النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر مؤمنٍ ومؤمنة، ويبقى من كانَ يسجدُ في الدنيا رياءً وسُمعةً، فيذهبُ ليسجدَ فيعودُ ظهرُه طبقاً واحداً)). متفق عليه. ٥٥٤٣ _ (١٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: («ليأتي الرجلُ العظيم السَّمينُ يومَ القيامةِ لا يزِنُ عندَ الله جَناحَ بعوضة)). وقال: ((اقرؤوا ﴿فلا نُقيمُ لهم يومَ القيامةِ وَزْناً ﴾)). الساق، ثم استعمل في كل أمر فظيع. أقول: ويمكن أن يكون استعارة. وحاصله أن الله تعالى يأخذهم بالشدائد كمن يكشف عن ساقه بالتشمير عند دخوله في أمر خطير. (فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة) أي من كمال الشدة يقعون في السجدة طالبين رفعها بتلك القربة. وأخرج أبو يعلى بسند فيه ضعف عن أبي موسى مرفوعاً في قوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ قال: عن نور عظيم فيخرون له سجداً. فهذا يشعر بأنه تعالى يتجلى للناس تجلياً صورياً وبهذا ينحل الإشكال في كثير من أحاديث الصفات على ما قرره بعض مشايخنا والله [تعالى] أعلم. ثم المراد بالمؤمن والمؤمنة الخلص منهما ولذا قال: (ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة) أي نفاقاً وشهرة (فيذهب) أي يقصد ويشرع (ليسجد فيعود) أي يصير (ظهره طبقاً واحداً) أي عظماً بلا مفصل بحيث لا ينثني عند الرفع والخفض فلا يقدر والطبق فقار الظهر واحده طبقة، يعني صار فقاره واحداً فلا يقدر على الانحناء. والمعنى: إنه تعالى يكشف يوم القيامة عن شدة ترتفع دونها سواتر الامتحان فيتميز أهل الإخلاص والإيقان بالسجود عن أهل الريب والنفاق في اليوم الموعود وكما قال تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ﴾ [القلم - ٤٢ و٤٣]. (متفق عليه) وأخرج الإسماعيلي الحديث بلفظ: يكشف عن ساق. قال: وهذا أصح لموافقة لفظ القرآن والله سبحانه [وتعالى] أعلم. ٥٥٤٣ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وعليه: ليأتي الرجل العظيم) أي جاهاً ومالاً أو لحماً وشحماً فيكون قوله: (السمين) عطف بيان له (يوم القيامة لا يزن) أي لا يعدل ولا يسوي (عند الله جناح بعوضة) أي لا يكون له عند الله قدر ومنزلة. تقول العرب: ما لفلان عندنا وزن، أي قدر لخسته ومنه حديث: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة لما سقي كافراً منها شربة ماء. (وقال:) أي النبي وَلّ، أو أبو هريرة (اقرؤوا) أي استشهاداً واعتضاداً (﴿فلا نقيم لهم﴾) أي للكفار (﴿يوم القيامة وزناً﴾)(١) قيل: مقداراً وحساباً واعتباراً. وقيل ميزاناً فالتقدير آلة الوزن إذ الكفار الخلص يدخلون النار بغير حساب، وإنما الميزان للمؤمنين الكاملين والمرائين والمنافقين والله سبحانه [وتعالى] أعلم. قال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: الحديث رقم ٥٥٤٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٢٦/٨. حديث رقم ٤٧٢٩. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢١٤٧ حدیث رقم (١٨ .٢٧٨٥). (١) سورة الكهف. آية رقم ١٠٥. ٢٠٢ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر متفق عليه . الفصل الثاني ٥٥٤٤ _ (١٣) عن أبي هريرةَ، قال: قرأَ رسولُ اللهِ وَر هذِه الآية: ﴿يومئذٍ تُحدِّثُ أخبارَها﴾ قال: ((أتدرونَ ما أخبارُها؟)) قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: «فإِنَّ أخبارَها أنْ تشهدَ على كلِّ عبدٍ وأُمَةٍ بما عَمِلَ على ظهرِها، أن تقول: عمِلَ عَليَّ كذا وكذا، يومَ كذا وكذا)). قال: ((فهذِه أخبارُها)). رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب. كيف وجه صحة الاستشهاد بالآية، فإن المراد بالوزن في الحديث وزن الجثة ومقداره لقوله العظيم السمين وفي الآية، إما وزن الأعمال لقوله تعالى: ﴿فحبطت أعمالهم ﴾ [الكهف - ١٠٥]. وإما مقدارهم. والمعنى: نزدري بهم ولا يكون لهم عندنا وزن ومقدار. قلت: الحديث من الوجه الثاني على سبيل الكفاية وذكر الجثة والعظم لا ينافي ارادة مقداره وتفخيمه قال تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وأن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ﴾ [المنافقون - ٤] (متفق عليه). مقياد ته (الفصل الثاني) ٥٥٤٤ - (عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله: ﴿ هذه الآية: ﴿يومئذ تحدث﴾) أي الأرض (﴿أخبارها﴾(١). قال: أتدرون ما أخبارها) بفتح الهمزة جمع خبر، وفي نسخة بكسرها على أنه مصدر أي تحديثها. (قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أخبارها) بالوجهين (أن تشهد على كل عبد أو أمة) أي ذكر وأنثى (بما عمل) بفتح أوّله، أي فعل كل واحد. (على ظهرها) وفي نسخة بالضم على أن نائب الفاعل قوله: على ظهرها. (أن تقول) بدل بعض من أن تشهد أو بيان ويؤيده ما في رواية الجامع تقول بدون أن، أو خبر مبتدأ محذوف أي هي. يعني: شهادتها أن تقول. (عمل) أي فلان (عليّ) أي على ظهري (كذا وكذا) أي من الطاعة أو المعصية (يوم كذا وكذا) أي من شهر كذا وعام كذا (قال: فهذه) أي الشهادات أو المذكورات (أخبارها. رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب). وكذا رواه عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان(٢). الحديث رقم ٥٥٤٤: أخرجه الترمذي في السنن ٥٣٥/٤ حديث رقم ٢٤٢٩. وأحمد في المسند ٣٧٤/٢. (١) سورة الزلزال . آية رقم ٤. (٢) الحاكم في المستدرك ٥٣٢/٢ والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس حديث رقم ٧٢٩٦. .*** มิสาย 3 م.٢٠٠٧ ٢٠٣ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر ٥٥٤٥ _ (١٤) وعنه، قال: قال رسولُ الله وَلّهِ: ((ما من أحد يموتُ إِلا ندِمَ)). قالوا: وما ندامتُه يا رسولَ الله؟ قال: ((إِنْ كان مُحسناً ندمَ أن لا يكونَ ازدادَ، وإِنْ كانَ مُسيئاً ندمَ أن لا يكونَ نزع». رواه الترمذيُّ. ٥٥٤٦ _ (١٥) وعنه، قال: قال رسول الله وَ ليقول: ((يُحشرُ الناسُ يومَ القيامةِ ثلاثة أصنافٍ: صنفاً مشاةً، وصنفاً رُكباناً، وصنفاً على وُجوههِم)) قيل: يا رسولَ الله! وكيفَ يمشونَ على وجوهِهم؟ قال: ((إِنَّ الذي أمشاهُم على أقدامِهم قادِرٌ على أنْ يُمشِيَهم على وجوهِهم، أَمَا إِنَّهم يتَّقونَ بُوُجوهِهم كلَّ حدَبٍ وشوكٍ)). ٥٥٤٥ _ (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلقر: ما من أحد يموت إلا ندم) أي فاغتنموا الحياة قبل الموت واستبقوا الخيرات قبل الفوت. (قالوا: وما ندامته) أي ما وجه تأسف كل أحد وملامته يا رسول الله (قال: إن كان محسناً ندم أن لا يكون ازداد) أي خيراً أو براً (وإن كان مسيئاً ندم أن لا يكون نزع) أي كف نفسه عن الإساءة (رواه الترمذي). ٥٥٤٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله يتلافى: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف) وفي نسخة على ثلاثة أصناف، ويؤيد الأوّل قوله: (صنفاً مشاة) بضم الميم جمع ماش وهم المؤمنون الذين خلطوا صالح أعمالهم بسيئها. (وصنفاً ركباناً) أي على النوق وهو بضم الراء جمع راكب وهم السابقون الكاملون الإيمان. وإنما بدأ بالمشاة جبراً لخاطرهم كما قيل في قوله تعالى: ﴿فمنهم ظالم لنفسه﴾ [فاطر - ٣٢]. وفي قوله سبحانه: ﴿يهب لمن يشاء إناثاً) [الشورى - ٤٩]. أو لأنهم المحتاجون إلى المغفرة أوّلاً أو لإرادة الترقي وهو ظاهر. وقال التوربشتي [رحمه الله]: فإن قيل: لم بدأ بالمشاة بالذكر قبل أولي السابقة. قلنا: لأنهم هم الأكثرون من أهل الإِيمان. (وصنفاً على وجوههم) أي يمشون عليها وهم الكفار (قيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم) أي يمشون عليها وهم الكفار (قيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم) أي والعادة أن يمشى على الأرجل (قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم) يعني وقد أخبر في كتابه بقوله: ﴿الذين يحشرون على وجوههم﴾ [الفرقان - ٣٤]. وأخباره حق ووعده صدق وهو على كل شيء قدير فلا ينبغي أن يستبعد مثل ذلك. (أما) بالتخفيف للتنبيه (إنهم) أي الكفار (يتقون) أي يحترزون ويدفعون (بوجوههم كل حدب) أي مكان مرتفع (وشوك) أي ونحوه من أنواع ما يتأذى به. والمعنى أن وجوههم واقية لأبدانهم من جميع الأذى لأجل أن غلت أيديهم وأرجلهم، والأمر في الدنيا على عكس ذلك وإنما كان كذلك لأن الوجه الذي هو أعز الأعضاء لم يضعه ساجداً على التراب وعدل عنه تكبراً فجعل أمره على العكس. قال القاضي [رحمه الله]: قوله: يتقون بوجوههم، يريد به بيان هو أنهم واضطرارهم إلى حد جعلوا وجوههم مكان الأيدي والأرجل الحديث رقم ٥٥٤٥: أخرجه الترمذي في السنن ٥٢٢/٤ حديث رقم ٢٤٠٣. والنسائي في السنن ٤/ ٢ حديث رقم ١٨١٨. والدارمي في السنن ٤٠٣/٢ حديث رقم ٢٧٥٨. وأحمد في المسند ٢٦٣/٢. الحديث رقم ٥٥٤٦: أخرجه الترمذي في السنن ٢٨٥/٥ حديث رقم ٣١٤٢. وأحمد فى المسند ٣٥٤/٢. ا،م ١ زم. ٠ ٠٫٫ ٠٠٠٫٢ .46 ٠٠ .. " .. ١٠٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر رواه الترمذي. ٥٥٤٧ _ (١٦) وعن ابن عمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن سرَّه أن ينظر إِلى يومٍ القيامةِ كأنَّه رأيُ عينٍ فليقرأ: ﴿إِذا الشَّمسُ كُوَّرَتْ﴾ و﴿إِذا السَّماءُ انفطرَتْ﴾ و﴿إِذا السَّماءُ انشقَّتْ﴾)). رواه أحمد، والترمذيُّ. الفصل الثالث ٥٥٤٨ _ (١٧) عن أبي ذرّ، قال: إِنَّ الصادقَ المصْدوقَ وَلّ حدَّثني: ((إِنَّ النَّاسَ يُحشرونَ في التوقي عن مؤذيات الطرق والمشي إلى المقصد لما لم يجعلوها ساجدة لمن خلقها وصوّرها. ومما يناسب المقام ما يحكى أنه رؤي بعض الأغنياء أنه يسعى بين الصفا والمروة على بغلة بطريق الخيلاء، ثم رؤي في بعض البادية والصحراء أنه يمشي فقيل له في ذلك فقال: لما ركبنا في محل المشي عاقبنا الله بأن نمشي في محل الركوب. هذا وقد قال تعالى: ﴿أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة﴾ [الزمر - ٢٤]. وفسروا بأنه يلقى الكافر مقلوباً في النار فلا يقدر أن يدفع عن نفسه النار إلا بوجهه. (رواه الترمذي) وكذا أبو داود وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث وحسنه الترمذي رحمهم الله. ٥٥٤٧ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلاجر: من سره) أي أعجبه (أن. ينظر إلى يوم القيامة) أي أحواله وأن يطلع في أهواله (كأنه رأي عين) أي فيترقى من علم اليقين إلى عين اليقين (فليقرأ: ﴿إذا الشمس كورت﴾) أي لفت وألقيت في النار. وقال القاضي رحمه الله: أي لفت بمعنى رفعت، أو لف ضوؤها أو ألقيت عن فلكها. في الدر عن ابن عباس: أي أظلمت، وعن أبي صالح نكست. (و﴿إذا السماء انفطرت﴾) أي انشقت (و﴿إذا السماء انشقت﴾) أي انصدعت، والمراد هذه السور فإنها مشتملة على ذكر أحوال يوم القيامة وأهواله. (رواه أحمد والترمذي) وكذا ابن المنذر والطبراني وحسنه الترمذي والحاكم(١) وصححه وابن مردويه . (الفصل الثالث) ٥٥٤٨ - (عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن الصادق المصدوق حدثني أن الناس يحشرون الحديث رقم ٥٥٤٧: أخرجه الترمذي في السنن ٤٠٣/٥ حديث رقم ٣٣٣٣. وأحمد في المسند ٢/ ١٠٠. (١) الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٧٦. الحديث رقم ٥٥٤٨: أخرجه النسائي في السنن ١١٦/٤ حديث رقم ٢٠٨٦. ''۔۔۔۔ ٢٠٤ ٠٤.٦٠ .... ١,٠٠ ٠١٧ ٠٠٠ ٢٠٥ کتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحشر ثلاثةَ أفواجٍ: فوجاً راكبينَ طاعمينَ كاسِينَ، وفوجاً تسحبُهم الملائكةُ على وُجوهِهم وتحشرُهم النارَ، وفوجاً يمشونَ ويسعونَ ويُلقي اللَّهُ الآفةَ على الظهرِ، فلا يبقى، حتى إِنَّ الرجلَ لتكونُ له الحديقةُ يعطِيها بذات القَتبِ لا يقدر عليها)). رواه النسائي. ثلاثة أفواج) قال الطيبي [رحمه الله]: المراد بالحشر هنا ما في قوله وَ له: أوّل أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب(١). وقوله: ستخرج نار من نحو حضرموت تحشر الناس. قلنا: يا رسول الله فما تأمرنا. قال: عليكم بالشام(٢). (فوجاً) وهم السابقون من المؤمنين الكاملين. (راكبين طاعمين كاسين) قال الطيبي [رحمه الله]: هو عبارة عن كونهم مرفهين لاستعدادهم ما يبلغهم إلى القصد من الزاد والراحلة. (وفوجاً) وهم الكفار (يسحبهم) بفتح الحاء، أي يجرهم. (الملائكة على وجوههم) وهو إما على حقيقته وإما كناية عن كمال هوانهم وذلهم، والأوّل أظهر لدلالة السباق واللحاق. (وتحشر النار) بنصب النار في أصل السيد وأكثر النسخ، وفي نسخة برفعها. وفي نسخة صحيحة: وتحشرهم النار. بالضمير مع نصب النار على نزع الخافض أي إليها، ومع رفعها على الفاعلية. قال الطيبي [رحمه الله]: أي تحشر الملائكة لهم النار وتلزمهم إياها حتى لا تفارقهم أين باتوا وأين قالوا وأصبحوا، ويصح أن ترفع النار أي وتحشرهم النار. (وفوجاً) وهم المؤمنون المذنبون (يمشون ويسعون) أي ويسرعون لا أنهم يمشون بسكينة وراحة. (ويلقي الله الآفة على الظهر) أي على المركوب تسمية بما هو المقصود منه وتعبيراً عن الكل بالجزء. (فلا يبقى) أي ظهر وفي نسخة بالتأنيث أي دابة. وفي نسخة بضم أوّله، أي فلا تبقي الآفة دابة. (حتى أن الرجل لتكون له الحديقة) أي البستان (يعطيها بذات القتب) أي بعوضها وبدلها وهو بفتح القاف والتاء للجمل كالأكاف لغيره. (لا يقدر) أي أحد (عليها) أي على ذات القتب لعزة وجودها. وهذا صريح في أن المراد بالحشر في هذا الحديث ليس حشر القيامة. قال الطيبي [رحمه الله]: فبقي أن يقال لم ذكر المؤلف هذا الحديث في باب الحشر، وهذا محل ذكره باب أشراط الساعة. قلنا: تأسياً بمحيي السنة. والعجب أن محيي السنة حمل الحديث على ما ذهب إليه الخطابي حيث قال: وهذا الحشر قبل قيام الساعة وإنما يكون ذلك إلى الشام أحياء، فأما الحشر بعد البعث من القبور فعلى خلاف هذه الصفة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها، وإنما هو كما أخبر أنهم يبعثون حفاة عراة وأورده في هذا الباب. اهـ. وتقدم الجواب على وجه الصواب في كلام التوريشتي [رحمه الله ]في حديث أبي هريرة أوّل الباب. والحاصل أن ركوب بعض الخواص من الأنبياء والأولياء ثابت في الحشر بعد البعث أيضاً وأن حديث: يبعثون حفاة عراة. بناء على أكثر الخلق أو نظراً إلى ابتداء الأمر والله [تعالى]أعلم. (رواه النسائي) وفي الدر المنثور أخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي ذر أنه تلا هذه الآية: ﴿ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم﴾ [الاسراء - ٩٧]. فقال: حدثني الصادق ٨ (١) راجع الحديث رقم (٥٤٤٧). (٢) أحمد في المسند ٦٩/٢. والترمذي في السنن الحديث رقم ٢٢١٧. ٢٠٦ م. كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحساب والقصاص والميزان (٣) باب الحساب والقصاص والميزان الفصل الأول ٥٥٤٩ _ (١) عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((ليسَ أحدٌ يُحاسَبُ يومَ القيامةِ إِلا هَلَكَ)). قلتُ: أوَ ليسَ يقولُ اللَّهُ: ﴿فِسْفَ يُحاسبُ حساباً يسيراً﴾ فقال: ((إِنما ذلكَ العرضُ؛ ولكنْ مَن نُوقشَ في الحساب يهلكُ)). المصدوق أن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج: فوج طاعمین کاسین راکبین وفوج يمشون ويسعون وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم(١). اهـ. فهذا الحديث صريح بأن الحشر حشر يوم القيامة لتصريحه في الآية والحديث بيوم القيامة، ويؤيده سحب الملائكة إياهم على وجوههم فالوجه الوجيه ما اختاره شيخنا التوربشتي [رحمه الله]، لا ما أخطأ الخطابي حيث لم يدركه هذا المدرك وإنما جاء الآفة من قول أبي ذر في هذا الحديث على رواية أصل الكتاب زيادة على ما في رواية الجامع: ويلقي الله الآفة. ويمكن دفعه بأن يقال هذا حديث آخر أدرجه معه وأدمجه فيه بأدنى مناسبة، فينبغي أن يحمل على المسامحة والله [تعالى] أعلم. (باب الحساب والقصاص والميزان) الحساب بمعنى المحاسبة والقصاص على ما في النهاية اسم من قصة الحاكم، يقصه إذا مكنه من أخذ القصاص وهو أن يفعل به مثل ما فعله من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح. (الفصل الأوّل) ٥٥٤٩ - (عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌َّر قال: ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك) أي على تقدير المناقشة، والمراد بالهلاك العذاب. (قلت: أو ليس يقول الله:) أي في حق أهل النجاة (﴿فسوف يحاسب حساباً يسيراً﴾)(٢) وتمامه: ﴿وينقلب إلى أهله مسرورا ﴾ [الانشقاق - ٩]. (فقال: إنما ذلك العرض) بكسر الكاف وجوز الفتح على خطاب العام أو تعظيماً لها. والمعنى: إنما ذلك الحساب اليسير في قوله تعالى عرض عمله لا الحساب على وجه المناقشة. (ولكن من نوقش في الحساب يهلك) بالرفع وفي نسخة بالجزم، أي يعذب. قال صاحب الفائق: يقال: ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلاً ولا كثيراً. (١) أحمد في المسند ١٦٤/٥ والحاكم في المستدرك ٤ / ٥٦٤. الحديث رقم ٥٥٤٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٤٠٠. حديث رقم ٦٥٣٦. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٠٤ حديث رقم (٢٨٧٦.٧٩). والترمذي في السنن ٥٣٣/٤ حديث رقم ٢٤٢٦. وأحمد في المسند ٢٠٦/٦. (٢) سورة الانشقاق . آية رقم ٨. ، هرزن هيون ٢٠٧ ٩١٩٤٤ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان متفق عليه . ٥٥٥٠ _ (٢) وعن عدي بن حاتم، قال: قال رسولُ الله وَّر: ((ما منكم من أحدٍ إِلا سيكلّمُه ربُّه، ليسَ بينَه وبينَه ترجمانٌ وَلا حجابٌ يحجبُه، فينظرُ أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّمَ منْ عملِه، وينظرُ أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّمَ، وحاصله أن المراد بالمناقشة الاستقصاء فى المحاسبة والاستيفاء بالمطالبة وترك المسامحة في الجليل والحقير والقليل والكثير. ووجه المعارضة أن لفظ الحديث عام في تعذيب كل من حوسب، ولفظ الآية دال على أن بعضهم لا يعذب. وطريق الجمع أن المراد بالحساب في الآية إنما هو العرض وهو إبراز الأعمال وإظهارها فيقر صاحبها بذنوبه ثم يتجاوز عنها لإظهار الفضل، كما أن المناقشة لبيان ظهور العدل. (متفق عليه) ورواه أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن المنذر وابن مردويه. وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وابن عدي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّر: ثلاث من كن فيه يحاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنة برحمته: تعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك(١). وفي الجامع الصغير: من نوقش [في الحساب عذب. رواه الشيخان عن عائشة مرفوعاً، ورواه الطبراني عن ابن الزبير ولفظه: من نوقش المحاسبة هلك](٢). ٥٥٥٠ _ (وعن عدي بن حاتم) بكسر التاء (قال: قال رسول الله وَلهو: ما منكم من أحد؛ من مزيدة لاستغراق النفي والخطاب للمؤمنين (إلا سيكلمه ربه) أي بلا واسطة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. (ليس بينه وبينه) أي بين الرب والعبد (ترجمان) بفتح الفوقية وسكون الراء وضم الجيم، ويجوز ضمه اتباعاً على ما في نسخة، وكزعفران على ما في القاموس أي مفسر للكلام بلغة عن لغة. يقال: ترجمت عنه، والفعل يدل على أصالة التاء. وفي التهذيب التاء أصلية وليست بزائدة والكلمة رباعية. (ولا حجاب) أي حاجز وساتر ومانع بينه وبينه. (يحجبه) أي يحجب ذلك العبد من ربه (فينظر) أي ذلك العبد (أيمن منه) أي من ذلك الموقف. وقال شارح: ضمير منه راجع إلى العبد. قلت: والمآل واحد، والمعنى ينظر في الجانب الذي على يمينه. (فلا يرى إلا ما قدم من عمله) أي عمله الصالح مصوّراً أو جزاءه مقدراً (وينظر أشأم منه) أي في الجانب الذي في شماله (فلا يرى إلا ما قدم) أي من عمله السيىء. والحاصل أن (١) الحاكم في المستدرك ٥١٨/٢. (٢) الحديث الأول ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢ / ٥٤٥ حديث رقم ٩٠٦٨. وقد أخرجه الشيخان البخاري في صحيحه ١٩٧/١٠ حديث رقم ١٠٣. ومسلم في صحيحه ٢٢٠٤/٤ حديث رقم ٢٨٧٦. والثاني ذكره في نفس المصدر حديث رقم ٩٠٦٧. الحديث رقم ٥٥٥٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٠٠/١١. حديث رقم ٦٥٣٩. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٠٣ حديث رقم (١٠١٦.٦٧) والترمذي في السنن ٥٢٨/٤ حديث رقم ٢٤١٥. وابن ماجه في السنن ٦٦/١ حديث رقم ١٨٥. وأحمد في المسند ٣٧٧/٤. ٢٠٨ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان وينظرُ بينَ يديه فلا يرى إلا النارَ تِلقاءَ وجهِه، فاتَّقوا النار ولو بشقِ تمرة)). متفق عليه. ٥٥٥١ _ (٣) وعن ابنِ عمَرَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّر: ((إِنَّ اللَّهَ يُدني المؤمن فيضعُ عليه كنَفَه ويسترُه، فيقولُ: أتعرِفُ ذنبَ كذا؟ أتعرِفُ ذنبَ كذا؟ ٠٢٠٧٠ :٠٫٨٧ النصب في أيمن وأشأم على الظرفية والمراد بهما اليمين والشمال. فقيل: نظر اليمين والشمال هنا كالمثل لأن الإنسان من شأنه إذا دهمه (١) أمر أن يلتفت يميناً وشمالاً لطلب الغوث. وقال الحافظ العسقلاني: ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجى أن يجد طريقاً يذهب فيها لتحصل له (٢) النجاة من النار، فلا يرى إلا ما يفضي إلى النار. (وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه) أي في محاذاته وعليها الصراط (فاتقوا النار) أي إذا عرفتم ذلك فاحذروا منها ولا تظلموا أحداً (ولو بشق تمرة) أو فتصدقوا ولو بشق تمرة، أي ولو بمقدار نصفها أو ببعضها، والمعنى: ولو بشيء يسير منها أو من غيرها فإنه حجاب وحاجز بينكم وبين النار، فإن الصدقة جنة ووسيلة إلى الجنة(٣). (متفق عليه) وفي الجامع: اتقوا النار ولو بشق تمرة، رواه الشيخان والنسائي عن عدي بن حاتم، وأحمد عن عائشة والبزار والطبراني في الأوسط، والضياء عن أنس والبزار أيضاً عن النعمان بن بشير، وعن أبي هريرة والطبراني في الكبير عن ابن عباس وعن أبي أمامة. ورواه أحمد والشيخان عن عدي مرفوعاً: اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة (٤). ٥٥٥١ _ (وعن ابن عمر رضي الله عنهما [قال: ]قال رسول الله وَلاير: إن الله يدني المؤمن) بضم الياء، أي يقربه قرب كرامة لا قرب مسافة فإنه سبحانه يتعالى عن ذلك، والمؤمن في المعنى كالنكرة إذ لا عهد في الخارج ولا بعد أن يراد به الجنس. (فيضع علیه کنفه) بفتحتین، أي يحفظه مستعار منْ كنف الطائر وهو جناحه لأنه يحيط به نفسه ويصون به بيضته. (ويستره) أي عن أهل الموقف كيلا يفتضح. وقيل: أي يظهر عنايته عليه ويصونه عن الخزي بين أهل الموقف (كما يضع أحدكم كنف ثوبه) أي طرفه (على رجل) إذا أراد صيانته وقصد حمايته، وهذا تمثيل. قيل: هذا في عبد لم يغتب ولم يعب ولم يفضح أحداً ولم يشمت بفضيحة مسلم، بل ستر على عباد الله الصالحين ولم يدع أحداً يهتك عرض أحد حي على ملأ من الناس فستره الله وجعله تحت كنف حمايته جزاء وفاقاً من جنس عمله. (فيقول: أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا) في التكرير إشارة إلى التكثير وإيماء إلى أنه عالم بما في الضمير. (١) في المخطوطة ((وهمه)). (٢) في المخطوطة ((ليحصل)). (٣) في المخطوطة ((جنته)). (٤) الجامع الصغير ١٦/١ حديث رقم ١٤٣ وحديث رقم ١٤٤. الحديث رقم ٥٥٥١: أخرجه البخاري في صحيحه ٩٦/٥. حديث رقم ٢٤٤١. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢١٢٠ حديث رقم (٥٢ .٢٧٦٨). وأحمد في المسند ١٠٥/٢. ٢٠٩ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحساب والقصاص والميزان فيقولُ: نعمْ أيْ ربِّ! حتى قرَّره بذنوبِه، ورأى في نفسِه أنه قد هَلَك. قال: سترتُها عليكَ في الدنيا، وأنا أغفرُها لكَ اليومَ، فيُعطى كتابَ حسناتِهِ. وأمَّا الكفَّارُ والمنافقونَ فيُنادى بِهِم على رؤوسِ الخلائقِ: ﴿هَؤُلاءِ الذينَ كذبوا على ربُّهم ألا لعنةُ اللَّهِ على الظالمينَ﴾)). متفق عليه . ٥٥٥٢ _ (٤) وعن أبي موسى، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((إِذا كانَ يومُ القيامةِ دفعَ اللَّهُ إِلى كلِّ مسلم يهوديّاً أو نصرانياً، فيقولُ: هذا فكاكُكَ منَ النّارِ)). رواه مسلم. (فيقول: نعم أي رب، حتى قرره بذنوبه) أي جعله مقراً بها بأن أظهرها له وألجأه إلى الإقرار بها. (ورأى في نفسه) أي ظن المؤمن في باطنه (أنه قد هلك) أي مع الهالكين وليس له طريق مع الناجين. وقال شارح: أي علم [الله ]في ذاته أنه هلك أي المؤمن. ويجوز كون ضمير رأي للمؤمن والواو للحال. (قال:) أي الله تعالى (سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته). أي بيمينه (وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم) بصيغة المجهول (على رؤوس الخلائق. ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم﴾) أي بإثبات الشريك ونحوه. (﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾)(١) أي المشركين والمنافقين (متفق عليه). ٥٥٥٢ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلاير: إذا كان يوم القيامة) بالرفع، أي وقع وحصل. وفي نسخة بالنصب، أي إذا كان الزمان يوم القيامة. (دفع الله إلى كل مسلم) أي موصوف بالإِسلام مذكراً كان أو مؤنثاً (يهودياً أو نصرانياً) أي واحداً من أهل الكتاب، فأو للتنويع. (فيقول:) أي الله (تعالى)](هذا) أي الكتابي (فكاكك) بفتح الفاء ويكسر أي خلاصك. (من النار) قال التوربشتي [رحمه الله]: فكاك الرهن ما يفك به ويخلص والكسر لغة فيه. قال القاضي [رحمه الله]: لما كان لكل مكلف مقعد من الجنة ومقعد من النار فمن آمن حق الإيمان بدل مقعده من النار بمقعد من الجنة ومن لم يؤمن فبالعكس كانت الكفرة كالخلف للمؤمنين في مقاعدهم من النار والنائب منابهم فيها. وأيضاً لما سبق القسم الإلهي بملء جهنم كان ملؤها من الكفار خلاصاً للمؤمنين ونجاة لهم من النار فهم في ذلك للمؤمنين كالفداء والفكاك. ولعل تخصيص اليهود والنصارى بالذكر لاشتهارهما بمضادة المسلمين ومقابلتهما إياهم في تصديق الرسول المقتضي لنجاتهم. اهـ. وقيل: عبر عن ذلك بالفكاك تارة وبالفداء أخرى على وجه المجاز والاتساع، إذ لم يرد به تعذيب الكتابي بذنب المسلم لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [فاطر - ١٨]. (رواه مسلم) وفي الجامع رواه مسلم عن أبي موسى بلفظ: إذا كان يوم القيامة أعطى الله تعالى كل رجل من هذه الأمة رجلاً من الكفار. فيقال له: هذا فداؤك من النار. ورواه الطبراني في الكبير، والحاكم في الكنى عن أبي موسى (١) سورة هود. آية رقم ١٨. الحديث رقم ٥٥٥٢: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١١٩/٤ حديث رقم (٢٧٦٧.٤٩) وابن ماجه في السنن ١٤٣٢/٢ حديث رقم ٤٢٨٥. in ١٩٠٩٥ ٢١٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحساب والقصاص والميزان ٥٥٥٣ _ (٥) وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يُجاءُ بنوحِ يومَ القيامةِ، فيُقال له: هل بلَّغتَ؟ فيقولُ: نعم، يا ربّ! فتُسألُ أُمتُه: هل بلَّغَكم؟ فيقولونَ: ما جاءَنا منْ نذيرٍ. فيُقال: مَن شهودُكَ؟ فيقولُ: محمَّدٌ وأُمتُه)). فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((فيُجاءُ بكم فتشهدونَ أنَّه قد بلَّغَ)) ثمَّ قرأَ رسولُ اللهِ وَّ: ﴿وكذلكَ جعلناكم أُمّةً وسَطاً لتكونوا شهداءَ على النَّاسِ ويكونَ الرسولُ عليكم شهيداً﴾)). ولفظه: إذا كان يوم القيامة بعث الله تعالى إلى كل مؤمن ملكاً معه كافر فيقول الملك للمؤمن: يا مؤمن هاك هذا الكافر فهذا فداؤك من النار(١). رومى ٥٥٥٣ - (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله ويقول: يجاء) أي يؤتى (بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت. فيقول: نعم يا رب) وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب﴾ [المائدة - ١٠٩]. لأن الإِجابة غير التبليغ وهي تحتاج إلى تفصيل لا يحيط بكنهه إلا علمه سبحانه، بخلاف نفس التبليغ لأنه من العلوم الضرورية البديهية. (فتسأل أمته:) أي أمة الدعوة (هل بلغكم) أي نوح رسالتها (فيقولون: ما جاءنا من نذير) أي منذر لا هو ولا غيره مبالغة في الإنكار توهماً أنه ينفعهم الكذب في ذلك اليوم عن الخلاص من النار، ونظيره قول جماعة من الكفار: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام - ٢٣]. (فيقال:) أي لنوح (من شهودك) وإنما طلب الله من نوح شهداء على تبليغه الرسالة أمته وهو أعلم به إقامة للحاجة وإنافة لمنزلة أكابر هذه الأمة. (فيقول: محمد وأمته) والمعنى: أن أمته شهداء وهو مزك لهم. وقدم في الذكر للتعظيم ولا يبعد أنه وَّر يشهد لنوح عليه [الصلاة]والسلام أيضاً لأنه محل النصرة وقد قال تعالى: ﴿وإذا أخذ الله ميثاق النبيين ﴾ إلى قوله: ﴿لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ [آل عمران - ٨١]. (فقال رسول الله وَطقر: فيجاء بكم) وفيه تنبيه نبيه أنه وسر حاضر ناظر في ذلك العرض الأكبر فيؤتى بالرسل وأولهم نوح ويؤتى بشهوده وهم هذه الأمة. (فتشهدون) أي أنتم (أنه) أي أن نوحاً (قد بلغ) أي [قومه)رسالة ربه ونبيكم مزك لكم، أو أنتم ونبيكم معكم تشهدون ففيه تغليب. (ثم قرأ رسول الله ◌َل:) استشهاداً بالآية الدالة على العموم في مادة الخصوص (﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾) قيل: أي عدولاً وخياراً لأنهم لم يغلوا غلو النصارى ولا قصروا تقصير اليهود في حق أنبيائهم بالتكذيب والقتل والصلب. وقد صح عنه وَّهو تفسير الوسط بالعدل. ففي النهاية يقال: هو من وسط قومه، أي خيارهم. (﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾) أي على من قبلكم من. الكفار. (﴿ويكون الرسول﴾) أي رسولكم واللام للعوض أو اللام للعهد، والمراد به محمد زَثّ. (﴿عليكم شهيداً﴾) (٢) أي مطلعاً ورقيباً عليكم وناظراً لأفعالكم ومزكياً لأقوالكم. (١) الجامع الصغير الحديث رقم ٨٢٠ والحديث رقم ٨٢١. الحديث رقم ٥٥٥٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٧١/٦. حديث رقم ٣٣٣٩. (٢) البقرة. آية رقم ١٤٣. ٢١١ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحساب والقصاص والميزان رواه البخاري. ٥٥٥٤ _ (٦) وعن أنس، قال: كنَّا عندَ رسول الله وَّر فضحك، فقال: ((هل تدرونَ ممَّا أضحكُ؟)). قال: قلنا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((من مُخاطبةِ العبدِ ربَّه، يقول: یا ربّ! أَلْم تُجزني منَ الظُّلم؟)) قال: ((يقول: بَلَى)). قال: ((فيقول: فإِني لا أُجيزُ على نفسي إِلاَّ شاهداً مني)). قال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: كيف قال محمد وأمته وقد قال تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾. مقدماً صلة الشهادة ليفيد اختصاصهم بشهادته عليهم للزوم المضرة. قلت: الكلام وارد في مدح الأمة فالغرض هنا أنه يزكيهم فضمن شهد معنى رقب لأن العدول تحتاج(١) إلى رقيب يحفظ أحوالهم ليطلع عليها ظاهراً وباطناً فيزكيهم. ولما كانوا هم العدول من بين سائر الأمم خصهم الله بكون الرسول عليهم شهيداً أي رقيباً مزكياً. وهذا لا يدل على أنه لا يشهد على سائر الأمم مع أن مزكي الشاهد أيضاً شاهد. أقول: الأظهر أن معنى الآية هو أن الأمة يشهدون على الأمم السابقة وأنه ◌َّ يشهد على هذه الأمة وأن الأنبياء بأجمعهم يشهدون على الكل والله سبحانه (وتعالى]أعلم. ويؤيده ما أخرجه ابن جرير عن أبي سعيد في قوله: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾. بأن الرسل قد بلغوا ويكون الرسول عليكم شهيداً بما علمتم. (رواه البخاري) وكذا الترمذي والنسائي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ويلقى: يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعي قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت. فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك. فيقول: محمد وأمته. فيدعي محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم. فيقولون: جاء نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ الآية (٢). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر عن النبي ◌َّه قال: أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد إلا ودانه منا وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه. ٥٥٥٤ _ (وعن أنس قال: كنا عند رسول الله ◌َ ﴿ فضحك فقال: هل تدرون مما أضحك) فيه إيماء إلى أنه لا ينبغي الضحك إلا لأمر غريب وحكم عجيب. (قال:) أي جابر (قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني) من الاجارة، أي ألم تجعلني في اجارة منك بقولك: وما ربك بظلام للعبيد. (من الظلم) والمعنى: ألم تؤمني من (١) في المخطوطة ((يحتاج)). (٢) أحمد في المسند ٥٨/٣. وابن ماجه في السنن الحديث رقم ٤٢٨٤. الحديث رقم ٥٥٥٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٨٠ حديث رقم (١٧. ٢٩٦٩). ٢١٢ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحساب والقصاص والميزان قال: ((فيقول: كفى بنفسِكَ اليومَ عليكَ شهيداً وبالكِرامِ الكاتبينَ شهوداً)). قال: ((فيُختمُ على فِيه، فيقال لأركانِه: انطقي)). قال: ((فتنطقُ بأعمالِه ثمَّ يُخلّى بينَه وبينَ الكلام)). قال: («فيقول: بُعداً لكُنَّ وسُحقاً، فعنكنَّ كنتُ أُناضلُ)). رواه مسلم. أن تظلم علي. (قال:) أي النبي وَ لجر (يقول:) أي الله تعالى في جواب العبد (بلى. قال: فيقول: فإني) أي فإذا أجرتني من الظلم فإني (لا أجيز) بالزاي المعجمة، أي لا أجوز ولا أقبل. (على نفسي إلا شاهداً مني) أي من جنسي لأن الملائكة شهدوا علينا بالفساد قبل الايجاد. (قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً) نصبه على الحال وعليك معموله تقدم عليه للاهتمام والاختصاص والباء زائدة في فاعل كفى واليوم ظرف له، أو لشهيد. (وبالكرام) أي وكفى بالعدول المكرمين. (الكاتبين) أي لصحف الأعمال (شهوداً) قال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: دل أداة الحصر على أن لا يشهد [عليه] غيره فكيف أجاب بقوله: كفى بنفسك وبالكرام الكاتبين. قلت: بذل مطلوبه وزاد عليه تأكيداً وتقريراً (قال: فيختم) بصيغة المجهول (على فيه) أي فمه ومنه قوله تعالى: ﴿اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ﴾ [يس - ٦٥]. وفي آية أخرى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ [النور - ٢٤]. وفي رواية أخرى: ﴿شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم﴾ [فصلت - ٢٠]. وهذا معنى قوله: (فيقال لأركانه:) أي لأعضائه وأجزائه (انطقي. قال: فتنطق) أي الأركان (بأعماله) أي بأفعاله التي باشرها بها وارتكبها بسببها. (ثم يخلى) أي يترك (بينه وبين الكلام) أي يرفع الختم من فيه حتى يتكلم بالكلام العادي فشهادة ألسنتهم في الآية يراد بها نوع آخر من الكلام على خرق العادة والله [تعالى]أعلم به. (قال: فيقول:) أي العبد (بعداً لكن وسحقاً) بضم فسكون ويضم، أي هلاكاً. وهما مصدران ناصبهما مقدر والخطاب للأركان، أي أبعدن وأسحقن. (فعنكن) أي عن قبلكن ومن وجهتكن ولأجل خلاصكن. (كنت أناضل) أي أجادل وأخاصم وأدافع على ما في النهاية. وقال شارح: أي أخاصم لخلاصكن وأنتن تلقين أنفسكن فيها، والمناضلة المراماة بالسهام. والمراد هنا المحاجة بالكلام. يقال: تناضل فلان عن فلان إذا تكلم عنه بعذر ودفع. قلت: وجوابهن محذوف دل عليه قوله تعالى: ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون وذلك ظنكم الذي بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين ﴾ [فصلت - ٢١ و٢٢]. (رواه مسلم) وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن سعيد أن رسول الله وَلّ قال: إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا. فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقال: احلفوا. فيحلفون، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ثم يدخلهم النار. ٢١٣ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان ٥٥٥٥ _ (٧) وعن أبي هريرةَ، قال: قالوا: يا رسولَ الله! هلْ نرى ربَّنا يومَ القيامةِ؟ قال: ((هلْ تضارُّونَ في رؤيةِ الشَّمس في الظهيرةِ ليستْ في سحابة؟)) قالوا: لا. قال: ((فهل تضارُّونَ في رؤيةِ القمرِ ليلةَ البذْرِ ليسَ في سحابة؟» قالوا: لا. قال: ((فوالذي نَفْسي بيدِه لا تضارُّونَ في رؤيةِ ربّكم إِلاَّ كما تضارُّونَ في رؤيةِ أحدهما». ٥٥٥٥ _ (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا:) أي بعض الصحابة (يا رسول الله هل نرى ربنا) الاستفهام للاستخبار والاستعلام (يوم القيامة) قيد به للإجماع على أنه تعالى لا يرى في الدنيا لأن الذات الباقية لا ترى بالعين الفانية. (قال: هل تضارون) بضم التاء وتفتح وتشديد الراء على أنه من باب المفاعلة أو التفاعل من الضرر، والاستفهام للتقرير وهو حمل المخاطب على الإقرار. والمعنى: هل يحصل لكم تزاحم وتنازع يتضرر به بعضكم من بعض. (في رؤية الشمس) أي لأجل رؤيتها أو عندها (في الظهيرة) وهي نصف النهار وهو وقت ارتفاعها وظهورها وانتشار ضوئها في العالم كله. (ليست) أي الشمس (في سحابة) أي غيم (تحجبها عنكم. قالوا: لا. قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة قالوا: لا. قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما). قال النووي [رحمه الله]: روي تضارون بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما. وفي الرواية الأخرى: هل تضامون، بتشديد الميم وتخفيفها فمن شددها فتح التاء ومن خففها ضمها. وفي رواية البخاري: لا تضارون أو لا تضامون على الشك. قال القاضي البيضاوي [رحمه الله: وفي آتضارون المشدد من الضرر والمخفف من الضير، أي تكون رؤيته تعالى رؤية جلية بينة لا تقبل مراء ولا مرية، فيخالف فيها بعضكم بعضاً ويكذبه كما لا يشك في رؤية أحدهما يعني الشمس والقمر ولا ينازع فيها. فالتشبيه إنما وقع في الرؤية باعتبار جلائها وظهورها بحيث لا يرتاب فيها لا في سائر كيفياتها ولا في المرئي، فإنه سبحانه منزه عن الجسمية وعما يؤدي إليها. وفي تضامون بالتشديد من الضم، أي لا ينضم بعضكم إلى بعض في طلب رؤيته. لإشكاله وخفائه كما يفعلون في الهلال، أو لا يضمكم شيء دون رؤيته فيحول بينكم وبينها. وبالتخفيف من الضيم، أي لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعض دون بعض بل يستوون فيها. وأصله تضيمون فنقلت فتحة الياء إلى الضاد فصارت ألفاً لسكونها وانفتاح ما قبلها وكذلك تضارون بالتخفيف. وأما المشدد فيحتمل أن يكون مبنياً للفاعل على معنى: لا تضارون، أي تتنازعون في رؤيته. هذا وقال الطيبي. قوله: إلا كما تضارون، كان الظاهر أن يقال: لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما، ولكنه أخرج مخرج قوله : الحديث رقم ٥٥٥٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ٢٩٢. حديث رقم ٨٠٦. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٧٩ حديث رقم (٢٩٦٨.١٦). وأبو داود في السنن ٩٨/٦ حديث رقم ٤٧٣٠ والترمذي في السنن ٥٩١/٤ حديث رقم ٢٥٤٩. وابن ماجه في السنن ٦٣/١ حديث رقم ١٧٧. والدارمي في السنن ٤١٩/٢ حديث رقم ٤٨٠١. وأحمد في المسند ١٦/٣. ٢١٤ : ٥٠٫٠ ٢٠٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحساب والقصاص والميزان قال: ((فيلقى العبدَ فيقول: أي فُلْ: أَلْم أُكرمْكَ وأُسوُذكَ وأُزوّجْكَ وأُسخِزْ لكَ الخيلَ والإِبلَ، وأَذَرْكَ ترأَسُ وتَربعُ؟ فيقول: بَلى)). قال: ((فيقول: أفظننتَ أنَّكَ مُلاقِيَّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإني قد أنساك كما نسيتني. ثمَّ يلقى الثاني، فذكر مثله، ثمَّ يلقى الثالثَ، فيقول له مثلَ ذلكَ، فيقول: يا ربِّ! آمنتُ بكَ وبكتابكَ وبرسُلكَ، وصلَّيتُ وصمتُ، وتصدَّقتُ، ويُثني بخيرٍ ما استطاعَ، فيقول: ههنا إِذاً. رزود ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من فراع الكائب أي لا تشكون فيه إلا كما تشكون في رؤية القمرين، وليس في رؤيتهما شك فلا تشكون فيها البتة. (قال:) أي النبي ◌َّ (فيلقى) أي الرب (العبد) أي عبداً من عباده (فيقول: أي فل) بضم الفاء وسكون اللام وتفتح وتضم أي فلان. ففي النهاية معناه يا فلان، وليس ترخيماً له لأنه لا يقال إلا بسكون اللام ولو كان ترخيماً لفتحوها أو ضموها. قلت: وقيل: فلا كما يقال: سعي في سعيد. قال سيبويه: ليست ترخيماً وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء وقد جاء في غير النداء، قال : * في لجة أمسك فلان عن فل * بكسر اللام للقافية، وإنما قيل: ليس مرخماً لأن شرط مثله أن يبقى بعد حذف النون والألف ثلاثة أحرف كمروان. وقال قوم أنه ترخيم فلان فحذفت النون للترخيم والألف لسكونها ويفتح اللام ويضم على مذهبي الترخيم. (ألم أكرمك) أي ألم أفضلك على سائر الحيوانات (وأسودك) أي ألم أجعلك سيداً في قومك (وأزوّجك) أي ألم أعطك زوجاً من جنسك ومكنتك منها وجعلت بينك وبينها مودة ورحمة ومؤانسة وألفة. (وأسخر لك الخيل والإبل) أي ألم أذللها لك. وخصتا بالذكر لأنهما أصعب الحيوانات. (وأذرك) أي ألم أذرك. والمعنى: ألم أدعك ولم أمكنك على قومك. (ترأس) أي تكون رئيساً على قومك، والجملة حال. (وتربع) أي تأخذ رباعهم وهو ربع الغنيمة. وكان ملوك الجاهلية يأخذونه لأنفسهم. (فيقول: بلى) أي في كل أو في الكل (قال: فيقول:) أي الرب (أفظننت) أي أفعلمت (أنك ملاقي) بضم الميم وتشديد الياء المحذوفة العائدة بحذف التنوين، والثانية ياء المتكلم المضاف إليه. (فيقول: لا. فيقول: فإني قد أنساك) أي اليوم أتركك من رحمتي (كما نسيتني) أي في الدنيا من طاعتي. قال الطيبي [رحمه الله]: هو مسبب عن قوله: أفظننت أنك ملاقي، يعني سودتك وزوجتك وفعلت بك من الاكرام حتى تشكرني وتلقاني لأزيد في الأنعام وأجازيك عليه، فلما نسيتني في الشكر نسيناك وتركنا جزائك وعليه قوله تعالى: ﴿كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى﴾ [طه - ١٢٦]. ونسبة النسيان إلى الله تعالى إما مشاكلة أو مجاز عن الترك. (ثم يلقى) أي الرب (الثاني) أي من العبيد (فذكر مثله) أي قال الراوي: ذكر ◌َّ في الثاني مثل ما ذكر في الأوّل من سؤال الله تعالى له وجوابه. (ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني) أي يمدح الثالث على نفسه (بخير ما استطاع. فيقول:) أي الرب (ههنا إذا) بالتنوين. قال الطيبي [رحمه الله]: إذاً جواب وجزاء، والتقدير إذا أثنيت على نفسك بما أثنيت إذا فأثبت هنا كى نريك أعمالك ٢٠٢٫٠١ ٢١٥ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحساب والقصاص والميزان ثمَّ يقال: الآنَ نبعثُ شاهداً عليكَ، ويتفكّرُ في نفسِه: مَن ذا الذي يشهدُ عليَّ؟ فيُختم على فيهِ، ويُقال لفخذِه: انطقي، فتنطقُ فخِذُه ولحمُه وعظامُه بعملِه، وذلكَ ليُعذِرَ منْ نفسِه، وذلكَ المنافقُ، وذلكَ الذي يسخطُ اللَّهُ عليه)). رواه مسلم. وذُكر حديث أبي هريرةَ: ((يدخلُ منْ أُمَتي الجنَّةَ) في ((باب التوكُل)) برواية ابن عبّاسٍ. الفصل الثاني ٥٥٥٦ _ (٨) عن أبي أمامةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَّ يقول: ((وعدَني ربِّي أن يُدخلَ الجثّةَ من أُمتي سبعينَ ألفاً **** "٠٣٠ بإقامة الشاهد عليها. وقال شارح: أي يقول: إذا تجزى بأعمالك ههنا. وقال ابن الملك: أي أقر الثالث بطنه لقاء الله تعالى وعد أعماله الصالحة فيقول ههنا إذا، أي قف في هذا الموضع إذا ذكرت أعمالك حتى تتحقق خلاف ما زعمت. (ثم يقال: الآن نبعث شاهداً عليك ويتفكر) أي العبد الثالث (في نفسه من ذا الذي يشهد علي) حال تقديره يتفكر في نفسه قائلاً: من ذا الذي يشهد علي. (فيختم على فيه) أي فمه (فيقال:) وفي نسخة: ويقال (لفخذه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه) أي المتعلقة بفخذه (بعمله وذلك) أي انطاق أعضائه أو بعث الشاهد عليه. وقال الطيبي [رحمه الله]: أشار إلى المذكور من السؤال والجواب وختم الفم ونطق الفخذ وغيره (ليعذر من نفسه) قال التوربشتي [رحمه الله]: ليعذر على بناء الفاعل من الأعذار. والمعنى: ليزيل الله عذره من قبل نفسه بكثرة ذنوبه وشهادة أعضائه عليه بحيث لم يبق له عذر يتمسك به. وقيل: ليصير ذا عذر في تعذيب من قبل نفس العبد. (وذلك) أي العبد الثالث (المنافق وذلك الذي سخط) بكسر الخاء أي غضب (الله عليه. رواه مسلم. وذكر حديث أبي هريرة: يدخل من أمتي الجنة) صوابه على ما سبق: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. (في باب التوكل برواية ابن عباس) فكأن البغوي [رحمه الله ]ذكر الحديث مكرراً بإسنادين أحدهما هنا عن أبي هريرة والآخر هناك عن ابن عباس، فحذف صاحب المشكاة ما هنا وأشار إلى أنه ذكر سابقاً برواية ابن عباس تنبيهاً على ذلك فاندفع ما يتوهم من التدافع بين قوله: حديث أبي هريرة، وقوله: برواية ابن عباس. ٢٠٠٠ ١ ٢٩٠. (الفصل الثاني) ٥٥٥٦ _ (عن أبي أمامة) أي الباهلي (قال: سمعت رسول الله وَلي يقول: وعدني ربي أن يدخل الجنة) من الادخال لقوله: (سبعين ألفاً) والمراد به إما هذا العدد أو الكثرة. قال الحديث رقم ٥٥٥٦: أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٥٤٠ حديث رقم ٢٤٣٧. وابن ماجه في السنن ٢٪ ١٤٣٣ حديث رقم ٤٢٨٥. والدارمي في السنن ٤٢٢/٢ حديث رقم ٢٨٠٧. وأحمد في المسند ٢٦٨/٥. สายที่ ٢١٦ ٠١٠٥٤ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحساب والقصاص والميزان لا حسابَ عليهم، ولا عذابَ، مع كلِّ ألفٍ سبعون ألفاً، وثلاث حثَياتٍ منْ حثَياتِ ربِّي)). رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. ٥٥٥٧ _ (٩) وعن الحسن، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول اللهِ وَطيقول: ((يعرضُ الناس يومَ القيامةِ ثلاثَ عَرضاتٍ: فأما عَرْضَتان فجدالٌ ومعاذيرٌ، وأما العرضةُ الثالثةُ فعند ذلك تطيرُ الصحفُ الأزهري: سبعين في قوله تعالى: ﴿أن تستغفر لهم سبعين مرة﴾. جمع السبع الذي يستعمل للكثرة، ألا ترى أنه لو زاد على السبعين لم يغفر لهم. (لا حساب عليهم) أي لا مناقشة لهم في المحاسبة (ولا عذاب) أي بالأولى أو لا عذاب مما يترتب على الحساب (مع كل ألف سبعون ألفاً وثلاث حثيات) بفتح الحاء والمثلثة جمع حثية. (من حثيات ربي) قال شارح: الحثية والحثوة يستعمل فيما يعطيه الإنسان بكفيه دفعة واحدة من غير وزن وتقدير ثم تستعار لما يعطى من غير تقدير. واضافة الحثيات إلى ربه تعالى للمبالغة في الكثرة. قال صاحب النهاية: الحثيات كناية عن المبالغة والكثرة وإلا فلا كف ثمة ولا حتى جلَّ الله عن ذلك. ثم قوله: وثلاث، مرفوع عطف على سبعون وهو أقرب. وقيل منصوب عطفاً على سبعين، أي وأن يدخل ثلاث قبضات من قبضاته أي عدداً غير معلوم. والمعنى: يكون مع هذا العدد المعلوم عدد كثير غير معلوم، أو المراد منهما جميعاً المبالغة في الكثرة. قال الأشرف: يحتمل النصب عطفاً على قوله: سبعين ألفاً. والرفع عطفاً على قوله: سبعون ألفاً. والرفع أظهر في المبالغة، إذ التقدير مع كل ألف سبعون ألفاً وثلاث حثيات بخلاف النصب. قال التوربشتي رحمه الله] الحثية ما يحثيه الإنسان بيديه من ماء أو تراب أو غير ذلك ويستعمل فيما يعطيه المعطي بكفيه دفعة واحدة وقد جيء به ههنا على وجه التمثيل وأريد بها الدفعات، أي يعطي بعد هذا العدد المنصوص عليه ما يخفى على العادين حصره وتعداده فإن عطاءه الذي لا يضبطه الحساب أو في وأربي من النوع الذي يتداخله الحساب. قلت: ويمكن حمله على التجلي الصوري والله أعلم بالصواب. (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه). ٥٥٥٧ - (وعن الحسن) أي البصري (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: يعرض الناس) أي على الله (يوم القيامة ثلاث عرضات) بفتحتين. قيل: أي ثلاث مرات. فأما المرة الأولى فيدفعون عن أنفسهم ويقولون: لم يبلغنا الأنبياء ويحاجون الله تعالى، وفي الثانية يعترفون ويعتذرون بأن يقول كل فعلته سهواً وخطأ أو جهلاً أو رجاء ونحو ذلك، وهذا معنى قوله: (فأما عرضتان فجدال ومعاذير) جمع معذرة ولا يتم قضيتهم في المرتين بالكلية (وأما العرضة الثالثة فعند ذلك تطير الصحف) كذا هو في سنن الترمذي وجامع الأصول، وفي نسخ المصابيح: تطاير أي تتطاير الصحف وهو بضمتين جمع الصحيفة وهو الحديث رقم ٥٥٥٧: أخرجه الترمذي في السنن ٥٣٣/٤ حديث رقم ٢٤٢٥. وابن ماجه في السنن ٢٪ ١٤٣٠ حديث رقم ٤٢٧٧. وأحمد في المسند ٤/ ٤١٤. / ٠.٠ ٢١٧ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان في الأيدي، فآخذٌ بيمينهِ وآخذٌ بشماله)). رواه أحمد، والترمذي وقال: لا يصحُّ هذا الحديثُ من قِبَلٍ أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة. ٥٥٥٨ - (١٠) وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى. ٥٥٥٩ _ (١١) وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، قال: قال رسول الله وَله: ((إِن اللَّهَ سيخلّصُ رجلاً من أُمَتي على رؤوس الخلائق يومَ القيامةِ، فينشرُ عليه تسعةً وتسعين سِجِلاً، كلُّ سِجِلٍ مثلُ مدَّ البصرِ، ثم يقول: أَتُنكِرُ من هذا شيئاً؟ أَظَلمَكَ كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، ٣٠٠٠٪ يا رب! فيقول: أَفلكَ عُذْرٌ؟ قال: لا، يا رب! فيقول: بلى؛ إِن لكَ عندنا المكتوب. وقال شارح للمصابيح: تطاير الصحف، أي تفرقها إلى كل جانب. فروايته بالمصدر، وأما على رواية غيره فبالمضارع، أي يسرع وقوعها. (في الأيدي) أي أيدي المكلفين جميعاً. (فآخذ بيمينه وآخذ بشماله) الفاء تفصيلية، أي فمنهم آخذ بيمينه وهو من أهل السعادة ومنهم آخذ بشماله وهو من أهل الشقاوة، فحينئذ تتم قضيتهم على وفق البداية ويتميز أهل الضلالة من أهل الهداية. (رواه أحمد والترمذي وقال:) أي الترمذي (لا يصح هذا الحديث من قبل) بكسر ففتح، أي من جهة (أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة) أي فإسناده منقطع غير متصل. لكن قال الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح أن البخاري أخرج في صحيحه الحسن عن أبي هريرة ثلاثة أحاديث وبينها قال: وأما مسلم فلم يخرج للحسن عن أبي هريرة شيئاً نقله ميرك. أقول: ولا يلزم من عدم إخراج مسلم حديثه عنه أنه لا يصح إسناده، إذ شرط البخاري وهو تحقق اللقى ولو مرة أقوى من شرط مسلم وهو مجرد وجود المعاصرة. ٥٥٥٨ - (وقد رواه) أي هذا الحديث (بعضهم) أي بعض المخرجين (عن الحسن عن أبي موسى) يعني فالحديث متصل من طريقه واعتضد بإسناده، فإن المؤلف ذكر في أسماء رجاله أن الحسن روى عن الصحابة كأبي موسى وأنس بن مالك وابن عباس وغيرهم. ٥٥٥٩ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: قال رسول الله وَالقول: إن الله سيخلص) بتشديد اللام أي يختار (رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر) بضم الشين المعجمة أي فيفتح (عليه تسعة وتسعين سجلاً) بكسرتين فتشديد، أي كتاباً كبيراً. (كل سجل مثل مد البصر) أي كل كتاب منها طوله وعرضه مقدار ما يمتد إليه بصر الإِنسان (ثم يقول:) أي الرب (أتنكر من هذا) أي المكتوب (شيئاً) أي مما لا تفعله (أظلمك كتبتي) بفتحات جمع كاتب، والمراد الكرام الكاتبون. (الحافظون) أي لأعمال بني آدم (فيقول: لا يا ربٍ) جواب لهما جميعاً أو لكل منهما (فيقول: ألك عذر) أي فيما فعلته من كونه سهواً أو خطأً أو جهلاً ونحو ذلك (قال: لا يا رب. فيقول: بلى) أي لك عندنا ما يقوم مقام عذرك (إن لك عندنا الحديث رقم ٥٥٥٨: أحمد في المسند ٤١٤/٤. الحديث رقم ٥٥٥٩: أخرجه الترمذي في السنن ٢٥/٥ حديث رقم ٢٦٣٩. وابن ماجه ١٤٣٧/٢ حديث رقم ٤٣٠٠ وأحمد في المسند ٢١٣/٢. ٢١٨ ١٣٠٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان حسنةً، وإِنه لا ظلم عليكَ اليوم، فتخرجُ بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً :- عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنكَ. فيقول: يا رب! ما هذه البطاقةُ مع هذه السجلات؟ فيقول: إِنك لا تُظلمُ، قال: فتوضعُ السجلاتُ في كِفَّةٍ والبطاقةُ في كِفَّةٍ، فطاشتْ السجلات وثقلتِ البطاقة، فلا يَثْقُلُ مع اسمِ اللَّهِ شيءٌ)). حسنة) أي واحدة عظيمة مقبولة تمحو جميع ما عندك. قال تعالى: ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ [النساء - ٤٠]. وإذا قال الله [جلَّ جلاله ولا إله غيره الشيء عظيم فهو عظيم. وقد قال عمر رضي الله (تعالى )عنه: لئن كانت لي حسنة عند الله كفتني. (وإنه) أي الشأن (لا ظلم عليك اليوم) لعله مقتبس من قوله تعالى: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم ﴾ [غافر - ١٧]. أي بنقصان أجر لك ولا بزيادة عقاب عليك بل لا حكم إلا الله، وهو إما بالعدل وإما بالفضل. (فتخرج) بصيغة المجهول، أي فتظهر (بطاقة) بكسر الباء أي رقعة صغيرة ثبت فيها مقدار ما به ويجعل في الثوب إن كان عيناً فوزنه أو عدده، وإن كان متاعاً فثمنه أو قيمته. وقيل: سميت بذلك لأنها تشد بطاقة من هدب الثوب فتكون التاء حينئذ زائدة وهي كلمة كثيرة الاستعمال بمصر، ويروى بالنون وهو غريب. (فيها) أي مكتوب في البطاقة (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله) يحتمل أن الكلمة هي أوّل ما نطق بها. واختلف العلماء في أن الإقرار شرط الإِيمان أو شطره، ويحتمل أن تكون غير تلك المرة مما وقعت مقبولة عند الحضرة وهو الأظهر في مادة الخصوص من عموم الأمة. (فيقول: احضر وزنك) أي الوزن الذي لك أو وزن عملك أو وقت وزنك أو آلة وزنك وهو الميزان ليظهر لك انتفاء الظلم وظهور العدل وتحقق الفضل. (فيقول: يا رب ما هذه البطاقة) أي الواحدة (مع هذه السجلات) أي الكثيرة وما قدرها بجنبها ومقابلتها (فيقول: إنك لا تظلم) أي لا يقع عليك الظلم لكن لا بد من اعتبار الوزن کي يظهر أن لا ظلم عليك فاحضر الوزن. قيل: وجه مطابقة هذا جواباً لقوله: ما هذه البطاقة أن اسم الإشارة للتحقير كأنه أنكر أن يكون مع هذه البطاقة المحقرة موازنة لتلك السجلات فرد بقوله: إنك لا تظلم بحقيرة، أي لا تحقر هذه فإنها عظيمة عنده سبحانه إذ لا يثقل مع اسم الله شيء ولو ثقل عليه شيء لظلمت. (قال: فتوضع السجلات في كفة) بكسر فتشديد أي فردة من زوجي الميزان. ففي القاموس: الكفة بالكسر من الميزان معروف ويفتح. (والبطاقة) أي وتوضع (في كفة) أي في أخرى (فطاشت السجلات) أي خفت (وثقلت البطاقة) أي رجحت والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه. ففي الدر أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة أنه تلا هذه الآية يعني: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ [النساء - ٤٠]. فقال: لأن تفضل حسناتي على سيئاتي مثقال ذرة أحب إليّ من الدنيا وما فيها. ثم هذا الحديث يحتمل أن تكون البطاقة وحدها غلبت السجلات وهو الظاهر المتبادر، ويحتمل أن تكون مع سائر أعماله الصالحة ولكن الغلبة ما حصلت إلا ببركة هذه البطاقة. (فلا يثقل) بالرفع وفي بعض النسخ بالجزم. لا يظهر وجهه بحسب المعنى: أي فلا يرجح ولا يغلب. (مع اسم الله شيء) والمعنى لا يقاومه شيء من المعاصي بل يترجح ذكر الله تعالى على جميع المعاصي. قال تعالى: ﴿إن ٢١٩ கிளை : كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان رواه الترمذي، وابن ماجه. ٥٥٦٠ - (١٢) وعن عائشةَ، أنَّها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله وَلقول: ((ما يبكيكِ؟)). قالت: ذكرتُ النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يومَ القيامةِ؟ فقال رسول الله وَلّ: ((أمَّا في ثلاثةِ مواطن فلا يذكر أحدٌ أحداً: عند الميزان حتى يعلم: أيخِفُّ ميزانِه أم يثقل؟ وعند الكتاب حين يقال ﴿هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾، حتى يعلم: أين يقع كتابُه، أفي يمينه أم في شماله؟ أم من وراء ظهره؟ الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود - ١١٤]. ﴿ولذكر الله أكبر ﴾ [العنكبوت - ٤٥]. فإن قيل: الأعمال أعراض لا يمكن وزنها وإنما توزن الأجسام. أجيب بأنه يوزن السجل الذي كتب فيه الأعمال ويختلف باختلاف الأحوال، أو أن الله يجسم الأفعال والأقوال فتوزن فتثقل الطاعات وتطيش السيئات لثقل العبادة على النفس وخفة المعصية عليها، ولذا ورد: ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات))(١) (رواه الترمذي وابن ماجه). ٥٥٦٠ - (وعن عائشة) رضي الله تعالى عنها (إنها ذكرت) أي في نفسها (النار) أي نار جهنم (فبكت) أي خوفاً منها (فقال رسول الله وَالقيد: ما يبكيك) أي ما سبب بكائك (قالت: ذكرت النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة. فقال رسول الله ويتليفون: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً) أي بالخصوص. وأما الشفاعة العظمى فهي عامة للخلائق كلها. (عند الميزان) قال أهل الحق: الميزان حق. قال تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) [الأنبياء - ٤٧]. يوضع ميزان يوم القيامة يوزن به الصحائف التي يكون مكتوباً فيها أعمال العباد وله كفتان إحداهما للحسنات والأخرى للسيئات. وعن الحسن له كفتان ولسان ذكره الطيبي [رحمه الله]. (حتى يعلم) أي كل أحد (أيخف ميزانه أم يثقل) ظاهره أنه يعم كل أحد ولا يستثنى منه نبي ولا مرسل (وعند الكتاب) أي نطايره أو عند عطائه (حين يقال:) أي يقول من يعطى بيمينه ((هاؤم﴾) أي خذوا ((اقرؤوا كتابيه﴾)(٢) تنازع فيه الفعلان والهاء للسكت لبيان ياء الإضافة. (حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله من وراء ظهره) كذا في سنن أبي داود وبعض نسخ المصابيح وفي أكثرها، أو من وراء ظهره. وفي جامع الأصول أم بدل أو والأوّل أولى وأوفق للجمع بين معنى الآيتين: ﴿فأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه﴾ [الحاقة - ٢٥]. ﴿وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبوراً ويصلى سعيراً﴾ [الانشقاق - ١٠]. الكشاف قيل: يغل يمناه إلى عنقه وتجعل شماله وراء ظهره ويؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقيل: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره كذا ذكره الطيبي [رحمه (١) مر في كتاب الرقاق. الحديث رقم ٥٥٦٠: أخرجه أبو داود في السنن ١١٦/٥ حديث رقم ٤٧٥٥. وأحمد في المسند ٦/ ١١٠. وأحمد في المسند ٦/ ١١٠. (٢) سورة الحاقة . آية رقم ١٩. ٢٢٠ ٠٢٠ كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحساب والقصاص والميزان وعند الصراط : إِذا وضعَ بینَ ظهري جهنم». رواه أبو داود. الفصل الثالث ٥٥٦١ _ (١٣) عن عائشةَ، قالتْ: جاءَ رجلٌ فقعدَ بين يدي رسولِ اللهِ وَ لتر فقال: یا رسولَ الله! إِنَّ لي مملوكين يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني وأشتمهم وأضربهم؛ فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله وَّهِ: ((إِذا كان يومُ القيامة يُحسَبُ ما خانوكَ وعصوْكَ وكذبوكَ، وعقابُك إياهم؛ فإن كان عقابُك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا لك ولا عليك، وإِن كانَ الله]. (وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم) أي وسطها وفوقها. والمعنى: حتى يعلم أنه نجا بالمرور منها والورود عنها أو وقع وسقط وزل فيها. قال تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً﴾ [مريم - ٧١ و٧٢]. قال النووي [رحمه الله]: مذهب أهل الحق أنه جسر ممدود على متن جهنم يمر عليه الناس كلهم فالمؤمنون ينجون على حسب أعمالهم ومنازلهم والآخرون يسقطون فيها عافانا الله الكريم. والمتكلمون من أصحابنا والسلف يقولون إنه أدق من الشعر وأحد من السيف وهكذا جاء في رواية أبي سعيد. (رواه أبو داود) قال السيد جمال الدين [رحمه الله]: أي عن الحسن البصري [رحمه الله]عن عائشة [رضي الله عنها]وهو منقطع. (الفصل الثالث) ٥٥٦١ _ (عن عائشة قالت: جاء رجل فقعد بين يدي رسول الله (1803) أي قدامه (فقال: يا رسول الله إن لي مملوكين) بكسر الكاف، أي مماليك وهو يحتمل الذكور والإناث ففيه تغليب (يكذبونني) أي يكذبون في أخبارهم لي (ويخونونني) أي في مالي (ويعصونني) أي في أمري ونهيي (وأشتمهم) بكسر التاء ويضم. ففي المصباح شتم من باب ضرب. وفي القاموس من باب نصر أيضاً، أي أسبهم. (وأضربهم) أي ضرب تأديب (فكيف أنا منهم) أي كيف يكون حالي من أجلهم وبسببهم عند الله تعالى. (فقال رسول الله وَليقول: إذا كان يوم القيامة بحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك) أي مقدارها (وعقابك) عطف على ما خانوك، أي ويحسب أيضاً قدر شتمك وضربك إياهم (فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم) أي عرفاً وعادة (كان) أي أمرك (كفافاً) بفتح الكاف. ففي القاموس: كفاف الشيء كسحاب مثله، ومن الرزق ما كف عن الناس وأغنى. وفي النهاية: الكفاف الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه (١) وهذا هو الأنسب بالمقام، ولذا قال بياناً له: (لا لك ولا عليك) أي ليس لك فيه ثواب ولا عليك فيه عقاب، بل فعله مباح ليس عليك جناح. (فإن) وفي نسخة: وإن. (كان الحديث رقم ٥٥٦١: أخرجه الترمذي في السنن ٣٠٠/٥ حديث رقم ٣١٦٥. وأحمد في المسند ٢٨٠/٦. (١) في المخطوطة ((لديه)).