النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إِذا طأطَأ رأسَه قطَر، وإِذا رفعه تحدَّر منه مثل جُمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافرٍ يجدُ مِنْ ريح نَفَسِهِ إِلا مات، ونَفَسُهُ ينتهي حيثُ ينتهي طرفه، فيطلبه بالدال المهملة، والذال المعجمة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدمين والمتأخرين وأكثر ما يقع في النسخ بالمهملة. ومعناه: لابس ثوبين مصبوغين بالورس ثم الزعفران انتهى. وقال ابن الأنباري: يروى بدال مهملة ومعجمة، أي بين مخصرتين على ما جاء في الحديث ولا نسمعه إلا فيه وكذلك أشياء كثيرة لم تسمع إلا في الحديث. والمخصرة من الثياب التي فيها صفرة خفيفة كذا في النهاية. (واضعاً كفيه على أجنحة ملكين) حال لبيان كيفية انزاله كما أن ما قبله حال البيان كيفية لبسه وجماله. ثم بين له حالة أخرى بقوله: (إذا طأطأ) بهمزتين، أي حفص (رأسه قطر) أي عرق (وإذا رفعه) أي رأسه (تحدر) بتشديد الدال، أي نزل (منه) أي من شعره قطرات نورانية (مثل الجمان) بضم الجيم وتخفيف الميم وتشدد، حب يتخذ من الفضة. (كاللؤلؤ) أي في الصفاء والبياض. ففي النهاية: الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم يتخذ من الفضة على هيئة اللآلىء الكبار. قال الطيبي رحمه الله: شبهه بالجمان في الكبر ثم شبه الجمان باللؤلؤ في الصفاء والحسن، فالوجه أن يكون الوجه الكبر مع الصفاء والحسن. وفي القاموس : الجمان كغراب اللؤلؤ أو هنوات أشكال اللؤلؤ. وقال شارح: الجمان بتشديد الميم. وقال ابن الملك: بالتشديد اللؤلؤ الصغار وبتخفيفها حب يتخذ من الفضة. وقيل: المراد بالجمان في صفة عيسى عليه [الصلاة]والسلام هو الحب المتخذ من الفضة. قلت: بل هو المتعين بقوله: کاللؤلؤ. (فلا يحل) بكسر الحاء، أي لا يمكن ولا يقع. (لكافر أن يجد من ريح نفسه) بفتح الفاء (إلا مات) كذا ذكره النووي. وقال القاضي: معناه عندي حق واجب، قال: ورواه بعضهم بضم الحاء وهو وهم وغلط. قال الطيبي [رحمه الله]: معناه لا يحصل ولا يحق أن يجد من ريح نفسه وله حال من الأحوال إلا حال الموت. فقوله: يجد مع ما في سياقه فاعل يحل على تقديران. (ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه) بسكون الراء، أي لحظه ولمحه. ويجوز كون الدجال مستثنى من هذا الحكم لحكمة إراءة دمه في الحربة ليزداد كونه ساحراً في قلوب المؤمنين. ويجوز كون هذه الكرامة لعيسى أولاً حين نزوله ثم تكون زائلة حين يرى الدجال، إذ دوام الكرامة ليس بلازم وقيل: نفس الذي يموت الكافر هو النفس المقصود به اهلاك كافر لا النفس المعتاد، فعدم موت الدجال لعدم النفس المراد. وقيل: المفهوم منه أن من وجد من نفس عيسى من الكفار يموت، ولا يفهم منه أن يكون ذلك أوّل وصول نفسه، فيجوز أن يحصل ذلك بهم بعد أن يريهم عيسى عليه [الصلاة] والسلام دم الدجال في حربته للحكمة المذكورة كذا بخط شيخنا المرحوم مولانا عبد الله السندي رحمه الله تعالى. ثم من الغريب أن نفس عيسى عليه [الصلاة] والسلام تعلق به الاحياء لبعض والإِماتة لبعض. (فيطلبه) أي [یطلب] عیسی علیه [الصلاة] والسلام الدجال (حتی یدرکه بباب لد) بضم لام وتشدید دال مصروف اسم جبل بالشام، وقيل قرية من قرى بيت المقدس وعليه اقتصر النووي. وزاد غيره سمي به لكثرة شجره. وقال السيوطي رحمه الله في شرح الترمذي: هو على ما في النهاية ١٢٢ ٢٠٠ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال حتى يُدركه بباب لُدّ فيقتُلُه، ثم يأتي عيسى [إِلى] قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدِّثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إِذْ أوحى الله إلى عيسى: إِني قد أخرجت عباداً لي لا يدانِ لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطور، ويبعث اللَّهُ يأجوج ومأجوج ﴿وهم من كل حدبٍ ينسِلون﴾، فيمُر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمرّ آخرُهم فيقول: لقد كانَ بهذه مرّة ماءٌ، ثم يسيرون حتى ينتهوا إِلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلمّ موضع بالشام، وقيل بفلسطين. (فيقتله) في الجامع رواه الترمذي وكذا أحمد. وعن مجمع بن ٥٦٩٠٠ جارية: يقتل ابن مريم الدجال بباب لد (ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه) أي حفظهم من شر الدجال (فيمسح عن وجوههم) أي يزيل عنها ما أصابها من غبار سفر الغز ومبالغة في إكرامهم، أو المعنى يكشف ما نزل بهم من آثار الكآبة والحزن على وجوههم بما يسرهم من خبره بقتل الدجال. (ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة) قال النووي [رحمه الله]: وهذا المسح يحتمل أن يكون على ظاهره فيمسح وجوههم تبركاً، أو أنه إشارة إلى كشف ما يكون فيه من الشدة والخوف. (فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني) بفتح الهمزة ويكسر (قد أخرجت عباد لي) أي أظهرت جماعة منقادة لقضائي وقدري (لا يدان) أي لا قدرة ولا طاقة (لأحد بقتالهم) وإنما عبر عن الطاقة باليد لأن المباشرة والمدافعة إنما تكون باليد وثنى مبالغة كان يديه معدومتان لعجزه عن دفعه، ويمكن أن يكون في التثنية إيماء إلى العجز عنهما جميعاً. (فحرز عبادي) أي من التحرير مأخوذ من الحرز، أي احفظهم وضمهم. (إلى الطور) واجعله لهم حرزاً (ويبعث الله يأجوج ومأجوج) بالألف ويبدل فيهما (وهم) أي جميع القبيلتين لقوله تعالى: ﴿هذان خصمان اختصموا﴾ [الحج - ١٩]. (﴿من كل حدب)) بفتحتين أي مكان مرتفع من الأرض (﴿ينسلون﴾) بفتح الياء وكسر السين، أي يسرعون. (فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية) بالإِضافة، وبحيرة تصغير بحرة وهي ماء مجتمع بالشام طوله عشرة أميال. وطبرية بفتحتين اسم موضع. وقال شارح: هي قصبة الأردن بالشام. (فيشربون ما فيها) أي من الماء (ويمر آخرهم فيقول:) أي آخرهم أو قائل منهم (لقد كان بهذه) أي البحيرة أو البقعة (مرة) أي وقتاً (ماءً) أي ماء كثير (ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر) بفتح الخاء المعجمة والميم وبالراء الشجر المتلف، وفسر في الحديث بقوله: (وهو جبل بيت المقدس) لكثرة شجره أو هو كل ما سترك (١) من شجر أو بناء أو غيره كذا في النهاية. (فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض) أي من ظهر على وجهها لما سيأتي من استثناء عيسى عليه [الصلاة ]والسلام وأصحابه حيث كانوا محصورين محصونين. (هلم) أي تعال والخطاب لأميرهم وكبيرهم، أو عام غير مخصوص بأحدهم. وفي النهاية: فيه لغتان فأهل الحجاز يطلقونه على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو تميم تثنى وتجمع وتؤنث تقول: هلم وهلمي (١) في المخطوطة ((يترك)). ٠٠ :٣٠٠٠٧+ ١٢٣ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال فلنقتل من في السماء فيرمون بنشَّابهم إلى السماء، فيردّ الله عليهم نشابهم مخضوبةً دماً، ويُحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينارٍ لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسلُ الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموتِ نفسٍ واحدة، ثم يهبط نبيُّ الله عيسى وأصحابه إِلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضعَ شبرٍ إِلا ملأه زَهُمُهم ونَتْتُهُمْ، i وهلماً وهلموا. (فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم) بضم فتشديده مفرده نشابة والباء زائدة أي سهامهم (إلى السماء) أي إلى جهتها (فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة) أي مصبوغة (دماً) تمييز وهذا مكر واستدراج منه سبحانه مع احتمال اصابة سهامهم لبعض الطيور في السماء، فيكون فيه إشارة إلى احاطة فسادهم بالسلفيات والعلويات (ويحصر) بصيغة المفعول، أي يحبس في جبل الطور. (نبي الله) أي عيسى عليه [الصلاة]والسلام (وأصحابه) أي من مؤمني هذه الأمة (حتى يكون) أي يصير من شدة المحاضرة والمضايقة (رأس الثور) أي البقر مع كمال رخصه في تلك الديار (لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم) قال التوربشتي رحمه الله : أي تبلغ بهم الفاقة إلى هذا الحد. وإنما ذكر رأس الثور ليقاس البقية عليه في القيمة. (فيرغب) أي إلى الله أو يدعو (نبي الله) فيه تنبيه [نبيه على]أنه مع متابعته لشريعة [محمد ولي وآباق على نبوته (عيسى وأصحابه) قال القاضي: أي يرغبون إلى الله تعالى في إهلاكهم وانجائهم عن مكابدة قبلائهم ويتضرعون إليه فيستجيب الله فيهلكهم بالنغف كما قال: (فيرسل الله عليهم) أي على يأجوج ومأجوج (النغف) بفتح النون والغين المعجمة، دود يكون في أنوف الابل والغنم (في رقابهم فيصبحون فرسي) کھلکي وزنا، ومعنى وهو جمع فريس كقتيل وقتلى من فرس الذئب الشاة إذا كسرها وقتلها، ومنه فريسة الأسد. (كموت نفس واحدة) لكمال القدرة وتعلق المشيئة، قال تعالى: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾ [لقمان - ٢٨]. قال التوربشتى [رحمه الله]: يريد أن القهر الإلهي الغالب على كل شيء يفرسهم دفعة واحدة فيصبحون قتلى. وقد نبه بالكلمتين أعني النغف وفرسي على أنه سبحانه يهلكهم في أدنى ساعة بأهون شيء وهو النغف فيفرسهم فرس السبع فريسته بعد أن طارت نفرة البغي في رؤوسهم فزعموا أنهم قاتلوا من في السماء. (ثم يهبط) أي ينزل من الطور (نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض) أي في وجهها جميعاً وهذا هو وجه العدول عن الضمير إلى الظاهرة، فاللام في الأولى للعهد وفي الثانية للاستغراق بدليل الاستثناء. وبه يتبين أن القاعدة المعروفة أن المعرفة إذا أعيدت تكون عيناً للأولى مبنية على غالب العادة أو حيث لا قرينة صارفة. (موضع شبر إلا ملأه زهمهم) بفتح الزاي والهاء وقد تضم الزاي. وقال شارح: هو بالضم، وروي بالتحريك وتفسيره قوله: (ونتنهم) بسكون التاء. قال التوربشتي [رحمه الله]: الزهم بالتحريك مصدر قولك زهمت يدي بالكسر من الزهومة فهي زهمة أي دسمة وعليه أكثر الروايات فيما أعلم. وفيه من طريق المعنى وهن، وضم الزاي مع فتح الهاء أصح معنى وهو جمع زهمة يعني بضم الزاي وسكون الهاء وهي الريح المنتنة. وقال شارح: هو أصح رواية ودراية ويوافقهما ما في القاموس حيث قال: الزهومة والزهمة بضمها ريح لحم سمين منتن، والزهم بالضم الريح ٤ ١٢٤ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إِلى الله، فيرسلُ الله طيراً كأعناقِ البُخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله)). وفي روايةٍ (تطرحهم بالنهبل، ويستوقد المسلمون من قسيّهم ونُشَابِهم وجِعابهم سبع سنين، ثم يرسل الله مَطراً لا يَكُنُّ منه بيتُ مدر ولا وبرٍ، فيغسُل الأرضَ حتى يتركَهَا كالزَّلَفَةَ، المنتنة وبالتحريك مصدر زهمت يدي كفرح فهي زهمة أي دسمة انتهى. وقد يقال أطلق المصدر وأريد به الوصف مبالغة كرجل عدل. (فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله) في ضم أصحابه إليه إشارة إلى أن الهيئة الاجتماعية في الهمة الأطماعية لها تأثير بليغ في الاجابة الدعائية(١)، وفي ذكرهم إيماء إلى أنهم هم الباعث على الدعاء والتضرع إلى رب السماء. (فيرسل الله طيراً كأعناق البخت) بضم موحدة وسكون معجمة نوع من الإبل، أي طيراً أعناقها في الطول والكبر كأعناق البخت والطير جمع طائر وقد يقع على الواحد ولذا قال: (فتحملهم) أي تلك الطير (فتطرحهم) أي فترميهم (حيث شاء الله) أي من البحار أو مما وراء معمورة الديار أو خلف جبال قاف ونحوها أو إلى عالم الاعدام والافناء. (وفي رواية: تطرحهم بالنَهْبَل) بفتح النون وسكون الهاء وفتح الموحدة موضع، وقيل مكان ببيت المقدس، وفيه أنه كيف يسعهم. ولعل المراد به موضع بعضهم أو على طريق خرق العادة يسعهم. وقيل هو حيث تطلع الشمس، وفي القاموس: نهبل أسن. وروى الترمذي في حديث الدجال: فتطرحهم بالنهبل. وهو تصحيف، والصواب بالميم انتهى(٢). ولم يذكر المهبل لا لفظاً ولا معنى. (ويستوقد المسلمون من قسيهم) بكسرتين فتشديد تحتية جمع قوس والضمير ليأجوج ومأجوج (ونشابهم) أي سهامهم (وجعابهم) بكسر الجيم جمع جعبة بالفتح وهي طرف النشاب (سبع سنين ثم يرسل الله مطراً) أي عظيماً (لا يكن) بفتح الياء وضم الكاف وتشديد النون من كنت الشيء، أي سترته وصنته عن الشمس وهي من أكنت الشيء بهذا المعنى والمفعول محذوف والجملة صفة مطراً، أي لا يستر ولا يصون شيئاً. (منه) أي من ذلك المطر (بيت مدر) بفتحتين أي تراب وحجر (ولا وبر) أي صوف أو شعر. والمراد تعميم بيوت أهل البدو والحضر. قال النووي رحمه الله: أي لا يمنع من نزول الماء بيت المدر وهو الطين الصلب. وقال القاضي رحمه الله: أي لا يحول بينه وبين مكان ماء حائل بل يعم الأماكن كلها (فيغسل) أي المطر (الأرض) أي وجهها كلها (حتى يتركها كالزلفة) بفتح الزاي واللام ویسکن وبالفاء، وقيل بالقاف وهي المرآة بكسر الميم. وقيل ما يتخذ لجمع الماء من المصنع. والمراد أن الماء يعم جمیع الأرض بحیث یری الرائي وجهه فیه. قال النووي رحمه الله: روي بفتح الزاي واللام وبالفاء وبالقاف، وروي بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء. وقال القاضي رحمه الله: روي بالفاء والقاف وبفتح اللام وبإسكانها وكلها صحيحة. قلت: الأصح وهو الذي عليه الأكثر بفتحتين (١) في المخطوطة ((إجابة الرعاية)). (٢) رواه الترمذي في السنن بلفظ ((بالمهبل)) راجع تخريج الحديث. ١٢٥ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتكِ ورُدِي بركتك، فيومَئذٍ تأكل العصابةُ من الرُّمانة ويستظلون بقْحِفِها ويبارك في الرِسْل، حتى إِن اللِقحةَ من الإِبِل لَتكفي الفِئامَ من الناس، واللِقحة من البقرِ لتكفي القبيلةَ من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفَخْذَ من الناس، فبينا هم كذلك إِذ بعثَ اللَّهُ ريحاً طيبةً فتأخذُهم تحت آباطهم، فتقبض رُوحَ كلِّ مؤمنٍ وكلِّ مسلمٍ، والفاء واقتصر عليه القاموس في المعاني الآتية كلها [والله تعالى أعلم. قال: ]واختلفوا في معناها فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون معناه كالمرآة، وحكى صاحب المشارق هذا عن ابن عباس أيضاً شبهها بالمرآة في صفائها ونظافتها. وقيل: معناه كمصانع الماء، أي الماء يستنقع فيها حتى تصير الأرض كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء. وقال أبو عبيدة: معناه الإِجانة الخضراء. وقيل كالصحفة، وقيل كالروضة. (ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي) أي إلى أهلك (بركتك) أي من سائر نعمك (فيومئذ تأكل العصابة) بكسر العين، أي الجماعة. (من الرمانة) أي ويشبعون منها (ويستظلون بقحفها) بكسر القاف أي بقشرها. قال النووي رحمه الله: هو مقعر قشرها شبهها بقحف الآدمي وهو الذي فوق الدماغ. وقيل: هو ما انفلق من جمجمته وانفصل. وقال شارح: أراد نصف قشرها الأعلى وهو في الأصل العظم المستدير فوق الدماغ، وهو أيضاً إناء من خشب على مثاله كأنه نصف صاع واستعير هنا لما يلي رأسها من القشرة. (ويبارك) بصيغة المجهول، أي يوضع البركة والكثرة. (في الرسل) بكسر الراء وسكون السين. أي اللبن (حتى أن اللقحة) بكسر اللام ويفتح أي الناقة الحلوبة. قال النووي [رحمه الله]: اللقحة بكسر اللام وفتحها [لغتان]مشهورتان والكسر أشهر وهي القريبة العهد بالولادة. وقال في المختصر: من النوق وغيرها. فقوله (من الإبل) بيانية (لتكفي) أي اللقحة والمراد لبنها (الفئام) بهمز على زنة رجال والعامة تبدل الهمز ياء أي الجماعة (من الناس) ولا واحد له من لفظه والمراد به هنا أكثر القبيلة كما أن القبيلة أكثر من الفخذ على ما سيأتي. وقال النووي (رحمه الله]: القئام بكسر القاف وبعدها همزة ممدودة، هي الجماعة الكثيرة هذا هو المشهور المعروف في اللغة. ورواية الحديث بكسر الفاء وبالهمز. قال القاضي: ومنهم من لا يجيز الهمز بل يقوله بالياء. وقال في المشارق: وحكاه الخليل بفتح الفاء، قال: وذكره صاحب العين غير مهمز وأدخله في حرف الياء. وحكى الخطابي أن بعضهم ذكرهم بفتح الفاء وتشديد الياء وهو غلط فاحش. (واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس) قال القاضي عياض [رحمه الله]: الفخذ هنا بسكون الخاء المعجمة لا غير، جماعة من الأقارب وهم دون البطن والبطن دون القبيلة. وأما الفخذ بمعنى العضو فبكسر الخاء وسكونها. (فبينا) بلا ميم (هم) مبتدأ خبره (كذلك) وناعوض عن المضاف إليه والعامل فيه قوله: (إذا بعث الله) وإذ للمفاجأة، أي بين أوقات يتنعمون في طيب عيش وسعة أرسل عليهم فجأة. (ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم) بهمزة ممدودة جمع إبط (فتقبض) أي تلك الريح (روح كل مؤمن) أسند الفعل إلى الريح مجازاً (أو كل مسلم) قال النووي [رحمه الله]: هكذا هو في جميع النسخ بالواو. يعني: كان الظاهر أن أزق يكون بأو بالشك فإنه لا فرق بين المؤمن والمسلم عند أرباب الحق من أهل السنة والجماعة، ١٢٦ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال ويبقى شرارُ الناس يتهارجون فيها تهارج الحُمُرِ، فعليهم تقومُ الساعة)) رواه مسلم إِلا الرواية الثانية وهي قوله: ((تطرحهم بالنهبل إِلى قوله: سبع سنين)). رواها الترمذيُّ ٥٤٧٦ _ (١٣) وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله وَلُون: ((يخرجُ الدجالُ، فيتوجَّه قِبَلَهُ رجلٌ من المؤمنين، فيلقاه المسالخُ مسالحُ الدجال. فیقولون له: أین فالمقصود المبالغة في التعميم والتغاير باعتبار اختلاف الوصفين كما في التنزيل: ﴿تلك آيات الكتاب وقرآن مبين﴾ [الحجر-١]. وقوله سبحانه: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ﴾ [الأحزاب - ٣٥]. أو بناء على الفرق اللغوي بينهما من أن المراد بالمؤمن المصدق وبالمسلم المنقاد، لكن لما كان أحدهما لا ينفع بدون الآخر جعل الموصوف بهما واحداً وأطلق عليه كل واحد من الوصفين بطريق التساوي، أو لكون أحدهما غالباً عليه في نفس الأمر والله [تعالى] أعلم، قال الطيبي [رحمه الله]: المراد بالتكرار هنا الاستيعاب أي تقبض روح خيار الناس كلهم. (ويبقى شرار الناس) بكسر أوله جمع شر (يتهارجون) أي يختلطون (فيها) أي في تلك الأزمنة أو في الأرض (تهارج الحمر) أي كاختلاطها ويتسافدون. وقيل: يتخاصمون. فإن الأصل في الهرج القتل وسرعة عدو الفرس، وهرج في حديثه أي خلط. قال النووي [رحمه الله]: أي يجامع الرجل النساء علانية بحضرة الناس كما يفعل الحمير ولا يكترثون لذلك. والهرج بإسكان الراء الجماع، ويقال: هرج زوجته أي جامعها يهرجها بفتح الراء وضمها وكسرها. (فعليهم تقوم الساعة) أي لا على غيرهم. وسيأتي حديث: لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس. وفي رواية: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله. (رواه) أي الحديث بكماله (مسلم إلا الرواية الثانية وهي) أي الرواية، وفي نسخة: وهو. وتذكيره لتذكير خبره وهو (قوله: تطرحهم بالنهيل إلى قوله: سبع سنين رواها) أي تلك الرواية (الترمذي). சகர் ٠٠٠ ٥٤٧٦ - (وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ويتر: يخرج الدجال فيتوجه قبله) بكسر قاف وفتح موحدة، أي إلى جانبه (رجل) أي عظيم (من المؤمنين) قال أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان الفقيه راوي صحيح مسلم: يقال: إن هذا الرجل الخضر عليه [الصلاة]والسلام وكذا قال معمر وهذا يقتضي أن يكون الخضر حياً. وقد اختلف العلماء في ذلك، فالجمهور من الفقهاء والمحدثين وغيرهم وبعض الصوفية على أنه مات. وذهب جمهور الصوفية وبعض الفقهاء وغيرهم إلى أنه حي. قال النووي [رحمه الله]: وهو الصحيح ذكره الشيخ الجزري. (فيلقاء المسالح) بفتح الميم وكسر اللام جمع المسلحة وهم القوم ذوو السلاح يحفظون الثغور. (مسالح الدجال) مرفوع على الإبدال. وفي إشارة إلى أن اللام عوض عن المضاف إليه أو اللام للعهد. قال القاضي [رحمه الله]: ولعل المراد به ههنا مقدمة جيشه وأصلها موضع السلاح ثم استعمل للثغر، فإنه يعد فيه الأسلحة ثم للجند المترصدين ثم لمقدمة الجيش فإنهم من الجيش كأصحاب الثغور ممن وراءهم من المسلمين. (فيقولون له: أين ١٠٠ الحديث رقم ٥٤٧٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٥٦/٤. حديث رقم (٢٩٣٨.١١٣) ـرية الججيبـ 1771 ١٢٧ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال تعمِد؟ فيقول: أَعمد إِلى هذا الذي خرجَ، قال: فيقولونَ له: أوَ ما تؤمنُ بربّنا؟ فيقول: ما بربّنا خفاءً. فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعضٍ: أليس قد نهاكم ربُّكم أن تقتلوا أحداً دونه)). [قال]: ((فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمنُ قال: يا أيُّها الناس! هذا الدجالُ الذي ذكرَ رسولُ اللَّهِ وَ ﴿). قال: ((فيأمر الدجال به فَيُشَبَّحُ. فيقول: خذوه وشُجُّوه، فيُوسَعُ ظهرهُ ويَطْنُهُ ضرباً)). قال: ((فيقول: أَوَ ما تؤمنٌ بي؟)) قال: ((فيقول: أنتَ المسيحُ الكذَّابُ)). قال: ((فيؤمر به فَيُؤْشَرُ بالمنشارِ تعمد) بكسر الميم، أي تقصد. (فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج) أي خرج عن الحق أو على الخلق أو ظهر بالباطل، والإِشارة للتحقير. (فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا) يعنون به الدجال حيث وجدوا عنده الجاه والمال. (فيقول:) أي الرجل (ما بربنا) أي بربي وربكم، ففيه تغليب أو ما بربنا معشر المؤمنين (خفاء) وما نافية، أي ليس يخفى علينا صفات ربنا عن غيره لنعدل عنه إليه أو لنترك الاعتماد عليه : يدل على أنه واحد ففي كل شيء له شاهد وأما ما عداه فآثار الحدوث عليه لائحة وأنواع النقصان فيه واضحة، ومن أظهر الأدلة القطعية أن المخلوقية تنافى الربوبية والعبودية تناقض الألوهية ما للتراب ورب الأرباب، كيف والعيوب الظاهرة فيه تشهد لمن له أدنى عقل كما لا يخفى. وفيه إيماء إلى ما سبق من قوله ويتر: إن الله لا يخفي عليكم إن الله ليس بأعور. قال الطيبي [رحمه الله]: هذا تكذيب لهم وبيان لتمويههم وتلبيسهم إذ ما يؤمن بربنا كما قال ◌َّلتر: إن الله لا يخفي عليكم إن الله ليس بأعور(١). (فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا) أي من قتلكم (أحداً دونه) أي دون علمه وأمره وإذنه. (فينطلقون به إلى الدجال فإذا رآه المؤمن) أي أبصر الدجال الرجل الموقن وقد عرف علاماته (قال:) تذكيراً للأمة وتوهيناً للغمة. (هذا الدجال الذي ذكر رسول الله ( *) أي في أحاديثه أنه سيخرج في آخر الزمان (قال:) أي النبي ◌ّ (فيأمر الدجال به) أي يضربه (فيشبح) بتشديد الموحدة المفتوحة، أي يمد للضرب. (فيقول:) أي الدجال تأكيداً وتغليظاً وتشديداً. (خذوه) أي امسكوه أخذاً شديداً (وشجوه) بضم الشين المعجمة وتشديد الجيم، أي اكسروا رأسه. وفي نسخة: فشبحوه بفتح الشين وكسر الموحدة فحاء مهملة، أي مدوه على بطنه أو على قفاء. يقال: تشبح الحرباء على العود، أي امتد وتشبيح الشيء جعله عريضاً. (فيوسع) بسكون الواو وفتح السين (ظهره وبطنه ضرباً) أي يكثر الضرب على ظهره وبطنه. (قال: فيقول:) أي الدجال (أما تؤمن بي) وفي نسخة؛ أو ما تؤمن بي. أي أتنكرني وألوهيتي وما تؤمن بي وربوبيتي. (قال: فيقول:) أي المؤمن (أنت المسيح الكذاب) أي الذي يقتلك المسيح الصديق (قال: فيؤمر به فيؤشر) بضم فسكون همز ويبدل واواً ففتح شين، أي فيقطع (بالمشار) بكسر الميم وسكون الهمز ويبدل ياء وبالنون في (١) راجع الحديث رقم (٥٤٧٠). ١٢٨ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال من مَفرِقه حتى يُفَرَّقَ بين رِجْليه)). قال: ((ثم يمشي الدجال بين القطعتينٍ، ثم يقولُ له: قمْ، فيستوي قائماً، ثم يقول له: أتؤمنُ بي؟ فيقول: ما ازددتُ إِلا بصيرةً)). قال: ((ثم يقولُ: يا أيُّها الناس! إِنه لا بعض النسخ، وهو آلة النشر والقطع. (من مفرقه) بفتح الميم وكسر الراء ويفتح، أي مبتدأ من فرق رأسه. (حتى يفرق) بصيغة المجهول مخففاً ويشدد، أي حتى يفصل بدنه قطعتين واقعتين. (بين رجليه) أي في طرفي قدميه. قال النووي (رحمه الله]: قوله: يشبح بشين معجمة ثم باء موحدة وحاء مهملة وكذا شبحوه، أي مدوه على بطنه. وجاء أيضاً شجوه بجيم مشددة من الشج وهو الجرح في الرأس. ثم قال: وهذه الرواية أصح عندنا. وقوله: فيؤشر الرواية فيه بالهمزة، والمنشار بهمز بعد الميم وهو الأفصح، ويجوز تخفيف الهمز فيهما فيجعل في الأوّل واواً وفي الثاني ياء. ويجوز المنشار بالنون وعلى هذا يقال: نشرت الخشبة ومفرقه بكسر الراء وسطه، يعني وسط فرقه أو وسط رأسه انتهى. قال الجزري [رحمه الله]: روي هذا الحديث على ثلاثة أوجه، يشبح بمعجمة فموحدة فمهملة وشجوه بالجيم من الشج وهو الجرح في الرأس والوجه، وثانيهما يشبح كالأول وشبحوه بالباء والحاء، وثالثها فيشج وشجوه كلاهما بالجيم وهو الذي ذكره المؤلف. والوجه الثاني هو الذي ذكره الحميدي وصححه القاضي عياض والأصح عند جماعة من أصحابنا الأول والله [تعالى]أعلم. وقال شارح: يقال: وشرت الخشب بالميشار إذا نشرته بالمنشار، وفي الحديث بالياء لا غير يدل عليه فيؤشر. قلت: فيه بحث، إذ قوله: فيؤشر، يحتمل أن يكون بالهمز وأن يكون بواو مبدلة أو أصلية، وكذا في الميشار يصح همزه وإبداله من همز أو من واو. وهذا لا ينافي أن يكون بالهمز وأن يكون المنشار بالنون بناء على التفنن في العبارة، مع أنه هو المشهور باعتبار اللغة على لسان العامة. وفي القاموس: أشر الخشب بالميشار شقه ونشر الخشب نحته ووشر الخشب بالميشار غير مهموز لغة في أشرها بالمنشار إذا نشرها انتهى. وبه يعلم أن الأصل هو الهمز، والواو لغة في الشق والنون خاص بمعنى النحت. (قال:) أي النبي ◌َّلتر (ثم يمشي الدجال بين القطعتين) أي الشقتين من الرجل تخييلاً لتحقيق القتل (ثم يقول له: قم. فيستوي قائماً. ثم يقول له: أتؤمن بي. فيقول: ما ازددت) بفتح الدال. وقال شارح: بكسر الدال الأولى على بناء المجهول. أقول: صحته موقوفة على إتيانه منعدياً إلى مفعولين. وظاهر ما في القاموس أنه لازم حيث قال: زاده الله خيراً، فزاد وازداد حيث أشار إلى أن زاد لازم متعد وإن ازداد قاصر فقط حيث جعله مطاوعاً. نعم قوله تعالى: ﴿ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) [الفتح - ٤]. صريح في أنه متعد إلى مفعول واحد، وأما زاد فيجيء لازماً ومتعدياً إلى مفعول وإلى مفعولين كقوله تعالى: ﴿فزادهم إيماناً﴾ [آل عمران - ١٧٣]. وقيل: نصب إيماناً على التمييز، وحاصل المعنى ما زدت. (فيك) أي في معرفتك بفعلك هذا من القتل والإِحياء (إلا بصيرة) أي زيادة علم ويقين بأنك كاذب مموه. (قال: ثم يقول:) المؤمن (أيها الناس إنه) أي الشأن أو الدجال(١) (لا /٢ . ص. عزيزة (١) في المخطوطة ((الحال)). ١٢٩ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال يَفْعَلُ بعدي بأحدٍ من الناسِ)). قال: ((فيأخذه الدجال ليذبحَه، فيُجْعَلُ ما بينَ رقبته إِلى تَرقوته نُحاساً، فلا يستطيع إليه سبيلاً)). قال: «فيأخذه بيديه ورجليه، فيقذفُ بِهِ، فيحسبُ الناسُ أنما قذفه إلى النار، وإِنما أُلقي في الجنة)) فقال رسول الله وَلاّ: ((هذا أعظمُ الناسِ شهادةً عند ربّ العالمين)). رواه مسلم. ٥٤٧٧ _ (١٤) وعن أمّ شريكٍ، قالتْ: قال رسولُ اللهِ وَّتِ: يفعل) مفعوله محذوف، أي لا يفعل ما فعل بي من القتل والإِحياء في الظاهر. (بعدي) أي بعد فعله بي (بأحد من الناس) وفي هذا اخبار عن سلب القدرة الاستدراجية عنه وتسلية للناس في الخوف منه. (قال: فيأخذه الدجال ليذبحه فيجعل) بضم أوله. وفي نسخة بفتحه، أي فيجعل الله. (ما بين رقبته إلى ترقوته) بفتح التاء وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو، العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. (نحاساً) أي كالنحاس لا يعمل فيه السيف. وفي شرح السنة قال معمر: بلغني أنه يجعل [على ]حلقه صفحة نحاس. (فلا يستطيع) أي الدجال (إليه) أي إلى وصول قتله ولا يقدر على حصول مضرته. (سبيلاً) تمييز، أي طريقاً من التعرض. قال: فيأخذ) أي الدجال (بيديه ورجليه فيقذف به) أي يرمي بالمؤمن ويطرحه. (في الهواء فيحسب الناس) بكسر السين وفتحها، أي فيظنون. (إنما قذفه إلى النار) في تأويل المصدر أي قذفه إليها. والأظهر ما اختاره الزمخشري من أن أنما بالفتح يفيد الحصر أيضاً كما اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قل إنما يوحى إلي إنما إلهكم إله واحد﴾ [الأنبياء - ١٠٨]. ويؤيده قوله: (وإنما ألقي) بصيغة المجهول، أي أوقع. (في الجنة) واللام للعهد، أي في بستان من بساتين الدنيا. ويمكن أنه يرميه في النار التي معه ويجعلها الله عليه جنة كما سبق برداً وسلاماً على إبراهيم عليه [الصلاة]والسلام، وتصير تلك النار روضة وجنة. وعلى كل تقدير فلم يحصل له موت على يده سوى ما تقدم. وأما قول الراوي: (فقال رسول الله كلخير: هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين) فالمراد بها قتله الأول فتأمل فإنه موضع الزلل والخطل والوجل كما وقع فيه · الطيبي [رحمه الله] بقوله: فيحسب الناس أن الدجال قذفه فيما يزعم أنه ناره وإنما ألقي في الجنة وهي دار البقاء، يدل عليه قوله: هذا أعظم الناس شهادة. ونحوه قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين ﴾ [آل عمران - ١٦٩]. أي يسرحون في ثمار الجنة. أقول: فهذا مناقض لقوله: إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس اللهم إلا أن يقال المراد بقوله: لا يفعل بعدي، أي بعد قتلي ثانياً بأحد من الناس أي غيري، ولا يخفى بعده والله [تعالى] أعلم وسيأتي في حديث أبي سعيد ما يفيد تأييد ما اخترناه. (رواه مسلم). ٥٤٧٧ - (وعن أم شريك) بفتح فكسر، أي الأنصارية أو القرشية. (قالت: قال رسول الحديث رقم ٥٤٧٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٦٦/٤ حديث رقم (١٢٥. ٢٩٤٥) والترمذي في السنن ٦٨١/٥. حديث رقم ٦/ ٤٦٢. ١٣٠ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال (لَيفِرنَّ الناس من الدجالِ حتى يلحقوا بالجبال)). قالتْ أم شريك: قلتُ: يا رسول الله! فأين العربُ يومئذٍ؟ قال: ((هم قليل)). رواه مسلم. ٥٤٧٨ _ (١٥) وعن أنسٍ، عن رسول الله وَ ل﴿ه قال: ((يَتْبَعُ الدجالَ من يهود أصفَهانَ سبعون ألفاً، عليهم الطيالسة)). رواه مسلم. ٥٤٧٩ - (١٦) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلقوله: ((يأتي الدجالُ الله وَله: ليفرن) أي ليهربن (الناس) أي المؤمنون (من الدجال حتى يلحقوا بالجبال. قالت أم شريك: قلت: يا رسول فأين العرب يومئذ) قال الطيبي [رحمه الله]: الفاء فيه جزاء شرط محذوف، أي إذا كان هذا حال الناس فأين المجاهدون في سبيل الله الذابون عن حريم الإِسلام المانعون عن أهله صولة أعداء الله. فكني عنهم بها. ([يومئذ]. قال: هم) أي العرب (قليل) أي حينئذ فلا يقدرون عليه. (رواه مسلم) وكذا الترمذي ذكره السيد. ولفظ الجامع: ليفرن الناس من الدجال في الجبال. رواه أحمد ومسلم والترمذي(١). ١ /١٢/١٠/١٠١٢/١٠ ٥٤٧٨ _ (وعن أنس عن رسول الله وَّفي قال: يتبع) بفتح فسكون ففتح. وقال شارح: من الأتباع بتشديد التاء، أي يطيع. (الدجال من يهود أصفهان) بفتح الهمزة ويكسر وفتح الفاء، بلد معروف من بلاد الأرفاض. قال النووي [رحمه الله]: يجوز فيه كسر الهمزة وفتحها وبالباء والفاء انتهى. ونسخ المشكاة كلها بالفاء، وفي المشارق بفتح الهمزة. وقيدها أبو عبيد العكبري بكسر أوّله، وأهل خراسان يقولونها بالفاء مكان الباء. وفي القاموس: الصواب أنها أعجمية وقد يكسر همزها وقد يبدل باؤها فاء. وفي المغني بكسر همزة وفتحها وبفاء مفتوحة في أهل الشرق وباء موحدة في الغرب انتهى. وبه يعلم أن أصفهان اثنان فيطابق ما نقله ابن الملك من أنه قيل: المراد منه أصفهان خراسان لا أصفهان الغرب. لكن في قوله: أصفهان خراسان، مسامحة لأن أصفهان إنما هو في العراق ولكن لما كان خراسان في جهة الشرق أيضاً وكان أشهر من العراق أضيف إليه بأدنى ملابسة (سبعون ألفاً) وفي رواية: تسعون. والصحيح المشهور هو الأول ذكره ابن الملك. (عليهم الطيالسة) بفتح الطاء وكسر اللام جمع طيلسان وهو ثوب معروف. وفي القاموس: الطيلس والطيلسان مثلثة اللام عن عياض وغيره معرب، أصله تالسان جمعه الطيالسة والهاء في الجمع للعجمة. واستدل بهذا الحديث على ذم لبسه. ورواه السيوطي في رسالة سمّاها طي اللسان عن الطيلسان. (رواه مسلم). ٥٤٧٩ - (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله كلخير: يأتي الدجال) أي يظهر في الدنيا أو (١) الجامع الصغير ٢/ ٤٧٢ حديث رقم ٧٧١٤. الحديث رقم ٥٤٧٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٦٦/٤ حديث رقم (١٢٤. ٢٩٢٤) وابن ماجه في السنن ١٣٥٩/٢ حديث رقم ٤٠٧٧. الحديث رقم ٥٤٧٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠١/١٣. حديث رقم ٧١٣٢. والترمذي ٤٤٦/٤ حديث رقم ٢٢٤٢. وأحمد في المسند ٣٢/٥. ١٣١ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال وهو مُحَرَّمٌ عليه أن يدخلَ نِقاب المدينة، فَينزلُ بعضَ السِبَاخ التي تلي المدينة، فيخرجُ إِليه رجل وهو خير الناس، أو من خيار الناس، فيقول: أشهدُ أنَّك الدجالُ الذي حدَّثنا رسولُ الله ﴿ حديثَه، فيقولُ الدجالُ: أرأيتم إِن قتلتُ هذا ثم أَحييتُه، هل تشكُّون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: واللَّهِ ما كنتُ فيكَ أشدّ بصيرةً مني اليوم، فيريد الدجال أن يقتلَه، فلا يُسلَّطُ عليه)). يتوجه إلى صوب المدينة المعطرة المصونة. (وهو محرم) جملة حالية، أي ممنوع (عليه أن يدخل نقاب المدينة) بكسر النون كما نص عليه النووي [رحمه الله]. وهو جمع نقب بفتح النون وهو الطريق بين الجبلين والأنقاب جمع قلة، كذا في النهاية. (فينزل) أي الدجال (بعض السباخ) بكسر السين أي في بعض الأراضي السبخة وهي ذات ملح لا تنبت. (التي تلي المدينة) أي تقربها. وسيأتي أنه ينزل دبر أحد (فيخرج إليه رجل) أي عظيم (وهو خير الناس) أي حينئذ (أو من خيار الناس) على الإطلاق. ويحتمل أن يكون الترديد منه بم له وأو للتخيير، ويمكن أن يكون من الراوي فأو للشك. وتقدم أنه الخضر عليه [الصلاة]والسلام بناء على القول الأصح. (فيقول:) أي بعد رؤيته (أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ◌َ في حديثه) أي وصفه وحاله. ولما كان الظاهر أن يقال: حديثك. قال الطيبي [رحمه الله]: هو جار على قوله الدجال لأن المظهر غائب لا على ضمير المخاطب. وعكسه قوله: * أنا الذي سمتني أمي حيدرة * (فيقول الدجال:) أي لمن حوله (أرأيتم) أي أخبروني (إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر) أي أمري. وقيل: أي في أني إله. (فيقولون: لا) أي لا نشك. وهو محتمل أن يتوجه النفي إلى إثبات الأمر أو نفيه. قال النووي [رحمه الله]: أما قول الدجال: إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون: لا. فقد يشكل لأن ما أظهره الدجال لا دلالة فيه على ربوبيته لظهور النقص عليه ودلائل الحدوث وتشويه الذات وشهادة كذبه وكفره المكتوبة بين عينيه وغير ذلك. ويجاب بأنهم لعلهم قالوه خوفاً منه لا تصديقاً. ويحتمل أنهم قصدوا لا نشك في كذبك وكفرك فإن من شك في كفره وكذبه كفر وخادعوه بهذه التورية خوفاً منه. ويحتمل أن الذين قالوا لا نشك، هم مصدقوه من اليهود وغيرهم ممن قدر الله سبحانه وتعالى شقاوته. (فيقتله) أي الرجل على ما سبق (ثم يحييه) أي ويسأله كما تقدم (فيقول:) أي المقتول (والله ما كنت) أي في سابق الأيام (فيك) أي في بطلانك (أشد بصيرة) أي يقيناً (مني) متعلق بأشد (اليوم) بالنصب ظرف لأشد (فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط) بفتح اللام المشددة أي فلا يقدر (عليه) أي على قتله بوجه من الوجوه كما قررناه فيما تقدم والله [تعالى] أعلم. ثم في عجز الدجال آخراً دليل صريح في أن قدرته أولاً كانت حادثة عارضة مستعارة للاستدراج به والابتلاء لغيره فسلبت عنه. كما ستنزع عنه روحه، فيبقى جيفة ملقاة بالأرض يأكل منها الكلاب. وما أحسن من قال من أرباب الألباب بالتراب ورب الأرباب. قال الكلاباذي: في الحديث دليل على أن الدجال لا يقدر على ما يريد وإنما يفعل الله ما يشاء عند حركته في نفسه ومحل قدرته أن يفعله أختيار للخلق ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة ويضل الله ٠٠٠ ١٣٢ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال متفق عليه . ١٠ ٥٤٨٠ - (١٧) وعن أبي هريرةَ، عن رسولُ اللهِوَّ قال: ((يأتي المسيُحِ منْ قِبَلِ المشرقِ هِمَّتهُ المدينة، حتى ينزلَ دُبُرَ أَحُدٍ، ثم تَصرِفُ الملائكةُ وجهه قِيَلَ الشامِ، وهنالكَ يهلِكُ)). متفق عليه. ٥٤٨١ _ (١٨) وعن أبي بكرةَ، عن النبيَِّ ﴿ قال: ((لا يدخلُ المدينةَ رُعْبُ المسيح الدجّالِ، لها يومئذٍ سبعةُ أبواب، على كلِّ باب ملكان)). رواه البخاري. من يشاء ويهدي من يشاء. (متفق عليه). ٥٤٨٠ - (وعن أبي هريرة عن رسول الله ( فير قال: يأتي المسيح) أي الدجال (من قبل المشرق) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي من جهته. (همته) أي قصده ونيته (المدينة) أي السكينة (حتى ينزل دبر أحد) بضم الدال والموحدة أي خلف أحد، وهو جبل معروف قرب المدينة. (ثم) أي بعد ما تقع قصة الرجل السابق (تصرف الملائكة) أي ترد (وجهه) أي توجهه وقصده (قبل الشام) أي إلى حيث جاء منه. وفيه دليل بطلانه وأمارة عجزه ونقصانه حيث رجع القهقرى ولم يقدر أن يدخل داراً فيه مدفن سيد الورى. وظاهره أنه لا يدخل حرم مكة بالأولى والأخرى. (وهنالك) أي في الشام (يهلك) أي يقتله عيسى عليه [الصلاة]والسلام (متفق عليه). ٥٤٨١ - (وعن أبي بكرة رضي الله عنه) بالباء (عن النبي وَ ل﴿ قال: لا يدخل المدينة) أي ومن بها (رعب المسيح الدجال) بضم راء فسكون عين ويضمتين، أي خوفه. (لها) أي للمدينة (يومئذ سبعة أبواب) أي طرق، أو المراد بها أبواب القلعة حينئذ. (على كل باب ملكان) أي يدفعانه عن الدخول في ذلك المكان. (رواه البخاري) قال السيوطي (رحمه الله]: ما اشتهر على الألسنة أن جبريل عليه [الصلاة]والسلام لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي وَ طلال فهو شيء لا أصل له، ومن الدليل على بطلانه ما أخرجه الطبراني أن جبريل يحضر موت كل مؤمن يكون على طهارة، وأخرج أبو نعيم في الفتن قال له: يمر الدجال بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم فقال: من أنت. قال: أنا جبريل بعثني لأمنع حرم رسوله. انتهى. ولا مفهوم له كما لا يخفى، فإنه يحتمل أن يكون من باب الاكتفاء أو فوض إلى جبريل منع حرم رسوله. وأما حرمه فهو له ولي وكفيل كما يشير إليه سورة الفيل. وسيأتي فيما روى لتميم الداري عن الدجال أنه قال: فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة هما محرمتان على كلتاهما. وقد قرره النبي وَ﴿ ﴿. وقد روى أحمد عن أبي سعيد مرفوعاً: الدجال لا يولد ولا يدخل المدينة ولا مكة (١). الحديث رقم ٥٤٨٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٠٠٥/٢ حديث رقم (٤٨٦. ١٣٨٠) والترمذي في السنن ٤٤٦/٤ حديث رقم ٢٢٤٣. الحديث رقم ٥٤٨١: أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ ٩٥. حديث رقم ١٨٧٩. (١) أحمد فى المسند ٤٣/٣. ر :١٤ ٢٠٠٠ برس: ١ ١٣٣ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال ٥٤٨٢ - (١٩) وعن فاطمة بنت قيس قالتْ: سمعتُ منادي رسول الله وَل ينادي: الصلاة جامعة؛ فخرجت إلى المسجد فصلّيت مع رسول الله وَلقر، فلما قضى صلاته جلس على المنبر وهو يضحك؛ فقال: ((ليلزمْ كلُّ إِنسان مصلاً)). ثم قال: «هل تدرون لِمَ جمعتكم؟)). قالوا: اللَّهُ ورسولهُ أعلم. قال: ((إِني واللهِ ما جمعتكم لرغبةٍ ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأنَّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء [فبايع] وأسلم، وحدّثني حديثاً وافقَ الذي ٥٤٨٢ - (وعن فاطمة بنت قيس) أي القرشية أخت الضحاك كانت من المهاجرات الأول، روى عنها نفر كانت ذات جمال وعقل وكمال وزوجها النبي ◌ّظهر من أسامة بن زيد مولاه رضي الله [تعالى]عنه. (قالت: سمعت منادي رسول الله وَلقر ينادي:) تحقيق إعرابه كما في القرآن: ﴿سمعنا منادياً ينادي للإيمان﴾ [آل عمران - ١٩٣]. (الصلاة) بنصبها ويرفع وكذا قوله: (جامعة) قال النووي [رحمه الله]: هو بنصب الصلاة وجامعة الأوّل على الإغراء والثاني على الحال. وقال التوربشتي [رحمه الله]: وجه الرواية بالرفع أن يقدر هذه أي هذه الصلاة جامعة، ويجوز أن ينصب جامعة على الحال. ولما كان هذا القول للدعاء إليها والحث عليها كان النصب أجود وأشبه بالمعنى المراد منه انتهى. فالتركيب ثلاثي كما لا يخفى. وقال شارح: هذه الجملة مفعول ينادي لأنه في معنى القول، وهي في إعرابه على أربعه أوجه كما مر أي في صلاة العيد. وتوضيحه ما ذكره ابن الملك هنا حيث قال برفعهما مبتدأ وخبر ونصبهما على تقدير احضروا، الصلاة حال كونها جامعة برفع الأول على تقدير هذه الصلاة ونصب الثاني على الحالية وبالعكس على تقدير احضروا الصلاة وهي جامعة وهو ضعيف لإضمار حرف العطف، وعلى جميع التقادير محل الجملة نصب لأنه مفعول ينادي حكاية لكونه في معنى القول. (فخرجت إلى المسجد) ولعل خروجها قبل النهي، أو كان في الليل أو لهن رخصة في حضور الصلاة الجامعة قياساً على صلاة العيد. (فصليت مع رسول الله (وَلٍ*) أي صلاة نافلة أو إحدى الصلوات الخمس (فلما قضى صلاته) أي أداها وفرغ عنها (جلس على المنبر وهو يضحك) أي يتبسم ضاحكاً على عادته الشريفة (فقال: ليلزم) بفتح الزاي أو ليلتزم (كل إنسان مصلاة) أي موضع صلاته فلا يتغير ولا يتقدم ولا يتأخر (ثم قال: هل تدرون لم جمعتكم) أي بنداء الصلاة جامعة (قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة) أي لأمر مرغوب فيه من عطاء كغنيمة (ولا رهبة) أي ولا لخوف من عدو (ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري) وهو منسوب إلى جد له اسمه الدار. وفي نسخة صحيحة: تميم الداري. والأوّل هو الصحيح. قال الطيبي [رحمه الله]: كذا هو في جامع الأصول وأكثر نسخ المصابيح، وتميم الداري من غير تنوين في كتاب الحميدي وفي بعض نسخ المصابيح وفي مسلم لأن تميم الداري. (كان رجلاً نصرانياً فجاء وأسلم وحدثني حديثاً وافق الذي) أي طابق الحديث الذي الحديث رقم ٥٤٨٢: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٦١/٤ حديث رقم (٢٩٤٢.١١٩). وأبو داود في السنن ٥٠٠/٤ حديث رقم ٤٣٢٦. والترمذي ٤٥٢/٤ حديث رقم ٢٢٥٣. :٢٠= عدد امے ١٣٤ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال كنت أُحدِّثُكمْ به عن المسيح الدجال، حدَّثني أنه رَكِبَ في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وُذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، فأرفؤُوا إِلى جزيرةٍ حين تغرب الشمس، فجلّسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلبُ، كثير الشعر، لا يدرون ما قبَلُه من دُبُرِهِ من كثرةِ الشعرِ، 7:7 74 *. 7 ١ / ١٩ ٦٥٥٪ (كنت أحدثكم به عن المسيح الدجال) فهذا كما في حديث رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. وفيه إشعار أن كثرة الرواة لها دخل في قوة الاسناد ولهذا قال على سبيل الاستشهاد وطريق الاعتضاد. (حدثني) فهو من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر، وفيه إيماء إلى الرد على الجاهل المكابر حتى يتكبر عن أخذ العلم من أهل الخمول والأصاغر وقد قال تعالى: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾ [الأعراف - ١٤]. وقال ◌َّ: كلمة الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها(١). ومن كلام علي رضي الله عنه: انظر إلى ما قال ولا تنظر إلى من قال. والمعنى: أن تميماً حكى لي. (أنه ركب في سفينة بحرية) أي لا برية احترازاً عن الإِبل فإنها تسمى سفينة البر. وقيل: أي مركباً كبيراً بحرياً لا زورقاً صغيراً نهرياً. (مع ثلاثين رجلاً من لخم) بفتح لام وسكون خاء معجمة مصروف وقد لا يصرف، قبيلة معروفة. وكذا قوله: (وجذام) بضم الجيم (فلعب) أي دار (بهم الموج شهراً) أي مقدار شهر (في البحر) واللعب في الأصل ما لا فائدة فيه من فعل أو قول فاستعير لصد الأمواج السفن عن صوب المقصد وتحويلها يميناً وشمالاً. (فأرفؤوا) بهمزتين، أي قربوا السفينة. (إلى جزيرة حين تغرب الشمس) في شرح التوربشتي قال الأصمعي: أرفأت السفينة أرفئها إرفاء. وبعضهم يقول أرفيها بالياء على الإبدال وهذا مرفأ السفن، أي الموضع الذي تشد إليه وتوقف عنده. (فجلسوا) أي بعد ما تحولوا من المركب الكبير (في أقرب السفينة) بفتح الهمزة وضم الراء جمع قارب بكسر الراء وفتحه أشهر وأكثر، وحكي ضمها وهو جمع على غير قياس والقياس قوارب. قال النووي [رحمه الله]: أقرب السفينة هو بضم الراء جمع قارب بكسر الراء وفتحها، وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة كالجنيبة يتصرف فيها ركاب السفينة لقضاء حوائجهم. وفي النهاية: أما أقرب فلعله جمع قارب فليس بمعروف في جمع فاعل أفعل. وقد أشار الحميدي في غريبه إلى انكار ذلك. وقال الخطابي أنه جمع على غير قياس. (فدخلوا في الجزيرة) اللام للعهد، أي في الجزيرة التي هناك. (فلقيتهم) أي فرأتهم (دابة أهلب) الهلب الشعر. وقيل ما غلظ من الشعر، وقيل ما كثر من شعر الذنب. وإنما ذكر لأن الدابة يطلق على الذكر والأنثى لقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض﴾ [الأنعام - ٣٨]. كذا قالوا. والأظهر أنه بتأويل الحيوان ولذا قال: (كثير الشعر) وهو تفسير لما قبله وعطف بيان. ثم بينه زيادة تبيان حيث قال استئنافاً: (لا يدرون) أي لا يعرف الناس الحاضرون (ما قبله من دبره) بضمتين فيهما. قال الطيبي [رحمه الله]: ما استفهامية ويدرون بمعنى يعلمون لمجيء الاستفهام تعليقاً، ولا بد من تقدير مضاف بعد حرف الاستفهام. أي ما نسبة قبله من دبره. (من كثرة الشعر) أي (١) الترمذي في السنن ٤٩/٥ حديث رقم ٢٦٨٧. وكذلك ابن ماجه. - ١٣٥ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال قالوا: ويلَكِ ما أنت؟ قالتْ: أنا الجسَّاسةُ [قالوا: وما الجسَّاسةُ؟ قالت: أيها القوم] انطلقوا إِلى هذا الرجل في الديرِ، فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سَمَّتْ لنا رجلاً فرِقنا منها أن تكونَ شيطانةً. قال: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدّير، فإذا فيه أعظمُ إِنسان ما رأيناه قطُ خَلْقاً، وأَشَدُّهُ وَثَاقاً، من أجلها وبسببها (قالوا: ويلك ما أنت) خاطبوها مخاطبة المتعجب المتفجع (قالت: أنا الجساسة) قال النووي (رحمه الله]: هي بفتح الجيم فتشديد المهملة الأولى. قيل: سميت بذلك لتجسسها الأخبار للدجال. وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنها دابة الأرض المذكورة في القرآن. (انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير) بفتح الدال وسكون التحتية، أي دير النصارى. ففي المغرب: الدير صومعة الراهب. والمراد هنا القصر كما سيأتي، والجار والمجرور حال والعامل فيه اسم الإِشارة أو حرف التنبيه. (فإنه) أي الرجل الذي في الدير (إلى خبركم) متعلق بقوله: (بالأشواق) بفتح الهمزة جمع شوق، أي كثير الشوق وعظيم الاشتياق والباء للإلصاق. قال التوربشتي [رحمه الله]: أي شديد نزاع النفس إلى ما عندكم من الخبر حتى كانت الأشواق ملصقة به، أو كأنه مهتم بها. (قال:) أي تميم (لما سمت) أي ذكرت ووصفت (لنا رجلاً فرقنا) بكسر الراء. أي خفنا (منها) أي من الدابة (أن تكون شيطانة) أي كراهة أن تكون شيطانة وأن يكون الرجل شيطاناً متعلقاً بها. وقال الطيبي [رحمه الله]: أن تكون شيطانة بدل من الضمير المجرور. (قال:) أي تميم (فانطلقنا سراعاً) أي حال كوننا مسرعين (حتى دخلنا الدير) قال شارح: دير النصارى وأصله الواو انتهى. والمعنى: أن أصله دار بالألف المبدلة من الواو مأخوذاً من الدور لكونه مدوراً، أو يدار فيها أو مدار المعيشة والمبيت إليه ثم أبدلت الألف ياء للفرق. ومراده بقوله: دير النصارى، أنه مثله أو في الأصل يطلق عليه، وقد يطلق على بيت الخمر. (فإذا فيه أعظم إنسان) أي أكبره جثة أو أهيبه هيئة. (رأيناه) صفة إنسان احتراز عمن لم يروه. ولما كان هذا الكلام في معنى ما رأينا مثله صح قوله: (قط) الذي يختص بنفي الماضي وهو بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة في أفصح اللغات وقد تكسر، وقد يتبع(١) قافه(٢) طاءه في الضم وقد تخفف طاؤه مع ضمها وإسكانها على ما في المغني. ووقع في نسخة: ما رأيناه قط. وقوله: (خلقاً) تمييز أعظم (وأشده) أي أقوى انسان (وثاقاً) بفتح الواو ويكسر، أي قيداً من السلاسل والأغلال على ما سيأتي. هذا وذكر الأشرف أن ضمير المفعول راجع إلى الأعظم، أي ما رأيناه قط أعظم إنسان خلقاً وخلقاً، نصب على التمييز من أعظم إنسان. وقال الطيبي [رحمه الله]: ويحتمل أن يقدر مضاف، أي ما رأينا مثل ذلك الأعظم، وأشد مرفوع عطف على الأعظم. هذا وإن لفظة: ما، ليست في صحيح مسلم ولا في كتاب الحميدي ولا في جامع الأصول ولا في أكثر نسخ المصابيح. ولعل من زادها نظر إلى لفظة قط حيث يكون في الماضي المنفي، فالوجه أن يكون مراده كما جاء في قول القائل : (١) في المخطوطة ((يشبع). (٢) في المخطوطة ((طاؤه)). /٠٠٠١ ١٣٦ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال مجموعةٌ يده إِلى عُنُقِهِ، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد. قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نَحن أُناس من العربِ، ركبنا في سفينةٍ بحرية، فلعِبَ بنا البحر شهراً، فدخلنا الجزيرة، فلقيتنا دابة أهلب، فقالت: أنا الجسَّاسة، اعمِدُوا إِلى هذا في الدَّيْر، فأقبلنا إليك سراعاً [وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة] فقال: أخبروني عن نخل بَيْسان [قلنا: عن أيِّ شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها] هل تثمرُ؟ قلنا: نعمْ قال: أَما إِنها توشِكُ أن لا تثمرَ. قال: أخبروني عن بُحيرة الطبريَّةِ [قلنا: عن أيّ شأنها تستخبر؟ قال:] هل فيها ماءٌ؟ قلنا: هي كثيرةُ الماءِ. قال: [أما] إِنَّ ماءَها یوشِكُ أن يذهبَ. * لله يبقي على الأيام ذو حيد * (مجموعة) بالنصب وفي نسخة بالرفع، أي مضمومة. (يده إلى عنقه) وقوله: (ما بين ركبتيه إلى كعبيه) لما كان ظاهره أن يؤتى بالواو في أوله ليكون المعنى ومجموعة ساقاه عليه ويكون قوله بالحديد قيداً لهما. (قال الطيبي [رحمه الله]: ما موصولة مرفوعة المحل المعني (بالحديد) وحذف مجموعة في الثاني لدلالة الأولى عليه (قلنا: ويلك ما أنت) استغربوه فأوردوا مكان من، ويمكن أن يكون السؤال عن وصفه وحاله إذ قد علموا أنه رجل. وقد يجيء ما بمعنى من كما حقق في قوله تعالى: ﴿والسماء وما بناها﴾ [الشمس - ٥]. أو روعي مشاكلة ما قبلها. وقال الطيبي [رحمه الله]: كأنهم لما رأوا خلقاً عجيباً خارجاً عما عهدوه خفي عليهم حاله فقالوا: ما أنت، مكان: من أنت. (قال: قدرتم) أي تمكنتم (على خبري) أي فإني لا أخفيه عنكم فأحدث لكم عن حالي (فأخبروني) أي عن حالكم وما أسأله عنكم أولاً، وهذا معنى قوله: (ما أنتم) حيث لم يقل من أنتم، ويمكن أن يكون طباقاً لقولهم وجزاء لفعلهم. قال الطيبي [رحمه الله]: ومثل ما قالوا له: ما أنت، قال لهم: ما أنتم، لأنه ما عهد أن انساناً يطرق ذلك المكان. وقال ابن الملك: أي من أنتم، أو ما حالكم. (قالوا:) فيه التفات من التكلم إلى الغيبة ذكره ابن الملك [رحمه الله]. ويمكن أن يكون التقدير قال بعضنا، ففيه تغليب للغائبين على الحاضرين. (نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فلعب بنا البحر شهراً فدخانا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب فقالت: أنا الجساسة اعمدوا) بكسر الميم، أي اقصدوا (إلى هذا) أي الرجل (في الدير) أي القصر الكبير (فأقبلنا إليك سراعاً. فقال: أخبروني عن نخل بيسان) بفتح موحدة وسكون تحتية وهي قرية بالشام ذكره الطيبي [رحمه الله]. قريبة من الأردن ذكره ابن الملك [رحمه الله]. وفي القاموس: قرية بالشام وقرية بمرو وموضع باليمامة، وفي نسخة بنون بدل الموحدة، لكن ما وجدت له أصلاً في اللغة يناسب المقام. وإنما ذكره في القاموس وقال: نيسان سابع الأشهر الرومية. (هل تثمر) أي تلك النخل (قلنا: نعم. قال: أما) بالتخفيف للتنبيه (إنها توشك) أي تقرب (أن لا تثمر. قال:) أي الرجل (أخبروني عن بحيرة الطبرية) بفتحتين والبحيرة تصغير البحر. وفي القاموس: الطبرية محركة قصبة بالأردن والنسبة إليها طبراني. (هل فيها ماء. قلنا: هي كثيرة الماء. قال: إن ماءها يوشك أن يذهب) أي يفنى .... :42 ١٣٧ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال قال: أخبروني عن عين زُغَرَ [قالوا: وعن أيِّ شأنها تستخبرُ؟ قال:] هل في العينِ ماءٌ؟ وهل يزرعُ أهلُها بماءِ العينِ؟ قلنا [له]: نعم، هي كثيرةُ الماءِ وأهلُها يزرعونَ منْ مائِها. قال: أخبروني عن نبيِّ الأمّّينَ ما فعلَ؟ قُلنا: قد خرجَ من مكةً ونزلَ يثرِبَ. قال: أقاتلَه العربُ؟ قلنا: نعم. قال: كيفَ صنعَ بهم؟ فأخبرناه أنَّه قد ظهرَ على مَن يَليهِ من العربِ، وأطاعوهُ. قال: [لهم: قد كانَ ذلكَ؟ قلنا: نعم]. قال: أَما إِنَّ ذلك خيرٌ لهم أن يُطيعوه وإِني مُخبرُكم عني: إِنِي أنا المسيحُ الدجال، وإِني (قال: أخبروني عن عين زغر) بزاي فغين معجمتين فراء كزفر بلدة بالشام قليلة النبات قيل: عدم صرفة للتعريف والتأنيث لأنه في الأصل اسم امرأة، ثم نقل يعني ليس تأنيثه باعتبار البلدة والبقعة فإنه قد يذكر مثله ويصرف باعتبار البلد والمكان. وقد قال شارح: هو موضع بالشام. وقال النووي [رحمه الله]: هي بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام. (هل في العين) أي في عينه أو تلك العين فاللام للعوض عن المضاف إليه أو للعهد. (ماء) أي كثير لقوله: (وهل يزرع أهلها) أي أهل تلك العين أو البلدة وهي الأظهر لقوله: (بماء العين. قلنا: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها) الظاهر أن جوابه على طبق ما سبق، وهو أما إنها يوشك أن لا يبقى فيها ماء يزرع به أهلها. وفي الأسئلة المذكورة وأجوبتها المسطورة إشارة إلى أنها علامات لخروجه وأمارات لذهاب بركتها بشآمة ظهوره ووصوله، ولما كانت هذه الأسئلة توطئة لما بعدها. (قال:) أي الدجال معرضاً عن الجواب الثاني وبادر إلى السؤال المقصود وهو ظهور محمد المحمود. (أخبروني عن نبي الأميين) أي العرب (ما فعل) بفتحتين، أي ما صنع بعدما بعث. قال ابن الملك في شرح المشارق: أراد الدجال بالأميين العرب لأنهم لا يكتبون ولا يقرؤون غالباً، وإنما أضاف نبينا محمداً بَ ل إليهم طعناً عليه بأنه مبعوث إليهم خاصة كما زعم بعض اليهود، أو بأنه غير مبعوث إلى ذوي الفطنة والكياسة والعقل والرياسة. (قلنا: قد خرج من مكة ونزل بيثرب) أي هاجر منها إلى المدينة. (قال: أقاتله العرب. قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم. فأخبرناه أنه قد ظهر) أي غلب وظفر (على من يليه) أي يقربه (من العرب وأطاعوه. قال: أما إن ذلك خير لهم) قال الطيبي [رحمه الله]: المشار إليه ما يفهم من قوله: وأطاعوه، وقوله: (أن يطيعوه) جاء لمزيد البيان. ويجوز أن يكون المشار إليه رسول الله وَالجهل وخيراً ما خبر مسند إلى أن يطيعوه، وعلى هذا لا يكون بمعنى التفضيل، أو يكون أن يطيعوه مبتدأ وخير خبره مقدماً عليه والجملة خبر إن. قال التوربشتي [رحمه الله]: فإن قيل: يشبه هذا القول قول من عرف الحق والمخذول من البعد من الله بمكان لم ير له فيه مساهم، فما وجه قوله هذا. قلنا: يحتمل أنه أراد به الخير في الدنيا، أي طاعتهم له خير لهم فإنهم إن خالفوه اجتاحهم واستأصلهم. ويحتمل أنه من باب الصرفة صرفه الله تعالى عن الطعن فيه والتكبر عليه وتفوه بما ذكر عنه، كالمغلوب عليه والمأخوذ عليه فلا يستطيع أن يتكلم بغيره تأييداً لنبيه وتليفون: والفضل ما شهدت به الأعداء * (وإني مخبركم عني إني) بكسر الهمزة وفتحه (أنا المسيح) أي الدجال (وإني) بالوجهين ٣٠٠٤ / :w. ١٣٨ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال يوشكُ أن يؤذنَ لي في الخروجِ فأخرُجَ، فأسيرَ في الأرض، فلا أدعَ قريةً إِلاَّ هبطتُها في أربعينَ ليلةً، غيرَ مكةَ وطيبةَ، وهما مُحرَّمتانٍ عَلَيَّ كلتاهُما، كلما أردتُ أن أدخُلَ [واحدةً أو] واحداً منهُما استقبلَني ملَكٌ بيدهِ السيفُ صَلتاً يصدُّني عنها، وإِنَّ على كلِّ نَقْبٍ منها ملائكةً يحرسونَها)). قال رسولُ اللهِ وَ لَ ـ وطعنَ بمخْصَرتِه في المنبرِ -: ((هذه طيبةُ، هذه طيبةُ، هذه طيبةُ)) يعني المدينةَ ((أَلاَ هلْ كنتُ حدَّثتُكم؟)) فقال الناسُ: نعم، [فإِنه أعجبَني حديثُ تميم أنه وافقَ الذي كنتُ أُحدِّثُكم عنه وعن المدينة ومكةً]. أَلا إِنه في بحر الشَّأمِ أو بحرِ اليمنِ، (يوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع) بالنصب في الثلاثة وجوز رفعها، أي فلا أترك. (قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة) ظرف لأسير وعدم الترك إشعاراً بقوة سياحته التي هي أحد وجوه تسميته بالمسيح، على أن فعيل بمعنى الفاعل لكون سياحته مروراً كالمسح. (غير مكة) استثناء من القرية التي وقعت نكرة في سياق النفي المنصب عليه الاستثناء المفيد للاستغراق. (وطيبة) عطف على مكة، وهي بفتح الطاء وسكون تحتية فموحدة من أسماء المدينة كطابة. (هما) أي مكة وطيبة (محرمتان عليّ) أي ممنوعتان على دخولهما. (كلتاهما) تأكيد لهما. ثم بين سبب المنع بقوله: (كلما أردت أن أدخل واحداً) أي حرماً واحداً (منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً) بفتح الصاد ويضم، أي مجرداً عن الغمد. قال شارح: هو بالفتح والضم مصدر بمعنى الفاعل أو المفعول حال عن الملك أو السيف، أي مصلتاً أو مصلتاً من قولهم: أصلت سيفه، أي جرده من غلافه. وقوله: (يصدني عنها) أي يمنعني عن كل واحدة منهما استئناف بيان أو حال، والضمير للملك أو السيف مجازاً، أو لله تعالى حقيقة وهو المذكور في اللسان والمحظور في الجنان فصح أن يكون مرجعاً للضمير على وجه البيان كما حقق في قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص - ١]. (وإن على كل نقب) بفتح نون وسكون قاف، أي طريق أو باب. (منها) أي من كل واحدة (ملائكة يحرسونها) أي يحفظونها عن الآفات والبليات من غير ذلك الملك. والظاهر أنه جبريل عليه [الصلاة] والسلام لما تقدم والله [تعالى] أعلم. (قال رسول الله ولا ير: وطعن) أي وقد طعن، أي ضرب (بمخصرته) بكسر الميم وفتح الصاد، أي بعصاه. (في المنبر) أي عليه. ففي بمعنى على كقوله تعالى: ﴿ووصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه - ٧١]. أو في الطعن تضمن الإيقاع كقوله: يجرح في عراقيبها نصلي. وفي الفائق هي قضيب يشير به الخطيب أو الملك إذا خاطب. وقال التوربشتي [رحمه الله]: المخصرة كالسوط وكل ما اختصر الإِنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها فهو مخصرة. وقال شارح: المخصرة ما يمسكه الإنسان بيده من قضيب أو عصا ونحوهما فيضع تحت خاصرته ويتكىء عليها. وقيل: هي كالسوط. (هذه طيبة) الجملة مقول لقال وما بينهما حال معترضة بين الفاعل والمفعول. (هذه طيبة هذه طيبة) كررها ثلاثاً للتأكيد (يعني المدينة) أي يريد النبي وَل بقوله: هذه، الموضوعة للإشارة المحسوسة المدينة المحروسة. قال التوربشتي [رحمه الله]: لما وافق هذا القول ما كان حدثهم به أعجبه ذلك وسرّ به. (فقال: ألا) أي تنبهوا (هل كنت حدثتكم) أي بمثل هذا الحديث ومطابق لهذا الخبر (فقال الناس: نعم، ألا) للتنبية (إنه) أي الدجال (في بحر الشام أو بحر اليمن) قيل: لما حدثهم بقول تميم الداري جوم: spr ٦٠ مجم +جوج ١٣٩ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال · لا بل منْ قِبَل المشرقِ ما هو، [منْ قِبَل المشرق ما هو، منْ قبَلِ المشرقِ ما هوَ])). وأومأ بيده إِلى المشرق. رواه مسلم. ٥٤٨٣ - (٢٠) وعن عبد الله بن عُمر، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَ قال: ((رأيتُني الليلةَ عندَ الكعبةِ، فرأيتُ رجلاً آدَم كأحسن ما أنت راءٍ من أُدم الرجال، له لِمَّةٌ كأحسنِ ما أنتَ راءٍ من اللّمم قد رجَّلَها، فهي تقطر ماءً، متكئاً على عواتق رجلين، يطوف لم ير أن يبين لهم موطنه ومجلسه كل التبيين لما رأى في الالتباس من المصلحة فرد الأمر فيه إلى التردد بين كونه في بحر الشام أو بحر اليمن. ولم تكن العرب يومئذ تسافر إلا في هذين البحرين. ويحتمل أنه أراد ببحر الشام ما يلي الجانب الشامي وببحر اليمن ما يلي الجانب اليماني. والبحر واحد وهو الممتد على أحد جوانب جزيرة العرب، ثم أضرب عن القولين مع حصول اليقين في أحدهما فقال: (لا بل من قبل المشرق ما هو) أي هو، وما زائدة أو موصولة بمعنى الذي، أي الجانب الذي هو فيه. قال القاضي (رحمه الله]: لفظة ما هنا زائدة للكلام وليست بنافية، والمراد إثبات أنه في جهة المشرق. قال التوربشتي [رحمه الله]: ويحتمل أن يكون خبراً أي الذي هو فيه، أو الذي هو يخرج منه. (وأومأ) بهمزتين أي أشار (بيده إلى المشرق) قال الأشرف: يمكن أنه لو كان شاكاً في موضعه وكان في ظنه أنه لا يخلو عن هذه المواضع الثلاثة فلما ذكر بحر الشام وبحر اليمن تيقن له من جهة الوحي أو غلب على ظنه أنه من قبل المشرق، فنفى الأولين وأضرب عنهما وحقق الثالث. (رواه مسلم). ٥٤٨٣ - (وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَلي قال: رأيتني) من الرؤيا كذا ذكره شارح. ويحتمل أن يكون بطريق المكاشفة مع أن رؤيا الأنبياء حق كمكاشفاتهم. (الليلة) أي البارحة إن وقع القول في النهار (عند الكعبة) ظرف للرؤية أو حال من المفعول. والمعنى: رأيت نفسي عند الكعبة. (فرأيت رجلاً آدم) بالمد، أي أسمر. (كأحسن ما أنت راء) أي في الأوصاف (من أدم الرجال) بضم همز وسكون دال مهملة جمع آدم كحمر جمع أحمر على ما في النهاية. فما وقع في بعض النسخ من الضم فهو من سهو القلم. (له لمة) بكسر اللام وتشديد الميم ما جاوز شحمة الأذن من الشعر. (كأحسن ما أنت راء من اللمم) بكسر ففتح جمع لمة (قد رجلها) بتشديد الجيم، أي سرحها ومشطها، (فهي) أي اللمة (تقطر ماء) يحتمل أن يراد بالماء الذي سرح به إذ لا يسرح الشعر وهو يابس، وأن يكون كناية عن مزيد النظافة والنضارة. (متكئاً) صفة أخرى لرجلاً أو حال منه لوصفه بآدم أي معتمداً (على عواتق رجلين) جمع عاتق وهو موضع الرداء من الكتف. وقال السيوطي [رحمه الله]: ما بين المنكب والعنق. ثم التركيب من قبيل قوله تعالى: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾. وحديث أنصاف ساقيه. (يطوف الحديث رقم ٥٤٨٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٧٧/٦. حديث رقم ٣٤٤٠. ومسلم في صحيحه ١/ ١٥٤ حديث رقم (٢٧٣ . ١٦٩) ومالك في الموطأ ٩٢٠/٢ حديث رقم ٢ من كتاب صفة النبي الر وأحمد فى المسند ١٥٤/٢ ١٤٠ كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال ۔ ھم. بالبيت، فسألتُ: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم)) قال: ((ثم إِذا أنا برجلٍ جعدٍ قطَطِ، أعورِ العينِ اليمنى، كأنَّ عينه عنبةٌ طافية، كأشبه من رأيتُ من الناس بابن قَطَن واضعاً يديه على منكبي رجلين، يطوف بالبيت، فسألت من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح الدجّال)). بالبيت) استئناف بيان أو حال (فسألت:) أي الطائفين أو الملائكة الحافين (من هذا) وفيه إيماء إلى أن المكاشفة قد تكون في بعض الأشياء مع وجود بعض الاخفاء. (فقالوا: هذا المسيح ابن مريم. قال:) أي النبي ◌َّر (ثم إذا أنا برجل جعد) بفتح جيم فسكون عين وهو من الشعر خلاف السبط، أو القصير منه كذا في القاموس. (قطط) بفتح الطاء الأولى ويكسر. في القاموس: القط القصير الجعد من الرأس كالقطط محركة. (أعور العين اليمنى) بالجر في أعور مضافاً (كان عينه عنبة طافية) بكسر الفاء بعدها ياء، وفي نسخة بالهمزة. قال السيوطي [رحمه الله]: روي بالهمز بمعنى ذاهب ضوءها وبدونه، وصححه الأكثر بمعنى ناتئة بارزة كنتؤ حبة العنب. قال القاضي عياض [رحمه الله]: كلا عينيه معيبة عوراء فاليمنى مطموسة وهي الطافئة بالهمز واليسرى ناتئة جاحظة كأنها كوكب وهي الطافية بلا همز. (كأشبه من رأيت) قال الجزري: ضبطناه بالتكلم والخطاب وهو أوضح. قلت: أكثر النسخ على التكلم وهو الأظهر في مقام التشبيه من الخطاب العام، ثم الكاف مزيدة للمبالغة في التشبيه. والمعنى هو أشبه من أبصرته من الناس. (بابن قطن) بفتحتين واحد من اليهود والجار متعلق بأشبه، وفي الرواية الآتية: أقرب الناس به شبهاً ابن قطن. ولعل وجه الشبه باعتبار بعض الوجوه الآتية. (واضعاً) أو باعتبار أن عينه عنبة طافية. (يديه) حال من الدجال (على منكبي رجلين) الظاهر أن المراد بهما من يعاونه على باطله من أمرائه، كما أن المراد بالرجلين الأولين من يساعدان المسيح على حقه ولعلهما الخضر والمهدي من أصحابه. (يطوف بالبيت) فيه إشعار بأن أحداً لا يستغني عن هذا الجناب ولا يفتح لهم غرض إلا من هذا الباب. وفي قوله تعالى: ﴿مثابة للناس﴾ [البقرة - ١٢٥]. إيماء إلى ذلك ولذا وجد الكفار في الجاهلية وزمن البعثة ما كانوا يتركون الطواف، والآن أيضاً يتمنى اليهود والنصارى أن يتشرفوا برؤية هذا البيت والطواف حوله. وقال التوربشتي [رحمه الله]: طواف الدجال عند الكعبة مع أنه كافر مؤول بأن رؤيا النبي ◌َّر من مكاشفاته، كوشف بأن عيسى عليه [الصلاة] والسلام في صورته الحسنة التي ينزل عليها يطوف حول الدين لإقامة أوده واصلاح فساده وأن الدجال في صورته الكريهة التي ستظهر بدول حول الدين يبقى العوج والفساد. (فسألت من هذا فقالوا: هذا المسيح الدجال) قال التوربشتي [رحمه الله] : وجه تسميته بالمسيح في أحب الوجوه إلينا أن الخير مسح عنه فهو مسيح الضلالة، كما أن الشر مسح عن مسيح الهداية. وقيل: سمي عيسى به لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة الابر. أو قيل: لأنه كان أمسح الرجل لا أخمص له. وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن. وقيل: لأنه كان يمسح الأرض أي يقطعها. وقيل: المسيح الصديق، وسمي الدجال به لأن إحدى عينيه ممسوحة لا يبصر بها، والأعور يسمى مسيحاً انتهى. ولأنه يمسح في أيام معدودة . 0F ١٩٩:٠ ١٩١٧٦٤١٩ ـوجـا ، جدة