النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
وفي رواية: قال: كنَّا جلوساً عند رسول الله وَ ل﴿ فنظَرَ إِلى القمر ليلة البدر فقال: ((إِنكم
سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإِن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا على
صلاةٍ قبلَ طلوع الشمسِ وقبلَ غروبِها فافعلوا)». ثمَّ قرأ: ﴿وسبح بحمد ربّك قبل طلوع
المرئي(١) ولا غير ذلك، ولكن جرت العادة في رؤية بعضنا بعضاً بوجود ذلك على وجه
الاتفاق، لا على سبيل الاشتراط. وقد قرر أئمتنا المتكلمون ذلك بالدلائل الجلية. ولا يلزم من
رؤية الله تعالى إثبات جهة له تعالى عن ذلك، بل يراه المؤمنون لا في جهة كما يعلمونه لا في
جهة. قلت: وكما يرانا هو لا في جهة ولا مقابلة ولا غير ذلك. والحاصل أنه لا يقاس الغائب
بالشاهد، لا سيما الخالق بالمخلوق. ولذا قيل: لا يقاس الملوك بالحدادين. (وفي رواية) أي
عن جرير (قال: كنا جلوساً) أي جالسين (عند رسول الله وَلخير، فنظر إلى القمر ليلة البدر) قال:
الأكمل. أي البدر الكامل، وسمى ليلة أربعة عشر بدراً لمبادرته الشمس بالطلوع. (فقال: إنكم
سترون ربكم كما ترون هذا القمر) أي المحسوس المشاهد المرئي. ثم استأنف وقال، أو ذكر
على سبيل بيان الحال. (لا تضامون) بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم وهو الظلم. قال
الحافظ ابن حجر، وهو الأكثر: أي لا يظلم بعضكم ببعض بالتكذيب والإنكار. وفي نسخة
بفتح التاء وتشديد الميم من التضام بمعنى التزاحم، وفي أخرى بالضم والتشديد من المضامة
وهي المزاحمة، وهو حينئذ يحتمل كونه للفاعل والمفعول. وحاصل معنى الكل، لا تشكون.
(في رؤيته) أي في رؤية القمر ليلة البدر. قال في جامع الأصول: قد يخيل إلى بعض السامعين
أن الكاف في قوله: كما ترون. كاف التشبيه للمرئي، وإنما هو كاف التشبيه للرؤية وهو فعل
الرائي. ومعناه: ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك. كرؤيتكم القمر ليلة البدر لا ترتابون فيه
ولا تمترون. قال: ولا تضامون. روي بتخفيف الميم من الضيم الظلم. المعنى أنكم ترونه
جميعكم، لا يظلم بعضكم بعضاً في رؤيته. فيراه البعض دون البعض. وبتشديد الميم من
الانضمام بمعنى الازدحام، أي لا يزدحم بعضكم بعضاً في رؤيته، ولا يضم بعضكم إلى بعض
من ضيق. كما يجري عند رؤية الهلال مثلاً دون رؤية القمر، فإنه يراه كل منكم موسعاً عليه
منفرداً به. (فإن استطعتم أن لا تغلبوا) بصيغة المجهول، أي لا تصيروا مغلوبين (على صلاة
قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) أي ما ذكر من الاستطاعة أو عدم المغلوبية. قال
القاضي [رحمه الله]: ترتيب قوله إن استطعتم، على قوله سترون بالفاء، يدل على أن المواظب
على إقامة الصلوات والمحافظ عليها، خليق بأن يرى ربه. وقوله: لا تغلبوا، معناه لا تصيروا
مغلوبين بالاشتغال عن صلاتي الصبح والعصر. وإنما خصهما بالحث لما في الصبح من ميل
النفس إلى الاستراحة والنوم، وفي العصر من قيام الأسواق واشتغال الناس بالمعاملات. فمن
لم يلحقه فترة في الصلاتين مع مالهما من قوّة المانع، فبالحري أن لا تلحقه في غيرهما والله
[تعالى] أعلم. (ثم قرأ) أي النبي وَلّ، استشهاداً أو جرير(٢) اعتقاداً (﴿وسبح﴾) بالعطف على
ما قبله وهو قوله سبحانه: ﴿فاصبر على ما يقولون وسبح﴾. (﴿بحمد ربك قبل طلوع
(١) في المخطوطة ((الرائي)).
(٢) في المخطوطة ((جريراً)).
اجسده.

٣٢٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
الشمس وقبل غروبها ﴾. متفق عليه.
٥٦٥٦ _ (٢) وعن صهيب، عن النبي ◌َّ قال: ((إِذا دخلَ أهلُ الجنة الجنَّةَ يقول الله
تعالى: تريدون شيئاً أزيدُكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلْنا الجنةَ وتُنْجِنا من
النَّار؟)) قال: ((فيُرفعَ الحجاب، فينظرون إلى وجه الله، فما أعطوا شيئاً أحبَّ إِليهم من النظر
إِلى ربهم)) ثم تلا: ﴿للَّذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾. رواه مسلم.
٠/١١٣/٤
الشمس وقبل غروبها)﴾(١). أي وصل في هذين الوقتين. وعبر عن الكل بالجزء، وهو التسبيح
المراد به الثناء في الافتتاح المقرون بحمد الرب المشتمل عليه سورة الفاتحة. ويدل على هذا
المعنى ما بعده، وهو قوله: ﴿ومن آناء الليل﴾. أي ساعاته، وهو العشاءان ﴿فسبح وأطراف
النهار﴾، أي طرفيه وهو وسطه يعني الظهر ﴿لعلك ترضى﴾ [طه - ١٣٠] . بالفتح والضم.
أي على رجاء أن تكون راضياً أو مرضياً، أو جمعاً مثبتاً، أو المراد بالتسبيح، تنزيه الرب عن
الشريك ونحوه من صفات النقصان والزوال والحدوث والانتقال. والمراد بحمده، ثناء الكمال
بنعت الجمال ووصف الجلال. (متفق عليه). وفي الجامع(٢) رواه أحمد والشيخان والأربعة
عنه، لكن بغير قراءة الآية.
٥٦٥٦ - (وعن صهيب) مصغراً (عن النبي ◌َّر قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله
تعالى: تريدون) أي أتريدون، (شيئاً أزيدكم) أي على عطاياكم (فيقولون: ألم تبيض وجوهنا،
ألم تدخلنا الجنة وتنجنا) بتشديد الجيم ويخفف، أي [و] ألم تخلصنا. (من النار) أي من
دخولها [وخلودها] . قال الطيبي [رحمه الله]: تقرير وتعجيب من أنه كيف يمكن الزيادة على
ما أعطاهم الله تعالى من سعة فضله وكرمه. وقوله: (فيرفع الحجاب) بصيغة المجهول. ورفع
الحجاب رفع للتعجب. كأنه قيل لهم هذا هو المزيد. والله سبحانه [وتعالى] منزه عن
الحجاب، فإنه محبوب غير محجوب، إذ المحجوب مغلوب. فالمعنى: فيرفع الحجاب عن
أعين(٣) الناظرين كما يدل عليه قوله: (فينظرون إلى وجه الله) أي ذاته المنزهة عن الصورة
والجهة ونحو ذلك. (فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم. ثم تلا: ﴿الذين
أحسنوا﴾) أي العمل في الدنيا بأن أجادوه مقروناً بالإخلاص. (﴿الحسنى﴾) أي المثوبة
الحسنى، وهي الجنة. (﴿وزيادة﴾)(٤) أي النظر لوجهه الكريم، وتنكيرها للتعظيم. أي زيادة
عظيمة لا يعرف قدرها ولا يكتنه كنهها. قال الطيبي [رحمه الله]: وإذا كان مفسر التنزيل من
نزل عليه فمن تعداه فقد تعدى طوره، أقول: أراد به الزمخشري في عدوله عنه إلى التأويل،
وكذا من تبعه كالبيضاوي حيث عبر بالقيل عن هذا القول الجميل الثابت ممن نزل عليه التنزيل.
(رواه مسلم).
"١٠٠
(١) سورة طه . آية ١٣٠.
(٢) الجامع الصغير ١/ ١٥٢ حديث ٢٥٣٧.
الحديث رقم ٥٦٥٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٦٣/١ حديث رقم (١٨١.٢٩٧). والترمذي ٥٩٣/٤
حديث رقم ٢٥٥٢. وأحمد في المسند ١٥/٦.
(٣) في المخطوطة ((عين)).
(٤) سورة يونس. آية ٢٦.

٣٢٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
الفصل الثاني
٥٦٥٧ - (٣) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ أدنى أهل الجنَّةِ منزلةً لمَن
ينظر إِلى جِنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسُرره مسيرة ألفٍ سنة، وأكرمهم على الله من ينظر
إلى وجهه غدوةً وعشيّة» ثم قرأ: ﴿وجوه يومئذٍ ناضرة
(الفصل الثاني)
٥٦٥٧ _ (عن ابن عمر رضي الله [تعالى] عنهما قال: قال رسول الله صل*9: إن أدنى أهل
الجنة منزلة) أي أقلهم مرتبة (لمن ينظر إلى جنانه) بكسر الجيم أي بساتينه (وأزواجه) أي نسائه
وحوره (ونعيمه) أي ما يتنعم به (وخدمه) أي من الولدان (وسرره مسيرة ألف سنة) أي حال
كون جنانه، وما عطف عليه كائنة في مسافة ألف سنة. والمعنى، أن ملكه مقدار تلك المسافة.
قيل هو كناية عن كون الناظر يملك في الجنة ما يكون مقداره مسيرة ألف سنة، لأن الملكية في
الجنة خلاف ما في الدنيا. وفي التركيب تقديم وتأخير، إذ جعل الاسم وهو قوله: لمن ينظر.
خبراً، والخبر وهو أدنى منزلة اسماً، اعتناء بشأن المقدم لأن المطلوب بيان ثواب أهل الجنة
وسعتها، وأن أدناهم منزلة من يكون ملكه كذا. ونحوه قوله تعالى: ﴿إن خير من استأجرت
القوي الأمين ﴾ [القصص - ٢٦]. خبراً (وأكرمهم) بالنصب عطفاً على أدنى، وفي نسخة
بالرفع عطفاً على مجموع اسم إن وخبرها. أي وأكثرهم كرامة على الله وأعلاهم منزلة وأقربهم
رتبة عنده سبحانه. (من ينظر إلى وجهه) أي ذاته (غدوة) بضم الغين (وعشية) أي صباحاً
ومساءً. ولهذا وصى بالمحافظة على صلاتي طرفي النهار كما مر. أو المراد بهما أن يكون
النظر دواماً، على أن الغدوة عبارة عن النهار والعشية عبارة عن الليل مجازاً بذكر الجزء وإرادة
الكل، أو بذكر أوّل الشيء وإرادة تمامه. لكن الأول أظهر، لأنه لو كان النظر على وجه الدوام
لما انتفعوا بسائر النعيم وقد خلقت لهم، ومما يؤيده أيضاً ما رواه الحاكم عن بريدة مرفوعاً:
إن أهل الجنة يدخلون على الجبار كل يوم مرتين فيقرأ عليهم القرآن وقد جلس كل امرىء منهم
مجلسه(١) الذي هو مجلسه على منابر الدر والياقوت والزمرد والذهب والفضة بالأعمال، فلا
تقر أعينهم قط كما تقر بذلك ولم يسمعوا شيئاً أعظم منه ولا أحسن منه، ثم ينصرفون إلى
رحالهم وقرة أعينهم ناعمين إلى مثلها من الغد(٢). (ثم قرأ: ﴿وجوه يومئذ ناضرة﴾) أي ناعمة
الحديث رقم ٥٦٥٧: أخرجه أحمد في المسند ٦٤/٢ والترمذي ٥٩٣/٤ حديث ٢٥٥٣.
(١) في المخطوطة ((مجلس)).
(٢) هذا الحديث غير موجود عند الحاكم بل هو للحكيم كما نسبه الإِمام السيوطي في الجامع الصغير ١/
١٣٥ حديث ٢٢٣٤.
٠٠١
٥٢:١٤
٨.٥٠:١

٣٢٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
إِلى ربّها ناظرة ﴾. رواه أحمد، والترمذي.
٥٦٥٨ _ (٤) وعن أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله! كلُّنا يرى ربِّه مُخْلِياً
به يوم القيامة؟ قال: ((بلى)). قال: وما آيةُ ذلك في خلقه؟ قال: ((يا أبا رزين! أليس كلُكم
يَرى القمرَ ليلةَ البدرِ مُخْلِياً به؟» قال: بلى. قال: ((فإِنما هو خَلْقٌ من خَلْقِ الله، والله أجلُ
وأعظم)).
غضة حسنة. والمراد بالوجوه، الذوات أو خصت لشرفها ولظهور أثر النعمة عليها. ﴿إلى ربها
ناظرة﴾ [القيامة - ٢٢ - ٢٣] قال الطيبي [رحمه الله]: قدم صلة ناظرة إما لرعاية الفاصلة وهي
ناضرة باسرة فاقرة، وإما لأن الناظر يستغرق عند رفع الحجاب بحيث لا يلتفت إلى ما سواه.
وكيف يستبعد هذا والعارفون في الدنيا بما استغرقوا في بحار الحب بحيث لم يلتفتوا إلى
الكون. ويعضده حديث جابر في آخر الفصل الثالث: فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى
شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه. (رواه أحمد والترمذي) وكذا الطبراني. وروى هناد في
الزهد عن عبيد بن عمير مرسلاً: إن أدنى أهل الجنة منزلاً لرجل له دار من لؤلؤة واحدة منها
غرفها وأبوابها(١) .
٥٦٥٨ - (وعن أبي رزين العقيلي) مصفراً (قال: قلت: يا رسول الله أكلنا) أي أجميعنا
معاشر المؤمنين. (يرى ربه) أي يبصرونه، والإفراد في يرى باعتبار لفظ كل. (مخلياً به) بميم
مضمومة فخاء معجمة ساكنة فلام مكسورة فتحتية مخففة، أي خالياً بربه بحيث لا يزاحمه شيء
في الرؤية. (يوم القيامة) وقيل بفتح ميم وتشديد تحتية، وأصله مخلوي كذا ذكره الجزري
[رحمه الله]. واقتصر ابن الملك على الثاني. والمعنى منفرداً به. ففي النهاية يقال: خلوت به
ومعه وإليه، اختليت به إذا انفردت به، أي كلكم يراه منفرداً بنفسه. كقوله: لا تضارون في
رؤيته. (قال: بلى) أي نعم، كلنا يرى ربه. (قال:) أي أبو رزين (قلت:) وهو موجود في أكثر
النسخ المصححة، والمعنى عليه. (وما آية ذلك) أي [ما] علامة رؤية كلنا ربه بحيث لا يزاحمه
شيء، والمعنى مثل لنا ذلك(٢). (في خلقه) أي مخلوقاته نظيراً لذلك، فإن الله تعالى جعل في
الدنيا أنموذجاً لجميع ما في العقبى. (قال: يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً
به. قال: بلى). أي قلت: بلى، (قال: فإنما هو) أي القمر (خلق من خلق الله) أي ويراه كلنا
(والله أجل) أي أكمل مرتبة (وأعظم) أي أفضل منقبة [وأعلى قدرة] ، لأنه واجب الوجود فهو
أولى في نظر العقل بالشهود. قال الطيبي [رحمه الله]: قاس القائل رؤية الله تعالى على ما في
المتعارف، فإن الجم الغفير إذا رأوا شيئاً يتفاوتون في الرؤية، لا سيما شيئاً له نوع خفاء،
٥٩
(١) ذكره في الجامع الصغير ١/ ١٣٣ حديث ٢١٩٥.
الحديث رقم ٥٦٥٨: أخرجه أبو داود في السنن ٩٩/٥ حديث رقم ٤٧٣١ وابن ماجه ٦٤/١ حديث رقم
١٨٠ وأحمد في المسند ١١/٤.
(٢) فى المخطه (!"
بين ((لنا ذلك)) و((مثل)).
:

٣٢٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
رواه أبو داود.
الفصل الثالث
٥٦٥٩ - (٥) عن أبي ذرٍ، قال: سألت رسولَ الله وَ لّ: هل رأيتَ ربَّك؟ قال: ((نورٌ
أنَّى أراه)).
فيضيم بعضهم بعضاً بالازدحام. فمن راء يرى رؤية كاملة وراء دونها. فالمراد بقوله: مخلياً،
إثبات كمالها. ولذا طابق الجواب بالتشبيه بالقمر ليلة البدر لا بالهلال. (رواه أبو داود).
(الفصل الثالث)
٥٦٥٩ _ (عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله وص لته، هل رأيت ربك) أي في
ليلة المعراج (قال: نور) أي هو نور عظيم. والمراد، أنه نور الأنوار، ومنه قوله تعالى: ﴿الله
نور السموات والأرض﴾ [النور - ٣٥]. أي منورهما ومظهر أنوار ما فيهما من الشمس والقمر
والكواكب وأمثال ذلك. ومن أسمائه النور، وهو الذي ظاهر بنفسه ومظهر لغيره على ما ذكره
المحققون. (أنّى) بفتح الهمزة وتشديد النون على ما في أكثر النسخ، أي كيف. (أراه) أي
أبصره، فإن كمال النور يمنع الإدراك. وفي بعض النسخ: نوراني بتشديد الياء للنسبة الزيادة
الألف والنون للمبالغة كالرباني. وحينئذ قوله أراه، بمعنى أظنه من الرؤية بمعنى الرأي. فلو
قرىء بضم الهمزة لكان أظهر في هذا المعنى، ويمكن أن يكون بمعنى أبصره، إيماء إلى أنه ما
رآه في الدنيا وسيراه في الأخرى. أو مراده، أبصرته، والعدول إلى الاستقبال لحكاية الحال
الماضية. فكأنه يستحضره ويتلذذ به. قال ابن الملك: اختلف في رؤيته في تلك الليلة، وفي
الحديث دليل للفريقين على اختلاف الروايتين، لأنه روي بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة،
فيكون استفهاماً على [سبيل] الإنكار. وروي بكسر النون، فيكون دليلاً للمثبتين ويكون حكاية
عن الماضي بالحال انتهى. وقال الإِمام أحمد في قوله نوراني: أراه بتشديد النون، يعني على
طريق الايجاب. قال الطيبي (رحمه الله]: أراد ليس الاستفهام على معنى الإنكار المستفيد
للنفي، بل للتقرير المستلزم للإيجاب، أي نور حيث أراه. قال النووي [رحمه الله]: وفي
الرواية الأخرى رأيت نور، أنّ بفتح الهمزة وتشديد النون المفتوحة، هكذا رواه جميع الرواة في
جميع الأصول. ومعناه حجابه نور فكيف أراه. قال الإمام المازري رحمه الله: معناه أن النور
منعني من الرؤية كما جرت العادة، فإن كمال النور يمنع الإدراك. وروي نوراني منسوب إلى
النور. وما جاء من تسمية الله تعالى بالنور في مثل قوله سبحانه: ﴿الله نور السموات والأرض﴾
[النور - ٣٥]. وفي الأحاديث معناه ذو نور أو منورهما. وقيل هادى أهلهما، وقيل منور
الحديث رقم ٥٦٥٩: أخرجه مسلم ١٥٨/١ حديث (٢٨٥ . ١٧٥) والترمذي ٣٦٩/٥ حديث ٣٢٨٢.

٣٢٦
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
رواه مسلم.
/٠١٦
٥٦٦٠ - (٦) وعن ابن عبّاس: ﴿ما كذب الفؤادُ ما رأى﴾ ... ﴿ولقد رآه نزلة
أخرى﴾ قال: رآه بفؤاده مرتین.
قلوب عباده المؤمنين. قلت: ويؤيده قوله: ﴿مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾ [النور - ٣٥].
(رواه مسلم).
٥٦٦٠ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما) أي في قوله تعالى: ((ما كذب الفؤاد ما
رأى﴾(١) ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾(٢). قال:) أي ابن عباس (رآه بفؤاده مرتين) قال صاحب
المدارك(٣): أي ما كذب فؤاد محمد ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه [الصلاة] والسلام،
أي ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذباً لأنه عرفه، يعني أنه رآه بعينه
وعرفه بقلبه، ولم يشك في أن ما رآه حق. وقيل: المرئي هو الله سبحانه، رآه بعين رأسه.
وقيل: بقلبه. وفي شرح مسلم للنووي، قال ابن مسعود: رأى رسول الله وَ ل# جبريل. وهذا
الذي قال هو مذهبه في هذه الآية. وذهب الجمهور من المفسرين إلى أن المراد أنه رأى ربه
سبحانه، ثم اختلفوا. فذهب جماعة إلى أنه و ﴿ رأى ربه بفؤاده دون عينه، وذهب جماعة إلى
أنه رآه بعينه. قال الإِمام أبو الحسن الواحدي: قال المفسرون [رحمهم الله]: هذا إخبار عن
رؤية النبي ◌َّه ربه عزَّ وجلَّ ليلة المعراج. قال ابن عباس وأبو ذر وإبراهيم التيمي: رآه بقلبه.
وعلى هذا، رأى بقلبه ربه رؤية صحيحة، وهو أن الله تعالى جعل بصره في فؤاده، أو خلق
لفؤاده بصراً حتى رأى ربه رؤية صحيحة كما يرى بالعين. قلت: وهذا قول حسن ووجه
مستحسن يمكن به الجمع بين متفرقات الأقوال والله [تعالى] أعلم بالحال. ثم قال الواحدي:
ومذهب جماعة من المفسرين أنه رأى بعينه، وهو قول أنس وعكرمة والربيع. قال المبرد: إن
الفؤاد رأى شيئاً فصدق فيه. وما رأى في موضع النصب، أي ما كذب الفؤاد مرئيه. وقال
القاضي عياض [رحمه الله]: اختلف السلف والخلف، هل رأى نبينا وَّيو ربه ليلة الإسراء،
فأنكرته عائشة، وهو المشهور عن ابن مسعود. وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين.
وروى ابن عباس أنه رأى بعينه، ومثله عن أبي ذر وكعب والحسن كان يحلف على ذلك،
وحكي مثله عن ابن مسعود وأبي هريرة وأحمد بن حنبل. وحكى أصحاب المقالات عن أبي
الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه [رضي الله تعالى عنهم] أنه رآه. ووقف بعض مشايخنا
وقال [ليس] عليه دليل واضح، ولكنه جائز، ورؤية الله تعالى في الدنيا جائزة. واختلفوا أن
نبينا ، هل كلم ربه سبحانه وتعالى ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا. فحكي عن الأشعري
٨٠
الحدیث رقم ٥٦٦٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ١٦١ حديث رقم (١٧٨.٢٩١) والترمذي ٣٦٨/٥
حديث رقم ٣٢٧٩.
(١) سورة النجم. آية رقم ١١.
(٢) سورة النجم. آية رقم ١٣.
(٣) ((مدارك التنزيل وحقائق التأويل)) للإمام حافظ الدين عبد الله بن عمر النسفي ت ٧٠١.
.٠١٠

٣٢٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
رواه مسلم.
iw. L
وفي رواية الترمذي قال: رأى محمد ربّه. قال عكرمة: قلتُ: أليس الله يقول: ﴿لا
تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ﴾؟ قال: ويحك! ذاك إذا تجلَّ بنوره الذي هو نوره،
وقوم من المتكلمين أنه كلمه، وعزاه بعضهم إلى جعفر بن محمد وابن مسعود وابن عباس.
وكذلك اختلفوا في قوله تعالى: ﴿ثم دنا فتدلى﴾ [النجم - ٨] . فالأكثرون على أن هذا الدنو
والتدلي منقسم ما بين جبريل والنبي عليهما الصلاة والسلام. وعن ابن عباس والحسن ومحمد
بن كعب وجعفر بن محمد وغيرهم [رضي الله تعالى عنهم] ، أنه دنو من النبي ◌َّ# إلى ربه
[تعالى]، أو من الله [تعالى] له عليه الصلاة والسلام، والدنو والتدلي على هذا متأوّل ليس
على وجه. قال جعفر بن محمد وغيره: الدنو من الله لا حد له، ومن العباد بالحدود. فدنوه
عليه الصلاة والسلام من ربه عزَّ وجلَّ قربه منه وظهور عظيم منزلته لديه وإشراق أنوار معرفته
عليه، واطلاعه على أسرار ملكوته وغيبه بما لم يطلع عليه سواه. والدنو من الله إظهار ذلك له
وإيصال عظيم بره وفضله إليه؛ وقاب قوسين أو أدنى على هذا عبارة عن لطف المحل وإيضاح
المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا واهر. ومن الله إجابة الرغبة وإنابة الرتبة. ونحوه وال
حكاية عن ربه: ((من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً)(١). هذا آخر كلام القاضي عياض
[رحمه الله]. وقد أوردت بعض الفوائد من هذه الرياض في رسالتي المدراج للمعراج. (رواه
مسلم).
(وفي رواية الترمذي قال:) أي ابن عباس (رأى محمد ربه) أي بفؤاده لئلا يخالف رواية
مسلم. وقيل: أي بعينه. وهو الظاهر من الإطلاق الملائم لما بعده من السؤال. وإلا فرؤية
الفؤاد غير منكرة بالإجماع أهل الكمال، ولا يعتري عليها اعتراض نقلاً ولا عقلاً في كل حال.
(قال عكرمة: قلت: أليس الله يقول: ﴿لا تدركه الأبصار [وهو يدرك الأبصار]﴾ (٢) قال:) أي
ابن عباس (ويحك) كلمة تقال عند الشفقة وحال خوف المزلقة. (ذاك) أي الإدراك الكلي (إذا
تجلى بنوره) أي الخالص (الذي هو نوره) أي الذاتي. وهذا الجواب بظاهره أنه أراد الرؤية
بالفؤاد. وفهم عكرمة خلاف ذلك فرد عليه بأن رؤيته بالعين إنما هي في الآخرة بالتجلي
الخاص الكامل العام لكل مؤمن، لكن على قدر مراتبهم في المعرفة. وعدلاً كلاهما عن
المعنى المشهور في الإدراك، وهو الإحاطة المنفية بالإجماع لقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون به
علماً﴾ [طه - ١١٠] . وقال الطيبي: قوله ذاك إذا تجلى بنوره. يعني دلت الآية على أنه تعالى
لا يحيط به وبحقيقة ذاته حاسة الأبصار، وهذا إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، وظهر بصفة
الجلال. وأما إذا تجلى بما يسعه نطاق البشرية من صفات الجمال فلا استبعاد اذن انتهى. وقال
صاحب الخلاصة: فهم عكرمة من قول ابن عباس: رآه بفؤاده أنه رآه بعينه لكن بمساعدة
i
i
(١) البخاري ٥١١/١٣ حديث رقم ٧٥٣٦. ومسلم ٤/ ٢٠٦١ حديث ٢٦٧٥.
(٢) سورة الأنعام. آية رقم ١٠٣.
FFIL

:١٠
٣٢٨
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب رؤية الله تعالى
ويب.
:١٠
فؤاده، فلذلك تمسك بالآية. ولو كان المراد أنه كانت الرؤية بالفؤاد جلية كالرؤية البصرية، لم
يتجه السؤال بالآية، إلا أن تحمل الآية على أن المراد نفي الإدراك الذي يكون كالإدراك
البصري في الجلاء. وإنما خص ذكر البصر لأنه محل الإدراك بحسب العادة. والظاهر أن
سؤال عكرمة كان على قول ابن عباس: رأى محمد ربه كما هو. رواية الترمذي لا على قوله:
رآه بفؤاده. كما هو رواية مسلم. وحينئذ لا اشكال في الاستدلال بالآية الكريمة. ومعنى
جواب ابن عباس، أنه إذا تجلى بنوره على ما هو عليه اضمحل الإدراك، وأما إذا كان تجلى
على قدر ما يفي بإدراكه القوة البشرية فإنه يدرك على ذلك الوجه. ثم قوله: (وقد رأى ربه
مرتين) يحتمل أنه رآه بفؤاده مرتين، وهو الظاهر الموافق لما في صحيح مسلم. أو مرة بفؤاده
ومرة بعينه. إذ لم يقل أحد أنه رآه بعينه مرتين. والحاصل أنه ليس في كلام ابن عباس صريح
دلالة على أن مراده رؤية ربه بعين البصر. وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية. فقال
الحجج في هذه المسألة وإن كانت كثيرة، لكنا لا نتمسك إلا بالأقوى. منها حديث ابن
عباس: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم [عليه الصلاة والسلام] والكلام لموسى [عليه الصلاة
والسلام] والرؤية لمحمد عليه الصلاة والسلام(١). قلت: ليس في كلامه نص، على أن المراد
به الرؤية البصرية لاحتمال أن يكون رؤية البصيرة من خصائصه أيضاً. مع أن ظاهر هذا الكلام
أن لا يكون لنبينا وَل وصف الخلة ونعت الكلام، مع أنهما ثابتان له عليه الصلاة والسلام على
ما ذكره العلماء الأعلام. ثم قال: والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع
إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة. هل رأى محمد صلوات الله عليه
وسلامه ربه فأخبره أنه رآه. قلت: يحتمل أن يكون سؤال ابن عمر [رضي الله تعالى عنهما].
وكذا سؤال عكرمة ناشئاً عن تفسير قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم - ١٣]. هل
الضمير راجع إلى جبريل أو إلى الله سبحانه. فأخبره أنه رآه أي بفؤاده كما يدل عليه ما رواه
مسلم في صحيحه. قال: ولا يقدح في هذا حديث عائشة (رضي الله عنها] لأنها لم تخبر أنها
سمعت من النبي ◌َّه يقول: لم أر ربي(٢). قلت: وكذا ابن عباس، لم يخبر أنه سمع النبي وَل
يقول: ما رأيت ربي مطلقاً. فضلاً عن أن يكون مقيداً بعين البصر قال: وإنما ذكرت ما ذكرت
متأولة لقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله﴾ [الشورى - ٥١] الآية. ولقوله: ﴿لا تدركه
الأبصار﴾ [الأنعام - ١٠٣]. قلت: هاتان الآيتان سندان لمنعها، على أن ابن عباس أيضاً
متأول كما لا يخفى على متأمل. قال: وإذا صحت الروايات عن ابن عباس [رضي الله عنهما]
في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها، فإنها ليست مما يدرك بالعقل ويؤخذ بالظن، وإنما
يتلقى بالسماع. ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن
والاجتهاد. قلت: الرؤية ببصر العين غير مصرحة عنه، وعلى تقدير [الآية] التسليم، فلا شك
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٦٩.
(٢) وهو الحديث رقم ٥٦٦١.

برجاء
٣٢٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
أنه نشأ من باب اجتهاده وأخذه من إطلاق الآية. قال: وقد قال معمر بن راشد حين ذكر
اختلاف عائشة وابن عباس، عائشة ما عندنا بأعلم من ابن عباس. قلت: هذا مع ما فيه من
المناقشة لا يفيد فائدة تامة، مع أنها ليست منفردة في هذا الباب، بل يوافقها ابن مسعود وغيره
من الأصحاب. ثم على تقدير التعارض وتساقط التناقض، يثبت كلامها ويتحقق مرامها. قال:
ثم إن ابن عباس أثبت شيئاً نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي. قلت: هذا إذا كان الإثبات
مستنداً إلى حسن، وإلا فمن آداب البحث أن كلام المانع معتبر، لا سيما مع سند المنع، حتى
يأتي الخصم ببرهان جلي. إذ الأصل هو العدم. فالوجود يحتاج إلى تحقق بدليل قطعي من
النقل أو العقل، هذا آخر كلام صاحب التحرير وما يترتب عليه من التقرير. فقال الإمام
النووي: الحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله وَ ال# رأى ربه بعيني رأسه ليلة
الإسراء وإثبات هذا ليس إلا بالسماع من رسول الله صل#، وهذا مما لا (١) ينبغي أن يشك فيه.
قلت: ولا ينبغي أن يجزم به أيضاً [لعدم] ثبوت السماع أصلاً، فضلاً عن أن لا يكون طريقه
قطعاً وفصلاً، وإلا لما وقع فيه خلاف للأقل أو الأكثر فتأمل وتدبر. قال: ثم إن عائشة لم
تنف الرؤية بحديث، ولو كان معها حديث لذكرته. قلت: وكذا ابن عباس لم يثبت الرؤية
بحديث ولو كان معه حديث لذكره، وإنما أخذه من إطلاق الآية المتقدمة لو ثبت النقل صريحاً
عنه من إثبات الرؤية بعين البصر. وقد علم أيضاً مما سبق أن عائشة مانعة للرؤية المذكورة وما
ذكرته من الأدلة فإنما هي سند منعها للتقوية وليست مستدلة، حتى يقال في حقها ما قال، وإنما
اعتمدت على الاستنباط من الآيات. أما احتجاجها بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام
- ١٣٠] . فجوابه أن الإدراك هو الإحاطة والله تعالى لا يحاط [به]، فإذا ورد النص بنفي
الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة. قلت: سبق سؤال عكرمة مطابقاً لما فهمت عائشة
من الآية، وكذا تقرير ابن عباس هذا المعنى. وجوابه على غير هذا المبنى وإن كان هذا جواباً
حسناً في نفس الأمر كما لا يخفى. قال: ولقوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله ﴾
[الشورى - ٥١] الآية. فجوابه أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز وجود
الرؤية من غير كلام. قلت: الظاهر أن هذا المعنى أخذ من سياق قوله تعالى: ﴿فكان قاب
قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم - ٩ و١٠] . حيث استدل الخصم به على
الجمع بين كمال القرب، والوحي الخاص المراد به الكلام من غير واسطة، فدفعته بقوله
تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً﴾ أي [بالإلقاء بالقلب] ﴿أو من وراء حجاب﴾
[الشورى - ٥١] . أي أو تكليماً ظاهراً أيدركه سمع القلب، لكن من وراء الحجاب والله
[تعالى] أعلم بالصواب. وفي التفسير الكبير(٢) اعلم أن النصوص وردت أن محمداً وَ لفي رأى
ربه بفؤاده وجعل بصره في فؤاده، أو رآه ببصره وجعل فؤاده في بصره، وكيف لا ومذهب أهل
(١) في المخطوطة ((كان)).
(٢) ((التفسير الكبير)) ويعرف أيضاً بـ ((مفاتيح الغيب)) للإمام فخر الدين الرازي ت (٦٠٦).

٣٣٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
وقد رأی ربّه مرتین.
٥٦٦١ - (٧) وعن الشعبي، قال: لقيَ ابنُ عبّاسٍ كعباً بعرفة، فسأله عن شيءٍ، فكبّر
حتى جاوبته الجبال.
١٠٣٢/١
٠١١/١٠٠
السنة الرؤية بالإراءة لا بقدرة العبد، فإذا حصل العلم بالشيء من طريق البصر كان رؤية
بالإراءة، وإن حصل من طريق القلب كان معرفة والله تعالى قادر على أن يحصل العلم بخلق
مدرك للعلوم في البصر، كما قدر أن يحصله بخلق مدرك للعلوم في القلب. والمسألة مختلف
فيها بين الصحابة، واختلاف الوقوع مما ينبىء عن الاتفاق على الجواز انتهى. وهو غاية
التحقيق ونهاية التدقيق والله ولي التوفيق. وقال صاحب التعرف(١) وأجمعوا على أنه لا يرى في
الدنيا بالأبصار ولا بالقلب إلا من جهة الإيقان لأنه غاية الإكرام(٢) وأفضل النعم، ولا يجوز أن
يكون ذلك إلا في أفضل المكان. وأحرى أن الدنيا دار فناء ولا يجوز أن يرى الباقي في الدار
الفانية، ولو رأوه في الدنيا لكان الإيمان به ضرورة. وبالجملة إن الله تعالى أخبر أنها تكون في
الآخرة ولم يخبر أنها تكون في الدنيا فوجب الانتهاء إلى ما أخبر الله تعالى به. واختلفوا في
النبي ◌ّ ل هل رأى ربه ليلة الإسراء (٣)، فقال الجمهور منهم أنه لم يره محمد رّقي ببصره،
واحتجوا بخبر عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: من زعم أن محمداً عليه الصلاة والسلام
رأى ربه فقد كذب(٤). منهم الجنيد والثوري وأبو سعيد الخراز. وقال بعضهم: رآه وأنه (٥)
خص بين الخلائق(٦) بالرؤية، واحتجوا بخبر ابن عباس وأسماء وأنس. منهم أبو عبد الله
القرشي وبعض المتأخرين. وقال بعضهم: رآه بقلبه ولم يره ببصره، واستدل بقوله تعالى: ﴿ما
كذب الفؤاد ما رأى ﴾ [النجم - ١١] . هذا وزعم بعض الناس أن قوماً من الصوفية ادعوا
الرؤية لأنفسهم، فقد أطبق المشايخ على تضليل من قال ذلك وصنفوا في ذلك كتباً، منهم أبو
سعيد الخراز له في إنكار ذلك كتاب ورسائل، وكذا للجنيد في تكذيب من ادعاه رسائل وكلام
كثير. وأجمعوا على أن من ادعى ذلك لم يعرف الله سبحانه.
٥٦٦١ - (وعن الشعبي) بفتح فسكون تابعي جليل (قال: لقي ابن عباس كعباً بعرفة
فسأله) أي كعباً (عن شيء، فكبر) أي كعب (حتى جاويته الجبال) قال الطيبي [رحمه الله]:
أي كبر تكبيرة مرتفعاً بها صوته حتى جاوبته الجبال صداً، كأنه استعظم ما سأل عنه فكبر
لذلك. ولعل ذلك السؤال رؤية الله تعالى، كما سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها. فقف لذلك
(١) ((التعرف لمذهب التصوف)) للشيخ أبي بكر محمد بن إبراهيم البخاري الكلابادي ت (٣٨٠).
(٣) في المخطوطة ((المسري)).
(٢) في المخطوطة ((الكرامة)).
(٤) وفي الحديث الصحيح ((من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)) مسلم ١٥٩/١ حديث
١٧٧.
(٥) في المخطوطة ((وإنها)).
(٦) في المخطوطة ((الخلاف)).
الحديث رقم ٥٦٦١: أخرجه البخاري ٤٧٢/٨ حديث رقم ٤٨٥٥ والترمذي ٣١٧/٥ حديث رقم ٣٢٧٨.

٣٣١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
فقال ابن عباس: إِنا بنو هاشم. فقال كعب: إِنَّ الله قسم رؤيته وكلامه بين محمَّدٍ وموسى،
فكلّم موسى مرّتين، ورآه محمَّد مرَّتين، قال مسروقٌ: فدخلت على عائشة، فقلت: هل
رأى محمَّدْ ربَّه؟ فقالت: لقد تكلمت بشيءٍ قَفَّ له شعري، قلت: رويداً، ثمَّ قرأَتُ ﴿لقد
فقالت: أين تذهب بك؟
رأى من آيات ربّه الكبرى ﴾
.شعرها. قلت: الظاهر كلام كعب الآتي من إثباته الرؤية في الجملة، يأبى عن هذا المعنى وأن
يكون نحو ما صدر من عائشة [رضي الله تعالى عنها] في المبنى. فالوجه أن يحمل التكبير
على تعظيم ذلك المقام والتشوق إلى ذلك المرام، لكنه لم يرد عليه جواب الكلام. (فقال [ابن
عباس] : أنا بنو هاشم) أي فيجب تعظيمنا وتكليمنا وتفهيمنا (فقال كعب: إن الله قسم رؤيته
وكلامه بين محمد وموسى) عليهما الصلاة والسلام. وقال الطيبي [رحمه الله] : وأما قوله:
[إنا] بنو هاشم: فبعث له على التسكين من ذلك الغيظ والتفكر في الجواب. يعني نحن أهل
علم ومعرفة فلا نسأل عما يستبعد هذا الاستبعاد، ولذلك فكر فأجاب بقوله: إن الله إلى آخره.
أقول هذا لا يخلو عن بعد، إذ لا دلالة في الحديث على ثبوت غيظ له ولا على تحقق فكر
فيه، مع أن تيقن هذه المسألة لا يتحقق بفكر ساعة، مع اعتقاده مدة مديدة على خلافها.
(فكلم) أي الله [تعالى] (موسى مرتين) أي في [الميقاتين] (ورآه محمد) وَ لاغير، أي في المعراج
(مرتين) كما يدل عليه قوله سبحانه: ولقد ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ [النجم - ١٣]. فهذا يدل
على أن مذهب كعب على أن الضمير في رآه إلى الله تعالى لا إلى جبريل، بخلاف قول
عائشة، لكن لا دلالة فيه على أنه برؤية البصيرة أو البصر. على أن قوله تعالى: ﴿ما كذب
الفؤاد ما رأى﴾ [النجم - ١١] . يؤيد المعنى الأول، ولذا صح عن ابن عباس أنه رآه بفؤاده
مرتين على ما تقدم والله [تعالى] أعلم. (قال مسروق: فدخلت على عائشة) [رضي الله تعالى
عنها] ، ظاهره أنه كان حاضراً في مجلس كعب وابن عباس [رضي الله تعالى عنهما] ، وسمع
ما [جرى] بينهما. (فقلت: هل رأى محمد ربه) أي بالعين أو بالفؤاد (فقالت:) استعظاماً لهذا
السؤال (لقد تكلمت بشيء) وفي نسخة: كلمت. لكنه ليس بشيء لأنه يحتاج إلى القول بزيادة
الباء في بشيء. (قف) بفتح القاف وتشديد الفاء، أي قام من الفزع (له) أي لذلك الشيء [من
الكلام] . (شعري) أي شعر بدني جميعاً، وهذا لما حصل عندها من عظمة الله وهيبته واعتقدته
من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك. (قلت: رويداً) أي ارفقي وامهلي، والمقصود تسكينها
والملاءمة في تلبينها حتى يقدر على السؤال والجواب معها. (ثم قرأت: ﴿لقد رأى من آيات
ربه الكبرى ﴾(١)) ظاهر هذه الآية لا يناسب مدعي مسروق، بل قال بعض المفسر[ين] أنها
المعينة لما رأى فيما سبق من قوله: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾. فهو نقيض مطلوبه، ولذا قال
الطيبي [رحمه الله]: أي قرأت الآيات التي خاتمتها هذه الآية كما تشهد له الرواية الأخرى،
أعني قوله: قلت لعائشة: فأين قوله: ثم دنا. أقول مع بعده ليس في الرواية الأخرى لفظ
رأى، فالأظهر أنه أراد بالكبرى الآية العظمى على عظمة شأنه تعالى، أو على تعظيم
(١) سورة النجم. آية رقم ١٨.
LA. ! W . ym. . .

٣٣٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
إِنما هو جبريل. من أخبرك أن محمَّداً رأى ربَّه أو كتم شيئاً ممَّا أُمر به، أو يعلم الخَمْس
التي قال الله تعالى: ﴿إن الله عنده علم السَّاعة وينزل الغيث ﴾ فقد أعظم الفرية، ولكنه رأى
جبريل، لم يره في صورته إِلا مرّتين: مرَّة عند سدرة المنتهى، ومرَّة في أجياد، له ستُمائةٍ
جناحٍ، قد سدَّ الأَفْقَ)). رواه الترمذي.
ورواه الشيخان معَ زيادةٍ واختلافٍ، وفي روايتهما: قال: قلت لعائشة: فأين قولُه
﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ﴾؟ قالت: ذاك جبريل عليه السلام،
جنابه *، وقصد بها الرؤية البصرية أو الفؤادية (فقالت: أين تذهب بك) أي الآية يعني
فهمها. قال الطيبي [رحمه الله]: أي أخطأت فيما فهمت من معنى الآية وذهبت إليه، فإسناد
الإذهاب إلى الآية مجازاً انتهى، أي أين تذهب بك الآية الكبرى. (إنما هو) أي الآية الكبرى
(جبريل) فذكر الضمير باعتبار الخبر، ومما يدل على أنه الآية الكبرى ما سيأتي عنها، أن له
ستمائة جناح قد سد الأفق، ويؤيده أيضاً قولها: (من أخبرك أن محمداً رأى ربه) وظاهره أنها
تنفي رؤيته تعالى مطلقاً غير مقيد بالفؤاد أو بالبصر (أو كتم شيئاً مما أمر به) أي بإظهاره كما
يدل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت
رسالته﴾ [المائدة - ٦٧]. وهو يعم الكتمان عن الجميع أو عن البعض، فيرد الاعتقاد
الفاسد للشيعة في اختصاص أهل البيت ببعض الأحكام الشنيعة، وفيه إيماء إلى أنه لو تحقق
له رؤية الله تعالى بنوع من الأنواع لبينه وأظهره للحاجة في تفسير الآية إليه. وقد قال تعالى:
﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل - ٤٤]. (أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى: ((إن الله
عنده علم الساعة وينزل الغيث)(١) أي إلى آخر مفاتيح الغيب. ولعلها أرادت بإيراد هذه الآية
المبالغة في نفي الرؤية، وأنها بمنزلتها في الفرية. ولهذا قالت في جزاء الكل من الشرطيات.
(فقد أعظم الفرية) بكسر الفاء أي الكذب الذي هو بلا مرية (ولكنه رأى جبريل) أي في
صورته الأصلية. (لم يره في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في أجياد) بفتح
همزة وسكون جيم، موضع معروف بأسفل مكة من شعابها. (له ستمائة جناح قد سد الأفق.
رواه الترمذي ورواه الشيخان مع زيادة واختلاف) أقول فكان الأولى إيراد روايتهما، فهو
تعريض من صاحب المشكاة للاعتراض على صاحب المصابيح. (وفي روايتهما. قال:) أي
مسروق (قلت لعائشة: فأين قوله: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾)(٢) يعني فإن
الظاهر المتبادر أن ضمير دنا إلى الله، وضمير فتدلى إلى النبي و # أو بالعكس كما سبق،
وكذا ضمير فكان إلى أحدهما. وقد قال بعده: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد
ما رأى) [النجم - ١٠ و١١]. وبما قررنا يتم استشكال مسروق. (قالت: ذاك) أي مرجع
الضمير في الكل (جبريل عليه [الصلاة] والسلام) أي لا الرب سبحانه في هذا المقام، ثم
استأنف لبيان دفع ما عسى أن يقال إنه * كان يرى جبريل عليه [الصلاة] والسلام دائماً،
(١) سورة لقمان. آية رقم ٣٤.
(٢) سورة النجم. آيات رقم ٨ و٩.

/١١٠٠
٣٣٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
كان يأتيه في صُورةِ الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدَّ الأفق.
٥٦٦٢ - (٨) وعن ابن مسعود في قوله: ﴿فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ وفي قوله:
﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ وفي قوله: ﴿رأى من آيات ربّه الكبرى﴾ قال فيها كلِها: رأى
جبريل عليه السلام، له ستُمائة جناحٍ. متفق عليه.
وفي رواية الترمذي قال: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى ﴾
فما وجه تخصيص ذكر رؤيته في هذا المقام فقالت: (كان) أي جبريل (يأتيه في صورة
الرجل) أي متشكلاً بشكله وغالباً بصورة دحية (وإنه أتاه هذه المرة) أي في أجياد (في صورته
التي هي صورته) أي الأصلية (فسد الأفق) أي على نحو ما رآه ليلة المعراج في صورته
الأصلية على وجه التحقيق، هذا وكأن ابن عباس أخذ بقول كعب واختاره أنه رآه مرتين،
على احتمال أن الرؤية بعين البصر أو البصيرة أو إحداهما [بهذه] والأخرى بأخرى. مع
الاتفاق على أنه لم يره بعينه مرتين والله [تعالى] أعلم. وأما نفي عائشة فيحتمل أن يحمل
على الإطلاق، أو يقيد بنفي البصر وجواز رؤيته بالفؤاد. والظاهر هو الأول فتدبر وتأمل.
قال الحافظ ابن حجر [رحمه الله]: الجمع بين اثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها
على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب لا مجرد العلم، لأنه ◌َ﴿ كان عالماً به تعالى على
الدوام، وأن الرؤية التي حصلت له خلقت له في قلبه كما تخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية
لا يشترط لها شيء مخصوص عقلاً ولو جرت العادة بخلقها في العين.
٥٦٦٢ - (وعن ابن مسعود (١) في قوله تعالى: ﴿فكان﴾) أي القرب المعنوي [من
العبد والرب، أو الصوري، أو بين جبريل والنبي عليهما الصلاة والسلام. (﴿قاب
قوسين﴾) أي قدرهما] وهو كناية عن كمال قربهما. ((أو أدنى﴾) أي بل أقرب وهو ما
بين العينين. وقد قال [تعالى] في مقام المزيد لحال المريد: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل
الوريد﴾ [ق - ١٦]. (وفي قوله: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾) أي ولم يذكر ما بينهما من
قوله تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ لعدم تعلقه بالمبنى، وإن اختلف في مرجع
ضمير أوحى في المعنى. (وفي قوله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾. قال:) أي ابن
مسعود (فيها) أي في هذه الآيات (كلها رأى) أي النبي وَّر (جبريل عليه [الصلاة] والسلام
له ستمائة جناح) يعني الضمائر كلها راجعة إلى جبريل. وهذا التأويل مطابق وموافق لما
فهمت عائشة من الآيات كما سبق التنبيه عليه. وقد قال بعض علمائنا: إن ابن مسعود
أعلم الصحابة بعد الخلفاء الأربعة (متفق عليه).
(وفي رواية الترمذي قال:) [أي] ابن مسعود في قوله تعالى: ((ما كذب الفؤاد ما رأى)
الحديث رقم ٥٦٦٢: أخرجه البخاري ٤٧٦/٨ حديث رقم ٤٨٥٦. وأخرجه مسلم ١٥٨/١ حديث رقم
١٧٤/٢٨١. والترمذي ٣١٩/٥ حديث ٣٢٨٣.
(١) في المخطوطة قال عن ابن عباس والصواب عن ابن مسعود كما في المشكاة.
446:

٣٣٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
قال: رأى رسول الله وَ ل﴿ جبريل في حلّة من رفرف، قد ملأ ما بين السماء والأرض.
وله، وللبخاري في قوله: ﴿لقد رأى من آيات ربّه الكبرى﴾ قال: رأى رفرفاً
أخضر، سدَّ أفق السَّماء.
٥٦٦٣ _ (٩) وسُئل مالك بن أنس عن قوله تعالى ﴿إِلى ربّها ناظرة﴾ فقيل: قومٌ
يقولون: إِلى ثوابه. فقال مالك: كذَبوا، فأين هم عن قولِه تعالى: ﴿كلاَّ إِنهم عن ربّهم
يومئذٍ لمحجوبونَ ﴾؟
:٥٣,٩ ٠
قال) أعاده تأكيداً (رأى النبي) وفي نسخة صحيحة: رسول الله وَلفر (جبريل في حلة من رفرف)
ففي النهاية أي بساط، وقيل فراش، ومنهم من يجعل الرفرف جمعاً واحده رفرفة، وجمع
الرفرف رفارف. قلت: الأقرب أن يكون المراد منه ثياب خضر، ويؤيده ما سيأتي ويقويه قوله
تعالى: ﴿متكئين على رفرف خضر﴾ [الرحمن - ٧٦]. وقيل: يحتمل أن يكون المراد منه
بسط أجنحته فصارت شبه الرفرف. قال السيوطي في مختصر النهاية: رفرف الطائر بجناحيه
بسطهما ما عند السقوط على شيء تحوم عليه لتقع فوقه. وفي القاموس: رف الطائر بسط
جناحيه كرفرف، والثلاثي مستعمل. والرف شبه الطاق، كالرفرف جمعه رفوف والثوب الناعم،
والرفوف ثياب يتخذ منها المجالس وتبسط. والرقيق من ثياب الديباج [(قد ملأ ما بين السماء
والأرض] وله) أي للترمذي (وللبخاري) أي أيضاً، وقدم الترمذي لتقدم مرجعه. (في قوله:)
متعلق بقال الآتي، (﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾. قال:) أي ابن مسعود (رأى رفرفاً) أي
إذا رفرف. (أخضر سد أفق السماء) وهو جبريل كما سبق عنه أيضاً، وهو المطابق لما قررنا.
وفي تحرير الكلام لما قدرناه والله سبحانه [وتعالى] أعلم.
٥٦٦٣- (وسئل مالك بن أنس) وهو صاحب المذهب (عن قوله تعالى: ﴿إلى ربها
ناظرة﴾(١). فقيل: قوم) أي المعتزلة وأشباههم من أهل البدع(٢) (يقولون) أي في معنى الآية
(إلى ثوابه) أي ناظرة إلى ثواب ربها، كما قال بعضهم إلى مفرد الآلاء بمعنى النعماء، وأريد
هنا الجنس أي منتظرة نعمة ربها. (فقال مالك: كذبوا) أي على الله تعالى في معنى قوله (فأين
هم عن قوله تعالى: ﴿كلا﴾) أي حقاً (﴿إنهم﴾) أي الكفار (﴿عن ربهم﴾) قدم عن متعلقه
للاهتمام أو للتعظيم أو للاختصاص، أو لمراعاة الفاصلة. (﴿يومئذ﴾) أي يوم القيامة، أو وقت
الجزاء. (﴿المحجوبون﴾)(٣) أي لا يرون الله سبحانه. والحجاب أشد العذاب، كما أن الرؤية
زيادة على كل مثوبة حيث قال [تعالى]: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ [يونس - ٢٦].
والمعنى فأين ذلك القوم حيث وقعوا في بعد وغفلة عن مفهوم هذا القول، وهو أن المؤمنين
غير محجوبين، بل يكونون إلى مقام النظر مطلوبين، ويصيرون من كمالهم من مرتبة الحب
الحديث رقم ٥٦٦٣: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٣٩/١٥.
(١) سورة القيامة . آية رقم ٢٣.
(٣) سورة المطففين. آية ١٥.
(٢) في المخطوطة ((البدعة)).
٥٠٠جم
٦٫٣٠٢٠

٣٣٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب رؤية الله تعالى
قال مالك: الناسُ ينظرونَ إِلى اللَّهِ يومَ القيامةِ بأعينهم، وقال: لو لم يرَ المؤمنونَ ربَّهم يومَ
القيامةِ لم يعيّرِ اللَّهُ الكفّارَ بالحجابِ فقال: ﴿كلاَّ إِنهم عنْ ربِّهم يومئذٍ لمحجوبونَ﴾. رواه
في ((شرح السنة)).
٥٦٦٤ - (١٠) وعن جابرٍ، عن النبيِّ وَّهِ: ((بيْنا أهلُ الجنَّةِ في نعيمِهم، إِذ سطَعَ
نورٌ، فرفعوا رؤوسَهم، فإِذا الربُّ قد أشرفَ عليهم من فوقِهم، فقال: السَّلامُ عليكم يا أهلَ
الجنَّةِ! قال: وذلكَ قولُه تعالى: ﴿سلامٌ قولاً من ربّ رحيم﴾. قال: فينظرَ إِليهم وينظرونَ
إِليه، فلا يلتفتونَ إِلى شيءٍ منَ النعيمِ ما داموا ينظرونَ إِليهِ، حتى يحتجبَ عنهم
محبوبين. (قال مالك: الناس) أي المؤمنون، فإن في الحقيقة هم الناس وسائر الناس
كالنسناس. (ينظرون إلى الله يوم القيامة بأعينهم) وقد سبق بيان ما يدل على ذلك. وقيل:
الناس كلهم يرون الله ثم الكفار يصيرون محجوبين لزيادة الحسرة عليهم، وقد مر الكلام عليه.
وعلى كل فالرؤية للمؤمنين حاصلة بلا شبهة. (وقال مالك: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم
القيامة، لم يعير الله الكفار بالحجاب فقال: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. رواه)
أي البغوي (في شرح السنة) أي بإسناده.
٥٦٦٤ - (وعن جابر عن النبي وَله: بينا) وفي نسخة بينما. (أهل الجنة في نعيمهم) أي
واقعين في لذاتهم مشتغلين بشهواتهم (إذ سطع) أي سنح ولمع (لهم نور) أي عظيم (فرفعوا
رؤوسهم. فإذا الرب قد أشرف) أي تجلى تجلي العظمة والكبرياء والبهاء والعلاء. (عليهم من
فوقهم) أي مبتدئاً منه آخذاً من جميع جهاتهم (فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة) ولعل المراد
بهم جماعة، قيل في حقهم إن أكثر أهل الجنة البله حيث قنعوا باللذات عن رؤية الذات،
وعليون لأولي الألباب لاعتلاء همتهم [وارتفاع نهمتهم] عن النظر إلى غير رب الأرباب.
ويؤيده ما رواه الدارقطني في الأفراد والديلمي في مسند الفردوس عن أبي هريرة مرفوعاً: أهل
شغل الله في الدنيا هم أهل شغل الله في الآخرة، وأهل شغل أنفسهم في الدنيا هم أهل شغل
أنفسهم في الآخرة(١)، وفي التنزيل إشارة إلى ذلك في قوله: ﴿إن أصحاب الجنة اليوم في
شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام
قولاً من رب رحيم﴾ [يس - ٥٥ - ٥٦ - ٥٧ - ٥٨]. (قال:) أي النبي ◌َّز (وذلك) أي سلام
الرب يعني شاهده (قوله تعالى:) أو معنى قوله تعالى: (﴿سلام قولاً من رب رحيم﴾)(٢) أي
لهم سلام عظيم، يقال لهم قولاً كائناً من جهة رب رحيم. (قال: فنظر) أي الرب إليهم
(وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم) أي
٠٫٠٠
الحديث رقم ٥٦٦٤: أخرجه ابن ماجه ١/ ٦٥ حديث رقم ١٨٤.
(١) الديلمي في مسند الفردوس ١/ ٤١٠ حديث رقم ١٦٦٠.
(٢) سورة يس. آية رقم ٥٨.
الانسان الفقيفي الزوار - ٢٢٢٣ .٥)

٣٣٦
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب صفة النار وأهلها
ويبقى نورُه [وبركته عليهم في ديارهم])». رواه ابن ماجه.
(٧) باب صفة النار وأهلها
الفصل الأول
٥٦٦٥ _ (١) عن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَّر قال: ((ناركم جزءٌ من سبعين جُزءاً
مِنْ نارِ جَهَنم)) قيل: يا رسولَ اللَّهِ! إِنْ كانتْ لكافية قال: ((فُضّلَتْ عليهنَّ بتسعة وستينَ جُزءاً
کلھنَّ مثلُ حرِّها».
بإيقاع الحجاب عليهم بعد رفعه عنهم (ويبقى نوره) أي أثر نوره وثمرة ظهوره على ظاهرهم
وباطنهم كما يشاهده أهل المشاهدة في حال البقاء بعد تحقق الفناء والله تعالى أعلم (رواه ابن
ماجه).
(باب صفة النار وأهلها)
(الفصل الأول)
٥٦٦٥ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ( في قال: ناركم) وفي رواية الترمذي
ناركم هذه (جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم) زاد الترمذي: لكل جزء منها حرها. (قيل: يا
رسول الله إن كانت لكافية) إن هي المخففة من المثقلة، واللام هي الفارقة، أي أن هذه النار
التي نراها في الدنيا كانت كافية في العقبى لاحتراق الكفار وعقوبة الفجار، فهلا اكتفى بها
ولأي شيء زيدت في حرها. (قال: فضلت) أي نار جهنم (عليهن) أي على أنيار الدنيا (بتسعة
وستين جزءاً. كلهن) أي حرارة كل جزء من تسعة وستين جزءاً من نار جهنم (مثل حرها) أي
مثل حرارة ناركم في الدنيا. وحاصل الجواب منع الكفاية، أي لا بد من التفضيل لحكمة كون
عذاب الله أشد من عذاب الناس. ولذلك أوثر ذكر النار على سائر أصناف العذاب في كثير من
الكتاب والسنة منها قوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ [البقرة - ١٧٥]. وقوله: ﴿فاتقوا
النار التي وقودها الناس والحجارة﴾ [البقرة - ٢٤]. وإنما [أظهر] الله هذا الجزء من النار في
الدنيا أنموذجاً لما في تلك الدار. قال الإمام الغزالي [عليه رحمة الباري] في الإحياء: اعلم
الحديث رقم ٥٦٦٥: أخرجه البخاري ٦/ ٣٨٠ حديث رقم ٣٢٦٥. ومسلم ٢١٨٤/٤ حديث رقم (٣٠.
٢٨٤٣) والترمذي ٦١١/٤ حديث ٢٥٨٩. وابن ماجه ١٤٤٤/٢ حديث ٤٣١٨. وأحمد في
المسند ٣١٣/٢. ومالك في الموطأ ٩٩٤/٢ حديث رقم ١ من كتاب جهنم. والدارمي ٤٣٨/٢
حدیث رقم ٢٨٤٧.
AP
٠,٢٤
علي
٠٢ .......
١٠٠٠/٠

٣٣٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
متفق عليه. واللفظ للبخاري. وفي رواية مسلم: ((ناركم التي يوقد ابن آدم)). وفيها:
(عليها)) و ((كلها)) بدل: ((عليهن)). و «کلهنَّ)).
٥٦٦٦ - (٢) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله وَطه: ((يؤتى بجهنم يومئذٍ لها
سبعونَ ألفَ زمامٍ، مَعَ كلِ زمامٍ سبعونَ ألفَ مَلَكِ يجرُّونها)). رواه مسلم.
٥٦٦٧ _ (٣) وعن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله وَّطاهر: ((إِن أهون أهل النار
عذاباً من له نعلانٍ وشراكانٍ من نارٍ، يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل،
أنك أخطأت في القياس، فإن نار الدنيا لا تناسب نار جهنم ولكن لما كان أشد عذاب
في الدنيا عذاب هذه [النار] ، عرف عذاب جهنم بها، وهيهات لو وجد أهل الجحيم
مثل هذه النار لخاضوها هرباً مما هم فيه. (متفق عليه، واللفظ للبخاري) أي ووافقه
مسلم في المعنى. (وفي رواية مسلم: ناركم التي يوقد ابن آدم) من الإيقاد، ويجوز
التشديد من التوقيد. (وفيها) أي في رواية مسلم (عليها. وكلها بدل عليهن وكلهن)
بالنصب، أي عوضهما لفاً ونشراً مرتباً.
٥٦٦٦ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلتر: يؤتى بجهنم) الباء
للتعدية، أي يؤتى بها من المكان الذي خلقها الله تعالى فيه. ويدل عليه قوله تعالى فيه:
﴿وجيء يومئذٍ بجهنم﴾ [الفجر - ٢٣] (يومئذٍ) أي يوم القيامة وقت الندامة والحسرة والملامة.
(لها سبعون ألف زمام) بكسر الزاي وهو ما يشد به. (مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها)
بتشديد الراء، أي يسحبونها، أي إلى أن تدار بأرض لا تبقى للجنة طريق إلا الصراط على
ظهرها. وفائدة هذه الأزمة التي يجر بها بعد الإشارة إلى عظمتها، منعها من الخروج على
المحشر إلا من شاء الله منهم. (رواه مسلم).
٥٦٦٧ - (وعن النعمان) بضم النون (ابن بشير) صحابي أيضاً رضي الله عنهما
(قال: قال رسول الله ي ليفر: إن أهون أهل النار) أي أيسرهم (عذاباً من له نعلان) أي من
تحت قدمه (وشراكان) أي من فوقها (من نار) أي كائنة منها (يغلي) أي يفور (منهما) أي
من النوعين وهما النعلان والشراكان (دماغه كما يغلي المرجل) بكسر الميم وفتح الجيم،
أي قدر النحاس كذا قاله شارح: وقال العسقلاني: ويقال أيضاً لكل إناء يغلى فيه الماء
من أي صنف كان. والحاصل أنه كما قال تعالى: ﴿[يغلي] في البطون كغلي الحميم ﴾
العد الأحد إلى
الحديث رقم ٥٦٦٦: أخرجه مسلم ٢١٨٤/٤ حديث رقم (٢٨٤٢.٢٩). والترمذي ٦٠٤/٤ حديث رقم
٢٥٧٣.
الحديث رقم ٥٦٦٧: أخرجه البخاري ٤٢٤/١١ حديث رقم ٦٥٦١ و٦٥٦٢. وأخرجه مسلم ١٩٦/١
وأخرجه الترمذي ٦١٨/٤ حديث رقم ٢٦٠٤. والدارمي ٤٣٩/٢ حديث رقم ٢٨٤٨. وأحمد في
المسند ٧٨/٣.

كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
٣٣٨
ما يُرى أنَّ أحداً أشدُّ منه عذاباً، وإِنه لأهونهم عذاباً». متفق عليه.
رجء "
.44%
٥٦٦٨ - (٤) وعن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله وَلِّ: («أهونُ أهل النارِ عذاباً أبو
طالب، وهو منتعلّ بنعلين يغلي منهما دماغه)). رواه البخاري.
٥٦٦٩ - (٥) وعن أنس، قال: قال رسول الله وَلاته: ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهلٍ
النَّارِ يومَ القيامةِ، فَيُصْبَغُ في النارِ صَبْغَةً، ثم يقال: يا ابنَ آدمَ! هل رأيتَ خيراً
[الدخان - ٤٥ - ٤٦]. وهذا بالنسبة إلى من لم يغمس في الجحيم. ولذا قال: (ما
يرى) بصيغة المجهول، أي ما يظن من له نعلان وشراكان من نار. (أن أحداً) أي من
أهل النار (أشد منه عذاباً) أي لانفراده وعدم اطلاعه على حال غيره (وأنه) بالكسر أي
والحال أنه (لأهونهم عذاباً) ففيه تصريح بتفاوت عذاب أهل النار (متفق عليه.) وفي
الجامع: أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل يوضع في قدميه جمرتان يغلي منهما
دماغه رواه مسلم عن النعمان بن بشير(١). أقول ولعل هذا الحديث بالنسبة إلى أدنى
العصاة من المؤمنين، وما في المتن بالنسبة إلى أدناهم من الكفار كما يدل عليه الحديث
الذي يليه.
٥٦٦٨ - (وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: أهون أهل النار عذاباً)
أي من الكفار (أبو طالب) لقوله تعالى في حقه باتفاق المفسرين: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ﴾
[القصص - ٥٦]. (وهو متنعل) من باب التفعل، وفي نسخة صحيحة من باب الانفعال، أي
متلبس (بنعلين) أي من نار (يغلي منهما) وفي نسخة منها، أي من نعلهما أو من جهة نعله،
وأريد بها الجنس. (دماغه) وإنما خفف عذابه لكونه حامياً له وَ لفر عن تشديد عداوة الكفار،
فلما خفف خفف جزاء وفاقاً. (رواه البخاري) وأسنده السيوطي في الجامع الصغير إلى أحمد
ومسلم عنه والله [تعالى] أعلم (٢).
٥٦٦٩ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَ له: يؤتى بأنعم أهل الدنيا) الباء للتعدية، أي
يحضر أشدهم تنعماً وأكثرهما ظلماً لقوله: (من أهل النار) من بيانية في محل حال (يوم القيامة)
ظرف يؤتى (فيصبغ) بصيغة المجهول أي يغمس (في النار صبغة) بفتح الصاد، أي غمسة إطلاقاً
للملزوم على اللازم. فإن الصبغ إنما يكون بالغمس غالباً، وفي النهاية أي يغمس في النار
غمسة كما يغمس الثوب في الصبغ. (ثم يقال:) أي له (يا ابن آدم هل رأيت خيراً) أي نعمة
(١) الجامع الصغير ١٦٥/١ حديث رقم ٢٧٧٢. والحديث أخرجه مسلم ١٩٦/١ حديث رقم (٣٦٣.
٢١٣) وفيه ((أن أهون ... )).
الحديث رقم ٥٦٦٨: أخرجه مسلم ١٩٦/١ حديث رقم (٢١٢.٣٦٢). وأحمد في المسند ٢٩٠/١.
(٢) الجامع الصغير ١٦٥/١ حديث ٢٧٧٣.
الحديث رقم ٥٦٦٩: أخرجه مسلم ٢١٦٢/٤ حديث رقم (٢٨٠٧.٥٥). وأحمد في المسند ٢٠٣/٣.

٣٣٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
قطّ؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا والله يا ربّ! ويؤتى بأشدُ النَّاسِ بؤساً في الدُّنيا من أهل
الجنَّة، فيُصْبَغُ صَبْغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم! هل رأيتَ بؤساً قط؟ وهل مرَّ بك شدّةٌ
قطّ؟ فيقول: لا والله، يا ربّ! ما مرَّ بي بؤسٌ قطُّ، ولا رأيت شدَّةً قطُ)). رواه مسلم.
٥٦٧٠ - (٦) وعنه، عن النبي ◌َّلتر قال: ((يقول الله لأهون أهله النارِ عذاباً يومَ
القيامةِ: لو أنَّ لكَ ما في الأرض من شيءٍ أكنتَ تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقول: أردت
منك أهون من هذا، وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً، فأبيتَ إِلا أن تُشركَ بي)).
(قط هل مر بك نعيم قط) أي في زمان من الأزمنة. وفي الكلام مبالغة لا تخفى حيث أوقع
الاستفهام على مجرد الرؤية والمرور دون الذوق والتمتع والسرور. (فيقول: لا) أي ما رأيت
قط (والله يا رب) نفي مؤكد بالقسم والنداء في الجواب لما أنسته شدة العذاب ما مضى عليه
من نعيم الدنيا، أو ما بعده من النعيم نظراً إلى مآله وسوء حاله، فأي نعيم آخره الجحيم وأي
شدة مآلها الجنة. كما قال: (ويؤتى بأشد الناس بؤساً) بضم الموحدة أي شدة ومشقة ومحنة
لما كان فيه من فاقة وحاجة وبلية. (في الدنيا) أي أولاً (من أهل الجنة) مآلاً (فيصبغ صبغة في
الجنة) أي في أنهارها أو الكوثر منها (فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤساً قط وهل مر بك شدة
قط. فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط) وكأنه أطنب في الجواب
تلذذاً بالخطاب وقلب الكلام للفرح التام. (رواه مسلم).
٥٦٧٠ - (وعنه) أي عن أنس رضي الله عنه (عن النبي ◌َّز قال: يقول الله تعالى: لأهون
أهل النار عذاباً يوم القيامة لو أن لك) أي لو فرض الآن أن تملك (ما في الأرض من شيء) من
زائدة للاستغراق، أي جميع ما فيها، وطلب منك أن تفتدي به وتخلص نفسك من النار (أكنت
تفتدي به) وهو من الافتداء بمعنى إعطاء الفدية للإنجاء. (فيقول: نعم. فيقول:) أي الله
سبحانه (أردت منك أهون من هذا) أي طلبته، فوضع السبب موضع المسبب، ولأن مراد الله
تعالى لا يتخلف كما اتفق عليه السلف والخلف بقولهم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن،
وحاصله أني امرتك بأسهل من هذا. (وأنت في صلب آدم) أي تعلق بك الأمر والحال وأنت
في صلب آدم، وفيه إيماء إلى قضية الميثاق المشتمل على قوله: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾
[الأعراف - ١٧٢]. والمراد منه التوحيد والعبادة على وجه التفريد، وإليه أشار بقوله: (أن لا
تشرك بي شيئاً) وهو بدل أو بيان لقوله: أهون. (فأبيت) أي كل شيء (إلا أن تشرك بي) أي
فلا جرم، لا أقبل منك ولو افتديت بجميع ما في الأرض كما قال: ﴿إن الذين كفروا لو أن
لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ﴾ [المائدة -
٣٦]. وقال في موضع آخر: ﴿ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به
من سوء العذاب يوم القيامة ﴾ [الزمر - ٤٧]. قال الطيبي [رحمه الله]: قوله: لو أن لك ما في
الحديث رقم ٥٦٧٠: أخرجه البخاري ٣٦٣/٦ حديث رقم ٣٣٣٤. وأخرجه مسلم ٤/ ٢١٦٠ حديث (٥١.
٢٨٠٥).

٠٫٠٠
٣٤٠
.
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب صفة النار وأهلها
متفق عليه .
٥٦٧١ - (٧) وعن سمرة بن جندبٍ، أنَّ النبي وَّر قال: ((منهم من تأخذه النار إِلى
كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِهِ، ومنهم من
تأخذهُ النارُ إِلی تَرْقُوَتِهِ)). رواه مسلم.
الأرض جميعاً. أي لو ثبت لأن لو يقتضي الفعل الماضي، وإذا وقعت أن المفتوحة بعد لو كان
حذف الفعل واجباً، لأن ما في أن من معنى التحقيق والثبات منزل منزلة ذلك الفعل المحذوف.
وقوله: أردت منك، ظاهر هذا الحديث موافق لمذهب المعتزلة. فإن المعنى أردت فيك التوحيد
فخالفت مرادي وأتيت بالشرك. وقال المظهر: الإرادة هنا بمعنى الأمر، والفرق بين الأمر
والإرادة أن ما يجري في العالم لا محالة كائن بإرادته ومشيئته، وأما الأمر فقد يكون مخالفاً
لإرادته ومشيئته. قلت: توضيحه أن [الأمر] بالإيمان توجه على عامة المكلفين وتعلقت مشيئة
الإيمان ببعضهم وإرادة الكفر ببعضهم. ولذا قال تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى)
[الأنعام - ٣٥]. وقال سبحانه: (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما
اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ [البقرة - ٢٥٣]. وقال: ﴿ولو يشاء الله لهدى الناس جميعاً﴾
[الرعد - ٣١]. وقال: ﴿فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة﴾ [الأعراف - ٣٠] . قال الطيبي
[رحمه الله]: الأظهر أن تحمل الإرادة هنا على أخذ الميثاق في قوله تعالى: ﴿وإذا أخذ ربك من
بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ [الأعراف - ١٧٢] الآية. بقرينة قوله: وأنت في صلب آدم.
فقوله: أبيت إلا أن تشرك بي. إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل ﴾
[الأعراف - ١٧٣]. ويحمل الآباء هنا على نقض العهد. وقوله: لا تشرك استثناء مفرغ، وإنما
حذف المستنثى منه مع أنه كلام موجب، لأن في الإباء معنى الامتناع. فيكون نفياً، أي ما
اخترت إلاّ الشرك انتهى. وهو كلام حسن، إلا أن اطلاق الإرادة وإرادة أخذ الميثاق يحتاج إلى
بيان يدفع به ما تقدم من الإيراد والله سبحانه [وتعالى] أعلم. (متفق عليه).
٥٦٧١ - (وعن سمرة بن جندب) مر ذكره مراراً (أن النبي وَ لي قال: منهم) أي من أهل
النار (من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه النار إلى
حجزته) بضم حاء وسكون جيم فزاي، أي معقد إزاره ووسطه. (ومنهم من تأخذه النار إلى
ترقوته) بفتح أوله وضم قافه أي إلى حلقه، ففي الصحاح لا يضم أوله. وفي النهاية هي العظم
الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين ووزنها فعلوه بالفتح. وفي الحديث
بيان تفاوت العقوبات في الضعف والشدة، لا أن بعضاً من الشخص يعذب دون بعض. ويؤيده
قوله في الحديث السابق: وهو متنعل بنعلين يغلي منهما دماغه. (رواه مسلم.) قال الطيبي
[رحمه الله]: وأول الحديث في شرح السنة برواية أبي سعيد: إذا خلص المؤمنون من النار،
٤٠٠شهورو السياسة -الياة
الحديث رقم ٥٦٧١: أخرجه مسلم ٢١٨٥/٤ حديث رقم (٢٨٤٥.٣٣). والنسائي ١١٢/٨ حديث رقم
٥٠١٠. وابن ماجه ٢٣/١ حديث رقم ٦٠ وأحمد فى المسند ١٠/٥.