريحته. قلت: ولعل مأخذها وقوفه على جميع الأبواب على دأب آداب أرباب الألباب، ثم السؤال من رواء الحجاب، وكذا الجواب بمرحباً مرحباً بذلك الجناب المشعر بالتنزل الرحماني والاستقبال الصمداني والإقبال الفرداني المشير إلى ما قال في الحديث القدسي المعبر عن الكلام النفسي: ((من أتاني يمشي أتيته هرولة ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً)(١). المومي إلى قوله سبحانه: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ [الحديد - ٤]. المصرح بالمعية الخاصة في مقام مريد المزيد. ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ [ق - ١٦]. ثم الوارد على لسانه بلسان الجمع. ﴿إن الله معنا﴾(٢). ثم عرض علو مقامه وحصول مرامه على جون (١) أحمد في المسند ١٣٨/٣. ocer حاء ١٫١٣ ٥٥٢ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج قال: نعم قيل: مرحباً به، فنعمَ المجيءُ جاء، ففُتح فلمَّا خلصتُ، فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوكَ آدَم، فسلِمْ عليهِ، فسأَّمتُ عليه، فردَّ السلام، ثمَّ قال: مرحباً بالابنِ الصَّالحِ والنبيِّ الصالح؛ ثمَّ صعِد بي حتى أتى السَّماءَ الثانيةً، فاستفتحَ قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قيل: ومَن معَكَ؟ قال: محمَّدٌ. قيل: وقد أُرسل إِليهِ؟ قال: نعمْ. قيل: مرحباً به، فنعمَ المجيء جاءَ، ففُتح. فلمَّا خلصتُ إِذا يحيى وعيسى وهُما ابنا خالة قال: هذا يحيى وهذا عيسى فسلّمْ عليهِما، فسلّمتُ فرداً، ثمَّ قالا: مرحباً بالأخِ الصَّالحِ والنبيِّ الصالح. ثم صعِد بي إلى السماءِ الثالثة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: آبائه الكرام وإخوانه العظام في تلك المشاهد الفخام فيا لها من ساعة سعادة لا يتصوّر فوقها زيادة. وقيل: كان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه أو للاستبشار بعروجه إليه إذا كان من البين عندهم أن أحداً من البشر لا يترقى إلى أسباب السموات من غير أن يأذن الله له ويأمر ملائكته بإصعاده، فإن جبريل لم يصعد بمن لم يرسل إليه ولا يستفتح له أبواب السماء. (قال:) أي جبريل (نعم) أي أرسل إليه بالتقريب لديه والإنعام عليه (قيل: مرحباً به) أي أتى الله بالنبي مرحباً، أي موضعاً واسعاً. فالباء للتعدية ومرحباً مفعول به. والمعنى جاء أهلاً وسهلاً لقوله: (فنعم المجيء) أي مجيئه (جاء) فعل ماض وقع استئناف بيان زماناً أو حالاً، والمجيء فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف. قال المظهر: فيه تقديم وتأخير وحذف المخصوص بالمدح، أي جاء فنعم المجيء مجيئه. وقيل: تقديره نعم المجيء الذي جاءه، فحذف الموصول واكتفى بالصلة. أو نعم المجيء مجيء جاء فحذف الموصوف واكتفى بالصفة. (ففتح) أي باب السماء (فلما خلصت) بفتح اللام أي وصلت إليها ودخلت فيها (فإذا فيها آدم. فقال:) أي جبريل (هذا أبوك) أي جدك آدم (فسلم عليه) قال التوربشتي: أمر بالتسليم على الأنبياء لأنه كان عابراً عليهم وكان في حكم القائم وكانوا في حكم القعود والقائم يسلم على القاعد وإن كان أفضل منهم، وكيف لا والحديث دل على أنه أعلى مرتبة وأقوى حالاً وأتم عروجاً. (فسلمت عليه. فرد السلام) أي رداً جميلاً وفيه دليل على أن الأنبياء أحياء حقيقة (ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح) قيل: وإنما اقتصر الأنبياء على هذا الوصف لأن الصلاح صفة تشمل جميع خصائل الخير وشمائل الكرم ولذا قيل: الصالح من يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق عباده. ولذا ورد في الدعاء على ألسنة الأنبياء: ﴿توفني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ [يوسف - ١٠١]. ويمكن أن يكون المراد به الصالح لهذا المقام العالي والصعود المتعالي. (ثم صعد بي) بكسر العين، أي طلع بي جبريل والباء للتعدية أو المصاحبة. (حتى أتى السماء الثانية) وقد ورد أن بين ((كل سماء وسماء مسافة خمسمائة عام))(١). (فاستفتح. قيل: من هذا. قال: (١) وهو قوله تعالى: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ [التوبة- آية رقم ٤٠ ]. (٢) راجع الحديث رقم (٥٧٣٥). ٥٥٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففُتح، فلمَّا خلصتُ إذا يوسف، قال: هذا يوسف، فسلم عليه، فسلمت عليه، فردّ. ثم قال: مرحباً بالأخِ الصَّالح والنبي الصَّالح؛ ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد. قيل: وقد أرسل إِليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه. قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء) في تكرار هذا السؤال والجواب في كل من الأبواب إشعار بأنه بسط له الزمان وطوى له المكان واتسع له اللسان وانتشر له الشأن في ذلك الآن بعون الرحمن. (ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة.) جملة معترضة محتملة أن تكون من أصل الحديث وأن تكون مدرجة من كلام الراوي. هذا وقال، ابن الملك في شرح المشارق: المرئي كان أرواح الأنبياء متشكلة بصورهم التي كانوا عليها، إلاّ عيسى فإنه مرئي بشخصه. وسبقه التوريشتي حيث قال: ورؤية الأنبياء في السموات وفي بيت المقدس حيث أبهم يحمل على رؤية روحانيتهم الممثلة بصورهم التي كانوا عليها، غير عيسى فإن رؤيته محتملة للأمرين أو أحدهما. قلت: وقد قدمنا أن الأنبياء لا يموتون كسائر الأحياء بل ينتقلون من دار الفناء إلى دار البقاء، وقد ورد به الأحاديث والأنبياء وأنهم أحياء في قبورهم فإنهم أفضل من الشهداء وهم أحياء عند ربهم(١). (قال:) أي جبريل (هذا يحيى) قدمه لسبقه في الوجود (وهذا عيسى) ختم به لأنه أتم في الشهود وخاتمة أرباب الفضل والجود. (فسلم عليهما) أي جملة، أو على حدة. (فسلمت فردا) أي السلام علي بأحسن رد (ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح) لقوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات - ١٠]. ولما سبق في الحديث من أن الأنبياء إخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد (٢). (والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح. قيل: من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه. قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء. ففتح) فيه إشعار بأن كلاً من الأنبياء لم يحصل لهم الاستعلاء إلا بالاستئذان الملكي والفتح الإلهي وأن كلاً منهم كالملائكة لهم مقام معلوم وحال مفهوم ولا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم والله أعلم. (فلما خلصت إذا بيوسف. قال: هذا يوسف فسلم عليه. فسلمت عليه فرد) أي رداً حسناً (ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى(٣) أتى السماء الرابعة، فاستفتح. قيل: من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه. قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء) وهذا التكرير والبيان على وجه التكثير يعد من قبيل: ١ ١ جم أمور هوم عد أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره * هو المسك ما كررته يتضوع (١) روى ابن عدي ((الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون)). (٢) راجع الحدیث رقم (٥٧٢٢). (٣) فى المخطوطة ((ثم)). م .٥٣ ١٣٠ ٥٥٤ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج ففتح، فلما خلصت فإذا إِدريس، فقال: هذا إدريس، فسلّم عليه، فسلَّمت عليه، فردّ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح؛ ثم صعِد بي حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إِليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففُتح، فلما خلصتُ، فإِذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه، فردَّ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح؛ ثم صعِد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إِليه؟ قال: نعم. قال: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصتُ فإِذا موسى، قال: هذا موسى، فسلّم عليه، فسلَّمت عليه، فردّ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما جاوزت بكى، قيل: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخلُ الجنةَ من أمته أكثرُ ممَّن يدخلها من أمتي. (ففتح. فلما خلصت فإذا إدريس. فقال: هذا إدريس. فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح) قال عياض: هذا يخالف قول أهل التاريخ أن إدريس كان من آبائه وَّ*، ويحتمل أن يكون قول إدريس ذلك تلطفاً وتأدباً وهو أخ أيضاً وإن كان أباً، فإن الأنبياء إخوة كذا في شرح مسلم. (ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح. قيل: من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك. قاف: محمد. قيل: وقد أرسل إليه. قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء. ففتح) فيه إشعار بأنه لم يفتح باب السماء إلا لمن يكون مسبوقاً بنعت العلاء ووصف الولاء، وأما الأعداء فلا تفتح لهم أبواب السماء حتى يلج الجمل في سم الخياط. (فلما خلصت فإذا هارون قال: هذا هارون. فسلم عليه. فسلمت عليه فرد. ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح. قيل: من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك. قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه. قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء ففتح.) فيه تنبيه نبيه على أن من منح له بفتح باب ما منع من باب آخر ولم يقع له حجاب بل يفتح له أبواب الرحمة ثم أبواب الجنة وما أحسن من قال من أرباب الحال: على بابك الأعلى مددت يد الرجا * ومن جاء هذا الباب لا يختشي الردى (فلما خلصت إذا موسى قال: هذا موسى فسلم عليه فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. فلما جاوزت) أي موسى أو مقامي (بكى) أي موسى تأسفاً على أمته وشفقة على أهل ملته فإنهم قصروا في الطاعة ولم يتبعوه حق المتابعة مع طول مدته وامتداد أيام دعوته فلم ينتفعوا به انتفاع هذه الأمة بمحمد ﴿ مع قلة عمره وقصر زمانه، وبهذا يظهر وجه قوله: (قيل له: ما يبكيك. قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي) فإنه لم يرد بذلك استقصار شأنه، فإن الغلام قد يطلق ويراد به القوي الطري الشاب وهذا زبدة كلام التوريشتي. وقد حمله بعضهم على الغبطة وفيه نظر ظاهر ٥٥٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج ثم صعِد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بُعث إِليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا إِبراهيم، قال: هذا أبوك إِبراهيم، فسلّم عليه، فسلَّمت عليه، فردَّ السلام ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، لأهل الفطنة، اللهم إلا أن يحمل على التمني فإنه قد يتصور في أمر المحال والله أعلم بالحال. وقال بعض العلماء: لم يكن بكاء موسى عليه السلام حسداً، معاذ الله فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين فكيف بمن اصطفاه الله وهو في عالم الملكوت، بل كان آسفاً على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم الملزوم لنقص أجره، لأن(١) لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه. وأما قوله: غلام، فليس على سبيل التنقيص بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه، إذ أعطى لمن كان في ذلك السن ما لم يعطه أحداً قبله ممن هو أسن منه. وقال العسقلاني: ويظهر لي أن موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا ﴿ من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في أول الشيخوخة ولم يدخل على بدنه هرم ولا اعترى قوته نقص. قلت: ويمكن أن يكون وجه تسميته غلاماً أنه حين مروره على الأنبياء كان في مدة عمره قليل بالنسبة إلى أعمارهم في الدنيا، ثم مرور الأزمنة عليهم في حال البرزخ، وقد يعتبر كونه غلاماً لما حصل له المرتبة العلية في قليل من مدة البعثة النبوية، فإن المعراج على ما سبق إنما كان بعد الوحي بزمان قليل. إذ أقصى ما قيل فيه أنه قبل الهجرة بسنة فيصدق عليه عمر الغلام بناء على أن قبله ليس من العمر التمام والله أعلم بحقيقة المرام. (ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل قيل: من هذا. قال: جبريل. قيل: ومن معك قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه. قال: نعم. قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء) في إطباق كلمتهم واتفاق جملتهم على هذا المدح المطلق إشعار بأن ألسنة الخلق أقلام الحق وليس هنا في الأصول لفظ ففتح، فكأنه سقط من لفظ الراوي أو اكتفاء بما سبق. ودلالة عليه بقوله: (فلما خلصت فإذا إبراهيم. قال: هذا أبوك) أي جدك الأقرب (إبراهيم فسلم [عليه] فسلمت عليه فرد السلام) وكأن نبينا عليه السلام كان في الاستغراق التام ومشاهدة المرام غافلاً عن الأنام كما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم - ١٧]. حتى احتاج في كل من المقام إلى تعليم جبريل بالسلام (ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح) قال الحافظ السيوطي: استشكل رؤية الأنبياء في السموات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم؛ وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم أو أحضرت أجسادهم لملاقاته وَفي تلك الليلة تشريفاً له. واختلف في حكمة اختصاص من ذكر من الأنبياء بالسماء التي لقيه. والأشهر أنه على حسب تفاوتهم في الدرجات، وعن هذا قال ابن أبي جمرة: اختصاص آدم بالأولى لأنه أول الأنبياء وأول الآباء، فكان في الأولى أولى، وعيسى بالثانية لأنه أقرب الأنبياء عهداً من نبينا و # #، ويليه يوسف لأن أمة محمد يدخلون الجنة (١) في المخطوطة ((كان)). ٥٥٦ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج ثم رُفعتُ إِلى سدرة المنتهى، فإذا نَبِقُها مثل قِلال هجر، وإِذا ورقُها مثل آذان الفِيَلة، قال: هذا سدرة المنتهى، فإِذا أربعةُ أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران. قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أَمَّا الباطنان فنهران في الجنة، على صورته، وإدريس في الرابعة لقوله تعالى: ﴿ورفعناه مكاناً علياً﴾ [مريم - ٥٧]. والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون في الخامسة لقربه من أخيه، وموسى أرفع منه لفضل كلام الله تعالى، وإبراهيم فوقه لأنه أفضل الأنبياء بعد نبينا. أقول: بقي الكلام على سائر الأنبياء عليهم السلام ولعلهم كانوا موجودين في السموات بما يناسبهم من المقام ولم يذكر في كل سماء إلا واحد من المشاهير الأعلام واكتفى بذكرهم عن بقية الكرام. (ثم رفعت إلى سدرة المنتهى) وفي نسخة السيد وبعض النسخ: رفعت لي سدرة المنتهى. ويؤيده قول الآتي: ثم رفع لي البيت المعمور. وفي نسخة إليّ بتشديد الياء. قال الحافظ العسقلاني: الأكثر بضم الراء وسكون العين وضم التاء بضمير المتكلم وبعده حرف الجر. وللكشميهني: رفعت لي. بفتح العين وسكون التاء أو رفعت السدرة لي باللام، أي من أجلي. ويجمع بين الروايتين بأن المراد رفعه إليها، أي ارتقي به وأظهرت له. والرفع إلى الشيء يطلق على التقرب منه. وقال التوربشتي: الرفع تقريبك الشيء. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وفرش مرفوعة ﴾ [الواقعة - ٣٤]. أي مقربة لهم، فكأنه أراد أن سدرة المنتهى استبينت له بنعوتها كل الاستبانة حتى اطلع عليها كل الاطلاع بمثابة الشيء المقرب إليه، وفي معناه رفع لي البيت المعمور ورفع لي بيت المقدس. قال النووي: سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله وَلجر. وحكي عن عبد الله بن مسعود أنها سميت بذلك لكونه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تبارك وتعالى. وقال السيوطي: وإضافتها إلى المنتهى لأنها مكان ينتهي دونه أعمال العباد وعلوم الخلائق، ولا تجاوز للملائكة والرسل منها إلا النبي * وهي في السماء السابعة وأصل ساقها في السادسة. (فإذا نبقها) بكسر الموحدة ويسكن أي ثمرها من كبره الدال على كبرها. (مثل قلال هجر) بكسر القاف جمع قلة بالضم وهي إناء للعرب كالجرة الكبيرة، وهجر اسم بلد ينصرف ولا ينصرف ولما كانت الثمرة في قشرتها كالمطعوم في ظرفه ضرب مثل ثمرتها بأكبر ما كانوا يتعارفونه بينهم من الظروف، كذا ذكره شارح. وفي القاموس: هجر محركة، بلد باليمن مذكر مصروف وقد يؤنث ويمنع، وقرية كانت قرب المدينة ينسب إليها القلال، وينسب إلى هجر اليمن. (وإذا ورقها) أي أوراقها في الكبر (مثل آذان الفيلة) بكسر الفاء وفتح التحتية واللام جمع الفيل مثل الديكة [جمع الديك] والآذان بالمد جمع الأذن. (قال:) أي جبريل (هذا) أي هذا المقام أو هذا الشجر (سدرة المنتهى فإذا أربعة أنهار) أي ظاهرة. وقال شارح: إذا للمفاجأة أي فإذا أنا بأربعة أنهار. (نهران باطنان ونهران ظاهران. قلت: ما هذان) أي النوعان من الأربعة نحو قوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم ﴾ [الحج - ١٩]. (يا جبريل. قال: أما الباطنان فنهران في الجنة) قال ابن الملك: يقال لأحدهما الكوثر وللآخر نهر الرحمة، كما في خبر. وإنما قال باطنان لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما أو لأنهما مخفيان عن أعين الناظرين فلا يريان ١٣/ ٥٥٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج وأمَّا الظاهران فالنيل والفرات، ثمَّ رُفِع لي البيت المعمورُ، ثمَّ أَتيتُ بإِناءِ منْ خمرٍ وإِناءِ من لبنٍ وإِناء من عسلٍ، فأخذت اللبنَ، فقال: هي الفطرةُ أنت عليها وأُمَّتُك، ثمَّ فُرضتْ علَيَّ الصلاةُ خمسينِ صلاةً كلَّ يومٍ، فرجعتُ فمررتُ على موسى، فقال: بما أُمرتَ؟ قلتُ: أمرتُ بخمسينَ صلاة كلَّ يومٍ. قال: إِنَّ أُمتكَ لا تستطيعُ خمسينَ صلاة كلّ يومٍ، حتى يصبا في الجنة. (وأما الظاهران فالنيل والفرات) قال القاضي: الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض لخروج النيل والفرات من أصلها. وقال ابن الملك: يحتمل أن يكون المراد منهما ما عرفا بين الناس ويكون ماؤهما مما يخرج من أصل السدرة وإن لم يدرك كيفيته. وأن يكون من باب الاستعارة في الاسم بأن شبههما بنهري الجنة في الهضم والعذوبة، أو من باب توافق الأسماء بأن يكون اسما نهري الجنة موافقين لأسمى نهري الدنيا. وفي شرح مسلم قال مقاتل: الباطنان هما السلسبيل والكوثر، والظاهران النيل والفرات يخرجان من أصلها ثم يسيران حيث أراد الله تعالى، ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها. وهذا لا يمنعه شرع(١) ولا عقل وهو ظاهر الحديث فوجب المصير إليه. (ثم رفع لي) أي قرب وأظهر لأجلي (البيت المعمور) وهو بيت في السماء السابعة حيال الكعبة وحرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض. (ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل. فأخذت اللبن) قال ابن الملك: اعلم أن اللبن لما كان ذا خلوص وبياض وأول ما يحصل به تربية المولود صور به في العالم المقدس مثل الهداية والفطرة التي يتم به القوة الروحانية، وهي الاستعداد للسعادات الأبدية أولها انقياد الشرع وآخرها الوصول إلى الله تعالى. (فقال: هي الفطرة) أنث مرجع اللبن مع أنه مذكر مراعاة للخبر. (أنت عليها وأمتك) أي عليها أو كذلك (ثم) يعني بعد وصوله إلى مقام: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم - ٨ - ٩ - ١٠]. (فرضت علي الصلاة) وفي الحديث الآتي: على أمتي. ولا منافاة (خمسين صلاة) بتقدير أعني، وقوله: (كل يوم) أي وليلة ظرف (فرجعت فمررت على موسى) أي بعد إبراهيم فقد روى الترمذي أنه ﴿ قال: ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي. فقال: يا محمد اقرىء أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر(٢). (فقال:) أي موسى (بما أمرت من العبادة. قال: أمرت بخمسين صلاة) أي أقلها ركعتان. قال ابن الملك: وقيل: كانت كل صلاة على ركعتين، ألا ترى أن من قال علي صلاة يلزمه ركعتان. (كل يوم) يحتمل اختصاصه بالنهار، والأظهر أن المراد كل يوم وليلة لما سيأتي من قوله: خمس صلوات في كل يوم وليلة. فيكون من باب الاكتفاء للظهور والاستغناء. (قال: إن أمتك لا تستطيع) قيد بالأمة لأن قوة الأنبياء وعصمتهم تمنعهم عن المخالفة وتعينهم على الموافقة في الطاعة، ولو على أقصى غاية المشقة والطاقة. والمعنى لا تقدر أمتك عادة أو سهولة لضعفهم أو كسلهم. (خمسين صلاة) أي أداءها (كل يوم) ثم بين i أجور (١) فى المخطوطة ((شارع). (٢) الترمذي في السنن ٤٧٦/٥ حديث رقم ٣٤٦٢. ٨ ٥٥٨ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج وإِني واللَّهِ قَدْ جرَّبتُ الناسَ قبلكَ، وعالجتُ بَنِي إِسرائيلَ أشدَّ المعالجةِ، فارجِعْ إِلى ربّكَ فَسَلْهُ التخفيف لأمَّتك، فرَجعتُ فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إِلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فأمرت بعشر صلوات كلّ يوم، فرجعت إِلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كلّ يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بما أُمرت؟ قلتُ: أُمرتُ بخمسٍ صلواتٍ كلَّ يومٍ. قال: إِنَّ أُمتكَ لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كلَّ يومٍ، وإِنِي قَدْ جرَّبت النَّاسَ قبلكَ، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجةِ، فارجعْ إِلى ربّك فسلْهُ التَّخفيفَ لأمَّتكَ، قال: سألت ربِّي حتى استحييتُ؛ عدم استطاعتهم بقوله: (وإني [والله] قد جربت الناس) أي زاولت ومارست الأقوياء من الناس (قبلك) يعني ولقيت الشدة فيما أردت منهم (وعالجت بني إسرائيل) أي بالخصوص (أشد المعالجة) أي ولم يقدروا على مثل ذلك فكيف أمتك (فارجع إلى ربك فاسأله) أمر من سأل مهموزاً أو مبدلاً أو منقولاً نسختان مقبولتان وقراءتان صحيحتان، أي فاطلب. (التخفيف لأمتك فرجعت) أي إلى ربي (فوضع عني عشراً) وهو خمس الأصل وسيأتي أنه وضع عنه خمساً وكأنه كان أولاً ثم صار عشراً، أو عبر عن الخمس(١) بالعشر اقتصاراً واختصاراً. (فرجعت إلى موسى فقال مثله) أي مثل مقالته الأولى (فرجعت) أي ثانياً (فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت) أي ثالثاً (فوضع عني عشراً فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت) أي رابعاً (فأمرت بعشر صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت) أي خامساً (فأمرت بخمس صلوات كل يوم) أي وليلة ولعل الاكتفاء فيه للتغليب حيث أكثر الصلوات فيه أو لأن الليل تابع لما قبله كما في ليلة عرفة وليالي أيام النحر. (فرجعت إلى موسى فقال: بما أمرت. قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك) أي أكثرهم (لا تستطيع خمس صلوات) أي مواظبتها ومداومتها ومحافظتها (كل يوم وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل [أشد المعالجة] ) أي ولم يستطيعوا ما دون ذلك (فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك) قال الخطابي: مراجعة الله في باب الصلاة إنما جازت من رسولنا محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام لأنهما عرفا أن الأمر الأول غير واجب قطعاً لما صدرت منهما المراجعة فصدور المراجعة دليل على أن ذلك غير واجب قطعاً لأن ما كان واجباً قطعاً لا يقبل التخفيف ذكره الطيبي، وتبعه ابن الملك. وأقول: وما لم يكن واجباً لا يحتاج إلى سؤال التخفيف قطعاً، فالصحيح ما قيل إنه تعالى في الأول فرض خمسين ثم رحم عباده ونسخها بخمس كآية الرضاع عند بعض وعدة المتوفى عنها زوجها على قول. وفيه دليل على أنه يجوز نسخ الشيء قبل وقوعه كما قال به الأكثرون وهو الصحيح. وقالت المعتزلة وبعض العلماء لا يجوز ذكره النووي. (قال:) أي النبي ◌َليزر (سألت ربي) أي التخفيف (حتى استحييت) أي من كثرته، وفي (١) في المخطوطة عبارة: ((عشراً عن الخميس)) والصواب ما ذكر. راك .. ١٣٢٢/١٢/١ ٦٩٧٧٫٠ ٥٥٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج ولكني أرضى وأُسلّم. قال: فلما جاوزْتُ، نادى منادٍ: أمضيتُ فريضتي وخفّفْتُ عن عبادي)). متفق عليه. ٥٨٦٣ - (٢) وعن ثابتِ البُنانيّ، عن أنسٍ، أنَّ رسول الله وَلّه قال: ((أُتيتُ بالبُراق، وهو دابَّة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يقع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيتُ بيت المقدس، فربطتُه بالحلْقةِ التي تربِط بها الأنبياء)». نسخة بياء واحدة فهما لغتان، أو الثانية تخفيف للأولى بالنقل والحذف. والمعنى: فلا أرجع لطلب التخفيف وإن كان الظن في الأمة أن لا يستطيعوا دوام المحافظة. (ولكني أرضى) أي بما قضى ربي وقسم (وأسلم) أي أمري وأمرهم إلى الله وأنقاد بما حكم. قال الطيبي: فإن قلت حق لكن أن يقع بين كلامين متغايرين معنى فما وجهه ههنا. قلت: تقدير الكلام هنا حتى استحييت فلا أرجع فإني إذا رجعت كنت غير راض ولا مسلم، ولكني أرضى وأسلم انتهى. ولا يخفى أن المراجعة غير منافية للرضا والتسليم وإلا لما رضي بها موسى ونبينا عليهما أفضل الصلاة وأكمل التسليم. وتوضيحه أن سؤال العافية ودفع البلاء وطلب الرزق ودعاء النصر على الأعداء وأمثال ذلك كما صدر من الأنبياء والأولياء لا ينافي الرضا بالقضاء أبداً ولا التسليم لما في الأزل أبداً .. (قال:) أي النبي ◌َّ# (فلما جاوزت) أي موسى وتركت المراجعة (نادى مناد) أي حاكياً كلام ربي (أمضيت فريضتي) أي أحكمتها وأنفذتها أولاً (وخففت عن عبادي) أي ثانياً وسيأتي لهذا تتمة معرفتها مهمة (متفق عليه.) ورواه النسائي. ٥٨٦٣ - (وعن ثابت البناني) بضم الموحدة قبل النون الأولى، تابعي من أعلام أهل البصرة وثقاتهم، اشتهر بالرواية عن أنس بن مالك وصحبه أربعين سنة وروى عنه نفر. (عن أنس أن رسول الله وَ لثم قال: أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل) أي وسطاني لقوله: (فوق الحمار ودون البغل يقع حافره عند منتهى طرفه) أي نظره (فركبته حتى أتيت بيت المقدس) بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال، ويروى بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المفتوحة. (فربطته بالحلقة) بسكون اللام ويفتح. قال النووي: هي بسكون اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها. (التي يربط) بالتذكير ويجوز تأنيثه وهو بكسر الموحدة ويضم. ففي القاموس: ربطه يربطه ويربطه شدة. وفي الصحاح ربطت الشيء أربطه وأربطه أيضاً عن الأخفش انتهى. فعلم أن الضم لغة ضعيفة ولهذا أجمع القراء على الكسر في قوله تعالى: ﴿وليربط على قلوبكم﴾ [الأنفال ـ ١١]. ثم قوله: (بها) بضمير المؤنث في جميع نسخ المشكاة وهو ظاهر. وفي شرح مسلم الحلقة التي يربط به كذا هو في الأصول بضمير المذكر أعاده على معنى الحلقة وهو الشيء، أي الذي يربط به. والمعنى بالشيء الذي يربط به. (الأنبياء) أي براقهم أو هذا البراق على خلاف تقدم، نعم لو كان المروي يربط الأنبياء بها لوقع الحديث رقم ٥٨٦٣: أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٥/١ حديث رقم (١٦٢.٢٥٩). وأحمد في المسند ٣٩٢/٥. ٥٦٠ كتاب الفضائل والشمائل/ باب في المعراج قال: ((ثمَّ دخلتُ المسجد فصلَّيتُ فيه ركعتين، ثم خرجتُ فجاءني جبريل بإِناء من خمر وإِناء من لبن، فاختَرتُ اللَّبن، فقال جبريل: اخترت الفطرةَ، ثم عُرج بنا إلى السماءِ». وساق مثل معناه. قال: ((فإِذا أنا بآدمَ، فرحَّبَ بي ودعا لي بخيرٍ)). وقال في السماءِ الثالثة: ((فإذا أنا بيوسف، إِذا هو قد أُعطيَ شطرَ الحسنِ، الاتفاق على اتحاد البراق. (قال: ثم دخلت المسجد) أي [المسجد] الأقصى وهذا المقدار من الإسراء مما أجمع عليه العلماء، وإنما خلاف المعتزلة في الإسراء إلى السماء بناء على منع الخرق والالتئام تبعاً لكلام الحكماء اللئام. (فصليت فيه ركعتين) أي تحية المسجد، والظاهر أن هذه هي الصلاة التي اقتدى به الأنبياء وصار فيها إمام الأصفياء. (ثم خرجت) أي من المسجد (فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن) ولعل ترك العمل من اقتصار الراوي (فاخترت اللبن) أي لما سبق (فقال جبريل: اخترت الفطرة) أي التي فطر الناس عليها وهو الدين القيم، كما قال تعالى(١) وأشار إليه وي ليه بقوله: ((كل مولود يولد على الفطرة))(٢). انتقالاً مما يفطر به المولود ويغذى من اللبن المعهود (ثم عرج) بفتح العين والراء على ما ذكره النووي وتبعه السيوطي. فالفاعل جبريل أو الرب الجليل لقوله: (بنا) أي بي وبجبريل ويمكن أن يكون قوله: بنا، بناء على التعظيم وفي نسخة بصيغة المجهول أي صعد بنا. (إلى السماء وساق) أي وذكر ثابت الحديث عن أنس. (مثل معناه) أي نحو معنى الحديث السابق برواية قتادة عن أنس. (قال:) أي النبي ◌َلتر أو ثابت أو أنس مرفوعاً (فإذا أنا بآدم فرحب بي) أي قال لي بعد رد سلامي: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح. (ودعا لي بخير) يحتمل أن يكون بياناً لقوله: فنعم المجيء جاء. وأن يكون غيره غير مبين. (وقال في السماء الثالثة: فإذا أنا بيوسف إذا هو) بدل من الأول في معنى بدل الاشتمال. (قد أعطي شطر الحسن) قال المظهر: أي نصف الحسن. أقول: وهو يحتمل أن يكون المعنى نصف جنس الحسن مطلقاً أو نصف حسن جميع أهل زمانه. وقيل: بعضه لأن الشطر كما يراد به نصف الشيء قد يراد به بعضه مطلقاً. أقول: لكنه لا يلائمه مقام المدح وإن اقتصر عليه بعض الشراح، اللهم إلا أن يراد به بعض زائد على حسن غيره، وهو إما مطلق فيحمل على زيادة الحسن الصوري دون الملاحة المعنوية لئلا يشكل نبينا وَ﴾، وإما مقيد بنسبة أهل زمانه وهو الأظهر. وكأن الطيبي [رحمه الله] أراد هذا المعنى لكنه أغرب في المبنى حيث عبر عنه بقوله: وقد يراد به الجهة أيضاً نحو قوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة - ١٤٤]. أي إلى جهة من الحسن ومسحة منه كما يقال: على وجهه [مسحة ملك] ومسحة جمال، أي أثر ظاهر. ولا يقال ذلك إلا في المدح. اهـ. وغرابته مما لا تخفى على ذوي النهي هذا وقد قال بعض الحفاظ من المتأخرين (١) وهو قوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ [الروم. آية رقم ٣٠]. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٢٤٥ حديث رقم ١٣٨٥. البقرة