النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَلقد وفي رواية للترمذي: ((إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى [من ولد إسماعيل] بني كنانة)). ٥٧٤١ _ (٣) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: «أنا سيّدُ ولدِ آدَمَ يومَ القيامةِ، ابن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن النضر بن نزار بن معد بن عدنان. ولا يصح حفظ النسب فوق عدنان. اهـ. وقد ضبطت الأسماء المذكورة في رسالتي المسماة المسطورة. (رواه مسلم) وكذا الترمذي، على ما في الجامع(١). (وفي رواية للترمذي:) أي عن واثلة أيضاً (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة) وتمام الحديث على ما في الجامع: واصطفى من بني كنانة قريشاً واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم(٢). ٥٧٤١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلاير: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) في شرح مسلم للنووي، قال الهروي: السيد هو الذي يفوق قومه في الخير. وقال غيره: هو الذي يفزع إليه في النوائب والشدائد فيقوم بأمورهم ويتحمل عنهم مكارههم ويدفعها عنهم. والتقييد بيوم القيامة مع أنه وَّر في الدنيا والآخرة معناه، أنه يظهر يوم القيامة سودده بلا منازع ولا معاند، بخلاف الدنيا فقد نازعه فيها ملوك الكفار وزعماء المشركين، وهو قريب من معنى قوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم الله الواحد القهار ﴾ [غافر - ١٦]. مع أن الملك له قبل ذلك، لكن كان في الدنيا من يدعي الملك أو من يضاف إليه مجازاً فانقطع كل ذلك في الآخرة. وفي الحديث دليل على فضله وَّلّر على كل الخلق، لأن مذهب أهل السنة أن الآدمي أفضل من الملائكة، وهو ◌َّ أفضل الآدميين بهذا الحديث وغيره. وأما الحديث الآخر: لا تفضلوني بين الأنبياء فجوابه من خمسة أوجه، أحدها أنه وَّر قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، والثاني قاله أدباً وتواضعاً. والثالث أن المنهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول. والرابع إنما نهي عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة والفتنة. والخامس أن النهي مختص بالتفضيل في نفس النبوّة ولا تفاضل فيها، وإنما التفاضل في الخصائص وفضائل أخرى. ولا بد من اعتقاد التفضيل فقد قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة - ٢٥٣]. وقد قال أيضاً: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ (١) الجامع الصغير ١٠٥/١ حديث رقم ١٦٨٢. (٢) الجامع الصغير ١٠٥/١ حديث رقم ١٦٨٣. الحديث رقم ٥٧٤١: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٨٢/٤ حديث رقم (٢٢٧٨.٣) وأبو داود ٥٤/٥ حديث رقم ٤٦٧٣. والترمذي ٥٤٨/٥ حديث رقم ٣٦١٥. والدارمي ٤١/١ حديث رقم ٥٢. وأحمد في المسند ٣/ ٢. ٤٢٢ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين ◌َلفرد وأوَّلُ مَنْ ينشقُّ عنه القَبرُ، وأَوَّلُ شافعٍ، وأوَّلُ مُشَفَّعٍ)). رواه مسلم. ٥٧٤٢ - (٤) وعن أنس، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أنا أكثرُ الأنبياءِ تبعاً يومَ القيامةِ، وأنا أوَّلُ مَن يقْرَعُ بابَ الجنةِ)). رواه مسلم. ٥٧٤٣ _ (٥) وعنه، قال: قال رسولُ الله وَّرِ: ((آتي بابَ الجنَّةِ [الإسراء - ٥٥]. (وأوّل من ينشق عنه القبر) أي فهو أوّل من يبعث من قبره ويحضر في المحشر كما رواه الترمذي عن أنس: أنا أوّل الناس خروجاً إذا بعثوا وأنا خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر(١). وفي رواية للترمذي والحاكم عن ابن عمر: ((أنا أوّل من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة))(٢). وفي رواية للترمذي عن أبي هريرة: ((أنا أوّل من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري))(٣). وأوّل شافع، أي في ذلك المحضر. وأوّل مشفع، بتشديد الفاء المفتوحة أي أوّل من تقبل شفاعته على الإطلاق في أنواع الشفاعات. وفيه دليل أيضاً على أنه والقر أفضل المخلوقات وأكمل الموجودات. (رواه مسلم.) وكذا أبو داود. وفي رواية أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع ولا فخر. ٥٧٤٢ - (وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَله: أنا أكثر الأنبياء تبعاً) بفتحتين جمع تابع، أي اتباعاً يوم القيامة لأن أمته ثلثا أهل الجنة على ما سبق في الحديث. وفيه إشعار بأن أكثرية الأتباع توجب أفضلية المتبوع، وكذلك الإِمام عاصم من بين القراء. فأبو حنيفة رحمه الله له حظ عظيم ونصيب جسيم من ذلك، فإن غالب أهل الإِسلام من أتباعه في فروع الأحكام. (وأنا أوّل من يقرع) بفتح الراء أي يدق ويستفتح. (باب الجنة) أي فيفتح له فيدخلها (رواه مسلم.) وروى ابن النجار عن أنس أيضاً: أنا أوّل من يدق باب الجنة فلم تسمع الآذان أحسن من طنين الحلق على تلك المصاريع. ٥٧٤٣ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلفر: آتي) أي أجيء (باب الجنة (١) أخرجه الترمذي ٥٤٦/٥ حديث رقم ٣٦١٠. (٢) الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٦٥ والترمذي ٥/ ٥٨١ حديث رقم ٣٦٩٢. (٣) أخرجه الترمذي ٥٤٦/٥ حديث رقم ٣٦١١. الحديث رقم ٥٧٤٢: أخرجه مسلم ١٨٨/١ حديث رقم ١٩٦/٣٣١. الحديث رقم ٥٧٤٣: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٨/١ حديث رقم (١٩٧.٣٣٣). وأحمد في المسند ١٣٦/٣. .ب. .٥٥٦ مـ BENg ٤٢٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَطيف يومَ القيامةِ، فأسْتفتحُ، فيقولُ الخازنُ: مَن أنتَ؟ فأقولُ: محمَّدٌ فيقولُ: بكَ أُمرتُ أنْ لا أفتحَ لأحدٍ قبلَكَ)). رواه مسلم. ٥٧٤٤ - (٦) وعنه، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((أنا أوَّلُ شَفيع في الجنَّةِ لم يصدَّقْ نبيِّ من الأنبياءِ ما صُدّقتُ، وإنَّ منَ الأنبياءِ نبيّاً ما صدَّقه من أَمَّته إلا رجلٌ واحدٌ)). رواه مسلم ٥٧٤٥ _ (٧) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مثلي ومثَلُ الأنبياءِ كمثل قصرٍ أَحسِنَ بُنيانُه تُركَ منه موضعُ لبِنَةٍ، فطافَ به النظّارُ، يتعجَّبونَ من حُسنِ بنيانِهِ، إِلا موضعَ تلكَ اللبنةِ، يوم القيامة فأستفتح) أي أطلب فتحه (فيقول الخازن: من أنت) سمي الموكل بحفظ الجنة خازناً لأن الجنة خزانة الله تعالى أعدها الله للمؤمنين وهو حافظها. (فأقول: محمد) أي أنا محمد (فيقول: بك) أي بفتح الباب لك قبل غيرك من الأنبياء (أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك) قال الطيبي: بك متعلق بأمرت والباء للسببية قدمت للتخصيص. والمعنى بسببك أمرت أن لا أفتح لغيرك لا بشيء آخر. ويجوز أن يكون صلة للفعل وأن لا أفتح بدلاً من الضمير المجرور، أي أمرت أن لا أفتح لأحد غيرك. (رواه مسلم). ٥٧٤٤ - (وعنه) أي عن أنس رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَله: أنا أوّل شفيع في الجنة) قال المظهر: أي أنا أوّل شافع للعصاة من أمتي في دخول الجنة. وقيل: أي أنا أوّل شافع في الجنة لرفع درجات الناس فيها. (لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت) ما مصدرية، أي لم يصدق نبي تصديقاً مثل تصديق أمتي إياي، يعني به كثرة مصدقية، قال المظهر: وهذا كناية عن أنه لي أكثر الأنبياء أمة. ويؤيده قوله: (وإن من الأنبياء نبياً ما صدقه [من أمته] إلا رجل واحد رواه مسلم). - عدد ٥٧٤٥ _ (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلي: مثلي) أي صفتي العجيبة الشأن الغريبة البرهان. (ومثل الأنبياء) أي من الإخوان المشتركين في أساس البنيان من التوحيد وتحقيق الإِيمان وتدقيق الإِيقان مما يوجب مرتبة القرب والإِحسان. (كمثل قصر) أي بناء مرتفع (أحسن بنيانه) أي زين بناء أركانه (ترك منه) أي من القصر (موضع لبنة) والجملة استئناف بيان، أو حال بتقدير قد أو بدونه. (فطاف به النظار) بضم النون وتشديد الظاء المعجمة، أي دار به الحاضرون وتفرج في جوانبه الناظرون. (يتعجبون من حسن بنيانه) أي يستحسنون أنواع أركانه (إلا موضع تلك اللبنة) فإنه خارج عن موضع الاستحسان داخل في الحديث رقم ٥٧٤٤: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٨/١ حديث رقم (١٩٦.٣٣٢) وأحمد في المسند ٣/ ١٤٠. الحديث رقم ٥٧٤٥: أخرجه البخاري ٥٥٨/٦ حديث رقم ٣٥٣٥. ومسلم في صحيحه ٤/ ١٧٩٠ حديث رقم (٢٢٨٦.٢١). وأخرجه الترمذي ٥٤٧/٥ حديث رقم ٣٦١٣. وأخرجه الدارمي ٣٧٤/١ حدیث رقم ١٣٨٩. وأحمد في المسند ١٤٥/٥. ٤هو. ١ جوة 1005 ٤٢٤ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين ولقد فكنتُ أنا سَدَدْتُ موضعَ اللبنةِ، خُتم بيَ البُنيانُ وخُتمَ بي الرسلُ)). وفي رواية: «فأنا اللبنةُ، وأنا خاتَمُ النَّبِينَ)). متفق عليه. ٥٧٤٦ - (٨) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما من الأنبياءِ من نبي إِلا قذْ أُعطي منَ الآياتِ ما مثلُه آمنَ عليه البشرُ، موضع الاستغراب في ذلك الشأن. (فكنت) أي فصرت (أنا) ضمير فصل للتأكيد وإفادة الحصر على وجه التأبيد. (سددت موضع اللبنة) أي لكوني خاتم النبيين (ختم بي البنيان) حال أو استئناف بيان. والمراد به بنيان الدين المشبه بذلك البنيان. (وختم بي الرسل) الظاهر أنهم هنا بمعنى الأنبياء إما على القول بالترادف، أو باعتبار التجريد، لأن الرسول نبي أمر بالتبليغ. ويدل عليه قوله: (وفي رواية: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين) بكسر التاء ويفتح فيه إيماء إلى ما ورد عنه وَله: ((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) (١). قال الطيبي: هذا من التشبيه التمثيلي شبه الأنبياء وما بعثوا به من الهدى والعلم وإرشادهم الناس إلى مكارم الأخلاق، بقصر شيد بنيانه وأحسن بناؤه. لكن ترك منه ما يصلحه وما يسد خلله من اللبنة فبعث نبينا لسد ذلك الخلل، مع مشاركته إياهم في تأسيس(٢) القواعد ورفع البنيان. هذا على أن يكون الاستثناء منقطعاً. ويجوز أن يكون متصلاً من حيث المعنى، إذ حاصل المعنى تعجبهم المواضع إلا موضع تلك اللبنة، وليس ذلك المصلح إلا ما اختص به من معنى المحبة وحق الحقيقة الذي يعتنيه أهل العرفان. وقوله: أنا سددت موضع اللبنة. يحتمل أن يكون هو الساد بلبنة ذلك الموضع وأن يسده بنفسه ويكون بمنزلة اللبنة. ويؤيد هذه الرواية الأخرى من قوله: فأنا اللبنة (متفق عليه). ٥٧٤٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلهو: ما من الأنبياء من نبي) زيد من الثانية للمبالغة والأولى للتبعيض. والمعنى ليس نبي من الأنبياء. (إلا قد) وفي الجامع إلا وقد (أعطي من الآيات) أي المعجزات وخوارق العادات. ومن بيان لما في قوله: (ما مثله آمن عليه البشر) وهي موصولة ومثله مبتدأ وآمن خبره. وعليه يتعلق بآمن لتضمنه معنى الاطلاع كأنه قال: آمن للاطلاع عليه البشر، أو بحال محذوف. أي آمن البشر واقفاً أو مطلعاً عليه، والمفعول محذوف. والمعنى: أن كل نبي قد أعطي من المعجزات ما إذا شوهد واطلع عليه دعا الشاهد إلى تصديقه، فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة. هذا خلاصة كلام بعض الشراح من علمائنا. وقال الطيبي: من فيه بيانية، ومن الثانية زائدة تزاد بعد النفي. وما في ما مثله موصولة وقعت مفعولاً ثانياً لأعطي، ومثله مبتدأ وآمن خبره، والجملة صلة الموصول. والراجع إلى الموصول ضمير المجرور في عليه وهو حال، أي مغلوباً عليه في ١٩٩ (١) أخرجه أحمد عن أبي هريرة بلفظ ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)) ٣٨١/٢. (٢) في المخطوطة ((تأييد)). الحديث رقم ٥٧٤٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٣/٩. حديث رقم ٤٩٨١. أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٤/١ حديث رقم (١٥٢.٢٣٩). وأحمد في المسند ٣٤١/٢. /٦٫٢٧ ٢,٤+ ١٠ ٤٢٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين والله وإِنما كانَ الذي أُوتِيتُ وحياً أوْحى اللَّهُ إِليّ، وأرجو أن أكونَ أكثرَهم تابعاً يومَ القيامةِ». متفق عليه . ٥٧٤٧ - (٩) وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّر: ((أُعطيِتُ خمساً لم يُعطهُنَّ أحدٌ قبلي : نُصرتُ بالرُّعبِ مسيرةً شهرٍ، التحدي والمباراة. والمراد بالآيات المعجزات. وموقع المثل هنا موقعه في قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة - ٢٣]. أي مما هو على صفته في البيان الغريب وعلو الطبقة في حسن النظم. يعني: ليس نبي من الأنبياء إلا قد أعطاه الله تعالى من المعجزات الدالة على نبوّته الشيء الذي من صفته، أنه إذا شوهد اضطر الشاهد إلى الإيمان به. وتحريره أن كل نبي اختص بما يثبت دعواه من خارق العادات بحسب زمانه، فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة، كقلب العصا ثعباناً في زمان موسى عليه السلام، وإخراج اليد البيضاء، لأن الغلبة في زمنه للسحر فأتاهم بما هو فوق السحر واضطرهم إلى الإِيمان. وفي زمن عيسى عليه السلام الطب فأتاهم بما هو أعلى من الطب، وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص. وفي زمن رسولنا ول ﴿ البلاغة والفصاحة فجاء القرآن وأبطل الكل. اهـ. وفيه تأمل من جهة قوله: أبطل الكل. فالصواب أن يقال: فجاء القرآن معجزة مشتهرة دائمة إلى انقراض الزمان، بل أبد الآباد لما يتلى في درجات الجنان، بل يسمع من كلام الرحمن. وهذا معنى قوله: (وإنما كان الذي أوتيت) وفي الجامع أوتيته، والموصول صفة لمحذوف. أي كان خرق العادة الذي أعطيته بالخصوص. (وحياً) أي كلاماً منزلاً علي، نزل به الروح الأمين. (أوحى الله إلي) أي لا غيره، فالمراد بالوحي هنا القرآن الذي هو في نفسه دعوة وفي نظمه معجزة وهو لا ينقرض بموته كما تنقرض معجزات غيره. قال القاضي وغيره: أي معظم الذي أوتيت وأفيده إذ كان له غير ذلك معجزات من جنس ما أوتيه [غيره]. والمراد بالوحي القرآن البالغ أقصى غاية الإعجاز في النظم. والمعنى وهو أكثر فائدة وأعم منفعة من سائر المعجزات، فإنه يشتمل على الدعوات والحجة ويستمر على مر الدهور والأعصار، وينتفع به الحاضرون عند الوحي المشاهدون له والغائبون عنه والموجودون بعده إلى يوم القيامة على السواء. ولذلك رتب عليه قوله: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) وقد حقق الله رجاءه كما تقدم والله أعلم. (متفق عليه.) ورواه أحمد . ٥٧٤٧ - (وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلقول: أعطيت خمساً) أي من الخصائل والفضائل (لم يعطهن أحد قبلي) أي من الأنبياء، فمن المحال أن يعطى أحد بعده من الأولياء. (نصرت) أي نصرني ربي على أعدائي. (بالرعب) بضم فسكون وبضمتين، أي بخوف العدوّ مني. (مسيرة شهر) أي في قدر مسيرة شهر بيني وبينه من قدام أو وراء. وفي الحديث رقم ٥٧٤٧: أخرجه البخاري ٤٣٥/١. حديث رقم ٣٣٥. ومسلم ١/ ٣٧٠ حديث رقم (٣/ ٥٢١). والنسائي في السنن ٢٠٩/١ حديث رقم ٤٣٢. ١٥٥٠ بناء * جديد . ٤٢٦ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين والقو وجُعلتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهوراً فأيُّما رجلٍ من أُمَّتي أدركتْهِ الصَّلاةُ فليُصلِّ، وأُحلَّتْ لي المغانمُ ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيِتُ الشَّفاعةَ، وكانَ النبيُّ يُبعثُ إِلى قومه خاصَّةٌ وبُعثْتُ إِلى النَّاسِ عامَّةً)). متفق عليه. شرح الطيبي: الرعب الفزع والخوف، وقد أوقع الله تعالى في قلوب أعداء النبي ◌َّ الخوف منه، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوا وفزعوا منه. (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) في شرح السنة: أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم. وأباح الله عزَّ وجلَّ لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا تخفيفاً عليهم وتيسيراً، ثم خص من جميع المواضع الحمام والمقبرة والمكان النجس. وقوله: طهوراً أراد به التيمم. اهـ. وفي الحمام والمقبرة تفصيل قدمناه. وقيل: معناه أنهم كانوا لا يصلون إلا فيما تيقنوا طهارته من الأرض. وخصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا فيما تيقنا نجاسته، ثم صرح بعموم هذا الحكم وفرع على ما قبله بقوله: (فأيما رجل) أي شخص (من أمتي أدركته الصلاة) أي وجبت عليه ودخل وقتها في أي موضع. (فليصل) أي في ذلك الموضع بشروطه المعتبرة في صحة الصلاة. (وأحلت لي المغانم) أي الغنائم، وهي الأموال المأخوذة من الكفار. (ولم تحل) وفي نسخة بصيغة المجهول، أي لم تبح الغنائم. (لأحد قبلي) أي من الأنبياء بل غنائمهم توضع فتأتي نار تحرقها، هكذا أطلقه بعض الشراح من علمائنا. وقال ابن الملك: أي من قبلنا من الأمم إذا غنموا الحيوانات يكون ملكاً للغانمين دون الأنبياء، فخص نبينا لو بأخذ الخمس والصفيّ، وإذا غنموا غيرها جمعوه، فتأتي نار فتحرقه. أقول: ولعل الحكمة في إحراق الغنيمة تحصيل تحسين النية وتزيين الطوية في مرتبة الإخلاص في الجهاد، والله أعلم بالعباد ورؤوف بالعباد. (وأعطيت الشفاعة) أل فيه للعهد، أي الشفاعة العامة للإراحة من المحشر المعبر عنها بالمقام المحمود الذي يغبطه عليه الأوّلون والآخرون. (وكان النبي) اللام فيه للاستغراق، أي وكان كل نبي من قبلي. (يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس) أي إلى أقوام مختلفة منهم غير مختص بقوم من العرب. (عامة) أي شاملة العرب والعجم. قال الطيبي: التعريف في النبي الاستغراق الجنس وهو أشمل من لو جمع، لما تقرر في علم المعاني أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع، لأن الجنسية في المفرد قائمة في وحدانه، فلا يخرج منه شيء. وفي الجمع فيما فيه الجنسية من الجموع فيخرج منه واحد أو اثنان على الخلاف، في أن أقل الجمع اثنان أو ثلاثة. اهـ. وقيل: اللام فيه للجنس عند النحويين، وللعهد عند الأصوليين. وهو لبيان الماهية المتعلقة بالذهن، لا لتعيين الذات. وتلك الماهية هي النبوّة. (متفق عليه.) ورواه النسائي. وفي رواية أحمد عن علي كرم الله وجهه: أعطيت ما لم يعطه أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهوراً وجعلت أمتي خير الأمم(١). وروى الحرث وابن مردويه عن أنس ولفظه: أعطيت ثلاث خصال: أعطيت صلاة في الصفوف وأعطيت السلام. وهو تحية أهل الجنة وأعطيت آمين ولم يعطها أحد ممن (١) أحمد في المسند ٩٨/١. ٠٠ب۔ ٣٠/١٠ ٠٫٠٠ ٤٢٧ كتاب الفضائل والشمائل / باب فضائل سيد المرسلين وَلهد ٥٧٤٨ - (١٠) وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسول الله(١)وَ ﴿ قال: ((فُضّلتُ على الأنبياءِ بستّ: أُعطيتُ جوامعَ الكلِم، ونصرتُ بالرُّعبِ، وأُحلَّتْ لي الغنائمُ، وجُعلتْ لي الأرضُ مسجداً وطَهوراً، وأُرسلتُ إِلَى الخلقِ كافةً، وخُتَمَ بِيَ النَّيُونَ)). كان قبلكم. إلا أن يكون الله أعطاها هارون. فإن موسى كان يدعو ويؤمن هارون. ٥٧٤٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله وَلقر قال: فضلت على الأنبياء بست) قال التوربشتي: وفي حديث جابر: بخمس، وليس هذا باختلاف تضاد وإنما هو اختلاف زمان، يكون فيه حديث الخمس متقدماً وذلك أنه أعطيها فحدث به، ثم زيد له السادسة فأخبر عن ست. قال ابن الملك: فإن قلت: هذا إنما يتم لو ثبت تأخر الدال على الزيادة. قلت: إن ثبت فلا كلام، وإلا فيحمل على أنه إخبار عن زيادتها في المستقبل، عبر عنه بالماضي تحقيقاً لوقوعه. اهـ. وقال صاحب الخلاصة: ويجوز أن يكون ذكر الخمس أو الست لمناسبة المقام، وحينئذ جاز أن يكون سبعاً، كما إذا ضمت الشفاعة إلى هذه الست. قلت: ويجوز أن تكون زائدة على السبع لما سيأتي ولما تقدم والله أعلم. (أعطيت جوامع الكلم) أي قوة إيجاز في اللفظ مع بسط في المعنى فأبين بالكلمات اليسيرة المعاني الكثيرة، وقد جمعت أربعين حديثاً من الجوامع الواردة على الكلمتين اللتين هما أقل مما يتصوّر منه تركب الكلام، ويتأتى منه إسناد المرام نحو قوله عليه السلام: ((العدة دين))(٢)، والمستشار مؤتمن(٣)، و((لا تغضب))(٤)). وأمثال ذلك. وقد روى أبو يعلى في مسنده عن عمر رضي الله عنه: أعطيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصاراً. وفي شرح السنة، قيل: جوامع الكلم هي القرآن، جمع الله سبحانه بلطفه معاني كثيرة في ألفاظ يسيرة. وقيل: إيجاز الكلام في إشباع من المعنى، فالكلمة القليلة الحروف منها تتضمن كثيراً من المعاني وأنواعاً من الكلام. (ونصرت بالرعب) أطلقه هنا وقيد غايته فيما سبق، بمسيرة شهر. (وأحلت لي) أي لأجلي على أمتي. (الغنائم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأرسلت إلى الخلق كافة). أي إلى الموجودات بأسرها عامة من الجن والانس والملك والحيوانات والجمادات، كما بينته في الصلوات العلية على الصلوات المحمدية. قال الطيبي: يجوز أن يكون كافة مصدراً، أي أرسلت رسالة عامة لهم محيط بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد، وأن يكون حالاً إما من الفاعل، والتاء على هذا للمبالغة كتاء الراوية. والعلامة، وإما من المجرور، أي مجموعین. (وختم بي النبيون) أي وجودهم فلا يحدث بعدي نبي ولا يشكل بنزول عيسى عليه السلام، وترويج دين نبينا ﴿ على أتم النظام وكفى به شهيداً شرفاً، وناهيك به فضلاً على الحديث رقم ٥٧٤٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٣٧١/١. حديث رقم (٥٢٣.٥) وأحمد في المسند ٢/ ٤١٢. (١) في المخطوطة ((النبي) وَّ. (٢) الطبراني في الأوسط ذكره في الجامع الصغير ٢/ ٣٥٠ حديث رقم ٥٦٨٢. (٣) الترمذي ٥/ ١١٥ حديث ٢٨٢٢. (٤) أخرجه البخارى. وكذلك الترمذي حديث رقم ٢٠٢٠. أجود ٤٢٨ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَلفود رواه مسلم. ٥٧٤٩ _ (١١) وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ لّه قال: ((بُعثتُ بجوامِعِ الكلِمِ، ونصِرتُ بالرُّعبِ، وبينا أنا نائمٌ رأيتُني أُوتيتُ بمفاتيحِ خزائنِ الأرضِ فوُضعتْ في يدي)). متفق عليه. ٥٧٥٠ _ (١٢) وعن ثوبانَ، قال: قال رسولُ الله ◌ِّر: (إِنَّ اللَّهَ زَوَى لَيَ سائر الأنام. قال الطيبي: أغلق باب الوحي وقطع طريق الرسالة وسد، وأخبر باستغناء الناس عن الرسل وإظهار الدعوة بعد تصحيح الحجة وتكميل الدين. كما قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة - ٣]. وأما باب الإلهام فلا ينسد وهو مدد يعين النفوس الكاملة، فلا ينقطع لدوام ضرورة حاجتها إلى تأكيد وتجريد وتذكير. وكما أن الناس استغنوا عن الرسالة والدعوة احتاجوا إلى التذكير والتنبيه لاستغراقهم في الوساوس وانهماكهم في الشهوات. فالله تعالى أغلق باب الوحي بحكمته وفتح باب الإلهام برحمته لطفاً منه بعباده. (رواه مسلم) وكذا الترمذي. وفي رواية الطبراني عن السائب بن يزيد: فضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة وادخرت شفاعتي لأمتي ونصرت بالرعب شهراً أمامي وشهراً خلفي وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي. وفي رواية البيهقي عن أبي أمامة: فضلت بأربع: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة فلم يجد ما يصلي عليه وجه الأرض مسجداً وطهوراً وأرسلت إلى الناس كافة ونصرت بالرعب من مسيرة شهرين يسير بين يدي وأحلت لي الغنائم. وفي رواية الطبراني عن أبي الدرداء: فضلت بأربع: جعلت أنا وأمتي في الصلاة كما تصف الملائكة وجعل الصعيد لي وضوءاً وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وأحلت لي الغنائم. فبعض الأحاديث وإن دل بمنطوقه، على أنه التر مخصوص من عند الله تعالى بفضائل معدودة، لكن لا يدل مفهومه على حصر فضائله، فيها فإن فضائله غير منحصرة. ٥٧٤٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله ربَّلتر قال: بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي) في النهاية: أراد ما سهل الله تعالى له ولأمته من افتتاح البلاد المتعددات واستخراج الكنوز المتنوّعات. اهـ. أو المراد منه معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة وسائر الفلزات. (متفق عليه) ورواه النسائي. ٥٧٥٠ - (وعن ثوبان) وهو مولى النبي ◌َّو (قال: قال رسول الله وَليقول: إن الله زوى لي الحديث رقم ٥٧٤٩: أخرجه البخاري ١٢٨/٦. حديث رقم ٢٩٧٧. وأخرجه مسلم في صحيحه ٣٧١/١ حديث رقم (٥٢٢.٦). والنسائي في السنن ٣/٦ حديث رقم ٣٠٨٧. وأحمد في المسند ٢٦٤/٢. الحديث رقم ٥٧٥٠: أخرجه مسلم ٢٢١٥/٤. حدیث رقم (١٩ -٢٨٨٩). وأبو داود ٤/ ٤٥ حديث رقم ٤٢٥٢. والترمذي ٤١٠/٤ حديث رقم ٢١٧٦ وابن ماجه ١٣٠٤/٢ حديث رقم ٣٩٥٢. وأحمد فى المسند ٢٧٨/٥. ١٩م ٤٢٩ كتاب الفضائل والشمائل / باب فضائل سيد المرسين وَلقول الأرضَ، فرأيتُ مشارقَها ومغاربها، وإِنَّ أُمَّتي سيبلُغُ مُلكُها ما زُوِيَ لي منها، وأُعطيتُ الكنزَينَ: الأحمر والأبيضَ، وإني سألتُ ربِّ لأمَّتي أنْ لا يُهلكها بسنةٍ عامَّةٍ، وأنْ لا يُسلطَ عليهم عدُوّاً من سِوَى أنفسهم فيستبيح بيضتَهم، وإِنَّ ربِّي قال: يا محمَّدُ! إِذا قضَيتُ قضاءً فإِنَّه لا يُردُ، وإني أعطيتُكَ لأمَّتكَ أنْ لا أُهلكَهم بسنةٍ عامَّةٍ، وأنْ لا أُسلطَ عليهم عدُوّاً سِوى أنفسِهم فيستبيح بيضَتهم، ولو اجتَمعَ عليهم مَن بأقطارِها الأرض) أي جمعها لأجلي. قال التوربشتي: زويت الشيء جمعته وقبضته يريد به تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب منها. وحاصله أنه طوى له الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة نظره، ولقد قال: (فرأيت مشارقها ومغاربها) أي جميعها (وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) قال الخطابي: توهم بعض الناس أن من في منها للتبعيض وليس ذلك كما توهمه، بل هي للتفصيل للجملة المتقدمة، والتفصيل لا يناقض الجملة. ومعناه: أن الأرض زويت لي جملتها مرة واحدة فرأيت مشارقها ومغاربها، ثم هي تفتح لأمتي جزءاً فجزءاً حتى يصل ملك أمتي إلى كل أجزائها. أقول: ولعل وجه من قال بالتبعيض هو أن ملك هذه الأمة ما بلغ جميع الأرض، فالمراد بالأرض أرض الإسلام وإن ضمير منها راجع إليها على سبيل الاستخدام والله أعلم بالمرام. (وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) بدلان مما قبلهما، أي كنز الذهب والفضة. قال التوربشتي: يريد بالأحمر والأبيض خزائن كسرى وقيصر، وذلك أن الغالب على نقود ممالك كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم. (وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة) أي بقحط شائع لجميع بلاد المسلمين. قال الطيبي: السنة القحط والجدب وهي من الأسماء الغالبة. (وأن لا يسلط عليهم عدوّاً) وهم الكفار. وقوله: (من سوى أنفسهم) صفة عدوّاً، أي كائناً من سوى أنفسهم. وإنما قيده بهذا القيد لما سأل أولاً ذلك فمنع على ما يأتي في الحديث الآتي (فيستبيح) أي العدو وهو مما يستوي فيه الجمع والمفرد. (بيضتهم) قال ابن الملك: أي يجعلها مباحة. وقال شارح: أي يستأصل مجتمعهم. وقال الطيبي: أراد بالبيضة أي مجتمعهم موضع سلطانهم ومستقر دعوتهم، وبيضة الدار وسطها ومعظمها. أراد عدوّاً يستأصلهم ويهلكهم جميعهم. وقيل: أراد إذا هلك أصل البيضة كان هلاك كلها فيه من طعم أو فرخ، وإذا لم يهلك أصل البيضة ربما سلم بعض فراخها. والنفي منصب على السبب والمسبب معاً، فيفهم منه أنه قد يسلط عليهم عدو لكن لا يستأصل شأفتهم. (وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء) أي حكمت حكماً مبرماً (فإنه لا يرد) أي بشيء بخلاف الحكم المعلق بشرط وجود شيء أو عدمه، كما حقق في باب الدعاء ورد البلاء. (وإني أعطيتك) أي عهدي وميثاقي. (لأمتك) أي لأجل أمة إجابتك (أن لا أهلكهم بسنة عامة) أي بحيث يعمهم القحط ويهلكهم بالكلية. قال الطيبي: اللام في لأمتك هي التي في قوله سابقاً: سألت ربي لأمتي، أي أعطيت سؤالك لدعائك لأمتك. والكاف هو المفعول الأوّل، وقوله: أن لا أهلكهم، المفعول الثاني كما هو في قوله: سألت ربي أن لا يهلكها، هو المفعول الثاني. (وأن لا أسلط عليهم عدوّاً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من) أي الذين هم. (بأقطارها) أي بأطرافها جمع قطر، وهو الجانب والناحية. ٤سوم .. ٤٣٠ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَلفرد حتى يكونَ بعضُهم يُهلكُ بعضاً، ويَسْبي بعضهم بعضاً)). رواه مسلم. ٥٧٥١ _ (١٣) وعن سعدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَّ مَرَّ بمسجدٍ بَني معاويةً، دخلَ فركعَ فيه ركعتَين وصلَّينا معه، ودَعا ربَّه طويلاً، ثمَّ انصرفَ فقال: ((سألتُ ربِّي ثلاثاً، فأعطاني والمعنى: فلا يستبيح عدو من الكفار بيضتهم ولو اجتمع على محاربتهم من أطراف بيضتهم. وجواب لو ما يدل عليه قوله: وأن لا أسلط. (حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي) كيرمي بالرفع، عطف على يهلك، أي ويأسر. (بعضهم) بوضع الظاهر موضع المضمر. (بعضاً) أي بعضاً آخر. وفي نسخة بالنصب على أن يكون عطفاً على يكون. قال الطيبي: حتى بمعنى كي، أي لكي يكون بعض أمتك يهلك بعضاً. فقوله: إني إذا قضيت قضاء فلا يرد. توطئة لهذا المعنى. ويدل عليه حديث خباب بن الأرت قال: قال رسول اللهِ وَله: ((إني سألت الله ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته أن لا يهلك أمتي بسنة، فأعطاني وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها))(١). قال المظهر: اعلم أن الله تعالى في خلقه قضاءين، مبرماً ومعلقاً بفعل. كما قال: إن فعل الشيء الفلاني كان كذا وكذا، وإن لم يفعله فلا يكون كذا وكذا من قبيل ما يتطرق إليه المحو والإثبات. كما قال تعالى في محكم كتابه: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ [الرعد - ٣٩]. وأما القضاء المبرم فهو عبارة عما قدره سبحانه في الأزل من غير أن يعلقه بفعل. فهو في الوقوع نافذ غاية النفاذ بحيث لا يتغير بحال ولا يتوقف على المقضى عليه ولا المقضى له لأنه من علمه بما كان وما يكون. وخلاف معلومه مستحيل قطعاً، وهذا من قبيل ما لا يتطرق إليه المحو والإثبات. قال تعالى: ﴿لا معقب لحكمه﴾ [الرعد - ٤١]. وقال النبي وَلثور: ((لا مرد لقضائه ولا مرد لحكمه)). فقوله ◌َّهر: إذا قضيت قضاء فلا يرد. من القبيل الثاني، ولذلك لم يجب إليه. وفيه أن الأنبياء مستجابوا لدعوة إلا في مثل هذا. (رواه مسلم). ٥٧٥١ - (وعن سعد) أي ابن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة بالجنة. (أن رسول الله وَ ظله مر بمسجد من بني معاوية) هم بطن من الأنصار، وقيل: كان المسجد في المدينة. (دخل) حال أو استئناف بيان. وفي رواية البغوي: فدخل أي دخل المسجد. (فركع) أي فصلى فيه (ركعتين) أي تحية أو فريضة. (وصلينا معه) أي موافقة أو متابعة (ودعا) أي فناجى، كما في رواية. (ربه طويلاً) أي زماناً كثيراً أو دعاء عريضاً بعد الصلاة. والظاهر أن أصحابه دعوا معه أو أمنوا. والأظهر أن طويلاً قيد للصلاة والدعاء، لما سيأتي في حديث خباب في أوّل الفصل الثاني. (ثم انصرف) أي من الدعاء (فقال: سألت ربي ثلاثاً) أي من المسؤولات، أو ثلاث مرات. (فأعطاني (١) أخرجه الترمذي ٤٠٩/٤ حديث رقم ٢١٧٥. الحديث رقم ٥٧٥١: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢١٦/٤ حديث رقم (٢٨٩٠/٢١.٢٠). وأحمد في المسند ٠١٨٢/١ بـ٠ ٤٣١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين والق9 ثنتَيْنٍ، ومنعَني واحدةً، سألتُ ربِّ أنْ لا يُهلِكَ أُمَّتي بالسنةِ، فأعطانِيها، وسألتهُ أنْ لا يُهلِكَ أُمَّتي بالغرَقِ فأعطانيها، وسألتُه أن لا يجعلَ بأسَهم بينَهم فمنعنيها)). رواه مسلم. ٥٧٥٢ - (١٤) وعن عطاء بن يسارٍ، قال: لقيتُ عبدَ الله بنَ عمرو بن العاصِ قلتُ: أخبرني عن صفةِ رسول اللهِ وَ ﴿ في التوراةِ، قال: أجلْ، واللَّهِ إِنَّه لموصوفٌ في التوراة ببعض صفتِه في القرآنِ: ﴿يا أيُّها النبيُّ إِنا أرسلناكَ شاهداً ومُبشّراً ونذيراً ﴾ وحِزْزاً للأُمْيِّينَ، ثنتين ومنعني واحدة) فيه زيادة توضيح (سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة) أي بالقحط العام (فأعطانيها) أي المسألة (وسألته أن لا يهلك) أمتي (بالغرق) بفتحتين، وفي نسخة بسكون الراء أي بالغرق العام كقوم فرعون في اليم(١)، وقوم نوح بالطوفان. (فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم) أي حربهم الشديد (بينهم فمنعنيها. رواه مسلم). ٥٧٥٢ - (وعن عطاء بن يسار) هو من أجلاء التابعين (قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت:) استئناف بيان (أخبرني عن صفة رسول الله وَ﴿) [أي عن نعته] (في التوراة. قال: أجل) بفتحتين وسكون اللام المخففة. قال الطيبي: هو حرف يصدق بها الخبر خاصة. يقال(٢) لمن قال قام زيد أجل. وزعم بعض من جواز وقوعه بعد الاستفهام. وفي الحديث جاء جواباً للأمر على تأويل(٣) قرأت(٤) التوراة، هل وجدت صفة رسول الله صلجز فيها، فأخبرني قال: أجل. أي نعم أخبرك (والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن) أي بالمعنى كقوله: (﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً﴾) حال مقدرة من الكاف أو من الفاعل أو مقدراً أو مقدرين شهادتك على من بعثت إليهم وعلى تكذيبهم وتصديقهم، أي مقبولاً قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل في الحكم. ذكره الطيبي. أو شاهداً لأفعال أمتك يوم القيامة، أو لجميع الأنبياء في تبليغهم كما قال تعالى: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾ [النساء - ٤١]. أو مزكياً لأمتك في شهادتهم على الأمم بتبليغ رسالة الأنبياء إليهم كما قال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً﴾ [البقرة - ١٤٣]. وقد تقدم والله أعلم. أو معناه شاهداً لقدرتنا وإرادتنا في الخلق كما يشير إليه قوله: (﴿ومبشراً﴾) أي للمؤمنين بالمثوبة (﴿ونذيراً﴾) أي منذراً ومخوّفاً للكافرين بالعقوبة. (وحرزاً) بكسر الحاء وسكون الراء (للأميين) قال القاضي: أي حصناً وموئلاً للعرب يتحصنون به من غوائل الشيطان، أو عن سطوة العجم وتغلبهم. وإنما سموا أميين لأن أغلبهم لا يقرؤون ولا يكتبون. اهـ. أو لأنهم ينسبون إلى أم القرى وهي مكة، (١) في المخطوطة ((النيل). الحديث رقم ٥٧٥٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٤٢/٤. حديث رقم ٢١٢٥. وأحمد في المسند ٢/ ٠١٧٤ (٢) في المخطوطة ((تقول)). (٤) في المخطوطة ((قرأة)). (٣) في المخطوطة ((تأول)). ۵عند> :جدة i 1 ٤٣١ ١٧٧٠ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَية. أنتَ عبْدي ورسولي، سمَّيتُكَ المتوَكّلَ، ليسَ بفظً ولا غليظٍ ولا سخَّابٍ في الأسواقِ، ولا يدفعُ بِالسَّيئةِ السَّيئةَ؛ ولكنْ يَعفو ويغفرُ، أو لكون نبيهم أمياً. ولعل هذا الوجه في هذا المقام أوجه ليشمل جميع الأمة ولا يبقى متمسك لليهود على ما زعموا، من أنه مبعوث إلى العرب خاصة. فإنه بذكره لا ينفي ما عداه لا سيما وقد قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾ [سبأ - ٢٨]. ولهذا قال الثور: (لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي)). قال ابن الملك: ويجوز أن يكون المراد بالحرز حفظ قومه من عذاب الاستئصال، أو الحفظ لهم من العذاب ما دام فيهم. قال تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال ـ ٣٣]. (أنت عبدي) أي الخاص كما وصفه بالقرآن في مواضع سبعة بإضافته إلى الله، أو ضميره إضافة تشريف. (ورسولي) أي الأخص كما قال في مواضع من القرآن: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى﴾ [التوبة - ٣٣، الفتح - ٢٨، الصف - ٩]. فالإضافة للعهد، كما يقال: أكرم زيد عبده، إذا كان له عبيد متعددة. مع أنه إذا أطلق اسم الجنس فالمراد به الفرد الأكمل فتأمل. (سميتك المتوكل) أي خصصتك بهذا الوصف لكمال توكلك عليّ وتفويضك إليّ وتسليمك لدي، عملاً بما في القرآن: ﴿وتوكل على الله ﴾ [النحل - ٨١، الأنفال ـ ٦١، الأحزاب - ٣، الأحزاب - ٤٨]. ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت ﴾ [الفرقان - ٥٨]. وكذا في قوله سبحانه: ﴿لا نسألك رزقاً نحن نرزقك﴾ [طه - ١٣١]. ﴿ورزق ربك خير وأبقى﴾ [طه - ١٣١]. ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق - ٢ - ٣]. دلالة عليه وإشارة إليه. (ليس بفظ) التفات فيه تضمن للفنن. قال الطيبي: يحتمل أن يكون آية أخرى في التوراة لبيان صفته وأن يكون حالاً من المتوكل أو من الكاف في سميتك، فعلى هذا فيه التفات. اهـ. والمعنى ليس بسيىء الخلق أو القول. (ولا غليظ) أي ضخم كريه الخلق أو سيىء الفعل أو غليظ القلب وهو الأظهر لقوله تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظاً القلب ﴾ [آل عمران - ١٥٩]. أي شديده وقاسیه فيناسب حينئذ أن يكون الفظ معناه بذاذة اللسان، ففيه إيماء إلى طهارة عضويه الكريمين من دنس الطبع ووسخ هوى النفس الذميمين. وقد قال الكلبي: فظاً في القول، غليظ القلب في الفعل. (ولاسخاب) بتشديد الخاء المعجمة أي صياح. (في الأسواق) قال الطيبي: أي هو لين الجانب شريف النفس لا يرفع الصوت على الناس لسوء خلقه، ولا يكثر الصياح عليهم في السوق لدناءته، بل يلين جانبه لهم ويرفق بهم. قلت: فهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ [آل عمران - ١٥٩]. أو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور - ٣٧]. (ولا يدفع بالسيئة السيئة) لقوله تعالى: ﴿وجزاء مسيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ﴾ [الشورى - ٤٠]. ولقوله سبحانه: ﴿دفع بالتي هي أحسن ﴾ [المؤمنون - ٩٦] الآية. واطلاق السيئة على جزائها إما للمشاكلة والمقاتلة، أو لكونه في صورة السيئة، أو بالإضافة إلى دفعها بالحسنة كأنها سيئة. ومنه قولهم: حسنات الأبرار سيئات المقربين. (ولكن يعفو) أي عن المسيء (ويغفر) أي يستر أو يدعو له بالمغفرة لقوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ [المائدة - ١٣]. وقوله: (فاعف عنهم واستغفر لهم﴾ [آل عمران - ٤٣٣ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وإَلقه 157 /٠٠٢ والي - العراق الخارجي المونوخ واتيم ١١٥ :%5- ولنْ يقبضَه اللَّهُ حتى يُقيمَ به الملَّةَ العَوْجاءَ بأنْ يقولوا: لا إِلهَ إِلا اللَّهُ، ويفتَح بها أعيُناً عمْياً وآذاناً صمّاً وقُلوباً غُلفاً. ١٥٩]. وهذا أقرب مراتب معاملته مع المسيئين. وكان قد يقابلهم بالإِحسان إليهم لقوله تعالى: والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. (ولن يقبضه) بالياء التحتية في الأصول المعتمدة، وفي نسخة بالنون. ويؤيد الأوّل ما في نسخة صحيحه: ولن يقبضه الله. بزيادة لفظ الجلالة وكذا الحكم(١) في الأفعال الآتية. قال الطيبي: وكذا التقات في قوله: ولن يقبضه. بالياء المثناة من تحت على رواية المشكاة. ويعضده ما في شرح السنة: ولن يقبضه الله. (حتى يقيم به) أي بواسطته (الملة العوجاء) كما في التنزيل ذماً للكفار: ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً. وقال في مدح دين الإِسلام: ﴿ذلك الدين القيم﴾ [التوبة - ٣٦]. ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى - ٥٢]. قال القاضي: يريد به ملة إبراهيم، فإنها قد اعوجت في أيام الفترة فزيدت ونقصت وغيرت وبدلت، وما زالت كذلك حتى قام الرسول ارَ له فأقامها. أقامها الله وأدامها. (بأن يقولوا: لا إله إلا الله) متعلق بقوله يقيم، وفيه إيماء إلى أن اقامة التوحيد في ادامة معنى هذه الكلمة من التفريد. وقال شارح للمصابيح: قال الله تعالى: ولن نقبضه. أي رسول الله وَلر حتى نقيم به الملة العوجاء، أي حتى نجعلها مستقيمة. ويريد بها ما كانت العرب تتدين بها وتزعم أنها ملة إبراهيم، وإنما وصفها بالعوجاء وسماها ملة على الاتساع. كما يقال: الكفر ملة. (ويفتح) بالياء والنون على ما سبق وهو منصوب عطفاً على قوله: يقيم. وفي نسخة السيد، بالرفع على القطع أي وهو يفتح أو نحن. (بها) أي بواسطة هذه الكلمة. وفي نسخة: به، أي بهذا النبي أو بهذا القول. (أعيناً) بالنصب على ما في جميع نسخ المشكاة. (عمياً) بضم أوله جمع أعمى. قال الطيبي: هذا رواية البخاري والدارمي وكتاب الحميدي وجامع الأصول. وفي المصابيح يفتح بها أعين عمياء على بناء المفعول. والأول أصح رواية ودراية. أقول: ولعل وجه أصحية الدراية هو أن المعطوف عليه بصيغة الفاعل بلا خلاف على اختلاف أنه بالياء أو النون. ثم قوله: (وآذاناً) الخ على هذا المنوال وهو بمد الهمز جمع الأذن. (صماً) جمع أصم (وقلوباً غلفاً) بضم أوله وجمع أغلف وهو الذي لا يفهم كأن قلبه في غلاف، وإنما ذكر هذه الأعضاء لأنها آلات للعلوم والمعارف. قال تعالى في حق الكفار: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾ [البقرة - ٧]. وقال: ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ [البقرة - ١٧١]. ولعله لم يذكر اللسان في مع ض هذا البيان لأنه ترجمان الجنان والإناء يترشح بما فيه من الأعيان. قال الطيبي: فإن قلت: قوله: إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يقتضي أن تكون المذكورات كلها مثبتة في القرآن. قلت: أجل، أما قوله: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك﴾. ففي الأحزاب(٢). وقوله: حرزاً للأميين. ففي الجمعة: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ﴾ [الجمعة - ٢]. وقوله: سميتك المتوكل، إلى قوله: (١) في المخطوطة ((الحاكم)). (٢) سورة الأحزاب. آية رقم ٤٥. ٤٣٤ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَل رواه البخاري. ٥٧٥٣ - (١٥) وكذا الدارميُّ، عن عطاءٍ، عن ابنِ سلام نحوَه. ولكن يعفو ويغفر. في قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب﴾. إلى قوله: ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾ [آل عمران - ١٥٩]. وقوله: ولا سخاب في الأسواق، في قوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين ﴾ [الحجر - ٩٨]. أي دم على التسبيح والتحميد واجعل نفسك من الذين لهم مساهمة ونصيب وافر في السجود، فلا تخل بها ولا تشتغل بغيرها. ومن ثم قال ◌َ له: ((ما أوحي إلي أن أكون من التاجرين ولكن أوحي إليّ أن أكون من الساجدين))(١). فقوله: ولا سخاب في الأسواق، من قبيل قوله تعالى: ﴿ولا شفيع يطاع﴾ [غافر - ١٨]. إذ هو يحتمل أن يراد به نفي سخاب وحده ونفيهما معاً وهو المراد هنا. قلت: ويحتمل أن يكون قوله في الأسواق قيداً معتبراً في النفي احترازاً من رفع صوته في القراءة والخطبة في المساجد. قال: وقوله: ولا يدفع بالسيئة السيئة. في قوله تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن﴾ [فصلت - ٣٤]. وقوله: حتى يقيم به الملة العوجاء، في قوله تعالى: ﴿قل إنما يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد﴾ [الأنبياء - ١٠٨]. أي ما يوحى إلي إلا أن أقيم التوحيد وأنفي الشرك. فإن قلت: كيف الجمع بين قوله: ويفتح بها أعيناً عمياً، وبين قوله تعالى: ﴿وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم﴾ [النمل - ٨١، الروم - ٥٣]. قلت: دل إيلاء الفاعل المعنوي حرف النفي على أن الكلام في الفاعل، وذلك أنه تعالى نزله بحرصه على إيمان القوم منزلة من يدعي استقلاله بالهداية. فقال له: أنت لست بمستقل فيه بل: ﴿إنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ [الشورى - ٥٢]. بإذن الله وتيسيره. اهـ. وحاصله أنه قد ينسب الهداية إليه * نظراً إلى كونه من أسباب الهداية، ومنه قوله سبحانه: ﴿وإنك لتهدي﴾ [الشورى - ٥٢]. وتنفي عنه أخرى نظراً إلى أن حقيقة الهداية راجعة إلى الله تعالى، ومنه قوله سبحانه: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾(٢). فيكون من قبيل قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت﴾(٣). أي ما رميت خلقاً. وحقيقة إذ رميت كسباً، وصورة: ﴿ولكن الله رمى﴾ [الأنفال - ١٧]. حيث جعلك قادراً على الرمي وفاعلاً له. والأظهر أن نفي الهداية عنه إنما هو بالنسبة إلى من لم يرد الله هدايته، واثباتها له فيمن أراده لهذا فلا منافاة. فهو وَلا مظهر هدايته كما أن إبليس مظهر ضلالته. وإلا فهو سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء. من يضلل الله فلا هادي له ومن يهده(٤) فلا مضل له. (رواه البخاري) أي عن عطاء بن يسار. ٥٧٥٣ - (وكذا الدارمي عن عطاء عن ابن سلام). وهو صحابي مشهور (نحوه) أي نحو ما رواه البخاري في المعنى مع نوع مخالفة في اللفظ. وقال شارح للمصابيح: وفي سائر نسخ (١) حلية الأولياء ١٣١/٢ وفيه زيادات. (٣) سورة الأنفال. آية رقم ١٧. (٢) سورة القصص . آية رقم ٥٦. (٤) في المخطوطة ((يهدي)). الحديث رقم ٥٧٥٣: أخرجه الدارمي في السنن ١٦/١ حديث رقم ٦. 142 ٤٣٥ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وق القول وذكر حديث أبي هريرةَ: ((نحنُ الآخرونَ)) في ((باب الجمعة)). الفصل الثاني ٥٧٥٤ _ (١٦) عن خبَّابِ بنِ الأرتِّ، قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَِّ صلاةً، فأطالَها. قالوا: يا رسولَ الله! صلَّيتَ صلاةً لم تكن تُصليها، قال: ((أَجَلْ، إِنها صلاةُ رغبةٍ ورهبةٍ، وإِني سألتُ اللَّهَ فيها ثلاثاً، فأعطاني اثنتَينٍ ومنعَني واحدةً، سألتُه أن لا يهلكَ أُمَّتي بسنةٍ فأعطانيها، وسألتُه أن لا يسلّطَ عليهم عدُوّاً من غيرِهم المصابيح رواه عطاء بن سلام، وهو غلط. والصواب رواه عطاء عن ابن سلام، يعني عبد الله ابن سلام. وعطاء هو عطاء بن يسار الراوي عن عبد الله بن عمرو. اهـ. وحاصله أن عطاء بن يسار يروي هذا الحديث من طريق ابن عمرو، كما رواه البخاري. ويرويه أيضاً من طريق ابن سلام كما رواه الدارمي. والمناسب للصحاح المعبر عنه بالفصل الأول هو رواية البخاري وتأييده برواية الدارمي للالتزام السابق، وبه يحصل نوع اعتراض لصاحب المشكاة على البغوي، مع قطع النظر عن تخطئة سائر نسخ المصابيح. (وذكر حديث أبي هريرة: نحن الآخرون) أي السابقون يوم القيامة، الحديث بطوله. (في باب الجمعة) لكونه أنسب بذلك الباب باعتبار أواخر الحديث وغالبه فهو من المؤلف اعتذار قولي، واعتراض فعلي. (الفصل الثاني) ٥٧٥٤ _ (عن خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقية، صحابي مشهور. (قال: صلى بنا رسول الله ◌َفي صلاة فأطالها) أي فجعلها طويلة باعتبار أركانها أو بالدعاء فيها (قالوا: يا رسول الله صليت صلاة) أي عظيمة (لم تكن تصليها) أي عادة (قال: أجل) أي نعم (إنها صلاة رغبة) أي رجاء (ورهبة) أي خوف. قال شارح: أي صلاة فيها رجاء للثواب ورغبة إلى الله وخوف منه تعالى. قلت: الأظهر أن يقال: المراد به أن هذه صلاة جامعة بين قصد رجاء الثواب وخوف العقاب بخلاف سائر الصلوات، إذ قد يغلب فيها أحد الباعثين على أدائها. قالوا: وفي قوله تعالى: ﴿يدعون ربهم خوفاً وطمعاً﴾ [السجدة - ١٦]. بمعنى أو المانعة الخلو. ثم لما كان سبب صلاته الدعاء لأمته، وهو كان بين رجاء الإجابة وخوف الرد طوّلها، ولذا قال: (وإنى سألت الله فيها ثلاثاً) أي ثلاث مسائل (فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة) تصريح بما علم ضمناً (سألته أن لا يهلك أمتي بسنة) أي بقحط عام، وفي معناه الوباء. والمقصود أن لا يهلكوا بالاستئصال. (فأعطانيها. وسألته أن لا يسلط عليهم عدوّاً من غيرهم) وهم الكفار، لأن العدوّ من أنفسهم أهون ولا الحديث رقم ٥٧٥٤: أخرجه النسائي في السنن ٢١٦/٣ حديث رقم ١٦٣٨. وأخرجه الترمذي في السنن ٤٠٨/٤ حديث رقم ٢١٧٥. وأحمد فى المسند ١٠٩/٥ دا جوود /١ دهجار ١ ٠ i ٤٣٦ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَلفود فأعطانيها، وسألتُه أنْ لا يذيقَ بعضَهم بأسَ بعضٍ فمنعَنيها)). رواه الترمذي، والنسائي. ٥٧٥٥ _ (١٧) وعن أبي مالك الأشعريِّ، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ أجاركم من ثلاثٍ خلالٍ: أنْ لا يدعُوَ عليكم نبيُّكم فتهلكوا جميعاً، وأنْ لا يظهرَ أهلُ الباطلِ على أهلِ الحقِّ، وأن لا تجتمعوا على ضلالة)). يحصل به الهلاك الكلي، ولا إعلاء كلمته السفلى. (فأعطانيها. وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض) أي حربهم وقتلهم وعذابهم (فمنعنيها) أي لما سبق من الحكمة. قال الطيبي [رحمه الله]: هو من قوله تعالى: ﴿أو يلبسكم شيعاً﴾. أي يجعل كل فرقة منكم متابعة الإمام وينشب القتال بينكم وتختلطوا وتشتبكوا في ملاحم القتال يضرب بعضكم رقاب بعض ويذيق بعضكم بأس بعض. المعنى يخلطكم فرقاً مختلفين على أهواء شتى. اهـ. وفي المعالم ذكر بإسناده المتصل إلى البخاري مسنداً إلى جابر قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾. قال: أعوذ بوجهك. ﴿أو من تحت أرجلكم﴾. قال: أعوذ بوجهك. ﴿أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ [الأنعام - ٦٥]. قال رسول الله وعليه : هذا أهون، أو هذا أيسر(١). (رواه الترمذي والنسائي). ٥٧٥٥ _ (وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّاليه: إن الله عزَّ وجلَّ أجاركم) أي حفظكم وأنقذكم (من ثلاث خلال) أي خصال (أن لا يدعو عليكم نبيكم) أي يكفر بعضكم قاله ابن الملك. والأظهر أنه لا يدعو عليكم دعاء الاستئصال بالإهلاك (فتهلكوا جميعاً) أي كما دعا نوح وموسى ذكره ابن الملك. لكن دعاء موسى كان خاصاً ببعض قومه وهو القبط دون السبط، كما لا يخفى. (وأن لا يظهر) أي لا يغلب (أهل الباطل) أي وإن كثر أنصاره (على أهل الحق) أي وإن قل أعوانه. ومنه قوله تعالى: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة)) (٢). على ما رواه الحاكم عن عمر. وفي رواية ابن ماجه عن أبي هريرة: ((لا يزال طائفة من أمتي قوّامة على أمر الله لا يضرها من خالفها))(٣). ولعله مقتبس من قوله تعالى: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ [التوبة - ٣٢]. وفي المصابيح: على الحق. قال شارح له: أي بحيث يمحقه ويطفىء نوره. وإن كانت الرواية على أهل الحق فإنه أراد به الظهور حتى لا يبقى لهم فئة ولا جماعة. قال التوربشتي: يريد أن الباطل وإن كثرت أنصاره فلا يغلب الحق بحيث يمحقه ويطفىء نوره. ولم يكن ذلك بحمد الله مع ما ابتلينا به من الأمر الفادح والمحنة العظمى بتسلط الأعداء علينا. ومع استمرار الباطل فالحق أبلج والشريعة قائمة لم تخمد نارها ولم يندرس منارها. (وأن لا تجتمعوا على ضلالة) أي وأن لا تتفقوا على شيء باطل. وهذا يدل (١) معالم التنزيل ١٠٤/٢. الحدیث رقم ٥٧٥٥: أخرجه أبو داود ٤/ ٤٥٢ حديث رقم ٤٢٥٣. (٢) الحاكم فى المستدرك ٤ /٤٤٩. (٣) ابن ماجه ٥/١ حديث رقم ٧. ولفظه ((لا تزال)) ٤٣٧ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَلفود رواه أبو داود. ٥٧٥٦ _ (١٨) وعن عوفٍ بن مالكٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((لنْ يجمعَ اللَّهُ على هذِهِ الأمَّةِ سَيفَينِ: سَيفاً منها وسَيفاً من عدُوِّها)). رواه أبو داود. ٥٧٥٧ - (١٩) وعن العبّاسِ، أنَّه جاءَ إِلى النبيِّ وَّرِّ فكأنَّه سمعَ شيئاً، فقامَ النبيُّ ◌َِلـ على المنبرِ، فقال: ((مَن أنا؟)) فقالوا: أنتَ رسولُ الله. على أن إجماع الأمة حجة، وأن ما هو حسن عند الناس فهو حسن عند الله، ويقويه قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدي ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى وفصله جهنم وساءت مصيرا﴾ [النساء - ١١٥]. فهذا مأخذ حسن لقولهم: الإجماع حجة استنبطه الشافعي [رحمه الله] من الكتاب. قال الطيبي: وحرف النفي في القرائن زائد مثل قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف - ١٢]. وفائدته تأكيد معنى الفعل الذي يدخل عليه. وتحقيقه. وذلك أن الإجارة إنما تستقيم إذا كانت الخلال مثبتة أو منفية. (رواه أبو داود). ٥٧٥٦ - (وعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله وَله: لن يجمع الله على هذه الأمة سيفين سيفاً منها وسيفاً من غيرها) أي بل اختار الله الأيسر منهما وهو السيف منها دون السيفية من غيرها على وجه الاستئصال، وإلا فقد يجتمعان في بعض الأحوال. ففيه إشارة إلى بقاء الملة وبشارة في حفظ هذه الأمة إلى يوم القيامة. لما صح في مسلم عن جابر بن سمرة مرفوعاً: ((لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة))(١). وقال القاضي: معناه أن سيوفهم وسيوف أعدائهم لا يجتمعان عليهم فيؤديان إلى استئصالهم، بل إذا جعلوا بأسهم بينهم سلط عليهم العدو فيشغلهم به عن أنفسهم ويكف عنهم بأسهم. وهو من قول الشيخ التوربشتي: وقال الطيبي: الظاهر أن يقال: إنه تعالى وعدني أن لا يجمع على أمتي محاربتين، محاربة بعضهم بعضاً ومحاربة الكفار معهم، بل تكون إحداهما فإذا كانت إحداهما. لا يكون الأخرى لأنه موافق للأحاديث السابقة، لأنه وَ ل# سأل ربه تعالى أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم يستأصلهم، وسأله أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فأجاب الأوّل ومنع الثاني؟. ولم یجمع بین المنعین. (رواه أبو داود). ٥٧٥٧ - (وعن العباس أنه جاء) أي غضبان (إلى النبي ◌َ﴿ فكأنه سمع شيئاً) أي من الطعن في نسبه أو حسبه (فقام النبي ◌َّلفي على المنبر) أي ليكون بيان أمره أظهر على رؤوس المحضر (فقال: من أنا) استفهام تقرير على جهة التبكيت (فقالوا: أنت رسول الله (وَل*) فلما كان قصده ووقو بيان نسبه وهم عدلوا عن ذلك المعنى، ولم يكن الكلام في ذلك المبنى. الحديث رقم ٥٧٥٦: أخرجه أبو داود ٤/ ٤٨٥ حديث رقم ٤٣٠١. وأحمد في المسند ٥٧٥٦. (١) مسلم في صحيحه ١٥٢٤/٣ حديث رقم ١٩٢٢. الحديث رقم ٥٧٥٧: أخرجه الترمذي ٥٤٥/٥ حديث رقم ٣٦٠٧ وأحمد في المسند. ٩٧٧ ١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وَف ٤٣٨ ١٣/١٠ فقال: «أنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ المطلبِ، إِنَّ اللَّهَ خلقَ الخلقَ فجعلَني في خيرِهم، ثمَّ جعلهم فرقتَيْن، فجعلني في خيرِهم فرقةً، ثمَّ جعلهم قبائلَ فجعلَني في خيرهم قبيلةً، ثمَّ اجعلهم بيوتاً فجعلَني في خيرِهم بيتاً، فأنا خيرُهم نفساً وخيرُهم بيتاً». (قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب) يعني وهما معروفان عند العارف المنتسب. قال ) الطيبي: قوله: فكأنه سمع مسبب عن محذوف، أي جاء العباس غضبان بسبب ما سمع طعناً ٤ من الكفار في رسول الله وَلّ نحو قوله تعالى: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف - ٣١]. كأنهم حقروا شأنه وأن هذا الأمر العظيم الشأن لا يليق إلا بمن هو عظيم من إحدى القريتين كالوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي مثلاً فأقرهم وَّ على سبيل التبكيت، على ما يلزم تعظيمه وتفخيمه. فإنه أولى بهذا الأمر من غيره لأن نسبه أعرف وأروميته أعلى وأشرف. ومن ثم لما قالوا: أنت رسول الله، ردهم بقوله: أنا محمد بن عبد الله. ويعضد هذا التأويل ما روى البخاري عن أبي سفيان أنه حين سأله هرقل عظيم الروم عن المسبه وَل﴿ فقال: هو فينا ذو نسب. فقال هرقل: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، ٤)وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها (١). ألا ترى كيف جعل النسب ظرفاً لتبعث رأتي بفي، ؛أي في النسب. اهـ. ثم استأنف في بيان ما رزقه الله من طهارة نسبه ونظافة حسبه عموماً ٤ وخصوصاً تحدثاً بنعمته وترغيباً لأمته في أمر متابعته. (فقال: إن الله خلق الخلق) أي الجن أوالإِنس وأبعد الطيبي وأدخل الملك معهم لقوله: (فجعلني في خيرهم) وهو الإِنس (ثم ٤) جعلهم) أي صير هذا الخير بمعنى الخيار أو الأخيار (فرقتين) أي عرباً وعجماً (فجعلني في : خيرهم فرقة) وهم العرب (ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة) يعني قريشاً (ثم جعلهم بيوتاً) أي بطوناً (فجعلني في خيرهم بيتاً) يعني بطن بني هاشم (فأنا خيرهم نفساً) أي ذاتاً ٤)وحسناً. (وخيرهم بيتاً) أي بطناً ونسباً. وإليه أشار تعالى بقوله: ﴿لقد جاءكم رسول من ٤أنفسكم﴾ [التوبة - ١٢٨]. وقوله: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من ،أنفسهم﴾ [آل عمران - ١٦٤]. بفتح الفاء فيهما على قراءة شاذة صحيحة. قال الطيبي: قوله: ٤ )هم جعلهم قبائل. بعد قوله: ثم جعلهم فرقتين. إشارة إلى بيان الطبقات الست التي عليها ٤)العرب وهي، الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة، والشعب يجمع القبائل أوالقبيلة تجمع العمائر والعمارة تجمع البطون والبطن يجمع الأفخاذ والفخذ يجمع الفصائل. فخزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصي بطن وهاشم فخذ والعباس فصيلة. وسميت :الشعوب لأن القبائل تتشعب منها. فقوله: خلق الخلق أي الملائكة والثقلين فجعلني في ٤ - خيرهم، أي في العرب. وهلم جراً. فأنا بفضل الله ولطفه على ما في سابقة الأزل خير الخلق : نفساً حيث خلقني إنساناً رسولاً خاتماً للرسل تمم دائرة الرسل بي وجعلني نقطة تلك الدائرة : يطوف جميعهم حولي ويحتاجون إلي، وخيرهم بطناً حيث نقلني من طيب إلى طيب إلى أن (١) أخرجه البخاري فى صحيحه ٣١/١ حديث رقم ٧. ٣٩ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين وإَل رواه الترمذي. ٥٧٥٨ - (٢٠) وعن أبي هريرةَ، قال: قالوا: يا رسولَ الله! متى وجَبَتْ لكَ النبوَّةُ قال: ((وآدمُ بينَ الرُّوحِ والجسَدِ)). رواه الترمذي. ٥٧٥٩ _ (٢١) وعن العِزْباض بن ساريةً، عن رسولِ الله وَّ، أَنَّه قال: ((إِني عندَ اللَّه مكتوبٌ: خاتمُ النَّبيِّينَ، ٠ جوم نقلني من صلب عبد الله بالنكاح من أشرف القبائل والبطون فأنا أفضل خلق الله تعالى عليـ وأكرمهم لديه. (رواه الترمذي) ولفظ الجامع: إن الله خلق الخلق فجعلني في خير فرقهم وخير الفرقتين، ثم خير القبائل فجعلني في خير القبيلة، ثم خير البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً(١). ٥٧٥٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوّة) أى ثبتت (قال: وآدم) أي وجبت لي النبوّة، والحال أن آدم (بين الروح والجسد) يعني وأنه مطروح على الأرض صورة بلا روح. والمعنى أنه قبل تعلق روحه بجسده. قال الطيبي: هو جواب لقولهم: متى وجبت، أي وجبت في هذه الحالة. فعامل الحال وصاحبها محذوفان. (رواه الترمذي) ورواه ابن سعد وأبو نعيم في الحلية عن ميسرة الفخر. وابن سعد عن ابن أبي الجدعاء، والطبراني في الكبير عن ابن عباس بلفظ: كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد. كذا في الجامع(٢). وقال ابن ربيع: أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه وصححه الحاكم(٣). وروى أبو نعيم في الدلائل وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعاً: كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث(٤). وأما ما يدور على الألسنة بلفظ: كنت نبياً وآدم بين الماء والطين. فقال السخاوي: لم أقف عليه بهذا اللفظ، فضلاً عن زيادة: وكنت نبياً ولا ماء ولا طين. وقال الحافظ ابن حجر في بعض أجوبته: إن الزيادة ضعيفة وما قبلها قوي. وقال الزركشي: لا أصل له بهذا اللفظ. ولكن في الترمذي: متى كنت نبياً قال: وآدم بين الروح والجسد. قال السيوطي: وزاد العوام: ولا آدم ولا ماء ولا طين. ولا أصل له أيضاً. + محمد ن ٥٧٥٩ - (وعن العرباض بن سارية) بكسر العين صحابي جليل (عن رسول الله والف- أنه قال: إني(٥) عند الله مكتوب خاتم النبيين) بفتح التاء وكسرها وهو مرفوع على أنه نائم (١) الجامع الصغير ١٠٨/١ حدیث رقم ١٧٣٥. - الحديث رقم ٥٧٥٨: أخرجه الترمذي ٥٤٦/٥ حديث رقم ٣٦٠٩. (٣) الحاكم في المستدرك ٦٠٩/٢ (٢) الجامع الصغير ٢/ ٤٠٠ حديث رقم ٦٤٢٤. (٤) ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن قتادة أخرجه ابن سعد. ٢/ ٤٠٠ حديث رقم ٦٤٢٣. الحديث رقم ٥٧٥٩: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٠٧/١٣ حديث رقم ٣٦٢٦. (٥) في المخطوطة ((أنا)). ٤٤٠١ ٩٠/١ كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين والخل وإِنَّ آدَمَ لمنِجدِلٌ في طينِهِ، وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري، دعوَةُ إِبراهيمَ، وبشارةُ عيسى، ورُؤيا أُمي التي رأَتْ حينَ وضعَتْني وقدْ خرجَ لها نورٌ أضاء لها منه قصور الشام)). رواه في ((شرح السنّة)». ٥٧٦٠ - (٢٢) ورواه أحمدُ، عن أبي أمامةً من قولِه: ((سأخبرُكم)) إلى آخره. ٥٧٦١ - (٢٣) وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ الَ: ((أنا سيّدُ وُلِد آدَمَ يومَ الفاعل. وقيل: منصوب على التمييز، أي مكتوب من هذه الحيثية. (وإن آدم لمنجدل) من الجدل وهو الالقاء على الأرض الصلبة، أي والحال إنه لساقط وملقى. (في طينته) أي خلقته، أوهو خبر ثان لأن الجملة حال من ضمير مكتوب، أي كتبت خاتم الأنبياء في الحال التي آدم مطروح على الأرض حاصل في أثناء خلقته لما يفرغ من تصويره وتعلق الروح به، كذا ذكره الشراح. (وسأخبركم بأوّل أمري) قيل: أي بأول ما ظهر من نبوّتي ورفعتي في الدنيا على لسان أبي الملة إبراهيم عليه السلام. وقوله: (دعوة إبراهيم) بالرفع، أي هو دعوة إبراهيم حين بنى الكعبة، فقال: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم﴾ [البقرة - ١٢٩]. فاستجاب الله دعاءه. وفي نسخة بالجر على البدلية مما قبله. وكذا قوله: (وبشارة عيسى) يعني قوله: ﴿ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ﴾ [الصف - ٦]. (ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني) قال الطيبي وقوله وغيره: يحتمل أن يراد منها الرؤية في المنام وفي اليقظة. فعلى الأول معنى وضعت أي شارفت وقربت من الوضع، وذلك لما روى ابن الجوزي في كتاب الوفاء أن أمه وَل# رأت حين دنت ولادتها أتاها آت فقال: قولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، بعد أن رأت حين حملت به أن آتيا أتاها وقال: هل شعرت أنك حملت بسيد هذه الأمة ونبيها. وعلى الثاني يكون المرئي محذوفاً وهو ما دل عليه قوله: (وقد خرج) أي ظهر (لها) أي لأمي (نور أضاء) أي تبين لها (منه) أي من ذلك النور (قصور الشام) وذلك النور عبارة عن ظهور نبوته ما بين المشرق والمغرب، واضمحل بها ظلمة الكفر والضلالة. وفي نسخة بنصب قصور، وهو لا يخلو عن قصور لوجود منه، وإلا فأضاء جاء لازماً وقاصراً. (رواه) أي البغوي الحديث بكماله (في شرح السنة) أي بإسناده عن العرباض. ٥٧٦٠ - (ورواه أحمد عن أبي أمامة من قوله: سأخبركم) الخ قلت: وفي صحيح ابن حبان والحاكم عن العرباض: إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته. وروى ابن عساكر عن عبادة بن الصامت ولفظه: أنا دعوة إبراهيم وكان آخر من بشر بن عيسى ابن مريم . ٥٧٦١ - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله مَّلتر: أنا سيد ولد آدم ولا الحديث رقم ٥٧٦٠: أخرجه أحمد في المسند ١٢٧/٤. الحديث رقم ٥٧٦١: أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٨/٥ حديث رقم ٣٦١٥. وابن ماجه في السنن ٢٪ ١٤٤٠ حديث رقم ٤٣٠٨. وأحمد في المسند ٢/٣.