النص المفهرس

صفحات 401-420

**
٤٠١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
فِي جَنَبَيهِ بأصبعَيه حينَ يولدُ، غيرَ عيسى ابن مريمَ ذهبَ يطعنُ فطعنَ في الحجابِ)). متفق عليه.
٥٧٢٤ - (٢٧) وعن أبي موسى، عن النبي وَ ﴿ قال: ((كمُل من الرجال كثير، ولم
يكمُل من النساءِ إِلا مريمُ بنتُ عمران، وآسيةُ آمرأة فرعون،
رواية، فالمعنى أنه يمسه ويصيبه. (في جنبيه بإصبعيه) أي السبابة والوسطى. وفي التثنية إشعار
بكمال العداوة وإيماء إلى قصد إضلاله في أمر الدنيا والآخرة. (حين يولد) أي أول زمن
ولادتهم، والإفراد باعتبار لفظ كل. (غير عيسى ابن مريم) أي لدعوة حنة جدته في حق أمه
بقولها: ﴿وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ﴾ [آل عمران -
٣٦]. (ذهب) أي أراد الشيطان وشرع وطفق. (يطعن) أي في جنبي عيسى (فطعن في
الحجاب) أي فأوقع الطعن في المشيمة، وهي ما فيه الولد، فلم يتأثر من مسه عيسى. قال
الطيبي [رحمه الله]: وهذا يدل على أن المس في قوله: ((ما من مولوداً لا يمسه الشيطان)).
على الحقيقة كما مر في الوسوسة. قلت: وتمام الحديث: حين يولد فيستهل صارخاً من مس
الشيطان غير مريم وابنها (١) [عليهما الصلاة والسلام]. فكان الراوي اقتصر في هذا الحديث
على ذكر عيسى عليه [الصلاة] والسلام لأنه المقصود الأصلي في المرام، أو خص بعيسى نظراً
إلى بعض القيود في الكلام. (متفق عليه.) وأسنده السيوطي في الجامع إلى البخاري، وقال:
لفظ مسلم: كل بني آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه، إلا مريم وابنها (٢).
٥٧٢٤ - (وعن أبي موسى عن النبي ◌َّفي قال: كمل) بضم الميم، وفي نسخة بفتحها
ويجوز كسرها. ففي القاموس كمل كنصر وكرم وعلم. وقال ابن الملك في شرح المشارق:
في كمل ثلاث لغات، لكن كسر الميم ضعيف. أقول: الصحيح الضم لموافقته المعنى
اللازمي، أي صار كاملاً، أو بلغ مبلغ الكمال. (من الرجال كثير) أي كثيرون من أفراد هذا
الجنس حتى صاروا رسلاً وأنبياء وخلفاء وعلماء وأولياء. (ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت
عمران وآسية امرأة فرعون) والتقدير: إلا قليل منهن. ولما كان ذلك القليل محصوراً فيهما
باعتبار الأمم السابقة، نص عليهما بخلاف الكمل من الرجال. فإنه يبعد تعدادهم واستقصاؤهم
بطريق الانحصار سواء أريد بالكمل الأنبياء أو الأولياء. قال الحافظ ابن حجر: استدل بهذا
الحصر على أنهما نبيتان لأن أكمل الإنسان الأنبياء ثم الأولياء والصديقون والشهداء. فلو كانتا
غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة غيرهما. وقال الكرماني: لا
يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوتهما، لأنه يطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه. فالمراد ببلوغهما
(١) متفق عليه وقد مر في باب الوسوسة.
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٣٩٢ حديث رقم ٦٢٨٩ وحديث رقم ٦٢٩٠.
الحديث رقم ٥٧٢٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٤٦/٦. حديث رقم ٣٤١١. ومسلم ١٨٨٦/٤ حديث
رقم (٢٤٣١/٧٠) وأخرجه الترمذي ٢٤٢/٤ حديث رقم ١٨٣٤. وأخرجه ابن ماجه ١٠٩١/٢
حدیث رقم ٣٢٨٠. وأحمد فى المسند ٣٩٤/٤.

:ج٠
٤٠٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
وفَضْلُ عائشةَ على النساءِ كفضلِ الثريدِ على سائرِ الطعامِ».
إليه في جميع الفضائل التي للنساء. قلت: لا يخفى أن هذا المقال لا يندفع به الإشكال، إلا
أن يقال: لا يلزم من كمال المرأة أكمليتها حتى تلزم النبوة، بل يكفي لحصول الكمال وصولها
للولاية. ففائدة ذكرهما بطريق الحصر اختصاصهما بكمال لم يشركهما فيه أحد من نساء
زمانهما، أو من نساء الأمم المتقدمة، أو مطلقاً غير مقيد. وذلك لما نقل العلماء من الاجماع
على عدم نبوة النساء ولما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ [يوسف -
١٠٩]. لكن نقل عن الأشعري نبوة حواء وسارة وأم موسى وهاجر وآسية ومريم وهذا إنما
يصح بناء على الفرق بين النبي والرسول والله [تعالى] أعلم. وقال ابن الملك في شرح
المشارق في الجواب عن الإِيراد السابق: قلنا: الكمال في شيء يكون حصوله للكامل أولى من
غيره، والنبوة ليست أولى بالنساء لأن مبناها على الظهور والدعوة، وحالهن الاستتار. فلا
تكون النبوة في حقهن، كمالاً بل الكمال في حقهن الصديقية وهي قريبة من النبوة انتهى. ولا
يخفى أنه إنما يتم على القول بترادف النبوة والرسالة، وإلا فعلى الفرق بينهما كما عليه
الجمهور من أن الرسول مأمور بالتبليغ بخلاف النبي، فلا يلزم من النبوة عدم التستر مع أن
الرسالة أيضاً لا تنافي الستارة كما لا يخفى والله [تعالى] أعلم. (وفضل عائشة على النساء) أي
على جنسهن من نساء الدنيا جميعهن، أو على النساء المذكورات، أو على نساء الجنة، أو على
نساء زمانها، أو على نساء هذه الأمة، أو على الأزواج. الطاهرات (كفضل الثريد على سائر
الطعام) قال الطيبي [رحمه الله]: يعطف عائشة على آسية، لكن أبرزه في صورة جملة مستقلة
تنبيهاً على اختصاصها بما امتازت بها عن سائرهن. نحوه في الأسلوب قوله وَليقول: ((حبب إلي
من الدنيا ثلاث: الطيب والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة))(١). قلت: وسيأتي ما يدل على
خلاف ذلك، مع أن لفظ ثلاث غير ثابت في الحديث. قال التوربشتي [رحمه الله]: قيل: إنما
مثل بالثريد لأنه أفضل طعام العرب ولا يرون في الشبع أغنى غناء منه. وقيل: إنهم كانوا
يحمدون الثريد فيما طبخ بلحم. وروي: ((سيد الطعام اللحم))(٢). فكأنها فضلت على النساء
كفضل اللحم على سائر الأطعمة. والسر فيه، أن الثريد مع اللحم جامع بين الغذاء واللذة
والقوة وسهولة التناول وقلة المؤونة في المضغ وسرعة المرور في المريء. فضرب به مثلاً
ليؤذن بأنها أعطيت مع [حسن] الخلق والخلق وحلاوة النطق فصاحة اللهجة وجودة القريحة
ورزانة الرأي ورصانة العقل، والتحبب إلى البغل. فهي تصلح للتبعل والتحدث والاستئناس بها
والإصغاء إليها، وحسبك أنها عقلت عن النبي وَلهو ما لم تعقل غيرها من النساء، وروت ما لم
يرو مثلها من الرجال. ومما يدل على أن الثريد أشهى الأطعمة عندهم وألذها قول الشاعر:
فذاك أمانـة الله الثريد
*
إذا ما الخبز تأدمه بلحم
(١) أخرجه النسائي في السنن ٧/ ٦١ حديث رقم ٣٩٣٩.
أبو نعيم في الطب ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢٩٢/٢ حديث رقم ٤٧٥٧ ولفظه («سيد طعام
(٢)
الدنيا والآخرة اللحم».

PrTS
مے
٤٠٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
وقد اختلفوا في التفضيل بين عائشة وخديجة وفاطمة. قال الأكمل، روي عن أبي
حنيفة، إن عائشة بعد خديجة أفضل نساء العالمين. أقول: فهذا يحتمل تساوي خديجة
وعائشة، لكون الأولى من العرفاء السوابق، والثانية من الفضلاء اللواحق. وقال الحافظ ابن
حجر: فاطمة أفضل من خديجة وعائشة بالإجماع، ثم خديجة ثم عائشة. وقال السيوطي
[رحمه الله]: في النقاية: وشرحها ونعتقد أن أفضل النساء مريم وفاطمة. روى الترمذي
وصححه: ((حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت
محمد (عليه السلام] وآسية امرأة فرعون))(١). وفي الصحيحين من حديث علي: ((خير نسائها
مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد))(٢). وفي الصحيح: ((فاطمة سيدة نساء هذه
الأمة))(٣). وروى النسائي عن حذيفة: أن رسول الله وَليل قال: هذا ملك من الملائكة استأذن
ربه ليسلم علي ويبشرني أن حسناً وحسيناً سيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء أهل
الجنة))(٤). وروى الحارث بن أبي أسامة مسنده بسند صحيح لكنه مرسل. مريم خير نساء
عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها. ورواه الترمذي موصولاً من حديث علي بلفظ: ((خير نسائها
مريم وخير نسائها فاطمة))(٥). وفي الدر المنثور أخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال
رسول الله والقر: («سيدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران ثم فاطمة ثم خديجة ثم آسية امرأة
فرعون)). وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله وَالر: ((فاطمة
سيدة نساء العالمين بعد مريم ابنة عمران)) (٦). قال السيوطي: وأفضل أمهات المؤمنين خديجة
وعائشة. قال رسول الله وَّير: ((كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم وآسية
وخديجة، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». وفي لفظ: إلا ثلاث:
مريم وآسية وخديجة. وفي التفضيل بينهما أقوال ثالثها لوقف. قلت: وصحح العماد بن كثير
أن خديجة أفضل لما ثبت أنه وَلجر قال لعائشة حين قالت: ((قد رزقك الله خيراً منها. فقال: لا
والله ما رزقني الله خيراً منها، آمنت بي حين كذبني الناس وأعطتني مالها حين حرمني الناس)).
وسئل ابن داود فقال: عائشة أقرأها السلام النبي وَالقر من جبريل، وخديجة أقرأها السلام جبريل
من ربها. فهي أفضل على لسان محمد. فقيل له: فأي أفضل فاطمة أم أمها. قال: فاطمة
بضعة النبي ◌ّ ل﴿ فلا نعدل بها أحداً. وسئل السبكي فقال: الذي نختاره وندين الله به، أن فاطمة
بنت محمد (عليه السلام] أفضل ثم أمها خديجة ثم عائشة. ثم استدل لذلك. وعن ابن العماد،
(١) أخرجه الترمذي ٥/ ٦٦٠ حديث رقم ٣٨٧٨ وقال صحيح.
(٢) أخرجه البخاري ٧/ ١٣٣ حديث رقم ٣٨١٥. ومسلم ١٨٨٦/٤ حديث رقم ٢٤٣٠.
(٣) البخاري تعليقاً ٧/ ١٠٥. كتاب فضائل الصحابة.
(٤) أخرجه الترمذي ٦١٩/٥ حديث رقم ٣٧٨١ والنسائي في الكبرى.
(٥) لم أجده عند الترمذي والله تعالى أعلم.
٤٦٠٠٠
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٨/٦ حديث رقم ٣٢٢٧٣.
٥٠٠٠
١٣٨٤/
إهدو /
يرد

٠-٠
٤٠٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
متفق عليه .
،۔۔.
'-
وذكر حديث أنس: ((يا خير البرية)). وحديث أبي هريرةَ: ((أي الناس أكرم)). وحديث
ابن عمر: ((الكريم ابن الكريم». في («باب المفاخرة والعصبيّة)).
الفصل الثاني
٥٧٢٥ - (٢٨) عن أبي رزين. قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربُّنا قبل أن يخلق
خلقه؟ قال: ((كان في عماءٍ،
أن خديجة أفضل من فاطمة باعتبار الأمومة لا السيادة والله تعالى أعلم. (متفق عليه.) وفي
رواية الجامع، تقديم آسية على مريم وزيادة: وإن فضل عائشة الخ. رواه أحمد. والشيخان
والترمذي وابن ماجه. (وذكر حديث أنس: يا خير البرية) أي قال أعرابي للنبي وَلّ: يا خير
البرية. فقال: ذاك إبراهيم (وحديث أبي هريرة: أي الناس أكرم) تمامه: فقال النبي وَلّى:
((أكرمهم عند الله أتقاهم. قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن
نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله))؛ الحديث. قال شارح: أي إذا لم تسألوني عن هذا، فأكرم
الناس في زمانه يوسف. قلت: أو في النسب والحسب كما يدل عليه تعداد آبائه وأجداده.
(وحديث ابن عمر: الكريم ابن الكريم) تمامه: ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم. (في باب المفاخرة والعصبية).
(الفصل الثاني)
١٠
٥٧٢٥ - (عن أبي رزين) قال المؤلف: هو لقيط بن عامر بن صبرة، بفتح اللام وسكون
القاف، وصبرة بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة. عقيلي صحابي مشهور عداده في الطائف.
روى عنه ابنه عاصم وابن عمر وغيرهما. (قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق
خلقه) لا شك أن المكان مع الزمان من جملة خلقه معدودان، فلولا التأويل بحسب الإمكان
لأول السؤال، وآخره يتعارضان. وسيجيء بيان كشف المعنى من الشراح الأعيان. (قال: كان
في عماء) بفتح العين ممدوداً، أي في غيب هوية الذات بلا ظهور مظاهر الصفات كما عبر عنه
بقوله (تعالى): ((كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف)). وفي قوله تعالى:
﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات - ٥٦]. إشارة إليه ودلالة عليه على تفسير
حبر الأمة، أي ليعرفون. قال الشيخ علاء الدولة في كتابه العروة: فأثبت تجلي الذات أولاً
بقوله: كنت كنزاً مخفياً. ثم تجليه بالصفة الأحدية بقوله: أحببت أن أعرف. ثانياً، ثم تجليه
الحديث رقم ٥٧٢٥: أخرجه الترمذي ٢٦٩/٥ حديث رقم ٣١٠٩. وابن ماجه في السنن ١/ ٦٤ حديث
رقم ١٨٢.
٠٣٧٩/ ٣٠

١١٣٠
١٣٢
٤٠٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
ما تحته هواءً، وما فوقه هواء، وخلق عرشه على الماء)).
بالصفة الواحدية بقوله: فخلقت الخلق لأعرف. ثالثاً. وفي اصطلاحات الصوفية للكاشي:
العماء هي الحضرة الأحدية عندنا لأنه لا يعرفها أحد غيره، فهو في حجاب الجلال.
أقول: ولعله أراد بالأحدية أحدية الجمع فإنها بين غيب الغيوب وبين أحدية الصرفة، فإنها
بين أحدية الجمع وبين الواحدية، وهذه البينونة بالنسبة إلى العلو والسفل. وهذا القول هو
الصحيح، لأن العماء في اللغة غيم رقيق يحول بين السماء والأرض، وكذلك الأحدية
الصرفة حائلة بين سماء الذات وأرض الكثرة الأسمائية. ثم قال: هي الحضرة الواحدية
التي هي منشأ الأسماء والصفات، لأن العماء هو الغيم الرقيق، والغيم هو الحائل بين
السماء والأرض؛ وهذه الحضرة الواحدية هي الحائلة بين سماء الأحدية الصرفة وبين أرض
الكثرة الخلقية. وقد جعل العارف الجامي شرحاً على هذا الحديث الشريف، فإن كنت
تريد التحقيق فعليك بذلك التصنيف؛ فقد علم كل أناس مشربهم، وتبع كل فريق مذهبهم.
هذا وفي الفائق العماء هو السحاب الرقيق. وقيل: السحاب الكثيف المطبق. وقيل: شبه
الدخان يركب رأس الجبال. وعن الجرمي: الضباب. وفي النهاية: العماء بالفتح والمد
السحاب. وفي القاموس: هو السحاب المرتفع أو الكثيف أو المطر الرقيق أو الأسود أو
الأبيض، أو هو الذي هراق ماؤه. ولا شك أن واحداً من هذه المعاني لا يناسب المقام
التبياني، إلاّ أن يقال: إن السحاب كناية عن حجاب الجلال. وهو عبارة عن حجاب
الذات الباعث على سر الصفات المتعلقة بالعلويات والسفليات. ولذا قال أبو عبيد: لا
يدري أحد من العلماء كيف كان ذلك العماء. وفي رواية: عمى. بالقصر. وهو ذهاب
البصر. فقيل: هو كل أمر لا تدركه عقول بني آدم ولا يبلغ كنهه الوصف ولا يدركه
الفطن. قال الأزهري: نحن نؤمن به ولا تكيفه بصفة، أي نجري اللفظ على ما جاء عليه
من غير تأويل مع التنزيه عما لا يجوز عليه من الحدوث والتبديل. (ما تحته هواء وما فوقه
هواء) ما، نافية فيهما. وفيه إشارة إلى ما سبق في الحديث: كان الله ولم يكن معه شيء.
قال القاضي: المراد بالعماء ما لا تقبله الأوهام ولا تدركه العقول والأفهام. عبر عن عدم
المكان بما لا يدرك ولا يتوهم، وعن عدم ما يحويه ويحيط به بالهواء. فإنه يطلق ويراد به
الخلاء الذي هو عبارة عن عدم الجسم ليكون أقرب إلى فهم السامع. ويدل عليه، أن
السؤال عما خلق قبل أن يخلق خلقه. فلو كان العماء أمراً موجوداً لكان مخلوقاً، إذ ما
من شيء سواه إلاّ وهو مخلوق خلقه وأبدعه. فلم يكن الجواب طبق السؤال والله [تعالى]
أعلم بالحال. وقيل: في الكلام حذف مضاف كما في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن
يأتيهم الله﴾ [البقرة - ٢١٠]. ونحوه، فيكون التقدير. أين كان عرش ربنا. ويدل عليه
قوله: وخلق عرشه على الماء، المطابق لقوله سبحانه: ﴿وكان عرشه على الماء ﴾ [هود -
٧]. لأنه لو لم يكن السؤال عن العرش لما كان حاجة للتعرض إليه. وقال الطيبي [رحمه
الله]: لم يفتقر إلى التقدير ولا بد لقوله: في عماء، بالمد من التأويل حتى يوافق الرواية
الأخرى، عمى مقصوراً، وما ورد فى الصحاح عن عمران بن حصين: ((كان الله ولم يكن
١

٤٠٦
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
رواه الترمذي وقال: قال يزيد بن هارون: العماء: أي ليس معه شيء.
٥٧٢٦ - (٢٩) وعن العبّاس بن عبد المطلب، زعم أنه كان جالساً في البطحاء في
عصابة ورسول الله وَّ جالسٌ فيهم، فمرت سحابة، فنظروا إِليها، فقال رسول الله وَ له: ((ما
تسمّون هذه؟)).
شيء قبله وكان عرشه على الماء)) (١). وذلك أن قوله: ما تحته هواء وما فوقه هواء. جاء
تتميماً صوناً لما يفهم من قوله: في عماء، من المكان. فإن الغمام المتعارف محال أن
يوجد بغير هواء، فهو نظير قوله: كلتا يديه يمين. على ما سبق. فالجواب من الأسلوب
الحكيم سئل عن الإمكان، فأجاب عن الإمكان، يعني إن كان هذا مكاناً فهو في مكان، وهو
ارشاد له في غاية من اللطف. (رواه الترمذي. وقال: قال يزيد بن هارون). وهو أحد مشايخ
شيوخ الترمذي من رواة هذا الحديث. (العماء) أي يعني معناه (ليس معه شيء) وفيه إيماء إلى
كلام بعض العارفين في هذا الشأن: كان الله ولم يكن معه شيء والآن على ما هو عليه كان.
وإشارة إلى قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾.
٥٧٢٦ - (وعن العباس بن عبد المطلب زعم) أي نقل (أنه) أي العباس (كان جالساً
بالبطحاء) أي في المحصب وهو موضع معروف بمكة فوق مقبرة المعلا، وقد تطلق على مكة.
وأصل البطحاء على ما في القاموس: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. (في عصابة) بكسر أوّله،
أي مع جماعة من كفار مكة. قال الطيبي [رحمه الله]: استعمال زعم ونسبته إلى [العباس] (٢)
رمز إلى أنه لم يكن حينئذ مسلماً، ولا تلك العصابة كانوا مسلمين، يدل عليه قوله: في
البطحاء. قلت: وكان وجه دلالته عليه أنه كان غالباً مجتمع الكفار ومجمع رأيهم في تلك
الدار. ومن جملة ما اتفق مشايخ العرب عليه في ذلك المكان أنهم يهجرون بني هاشم ولا
يبايعونهم ولا يشاورونهم ولا يناكحونهم ولا يجالسونهم حتى يتركوا نصرة محمد قبَل
وحمايته، كما هو في السير معروف. ولذا لما حج النبي ◌َّر حجة الوداع نزل به عند نزوله من
منى، إشارة إلى ما من الله عليه بالغلبة على أعداء الدين، وإيماء إلى إعلاء كلمة اليقين. هذا
وحديث أبي هريرة في الفصل الثالث(٣) مما يدل صريحاً أن تلك العصابة كانوا مسلمين. وأما
زعم فكثيراً يستعمل بمعنى القول المحقق والله [تعالى] أعلم. (ورسول الله وَّو جالس فيهم)
أي حينئذ وهذا يحتمل أن يكون قبل القضية المذكورة، أو بعد القصة المسطورة بعد ما وقع
فيما بينهم من الهدنة. (فمرت سحابة فنظروا إليها. فقال رسول الله وَ ليقول: ما تسمون هذه) ما
استفهامية بمعنى التقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار. والمقصود التثبيت ضد الانكار،
/ ١٣/١٠٠٥
٢٣ ١٢/١
(١) راجع الحديث رقم ٥٦٩٨.
الحديث رقم ٥٧٢٦: أخرجه أبو داود في السنن ٥/ ٩٣ حديث رقم ٤٧٢٣. وأخرجه الترمذي في سننه ٣٩٥/٥
حديث رقم ٣٣٢٠. وابن ماجه في السنن ٦٩/١ حديث رقم ١٩٣. وأحمد في المسند ٢٠٦/١.
(٢) نسب في المخطوطة الحديث إلى ((ابن عباس)) والصواب نسبته إلى العباس.
(٣) يأتي في الحديث رقم ٥٧٣٥.

٤٠٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
قالوا: السّحاب. قال: ((والمزن؟)) قالوا: والمزن. قال: ((والعنان؟)). قالوا: والعنان. قال:
(هل تدرون ما بعد ما بين السَّماء والأرض؟)). قالوا: لا ندري. قال: ((إِن بعد ما بينهما إِما
واحدةٌ وإِما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، والسماء التي فوقها كذلك)). حتى عدَّ سبع
سماوات. ثم «فوق السماءِ السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماءٍ إِلى سماءٍ، ثم
فوق ذلك ثمانية أوعالٍ بين أظلافهن ووركهن مثل ما بين سماءٍ إِلى سماءٍ، ثم على
ظهورهِن العرشُ، بين أسفله وأعلاه ما بين سماءٍ إِلى سماءٍ، ثم الله فوق ذلك)).
يجتم
أي أي شيء تسمون هذه، إشارة إلى السحابة. وهو مفعول ثان لتسمون والأوّل لفظة ما.
(قالوا: السحاب) بالنصب أن نسميه السحاب، ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي
هي السحاب. والمعنى أن هذه واحدة من جملة جنس السحاب. (قال: والمزن) أي وتسمونها
أيضاً المزن (قالوا: والمزن) أي نسميها أيضاً، ففي النهاية: هو الغيم والسحاب واحدته مزنة.
وقيل: هي السحابة البيضاء. زاد البيضاوي وماؤه أبيض ومنه قوله تعالى: ﴿أأنتم أنزلتموه من
المزن﴾ [الواقعة - ٦٩]. (قال: والعنان. قالوا: والعنان) كسحاب زنة، ومعنى من عنّ أي
ظهر. وفي النهاية: الواحدة عنانة. وقيل: ما عن لك فيها، أي اعترض وبدا لك إذا رفعت
رأسك. وحاصله أنه وَ لّ لما لاطفهم في الكلام وبيّن لهم معرفته بلغاتهم المختلفة في مقام
المرام تدريجاً بالانتقال من معلومهم إلى مجهولهم وترقياً من الخلق إلى الحق. (قال: هل
تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض) أي ما مقدار بعد مسافة ما بينهما (قالوا: لا ندري. قال:
إن بعد ما بينهما إما واحدة وإما اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة) الشك من الراوي كذا قيل،
وللتنويع لاختلاف أماكن الصاعد والهاوي. وبهذا يظهر صحة ما قال الطيبي [رحمه الله]:
والمراد بالسبعون في الحديث التكثير لا التحديد، لما ورد: من أن ما بين السماء والأرض
وبين سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، أي سنة. والتكثير هذا أبلغ والمقام له أدعى.
(والسماء) بالرفع ويجوز النصب (التي فوقها) أي فوق سماء الدنيا. (كذلك) أي في البعد (حتى)
عد سبع سموات) أي على هذه الهيئات. (ثم فوق السماء السابعة بحر) أي عظيم (بين أعلاه
وأسفله كما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك) أي البحر (ثمانية أوعال) جمع وعل وهو العنز
الوحشي. ويقال له: تيس شاة الجبل. (بين أظلافهن) جمع ظلف بكسر الظاء المعجمة للبقر
والشاة، والظبي بمنزلة الحافر للدابة، والخف للبعير. (ووركهن) بفتح فكسر، أي ما فوق
أفخاذهن. (مثل ما بين سماء إلى سماء) قيل: المراد بهن ملائكة على أشكال أوعال، ويلائمه
قوله: (ثم على ظهورهن العرش) أي محمول. كما قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن
حوله يسبحون بحمد ربهم﴾ [غافر - ٧]. (بين أسفله) أي العرش (وأعلاه ما بين سماء إلى
سماء) أي من كثرة البعد، مع قطع النظر عن الحد وإلاّ فجميع المخلوقات بجنب العرش
كحلقة في فلاة، على ما ورد به في حديث. (ثم الله) أي وسعة علمه أو اتساع قدرته في ملكه .
(فوق ذلك) قال الطيبي [رحمه الله]: أراد وَلهو أن يشغلهم عن السفليات إلى العلويات والتفكر
في ملكوت السموات والعرش، ثم يترقوا إلى معرفة خالقهم ورازقهم ويستنكفوا عن عبادة؟
الأصنام ولا يشركوا بالله الملك العلام. فأخذ في الترقي من السحاب ثم من السموات ثم من
٠٩٥٠

: on
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
٤٠٨
الحافظ
رواه الترمذي، وأبو داود.
٥٧٢٧ - (٣٠) وعن جبير بن مطعم، قال: أتى رسولَ الله وَلتر أعرابيٍّ، فقال:
جُهِدَت الأنفس، وجاع العيال، ونُهِكَت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق اللَّهَ لنا، فإِنا
نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك. فقال النبي وَلقر: ((سبحان الله، سبحان الله)).
فما زال يسبّح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ((ويحك إِنه لا يستشفع بالله
على أحد، شأن الله
البحر ثم من الأوعال، ثم من العرش إلى ذي العرش، والفوقية بحسب العظمة لا المكان.
فالمعنى أنه على الشأن عظم البرهان. وقال شارح: أي فوق العرش حكماً وعظمة واستيلاء.
(رواه الترمذي وأبو داود).
٥٧٢٧ - (وعن جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله (3 18) أي جاءه (أعرابي) أي بدوي
(فقال: جهدت الأنفس) بصيغة المجهول من الجهد بفتح الجيم، المشقة. وبضمها الطاقة.
والمعنى: حملت فوق طاقتها. (وجاع العيال) عيال الرجل بالكسر من يعوله ويمونه وينفق عليه
من الزوجة والأولاد والعبيد وغير ذلك. (ونهكت) بضم النون وكسر الهاء، أي نقضت.
(الأموال) أي التي تنمو من الأمطار (وهلكت الأنعام) وهو جمع نعم محركة الإبل والبقر
والغنم، كما أخبر الله عنها بقوله: ﴿ثمانية أزواج﴾ [الأنعام - ١٤٣]. (فاستسق الله لنا) أي
فاطلب الله للسقي بالمطر من أجل معاشنا الذي هو زاد معادنا. (فإنا نستشفع) أي نطلب
الشفاعة. (بك) أي بوجودك وحرمتك وبعظمتك. (على الله ونستشفع بالله) أي نستجير
ونستغيث به. (عليك) في أن تشفع لنا عنده بأن يوفقك على مساعدتنا. لكن لما كان ظاهر هذه
العبارة موهماً للتساوي في القدر أو التشارك في الأمر والحال أن الله سبحانه منزه عن الشرك
مطلقاً، وقال تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ [آل عمران - ١٢٨]. وقال: ﴿من ذا الذي
يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة - ٢٥٥]. وقال: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ [الأنبياء -
٢٨]. أنكر النبي [رّ*] واستعظم الأمر لديه وتعجب من هذه النسبة إليه. (فقال النبي تليفون:
سبحان الله) أي تنزيهاً عن المشاركة. (سبحان الله) كرره تأكيداً، أو ذكر الثاني تعجباً وتعجيباً.
(فما زال يسبح حتى عرف ذلك) بصيغة المجهول، أي حتى تبيّن أثر ذلك التغير. (في وجوه
أصحابه) لأنهم فهموا من تكرير تسبيحه، أنه و ٣ غضب من ذلك فخافوا من غضبه، فتغيرت
وجوههم خوفاً من الله تعالى. فلما أثر فيهم الخوف رق لهم وقطع التسبيح والتفت إليهم. (ثم
قال: ويحك) بمعنى ويلك، إلا أن الأول فيه معنى الشفقة عن المزلة والمزلقة. والثاني دعا
عليه بالهلكة والعقوبة. والمعنى: اعلم أيها المتكلم الجاهل في كلامه الغافل عن مرامه. (أنه)
أي الشأن (لا يستشفع) بصيغة المجهول. (بالله على أحد شأن الله) استئناف تعليل، أي لأنه
الحديث رقم ٥٧٢٧: أخرجه أبو داود ٩٤/٥ حديث رقم ٤٧٢٦. والنسائي ١٦/٣ حديث رقم ١٥٢٨.
وأحمد فى المسند ٢٥٦/٣

٤٠٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
محمد"
١٩٥
أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله؟ إِنَّ عرشه على سماواته لهكذا)) وقال بأصابعه مثل
القبّة عليه ((وإنه ليئطُ أطيط الرحل بالراكب)). رواها أبو داود.
٥٧٢٨ - (٣١) وعن جابر بن عبد الله، عن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((أُذن لي أن أحدّث
عن ملكِ من ملائكة الله من حمَلة العرشِ، أن ما بين شحمة أذنيه إِلى عاتقيه
شأنه العلي وبرهانه الجلي. (أعظم من ذلك) أي من أن يستشفع به على أحد. قال الطيبي: يقال:
استشفعت بفلان على فلان ليشفع لي إليه فشفعه أجاب شفاعته. ولما قيل: إن الشفاعة هي
الانضمام إلى آخر ناصراً له وسائلاً عنه إلى ذي سلطان عظيم منيع والر أن يستشفع بالله على أحد.
وقوله ذلك إشارة إلى أثر هيبة أو خوف استشعر من قوله: سبحان الله، تنزيهاً عما نسب إلى الله
تعالى من الاستشفاع به على أحد وتكراره مراراً. (ويحك) كرره تأكيداً لزجره وتبييناً لأمره.
(أتدري ما الله) أي عظمته التي تدل على عظمة ملكه وملكوته وسطوة كبريائه وجبروته. (إن عرشه
على سمواته) أي محيط بها من جميع جهاته (لهكذا) بفتح اللام الابتدائية، دخلت على خبر أن
تأكيداً للحكم. (وقال بأصابعه) أي أشار بها وفعلاً بيان للمشار إليه قولاً: (مثل القبة عليه) حال
من العرش، أي مماثلاً لها على ما في جوفها. قال الطيبي [رحمه الله]: هو حال من المشار به،
وفي قال: معنى الإشارة، أي أشار بأصابعه إلى مشابهة الهيئة وهي الهيئة الحاصلة للأصابع
الموضوع على الكف مثل حالة الإشارة. (وإنه) أي العرش مع ما وصف به من المجد والكرم
والسعة والعظمة. (ليئط) بكسر الهمز وتشديد المهملة، أي ليتضايق ويعجز عن القيام. (به) أي
بحق معرفته وعن سعة علمه وإحاطة عظمته حيث يئط لما يرتكبه، ويرتعد مما يركبه من أعباء
جلاله وهيبته. (أطيط الرحل بالراكب) أي كعجز الرحل عن احتمال الراكب. في النهاية: أي أن
العرش ليعجز عن حمله وعظمته، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه
وعجزه عن احتماله. قال الخطابي: هذا الكلام إذا أجري على ظاهره كان فيه نوع من الكيفية،
والكيفية عن الله سبحانه وصفاته منفية، فعلم أنه ليس المراد منه تحقيق هذه الصفة ولا تحديده
على هذه الهيئة، وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى في النفوس وإفهام السائل
من حيث يدركه فهمه، إذ كان أعرابياً جافياً لا علم له بمعاني ما دق من الكلام، وقرر بهذا التمثيل
والتشبيه معنى عظمة الله وجلاله في نفس السائل، وأن من يكون كذلك لا يجعل شفيعاً إلى من
هو دونه. أقول: ويمكن أن معنى يئط يصوّت بالتسبيح والتنزيه من عظمة الله وآياته حيث تحير
حملة العرش من معرفة ذاته وصفاته. كصوت الرجل الجديد بالراكب الثقيل الشديد والله [تعالى]
أعلم بالقول السديد. (رواه أبو داود).
٥٧٢٨ - (وعن جابر بن عبد الله عن رسول قال: أذن لي أن أحدث عن ملك) أي عن
وصف ملك عظيم (من ملائكة الله) أي المعظمين لقوله: (من حملة العرش) فإنهم أقوى من
غيرهم لأن المطايا على قدر العطايا. (أن) بفتح الهمزة ويكسر (ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقيه)
مبيـ
الحديث رقم ٥٧٢٨: أخرجه أبو داود في السنن ١٩٦/٥ حديث رقم ٤٧٢٧.
? بيو

٤١٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
مسیرةً سبعمائة عام)). رواه أبو داود.
٥٧٢٩ - (٣٢) وعن زرارة بن أوفى، أنَّ رسول الله وَ ◌ّه قال لجبريل: ((هل رأيت
ربَّك؟ فانتفض جبريل وقال: يا محمَّد! إِن بيني وبينه سبعين حجاباً من نور، لو دنوت من
بعضها لاحترقت)). هكذا في ((المصابيح)).
٥٧٣٠ - (٣٣) ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) عن أنس إلا أنه لم يذكر: ((فانتفض
جبريل)).
٥٧٣١ - (٣٤) وعن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله وَ لر: ((إن الله خلق إِسرافيل،
ورواية الجامع بصيغة الإفراد فيهما. (مسيرة سبعمائة عام) يعني فقس الباقي على هذا النظام.
(رواه أبو داود.) وكذا الضياء.
٥٧٢٩ - (وعن زرارة بن أوفى) بضم الزاي، قال المؤلف: له صحبة مات في زمن عثمان
ابن عفان. (أن رسول الله وَّير قال لجبريل: هل رأيت ربك. فانتفض جبريل) أي ارتعد ارتعاداً
شديداً من عظمة ذلك السؤال ومن هيبة ما سمع من المقال. قيل: فيه دليل على حقية رؤية الله
تعالى في دار البقاء، فإنه لو كانت مستحيلة ما سأل النبي عليه. لكن اختلف في أن الملائكة
يرون الله تعالى أم لا. ثم لما كان الرؤية غالباً تنبىء عن القربة فارتعد جبريل من الهيبة.
إوقال: يا محمد إن بيني وبينه سبعين حجاباً من نور) قال شارح: وهو عبارة عن كمال الله
[تعالى] ونقصان جبريل، والحجاب من طرف جبريل. اهـ. والمعنى أن المحجوب مغلوب
فهو صفة المخلوق والموصوف بنعت النقصان، وأما الخالق ذو الجلال المنعوت بوصف
الكمال فلا يحجبه شيء ولو من أنوار الجمال. (لو دنوت) أي قربت قدر أنملة، كما في
رواية. (من بعضها) أي من بعض جميع تلك الحجب النورانية على فرض المحال، وإلا فما
منا إلا له مقام معلوم. (لاحترقت) أي من أثر ذلك النور الذي يغلب النار في الظهور، فإن النار
تقول: جزيا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي. فكيف بنور ربي وهو حسبي. (هكذا) أي لفظ
الحديث (في المصابيح) أي عن زرارة.
2/2//
٥٧٣٠ - (ورواه أبو نعيم في الحلية عن أنس، إلا أنه) أي أنساً (لم يذكر: فانتفض
جبريل.) وفي الجامع برواية الطبراني في الأوسط عن أنس: سألت جبريل: هل ترى ربك.
قال: إن بيني وبينه سبعين حجاباً من نور لو رأيت أدناها لاحترقت(١).
. : : . -
٥٧٣١ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَالقول: إن الله خلق إسرافيل
الحديث رقم ٥٧٢٩: مصابيح السنة ٣٠/٤ حديث رقم ٤٤٥٧.
الحديث رقم ٥٧٣٠: أبو نعيم في الحلية.
(١) الجامع الصغير ٢٨٣/٢ حديث رقم ٤٦١٠.
الحديث رقم ٥٧٣١: أخرجه البيهقي ضمن حديث طويل في شعب الإيمان ١٧٦/١ حديث رقم ١٥٧.
/٦/١١

1972
٤١١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
منذ يوم خلقه صافّاً قدميه لا يرفع بصره، بينه وبين الربِّ تبارك وتعالى سبعون نوراً، ما منها
من نورٍ يدنو منه إِلاّ احترق)). رواه الترمذي وصححه.
٥٧٣٢ - (٣٥) وعن جابرٍ، أن النبي ◌ِّر قال: «لما خلق الله آدم وذرِّيته، قالت
الملائكة: يا ربِّ! خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا
الآخرة. قال الله تعالى: لا أجعلُ من خلقته بيديّ ونفخت فيه من روحي كمن قُلْتُ له: كن
منذ يوم خلقه) بفتح الميم على الإضافة، وفي نسخة بالجر منوّناً. (صافاً) بتشديد الفاء أي حال
كون إسرافيل واقفاً (قدميه) مفعول صافاً واعلم أن منذ بضم الميم ويكسر وهو مبني على الضم
ويليه اسم مجرور، وحينئذ حرف جر بمعنى من في الماضي، وبمعنى في في الحاضر. وقال
المظهر: منذ ههنا حرف جر وهو بمعنى في. وقال الطيبي [رحمه الله]: صافاً حال من إسرافيل
لا من ضميره المنصوب، ومنذ يوم ظرف لصافاً وليس بمعنى في. وقال الدار حديثي اتفقوا أن
مذ ومنذ إنما يدخلان اسما الزمان. ثم قالوا: إن أريد ابتداء الزمان الماضي الذي انتهاؤه أنت
فيه، يكونان للابتداء نحو: ما رأيته مذ يومين، أو مذ سنة. كذا أي انتفى الرؤية من ابتداء
يومين أنا في آخرهما، وليسا بمعنى في، وإن قال به بعض. لأن المفهوم منهما نفي الرؤية في
أزمنة معينة، أنت في آخرها مقصوداً به ابتداؤها وانتهاؤها. اهـ. والمعنى: إن الله خلق إسرافيل
صافاً قدميه من أوّل مدة خلقه. (لا يرفع بصره) أي إلى السماء فوقه أدباً، أو لا يرفع نظره عن
اللوح المحفوظ خوفاً. (بينه وبين الرب تبارك وتعالى سبعون نوراً) أي من أنوار الحجاب
وأسرار الغياب وأستار النقاب حتى لا يعرفه غيره. قال تعالى: ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ [طه -
١١٠]. (ما منها) أي ليس من السبعين من نور (يدنو) أي يقرب (منه) إسرافيل فرضاً (إلا
احترق) أي من ذلك النور الذي فوق طاقة نظر إسرافيل. (رواه الترمذي وصححه) .
٥٧٣٢ - (وعن جابر أن النبي ◌َّ قال: لما خلق الله آدم وذريته) أي يوم الميثاق أو بعده
(قالت الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون) بكسر الكاف أي يطؤون أو
يتزوّجون (ويركبون) أي على الدواب في البر وعلى السفن في البحر. (فاجعل لهم الدنيا) أي
بطريق الدوام والبقاء، أو اجعل لخم الدنيا فقط. (ولنا الآخرة) أي نعيمها لحرماننا عن الحظوظ
المذكورة في الدنيا تعادلاً بيننا. (قال الله تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي) بصيغة التثنية،
وروي بالإفراد. وقال الطيبي [رحمه الله]: قوله: لا أجعل، يحتمل أن يكون نفياً لأجعل وأن
تكون كلمة لا رداً لقولهم، ثم يبتدىء بالجملة الاستفهامية إنكاراً عليهم وهو أبلغ. يعني أكثر
مبالغة أو بلاغة، فإنه يدل على النفي مكرراً وإن كان الأوّل هو الأظهر فتدبر. والمعنى: لا
أجعل عاقبة من خلقته بغير واسطة على سبيل التدريج مركباً من معجون الكمال المشتمل على
قابلية الهداية والضلال واستعداد مظهرية الجمال والجلال. (ونفخت فيه من روحي) أي بعد
تربية كمال جسده وتصويره شكلاً كريماً تشريفاً له وتعظيماً. (كمن قلت له: كن) أي بالخلق
الحديث رقم ٥٧٣٢: رواه البيهقي في شعب الإيمان١/ ١٧٢ حديث رقم ١٧٢.

٤١٢
٠٫٢٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
فكان)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)).
الفصل الثالث
٥٧٣٣ - (٣٦) عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّر: ((المؤمنُ أكرمُ على الله من
بعض ملائكته)). رواه ابن ماجه.
الآتي (فكان) أي من غير التواني. قال الطيبي [رحمه الله]: أي لا يستوي في الكرامة من خلقته
بنفسي ولا وكلت خلقه إلى أحد ونفخت فيه من روحي وهو دم وأولاده، مع من يكون بمجرد
الأمر بقول كن وهو الملك. وإضافة الروح إلى نفسه إضافة تشريف كقوله: بيت الله. وقال ابن
الملك: أي لا يستوي البشر والملك في الكرامة والقربة، بل كرامة البشر أكثر ومنزلته أعلى.
وهذا من جملة ما يستدل به أهل السنة في تفضيل البشر على الملك. أقول: ووجهه والله [تعالى]
أعلم، إن الملك خلق معصوماً فصار عن الجحيم ممنوعاً وعن النعيم محروماً، والبشر خلق
ممحوناً بالطاعة والمعصية ومبلواً بالعطية والبلية، فمن قام بحقهما استحق الثواب في الدارين،
ومن أعرض عنهما استوجب العذاب في الكونين (رواه البيهقي في شعب الإيمان).
(الفصل الثالث)
٥٧٣٣ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: المؤمن) أي الكامل من
الأنبياء أو الأولياء (أكرم على الله من بعض ملائكته) وهم خواصهم أو عوامهم من أهل
الاصطفاء. وقال الطيبي [رحمه الله]: يراد بالمؤمن عوامهم وببعض الملائكة أيضاً عوامهم.
قال محيي السنة [رحمه الله] في تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الإسراء - ٧٠].
الأولى أن يقال: عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة، وخواص المؤمنين أفضل من خواص
الملائكة. قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ [البينة - ٧].
ويستدل به أهل السنة في تفضيل الأنبياء على الملائكة. اهـ. ولا يخفى أن المراد بخواص
المؤمنين الرسل والأنبياء، وبخواص الملائكة نحو جبريل وميكائيل وإسرافيل، وبعوام المؤمنين
الكمل من الأولياء كالخلفاء وسائر العلماء، وبعوام الملائكة سائرهم. وهذا التفصيل أولى من
إجمال بعضهم. وفي قوله: إن البشر أفضل من الملك. بمعنى: إن هذا الجنس لما وجد فيهم
الكمل من الرسل أو الأكمل، أفضل من هذا الجنس لعدم وجودهم فيهم فتأمل. (رواه ابن
FAb ..
ماجه) قلت: وحديث: ((المؤمن أعظم حرمة من الكعبة)) في ابن ماجه بسند عن ابن عمر: إن
النبي و لو قال: ونظر إلى الكعبة، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك. وهو بعض حديث
طويل (١)
الحديث رقم ٥٧٣٣: أخرجه ابن ماجه ١٣٠١/٢ حديث رقم ٣٩٤٧.
(١) أخرجه ابن ماجه ١٢٩٧ حديث رقم ٣٩٣٢.
٠١/٢

٤١٣
رب
٢٠%
%٥٠٠g
١٠٠٠٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
٥٧٣٤ - (٣٧) وعنه، قال: أخذ رسول الله وَ لتر بيدي فقال: ((خلق الله التربة يوم
السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم
الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدَّواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من
يوم الجمعة في آخر الخلق وآخرِ ساعةٍ من النهارِ فيما بين العصر إِلى الليل)). رواه مسلم.
٥٧٣٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: أخذ رسول الله وَل جر بيدي) إشارة
إلى كمال قربه ودلالة على تمام حفظه. ولعل في أخذ يده إيماء إلى تعداد أعداد الخمسة مع
قطع النظر عن خلق آدم (عليه الصلاة والسلام] بعد الجمعة، فإنه بمنزلة العلة الغائبة والفذلكة
الإِيمائية. (فقال: خلق الله التربة) أي التراب، وهو الأرض. (يوم السبت) وكأن المراد به آخر
يومه المسمى بعشية الأحد، فلها حكمة. فلا ينافي قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السموات
والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق - ٣٨]. (وخلق فيها الجبال يوم
الأحد) وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قل أنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له
أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها﴾ [فصلت - ٩ و١٠]. (وخلق الشجر
يوم الاثنين وخلق المكروه) أي جنسه (يوم الثلاثاء) بالمد، قال عزَّ وجلَّ: ﴿وبارك فيها وقدر
فيها أقواتها في أربعة أيام﴾ [فصلت - ١٠]. أي في بقية الأربعة. (وخلق النور) بالراء، وفي
نسخة بالنون في آخره. قال: الأكمل هو بالراء كما لمسلم ولغيره بالنون. وهو الحوت،
ويجوز خلقهما في الأربعاء، والنور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره. اهـ. والظاهر أن المراد
بالنور هو نفسه وما فيه ظهوره، فيناسب قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال
لها وللأرض اثنيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في
كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ﴾ [فصلت -
١٢]. (يوم الأربعاء) بفتح الهمزة وكسر الموحدة ممدوداً. وفي القاموس: مثلثة الباء ممدودة.
واعلم أن لفظ النور كذا في النسخ المصححة والأصول المعتمدة. (وبث فيها الدواب) أي
فرقها في الأرض بعد خلق أصولها. (يوم الخميس) وهو لا ينافي ما سبق من أن قضاء سبع
سموات وخلقهن في يومين. (وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق) أي لكونه
الفذلكة الإيمائية وبمنزلة العلة الغائية. (وآخر ساعة من النهار) أي وفي آخر ساعة من نهار
الجمعة. ورواية الجامع: في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة. (فيما بين العصر
إلى الليل) وهي الساعة المرجوّة للإجابة في يوم الجمعة عند جماعة من الأئمة. (رواه مسلم)
وكذا أحمد في مسنده مرفوعاً، لكن قال ابن كثير في تفسيره ما ملخصه: هو أن هذا الحديث
من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم فيه البخاري وغيره وجعلوه من كلام كعب الأحبار، وأن
أبا هريرة إنما سمعه من كعب، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعله مرفوعاً والله أعلم(١).
الحديث رقم ٥٧٣٤: أخرجه مسلم ٢١٤٩/٤ حديث رقم (٢٧ . ٢٧٨٩).
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٩٤/٤.
.32

٤١٤
: ٧٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
٥٧٣٥ - (٣٨) وعنه، قال: بينما نبي الله وَلّ جالسٌ وأصحابه إِذ أتى عليهم سحاب،
فقال نبي الله وَّ: ((هل تدرونَ ما هذا؟)). قالوا: اللَّهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: ((هذه العنان،
هذه روايا الأرض، يسوقها الله إِلى قوم لا يشكرونه، ولا يدعونه)). ثم قال: ((هل تدرونَ ما
فوقكم؟» قالوا: اللَّهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: ((فإِنها الرقيع، سقف محفوظ، وموج مكفوفٌ)).
ثم قال: ((هل تدرونَ ما بينَكُم وبينَها؟)) قالوا: اللَّهُ ورسولهُ أعلمُ. قال: ((بينكم وبينَها
خمسُمائةِ عام)). ثم قال: ((هل تدرونَ ما فوقَ ذلك؟)). قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال:
((سماءانٍ بعدُ ما بينَهما خمسمائةِ سنةٍ)). ثم قال كذلك حتى عدَّ سبعَ سماواتٍ ((ما بين كل
سماءين ما بين السماءِ والأرض)). ثم قال: ((هل تدرونَ ما فوق ذلك؟)) قالوا: اللَّهُ ورسولُه
أعلمُ. قال: ((إِنَّ فوقَ ذلك
٥٧٣٥ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: بينما نبي الله وَّر جالس
وأصحابه) أي معه جلوس (إذ أتى) أي مر (عليهم سحاب) وفي نسخة سحابة (فقال نبي الله
وَ له: هل تدرون ما هذا) أي السحاب (قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذه) أي السحابة،
فالتعبير بالتأنيث للوحدة وبالتذكير للجنس من باب التفنن. (العنان) بفتح العين، من عين. أي
ظهر كما سبق. (هذه روايا الأرض) قيل: التقدير بل هذه، وهو غير ظاهر. ففي النهاية: سمي
السحاب روايا البلاد، والروايا من الإِبل الحوامل للماء، واحدتها راوية. فشبهها به، وبه
سميت المزادة راوية، وقيل بالعكس. (يسوقها الله) أي يجرها، أو يأمر بسوقها. (إلى قوم لا
يشكرونه) أي بل يكفرونه حيث ينسبون المطر إلى اقتران النجوم وافتراقها وغروبها وطلوعها،
ويقولون: مطرنا بنوء كذا. (ولا يدعونه) أي لا يذكرون الله ولا يطلبون منه ولا يعبدونه، بل
يعبدون الأصنام، وهو بعميم كرمه يرزقهم ويعافيهم كسائر الأنام وباقي الأنعام. (ثم قال: هل
تدرون ما فوقكم) أي من السماء (قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرقيع) وهو اسم لسماء
الدنيا، وقيل: لكل سماء. والجمع أرقعة. (سقف محفوظ وموج مكفوف) أي ممنوع من
الاسترسال. والمعنى: إن الله حفظها عن السقوط على الأرض وهي معلقة بلا عمد كالموج
المكفوف. (ثم قال: هل تدرون ما بينكم وبينها) أي مقدار ما بين الأرض والسماء (قالوا: الله
ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها خمسمائة عام) أي مسيرتها ومسافتها (ثم قال: هل تدرون ما
فوق ذلك) أي المحسوس أو المذكور من سماء الدنيا (قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: سماءان)
أي سماء بعد سماء (بعد ما بينهما خمسمائة سنة. ثم قال كذلك) أي سماءان مرتين أخريين
(حتى عد سبع سموات) أي أكمل عدد السبع منهن. (ما بين كل سماءين ما بين السماء
والأرض) أي كما بينهما من خمسمائة عام، ففيه نوع تفنن في العبارة. (ثم قال: هل تدرون ما
فوق ذلك) أي المذكور (قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن فوق ذلك) بالنصب على أنه ظرف
الحديث رقم ٥٧٣٥: أخرجه أبو داود ٩٣/٥ حديث رقم ٤٧٢٣. والترمذي ٣٧٦/٥ حديث رقم ٣٢٩٨.
وابن ماجه ٦٩/١ حديث رقم ١٩٣. وأحمد في المسند ٢٠٦/١.
:: **

٤١٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
العرش، وبينَه وبينَ السماء بعدُ ما بينَ السَّماءين)). ثم قال: ((هل تدرونَ ما الذي تحتكم؟)).
قالوا: الله ورسوله أعلمُ. قال: ((إِنها الأرض)). ثم قال: ((هل تدرونَ ما تحتَ ذلك؟)).
قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((إِن تَحتَها أرضاً أخرى، بينَهما مسيرة خمسائة سنةٍ)). حتى
عدَّ سَبْعَ أرضين ((بين كلَّ أرضيْن مسيرةُ خمسمائة سنة)) ثم قال: ((والذي نفسُ محمَّد بيدِه لو
أنكم دلْيتم بحبلٍ إِلى الأرض السفلى لهبط على الله)). ثم قرأ: ﴿هو الأوَّلُ والآخر والظاهرُ
والباطَنُ وهو بكلُ شيءٍ عليم ﴾. رواه أحمد، والترمذي. وقال الترمذي: قراءة رسولٍ
الله ◌َّهَ الآية تَدُلُّ على أنه أراد: لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه،
وقع خبراً مقدماً، لإن. وقوله: (العرش) بالنصب على أنه اسم له (وبينه وبين السماء) أي
السابعة (بعد ما بين السماءين) أي من السموات السبع (ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم.
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إنها الأرض) أي العليا (ثم قال: هل تدرون ما تحت ذلك) أي
المشار إليه (قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إن تحتها أرض أخرى [بينهما مسيرة خمسمائة سنة)
أي وهكذا ذكر أرضاً بعد أخرى]. (حتى عد سبع أرضين) بفتح الراء وتسكن. (بين كل
أرضين) بالتثنية أي بين كل أرضين منها (مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال: والذي نفس محمد
بيده لو أنكم دليتم) بتشديد اللام المفتوحة من أدليت الدلو ودليتها إذا أرسلتها البئر، ومنه قوله
تعالى: ﴿فأدلى دلوه﴾ [يوسف - ١٩]. على التجريد أو التأكيد. والمعنى: لو أرسلتم. (بحبل
إلى الأرض السفلى لهبط) بفتح الموحدة أي لنزل. (على الله) أي على علمه وملكه كما صرح
به الترمذي في كلامه الآتي. والمعنى: إنه تعالى محيط بعلمه وقدرته على سفليات ملكه كما
في علويات ملكوته دفعاً لما عسى يختلج في وهم من لا فهم له أن له اختصاصاً بالعلو دون
السفل. ولهذا قيل: كان معراج يونس عليه [الصلاة] والسلام في بطن الحوت، كما أن معراج
نبينا وَ * كان في ظهر السماء. فالقرب بالنسبة [إلى كل] في مد الاستواء كما أخبر عن قربه لكل
من العبيد بقوله: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق - ١٦]. وإنما يتفاوت القرب
المعنوي بالتشريف اللدني، ومنه قرب الفرائض وقرب النوافل كما هو مقرر(١) في محله. (ثم
قرأ) أي النبي ◌َلإر استشهاداً وأبو هريرة اعتضاداً (﴿هو الأوّل﴾) أي القديم الذي ليس له ابتداء
(﴿والآخر﴾) أي الباقي الذي ليس له انتهاء (﴿والظاهر﴾) أي بالصفات (﴿والباطن﴾) أي
بالذات (﴿وهو بكل شيء﴾) أي من العلويات والسفليات والجزئيات والكليات (﴿عليم))(٢)
أي بالغ في كمال العلم به محيط علمه بجوانبه. (رواه أحمد والترمذي. وقال الترمذي: قراءة
رسول الله وَل) أي المذكورة (تدل على أنه أراد لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه.) قال
الطيبي [رحمه الله]: أما علمه تعالى فهو من قوله: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ وأما قدرته فمن
قوله: ﴿هو الأوّل والآخر﴾. أي هو الأوّل الذي يبدىء كل شيء ويخرجهم من العدم إلى
الوجود، والآخر الذي يفني كل شيء ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال
١
(١) في المخطوطة ((مختص)).
(٢) سورة الحديد . آية رقم ٢.
٠٠١٨٤٣
1775

٠٧٥٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
وعلمُ اللَّهِ وقدرته وسلطانهُ في كلّ مكان، وهو على العرش، كما وصَف نفسه في كتابه.
٠=٠
/ ٧ *.
٥٧٣٦ - (٣٩) وعنه، أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: ((كانَ طولُ آدم ستينَ ذراعاً في سبع
أذرع عرضاً)).
٥٧٣٧ - (٤٠) وعن أبي ذَرّ، قال: قلت: يا رسولَ اللَّهِ! أي الأنبياء كان أوَّل؟ قال:
((آدمُ)). قلتُ: يا رسولَ اللهِ! ونبي كان؟
والإِكرام﴾ [الرحمن - ٢٦ - ٢٧]. وأما سلطانه فمن قوله: ﴿والظاهر والباطن﴾. قال
الأزهري: يقال: ظهرت على فلان إذا غلبته. والمعنى: هو الغالب الذي يغلب ولا يغلب
ويتصرف في المكوّنات على سبيل الغلبة والاستيلاء، أو ليس فوقه أحد يمنعه. والباطن هو
الذي لا ملجأ ولا منجى دونه. ثم قال الترمذي: (وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان) أي
يستوي فيه العلويات والسفليات وما بينهما، كما أن هذه الصفات موجودة في كل زمان، بل
قبل أن يخلق الزمان والمكان. (وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه) قال الطيبي [رحمه
الله]: الكاف في كما منصوب على المصدر أي هو مستو على العرش استواء مثل ما وصف
نفسه به في كتابه، وهو مستأثر بعلمه باستوائه عليه. وفي قول الترمذي اشعاراً إلى أنه لا بد
لقوله ((لهبط على الله)) من هذا التأويل المذكور، ولقوله: ﴿على العرش استوى﴾ [طه - ٥].
من تفويض علمه إليه تعالى والإمساك عن تأويله، كما سبق أن بعضاً من خلاف الظاهر يحتاج
إلى التأويل ومنها ما لا يجوز الخوض فيه.
٥٧٣٦ - (وعنه) أن عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن رسول الله وَقير قال: كان طول آدم
[عليه الصلاة والسلام] ستين ذراعاً في سبع أذرع عرضاً) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يريد
بقدر ذراع نفسه وأن يريد بقدر الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، والأول أظهر، لأن
ذراع كل أحد بقدر مرفقه، فلو كان بالذراع المتعارف لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده
والله أعلم. أقول: في القاموس: الذراع بالكسر من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى
والساعد، وقد تذكر فيهما. جمعه أذرع أي بفتح الهمز وضم الراء. وقد تقدم في الحديث
المتفق عليه: إن الله تعالى خلق آدم وطوله ستون ذراعاً. فالأولى أن يقال المراد بالذراع طولاً
هو المتعارف المتبادر إلى الفهم الذي يحصل به العلم، والمراد به عرضاً ذراعه باعتبار يده وبه
يحصل الجمع ويرتفع الدور الذي هو في مرتبة المنع.
٥٧٣٧ - (وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي الأنبياء) أي أي فرد منهم (كان أول)
بالنصب أي أسبق (قال: آدم) بالرفع على تقدير هو (قلت: يا رسول الله ونبي كان) قال الطيبي
[رحمه الله]: لا بد فيه من تقدير همزة الاستفهام للتقرير لما قال أولاً: أي الأنبياء. وأجيب
الحديث رقم ٥٧٣٦: أخرجه أحمد في المسند ٥٣٥/٢.
الحديث رقم ٥٧٣٧ : أخرجه أحمد في المسند ١٧٨/٥.
٦٠,
١٧٧٥
٤١٦

٤١٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
قال: ((نعم نبيٌّ مُكَلّمٌ)). قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ كَم المرسلون؟ قال: «ثلاثمائةَ وبضعةً عشر
جماً غفيراً)).
٠ ٢٠١٤٧٠
وفي رواية عن أبي أمامةً، قال أبو ذرّ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ كم وفاءُ عِدَّةِ الأنبياءِ؟
قال: ((مائة ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفاً، الرُّسلُ منَ ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً».
٠٠٠٠١
٥٧٣٨ - (٤١) وعن ابن عبّاس، قال: قال رسولُ الله وَل: ((ليسَ الخبر كالمعاينة،
إن الله تعالى أخبر موسى بما صنَعَ قومُه في العجل، فلم يُلق الألواحَ، فلما
AF T
بقوله: آدم، أي أو هو نبي كان. (قال: نعم نبي) ذكر نبي بعد قوله نعم لينيط به قوله: (مكلم)
أي لم يكن نبياً فقط، بل كان نبياً مكلماً، أنزل عليه الصحف. (قلت: يا رسول الله كم
المرسلون) الكشاف في قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ﴾ [الحج -
٥٢]. هذا دليل بين على تغاير الرسول والنبي. والفرق بينهما: أن الرسول من الأنبياء من جمع
إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن
يدعو إلى شريعة من قبله. اهـ. والمشهور في الفرق بينهما أن الرسول من أمر بالتبليغ، والنبي
أعم. والله [تعالى] أعلم. (قال: ثلاثمائة وبضعة عشر) أبهم العدد إشعاراً بعدم الجزم كيلا يزيد
أو ينقص في الحد. (جماً غفيراً) أي جمعاً كثيراً. وفي النهاية: أي مجتمعين كثيرين. وأصل
الكلمة من الجموم والجمة وهو الاجتماع والكثرة، والغفير من الغفر وهو التغطية والستر.
فجعلت الكلمتان في موضع الشمول والإحاطة. ولم تقل العرب الجماء إلا موصوفة، وهو
منصوب على المصدر كطراً وقاطبة، فإنها أسماء وضعت موضع المصدر. (وفي رواية عن أبي
أمامة) الظاهر أن المراد به ليس أبا أمامة الباهلي، فإنه صحابي جليل، بل هو أبو أمامة سهل بن
حنيف الأنصاري الأوسي، ولد على عهد النبي قبل وفاته بعامين ولم يسمع منه شيئاً لصغره.
ولذلك قد ذكره بعضهم في الذين بعد الصحابة وأثبته ابن عبد البر في جملة الصحابة. ثم قال:
وهو أحد الأجلة من العلماء من كبار التابعين بالمدينة، سمع أباه وأبا سعيد وغيرهما. روى عنه
نفر، مات سنة مائة وله اثنان وتسعون سنة. كذا ذكره المؤلف (قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله
كم وفاء عد الأنبياء) أي كم كمال عددهم (قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، الرسل من
ذلك ثلثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً) العدد في هذا الحدیث وإن کان مجزوماً به، لكنه ليس
بمقطوع. فيجب الإيمان بالأنبياء والرسل مجملاً من غير حصر في عدد، لئلا يخرج أحد منهم
ولا يدخل أحد من غيرهم فيهم.
٥٧٣٨ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله رَله: ليس الخبر كالمعاينة، إن الله تعالى)
استئناف فيه معنى التعليل، والمعنى لأنه سبحانه. (أخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم
يلق الألواح) أي لعدم تأثير الخبر فيه تأثيراً زائداً باعثاً على الغضب الموجب للإلقاء. (فلما
الحديث رقم ٥٧٣٨: أخرجه أحمد فى المسند ٢٧١/١.
.. ....
رينو ..
سعيد عبد

.٣,
٤١٨
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب بدء الخلق وذكر الأنبياء
عاين ما صنعوا، ألقى الألواحَ فانكسرت)). روى الأحاديث الثلاثة أحمد.
عاين ما صنعوا ألقى الألواح) أي غضباً الله على قومه لمخالفة دينه (فانكسرت) أي الألواح من
شدة إلقائه الدالة على كثرة غضبه، ثم في إلقائها إيماء بأنها إنما تنفع لأهل الإيمان. فإذا
اختاروا الكفر والطغيان لم يبق فائدة في إبقائها. لكن الظاهر أن ما فات شيء مهم من كسرها.
قال الطيبي: قوله: إن الله. الخ استشهاد وتقرير لمعنى قوله: ليس الخبر كالمعاينة، فإنه تعالى
لما قال: ﴿إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾ [طه - ٨٥]. عند نزول ألواح التوراة
عليه لم يلق الألواح: ﴿ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي
أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ﴾ [الأعراف - ١٥٠]. (روى
الأحاديث الثلاثة أحمد)، ووافقه الطبراني في الأوسط والحاكم في مستدركه(١) عن ابن عباس،
وروى الطبراني صدر الحديث فقط وهو قوله: ((ليس الخبر كالمعاينة)). عن أنس وكذا الخطيب
عن أبي هريرة.
.- )
(١) أخرجه الحاكم فى المستدرك ٣٢١/٢.

١٢٠٣٠
[كتاب الفضائل والشمائل]
(١) باب فضائل سيّد المرسلين
صلوات الله وسلامه عليه
الفصل الأول
٥٧٣٩ _ (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّل: ((بُعثتُ من خيرِ قرونٍ بني
آدَمَ قرناً فقرناً، حتى كنتُ من القرنِ الذي كنتُ منه)).
(باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه)
اعلم أن تفصيل فضائله وتحصيل شمائله * شرف وكرم مما لا يحد ولا يحصى، بل
ولا يمكن أن يعد ويستقصى؛ وإنما ذكر مؤلف الكتاب في هذا الباب شمة من شمائله ولمة من
فضائله تدل على بقية خصائله.
(الفصل الأوّل)
٥٧٣٩ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: بعثت) أي ولدت (من
خير قرون بني آدم) اعلم أن معنى الخيرية في هذا الحديث والاصطفائية في الذي يليه
المذكورتين في حق القبائل ليس باعتبار الديانة، بل باعتبار الخصائل الحميدة والشمائل
السعيدة. (قرناً فقرناً) قيل: إنه حال للتفضيل والفاء فيه للترتيب في الفضل على سبيل الترقي
من القرن السابق إلى القرن اللاحق، ويدل عليه قوله: (حتى كنت) أي صرت (من القرن الذي
كنت منه) أي وجدت، والقرن من الناس أهل زمان واحد. وقد قال ◌َ له: خير القرون قرني.
وفي شرح السنة: القرن كل طبقة مقترنين في وقت. قيل: سمي قرناً لأنه يقرن أمة بأمة وعالماً
بعالم. وهو مصدر قرنت، أي وصلت وجعل اسماً للوقت، أو لأهله. وقيل: القرن ثمانون
سنة. وقيل: أربعون، وقيل: مائة. اهـ. والقول الأوّل هو المراد هنا. فالمعنى: بعثت من خير
الحديث رقم ٥٧٣٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٦٦/٦. حديث رقم ٣٥٥٧. وأحمد في المسند ٢/
٣٧٣.
٦٩٠١٠
٤١٩

٤٢٠
كتاب الفضائل والشمائل/ باب فضائل سيد المرسلين والفر
رواه البخاريُّ.
٥٧٤٠ - (٢) وعن واثلة بن الأسقع، قال: سمعتُ رسول الله وَ لويقول: ((إن الله
اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم،
واصطفاني من بني هاشم)). رواه مسلم.
طبقات بني آدم كائنين طبقة بعد طبقة حتى كنت من القرن الذي كنت فيه. ففيه تفضيله على
غيره من بني آدم وعلى تفضيل أمته على سائر الأمم. قال الطيبي: قوله: حتى كنت، غاية
قوله: بعثت. والمراد بالبعث تقلبه في أصلاب الآباء أباً فأباً، قرناً فقرناً، حتى ظهر في القرن
الذي وجد فيه. يعني: انتقلت أوّلاً من صلب ولد إسماعيل ثم من كنانة ثم من قريش ثم من
بني هاشم. فالفاء في قوله: قرناً فقرناً، للترتيب على سبيل الترقي من الآباء الأبعد إلى الأقرب
فالأقرب. كما في قولك خذ الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن والأجمل. وفي معناه أنشد
ابن الرومي :
كم من أب قد علا بابن ذرى شرف * كما علا برسول الله عدنان
وفي قولنا: حتى ظهر في القرن الذي وجد في نسخته، لما روى الإِمام ابن الجوزي في
كتاب الوفاء عن كعب الأحبار قال: لما أراد الله عزَّ وجلَّ أن يخلق محمداً ◌َ له أمر جبريل عليه
السلام فأتاه بالقبضة البيضاء التي هي موضع قبر رسول الله والقر، فعجنت بماء التسنيم فغمست
في أنهار الجنة وطيفها في السموات، فعرفت الملائكة محمداً بَ ل98 قبل أن يعرف آدم. ثم كان
نور محمد يرى في غرة جبهة آدم. وقيل له: يا آدم هذا سيد ولدك من المرسلين. فلما حملت
حوّاء بشيث انتقل النور من آدم إلى حوّاء، وكانت تلد في كل بطن ولدين ولدين إلا شيئاً، فإنه
ولدته وحده كرامة لمحمد ◌َّله. ثم لم يزل ينتقل من طاهر إلى طاهر إلى أن ولدته آمنة من عبد
الله بن عبد المطلب. اهـ. وقد ذكرت مجملاً من أحوال ولادته وي ليه في رسالة سميتها: بالمورد
في المولد. (رواه البخاري).
٥٧٤٠ - (وعن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله بَله يقول: إن الله اصطفى كنانة)
بكسر الكاف ابن خزيمة أبو قبيلة، كذا في القاموس. (من ولد إسماعيل) بفتح الواو واللام،
وبالضم والسكون أي من أولاده. (واصطفى قريشاً من كنانة) وهم أولاد نضر بن كنانة، كانوا
تفرقوا في البلاد فجمعهم قصي بن كلاب في مكة فسموا قريشاً لأنه قرشهم أي جمعهم.
ولكنانة ولد سوى النضر، وهم لا يسمون قريشاً لأنهم لم يقرشوا. (واصطفى من قريش بني
هاشم. واصطفاني من بني هاشم) في شرح السنة: هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد
المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر
الحديث رقم ٥٧٤٠: أخرجه مسلم ١٧٨٢/٤ حديث رقم (٢٢٧٦.١). وأخرجه الترمذي ٥٤٤/٥ حديث
رقم ٣٦٠٥. وأحمد في المسند ٤/ ١٠٧.