النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب النفخ في الصور
یُرگّبُ».
٥٥٢٢ _ (٢) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَيِّ: ((يقبِضُ اللَّهُ الأرضَ يومَ القيامةِ،
ويطوي السَّماءَ بَيَمينه، ثمَّ يقولُ: أنا الملكُ، أينَ مُلوكُ الأرضِ؟)). متفق عليه.
٥٥٢٣ - (٣) وعن عبدِ الله بنِ عُمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((يطوي اللَّهُ
وسبق أن في تأتي مرادفة لمن. (يركب) أي ثانياً. قال النووي [رحمه الله]: هذا مخصوص
فيخص منه الأنبياء فإن الله حرم على الأرض أجسادهم وهو كما صرح به في الحديث.
٥٥٢٢ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَله: يقبض الله الأرض يوم
القيامة ويطوي السماء) ولعل المراد بهما إبدالهما كما قال تعالى: ﴿يوم تبدل الأرض غير
الأرض والسموات ﴾ [إبراهيم - ٤٨]. (بيمينه) أي بقوته أو قدرته أو بيمينه الصادر عنه أنه
يفعله، أو بقبض الملائكة وطيهم الكائنين بيمين عرشه. قال القاضي: عبر به عن إفناء الله
تعالى هذه المظلة وهذه المقلة ورفعهما من البين وإخراجهما من أن يكونا مأوى ومنزلاً لبني آدم
بقدرته الباهرة التي تهون عليها الأفعال العظام التي يتضاءل دونها القوي والقدر، ويتحير فيها
الافهام والفكر على طريقة التمثيل والتخييل. وأضاف في الحديث الذي يليه طي السموات
وقبضها إلى اليمين وطي الأرض إلى الشمال تنبيهاً وتخييلاً لما بين المقبوضين من التفاوت
والتفاضل. وقال بعضهم: اعلم أن الله تعالى منزه عن الحدوث وصفة الأجسام وكل ما ورد في
القرآن والأحاديث في صفاته مما ينبىء عن الجهة والفوقية والاستقرار والإتيان والنزول فلا
نخوض في تأويله، بل نؤمن بما هو مدلول تلك الألفاظ على المعنى الذي أراد سبحانه مع
التنزيه عما يوهم الجهة والجسمية. (ثم يقول: أنا الملك) أي لا ملك إلا لي، وأنا ملك
الملوك والأملاك. وفيه تنبيه على أن الملك أبلغ من المالك مع أن المفسرين اختلفوا في قوله
تعالى: ﴿ملك يوم الدين﴾ و﴿مالك يوم الدين﴾ [الفاتحة - ٤]. إن أي القراءتين أبلغ كما
أشار إليه الشاطبي بقوله:
* ومالك يوم الدين راويه ناصر *
ومجمل الكلام في البيضاوي مذكور والتفصيل في غيره مسطور. (أين ملوك الأرض) أي
الذين كانوا يزعمون أن الملك لهم استقلالاً أو دواماً لا يرون به زوالاً، أو الذين كانوا يدعون
الألوهية في الجهة السفلية. وقيد بها لأن الملأ الأعلى هم معصومون عن أفعال أهل السفلى.
(متفق عليه) ورواه النسائي وابن ماجه .
٥٥٢٣ - (وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَليقول: يطوي الله
الحديث رقم ٥٥٢٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٥١/٨. حديث رقم ٤٨١٢. ومسلم في صحيحه ٤٪
٢١٤٨ حديث رقم (٢٣ .٢٧٨٧) والدارمي في السنن ٤١٨/٢ حديث رقم ٢٧٩٩.
الحديث رقم ٥٥٢٣: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٤٨/٤. حديث رقم (٢٧٨٨.٢٤) وأبو داود في السنن
١٠/٥ حديث رقم ٤٧٣٢. وأخرجه ابن ماجه في السنن ١٩/١ حديث رقم ١٩٨.
*جوي

/٢٠
ـي المياه المحتوم) !!
١٨٢
/ ٣٢
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب النفخ في الصور
السماواتِ يومَ القيامةِ، ثمَّ يأخذُهنَّ بيدِه اليُمنى، ثمَّ يقولُ: أنا الملكُ، أينَ الجبَّارونَ؟ أينَ
المتكبّرونَ؟ ثمَّ يطْوي الأرَضينَ بشِمالِه - وفي رواية: يأخذهنَّ بيدِه الأخرى - ثمَّ يقولُ: أنا
الملكُ، أينَ الجبّارونَ؟ أينَ المتكبّرونَ؟)). رواه مسلم.
٥٥٢٤ _ (٤) وعن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: جاءَ حَبْرٌ منَ اليهودِ إِلى النَّبِيِّ وَِّ،
فقال: يا محمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يُمسكُ السَّماواتِ يومَ القيامةِ على أصبعٍ، والأرضينَ على أصبعٍ،
والجبالَ والشجرَ على أصبعٍ، والماءَ والثَّرى على أصبعٍ، وسائرَ الخلقِ على أصبعِ،
السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: (أنا الملك أين الجبارون) أي الظلمة
القهارون (أين المتكبرون) أي بمالهم وجاههم وخيلهم وحشمهم. لقد جئتمونا فرادى كما
خلقناكم أوّل مرة. حفاة عراة غرلاً. (ثم يطوي الأرضين) بفتح الراء وتسكن (بشماله. وفي
رواية: يأخذهن) أي بدل يطوي، فالتقدير: ثم يأخذهن. (بيده الأخرى) وهذه الرواية أوفق
بحديث: وكلتا يديه يمين. وضميرهن إلى الأرضين بقرينة ذكر السموات. ويحتمل أن
المصنف نقل بالمعنى وأن لفظ الرواية: ثم يأخذ الأرضين بيده الأخرى. (ثم يقول: أنا
الملك أين الجبارون أين المتكبرون) فينظر في الأصول لطلب الأخرى. قال أصحاب
التأويل: المراد باليد اليمنى والشمال المقدرة، والمراد من الطي التسخير التام والقهر الكامل
وهو كذلك الآن أيضاً، ولكن في القيامة يكون أظهر ونسب طي السموات إلى اليمين وطي
الأرضين إلى الشمال تنبيهاً لما بينهما من المقبوضين من التفاوت بعد أن نزه ذاته سبحانه من
نسبة الشمال إليه بقوله: ((وكلتا يديه يمين))(١). لأن الشمال ناقص في القوّة عادة والله منزه
عن النقصان وعن سائر صفات الحدثان (رواه مسلم).
٥٥٢٤ - (وعن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر) بفتح الحاء ويكسر مفرد الأحبار، أي
عالم. (من اليهود) أي من جملتهم أو من أحبارهم (إلى النبي وَ﴿ فقال: إن الله يمسك
السموات يوم القيامة على أصبع) بكسر الهمزة وفتح الموحدة. وفي القاموس بتثليث الهمزة
والباء، ففيه تسع لغات. (والأرضين على أصبع والجبال والشجر) أي جنسه (على أصبع والماء
والثرى) أي التراب الندي يعني الماء وما تحته من الثرى (على أصبع وسائر الخلق) أي باقيه
(على أصبع) وهذا الحديث بظاهره يخالف ما سبق من أن طي العلوي بيمينه والسفلي
بالأخرى، وأيضاً ظاهر تقسيم الأشياء على الأصابع موهم لإرادة تحقق الجارحة المشتملة على
الأصابع الخمسة كما هو مذهب المجسمة من اليهود وسائر أهل البدع، ولكنه لما قرره وَلتر
حيث لم ينكره لزم إما (٢) التأويل وهو مذهب الخلف وهو أعلم، أو التسليم والتفويض مع
(١) من حديث أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٥٨/٣ حديث رقم ١٨٢٧.
الحديث رقم ٥٥٢٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٥٥١. حديث رقم ٤٨١١. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٤٧ حديث رقم (٢٧٨٦.١٩) والترمذي ٣٤٥/٥ حديث رقم ٣٢٣٨.
(٢) في المخطوطة ((أن)).
٨ تقتر »

كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب النفخ في الصور
١٨٣
١
ثمَّ يهُزُّهُنَّ فيقولُ: أنا الملكُ، أنا اللَّهُ. فضحكَ رسولُ اللهِ وَّةِ تعجُّباً ممَّا قال الحَبرُ تصديقاً
له. ثمَّ قرأ: ﴿وما قدَروا اللَّهَ حقَّ قذرِهِ والأرضُ جميعاً قبضتُه يومَ القيامة والسَّماواتُ
مطوِيَّاتٌ بيَمينِه سبحانه وتعالى عمَّا يشركونَ﴾. متفق عليه.
٥٥٢٥ _ (٥) وعن عائشةً، قالت: سألتُ رسولَ الله وَ لَه عن قولِه:
٠
الاتفاق على التنزيه وهو مذهب السلف وهو أسلم والله [تعالى] أعلم. فقال شارح: والمعنى
يهون على الله إمساكها وحفظها كما يقال في العرف: فلان يحمل بأصبعه لقوته. وقال
التوربشتي: السبيل في هذا الحديث أن يحمل على نوع من المجاز أو ضرب من التمثيل،
والمراد منه تصوير عظمته والتوفيق على جلالة شأنه وأنه سبحانه يتصرف في المخلوقات
تصرف قوي قادر على أدنى مقدور. تقول العرب في سهولة المطلب وقرب التناول ووفور
القدرة وسعة الاستطاعة هو مني على حبل الذراع وإني أعالج ذلك ببعض كفي، واستقله بفرد
أصبع ونحو ذلك من الألفاظ استهانة بالشيء واستظهاراً في القدرة عليه. والمتورع عن الخوض
في تأويل أمثال هذا الحديث في فسحة من دينه إذ لم ينزلها في ساحة الصدر منزلة مسميات
الجنس (ثم يهزهن) الضمير للأصابع، والمعنى يحركهن. (فيقول: أنا الملك) أي القادر القوي
القاهر (أنا الله) أي المعبود بالحق المستحق للمعبودية والعبادة في الباطن والظاهر. (فضحك
رسول الله وَلا تعجباً مما قال الحبر تصديقاً له) علة العلة. قال صاحب الكشاف: إنما ضحك
أفصح العرب وتعجب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصور إمساك ولا
أصبع ولا هز ولا شيء من ذلك، ولكن فهمه وقع أول شيء وآخره على الزبدة والخلاصة التي
هي الدلالة على القدرة الباهرة. ولا ترى باباً في علم البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا
أنفع وأهون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام
الأنبياء، فإن أكثره تخيلات قد زلت فيها الأقدام قديماً. (ثم قرأ:) أي النبي ◌َّ اعتضاداً،
ويحتمل أن يكون القارىء هو ابن مسعود استشهاداً. (﴿وما قدروا الله حق قدره﴾) أي ما عرفوه
حق معرفته، أو ما عظموه حق تعظيمه. (﴿والأرض﴾) الواو للحال أي والحال أن جنس
الأرض وهو الأرضين السبع (﴿جميعاً قبضته﴾) أي مقبوضته وفي ملكه وتصرفه (﴿يوم
القيامة﴾) يتصرف فيه كيف يشاء بلا مزاحم مع سهولة. والمعنى أنهن بعظمتهن بالنسبة إلى
قدرته ليست إلا قبضة واحدة. (﴿والسموات مطويات بيمينه﴾) أي مجموعات بقدرته أو
مغيبات بقسمه لأنه تعالى أقسم بعزته وجلاله أنه يفنيهما. ((سبحانه وتعالى عما يشركون﴾)(١)
بنسبة الولد والشريك إليه (متفق عليه) ورواه الترمذي والنسائي.
وبية
٤
٥٥٢٥ - (وعن عائشة) رضي الله [تعالى] عنها (قالت: سألت رسول الله وَ لفر عن قوله:)
(١) سورة الزمر. آية رقم ٦٧.
الحديث رقم ٥٥٢٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٥٠/٤ حديث رقم (٢٧٩١.٢٩). وابن ماجه في
السنن ١٤٣٠/٢ حديث رقم ٤٢٧٩. والدارمي في السنن ٤٢٣/٢ حديث رقم ٢٨٠٩. وأحمد في
المسند ٣٥/٦.
«هوم

٠٠٫٢٥
١٨٤
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب النفخ في الصور
﴿يومَ تُبدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرض والسَّماواتُ﴾، فأينَ يكونُ الناسُ يومئذ؟ قال: ((على
الصراطِ». رواه مسلم.
٥٥٢٦ - (٦) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((الشمسُ والقمرُ مكوّران
يوم القيامة)). رواه البخاري.
أي سبحانه وتعالى (﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض﴾) أي يوم تبدل هذه الأرض التي
تعرفونها أرضاً أخرى غير هذه المعروفة (﴿والسموات))(١) أي كذلك. قال صاحب
الكواشي: إنها تبدل بخبزة بيضاء فيأكل المؤمنون من تحت أقدامهم حتى يفرغ الحساب
وسيأتي في أول باب الحشر ما يؤيد هذا المعنى. وروي عن الضحاك أنه يبدلها أرضاً من
فضة بيضاء كالصحائف، وكذا عن علي كرم الله وجهه [ورضي الله تعالى عنه]. وفي شرح
السنة: التبديل تغيير الشيء عن حاله، والإبدال جعل الشيء مكان آخر. وقال الطيبي [رحمه
الله]: قد يكون التبديل في الذوات كقولك: بدلت الدراهم دنانير، وفي الأوصاف كقولك:
بدلت الحلقة خاتماً إذا أذبتها وسوّيتها خاتماً. واختلف في تبديل الأرض والسموات فقيل:
تبدل أوصافهما فتسير على الأرض جبالها وتفجر بحارها وتجعل مستوية لا ترى فيها عوجاً
ولا أمتاً، وتبدل السموات بانتشار كواكبها وكسوف شمسها وخسوف قمرها. وقيل: يخلق
بدلها أرض وسموات أخر. وعن ابن مسعود وأنس: يحشر الناس على أرض بيضاء لم
يخطىء عليها أحد خطيئة (٢). والظاهر من التبديل تغيير الذات كما يدل عليه السؤال
والجواب حيث قالت: (فأين يكون الناس يومئذ. قال: على الصراط) المعهود عند الناس أو
جنس الصراط والله [تعالى] أعلم (رواه مسلم).
١١٣٢ / ٠٣٠
٥٥٢٦ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله يتلقى: الشمس والقمر مكوران) بتشديد
الواو المفتوحة وتذكيره لتغليب القمر لأنه المذكر، أو باعتبار الكوكبين النيرين. وقوله: (يوم
القيامة) ظرف له والتكوير معناه اللف ومنه تكوير العمامة. وقال تعالى: ﴿يكور الليل على
النهار ﴾ [الزمر - ٥]. وهو معنى الجمع في قوله تعالى: ﴿وجمع الشمس والقمر﴾ [القيامة -
٩]. قال التوربشتي: يحتمل أنه من التكوير الذي هو بمعنى اللف والجمع، أي يلف صورهما
لنا فيذهب انبساطهما في الآفاق. ويحتمل أن يراد به رفعهما لأن الثوب إذا طوي رفع،
ويحتمل أن يكون من قولهم طعنة مكورة من كوره إذا ألقاه، أي ملقيان من فلكهما. وهذا
التفسير أشبه بنسق الحديث لما في بعض طرقه: مكوران في النار. فيكون تكويرهما فيها
ليعذب بهما أهل النار، لا سيما عباد الأنوار ولا يعذبان في النار فإنهما بمعزل عن التكليف،
بل سبيلهما في النار سبيل النار نفسها وسبيل الملائكة الموكلين بها. (رواه البخاري) وروى ابن
مردويه عن أنس: الشمس والقمر ثوران عقيران في النار إن شاء أخرجهما وإن شاء تركهما:
والعقير الزمن.
(١) سورة إبراهيم . آية رقم ٤٨.
(٢) لم أقف عليه في كتب السنن والله تعالى أعلم.
الحديث رقم ٥٥٢٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٧/٦. حديث رقم ٣٢٠٠.
ديوو
٨ الجدد

١٨٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب النفخ في الصور
الفصل الثاني
٥٥٢٧ - (٧) عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَلّ: ((كيف أنعم
وصاحبُ الصور قد التقمه وأصغى سمعه، وحنى جبهته يَنْتَظِرُ متى يؤمرُ بالنفخ؟)). فقالوا:
يا رسول اللَّهِ! وما تأمرنا؟ قال: ((قولوا: حسبُنا اللَّهُ ونِعمَ الوكيل)). رواه الترمذي.
٥٥٢٨ _ (٨) وعن عبدِ اللَّهِ بن عَمُرٍو، عن النبي ◌ِ ◌ّرَ قال: ((الصورُ قرنٌ ينفخُ فيه)).
رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي.
(الفصل الثاني)
٥٥٢٧ - (عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ويثير: كيف أنعم) أي أفرح وأتنعم
من نعم عيشة كفرح اتسع ولأن كذا في المصباح. وفي النهاية: هو من النعمة بالفتح وهي
المسرة والفرح والترفه. (وصاحب الصور قد التقمه) أي وضع طرف الصور في فمه (وأصغى
سمعه) أي أمال أذنه (وحنى جبهته) أي أمالها وهو كناية عن المبالعة في التوجه الإصغاء السمع
وإلقاء الأذن (ينتظر متى يؤمر بالنفخ) والظاهر أن كلاً من الالتقام والإصغاء وما بعده على
الحقيقة وأنه عبادة لصاحبه بل هو مكلف به. وقال القاضي [رحمه الله]: معناه: كيف يطيب
عيشي وقد قرب أن ينفخ في الصور. فكني عن ذلك بأن صاحب الصور وضع رأس الصور في
فمه وهو مترصد مترقب لأن يؤمر فينفخ فيه. (فقالوا: يا رسول الله وما تأمرنا) أي أن نقول الآن
أو حينئذ أو مطلقاً عند الشدائد (قالوا: قولوا: حسبنا الله) مبتدأ وخبر أي كافينا الله (ونعم
الوكيل) فعيل بمعنى المفعول والمخصوص بالمدح محذوف. أي نعم الموكول إليه الله. (رواه
الترمذي) وكذا الحاكم، وصححه عنه. وعن ابن عباس. قال ميرك: عن ابن عباس قال :
حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه [الصلاة] والسلام حين ألقي في النار، وقالها
محمد ◌َّر حين قالوا له: ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ [آل عمران - ١٧٣]. الآية.
رواه البخاري والنسائي.
٥٥٢٨ _ (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (عن النبي ◌َّر قال: الصور قرن) قيل: دائرة
رأسه كعرض السموات والأرض. (ينفخ فيه) بصيغة المجهول، أي ينفخ فيه إسرافيل النفختين.
(رواه الترمذي وأبو داود والدارمي) وكذا أحمد والنسائي والحاكم.
الحديث رقم ٥٥٢٧: أخرجه الترمذي في السنن ٥٣٦/٤ حديث رقم ٢٤٣١. وأحمد في المسند ٧٣/٣.
الحديث رقم ٥٥٢٨: أخرجه أبو داود في السنن ١٠٧/٥ حديث رقم ٤٧٤٢. والترمذي في السنن ٥٣٦
حديث رقم ٢٤٣٠. والدارمي في السنن ٤١٨/٢ حديث رقم ٢٧٩٨. وأحمد في المسند ٢/ ١٦٢.
٠٢٠
١٠٤٠٥

*** :
س حبي
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب النفخ في الصور
١٨٦
الفصل الثالث
٥٥٢٩ _ (٩) عن ابن عبّاس، قال في قوله تعالى ﴿فإذا نُقر في النَّاقور﴾: الصّور قال:
و ﴿الراجفة): النفخة الأولى، و ﴿الرادفة﴾: الثانية. رواه البخاري في ترجمة بابٍ.
٥٥٣٠ _ (١٠) وعن أبي سعيد، قال: ذكرَ رسولُ اللهِ وَ لّ صاحبَ الصُّور، وقال:
((عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل)).
٥٥٣١ _ (١١) وعن أبي رَزِين العقيلي، قال: قلتُ: يا رسول الله! كيف يُعيدُ الله
الخلقَ؟ وما آية ذلك في خلقهِ؟ قال: ((أَمَا مررتَ بوادي قومكَ جَدْباً
(الفصل الثالث)
٥٥٢٩ - (عن ابن عباس قال: في قوله تعالى: ﴿فإذا نقر﴾) أي نفخ (﴿في الناقور﴾:
الصور) بالجر على التفسير. وفي نسخة بالرفع على تقدير هو الصور. (قال:) أي ابن عباس
أيضاً (﴿والراجفة﴾) أي في قوله تعالى: ﴿يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة﴾ [النازعات - ٦ و
٧]. (النفخة الأولى) لأنها ترجف الأرض والجبال عندها أي تضطرب وتتحرك وتتزلزل لها.
(﴿والرادفة﴾ الثانية) أي لأنها تقع عقيبها. وقال الطيبي: الراجفة الواقعة التي ترجف عندها
الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى وصفت بما يحدث بحدوثها. والرادفة الواقعة التي تردف
الأولى وهي النفخة الثانية. (رواه البخاري في ترجمة باب) بفتح التاء والجيم، أي في عنوانه
تعليقاً لکن وصله في موضع آخر منه.
١٢٠
٥٥٣٠ - (وعن أبي سعيد قال: ذكر رسول الله وَّي صاحب الصور) أي إسرافيل (وقال:
عن يمينه جبريل) بكسر الجيم وتفتح فكسر راء فسكون ياء وبفتحهما وبهمزة بعدها تحتية
وتحذف أربع لغات كلهن متواترات. (وعن يساره ميكائيل) بهمزة وتحتية وتحذف وبوزن
مفعال ثلاث قراءات. لكن في شرح الشاطبية للجعبري قال أبو عبيدة: هما ممدودان في
الحديث انتهى. وهو يحتمل أن مراده المدة الطبيعية أو حرف المد. ويحتمل أنه أراد جبرائيل.
بالألف الممدودة على الشذوذ واختير لمشاكلة ميكائيل والله [تعالى] أعلم.
٥٥٣١ - (وعن أبي رزين) بفتح الراء وكسر الزاي (العقيلي) مصغراً ولم يذكره المؤلف
في أسمائه. (قال: قلت: يا رسول الله كيف يعيد الله الخلق وما آية ذلك) أي علامته (في
خلقه) ) أي مخلوقاته الموجودين (قال: أما مررت بوادي قومك جدباً) بفتح الجيم وسكون
الحديث رقم ٥٥٢٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٣٦٧. تعليقاً في الباب ٤٣ باب نفخ الصور.
الحديث رقم ٥٥٣٠: أخرجه أحمد في المسند ١٠/٣ وأبو داود ٢٩٣/٤ حديث رقم ٣٩٩٩.
الحديث رقم ٥٥٣١: رواه رزين. وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ١١.
دها»
+٦٠۵

:١١٠
١١/١٢٠٨
١٨٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحشر
ثم مررتَ به يهتزّ خضرا؟)). قلت: نعم، قال: «فتلك آيةُ اللَّهِ في خلقه، ﴿كذلك يحيي اللَّهُ
الموتی ﴾». رواهما رزین.
(٢) باب الحشر
الفصل الأول
٥٥٣٢ - (١) عن سهل بن سعد، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((يُحشرُ النَّاسُ يومَ
الدال كذا في النهاية والقاموس. وفي المقدمة بفتح أوله وكسر ثانيه وقد تسكن ضد الخصب.
(ثم مررت به يهتز) بتشديد الزاي يتحرك (خضراً) بفتح فكسر. قال الطيبي [رحمه الله]: يهتز
جملة حالية وخضراً نصب على التمييز استعار الاهتزاز لأشجار الوادي تصويراً لحسنها.
ويقال: اهتز فلان فرحاً، أي خف له وكل من خف لأمر وارتاح له فقد اهتز له. (قلت: نعم.
قال: فتلك آية الله) أي علامة قدرته (في خلقه) أي وفي إعادته والعود أحمد. قال تعالى:
﴿وهو الذي يبدؤوا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم - ٢٧]. (﴿كذلك يحيي الله
الموتى﴾)(١) الظاهر أن هذا استشهاد بالآية أو اقتباس منها. قال الطيبي [رحمه الله]: أي ليس
فرق بين إنشاء خلق وإعادته، والتشبيه في قوله تعالى: ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾. بيان
للتسوية نحو قوله تعالى: ﴿قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ﴾ [يس -
٧٩]. أي بكل من الإنشاء والاعادة عليم. ونظر هذا الحديث في الدلالة قوله تعالى: ﴿فانظر
إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء
قدير﴾ [الروم - ٥٠]. يعني أن ذلك القادر الذي يحيي الأرض بعد موتها هو الذي يحيي
الناس بعد موتهم وهو على كل شيء من المقدورات قادر، وهذا من جملة المقدورات بدليل
الإِنشاء. (رواهما) أي الحديثين (رزين) قال المؤلف [رحمه الله]: هو أبو الحسن رزين بن
معاوية العبدري الحافظ صاحب كتاب التجريد في الجمع بين الصحاح، مات بعد العشرين
والخمسمائة .
(باب الحشر)
في المغرب الحشر الجمع قلت: وهو ضد النشر.
(الفصل الأوّل)
٥٥٣٢ - (عن سهل بن سعد) سبق ذكره (قال: قال رسول الله وَلفر: يحشر الناس يوم
(١) سورة البقرة. آية رقم ٧٣.
الحديث رقم ٥٥٣٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٧٢/١١ حديث رقم ٩٥٢١. وأخرجه مسلم في
صحيحه ٢١٥٠/٤ حديث رقم (٢٨. ٢٧٩٠).

١٨٨
١١٠٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
القيامةِ على أرضٍ بيضاءَ عفراء، كَقُرْصَةِ النَّقيّ ليس فيها عَلَم لأحدٍ)). متفقٌ عليه.
٥٥٣٣ - (٢) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَله: ((تكونُ الأرضُ يومَ
القيامةِ خُبزةً واحدةً، يتكفّؤها الجبَّار بيده كما يتكفّأ أحَدُكُمْ خُبْزَتَه في السفر نُزُلاً لأهلٍ
الجنةِ)).
٠٠٠٠
القيامة على أرض بيضاء عفراء) أي غير شديدة البياض، والعفرة لون الأرض. وقيل: المعنى
لا يخلص بياضها بل يضرب إلى الحمرة. (كقرصة النقي) بفتح النون وکسر القاف وتشديد الياء
وهو الدقيق المنخول المنظف الذي يتخذ منه الحواري، والقرصة بالضم الرغيف والتاء للوحدة
والتشبيه بها في اللون والشكل دون القدر. (ليس فيها علم) بفتحتين أي علامة (الأحد) يريد به
الأبنية. ومعناه أنها تكون قاعاً لا بناء فيها ذكره [القاضي رحمه الله. وقال الطيبي رحمه
الله:](١) لعل الظاهر أن ذلك تعريض بأرض الدنيا وتخصيص كل من ملاكها بقطع منها أعلم
عليها على نحو قوله تعالى: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) [غافر - ١٦]. (متفق عليه).
٥٥٣٣ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليل: تكون الأرض
يوم القيامة خبزة واحدة) أي كخبزة واحدة فهو تشبيه بليغ، أو التقدير تصير خبزة واحدة وهو
الظاهر على ما سيأتي. (يتكفؤها) بالهمزة بعد تشديد الفاء. قال التوربشتي [رحمه الله]: هذه
رواية كتاب البخاري، ورواية كتاب مسلم: يكفؤها، بسكون الكاف والهمز من كفأت الإناء أي
قلبته وهو الصواب، والمعنى: يقلبها. (الجبار) أي الواحد القهار (بيده) أي من يد إلى يد
وكلتا يديه يمين. ولعل المراد بهما القدرة والإرادة فإنه سبحانه منزه عن الجارحة. (كما يتكفأ
أحدكم خبزته) أي عجينته فهي تسمية بالمآل كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمراً ﴾ [يوسف
- ٣٦]. (في السفر) بفتحتين، وقيل بضم أوّله جمع سفرة، فالأول ظرف الزمان والثاني مكان
البيان. والمعنى: كما يفعل بالعجينة إذا أريد به ترقيقها واستواؤها حتى تلقى على الملة في
السفر استعجالاً. (نزلاً) بضمتين ويسكن الثاني ذكره ابن الملك. أي إضافة. (لأهل الجنة)
وهو ما يستعجل للضيف من الطعام. قال النووي (رحمه الله]: يتكفؤها بالهمز، أي يقلبها
ويميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي لأنها ليست مبسوطة كالرقاقة ونحوها. وفي نسخة
مسلم: ويكفؤها، بالهمز. والخبزة هي الظلمة (٢) التي توضع في الملة. والمعنى: أن الله تعالى
يجعل الأرض كالطلمة والرغيف العظيم يكون ذلك طعاماً نزلاً لأهل الجنة والله على كل شيء
قدير. قال التوربشتي [رحمه الله]: أرى الحديث مشكلاً جداً غير مستنكر شيئاً من صنع الله
(١) ما بين المعكوفتين جاء في المخطوطة على الشكل التالي: ((ذكره الطيبي رحمه الله وقال القاضي رحمه
الله)).
الحديث رقم ٥٥٣٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٧٢/١١. حديث رقم ٦٥٢٠ ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٥١ حديث رقم (٢٧٩٢.٣٠).
(٢) في المخطوطة ((الظلة)).

١٨٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
فأتى رجلٌ من اليهود، فقال: باركَ الرحمُنُ عليكَ يا أبا القاسم! أَلا أُخبرُك بِنُزُلِ أهل الجنةِ
يومَ القيامةِ؟ قال: ((بلى)). قال: تكونُ الأرضُ خُبْزَةً واحِدةٌ كما قال النبي ◌َِّ. فنظر النبي
وَّ إِلينا ثم ضحك حتى بَدَتْ نواجِذُه، ثم قال: أَلاَّ أُخبرك بإِدامهم؟ بالام والنون. قالوا:
وما هذا؟
[تعالى ]وعجائب فطرته، بل لعدم التوفيق الذي يكون موجباً للعلم في قلب جرم الأرض من
الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول مع ما ورد في الآثار المنقولة، أن هذه الأرض
برها وبحرها تمتلىء ناراً في النشأة الثانية وتنضم إلى جهنم. فنرى الوجه فيه أن نقول معنى
قوله: خبزة واحدة، أي كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا هو مثل ما في حديث سهل بن سعد
كقرصة النقي، وإنما ضرب المثل بقرصة النقي لاستدارتها وبياضها على ما ذكرنا. وفي هذا
الحديث ضرب المثل بخبزة تشبه الأرض هيئة وشكلاً ومساحة، فاشتمل الحديث على معنيين
أحدهما بيان الهيئة التي تكون الأرض عليها يومئذ، والآخر بيان الخبزة التي يهيئها الله تعالى
نزلاً لأهل الجنة وبيان عظم مقدارها ابداعاً واختراعاً من القادر الحكيم الذي لا يعجزه أمر ولا
يعوزه شيء. اهـ. وأطنب الطيبي [رحمه الله ]هنا بما لا طائل تحته فأعرضت عن ذكره. وقيل:
الحديث مشكل لا من جهة إنكار قدرته، بل من جهة عدم التوفيق بينه وبين حديث: إن هذه
الأرض تصير يوم القيامة ناراً. وأجيب بأنه شبه أرض الحشر بالخبزة في الاستواء والبياض كما
في حديث سهل، وشبه أرض الجنة كما في حديث أبي سعيد في كونها نزلاً لأهلها تكرمة لهم
بعجالة الراكب زاداً يقنع به في سفره. لكن آخر هذا الحديث يشعر بأن كون الأرض خبزة على
التجوّز. والأولى الحمل على الحقيقة مهما أمكن وقدرته تعالى صالحة لذلك بل اعتقاد كونه
حقيقة أبلغ بأن يقلب الله تعالى بقدرته الكاملة طبع الأرض حتى يأكلوا منها تحت أقدامهم ما
شاء الله بغير كلفة ولا علاج، وبهذا يتبين ضعف ما قاله القاضي من أنه لم يرد بذلك أن جرم
الأرض ينقلب خبزة في الشكل والطبع وإنما أراد به أنها تكون حينئذ بالنسبة إلى ما أعد الله.
(لأهل الجنة) كقرصة نقي يستعجل المضيف بها نزلاً للضيف. ثم تعريف الأرض في الحديث
كتعريفها في قوله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي
الصالحون﴾ [الأنبياء - ١٠٥]. قال ابن عباس: هي أرض الجنة. هذا ومما يؤيد الحمل على
الحقيقة قول الراوي: (فأتى رجل من اليهود) أي من أحبارهم (فقال: بارك الرحمن عليك) دعا
له بنزول كثرة الرحمة عليه أو إخبار عنه(١). (يا أبا القاسم) كناه تعظيماً (ألا أخبرك بنزل أهل
الجنة يوم القيامة. فقال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة. كما قال النبي ◌َّقه فنظر النبي
وَلقر إلينا) أي نظر التفات وتعجب وتنبيه (ثم ضحك) أي فرحاً للمطابقة والموافقة (حتى بدت
نواجذه) أي ظهرت آخر أضراسه وهو كناية عن المبالغة (ثم قال:) أي اليهودي كما في نسخة
(ألا أخبرك بإدامهم) أي بما يأتدم أهل الجنة الخبزة به (بالام) أي هو بالام وهو على وزن فاعال
أي ثور (والنون) أي السمك (قالوا:) أي الصحابة (وما هذا) أي ما معنى الذي ذكرته (قال:
٣٠٠
(١) في المخطوطة ((عليه)).
٥٫٥٦

١٩٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
قال: ثورٌ ونونٌ، يأكل من زائدةِ كبدهما سبعونَ ألفاً. متفق عليه.
٥٥٣٤ _ (٣) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَّل: ((يُحشَّرُ النَّاسُ على ثلاث
طرائق: راغبينٍ، راهبينٍ، واثنانِ على بعيرٍ، وثلاثةٌ على بعيرٍ، وأربعةٌ على بعيرٍ، وعشرةٌ
على بعيرٍ،
ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً) قال النووي [رحمه الله]: أما النون فهو الحوت
باتفاق العلماء، وأما بالام فيباء موحدة مفتوحة وتخفيف لام وميم [منوّنة]مرفوعة، وفي معناه
أقوال. والصحيح منها ما اختاره المحققون [من]أنها لفظة عبرانية معناها بالعربية الثور وفسر
اليهودي به، ولو كانت عربية لعرفها الصحابة ولم يحتاجوا إلى سؤاله عنها. وأما قوله: يأكل
منها سبعون ألفاً. فقال القاضي عياض [رحمه الله]: إنهم السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا
حساب فخصوا بأطيب النزل. ويحتمل أنه عبر به عن العدد الكثير ولم يرد الحصر في ذلك
القدر وهذا معروف في كلام العرب والله [تعالى]أعلم. (متفق عليه).
٥٥٣٤ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (مَطاهر: يحشر الناس) أي بعد البعث (على
ثلاث طرائق) أي فرق وأصناف الركبان على طريقة واحدة من تلك الثلاث والبقية تتناول
الطريقتين الأخيرتين وهما المشاة والذين على وجوههم كما سيأتي في الفصل الثاني. (راغبين)
أي في الجنة لما فيها من لقاء ربهم، وهو بدل عن ثلاث وهو [و]أحد الفرق وهم: الذين لا
خوف عليهم ولا هم يحزنون. (رأهبين) أي من النار وهم الذين يخافون ولكن ينجون منها
وهم الفرقة الثانية، ففيه تنبيه نبيه على أن طاعة الله تعالى على الرجاء أولى من عبادته على
الخوف، ولذا سمي الأوّلون الطيارين والآخرون السيارين وتحقيقه في كتب التصوّف ويعرفه
أهل التعرف. وجملة الكلام أن المراد بالراغبين من غلب عليهم الرجاء وبالراهبين من غلب
عليهم الخوف قال تعالى: ﴿يدعون ربهم خوفاً وطمعاً﴾ [السجدة - ١٦]. وإنما قدم الخوف
في الآية لأنه أنسب بعموم العامة لا سيما في البداية. (واثنان على بعير) أي اعتقاباً أو اجتماعاً
وهو الأظهر. (وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير) فعلى مقدار مراتبهم
يستريحون على مراكبهم والباقون يمشون على أقدامهم على قدر أقدامهم. قال ابن الملك:
قوله: واثنان على بعير، الواو فيه للحال وصفة المبتدأ محذوف أي اثنان منهم وكذا الحكم فيما
بعده. وهذه الأعداد تفصيل لمراتبهم على سبيل الكناية والتمثيل، فمن كان أعلى مرتبة كان أقل
شركة وأشد سرعة وأكثر سباقاً. فإن قلت: كون الاثنين وإخواته على البعير بطريق الاجتماع أم
الاعتقاب. قلنا: قال شارح السنة بطريق الاعتقاب لكن الأولى أن يحمل على الاجتماع إذ في
الاعتقاب لا يكون الاثنان والثلاثة على بعير حقيقة، وإنما اقتصر على ذكر العشر إشارة إلى أنه
غاية عدد الراكبين على ذلك البعير المحتمل للعشرة من بدائع فطرة الله تعالى كناقة صالح حيث
١m/
مواسير اللهويداف
النت
الحديث رقم ٥٥٣٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٧٧/١١. حديث رقم ٦٥٢٢. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٩٣ حديث رقم (٢٨٦١.٥٩). وأخرجه النسائي ١١٥/٤ حديث رقم ٢٠٨٥.
5M :
THOR

١٩١
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
وتحشرُ بقيتهم النارُ. تقيلُ معهم حيث قالوا، وتبيتُ معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث
أَصْبَحُوا، وتمسي معهم حيث أمسوا)).
قوي ما لا يقوى من البعران، وإنما لم يذكر الخمسة والستة وغيرهما إلى العشرة للإيجاز.
(ويحشر بقيتهم) أي تجمعهم (النار تقيل) بفتح أوّله من القيلولة وفاعله النار، والمراد أنها
تكون: (معهم) في النهار (حيث قالوا) أي كانوا أو استراحوا (وتبيت) أي النار (معهم حيث
باتوا) أي كانوا في الليل (وتصبح معهم حيث أصبحوا) أي دخلوا في الصباح (وتمسي معهم
حيث أمسوا) والمقصود أن النار تلزمهم بحيث لا تفارقهم أبداً هذا مجمل الكلام في تحصيل
المرام. وأما تفصيله فقال الخطابي: الحشر المذكور في هذا الحديث إنما يكون قبل قيام
الساعة، يحشر الناس أحياء إلى الشام. فأما الحشر بعد البعث من القبور فإنه على خلاف هذه
الصورة من ركوب الإبل والمعاقبة عليها، وإنما هو على ما ورد في الحديث: ((إنم يبعثون حفاة
عراة))(١). وفسر ثلاثة على بعير وأربعة على بعير على أنهم يعتقبون البعير الواحد يركب بعضهم
ويمشي بعضهم. قال التوربشتي [رحمه الله]: قول: من يحمل الحشر على الحشر الذي هو
بعد البعث من القبور أشد وأقوى وأشبه بسياق الحديث من وجوه أحدها: أن الحشر على
الإطلاق في متعارف الشرع لا يراد منه إلا الحشر الذي بعد قيام الساعة إلا أن يخص بنوع من
الدليل ولم نجد ههنا. والآخر أن التقسيم الذي ذكر في هذا الحديث لا يستقيم في الحشر إلى
أرض الشام لأن المهاجر إليها لا بد وأن يكون راغباً راهباً أو راغباً أو راهباً، فأما أن لا يكون
راغباً وراهباً وتكون هذه طريقة واحدة لا ثاني لها من جنسها فلا. والثالث أن حشر النار بقيد
الطائفتين على ما ذكره في هذا الحديث إلى أرض الشام والتزامها لهم حتى لا تفارقهم في مقيل
ولا مبيت ولا صباح ولا مساء قول لم يرد به التوقيف ولم يكن لنا أن نقول بتسليط النار على
أولي الشقاوة في هذه الدار من غير توقيف. والرابع وهو أقوى الدلائل وأوثقها ما روي عن أبي
هريرة وهو في الحسان من هذا الباب: ((يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف))(٢). الحديث.
وأما ما ذكر من بعث الناس حفاة عراة فلا تضاد بين القضيتين لأن إحداهما حالة البعث من
النشر وأخرى حالة السوق إلى المحشر. ونرى التقسيم الذي جاء به الحديث التقسيم الذي جاء
به التنزيل، قال الله تعالى: ﴿إذا رجت الأرض رجاً وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً وكنتم
أزواجاً ثلاثة﴾ [الواقعة - ٤ و٥ و٦ و٧]. الآيات. فقوله: راغبين راهبين، يريد به عوام
المؤمنين وهم ذوو الهنات الذين يترددون بين الخوف والرجاء بعد زوال التكليف، فتارة يرجون
رحمة الله لإيمانهم وتارة يخافون عذابه لما اجترحوا من السيئات وهم أصحاب الميمنة في
كتاب الله على ما في الحديث الذي رواه أيضاً أبو هريرة وهو في الحسان من هذا الباب.
وقوله: واثنان على بعير فالمراد منه أولو السابقة من أفاضل المؤمنين وهم السابقون. وقوله:
ويحشر بقيتهم النار، يريد أصحاب المشأمة فهذه ثلاث طرائق. فإن قيل: فلم لم يذكر من
السابقين من يتفرد بفرد مركب لا يشاركه فيه أحد. قلنا: لأنه عرف أن ذلك مجعول لمن فوقهم
(١) راجع الحديث رقم (٥٥٣٦).
(٢) وهو الحديث (٥٥٤٦).
محمد
١٣ ٢٠١ _** اريومحمد امام.

١٩٢
١٠٢%
١,١٢٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
متفق عليه .
٥٥٣٥ _ (٤) وعن ابن عبَّاس، عن النبي ◌َّ قال: ((إِنكم محشورون حُفاةً عُراةً غُرلاً)).
ثم قرأ: ﴿كما بدأنا أوَّل خلق نعيده وعداً علينا إِنا كنَّا فاعلين﴾ ((وأول من يكسى يومَ القيامةِ
إِبراهیم،
في المرتبة من أنبياء الله ليقع الامتياز بين النبيين والصديقين في المراكب كما وقع في المراتب.
اهـ. وعارضه الطيبي [رحمه الله ]بما لا طائل تحته فحذفنا بحثه. (متفق عليه).
٥٥٣٥ - (وعن ابن عباس عن النبي (وَلفي قال: إنكم محشورون) أي ستبعثون (حفاة) بضم
الحاء جمع حاف وهو الذي لا نعل له (عراة) بضم العين جمع عار وهو من لا ستر له. (غرلاً)
بضم الغين المعجمة وسكون الراء جمع الأغرل، وهو الأقلف أي غير مختونين. قال العلماء
في قوله: غرلاً، إشارة إلى أن البعث [يكون]بعد رد تمام الأجزاء والأعضاء الزائلة في الدنيا
إلى البدن. وفيه تأكيد لذلك، فإن القلفة كانت واجبة الإزالة في الدنيا فغيرها من الأشعار
والأظفار والأسنان ونحوها أولى وذلك لغاية تعلق علم الله تعالى بالكليات والجزئيات ونهاية
قدرته بالأشياء الممكنات. (ثم قرأ:) أي استشهاداً واعتضاداً. وقوله تعالى: (﴿كما بدأنا أوّل
خلق نعيده﴾) الكاف متعلق بمحذوف دل عليه نعيده، أي نعيد الخلق إعادة مثل الأوّل.
والمعنى: بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلاً كذا نعيدهم يوم القيامة. (﴿وعداً علينا﴾)
أي لازماً ما لا يجوز الخلف فيه (﴿إنا كنا فاعلين﴾) (١) أي ما وعدناه وأخبرنا به لا محالة. قال
الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: سياق الآية في إثبات الحشر والنشر لأن المعنى نوجدكم من
العدم كما أوجدناكم أوّلاً عن العدم، فكيف يستشهد بها للمعنى المذكور. قلت: دل سياق
الآية وعبارتها على إثبات الحشر وإشارتها على المعنى المراد من الحديث، فهو من باب
الإدماج. قلت: الظاهر أن الآية بعبارتها تدل على المعنيين وإن كان سياق الآية مختصاً
لأحدهما، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ثم في قوله: نوجدكم من العدم
مسامحة والله [تعالى]أعلم. (وأوّل من يكسى يوم القيامة إبراهيم) [عليه الصلاة والسلام].
قيل: لأنه أوّل من كسا الفقراء، وقيل لأنه أوّل من عري في ذات الله حين ألقي في النار، لا
لأنه أفضل من نبينا أو لكونه أباه فقدمه لعزة الأبوّة على أنه قيل إن نبينا يخرج في الناس من
قبره في ثيابه التي دفن فيها، وعندي والله [تعالى]أعلم أن الأنبياء بل الأولياء يقومون من
قبورهم حفاة عراة لكن يلبسون أكفانهم بحيث لا تكشف(٢) عوراتهم على أحد ولا على
أنفسهم وهو المناسب لقوله {وَّر: أخرج من قبري وأبو بكر عن يميني وعمر عن يساري وآتي
الحديث رقم ٥٥٣٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٨٦/٦. حديث رقم ٣٣٤٩. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٩٤. حديث رقم (٢٨٦٠.٥٨) والترمذي في السنن ٥٣٢/٤ حديث رقم ٢٤٢٣. وأخرجه
النسائي ١١٩/٤ حديث رقم ٢٠٨٧. وأحمد في المسند ٢٢٠/١.
(١) سورة الأنبياء. آية رقم ١٠٤.
(٢) في المخطوطة ((فيكشف)).

١٩٣
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
وإِن ناساً من أصحابي يُؤخذ بهم ذاتَ الشمال، فأقول: أَصَيْحابي أُصَيْحابي !! فيقول: إِنّهم
لن يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم. فأقول كما قال العبدُ الصَّالح: ﴿وَكُنتُ عليهم
شهيداً ما دمت فيهم ﴾ إلى قوله: ﴿العزيزُ الحكيم))).
البقيع. الحديث. ثم يركبون النوق ونحوها ويحضرون المحشر فيكون هذا الإلباس محمولاً
على الخلع الإلهية والحلل الجنتية (١) على الطائفة الاصطفائية. وأولية إبراهيم عليه
[الصلاة]والسلام يحتمل أن تكون حقيقية أو إضافية والله سبحانه (وتعالى] أعلم. ثم رأيت في
الجامع الصغير حديث: أنا أوّل من تنشق عنه الأرض فأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن
يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري(٢). رواه الترمذي عن أبي هريرة،
ورواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر: أنا أوّل من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر ثم آتي
أهل البقيع فيحشرون معي ثم أنتظر أهل مكة(٣). وقال التوربشتي [رحمه الله]: نرى أن التقديم
بهذه الفضيلة إنما وقع لإبراهيم عليه [الصلاة ]والسلام لأنه أوّل من عري في ذات الله حين
أرادوا إلقاءه في النار، فإن قيل: أو ليس نبينا ◌َّو هو المحكوم له بالفضل على سائر الأنبياء
وتأخره في ذلك موهم أن الفضل للسابق. قلنا: إذا استأثر الله سبحانه عبداً بفضيلة على آخر
واستأثر المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بعشر أمثالها أو أفضل كانت السابقة له ولا
يقدح استئثار صاحبه عليه بفضيلة واحدة في فضله، ولا خفاء بأن الشفاعة حيث لا يؤذن لأحد
في الكلام لم تبق سابقة لأولى السابقة ولا فضيلة لذوي الفضائل إلا أتت عليها، وكم له من
فضائل مختصة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها. (وأن ناساً من أصحابي) أي جماعة منهم
والتنكير للتقليل (يؤخذ بهم ذات الشمال) أي إلى النار مع أصحاب المشأمة (فأقول: أصيحابي)
بالتصغير للتقليل، أي هؤلاء أصحابي. (أصيحابي) كرره تأكيداً، ويمكن أن يكون إشارة إلى
جماعتين (فيقول:) أي قائل أو مجيب (إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم مذ فارقتهم) قال
القاضي [رحمه الله]: يريد بهم من ارتد من الأعراب الذين أسلموا في أيامه كأصحاب مسيلمة
والأسود واضرابهم، فإن أصحابه وإن شاع عرفاً فيمن يلازمه من المهاجرين والأنصار شاع
استعماله لغة في كل من تبعه أو أدرك حضرته ووفد عليه ولو مرة. قلت: الأوّل اصطلاح
أصول الفقه والثاني مصطلح أهل الحديث. وقيل: أراد بالارتداد إساءة السيرة والرجوع عما(1)
كانوا عليه من الإخلاص وصدق النية والإعراض عن الدنيا. أقول: هذا بالإشارات الصوفية
أنسب وأقرب، وإلا فعبارة الارتداد غير مستقيمة على هذا المعنى أصلاً ولا موافقة لقوله عليه
[الصلاة] والسلام. (فأقول كما قال العبد الصالح:) وهو عيسى عليه [الصلاة] والسلام
(﴿وكنت عليهم﴾) أي على أمتي (﴿شهيداً﴾) أي مطلعاً رقيباً حافظاً (﴿ما دمت فيهم﴾) أي
موجوداً فيما بينهم (إلى قوله: ﴿العزيز الحكيم)) (٥). وهو قوله: ﴿فلما توفيتني كنت أنت
(١) في المخطوطة ((الجنبية)).
(٢) الجامع الصغير ١/ ١٦١ حديث رقم ٢٦٩٠.
(٣) الترمذي في السنن ٥٨١/٥ حديث رقم ٣٦٩٢.
(٤) في المخطوطة ((كما)).
(٥) المائدة . الآيتان ١١٧ و١١٨.

١٩٤
:07
2.١٧ -٣- ٠٠٩٩١٩ ٢
١٩٥٥
٫٥٩ ٣٠:١٥٠٧١٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
متفق عليه .
٥٥٣٦ _ (٥) وعن عائشةً، قالتْ: سمعتُ رسول الله وَ لَه يقول: ((يُخْشَرُ الناسُ يومَ
القيامةِ حُفاةً عُراةً غُزْلاً)). قلتُ: يا رسول الله! الرجالُ والنساء جميعاً ينظرُ بعضهم إِلى
بعضٍ؟ فقال: ((يا عائشةُ! الأمرُ أشدُّ من أن ينظرَ بعضُهم إِلى بعض)). متفق عليه.
الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت
العزيز الحكيم ﴾ [المائدة - ١١٧ - ١١٨]. (متفق عليه) ورواه الترمذي.
٥٥٣٦ - (وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله والله يقول: يحشر
الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً. قلت: يا رسول الله الرجال) بتقدير الاستفهام، ويمكن أن
يقرأ بالمدّ والتسهيل أيضاً على ما تقرر في قوله تعالى: ﴿قل آلله أذن لكم﴾ [يونس - ٥٩].
(والنساء) عطف على الرجال وهما مبتدأ وقوله: (جميعاً) أي مجتمعين، حال منهما على ما
جوّزه البعض فالخبر قوله: (ينظر بعضهم إلى بعض) وهو محط الاستفهام التعجبي. قال
الطيبي [رحمه الله]: الرجال والنساء مبتدأ وجميعاً حال سد مسد الخبر، أي مختلطون
جميعاً. ويجوز أن يكون الخبر ينظر بعضهم إلى بعض وهو العامل في الحال قدم اهتماماً
كما في قوله تعالى: ﴿والأرض جميعاً قبضته﴾ [الزمر - ٦٧]. وفيه معنى الاستفهام، ولذلك
أجاب. (فقال: يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض) أي أمر القيامة أصعب من
أن يقدر أحد على النظر إلى غيره عمداً أو سهواً لقوله تعالى: ﴿لكل امرىء منهم يومئذ شأن
يغنيه﴾ [عبس - ٣٧]. (متفق عليه) وأخرج عبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححه وابن
مردويه والبيهقي في البعث عن ابن عباس عن النبي وَّر قال: يحشرون حفاة عراة غرلاً.
فقالت زوجته: أينظر بعضنا إلى عورة بعض. فقال: يا فلانة لكل امرىء منهم يومئذ شأن
يغنيه(١). وأخرج الطبراني عن سهل بن سعد نحوه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن
مردويه عن أنس أن عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله # فقالت: كيف يحشر الناس.
قال: حفاة عراة. قالت: واسوأتاه. قال: إنه قد نزل على آية لا يضرك كان عليك ثياب أو
لا. قالت: وأي آية هي. قال: ﴿لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه﴾. وأخرج الحاكم
وصححه وابن مردويه عن عائشة نحوه (٢). وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سلمة:
سمعت رسول الله 18 يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة. قلت: يا رسول الله
واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض. فقال: شغل الناس. قلت: ما شغلهم. قال: نشر
الحديث رقم ٥٥٣٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٧٧/١١. حديث رقم ٦٥٢٧. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٩٤ حديث رقم (٢٨٥٩.٥٦). وأخرجه النسائي في السنن ١١٤/٤ حديث رقم ٢٠٨٤. وابن
ماجه في السنن ١٤٢٩/٢ حديث رقم ٤٢٧٦.
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٥١.
(٢) الحاكم في المستدرك ٤ / ٥٦٥.
العدة

١٩٥
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
٥٥٣٧ _ (٦) وعن أنس، أن رجلاً قال: يا نبي الله! كيف يحشر الكافر على وجهه
يوم القيامة؟ قال: ((أَليْسَ الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يُمْشِيَهُ على وجهه
يوم القيامة؟)). متفق عليه.
٥٥٣٨ - (٧) وعن أبي هريرةَ، عن النبي ◌َِّ قال: ((يَلْقَى إِبراهيمُ أَباه آزر يومَ القيامةِ
وعلى وجهِ آزر قَترَةٌ وغَبرَةٌ فيقول له إِبراهيم: ألم أقل لكَ: لا تعصني؟ فيقول له أبوه:
فاليومَ لا أعصيكَ. فيقول إِبراهيم: يا رب! إِنك وعدتني أنْ لا تُخْزِيَني يومَ يبعثونَ، فأيُّ
خزيٍ أَخزى من أبي الأبعد، فيقول الله تعالى: إِنِي حرَّمْتُ الجنةَ على
الصحائف، فمنها مثاقيل الذرة ومثاقيل الخردل.
٥٥٣٧ - (وعن أنس أن رجلاً قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة)
ولكون(١) الاستفهام مقدراً (قال: أليس) أي الشأن (الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا) مبتدأ
خبره قوله: (قادر على أن يمشيه) بالتخفيف ويجوز تشديده. (على وجهه يوم القيامة، متفق
عليه) وسيأتي حديث الترمذي في الفصل الثاني وحديث أبي ذر في الثالث. وفي الدر المنثور
أخرج أحمد والشيخان والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وأبو نعيم في المعرفة،
والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس قال: قيل: يا رسول الله كيف يحشر الناس على
وجوههم. قال: الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم(٢). وأخرج ابن
جرير عن الحسن قال: قرأ رسول الله وَّ ر هذه الآية: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى
جهنم﴾ [الفرقان - ٣٤]. فقالوا: يا نبي الله كيف يحشرون على وجوههم. قال: أرأيت الذي
أمشاهم على أقدامهم أليس قادراً على أن يمشيهم على وجوههم.
٥٥٣٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَير قال: يلقى) أي يرى (إبراهيم أباه
آزر) بدل أو بيان (يوم القيامة على وجه آزر) وضع الظاهر موضع الضمير لئلا يتوهم رجعه إلى
إبراهيم في ابتداء الحال. (قترة) بفتحتين، أي سواد من الكآبة والحزن. (وغبرة) بفتحتين غبار
معه سواد، فذكرهما مبالغة، والجملة حالية. (فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني.
فيقول له أبوه: فاليوم) ظرف مقدم (لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا
تخزيني) أي لا تفضجني (يوم يبعثون) أي الخلائق (فأي خزي) في النهاية: هو الهلاك والوقوع
في بلية. (أخزى من أبي) أي من خزي أبي (الأبعد) يريد البعد في المرتبة والالتحاق بأهل
النار، أو الهالك من البعد بمعنى الهلاك، أو الأبعد من رحمة الله تعالى فإن الفاسق بعيد
والكافر أبعد، ورحمة الله قريب من المحسنين وإلى الأنبياء والأولياء أقرب. قال الطيبي [رحمه
الحديث رقم ٥٥٣٧ : أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٤٩٢. حديث رقم ٤٧٦٠. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٦١ حديث رقم (٥٤ . ٨٠٦).
(١) في المخطوطة ((ولكن)).
(٢) هذا اللفظ غير موجود في الصحيحين.
الحديث رقم ٥٥٣٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٣٨٧. حديث رقم ٣٣٥٠.

١٩٦
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
الكافرين. ثم يقال لإبراهيم: ما تحتَ رجليكَ؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه
فَيُلقى فى النار)). رواه البخاري.
٥٥٣٩ _ (٨) وعنه، قال: قال رسولُ الله وَلَّهِ: ((يَعْرَقَ الناسُ يومَ القيامةِ حتى يذهب
عرقهم في الأرض سبعينَ ذراعاً ويُلجمهم حتى يبلغَ آذانهم)). متفق عليه.
الله]: هو من أفعل الذي قطع عن متعلقه للمبالغة. (فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على
الكافرين. ثم يقال لإبراهيم: ما تحت رجليك). وفي نسخة: انظر ما تحت رجليك. وما
استفهامية أو موصولة. قال ابن الملك: ما استفهام خبره تحت، ويجوز كونه بمعنى الذي، أي
انظر إلى الذي تحت رجليك. (فينظر فإذا هو) أي آزر (بذيخ) بكسر الذال المعجمة فتحتية
ساكنة فحاء معجمة، وهو ذكر الضبع الكثير الشعر. وفي نسخة بموحدة ساكنة وحاء مهملة،
وهو ما يذبح. (متلطخ) إما برجيعه أو بدمه، أو بالطين. (فيؤخذ بقوائمه) جمع قائمة وهو ما
يقوم به الدواب بمثابة الأرجل للإنسان كذا ذكره شارح. ففيه تغليب إذ المراد أنه يؤخذ بيديه
ورجليه. (فيلقى) أي فيطرح (في النار) أي في مقام الكفار فغير صورته ليكون تسلية لإبراهيم
حتى لا يخزيه لو رآه قد ألقي في النار على صورته، فيكون خزياً وفضيحة على رؤوس الخلائق
فغيره سترة لحاله في تقبيح مآله. قيل: هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى: ﴿وما كان
استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أن عدوّ لله تبرأ منه﴾ [التوبة -
١١٤]. وأجيب بأنه اختلف في الوقت الذي تبرأ إبراهيم فيه من أبيه، فقيل: كان ذلك في
الدنيا لما مات آزر مشركاً. وقيل: إنما تبرأ منه يوم القيامة لما أيس منه حين مسخ. ويمكن
الجمع بين القولين بأنه تبرأ منه لما مات مشركاً فترك الاستغفار له، لكن لما رآه يوم القيامة
أدركته الرأفة فسأل منه فلما رآه مسخ أيس منه وتبرأ تبرءاً أبدياً. وقيل: إن إبراهيم لم يتيقن
بموته على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم ويكون وقت تبرئه منه بعد
الحال التي وقعت في هذا الحديث. (رواه البخاري).
٥٥٣٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَله: يعرق)
بفتح الراء (الناس) أي جميعاً والجن بالأولى فتركه من باب الاكتفاء، والظاهر استثناء
الأنبياء والأولياء. (يوم القيامة) أي في ابتداء أمره (حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين
ذراعاً) قيل: سبب هذا العرق تراكم الأهوال وحصول الحياء والخجالة والندامة والملامة
وتزاحم حر الشمس والنار كما جاء في رواية: إن جهنم تدير أهل المحشر فلا يكون إلى
الجنة طريق إلا الصراط. (ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم) أي يصل العرق إليها وهي بالمد
جمع أذن. قال شارح: أي إلى أفواههم، وسيأتي أن الناس مختلفون في أحوالهم على
مراتب أعمالهم. (متفق عليه). وروى الطبراني عن ابن مسعود مرفوعاً: إن الرجل ليلجمه
الحديث رقم ٥٥٣٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٩٢/١١. حديث رقم ٦٥٣٢. ومسلم في صحيحه ٤/
٢١٩٦. حديث رقم (٢٨٦٣.٦١). وأحمد في المسند ٤١٨/٢.
١٠/٢/١٠٠/
١٣٢٢/١٠

١٩٧
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
٥٥٤٠ _ (٩) وعن المقدادِ، قال: سمعتُ رسول الله وَّهِ يقول: «تُدْنَى الشمسُ يومَ
القيامةِ من الخلقِ حتى تكون منهم كمقدار ميلٍ، فيكونُ الناسُ على قدر أعمالهم في العرق،
فمنهم من يكونُ إِلى كعبيهِ، ومنهم من يكون إِلى ركبتيه، ومنهم من يكونُ إِلی حقويه،
ومنهم من يُلجمهم العرق إِلجاماً)). وأشار رسول الله بَّه بيده إِلى فيه. رواه مسلم.
٥٥٤١ _ (١٠) وعن أبي سعيد الخدري، عن النبي وَّه قال: ((يقول اللَّهُ تعالى: یا
آدم! فيقول: لبّيك وسعديك، والخير كله في يديك. قال:
العرق يوم القيامة فيقول: رب أرحني ولو إلى النار(١).
٥٥٤٠ - (وعن المقداد قال: سمعت رسول الله ( *ليقول: تدنو الشمس) أي تقرب
(يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم) أي الشمس والمراد جرمها (كمقدار ميل) تقديره
حتى يكون مقدار قرب الشمس منهم مثل مقدار ميل، نظيره قوله تعالى: ﴿فكان قاب
قوسين﴾ [النجم - ٩]. أي كان قرب رسول الله من جبريل أو من مكان القرب مثل
مقدار قوسين. وفي شرح السنة قال سليم: لا أدري أي الميلين، يعني مسافة الأرض أو
الميل الذي يكحل به العين. (فيكون الناس على قدر أعمالهم) أي السيئة (في العرق
فمنهم من يكون إلى كعبيه) أي تقريباً فيقبل النقصان والزيادة (ومنهم من يكون إلى
ركبتيه ومنهم من يكون إلى حقويه) الحقو الخصر ومشد الإزار. (ومنهم من يلجمهم
العرق إلجاماً. وأشار رسول الله وَليل بيده إلى فيه) أي فمه. قال ابن الملك: إن قلت:
إذا كان العرق كالبحر يلجم البعض فكيف يصل إلى كعب الآخر. قلنا: يجوز أن يخلق
الله تعالى ارتفاعاً في الأرض تحت أقدام البعض، أو يقال: يمسك الله تعالى عرق كل
انسان بحسب عمله فلا يصل إلى غيره منه شيء كما أمسك جرية البحر لموسى عليه
[الصلاة] والسلام. قلت: المعتمد هو القول الأخير فإن أمر الآخرة كله على وفق خرق
العادة، ألا ترى أن شخصين في قبر واحد يعذب أحدهما وينعم الآخر ولا يدري
أحدهما عن غيره. ونظيره في الدنيا نائمان مختلفان في رؤياهما فيحزن أحدهما ويفرح
الآخر. بل شخصان قاعدان في مكان واحد أحدهما في عليين والآخر في أسفل سافلين،
أو أحدهما في صحة والآخر في وجع أو بلية. (رواه مسلم).
٥٥٤١ - (وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي وَّر قال: يقول الله تعالى) أي
يوم القيامة كما في رواية البغوي (يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك والخير كله في يديك. قال:
(١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ١٢٢/١ حديث رقم ١٩٩٠.
س
*6,94
الحديث رقم ٥٥٤٠: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٩٦/٤. حديث رقم (٦٢ . ٢٨٦٤). والترمذي في
السنن ٥٣١/٤ حديث رقم ٢٤٢١. وأحمد في المسند ٢٥٤/٥.
الحديث رقم ٥٥٤١: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٨٢/٦. حديث رقم ٣٣٤٨. ومسلم في صحيحه ١/
٢٠١ حديث رقم (٢٢٢.٣٧٩). وأخرجه الترمذي في السنن ٣٠٢/٥ حديث رقم ٣١٦٨.

١٩٨
١١٣٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
أَخْرِجْ بَعْثَ النَّار. قال: وما بَعثُ النار؟ قال: من كلِّ ألفٍ تسعمائةٍ وتسعةً وتسعينَ، فعنده
يشيب الصغير، ﴿وتضع كلَّ ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن
عذاب اللَّهِ شديدٌ﴾)). قالوا: يا رسولَ اللَّهِ؟ وأيُّنا ذلكَ الواحدُ؟ قال: ((أبشِروا
أخرج) بفتح الهمزة وكسر الراء، أي أظهر وميز(١) من بين أولادك. (بعث النار) أي جمعاً
يستحقون البعث إليها (قال: وما بعث النار) قيل: عطف على مقدر، أي سمعت وأطعت وما
بعث النار، أي وما مقدار [مبعوث]النار، وقيل: ما بمعنى كم العددية. والأظهر أن الواو استئنافية
تفيد الربط بين سابقها ولاحقها. (قال:) أي الله تعالى (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين)
قيل: يخالفه ما في حديث أبي هريرة: من كل مائة تسعة وتسعين. وأجاب الكرماني بأن مفهوم
العدد مما لا اعتبار له والمقصود منه تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين، ويمكن حمل
حديث أبي سعيد على جميع ذرية آدم فيكون من كل ألف عشرة. ويقرب من ذلك أن يأجوج
ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة: ويحتمل أن يكون الأوّل يتعلق
بالخلق أجمعين والثاني بخصوص هذه الأمة وأن يكون المراد ببعث النار الكفار ومن يدخل النار
من العصاة، فيكون من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كافراً ومن كل مائة تسعة وتسعون عاصياً
وهذا هو الأظهر والله [تعالى] أعلم. (فعنده) أي عند هذا الحكم (يشيب الصغير) أي من الحزن
الكثير والهم الكبير. وفي رواية البغوي: فحينئذ يشيب المولود. وظهور الشيب إما على الحقيقة
أو على الفرض والتقدير وهذا هو الأظهر الملائم لقوله: (﴿وتضع كل ذات حمل حملها وترى
الناس سكارى﴾) أي من الخوف (﴿وما هم بسكارى﴾) [أي] من الخمر (﴿ولكن عذاب الله
شديد﴾) ثم اعلم أن هذا الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾. أي
احذروا بطاعته عقابه حتى ترجوا ثوابه. ﴿إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾. والزلزلة شدة الحركة
على الحالة الهائلة واختلفوا فيها فقال علقمة والشعبي هي من أشراط الساعة قبل قيامها، وقال
الحسن والسدي هي تكون يوم القيامة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: زلزلة الساعة قيامها
فتكون معها ﴿يوم ترونها﴾. أي الساعة أو الزلزلة ﴿تذهل كل مرضعة﴾ أي تشغل. ﴿عما
أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها﴾ [الحج - ٢]. أي تسقط ولدها من هول ذلك اليوم. قال
الحسن: تذهل المرضع عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها من غير تمام. وهذا
بظاهره يؤيد قول من قال: إن هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حبل. ومن
قال: تكون في القيامة. قال: هذا على وجه التعظيم للأمر لا على حقيقته كقولهم: أصابنا أمر
يشيب فيه الوليد، يريد به شدته. (قالوا: يا رسول الله وأينا ذلك الواحد) ولما استعظموا ذلك
الأمر واستشعروا الخوف منه (قال:) أي في جوابهم تسلية لفؤادهم (أبشروا) قال الطيبي [رحمه
الله]: لا يخلو هذا الاستفهام من أن يكون مجرى على حقيقته أو يكون استعظاماً لذلك الحكم
واستشعار خوف منه، فالأوّل يستدعي أن يجاب بأن ذلك الواحد فلان أو متصف بالصفة
الفلانية، والثاني يستدعي أن يجاب بما يزيل ذلك الخوف رفقاً للناس. والثاني هو المراد لقوله:
(١) في المخطوطة ((ميزه).

١٩٩
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق/ باب الحشر
فإِنَّ منكم رجلاً، ومنْ يأجوج ومأجوجَ ألف)».
ثمّ قال: ((والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا رُبعَ أهلِ الجنَّةِ)) فكبَّرنا. فقال: «أرجو أنْ
تكونوا ثُلثَ أهل الجنةِ)) فكبّرنا فقال: ((أرجو أن تكونوا نصفَ أهل الجنّة)). فكبَّرنا. قال:
((ما أنتم في الناسِ إِلاَّ كالشَّعرةِ السَّوداءِ في جلدِ ثورٍ أبيضَ، أو كشعرة بيضاءَ في جلدِ ثورٍ
أسود)). متفق عليه.
أبشروا، وكأنه قال: وأينا من أمة محمد ذلك الناجي المفلح من بين سائر بني آدم. فقال:
أبشروا. (فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج) بالألف ويهمز فيهما. (ألف) بالرفع في
الأصول المصححة فالجملة حالية وقدم الجار لكون المبتدأ نكرة. وفي نسخة السيد عفيف
الدين ألفاً بالنصب وهو الظاهر فإنه من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين والمجرور
مقدم. والمعنى: سيوجد بعدد كل رجل منكم ألف من يأجوج ومأجوج فحينئذ يكثر أهل
الجنة. وفيه إشعار بأن أهل النار أكثر من أهل الجنة. ولعل أهلها يكثرون بوجود الملائكة
المقربين والحور العين فصح معنى الحديث القدسي: ((غلبت رحمتي غضبي))(١). زاد البغوي
قال: فقال الناس: الله أكبر. (ثم قال: والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا) أي أنتم أيها الصحابة
أو أيها الأمة وهو الأظهر (ربع أهل الجنة. فكبرنا) التكبير للعجب والفرح التام والاستبشار
والاستعظام (فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة. فكبرنا) ولعله وله درج الأمر لئلا تنقطع
قلوبهم بالفرح الكثير دفعة، أو بالنظر إلى دخولهم في دفعات أو أوحي إليه وحياً بعد وحي
فأخبر بما بشر. (فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة. فكبرنا) قال الطيبي [رحمه الله]: في
الحديث تنبيه على أن يأجوج ومأجوج داخلون في هذا الوعيد ودل بقوله: أرجو أن تكونوا
نصف أهل الجنة. أن غير يأجوج ومأجوج من الأمم السالفة الفائتة للحصر أيضاً داخلون في
الوعيد، فإذا وزع نصف أمة محمد يلهو مع مثله من الأمم السالفة على هؤلاء يكون كالواحد من
الألف، يدل عليه رواية الراوي: (قال:) أي النبي ◌َّهر. وفي نسخة صحيحة: فقال. (ما أنتم
في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود) الظاهر
أن أو للتخيير في التعبير وتحتمل الشك. قال الطيبي [رحمه الله]: وقولهم: الله أكبر مراراً ثلاثاً
متعجبين استبشار منهم واستعظام لهذه النعمة العظمى والمنحة الكبرى، فيكون في هذا
الاستعظام بعد ذلك الاستعظام إشارة إلى فوزهم بالبغية بعد اليأس منها. اهـ. ولعل ورود هذا
الحديث قبل علمه و9 بأن أمته ثلثا أهل الجنة. إذ قد ورد أن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً
ثمانون صفاً أمته وَ* وأربعون سائر الأمم(٢). ويمكن أن يكونوا نصفاً بالنسبة إلى الداخلين
أوّلاً. والأظهر أن هذا الحديث وقع مختصراً على ما سيأتي الحديث بطوله. (متفق عليه) ورواه
النسائي. وفي المعالم روي عن عمران بن الحصين وأبي سعيد الخدري [رضي الله عنهما] أن
٢ج٠١
٠٠
(١) البخاري في صحيحه ٥٥٢/١٣ حديث رقم ٧٥٥٣. ومسلم في صحيحه ٢١٠٨/٤ حديث رقم
٢٧٥١.
(٢) الحاكم في المستدرك ١/ ٨٢ والترمذي في السنن الحديث رقم ٢٥٤٦. وكذلك أحمد وابن ماجه.
ا جد العسس اته

٢٠٠
كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق / باب الحشر
٥٥٤٢ _ (١١) وعنه، قال: سمعتُ رسول الله مَ له يقول: ((يكشفُ ربُّنا عن ساقِه،
فيسجدُ لە کلّ
هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلاً فنادى منادي رسول الله وَلقر فحثوا المطي حتى
كانوا حول رسول الله وَ﴿ فقرأها عليهم فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة. فلما أصبحوا لم
يحطوا السرج عن الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدراً والناس بين باك أو جالس حزين
متفكرين. فقال رسول الله وي طهر: أتدرون أي يوم ذلك. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم
يقول الله عزَّ وجلَّ: يا آدم قم فابعث بعث النار من ولدك. قال: فيقول آدم: من كل كم كم.
فيقول الله عزَّ وجلَّ: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة. قال:
فكبر ذلك على المسلمين وبكوا وقالوا: فمن ينجو إذاً يا رسول الله. فقال رسول الله وَالآتى :
أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، ثم قال:
إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله. ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا
نصف أهل الجنة فكبروا وحمدوا الله ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، وإن أهل
الجنة مائة وعشرون صفاً ثمانون منها أمتي. وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب
البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة، بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في
الثور الأسود. ثم قال: ويدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب. فقال عمر [رضي الله
تعالى عنه]: سبعون ألفاً. قال: نعم ومع كل واحد سبعون ألفاً. فقام عكاشة بن محيصن
فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يجعلني منهم. فقال رسول الله وَّيقول: أنت منهم. فقام رجل
من الأنصار فقال: يا رسول الله ادع الله لي أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة.
٥٥٤٢ - (وعنه) أي عن أبي سعيد رضي الله عنه (قال: سمعت رسول الله وَ الله يقول:
يكشف ربنا عن ساقه) قال التوربشتي [رحمه الله]: مذهب أهل السلامة من السلف التورع من
التعرض للقول في مثل هذا الحديث وهو الأمثل والأحوط. وقد تأوّله جمع من العلماء بأن
الكشف عن الساق مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب واستعماله فيها شائع ومنه قول الشاعر:
عجبت من نفسي ومن اشفاقها * ومن طرادي الطير عن أرزاقها
* في سنة قد كشفت عن ساقها *
ومنه قوله تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ [القلم - ٤٢]. أي عن شدة وتنكير الساق
في الآية من دلائل هذا التأويل، ووجه تعريف الساق في الحديث دون الآية أن يقال: أضافها
إلى الله تعالى تنبيهاً على أنها الشدة التي لا يجليها لوقتها إلا هو، أو على أنها هي التي ذكرها
في كتابه. اهـ. وعند الحاكم عن ابن عباس في الآية: هو يوم کرب وشدة. وقال الخطابي:
المعنى يكشف عن قدرته التي تكشف عن الشدة والكرب. وقيل: الأصل فيه أن يموت الولد
في بطن الناقة فيدخل الرجل يده في رحمها فيأخذ بساقه ليخرجه، فهذا هو الكشف عن
الحديث رقم ٥٥٤٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٦٣/٨. حديث رقم ٤٩١٩ ومسلم في صحيحه ١/
١٦٨ حديث رقم (٣٠٢. ١٨٣).
١٠٠
٠٠٤