النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي
٥٨٤٧ _ (١١) وعن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعود، قال: بينما رسول الله وَلم يصلّي عند
الكعبة وجمعُ قريشٍ في مجالسهم، إِذ قال قائل: أيُّكم يقومُ إِلى جزور آل فلان فيعمد إِلى
فرثها ودمها وسَلاها ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد
وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ◌َّ ساجداً، فضحكوا حتى مالَ بعضُهم على بعضٍ من
الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة، فأقبلت تسعى، وثبت النبي وَلتر ساجداً حتى ألقته
عنه، وأقبلتْ عليهم تسُبُهم، فلمّا
٥٨٤٧ - (وعن عبد الله بن مسعود قال: بينما رسول الله وَلاه يصلي عند الكعبة) أي قريباً
منها (وجمع قريش في مجالسهم) أي حال كون جمع من قريش في مجامعهم (حول الكعبة إذ
قال قائل:) أي أبو جهل أو غيره (أيكم يقوم) أي يتوجه (إلى جزور آل فلان) أي بعيرهم
(فيعمد) بكسر الميم أي فيقصد القائم (إلى فرثها) وهو السرجين ما دام في الكرش على ما في
الصحاح، والضمير إلى الجزور. فإنه وإن [كان] يطلق(١) على الذكر والأنثى إلا أن اللفظة
مؤنثة (٢). يقال: هذه الجزور، وإن أردت ذكراً. كذا في النهاية. (ودمها وسلاها) بفتح السين
وتخفيف اللام وهو الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفاً فيه. وقيل: هو في
الماشية السلاء وفي الناس المشيمة. والأوّل أشبه لأن المشيمة تخرج بعد الولد ولا يكون الولد
فيها حين يخرج، كذا في النهاية. (فانبعث) أي فقام وذهب إلى ما ذكر (أشقاهم) أي أشقى
كفار قريش وهو أبو جهل. وقيل: عقبة بن أبي معيط، كذا ذكره شارح. وقال النووي: هو
عقبة بن أبي معيط كما صرح به في الرواية الأخرى. (فلما سجد) أي النبي ◌َّ (وضعه) أي ما
ذكر، والمعنى طرحه أحدهما. ولعله بهذا يحصل الجمع بين القولين [السابقتين] (بين كتفيه.
وثبت النبي ( * ساجداً) أي حال كونه مستمراً على سجوده ومستقراً على شهوده راضياً بقضائه
مسلماً لأمره وحسن بلائه. فهو في غاية [من] السرور ونهاية من الحضور الحاصل من قرب
الرب، وهم لبعدهم عن الحق المطلق وتعلقهم بالخلق غفلوا عن ذلك وأهلكوا منالك
(فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض) أي واقعين وساقطين فوق بعضهم (من الضحك) أي
من كثرته الناشئة عن إعجابهم بفعلهم وتعجبهم من فعله ويلي (فانطلق منطلق إلى فاطمة) أي
وأخبرها بما جرى (فأقبلت تسعى) أي حال كونها تسرع وهي صغيرة. فإنها ولدت وعمره وَلؤل
إحدى وأربعون سنة، على ما في المواهب. (وثبت النبي (وَل# ساجداً) هو تأكيد لما قبله وتمهيد
لما بعده. وهو قوله: (حتى ألقته) أي طرحته عنه فاطمة وأبعدته منه (وأقبلت) أي توجهت
عليهم (تسبهم) أي تشتمهم وتلعنهم وهم ساكتون عنها لصغرها. ولعل هذا هو السبب في أن
غيرها ما أقدم على هذا الفعل لما كان عسى أن تثور الفتنة المؤدية إلى القتال بين القبائل. (فلما
الحديث رقم ٥٨٤٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٤٩/١. حديث رقم ٢٤٠. ومسلم في صحيحه ٣/
١٤١٨ حديث رقم (١٠٧ . ١٧٩٤).
(١) فى المخطوطة ((أطلق)).
(٢) فى المخطوطة اللفظ مؤنث.

٥٢٢
كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي
قضى رسول الله وَّر الصلاة قال: ((اللهم عليك بقريش)). ثلاثاً - وكان إذا دعا، دعا ثلاثاً؛
وإِذا سأل؛ سأل ثلاثاً -: ((اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة،
والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعُمارة بن الوليد)). قال عبد الله:
فوالله لقد رأيتهم صرعى يومَ بدرٍ، ثم سحبوا إِلى القليب قلیب بدرٍ،
قضى رسول الله وَلخر الصلاة) أي أداها وفرغ منها (قال: اللهم عليك بقريش) الباء زائدة وعليك
اسم فعل. فالمعنى: خذهم أخذاً شديداً أخذ عزيز مقتدر. (ثلاثاً) أي كرره ثلاثاً (وكان) أي
من عادته أنه (إذا دعا) أي الله (دعا ثلاثاً وإذا سأل) أي طلب من الله (سأل ثلاثاً) فقيل: هذا
تأكيد لدعا. والأظهر أنه تخصيص له، هذا وفي شرح مسلم للنووي. فإن قيل: كيف استمر
في الصلاة مع وجود النجاسة على ظهره. أجاب القاضي عياض بأن ليس هذا بنجس لأن
الفرث ورطوبة البدن طاهران وإنما النجس الدم وهو مذهب مالك ومن وافقه من أن روث ما
يؤكل لحمه طاهر. ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة أنه نجس، وهذا الذي قاله القاضي ضعيف لأن
هذا السلا يتضمن النجاسة من حيث إنه لا ينفك عن الدم في الغالب ولأنه ذبيحة عباد الأوثان.
قلت: يعني على تقدير أن تكون مذبوحة وإلا فميتة نجسة اتفاقاً، وكأن النووي غفل عن
التصريح في الحديث بذكر الدم حتى تعلق بأن السلا لا ينفك عن الدم غالباً، ثم قال:
والجواب المرضي أنه يَّو لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر في سجوده استصحاباً للطهارة.
قلت: ورد بأنه لو كان كذلك لأخبره جبريل فإن الصلاة مع النجاسة لا تصح ولا بد من البيان
في مثل ذلك. فالجواب الصواب ما في شرح السنة قيل: كان هذا الصنيع منهم قبل تحريم
الأشياء من الفرث والدم وذبيحة أهل الشرك، فلم تكن تبطل الصلاة بها كالخمر كانت تصيب
ثيابهم قبل تحريمها. قال الطيبي: ولعل ثباته على ذلك كان مزيداً للشكوى وإظهاراً لما صنع
أعداء الله برسول الله وولفر ليأخذهم أخذاً وبيلاً، ولذا كرر الدعاء ثلاثاً. (اللهم عليك بعمرو بن
هشام) أي خصوصاً وهو ابن المغيرة المخزومي الجاهلي المعروف، كان يكنى أبا الحكم فكناه
النبي ◌ّله أبا جهل فغلبت عليه هذه الكنية. قتله ابنا عفراء وقطع رأسه ابن مسعود في بدر.
(وعتبة بن ربيعة) جاهلي قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر مشركاً (وشيبة بن ربيعة) أي ابن
عبد شمس بن عبد مناف جاهلي قتله علي بن أبي طالب يوم بدر مشركاً. (والوليد ابن عتبة) أي
ابن ربيعة جاهلي قتل ببدر مشركاً. (وأمية) بضم الهمز وفتح ميم وتشديد تحتية (ابن خلف)
بفتحتين قتل يوم بدر مشركاً. وأما أخوه أبي بن خلف فإنه قتل يوم أحد مشركاً قتله النبي الفقه
بيده، ذكره المؤلف في أسمائه. (وعقبة) بضم فسكون (ابن أبي معيط) بالتصغير (وعمارة) بضم
فتخفيف (ابن الوليد. قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم) أي أبصرت المذكورين (صرعى) أي
هلكى، وهو حال من المفعول أي مصروعين. (مطروحين يوم بدر ثم سحبوا) بصيغة المجهول
أي جروا (إلى القليب) وهو البئر قبل أن تطوى (قليب بدر) بالجر على البدلية ويجوز رفعه
ونصبه. ثم بدر اسم موضع معروف. وقيل: هو اسم رجل كان صاحب ذلك الموضع. قال
العسقلاني: قد استشكل عد عمارة في المذكورين فإنه لم يقتل ببدر، بل ذكر أصحاب المغازي
أنه مات بأرض الحبشة. والجواب أن كلام ابن مسعود محمول على الأكثر ويدل عليه عقبة بن
/١٠٥/١٣٧
٥٤٠

٥٢٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي
ثم قال رسول الله وَله: ((وأُتبعَ أصحاب القليب لعنةً)). متفق عليه.
٥٨٤٨ _ (١٢) وعن عائشةً، أنّها قالتْ: يا رسول الله؟ هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ
من يومُ أُحد؟ فقال: ((لقد لقيتُ من قومِكِ، فكان أشدَّ ما لقيتُ منهم يومَ العقبةِ، إِذ
عرضتُ نفسي على ابن عبد یا لیل بن كُلال،
أبي معيط إنما قتل صبراً بعد أن رجعوا عن بدر وأمية بن خلف لم يطرح في القليب كما هو،
بل مقطعاً. (ثم قال رسول الله ويخلقي: واتبع) بصيغة المجهول مخففاً (أصحاب القليب لعنة) أي
أتبع عذابهم في الدنيا بعذاب الآخرة، مثل قوله تعالى: ﴿وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم
القيامة﴾ [هود - ٦٠]. وفي نسخة بفتح الهمزة وكسر الموحدة ونصب أصحاب على الدعاء
عليهم بإيصال اللعنة المتواصلة إليهم. قال العسقلاني: جملة وأتبع الخ، يحتمل أن تكون من
تمام الدعاء الماضي فيكون فيه علم عظيم من أعلام النبوة، ويحتمل أن يكون قاله وَ لقر بعد أن
ألقوا في القليب (متفق عليه).
٥٨٤٨ - (وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله هل أتى عليك يوم) أي هل
مر عليك وقت وزمان (كان) أي صعوبته (أشد من يوم أحد. فقال: لقد لقيت من قومك) أي
ما هو أشد من يوم أحد، أو لقيت من قومك ما لقيت فحذف المفعول المبهم ليذهب الوهم
كل المذهب في الفهم. (وكان أشد ما لقيت منهم) بنصب أشد وفي نسخة برفعه. وأما قوله:
(يوم العقبة) فبالنصب لا غير. والمراد بها ما يضاف إليها جمرة العقبة. قال شارح: أشد
بالنصب خبر كان، وما لقيت منهم في محل الرفع اسمه، ويوم العقبة ظرف لقيت. والتقدير:
وكان ما لقيته منهم يوم العقبة أشد مما لقيته منهم في سائر الأيام. ويجوز أن يكون يوم العقبة
اسم كان. وخبره أشد مضافاً إلى ما الموصولة أو الموصوفة، المعبر بها عن الأيام تقديره:
وكان يوم العقبة أشد الأيام التي لقيت منهم، أو أشد أيام لقيت منهم. ويجوز أن يكون على
العكس. وقيل: ما لقيت منهم يوم العقبة. اسم كان، ویکون أشد خبره بتقدیر المضاف إليه،
أو بتقدير من. وقال الطيبي: أشد ما لقيت خبر كان واسمه عائد إلى مقدر وهو مفعول قوله:
لقد لقيت، ويوم العقبة ظرف. فالمعنى: كان ما لقيت من قومك يوم العقبة أشد ما لقيت
منهم. وأراد بالعقبة التي بمنى وكان رسول الله وَّليه يقف عند العقبة في الموسم ويعرض نفسه
على قبائل العرب يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الإِسلام. اهـ. والمعنى أنهم ما أجابوا ذلك
فاشتد عليه حينئذ. وهو معنى قوله: (إذا عرضت نفسي) وفي نسخة إذ، وهو الظاهر. قال
الطيبي: وضع إذا التي هي للاستقبال موضع إذ يعني الموضوعة للماضي استحضاراً لتلك
الحالة الفظيعة. والمعنى: حين عرضت نفسي بالأمان والإِجارة من التعرض على جري العادة.
(على ابن عبد ياليل) بكسر الدال واللام الأولى (ابن كلال) بضم الكاف. قال العسقلاني: اسمه
٥٬٠٠
4.515
الحديث رقم ٥٨٤٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٢/٦. حديث رقم ٣٢٣١. ومسلم في صحيحه ٣/
١٤٢٠ حديث رقم (١١١. ١٧٩٥).
٤ /٠١/

٥٢٤
كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي
فلم يجبني إِلى ما أردتُ، فانطلقتُ - وأنا مهموم - على وجهي، فلم استفق إِلا بقرن
الثعالب، فرفعتُ رأسي، فإِذا أنا بسحابةٍ قد أظلّتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني
فقال: إِنَّ الله قد سمع قول قومك وما ردُّوا عليك، وقدْ بَعَثَ إِليكَ مَلَكَ الجبالِ لتأمرَه بما
شئت فيهم)). قال: ((فناداني ملك الجبال، فسلم عليَّ ثم قال: يا محمَّد! إِنَّ اللَّهَ قد سَمِعَ
قولَ قومِكَ، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربُّك إِليك لتأمرني بأمرك، إِن شئتَ أن أُطبِقَ
عليهم الأخشبين)) فقال رسول الله وَل قول: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله
كنيته، والذي في المغازي أن الذي كلّمه هو عبد ياليل نفسه. وعند أهل النسب أن كلال
أخوه لا أبوه وأنه عبد ياليل بن عمرو بن عمرو. ويقال اسم ابن عبد ياليل مسعود، وكان ابن
عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف. وقيل: إنه قدم مع وفد الطائف سنة عشر
فأسلموا. وذكره ابن عبد البر في الصحابة. لكن ذكر الواقدي ما يدل على أنه لم يسلم والله
أعلم. (فلم يجبني إلى ما أردت) أي ما قصدت وطلبت منه حينئذ من العهد والأمان
(فانطلقت وأنا مهموم) جملة حالية معترضة بين الفعل ومتعلقه، وهو قوله: (على وجهي) أي
فذهبت مهموماً على جهتي. قال الطيبي: أي فانطلقت حيراناً هائماً لا أدري أين أتوجه من
شدة ذلك الغم وصعوبة ذلك الهم. (فلم أستفق إلا بقرن الثعالب) يقال: أفاق واستفاق من
مرضه وسكره بمعنى، أي فلم أفق مما كنت فيه من الغم وشدة الهم حتى بلغت قرن
الثعالب. والقرن جبل وقرن الثعالب جبل بعينه بين مكة والطائف. (فرفعت رأسي) أي إلى
السماء لأنها قبلة الدعاء ومهبط الرجاء (فإذا أنا بسحابة قد أظلتني) أي بالزيادة على العادة
(فنظرت فإذا فيها) أي في السحابة (جبريل فناداني. فقال: إن الله [قد] سمع قول قومك) أي
قولك إياهم (وما ردوا عليك) أي من إبائهم ويحتمل أن يكون الثاني تأكيداً للأوّل وبياناً على
أن الإضافة فيه من المصدر إلى فاعله. (وقد بعث) أي أرسل الله (إليك ملك الجبال لتأمره
بما شئت فيهم. قال:) أي النبي ◌َالقر (فناداني ملك الجبال) أي بنحو: يا أيها النبي، أو يا
محمد (فسلم علي) أي تسليم تعظيم وتكريم (ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك
وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك) أي بشأنك أو بما تريده (إن شئت أن
أطبق) بضم الهمز وكسر الموحدة المخففة من أطبق إذا جعل الشيء فوق الشيء محيطاً
بجميع جوانبه كما ينطبق الطبق على موضع من الأرض. والمعنى: إذا أردت أن أقلب.
(عليهم الأخشبين) وهما جبلان يضافان إلى مكة مرة وإلى منى أخرى وهما واحد ذكره
شارح. وفي الفائق: الأخشبان الجبلان المطبقان بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر وهو جبل
مشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب كل جبل غليظ. وفي القاموس: قعيقعان كزعيفران
جبل بمكة وجهه إلى أبي قبيس (فقال رسول الله *: بل) أي لا أريد ذلك وإن استحقوا
لكفرهم (١) بل (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم) أي من أنساب بعضهم (من يعبد الله
(١) في المخطوطة ((الكفار هم)).
١٠٠٠٪

٥٢٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي
وحده، لا يشرك به شيئاً)). متفق عليه.
٥٨٤٩ _ (١٣) وعن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ﴿ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يومَ أُحد، وشُجَّ في
رأسه، فجعل يسلُتُ الدَّمَ عنه ويقول: ((كيف يفلح قومٌ شجُوا رأس نبيّهم وكسروا
رباعیته؟». رواه مسلم.
٥٨٥٠ _ (١٤) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَّرَ: ((اشتدَّ غضبُ اللَّهِ على قوم
فعلوا بنبيّه)). يُشير إِلى رباعيته ((اشتدَّ غضبُ اللَّهِ على رجلٍ يقتله رسول الله في سبيل الله)).
وحده) أي من يوحده منفرداً أو ليطيعه مخلصاً (لا يشرك به شيئا) أي من شرك جلي أو خفي
(متفق عليه).
٥٨٤٩ - (وعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله لفر كسرت رباعيته) بفتح الراء
وتخفيف التحتية على وزن الثمانية، السن الذي بين الثنية والناب. وكانت الرباعية المكسورة
هي السفلى من الجانب الأيمن (يوم أحد وشج) بضم شين وتشديد جيم، أي جرح رأسه
فقوله: (في رأسه) إما من باب التجريد أو نوع من التأكيد. قال الطيبي: وهو من قبيل قوله
يجرح في عراقيبها نصلي بولغ في الشج، حيث أوقع الرأس ظرفاً للشج. يعني فكأنه قال:
وأوقع الشج في رأسه تضميناً. (فجعل يسلت) بضم اللام أي يزيل (الدم عنه. ويقول:) أي
استعظاماً واستعجاباً (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم وكسروا رباعيته) عن الزهري: أنه
ضرب وجه رسول الله ول﴿ يوم أحد بالسيف سبعين ضربة وقاه الله شرها كلها، ذكره السيوطي
في حاشية البخاري. ولعل وجهه حصول المشاركة له مع السبعين من الشهداء إلاّ أن الله عصمه
لقوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة - ٦٧] وإنما حصل له بعض الأثر من الشج والكسر
لتحقيق الثواب والأجر ولإظهار مقتضى الأوصاف البشرية من العجز والضعف والتأثير المناسبة
للعبودية، وموجب نعت الكبرياء والعظمة والاستغناء والقوّة والقدرة الملائمة للربوبية. (رواه
مسلم) وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه.
٥٨٥٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلخير: اشتد غضب الله على
قوم فعلوا بنبيه يشير إلى رباعيته) حال من رسول الله وعامله قال وقع مفسراً لمفعول فعلوا
هذا. (اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ويليير في سبيل الله) لعل حذف العاطف بين
الفصلين للإشارة إلى أنهما حديثان مستقلان جمع بينهما الراوي. ويؤيده تكرار اشتد غضب الله
الحديث رقم ٥٨٤٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٧٣/١٠. حديث رقم ٥٧٢٢. ومسلم في صحيحه ٣/
١٤١٧ حديث رقم (١٧٩١.١٠٤). وأخرجه الترمذي ٢١١/٥ حديث رقم ٣٠٠٣. وابن ماجه في
السنن ١١٤٧/٢ حديث رقم ٣٤٦٤ وأحمد في المسند ٢٨٨/٣.
الحديث رقم ٥٨٥٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٧٢/٧. حديث رقم ٤٠٧٣. ومسلم في صحيحه ٣/
١٤١٧ حديث رقم (١٧٩٣٠١٠٦). وأحمد فى المسند ٣١٧/٢.
١٤٠١٩
١٠٠٠٠
١٠٫٠

٠٣٢
١٣٠
١٣٠
جورو
:- بـ
****
٠٫٥١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب المبعث وبدء الوحي
٥٢٦
متفق عليه .
وهذا الباب خالٍ عن: الفصل الثاني
الفصل الثالث
٥٨٥١ - (١٥) عن يحيى بن أبي كثير، قال: سألتُ أبا سلمة بن عبد الرحمن عن
أوَّل ما نزل من القرآن؟ قال: ﴿يا أيها المدثر) قلت: يقولون: ﴿اقرأ باسم ربّك﴾ قال
أبو سلمة: سألتُ جابراً عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت لي. فقال لي جابر: لا أُحدثك
إلا بما
أو للإشعار بأن كل واحد منهما يستحق ما ذكر دفعاً لتوهم الاشتراك ولم يأت بأو كيلا يظن
الشك. قال الطيبي: يحتمل أن يراد به الجنس وأن يراد به نفسه وضعاً للظاهر موضع المضمر
إشعاراً بأن من يقتله من هو رحمة للعالمين لم يكن إلا أشقى الناس، والذي قتله رسول الله وَلخد
هو أبي بن خلف. قال النووي: وقوله في سبيل الله، احتراز عمن يقتله في حد أو قصاص،
لأن من يقتله في سبيل الله كان قاصداً له وَ الرّ (متفق عليه، وهذا الباب خال عن الفصل الثاني)
تقدم توجيهه مراراً.
(الفصل الثالث)
٥٨٥١ - (عن يحيى بن أبي كثير) قال المؤلف: يكنى أبا النصر اليماني مولى لطيىء
أصله بصري صار إلى اليمامة رأى أنس بن مالك وسمع عبد الله بن قتادة وغيره، روى عنه
عكرمة والأوزاعي وغيرهما. (قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن) قال المؤلف: روى عن
عمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في
المدينة في قول، ومن مشاهير التابعين وأعلامهم. ويقال إن اسمه كنيته، وهو كثير الحديث
سمع ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر وغيرهم وروى عنه الزهري ويحيى بن أبي كثير والشعبي
وغيرهم (عن أول ما نزل من القرآن قال: ﴿يا أيها المدثر﴾) فيه اشتباه الحال على الراوي فإن
نزول ﴿يا أيها المدثر﴾ كان بعد فترة الوحي كما علم مفصلاً في حديث عائشة فأوّليته إضافية
كما قدمناه، أو أوّليته مخصوصة بالإنذار فيفيد أنه أوّل الوحي بالرسالة وأن ما قبله كان نسبته
النبوّة والله أعلم. (قلت: يقولون) أي الجمهور أو بعض العلماء (﴿اقرأ باسم ربك﴾) أي هو
أوّل ما نزل (قال أبو سلمة: سألت جابراً عن ذلك) أي مثل سؤالك (وقلت له مثل الذي قلت
لي) أي في جوابه للسؤال مما يعود فيه من الإشكال (فقال لي جابر: لا أحدثك إلاّ بما) أي
الحديث رقم ٥٨٥١: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٧٦/٨. حديث رقم ٤٩٢٢. ومسلم في صحيحه ١/
١٤٤ حديث رقم (١٦١.٢٥٧). وأحمد في المسند ٣٠٦/٣.
١
١٣/١/١
١:٠

٥٢٧
٠٢,٥
م:٢٠٠
٤٤٠١٠٠
كتاب الفضائل والشمائل / باب علامات النبوة
ما حدَّثْنَا رسولُ
الله ,﴾ قال: «جاوزتُ بحراءٍ شهراً، فلمَّا قضيت جواري هبطتُ، فنودیت فنظرت عن
يميني فلم أَرَ شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أَرَ شيئاً، ونظرت عن خلفي فلم أَرَ شيئاً،
فرفعت رأسي فرأيت شيئاً، فأتيت خديجة، فقلت: دثّروني، فدتَّروني، وصبُّوا عليَّ ماءً
بارداً، فنزلت: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربّك فكبّر وثيابك فطهّر والرجز فاهجر ﴾ وذلك
قبل أن تفرض الصلاة. متفق عليه.
بمثل (ما حدثنا رسول الله (*) أي به من غير تغييره مما يدل على أنه أوّل ما نزل بتقديره (قال:
جاورت بحراء شهراً) فيه إشعار بأن أيام الفترة كانت شهراً (فلما قضيت جواري) بكسر الجيم
أي مجاورتي واعتكافي (هبطت) أي نزلت، وفيه ايماء إلى أنه ثاني الحال لأن نزول اقرأ كان
في غار حراء كما سبق من المقال (فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً ونظرت عن شمالي
فلم أر شيئاً ونظرت عن خلفي فلم أر شيئاً فرفعت رأسي فرأيت شيئاً) وقد سبق عن جابر أيضاً
أنه سمع رسول الله * يحدث عن فترة الوحي. قال: فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء
فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء الحديث. فهو صريح بأن مراده الأوّل الإضافي
(فأتيت خديجة. فقلت: دثروني فدثروني وصبوا عليّ ماءً بارداً) لعل محل الصب الوجه لدفع
الغشيان فلا ينافي ما قبله مما يدل على البرودة الناشئة من الخفقان (فنزلت: ﴿يا أيا المدثر
فانذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر﴾) قال الطيبي: قوله لا أحدثك الخ، إخبار عما
سمع واعتقد من أن أوّل ما نزل من القرآن: ﴿يا أيها المدثر﴾ لكن لا يدل على المطلوب لأنه
قال في آخره فقلت: دثروني، فنزلت: ﴿يا أيها المدثر﴾. وقد سبق في حديث عائشة أن أوّل
ما نزل من القرآن ﴿اقرأ باسم ربك﴾. اهـ. فالجمع بما قدمناه كما لا يخفى ولذا قال بعض
المحققين: قول من قال إن أول ما نزل يا أيها المدثر ضعيف، والصواب أن أوّل ما نزل على
الإطلاق اقرأ باسم ربك كما صرح به في حديث عائشة. وأما يا أيها المدثر فكان نزولها بد فترة
الوحي كما صرح به في رواية الزهري عن جابر، ويدل عليه قوله وهو يحدث عن فترة الوحي
إلى أن قال: فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر﴾. وقال النووي: وقول من قال من المفسرين
أن أوّل ما نزل الفاتحة فباطل وفيه بحث لأنه يمكن أن يقال مراده أوّل سورة نزلت بكمالها،
وأوّل سورة بالمدينة على القول بأنها مدنية، أو أوّل سورة بعد اقرأ والمدثر. فيكون أوليتها
أيضاً اضافية ويؤيده قوله: (وذلك) أي نزول المدثر (قبل أن تفرض الصلاة) أي مطلق الصلاة
المتوقف صحتها أو كمالها على قراءة الفاتحة والله أعلم (متفق عليه).

٥٢٨
٠٫٠٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
(٥) باب علامات النبوة
الفصل الأول
٢٤٠٠
٥٨٥٢ _ (١) عن أنس، أنَّ رسول الله و لتر أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان،
فأخذه، فصرعه، فشقَّ عن قلبه، فاستخرج منه عَلَقَةً فقال: هذا حظّ الشيطان منك، ثم
غسله في طَسْتٍ من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَهُ وأعاده في مكانه، وجاء
(باب علامات النبوة)
(الفصل الأوّل)
٥٨٥٢ - (عن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله فأتاه جبريل وهو يلعب مع
الغلمان) بكسر الغين أي الصبيان (فأخذه فصرعه) أي فطرحه وألقاه على قفاه (فشق عن
قلبه) أي عن جانب قلبه وشقه (فاستخرج) وفي جامع الأصول: واستخرجه فاستخرج
(منه علقة) بفتحتين أي دماً غليظاً وهو أم المفاسد والمعاصي في القلب. (فقال: هذا
حظ الشيطان منك) أي نصيبه لو دام معك (ثم غسله) أي قلبه أو جوفه أو محل شقه
(في طست) بفتح الطاء ويكسر وبسين مهملة وتاؤه بدل من السين الأخيرة. قال ابن
الملك في شرح المشارق: الطست بفتح الطاء وفيها لغات طس وطس وطست وطست
وطسة وطسة بالفتح والكسر في جميعها. وقوله: (من ذهب) لعله اختير لما فيه من
معنى الذهاب ولا ينافيه حرمة استعماله في الشريعة المطهرة، إما لكون الملائكة غير
مكلفين بأفعالنا، أو لوقوعه قبل تقرير الأحكام (بماء زمزم) استدل به على أنه أفضل مياه
العالم حتى ماء الكوثر. لكن الماء الذي نبع من بين أصابعه و 98 فلا شك أنه أفضل
المياه على الإطلاق لكونه من أثر يده الشريفة، وماء زمزم من أثر قدم إسماعيل المنيفة،
وبون بين بينهما ولأن الإعجاز الكائن في يده وَالقر أبلغ. نعم قد يقال ماء فمه المبارك
أكمل من الكل ولو مزج بماء غيره. ولعل العارف ابن الفارض أشار إليه بقوله:
...
عليك بها صرفاً وإن شئت مزجها * فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم
(ثم لأمه) بلام فهمز أي أصلح موضع شقه (وأعاده) أي القلب المخرج على ما يدل عليه
رواية الجامع السابقة (في مكانه) والواو لمطلق الجمع، فلا ينافيه أن الالتئام بعد الإعادة. قال
التوربشتي: يقول: لأمت الجرح والصدع إذا شددته فالتأم، يريد أنه سواه وأصلحه. (وجاء
الحديث رقم ٥٨٥٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٧/١ حديث رقم (١٦٢.٢١١) وأخرجه الترمذي في
السنن ٥٥٣/٥ حديث رقم ٣٦٢٤.

٠٠,٥
٥٢٩
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
الغلمانُ يسعونَ إِلى أمه، يعني ظئره، فقالوا: إِنَّ محمَّداً قد قُتل، فاستقبلوه وهو منتقَعُ
اللون قال أنس: فَكنتُ أرى أثر المخيطِ في صدره. رواه مسلم.
٥٨٥٣ - (٢) وعن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إِني لأعرف حجراً
بمكة كان يسلّم عليَّ قبل أن أُبعث، إِني لأعرفه الآن)). رواه مسلم.
الغلمان) أي الذين كانوا يلعبون معه في الصحراء (يسعون) أي يسرعون (إلى أمه) أي الرضاعية
(يعني) أي يريد أنس بأمه (ظئره) أي مرضعته حليمة (فقالوا: إن محمداً قد قتل) لأن تصوّر
حياته بعد شق البطن ومعالجاته من خوارق العادة وعلامة النبوّة. (فاستقبلوه) أي توجه جمع من
قومها إليه فرأوه (وهو منتقع اللون) بفتح القاف أي متغيره. ففي القاموس: انتقع لونه مجهولاً
إذا تغير. وقال التوربشتي: يقال: انتقع لونه إذا تغير من حزن أو فزع، وكذلك امتقع بالميم.
وهذا الحديث وأمثاله مما يجب فيه التسليم ولا يتعرض له بتأويل من طريق المجاز إذ لا
ضرورة في ذلك، إذ هو خبر صادق مصدوق عن قدرة القادر. اهـ. وزبدة ما قيل فيه أنه صار
بهذا مقدس القلب منوّره ليستعد لقبول الوحي ولا يتطرق إليه هواجس النفس ويقطع طمع
الشيطان عن إغفاله، كما يشير إليه قوله: هذا حظ الشيطان منك. (قال أنس: فكنت أرى أثر
المخيط) بكسر الميم أي الإبرة (في صدره) ولعل مراده بهذا أن أمر الشق كان حسياً لا معنوياً.
واختلف هل كان شق الصدر وغسله مختصاً به أو وقع لغيره من الأنبياء أيضاً. وقد وقع الشق
له وَلّ مراراً، فعند (١) حليمة وهو ابن عشر ثم عند مناجاة جبريل عليه السلام له بغار حراء، ثم
في المعراج ليلة الإسراء. (رواه مسلم) وكذا النسائي.
٥٨٥٣ - (وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله وَله: إني لأعرف حجراً بمكة كان
يسلم عليّ) أي ويقول السلام عليك يا نبي الله، كما ورد في رواية. (قبل أن أبعث) قيل: إنه
الحجر الأسود كذا في بعض حواشي الشفاء، ويمكن أن يكون الحجر المتكلم المعروف بزقاق
الحجر بين المسجد وبين بيت خديجة رضي الله عنها. (إني لأعرفه الآن) تقرير لقوله: إني
لأعرف، واستحضار له كأنه يسمع كلامه الآن. هذا خلاصة كلام الطيبي. ويمكن أن يكون
التقدير: إني لأعرفه الآن بالوصف المذكور، فإنه ينبغي وجوده بالأولى من الحالة الأولى، فقد
ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((قال رسول الله وَلهو: لما استقبلني جبريل بالرسالة
جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله))(٢). وفيه إيماء إلى أنه
مبعوث إلی کافة الخلق کما بينته في شرح كلام شيخنا جمال الدين محمد البکري عند قوله:
خليفتك على كافة خليقتك. (رواه مسلم.) وكذا الإِمام أحمد في مسنده والترمذي في جامعه.
(١) في المخطوطة ((عند)).
الحديث رقم ٥٨٥٣: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٨٢/٤ حديث رقم (٢٢٧٧.٢). وأخرجه الترمذي في
السنن ٥٥٣/٥ حديث رقم ٣٦٢٤. وأخرجه الدارمي ٢٤/١ حديث رقم ٢٠.
(٢) وأخرجه الدارمي والترمذي نحوه. الدارمي حديث رقم ٢١. والترمذي حديث رقم ٣٢٢٦.
٠٠٠

٥٣٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
٥٨٥٤ _ (٣) وعن أنس، قال: إِن أهل مكة سألوا رسولَ الله وَ ﴿ أَن يُرِيَهم آية،
فأراهم القمر شِقَّتين حتى رأَوا حراءً بينهما. متفق عليه.
٥٨٥٥ _ (٤) وعن ابن مسعود، قال: انشقَّ القمر على عهدِ رسولِ الله وَلَرَ فِرقتين:
فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول الله وَاله: ((اشهدَدوا)). متفق عليه.
٥٨٥٤ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: إن أهل مكة) أي كفارهم (سألوا رسول الله واله
أن يريهم) أي يظهر (لهم آية) أي علامة دالة على نبوّته ورسالته (فأراهم القمر شقتين) بكسر
فتشديد أي قطعتين مفصولتين (حتى رأوا حراء بينهما) بأن كانت شقة فوق الجبل وشقة دونه
كما سيأتي (متفق عليه).
٥٨٥٥ - (وعن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله) أي في
زمانه ◌ّ﴾ (فرقتين) أي قطعتين متفارقتين (فرقة فوق الجبل) أي جبل حراء (وفرقة دونه)
والمراد أنهما تباينتا، فإحداهما إلى جهة العلو والأخرى إلى السفل. (فقال رسول
الله ( *: اشهدوا) أي على نبوّتي أو معجزتي من الشهادة. وقيل: معناه احضروا وانظروا
من الشهود. (متفق عليه) قال الزجاج: زعم قوم عدلوا عن القصد وما عليه أهل العلم،
أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة، والأمر بين [في] اللفظ بقوله تعالى: ﴿وإن يروا آية
يعرضوا ويقولوا سحر مستمر﴾ [القمر - ٢]. فكيف يكون هذا يوم القيامة وقوله: سحر
مستمر. أي مطرد يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخر مترادفة ومعجزات سابقة. وقال
الإِمام فخر الدين الرازي: إنما ذهب المنكر إلى ما ذهب لأن الانشقاق أمر هائل ولو
وقع لعم وجه الأرض وبلغ مبلغ التواتر. والجواب أن الموافق قد نقله وبلغ مبلغ
التواتر، وأما المخالف فربما ذهل أو حسب نحو الخسوف. والقرآن أولى دليل وأقوى
شاهد وإمكانه لا شك فيه أي عقلاً، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه. وأما
امتناع الخرق والالتئام فحديث اللئام. وفي شرح مسلم للنووي قالوا: إنما هذا الانشقاق
حصل في الليل ومعظم الناس نيام غافلون والأبواب مغلقة وهم متغطون بثيابهم وقل من
يتفكر في السماء وينظر إليها. وفي شرح السنة: هذا شيء طلبه قوم خاص على ما
حكاه أنس فأراهم ذلك ليلاً وأكثر الناس نيام ومستكنون بالأبنية في البراري والصحراء،
وقد يتفق أن يكونوا مشاغيل في ذلك الوقت وقد يكسف القمر فلا يشعر به كثير من
الناس، أي مع أنه قد يمتد وإنما كان ذلك قدر اللحظة التي هي مدرك البصر. ولو
١٥٧٢/ ٢٢
الحديث رقم ٥٨٥٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٦٣١. حديث رقم ٣٦٣٧. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٥٩ حديث رقم (٢٨٠٢.٤٦). وأخرجه الترمذي في السنن ٥٥٣/٥ حديث رقم ٣٦٢٤ وأحمد
في المسند ٢٠٧/٣.
الحديث رقم ٥٨٥٥ : أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٦٣١. حديث رقم ٣٦٣٦. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٥٨ حديث رقم (٤٤. ٢٨٠٠). وأحمد في المسند ٣٧٧/١.
٢٠١٤/٧

٠٠٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
٥٣١
٥٨٥٦ _ (٥) وعن أبي هريرةَ، قال: قال أبو جهل: هل يُعفّر محمَّدٌ وجهه بين
أظهركم؟ فقيل: نعم فقال: واللات والعزَّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته، فأتى
رسولَ الله وَ ر وهو يصلي - زعم ليطأ على رقبته - فما فجئهم منه إلا وهو ينكص على
عقبيه، ويتقي بیدیه،
دامت هذه الآية حتى يشترك فيها العامة والخاصة ثم لم يؤمنوا لاستوجبوا الهلاك. فإن
من سنة الله تعالى في الأمم قبلنا أن نبيهم كان إذا أتى بآية عامة يدركها الحس فلم
يؤمنوا أهلكوا كما قال تعالى في المائدة: ﴿إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني
أعذبه عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين﴾ [المائدة - ١١٥]. فلم يظهر الله هذه الآية
للعامة لهذه الحكمة والله أعلم. قلت: وفي نفس القضية إشارة إلى ذلك حيث شقة منه
فوق الجبل وأخرى دونه، ولا شك أنه يحجب عن بعض الناس ممن يسكن من وراء
الجبل، فكيف بسائر أهل الحجاز وبقية [الناس] مع اختلاف المطالع. على أن إراءة
المعجزة لقوم على ما اقترحوا كناقة صالح لا يستلزم ظهورها لغيرهم.
/
١
ر"
٥٨٥٦ - (وعن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه) بتشديد الفاء
المكسورة من التعفير وهو التمريغ (في التراب) أي هل يصلي ويسجد على التراب (بين
أظهركم) فيما بينكم، على أن الأظهر مقحمة للإشارة إلى وقوعه على وجه الظهور أو الاستناد
إلى ظهر أحد وحمايته ورعايته. قال الطيبي: يريد به سجوده على التراب، وإنما أوثر التعفير
على السجود تعنتاً وعناداً وإذلالاً وتحقيراً. (فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل
ذلك لأطأن.) أي لأدوسن (على رقبته. فأتى رسول الله وَلخير) أي فجاءه أبو جهل (وهو يصلي)
حال من المفعول والحال من الفاعل قوله: (زعم) بفتح العين أي قصد أبو جهل (ليطأ) أي
ليضع (رجله على رقبته) قال ابن الملك: وفي نسخة بفتح اللام على أنه لام تأكيد. قلت:
فالفعل مرفوع حينئذ. وفي نسخة زعم بكسر العين. ففي القاموس: زعم كفرح طمع. قال
الطيبي: زعم وقع حالاً من الفاعل بعد الحال من المفعول، وزعم بمعنى طمع وأراد. قال في
أساس البلاغة: ومن المجاز زعم فلان في غير مزعم طمع في غير مطمع لأن الطامع زاعم ما
لم يستيقن. (فما فجئهم) بكسر الجيم ويفتح. ففي القاموس: فجئه كسمع ومنع هجم عليه
وأتاه بغتة أي فما أتى قومه فجاءة. (منه) أي من النبي # أو من إتيانه إليه (إلا وهو) أي
والحال أنه أي أبو جهل (ينكص) بكسر الكاف ويضم أي يرجع (على عقبيه) أي قهقرى (ويتقي
بيديه) أي يحذر بهما ويدفع شيئاً بسببهما. قال الطيبي: المستثنى فاعل فجيء. أي فما فجيء
أصحاب أبي جهل من أمر أبي جهل إلا نكوص عقبيه وقد سد الحال هنا مسد الفاعل وفيه
إرخاء عنان الكلام لا للفظ. قيل: كما سدت مسد الخبر في ضربي زيداً قائماً، ففي الكلام
ميل إلى المعنى دون اللفظ. ويجوز أن يكون الضمير في فجيء راجعاً إلى أبي جهل وفي منه
ة
٤
د جهدا: المـ
:
الحديث رقم ٥٨٥٦: أخرجه مسلم فى صحيحه ٢١٥٤/٤ حديث رقم (٢٧٩٧.٣٨).
٠
١
قد لاجراء
N DA **

٥٣٢
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
فقيل له ما لك؟ فقال: إِن بيني وبينَه لخندقاً من نارٍ وهولاً، وأَجنحةً. فقال رسول الله وَّه :
(لو دنا مني لاختطفته الملائكة عُضْواً عُضْواً)). رواه مسلم.
٠١٧٠
٥٨٥٧ _ (٦) وعن عدي بن حاتم، قال: بينا أنا عند النبي ◌َّ إِذا أتاه رجلٌ فشكا
إِليه الفاقَة، ثم أتاه الآخر فشكا إليه قَطْعَ السبيل. فقال: ((يا عدي! هل رأيت الحيرة؟ فإِن
طالت بك حياةٌ فلترينَّ الظعينة
إلى الأمر، أي فما فجيء أبو جهل أصحابه كائناً من الأمر على حال من الأحوال، إلاّ على
هذه الحال هذا. وفي القاموس: نگص علی عصبيه نکوصاً رجع عما كان عليه من خير خاص
بالرجوع عن الخير. ووهم الجوهري في إطلاقه أو في الشر نادر. قلت: الحديث يدل على
استعماله في الشر وكذا آية: ﴿فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه﴾ [الأنفال ـ ٤٨]. ثم صنيع
القاموس يشعر أنه بضم الكاف في المضارع. لكن اتفق القراء على كسره، حتى لم يوجد في
الشواذ أيضاً. نعم قال الزجاج: يجوز ضم الكاف ذكره الكرماني في قوله تعالى: ﴿على
أعقابكم تنكصون ﴾ [المؤمنون - ٦٦]. (فقيل له:) أي لأبي جهل (ما لك) أي ما حصل لك
من المنع وما وقع لك من الدفع (فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً) بفتح فسكون، أي
خوفاف وأمراً شديداً. (وأجنحة) جمع جناح الطائر وهو الملائكة الذين يحفظونه. ويؤيده ما
ذكره الراوي (فقال رسول الله لي لو دنا مني) أي قرب عندي (لاختطفته الملائكة) أي استلبته
بسرعة (عضواً عضواً) والمعنى لأخذ كل ملك عضواً من أعضائه (رواه مسلم).
٥٨٥٧ - (وعن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي ◌َ(*) أي حاضراً وقاعداً (إذ أتاه
رجل فشكا) بالألف وفي نسخة بالياء على أنه لغة في الواو كما في القاموس. (إليه الفاقة) أي
الفقر وشدة الحاجة (ثم أتاه الآخر) وفي نسخة آخر وهو الأظهر. (فشكا إليه قطع السبيل) أي
بسبب قطاع الطريق أو لقلة الزاد وعدم علف الدواب وطمع أهل البادية وتعرضهم للقافلة.
(فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة) بكسر الحاء وهو البلد القديم بظهر الكوفة ومحلة معروفة
بنيسابور على ما في النهاية. والظاهر أن المراد بها الأوّل لأنه المعروف عند العرب ولذا اقتصر
عليه شارح وإن كان الثاني أغرب أو أعذب. قيل: وأجاب عدي: ما رأيتها لكن أنبئت عنها.
أقول: ويمكن أن يكون رأيت بمعنى علمت وأن لا يتوقف الكلام على جوابه، حيث قال:
(فإن طالت بك حياة فلترين) بفتحات متواليات أي فلتبصرن. (الظعينة) أي المرأة المسافرة،
وقيل لها ذلك لأنها تظعن مع الزوج حيثما ظعن، أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت.
وقيل: الظعينة المرأة في الهودج. ثم قيل للهودج بلا امرأة وللمرأة بلا هودج. كذا في النهاية.
وقال شارح: الظعينة المرأة ما دامت في الهودج، فإذا لم تكن فيه فليست بظعينة. والمراد هنا
المرأة سواء كانت في الهودج أو لا. أقول كونها في الهودج أبلغ في المعنى المراد على ما يدل
الحديث رقم ٥٨٥٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٦١٠. حديث رقم ٣٥٩٥. وأحمد في المسند ٤/
٢٥٧.

٥٣٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
ترتحلُ من الحيرة حتى تطوفَ بالكعبة لا تخافُ أحداً إلا الله، ولئن طالت بك حياةٌ لتُفتَحِنَّ
كنوزُ كسرى، ولئن طالت بك حياةٌ لترينَّ الرجلَ يخرج ملء كفه من ذهبٍ أو فضَّةٍ يطلب
من يقبله فلا يجد أحداً يقبله منه، وليَلْقَيَنَّ اللَّهَ أحدُكم يومَ يَلْقَاهُ وليس بينَه وبينَه تَرجمان
يترجم له، فليقولنّ: ألم أبعثْ إِليك رسولاً فيبلّغك؟ فيقول: بلى. فيقول: ألم أعطك مالاً
وأُفضّل عليك؟ فيقول: بلی؛ فینظر عن يمينه فلا یری إِلا جهنم،
عليه قوله: (ترتحل من الحيرة) أي وحدها (حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله) روي أنه
قال عدي قلت في نفسي فأين رعاة طيىء. (ولئن طالت بك حياة لتفتحن) بصيغة المجهول من
الفتح وفي نسخة من باب الافتعال. يقال: افتتحت واستفتحت طلبت الفتح، والمعنى
لتؤخذن. (كنوز كسرى) أي على وجه الغنيمة. قال عدي: كسرى بن هرمز. قال ◌َلقول: كسرى
ابن هرمز، وفي القاموس: كسرى بالفتح. ملك الفرس معرب خُسْرَوْ أي واسع الملك. (ولئن
طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه) أي مثلاً (من ذهب أو فضة) أي من نوعي النقدين
يعني تارة من هذا ومرة من هذا ويحتمل أن تكون(١) أو بمعنى الواو أو للشك. (يطلب من
يقبله) أي واحداً منهما أو ما ذكر (فلا يجد أحداً يقبله منه) أي لعدم الفقراء في ذلك الزمان أو
الاستغناء قلوبهم والاكتفاء بما عندهم والقناعة بما في أيديهم. فقيل: إنما يكون ذلك بعد نزول
عيسى عليه السلام، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز مما
يصدق الحديث، وبذلك جزم البيهقي. قيل: ولا شك في رجحان هذا الاحتمال لقوله في
الحديث: ولئن طالت بك حياة. قلت: لا شك في رجحان الأول لقول عدي الآتي: ولئن
طالت بكم حياة لترون. والحاصل أن قضية الشرطية لا تستلزم الوقوع. (وليلقين) عطف على
صدر الحديث وقوله: (الله) مفعول مقدم قدم للاهتمام وتعظيم المقام وفاعله (أحدكم) وظرفه
قوله: (يوم يلقاه) وهو يحتمل إعرابين كما لا يخفى في الضميرين، وكذا الحال في قوله:
(وليس بينه وبينه ترجمان) بفتح أوّله وضم الجيم ويضمان ويفتحان كما في نسختين، أي
مترجم يترجم له. يعني بل يكون اللقى والكلام بلا واسطة. قال صاحب المشارق: هو بفتح
التاء وضم الجيم وضبطه الأصيلي بضمهما. اهـ. وفي النهاية: الترجمان بالضم والفنح الذي
يترجم الكلام، أي ينقله من لغة إلى أخرى والتاء والنون زائدتان. وفي القاموس: الترجمان
كعنفوان وزعفران وريهقان المفسر للسان وقد ترجمه، وعنه والفعل يدل على أصالة التاء. وفي
المفاتيح: هو على وزن زعفران ويجوز بفتح التاء وضم الجيم وبضمهما والله أعلم. (فليقولن)
أي الله سبحانه (ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغك) بالنصب مشدداً ويخفف (فيقول: بلى. فيقول:
ألم أعطك مالاً وأفضل) بالجزم من الإفضال، أي ألم أحسن إليك ولم أنعم عليك. والاستفهام
للتقرير، يعني: أعطيتك المال وأنعمت عليك بالكمال ومكنتك من انفاقه والاستمتاع منه
والصرف على أهل استحقاقه. (فيقول: بلى. فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنّم) لتركه
(١) في المخطوطة ((يكون)).

٥٣٤
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، اتقوا النار ولو بشقٌّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيّبة)»
قال عدّيّ: فرأيت الطّعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إِلا الله، وكنت
فيمن افتتح كنوز كسرى بن هُرمُز، ولئن طالت بكم حياةٌ لتَروُنَّ ما قال النبي أبو
القاسم وَ﴾: ((يخرج ملء كفّه)). رواه البخاري.
ديوي
٥٨٥٨ - (٧) وعن خبّاب بن الأرتِّ،
الطاعات (وينظر عن يساره فلا يرى إلاّ جهنم) لارتكابه السيئات. والظاهر أنهما كنايتان عن
الإحاطة وأن الخلاص منها ليس إلاّ بالمرور عليها، كما قال تعالى: ﴿وإن منكم إلاّ واردها كان
على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا﴾ [مريم - ٧١ و٧٢]. أي بالإيمان والإحسان،
ولذا قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) أي بنصفها أو ببعضها (فمن لم يجد فبكلمة طيبة) أي من
الباقيات الصالحات وهي أنواع الأذكار والدعوات أو بكلمة طيبة للسائل بقرينة ما قبله وهو
الوعد على قصد الوفاء، أو الدعاء مع حسن الرجاء. وهذا الذي سماه الله تعالى: قولاً معروفاً
وقولاً ميسوراً. قال الطيبي: فإن قلت: ما وجه نظم هذا الحديث، قلت: لما اشتكى الرجل
الفاقة والخوف وهو العسر. المعنى في قوله تعالى: ﴿إن مع العسر يسراً﴾ [الشرح - ٦]. وهو
ما كانت الصحابة عليه قبل فتح البلاد. أجاب عن السائل في ضمن بشارة لعدي وغيره من
الصحابة باليسر والأمن، ثم بين أن هذا اليسر والغنى الدنيوي عسر في الآخرة وندامة الأمن
وفقه الله تعالى بأن سلطه على إنفاقه فيصرفه في مصارف الخير. ونظيره حديث علي رضي الله
عنه: ((كيف بكم إذا غدا أحدكم في حلة وراح في حلة ووضعت بين يديه صحفة إلى قوله:
أنتم اليوم خير منكم يومئذ))(١). وقد سبق في باب تغير الناس. (قال عدي: فرأيت الظعينة
ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله) أي كما أخبر به رسول الله ◌َآلتر (وكنت
فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز) بضم الهاء والميم زاد في المصابيح الذي في الأبيض. قال
شارح له: أراد القصر الأبيض الذي كان بالمدائن. يقال له بالفارسية: يغد كوشك. (ولئن
طالت بكم حياة لترون ما قال) أي مؤدي ما قال (النبي) وهو الرجل الذي يخرج ملء كفه الخ
فقوله: (أبو القاسم وَلي) بدل أو عطف بيان للنبي. وقوله: (يخرج ملء كفه) بدل أو بيان لقوله
ما قال. والمعنى: يخرج الرجل كما في نسخة فهو نقل بالمعنى مختصر، أو الرجل يخرج على
ما سبق في الأصل فهو نقل باللفظ مقتصراً. (رواه البخاري).
١٠
٥٨٥٨ - (وعن خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (ابن الأرت) بفتح
الهمزة والراء وتشديد الفوقية. قال المؤلف: يكنى أبا عبد الله التميمي وإنما لحقه سبي في
الجاهلية فاشترته امرأة من خزاعة وأعتقته، أسلم قبل دخول النبي وي فر دار الأرقم وهو ممن
(١) راجع المشكاة ٣ / ٤٧٤ حديث رقم ٥٣٦٦.
الحديث رقم ٥٨٥٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٦١٩/٦. حديث رقم ٣٦١٢. وأحمد في المسند ٦/
٣٩٥.
· هد، الا

٥٣٥
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
قال: شكونا إِلى النبي ◌َّ وهو متوسد بردةً في ظلُّ الكعبة وقد لقينا من المشركين شدَّةً،
فقلنا: أَلا تدعو اللهَ، فقَعد وهو مُحَمَّرٌ وجهه وقال: ((كانَ الرجلُ فيمن كان قبلكم يُحْفَرُ له
في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بمنشار، فيوضع فوق رأسه فيشقُّ باثنين، فما يَصُدُّه ذلك
عن دينه، ويُمْشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وغصب. وما يصدّه ذلك عن
دينه، والله ليتِمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إِلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو
الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».
عذب في الله على إسلامه فصبر، نزل الكوفة ومات بها روى عنه جماعة. (قال: شكونا) أي
الكفار (إلى النبي ◌َل﴾ وهو متوسد بردة [في ظل الكعبة]) أي كساء مخططاً والمعنى جاعل
البردة وسادة له، من توسد الشيء جعله تحت رأسه. (وقد) وفي نسخة ولقد (لقينا) أي رأينا
وحصل لنا (من المشركين) أي من كفار مكة (شدة) أي محنة شديدة (فقلنا: ألا تدعو الله) أي
لنا على المشركين فإنهم يؤذوننا (فقعد وهو محمر وجهه) من أحمر بتشديد الراء إذا اشتدت
حرارته. (وقال: كان الرجل) اللام للعهد الذهني الذي هو في المعنى نكرة (فيمن قبلكم يحفر
له) بصيغة المجهول أي يجعل له حفرة (في الأرض) قيد واقعي اتفاقاً (فيجعل فيه فيجاء
بمنشار) بالنون ويروى بالهمزة وإبدالها ياء، وهو آلة يشق بها الخشبة. (فيوضع فوق رأسه
فيشق باثنين) أي فيقطع نصفين (فما يصده [ذلك]) أي فلا يمنعه ذلك العذاب الشديد (عن دينه
ويمشط) بصيغة المجهول مخففاً والمعنى يشوك (بأمشاط الحديد) بفتح الهمزة جمع المشط،
وهو ما يتمشط به الشعر. (ما دون لحمه) أي ما تحت لحم ذلك الرجل أو غيره وهو الظاهر.
(من عظم وعصب) بفتحتين قال الطيبي: من بيان لما، وفيه مبالغة بأن الأمشاط لحدتها وقوّتها
كانت تنفذ من اللحم إلى العظم وما يلتصق به من العصب. (وما يصده ذلك عن دينه) جملة
حالية (والله ليتمن) بفتح الياء وكسر التاء وتشديد الميم، أي ليكملن. (هذا الأمر) أي أمر
الدين. وفي نسخة بصيغة المجهول، وفي أخرى بضم حرف المضارعة وكسر التاء، على أن
الفاعل هو الله. وقوله: هذا الأمر، منصوب على المفعولية وفيه إيماء إلى قوله تعالى:
﴿ليظهره على الدين كله﴾ [التوبة - ٣٣] ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ [التوبة - ٣٢]. (حتى
يسير الراكب) أي رجل أو امرأة وحده (من صنعاء) بلد باليمن (إلى حضرموت) موضع بأقصى
اليمن وهو بفتح الميم غير منصرف للتركيب والعلمية. وقيل: اسم قبيلة، وقيل: موضع حضر
فيه صالح عليه السلام فمات فيه، وحضر جرجيس فمات فيه ذكره شارح، وتبعه ابن الملك.
وفي القاموس: حضرموت وبضم الميم بلد وقبيلة. ويقال: هذا حضرموت ويضاف، فيقال:
حضرموت بضم الراء وإن شئت لا تنوّن الثاني. (لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه) وفي
نسخة بالواو وهو يحتمل أن يكون بمعنى أو يكون، أو بمعنى الواو للجمع أو للشك. وعلى
كل تقدير فلا يخفى ما فيه من المبالغة في حصول الأمن وزوال الخوف، فاندفع ما قيل من أن
سياق الحديث إنما هو للأمن من عدوان بعض الناس على بعض كما هو في الجاهلية، لا
الأمن من عدوان الذئب فإن ذلك إنما يكون في آخر الزمان عند نزول عيسى عليه السلام.
(ولكنكم تستعجلون) أي سيزول عذاب المشركين فاصبروا على أمر الدين كما صبر من سبقكم
# 39
١
5%0

٥٣٦
......... "*
١٩٠١٣
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
رواه البخاري.
٥٨٥٩ _ (٨) وعن أنسٍ، قال: كانَ رسولُ الله ◌َّلَه يدخل على أم حَرَام بنت ملحان،
وكانت تحت عُبادةَ بنِ الصامتِ، فدخل عليها يوماً فأطعمته؛ ثم جلست تفلي رأسه، فنام
رسول الله وَيهي ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله! قال:
(«ناسٌ من أمَّتي عرضُوا عليَّ غزاةً في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرَّة،
أو مثل الملوك على الأسرَّة)).
من المؤمنين على أشد من عذابكم لقوّة اليقين. (رواه البخاري) وكذا أبو داود والنسائي.
٥٨٥٩ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﴿ يدخل على أم حرام بنت
ملحان) بكسر الميم وهو ابن خالد وهي خالة أنس نسباً وهي وأمه أم سليم من خالات
النبي ﴿ رضاعاً أو نسباً. قال النووي: اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له وَلقر واختلفوا في
كيفية ذلك. فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل
كانت خالة لأبيه أو لجده عبد المطلب وكانت أمه من بني النجار. وقد سبق ذكر وجه الدخول
عليها في حديث أختها أم سليم مع زيادة تحقيق فتذكر. (وكانت تحت عبادة بن الصامت) أي
زوجته. قال المؤلف: أسلمت وبايعت وماتت غازية مع زوجها بأرض الروم وقبرها بقبرس.
روى عنها ابن أختها أنس بن مالك وزوجها عبادة. قال ابن عبد البر: لا أقف لها على اسم
صحيح غير كنيتها، وكان موتها في خلافة عثمان (فدخل) أي النبي وَّلتر (عليها يوماً فأطعمته ثم
جلست تفلي) بكسر اللام مخففة أي تفتش (رأسه) أي شعر رأسه (فنام رسول الله وَ ليل ثم
استيقظ) أي انتبه بعد نوم كثير (وهو يضحك. قالت: فقلت: ما يضحكك) بضم الياء وكسر
الحاء أي أي شيء يبعثك على الضحك. (يا رسول الله) فإن مثلك لا يضحك بلا سبب من أمر
عجب (قال: ناس) أي جمع (من أمتي عرضوا على غزاة) أي حال كونهم مجاهدين (في سبيل
الله) أي مع الكفار (يركبون ثبج هذا البحر) بفتح مثلثة وموحدة فجيم أي وسطه ومعظمه (ملوكاً
على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة) الظاهر أن أوشك من الراوي، وهو إما حال أو صفة
مصدر محذوف، أي يركبون ملوكاً على الأسرة أو ركوباً مثل ركوب الملوك على الأسرة. قال
الطيبي: شبه ثبج البحر بظهر الأرض والسفينة بالسرير وجعل الجلوس عليها مشابهاً لجلوس
الملوك على أسرتهم إيذاناً بأنهم بذالون لأنفسهم ويرتكبون هذا الأمر العظيم مع وفور نشاطهم
وتمكنهم من مناهم كالملوك على أسرتهم. وفي شرح مسلم قيل: هو صفة لهم في الآخرة إذا
دخلوا الجنة. والأصح أنه صفة لهم في الدنيا، أي يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم
الحديث رقم ٥٨٥٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠/٦. حديث رقم ٢٧٨٨. ومسلم في صحيحه ٣/
١٥١٨ حديث رقم (١٩١٢.١٦٠). والترمذي في السنن ١٥٢/٤ حديث رقم ١٦٤٥. والنسائي
٤١/٦ حديث رقم ٣١٧١. ومالك في الموطأ ٤٦٤/٢ الحديث رقم ٣٩ من كتاب الجهاد. وأحمد
في المسند ٢٤٠/٣.
بـ٢٠
١٠٠
٠ ... " ..

٥٣٧
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ
وهو يضحك، فقلت: يا رسول الله! ما يضحكك؟ قال: ((ناسٌ من أمتي عرضوا عليَّ غزاةً
في سبيل الله)). كما قال في الأولى. فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. قال:
((أنتِ من الأوَّلين)). فركبت أَمُّ حَرام البحر في زمنٍ معاوية، فصُرِعت عن دابتها حين
خرجت من البحر، فهلكت. متفق عليه.
٥٨٦٠ _ (٩) وعن ابن عبَّاس، قال: إِن ضِماداً قَدِمَ مكةً وكانَ من أزد شنوءة، وكان
يرقي من هذا الريح، فسمع سفهاء أهل مكة يقولون: إِن محمداً مجنون. فقال: لو أني رأيت
واستقامة أمرهم وكثرة عددهم. اهـ. وفيه إشعار بأن الحال مقدرة على المعنيين بخلاف ما قرره
الطيبي فإنها حينئذ محققة. (فقلت: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم فدعا لها) فيه التفات أو
تجرید أو نقل بالمعنى أو من كلام أنس. (ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: يا
رسول الله ما يضحكك) أي الآن (قال: ناس من أمتي عرضوا عليّ غزاة في سبيل الله كما قال) أي
النبي ◌َ﴿ (في الأولى) أي في المقالة الأولى، وهو من كلام الراوي اختصاراً. (فقلت:) أي ثانياً
(يا رسول الله أدع الله أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأوّلين) فيه إيماء إلى أن مرتبة الأوّلين فوق
مرتبة الآخرين. (فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية) أي في أيام ولاية معاوية فلا ينافي ما تقدم
من أن موتها في خلافة عثمان. (فصرعت عن دابتها) بصيغة المجهول أي فسقطت عن ظهر
مركبها. (حين خرجت من البحر فهلكت) أي ماتت، ونظيره قوله تعالى: ﴿حتى إذا هلك ﴾
[غافر - ٣٣]. أي مات يوسف. (متفق عليه.) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي.
٥٨٦٠ - (وعن ابن عباس قال: إن ضماداً) بكسر الضاد ويضم وتخفيف الميم وبدال في
آخره، ویروی ضمام بميم في آخره. (قدم مكة) بكسر الذال، أي نزل بها من سفر (وكان من
أزد شنوءة) بفتح أوّله وضم نون فواو ساكنة فهمزة فهاء، قبيلة كبيرة من اليمن والأزد قبيلة
منها. قال ابن الملك: هو بضم الضاد المعجمة وكسرها اسم رجل، كان صديقاً للنبي 18 قبل
أن يبعث. وقال المؤلف: هو ضماد بن ثعلبة الأزدي كان يتطيب ويطلب العلم، أسلم في أوّل
الإِسلام. (وكان يرقي) بكسر القاف أي يعالج الداء بشيء يقرأ ثم ينفث. (من هذا الربح) قال
الطيبي: الإشارة بهذا إلى جنس العلة له، وذكره باعتبار الجنون. قال التوربشتي: الإِشارة بهذا
إلى جنس العلة التي كانوا يرونها الريح وكأنهم كانوا يرون أن الخبل الذي يصيب الإنسان
والأدواء التي كانوا يرونها من مسة الجن نفحة من نفحات الجن فيسمونها الريح. اهـ. وقال أبو
موسى: الريح هنا بمعنى الجن سموا بها لأنهم لا يرون كالريح. (فسمع) أي ضماد (سفهاء
[أهل] مكة) أي جهالهم من الكفار (يقولون أن محمداً مجنون فقال: لو أني رأيت) أي أبصرت
الحديث رقم ٥٨٦٠: أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٥٩٣ حديث رقم (٨٦٨.٤٦). وأحمد في المسند ١/
٣٠٢.

٥٣٨
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
هذا الرجل لعلَّ اللَّهَ يشفيه على يدي. قال: فلقيه. فقال: يا محمد! إِني أزقي من هذا الريح،
فهل لك؟ فقال رسول الله وَّل: ((إِن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلَّ له،
ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، أما بعد)) فقال: أعِدْ عليَّ كلماتك هؤلاءِ، فأعادهنَّ عليه رسول الله ێ ثلاث مرات
فقال: لقد سمعت قول الكهنَة، وقول السحرة، وقول الشعراءِ، فما سمعتْ مثل كلماتك
هؤلاءِ .
(هذا الرجل) أي بالوصف المذكور لداويته. فجوار لو مقدر والأظهر أن لو هذه للتمني كما
يشير إليه قوله: (لعل الله أن يشفيه على يدي) أي بسببي (قال:) أي ابن عباس (فلقيه) أي
محمداً فقال: (يا محمد إني أرقي من هذا الريح فهل لك) أي رغبة (في أن أرقيك وأخلصك
من الجنون. فقال لي: إن الحمد لله) أي ثابت له مختص به سواء حمد أو لم يحمد (نحمده)
أي لوجوبه علينا ولعود نفعه إلينا (ونستعينه) أي في جميع أمورنا (من يهده الله) أي إلى طريق
توحيده وشهود تفريده بمقتضى فضله (فلا مضل له ومن يضلل) أي ومن يضلله عن سواء
السبيل بموجب عدله (فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده) أي منفرداً وهو تأكيد لما قبله
كقوله: (لا شريك له) أو المراد بالأوّل توحيد الذات وبالثاني تفريد الصفات (وأشهد أن محمداً
عبده) أي المختص المكرم (ورسوله) أي المخصوص المعظم وَ ل﴿ وشرف وكرم (أما بعد) أي
وأراد أن يخطب له خطبة عظيمة وموعظة جسيمة تعجز عنه البلغاء ويتحير فيه الفصحاء ليعلم
العقلاء أنهم بجنبه من المجانين والسفهاء (فقال: أعد عليّ كلماتك هؤلاء) أي المتقدمة الدالة
على جزالة الخاتمة (فأعادهن عليه رسول الله وَلقر ثلاث مرات) يحتمل أن يكون التثليث بالأولى
كما كان له العادة، أو بغيرها كما يفيد حقيقة الإعادة مع زيادة المبالغة في مقام الإفادة وتمام
الاستفادة (فقال:) أي ضماد (لقد سمعت قول الكهنة) بفتحتين جمع كاهن وهو المخبر عن
الغيب بعبارات مشجعة وإشارات مبدعة (وقول السحرة) جمع ساحر وهو المخيل في العين
والذهن من جهة قوله: أو من أجل فعله. (وقول الشعراء) جمع شاعر وهو المحلى باللسان في
كل شأن حتى شان مازان وزان ماشان، يريد أنهم ينسبونك تارة إلى الكهانة ومرة إلى السحر
وأخرى إلى الشعر، وقد سمعت مقالة أصحابها. (فما سمعت) أي منهم (مثل كلماتك هؤلاء)
يعني فلو كنت منهم لأشبه كلامك كلامهم، فإذا كان كلامه أبلغ من كلام هؤلاء فلا يعده
مجنوناً إلا السفهاء. ثم إنهم كانوا يرون الكهان والسحرة والشعراء أهل البلاغة والمتصرفين في
القول على أي أسلوب شاؤوا. فأشار بقوله هذا إلى الإعجاز، أي جاوز كلامك حد البلاغة.
وحاصله أنه * * قابل كلام ضماد بما تقدم ليظهر له كمال عقله ويتبين جهل أعدائه. وقال
الطيبي: طابق هذا القول منه ول﴿ قول ضماد من أنه لما سمع من سفهاء أهل مكة أن محمداً
مجنون اعتقد أنه كذلك، فقال: هل لك رغبة في الخلاص، كأنه ◌ّيه ما التفت إلى قوله ذلك
وأرشده إلى الحق البحث والصدق المحض. أي إني لست بمجنون أتكلم كلام المجانين بل
كلامي نحو هذا وأمثاله فتفكر فيه، هل ينطق المجنون بمثل هذه الكلمات. ونحوه قوله تعالى:
﴿ويقولون إنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين﴾ [القلم - ٥١ و٥٢]. أي أنهم جننوه لأجل
1

٣٠/٦
١٣٤/١
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
٥٣٩
ولقد بلغن قاموسَ البحرِ، هات يدك أبايعك على الإِسلام، قال: فبايعه. رواه مسلم. وفي
بعض نسخ ((المصابيح)): بلغنا ناعوس البحر.
القرآن وما هو إلا ذكر وموعظة للعالمين، وكيف يجنن من جاء بمثله. قلت: بل المجنون من
غفل عن ذكر الحق واشتغل بكلام الخلق، ولذا قال ◌َّطار: ((اذكروا الله حتى يقولوا مجنون)). ثم
قال الطيبي: والعرب ربما استعملوا هؤلاء في غير العقلاء وقد شهد به التنزيل. قال تعالى:
﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [الإسراء - ٣٦]. وقال الشاعر:
ذم المنازل بعد منزلة اللوى * والعيش بعد أولئك الأيام
(ولقد بلغن) أي هؤلاء الكلمات الجامعات المحيطات بحروف كاللآلىء المنظومات التي
يعجز الغوّاص عن إخراجها وإبرازها، لما من فيها من الدلالات البينة على إعجازها من كمال
إيجازها. (قاموس البحر) [أي معظم بحر الكلام] ووسطه لجة المرام. والمعنى: بلغت غاية
الفصاحة ونهاية البلاغة. قال صاحب القاموس: القمس الغوص والغمس، والقومس معظم ماء
البحر كالقاموس. والقاموس البحر أو أبعد موضع فيه غوراً. (هات) بكسر التاء أي أعط (يدك
أبايعك) بالجزم جواب الأمر (على الإِسلام. قال:) أي ابن عباس (فبايعه) أي النبي وَّر (رواه
مسلم).
(وفي بعض نسخ المصابيح: بلغنا) أي بصيغة المتكلم مع الغير. (ناعوس البحر) بالنون
والعين وهو تصحيف وتحريف حيث لم يذكر الناعوس في القاموس. قال التوربشتي: وفي
كتاب المصابيح بلغنا وهو خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى، والرواية لم ترد به.
وناعوس البحر أيضاً خطأ وكذلك رواه مسلم في كتابه وغيره من أهل الحديث. وقد وهموا
فيه. والظاهر أنه سمع بعض الرواة أخطاء فيه فروي ملحوناً وهذا من الألفاظ التي لم تسمع في
لغة العرب. والصواب فيه قاموس البحر، وهو وسطه ومعظمه من القمس وهو الغوص،
والقماس والغوّاص. وقال الطيبي: قوله: بلغنا خطأ إن أراد به من حيث الرواية فلا ننكره لأنا
ما وجدناها في الأصول، وإن أراد بحسب المبنى فمعناها صحيحة، أي قد وصلنا إلى لجة
البحر ومحل اللآلىء والدر، فيجب أن نقف عليه ونغوص فيه استخراجاً لفوائده والتقاطاً
الفرائده. قلت: الشيخ نفى المعنى اللغوي الحقيقي، إذ ليس الكلام في المعنى المجازي الذي
هو بإشارات الصوفية أشبه فتدبر وتنبه. قال: وأما قوله: ناعوس البحر، أيضاً خطأ فليس
بصواب. أما رواية، فقد قال الشيخ محيي الدين في شرح صحيح مسلم: ناعوس البحر ضبطناه
بوجهين أشهرهما بالنون والعين، وهذا هو الموجود في نسخ بلادنا. والثاني قاموس البحر
بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير صحيح مسلم. قلت:
هذا ما ينافي قول الشيخ، فإنه لم ينكر وجود النقل والرواية، بل يطعن فيه من حيث اللغة
والدراية. قال: وقال القاضي عياض: روى بعضهم ناعوس بالنون والعين. وقال شيخنا أبو
الحسين: ناعوس البحر بمعنى قاموسه. قلت: وهذا يفيد أن القاموس هو الأظهر والأكثر،
وإنما جاء الناعوس في رواية، وهو لكونه لا يستقيم في المعنى، حمل على أنه بمعنى القاموس
دبين جميلة.
١
٨٠-٩٠ ١

٥٤٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب علامات النبوة
وذكر حديثاً أبي هريرة وجابر بن سمرة ((يهلك كسرى)) والآخر ((ليفتحنَّ عصابةٌ)) في
باب ((الملاحم)).
وهذا الباب خال عن: الفصل الثاني
الفصل الثالث
٥٨٦١ - (١٠) عن ابن عبّاس، قال: حدَّثني أبو سفيانَ بنُ حربٍ منْ فِيهِ إِلى فِيَّ،
وإن لم يسمع في كلام العرب. قال: وفي النهاية قال أبو موسى: ناعوس البحر كذا وقع في
صحيح مسلم، وفي سائر الروايات قاموس البحر وهو وسطه ولجته ولعله لم يجود كيفيته
فصحفه بعضهم، وليست هذه اللفظة أصلاً في مسند إسحاق بن راهويه الذي روى عنه مسلم
هذا الحديث. غير أنه قرنه بأبي موسى وروايته فلعلها فيها. قال: وإنما أورد نحو هذه الألفاظ
لأن الإنسان إذا طلبه ولم يجده في شيء من الكتب فتحير فإذا نظر في كتابنا عرف أصله
ومعناه، قلت: وهذا كله يؤيد الشيخ فيما قرره ويؤكد ما حرره من جهة عدم صحة ما يتعلق به
من الرواية. قال الطيبي: وأما دراية فقال القاضي ناصر الدين: ناعوس البحر معظمه وتحته
الذي يغاص فيها لإخراج اللآلىء، من نعس إذا نام لأن الماء من كثرته لا تظهر حركته فكأنه
نائم. قلت: ثبت العرش ثم انقش الفرش، فإن تحقيق الرواية مقدم على تدقيق الدراية، مع أن
هذا ليس معناه اللغوي بل تكلف وتعسف في تصحيحه بالمعنى المجازي، فأنى يقاوم قول
الشيخ، وهذا من الألفاظ التي لم تسمع في لغة العرب. وأغرب الطيبي حيث قال: ومن الجائز
أن يكون الناعوس حقيقة في القاموس وكانت لغة عربية خفي مكانها فلم تنقل نقلاً فاشياً. اهـ.
ولا يخفى أنه إن فتحنا باب الإِمكان انسد طريق التحقيق في كل مكان والله المستعان. (وذكر
حديثاً أبي هريرة وجابر بن سمرة) بإضافة الحديثين إلى الراويتين لفاً ونشراً مرتباً، والتقدير
أحدهما. (يهلك كسرى) أي الخ (والآخر لتفتحن عصابة) أي الحديث (في باب الملاحم)
متعلق بذكر ووجهه مراراً قرر وكذا حرر توجيه قوله: (وهذا الباب خال عن الفصل الثاني).
(الفصل الثالث)
٥٨٦١ - (عن ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان بن حرب) بضم السين وجوّز تثليثه.
واسمه صخر بمهملة فمعجمة. ولد قبل الفيل بعشر سنين وأسلم ليلة الفتح، وشهد الطائف
وحنيناً وفقئت عينه في الأولى والأخرى يوم اليرموك. توفي بالمدينة وصلى عليه عثمان رضي
الله عنهما. (من فيه إلى فيّ) من للابتداء، أي الحديث الذي أرويه انتقل من فمه إلى فمي ولم
الحديث رقم ٥٨٦١: أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٣٠. حديث رقم ٦. ومسلم في صحيحه ١٣٩٣/٣
حديث رقم (٧٤. ١٧٧٣).