النص المفهرس

صفحات 101-120

١
١
كتاب الفتن/ باب أشراط الساعة
رواه أحمد، والبيهقي في ((دلائل النبوَّة)).
٥٤٦٢ _ (٢٦) وعن أبي إسحاق، قال: قال عليّ ونظر إلى ابنه الحسن قال: إِنَّ ابني هذا
سيّدٌ كما سماه رسول الله وَّه وسيخرج من صُلبه رجلٌ يسمى باسم نبيّكم، يُشبهه في الخُلق،
ولا يشبهه في الخَلق، - ثم ذكر قصةً - يملأُ الأرض عدلاً. رواه أبو داود ولم يذكر القصة.
المنسوب. ونظيره قوله تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ [النساء - ٨٠]. (رواه
أحمد) أي في مسنده (والبيهقي في دلائل النبوة) وكذا الحاكم في مستدركه(١)
٥٤٦٢ - (وعن أبي إسحاق) الظاهر أن المراد به أبو إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي.
قال المؤلف: رأى علياً وابن عباس وغيرهما من الصحابة وسمع البراء بن عازب وزيد بن
أرقم، وروى عنه الأعمش وشعبة والثوري وهو تابعي مشهور كثير الرواية. ولد لسنتين من
خلافة عثمان ومات سنة تسع وعشرين ومائة. (قال: قال علي [رضي الله تعالى عنه ]) أي
موقوفاً (ونظر إلى ابنه الحسن قال:) الجملة حال معترضة بين القول ومقوله، وأتى بقوله:
قال، أما تأكيد للمبالغة أو لتوهم الاطالة. (أن ابني هذا) إشارة إلى تخصيص الحسن لئلا يتوهم
أن المراد هو الحسين أو الجنس. (سيد كما سماه رسول الله وَلي) أي بقوله على ما سيأتي في
المناقب: أن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
(وسيخرج من صلبه) أي من ذريته (رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق) بضم الخاء
واللام وتسكن (ولا يشبهه في الخلق) أي في جميعه إذ سبق بعض نعته الموافق لخلقه وَطير. (ثم
ذكر قصة يملأ الأرض عدلاً) بالإضافة ودونها. فهذا الحديث دليل صريح على ما قدمناه من أن
المهدي من أولاد الحسن ويكون له انتساب من جهة الأم إلى الحسين جمعاً بين الأدلة، وبه
يبطل قول الشيعة أن المهدي هو محمد بن الحسن العسكري القائم المنتظر فإنه حسيني
بالاتفاق. لا يقال لعل علياً [رضي الله تعالى عنه ]أراد به غير المهدي، فإنا نقول يبطله قصة:
يملأ الأرض عدلاً، إذ لا يعرف في السادات الحسينية ولا الحسنية من ملأ الأرض عدلاً إلا ما
ثبت في حق المهدي الموعود. (رواه أبو داود ولم يذكر القصة) هذا أعني ولم يذكر القصة
كلام جامع الأصول نقله عنه صاحب المشكاة، وهذا معنى كلام الطيبي [رحمه الله ]قوله: لم
يذكر القصة التعريف فيه للعهد. وهذا كلام جامع الأصول وليس في سنن أبي داود. ثم اعلم
أن حديث: ((لا مهدي إلا عيسى ابن مريم)). ضعيف باتفاق المحدثين كما صرح به الجزري
على أنه من باب: لا فتى إلا علي. قال الطيبي(٢) [رحمه الله]: الأحاديث عنه وَّل في
التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم
لها دونه. قال: ويحتمل معناه لا مهدي كاملاً معصوماً إلا عيسى عليه السلام انتهى. وأخرج
(١) الحاكم في المستدرك ٤/ ٥١٢.
الحديث رقم ٥٤٦٢: أخرجه أبو داود في السنن ٤٧٧/٤ حديث رقم ٤٢٩٠.
(٢) في المخطوطة ((القرطبي)).
ـة به :
١٠ جز ٢٠٠
٦
١٩٧
كبيـ

١٣٥٠
كتاب الفتن/ باب أشراط الساعة
٥٤٦٣ - (٢٧) وعن جابر بن عبد الله، قال: فقد الجراد في سنة من سني عمر التي
توفي فيها فاهتم بذلك همّاً شديداً، فبعث إِلى اليمن راكباً، وراكباً إِلى العراق، وراكباً إِلى
الشام، يسأل عن الجراد، هل أري منه شيئاً، فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة فنثرها
بين يديه، فلما رآها عمر كبّر، وقال: سمعتُ رسول الله وَ ◌ّه يقول: ((إِن الله عزَّ وَجلَّ خَلقَ
ألف أمةٍ، ستُمائةٍ منها في البحر، وأربعُمائةٍ في البر، فإِن أوَّل هلاك هذه الأمة الجراد، فإذا
هلك الجراد تتابعت الأمم كنظام السلك)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)).
الدارقطني في سننه عن محمد بن علي قال: إن لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق الله السموات
والأرض ينكسف القمر لأوّل ليلة من رمضان وتنكسف الشمس في النصف منه (١). كذا في
العرف الوردي في أخبار المهدي للجلال السيوطي [رحمه الله].
٥٤٦٣ - (وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: فقد الجراد) أي عدم (في سنة) أي
عام (من سني عمر) أي من أيام خلافته (التي توفي فيها) صفة لسنة (فاهتم) أي اغتم عمر
(بذلك) أي بفقده (هماً شديداً) أي خوفاً من هلاك سائر الأمم لما سيأتي (فبعث إلى اليمن
راكباً وراكباً إلى العراق) وهو المشرق ففنن في العبارة (وراكباً إلى الشام) ولعل عدم بعثه إلى
الغرب لبعده أو لفصله بالبحر أو لقلة وجوده غالباً في ذلك القطر. (يسأل) أي عمر أو كل من
الركبان يتفحص (عن الجراد) وقوله: (هل أري) روي معلوماً ومجهولاً أي بعث قائلاً: هل
أري (منه) أي من الجراد (شيئاً) أي من أثره أو خبره وهو تمن. (فأتاه الراكب الذي من قبل
اليمن بقبضة) بفتح القاف والضاد المعجمة أي بمقبوضة من الجراد (فنثرها بين يديه فلما رآها
عمر كبر) أي فرحاً لما سيأتي (وقال) أي عمر رضي الله عنه (سمعت رسول الله ولي يقول: إن
الله عزَّ وجلَّ خلق ألف أمة) المراد كل جنس من أجناس الدواب كما في قوله تعالى: ﴿وما من
دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ [الأنعام - ٣٨]. (ستمائة) بالرفع
(منها) أي من الألف (في البحر وأربعمائة في البر) وفي نسخة بالنصب في ستمائة وأربعمائة
على البدلية من ألف أمة. (فإن أول هلاك هذه الأمة) إشارة إلى قوله: ألف أمة، فالمراد بها
الجنس. (الجراد) وفي رواية: إن أول هذه الأمة. بدون لفظ هلاك. فيقدر هلاكاً. أو المراد أن
أول هذه الأمة خلقاً الجراد، ويمكن أن يكون المراد بهذه الأمة أمته ور. (فإذا هلك الجراد
تتابعت الأمم) أي في الهلاك (كنظام السلك) أي كتتابع خرز منظوم الخيط في النثر إذا انقطع
السلك أو كتتابع وجود الخرز في حال نظام السلك، لأن المقصود من التشبيه هو التوالي وهو
حاصل في الصورتين. لكن الأول أبلغ وأكمل في ملاحظة وجه الشبه في الهلال (رواه البيهقي
في شعب الإيمان)
ـتبس سبب
١٠
٣٥٢.
٠٠٠٠
٣٠.
(١) الدارقطني في سننه ٦٥/٢ حديث رقم ١٠ من باب صفة صلاة الخسوف.
الحديث رقم ٥٤٦٣: رواه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٢٣٤ حديث رقم ١٠١٣٢.
١٠٢
-

١٠٣
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
(٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
الفصل الأول
٥٤٦٤ - (١) عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطّلع النبي ◌َ لّ علينا ونحن نتذاكر.
فقال: ((ما تذكرون؟)). قالوا: نذكر الساعة. قال: ((إِنها لن تقومَ حتى تَرَوا قبلها عشرَ آيَاتٍ،
فذکر
(باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال)
وفي نسخة: باب علامات. وقوله: بين يدي الساعة أي قدامها. وأصله أن يستعمل
في مكان يقابل صدر الشخص مما بين يديه ثم نقل إلى الزمان. ثم قوله: وذكر الدجال،
من باب التخصيص بعد التعميم. وهو من دجل إذا ساح في الأرض، ويقال: دجل فلان
الحق إذا أعطاه. وفي النهاية: أصل الدجل الخلط، يقال: دجل إذا لبس وموه، والدجال
فعال من أبنية المبالغة أي يكثر منه الكذب والتلبيس. وهو الذي يظهر في آخر الزمان
يدعي الإلهية.
(الفصل الأول)
٥٤٦٤ - (وعن حذيفة بن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين المهملة ذكره ابن الملك، ولم
يذكره المؤلف في أسمائه. (الغفاري) بكسر الغين المعجمة نسبة إلى قبيلة منهم أبو ذر. (قال:
اطلع) بتشديد الطاء أي أشرف. (النبي ◌َ ◌ّ علينا) أي وشرفنا بطلعة وجهه المشتمل على الخدين
الغالب نورهما على طلوع القمرين حيث يستفاد منه ضياء الدارين. (ونحن نتذاكر) أي فيما بيننا
(فقال: ما تذكرون) أي بعضكم مع بعض (قالوا:) وفي نسخة: قلنا. (نذكر الساعة) أي أمر
القيامة واحتمال قيامها في كل ساعة (قال: إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات) أي علامات
(فذكر) أي النبي وَلّ بياناً للعشر. (الدخان) قال الطيبي رحمه الله: هو الذي ذكر في قوله
تعالى: ﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ [الدخان - ١٠]. وذلك كان في عهد رسول الله وَل
انتهى. ويؤيده ما قال ابن مسعود، وهو عبارة عما أصاب قريشاً من القحط حتى يرى الهواء
لهم كالدخان. لكن قال حذيفة هو على حقيقته لأنه وَّل سئل عنه فقال: يملأ ما بين المشرق
والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، والمؤمن يصير كالزكام والكافر كالسكران. فقوله: يصير
كالزكام أي كصاحب(١). أو مصدر بمعنى المفعول أي كالمزكوم، أو هو من باب المبالغة
جـ.
i
i
i
ة
الحديث رقم ٥٤٦٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٢٥/٤ حديث (رقم ٢٩٠١.٣٩). وأبو داود في السنن
٤٩١/٤ حديث رقم ٤٣١١. والترمذي في السنن ٤١٤/٤ حديث رقم ٢١٨٣.
(١) في المخطوطة ((كصاحبه)).
சவம்

١٠٤
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
الدّخان، والدجّال، والدَّابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج
ومأجوج، وثلاثة خسوفٍ: خسفٍ بالمشرق، وخسفٍ بالمغرب، وخسفٍ بجزيرة العرب،
وآخرُ ذلك نارٌ تخرج من اليمن تطرد الناس إِلى محشرِهم».
٤٣٠
١٫٠٠٠٠
كرجل عدل. (والدجال والدابة) وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿أخرجنا لهم دابة من الأرض
تكلمهم﴾ [النمل - ٨٢]. (وطلوع الشمس من مغربها) قيل: للدابة ثلاث خرجات، أيام
المهدي ثم أيام عيسى ثم بعد طلوع الشمس من مغربها، ذكره ابن الملك. (ونزول عيسى ابن
مريم عليه الصلاة والسلام) أي المنضم إلى ظهور المهدي الأعظم، فهو من باب الاكتفاء. وقد
روى الطبراني عن أوس بن أوس مرفوعاً: ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي
دمشق(١). وروى الترمذي عن مجمع بن جارية مرفوعاً: يقتل ابن مريم الدجال بباب لد (٢).
في النهاية: هو موضع بالشام، وقيل بفلسطين كذا في شرح الترمذي للسيوطي. وفي
القاموس: لد بالضم قرية بفلسطين يقتل عيسى عليه الصلاة والسلام الدجال عند بابها. هذا
وقد قيل: إن أول الآيات الدخان ثم خروج الدجال ثم نزول عيسى عليه الصلاة والسلام ثم
خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة ثم طلوع الشمس من مغربها فإن الكفار يسلمون في
زمن عيسى عليه السلام حتى تكون الدعوة واحدة، ولو كانت الشمس طلعت من مغربها قبل
خروج الدجال ونزوله لم يكن الإيمان مقبولاً من الكفار، فالواو لمطلق الجمع فلا يردان نزوله
قبل طلوعها ولا ما سيأتي أن طلوع الشمس أول الآيات. (ويأجوج ومأجوج) بألف فيهما
ويهمز، أي خروجهما. (وثلاثة خسوف) قال ابن الملك: قد وجد الخسف في مواضع، لكن
يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدراً زائد على ما وجد كأن يكون أعظم مكاناً وقدراً.
(خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب) بالرفع في الثلاثة على تقدير أحدها
أو منها، ولو روي بالجر لكان له وجه من البدلية. (وآخر ذلك) أي ما ذكر من الآيات (نار
تخرج من اليمن) وفي رواية: تخرج من أرض الحجاز(٣). قال القاضي عياض: لعلها ناران
تجتمعان تحشران الناس أو يكون ابتداء خروجها من اليمن وظهورها من الحجاز ذكره القرطبي
رحمه الله. ثم الجمع بينه وبين ما في البخاري من أن أول أشراط الساعة نار تخرج من المشرق
إلى المغرب(٤). بأن آخريتها باعتبار ما ذكر من الآيات وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا
شيء بعدها من أمور الدنيا أصلاً، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور بخلاف ما ذكر معها فإنه
يبقى مع كل آية منها أشياء من أمور الدنيا كذا ذكره بعض المحققين من العلماء الموفقين.
(تطرد) أي تسوق تلك النار (الناس إلى محشرهم) بفتح الشين ويكسر، أي إلى مجمعهم(٥)
(١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٥٩٠ حديث رقم ١٠٠٢٣.
(٢) الترمذي في السنن ٢٤٧/٤ حديث رقم ٢٢٤٤.
(٣) جاء في البخاري ٧٨/١٣ حديث رقم ٧١١٨.
(٤) رواه البخاري تعليقاً في كتابه ٧٨/١٣ باب رقم ٢٤. خروج النار. من كتاب الفتن.
(٥) في المخطوطة ((جمعهم)).

١٠٥
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
وفي روايةٍ: ((نارٌ تخرِجُ من قعرِ عدن تسوقُ الناس إِلى المحشر)). وفي روايةٍ في العاشرة
((وريحْ تُلقي الناسَ في البحرِ)). رواه مسلم.
٥٤٦٥ _ (٢) وعن أبي هريرةً، قال: قال رسول الله وَ ◌ّه: ((بادروا بالأعمال ستاً.
الدخانَ، والدجالَ، ودابةَ الأرض، وطلوعَ الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخُوَيّصة
أحدِکم».
وموقفهم. قيل: المراد من المحشر أرض الشام إذ صح في الخبر أن الحشر يكون في أرض
الشام، لكن الظاهر أن المراد أن يكون مبتدؤه منها أو تجعل واسعة تسع خلق العالم فيها.
(وفي رواية:) أي لمسلم أو غيره (نار تخرج من قعر عدن) أي أقصى أرضها وهو غير
منصرف، وقيل منصرف باعتبار البقعة والموضع. ففي المشارق عدن مدينة مشهورة باليمن.
وفي القاموس: عدن محركة جزيرة باليمن. (تسوق) أي تطرد النار (الناس إلى المحشر. وفي
رواية في العاشرة:) أي في بيانها وبدلاً عما ذكر فيها من النار (وريح تلقي الناس في البحر)
ولعل الجمع بينهما أن المراد بالناس الكفار وأن نارهم تكون منضمة إلى ريح شديدة الجري
سريعة التأثير في إلقائها إياهم في البحر وهو موضع حشر الكفار أو مستقر الفجار كما ورد أن
البحر يصير ناراً. ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ [التكوير - ٦]. بخلاف نار
المؤمنين فإنها لمجرد التخويف بمنزلة السوط مهابة لتحصيل السوق إلى المحشر والموقف
الأعظم والله تعالى أعلم. (رواه مسلم) وكذا أبو داود والترمذي والنسائي.
٥٤٦٥ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (وَ ل فيه: بادروا) أي أسرعوا وسابقوا
(بالأعمال) أي الصالحة النافعة في الآخرة (ستاً) أي ست آيات أي علامات لوجود الساعة إذ
يعسر العمل ويصعب فيما بعدها، أو لم يقبل ولم يعتبر بعد تحققها. (الدخان والدجال ودابة
الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر العامة) أي الفتنة التي تعم الناس، أو الأمر الذي يستبد
به العوام ويكون من قبلهم دون الخواص من تأمير الأمة. (وخويصة أحدكم) بضم وفتح
وسكون وتشديد وهو تصغير خاصة، أي الوقعة التي تخص أحدكم. قيل: يريد الموت،
وقيل: هي ما يختص به الإِنسان من الشواغل المتعلقة في نفسه وماله وما يهتم به وصغرت
لاستصغارها في جنب سائر الحوادث من البعث والحساب وغير ذلك. ويؤيده ما قررناه
بحسب ما حررناه ما قاله الشارح بعين ما ذكرناه، أي قبل ظهور الآيات الست المذكورة في
الحديث لأن ظهورها يوجب عدم قبول إيمان اليأس لكونها ملجئة إلى الإِيمان فلا ثواب
للمكلف عند الالجاء على عمله، فإذا انقطع الثواب انقطع التكليف. وقال القاضي: أمرهم أن
يبادروا بالأعمال قبل نزول هذه الآيات فإنها إذا نزلت دهشتهم وشغلتهم عن الأعمال، أو سد
عليهم باب التوبة وقبول الأعمال. وفي الفائق: معنى مبادرة الست بالأعمال الانكماش في
56.5
الحديث رقم ٥٤٦٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٦٧/٤ حديث رقم (١٢٩ - ٢٩٤٧) وابن ماجه في
السنن ١٣٤٨/٢ حديث رقم ٤٠٥٦. وأحمد فى المسند ٣٢٤/٢.

١٠٦
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
رواه مسلم.
٥٤٦٦ _ (٣) وعن عبدِ الله بن عمرو، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَ يقول: ((إِنَّ أول
الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروجُ الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما
كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً)). رواه مسلم.
٥٤٦٧ - (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثٌ إِذا خرجن
الأعمال الصالحة والاهتمام بها قبل وقوعها. وتأنيث الست لأنها دواه (١) ومصائب. (رواه
مسلم) وكذا أحمد في مسنده.
٥٤٦٦ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: سمعت رسول الله وَ ل* يقول: إن أوّل
الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها) قال الطيبي رحمه الله: فإن قيل طلوع الشمس من
مغربها ليس أول الآيات لأن الدخان والدجال قبله، قلنا: الآيات أما أمارات لقرب قيام الساعة
وإما أمارات دالة على وجود قيام الساعة وحصولها، ومن الأول الدخان وخروج الدجال
ونحوهما ومن الثاني ما نحن فيه من طلوع الشمس من مغربها والرجفة وخروج النار وطردها
الناس إلى المحشر. وإنما سمي أوّلاً لأنه مبتدأ القسم الثاني ويؤيده حديث أبي هريرة بعده: لا
تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. (وخروج الدابة) هي بالرفع عطف على طلوع
الشمس وهو خبر أول، فيلزم أن يكون الأول متعدداً. ولهذا قال ابن الملك: ولعل الواو
بمعنى أو، ويؤيده ما في رواية: أو خروج الدابة (على الناس ضحى) بالتنوين، أي وقت ارتفاع
النهار. ثم الظاهر أن نسبة الأولية الحقيقية إليهما مبهمة وأنها بالنسبة إلى أحدهما مجازية، ولذا
قال: (وأيهما) ولفظ الجامع: فأيتهما، بالفاء والتأنيث. (ما كانت) ما زائدة، أي وأي الآيتين
المذكورتين وقعت (قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها) بفتحتين وبكسر فسكون أي تحصل
عقبها (قريباً) أي حصولاً أو وقوعها قريباً. وقد تقدم ما يتعلق بتحقيق الترتيب بينهما. وقال ابن
الملك: إن قيل كل منهما ليس بأول الآيات لأن بعض الآيات وقع قبلهما، قلنا: الآيات إما
أمارات دالة على قربها، فأولها بعثة نبينا ﴿ أو أمارات متوالية دالة على وقوعها قريباً وهي
المرادة هنا. وأما حديث: أن أوّلها خروج الدجال. فلا صحة له، كذا في جامع الأصول.
(رواه مسلم) وكذا أحمد وأبو داود وابن ماجه.
٥٤٦٧ _ (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: ثلاث) أي آيات (إذا خرجن) فيه
(١) في المخطوطة (اداره)).
الحديث رقم ٥٤٦٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٦/٤ حديث رقم (٢٩٤١.١١٨). وأخرجه أبو داود
في السنن ٤/ ٤٩٠ حديث رقم ٤٣١٠ وأخرجه ابن ماجه في السنن ١٣٥٣/٢.
الحديث رقم ٥٤٦٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٨/١ حديث رقم (٤٤٩ .١٥٨) وأبو داود في السنن
٤٩٢/٤ حديث رقم ٤٣١٢.
٠ --
****
٠٨١٠
٣٥٩٠٠
١١١٢٢
* جدة
ismL

١٠٧
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
. ﴿لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً ﴾: طلوعُ الشمسِ
من مغربها، والدجالُ، ودابةُ الأرضِ)). رواه مسلم.
٥٤٦٨ _ (٥) وعن أبي ذرِّ، قال: قال رسول الله وَ ل* حين غربت الشمس: ((أتدري
أين تذهب هذه؟)). قلتُ: اللَّهُ ورسولهُ أعلم. قال: ((فإنها تذهبُ حتى تسجدَ تحت
العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد، ولا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها،
ويقال لها: ارجعي من حيثُ جئتٍ، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿والشمسُ
تجري لمستقرّ لها﴾ قال: ((مستقرها تحت العرش)). متفق عليه.
تغليب، أو معناه ظهرت. والمراد هذه الثلاث بأسرها. (﴿لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت
من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾(١). طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض)
وقدم الطلوع وإن كان متأخراً في الوقوع لأن مدار عدم قبول التوبة عليه وإن ضم خروج غيره
إليه. (رواه مسلم) وكذا الترمذي.
٥٤٦٨ _ (وعن أبي ذر قال: قال رسول الله وَطاهر: حين غربت الشمس: أتدري أين تذهب
هذه) أي الشمس، والإِشارة للتعظيم. (قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب حتى تسجد
تحت العرش) قال بعض المحققين: لا يخالف هذا قوله تعالى: ﴿وجدها تغرب في عين
حمئة﴾ [الكهف - ٨٦]. فإن المراد بها نهاية مدرك البصر، وسجودها تحت العرش إنما هو
بعد الغروب. وفي الحديث رد على من زعم أن المراد بمستقرها غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع
وذلك يوم في السنة إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدنيا. قال الخطابي: يحتمل أن يراد بذلك أنها
تستقر تحته استقراراً علمنا لا يحيط به. (فتستأذن) بالرفع في أصل السيد وبعض النسخ
المصححة، وكذا قوله: (فيؤذن لها ويوشك أن تسجد ولا يقبل) بالتذكير، أي السجود والظرف
هو نائب الفاعل ويؤنث أي السجدة. (منها) أي من الشمس وهو مرفوع، وقيل منصوب وكذا
قوله: (وتستأذن فلا يؤذن لها ويقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله
تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾(٢). قال: (مستقرها تحت العرش) وقوله: لمستقر
لها. قال الخطابي عن بعض أهل التفسير: معناه أن الشمس تجري لأجل قدر لها، يعني إلى
انقطاع مدة بقاء العالم. وقال بعضهم: مستقرها غاية ما تنتهي إليه في صعودها وارتفاعها،
لأطول يوم من الصيف ثم تأخذ في النزول في أقصى مشارق الشتاء لأقصر يوم في السنة. وأما
قوله: مستقرها تحت العرش، فلا ينكر أن يكون لها استقرار تحت العرش من حيث لا ندركه
ولا نشاهده، وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه لأن علمنا لا يحيط به ذكره الطيبي.
(متفق عليه) رواه الترمذي والنسائي.
ګ اهفن جر
(١) سورة الأنعام . آية رقم ١٥٨.
الحديث رقم ٥٤٦٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٢٩٧. حديث رقم ٣١٩٩. ومسلم في صحيحه ١/
١٣٨ حديث رقم (٢٥١ - ١٥٩). والترمذي في السنن ٤١٦/٤ حديث رقم (١٥٦).
(٢) سورة يس. آية رقم ٣٨.
٠Ri

١٠٨
#6 7
د ری ٦
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
٥٤٦٩ - (٦) وعن عمران بن حصين، قال: سمعتُ رسول الله وَ ﴿ ﴿ يقول: ((ما بينَ
خَلْقِ آدم إلى قيام الساعةِ أمرٌ أكبرَ من الدجال)). رواه مسلم.
٥٤٧٠ _ (٧) وعن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ اللَّهَ لا يخفى عليكم، إِن
اللَّهَ تعالى ليسَ بأغْوَر وإِن المسيحَ الدجال أَعورُ عين اليمنى، كأنَّ عينَه ◌ِنَبةٌ طافيةٌ».
٥٤٦٩ - (وعن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله وهو يقول: ما بين خلق آدم إلى
قيام الساعة أمر) ما نافية(١). والمعنى: ليس فيما بينهما فتنة. (أكبر) أي أعظم (من الدجال)
لعظم فتنته وبليته ولشدة تلبيسه ومحنته. (رواه مسلم) وفي الجامع رواه أحمد ومسلم عن هشام
ابن عامر(٢) فلينظر في الأصول ليتحقق النقول.
٥٤٧٠ - (وعن عبد الله) أي ابن مسعود (قال: قال رسول الله وَلفيه: إن الله لا يخفى
عليكم) أي بالنظر إلى نعوته الثبوتية وصفاته السلبية وتنزهه عن العيوب والنقائص وسائر
الحدوثات الزمانية والمكانية، فالجملة توطئة لقوله: (إن الله ليس بأعور) ومفهومه لا يعتبر فإن
المراد به نفي النقص والعيب لا إثبات الجارحة بصفة الكمال. قال الطيبي رحمه الله: هو للنزيه
كما وصف سبحانه في قوله: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾ [النحل - ٥٧].
(وإن المسيح) بحاء مهملة هو الصواب المعروف وهو فعيل بمعنى فاعل لأنه يمسح الأرض
جميعها بسرعة، أو بمعنى مفعول فإنه ممسوح إحدى العينين. قال السيوطي رحمه الله نقلاً عن
أبي بكر بن العربي: إن من شدد سينه أو أعجم حاءه فقد حرف انتهى. وهو لقب مشترك بينه
وبين عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، لكنه يطلق عليه بمعنى الماسح لحصول البرء ببركة
مسحه، وبمعنى الممسوح لنزوله نظيفاً من بطن أمه. وفي القاموس: المسيح عيسى عليه
[الصلاة ]والسلام لبركته، وذكرت في اشتقاقه خمسين قولاً في شرحي لمشارق الأنوار وغيره.
والدجال لشؤمه أو هو كسكين، والممسوح بالشؤم والكثير السياحة كالمسیح کسکین،
والممسوح الوجه والكذاب. (الدجال) تقدم معناه (أعور عين اليمنى) من باب إضافة الموصوف
إلى الصفة ومن لم يجوزه كالطيبي، قال: أي عين الجثة أو الجهة اليمنى. (كأن) بتشديد النون
(عينه) أي العوراء أو الأخرى (عنبة) أي شبيهة بها فهو تشبيه بليغ. (طافية) بالياء ويهمز أي
مرتفعة. قال ميرك: روي بهمز وتركه وكلاهما صحيح. قال الطيبي رحمه الله: وهي الناتئة عن
[حد ] أخواتها من الطفو وهو أن يعلو الشيء على الماء انتهى. ومنه الطافي من السمك، ولا
١٠
الحديث رقم ٥٤٦٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٦٧/٤ حديث رقم (١٢٦. ٢٩٤٦).
(١) في المخطوطة ((فأنا)).
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٤٨٠ حديث رقم ٧٨٦١.
الحديث رقم ٥٤٧٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٩٠/١٣. حديث رقم ٧١٢٣. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٢٤٧ حديث رقم (١٦٩.١٠). وأبو داود في السنن ٤٩٤/٤ حديث رقم ٤٣١٦ وابن ماجه في
السنن ١٣٥٣/٢ حديث رقم ٤٠٧١. وأحمد في المسند ٣٣/٢.

١٠٠٠
/١٣
١٠
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
متفق عليه .
٥٤٧١ _ (٨) وعن أنس، قال: قال رسولُ الله ◌ِّر: ((ما منْ نبيّ إِلا قد أنذرَ أمتَه
الأعورَ الكذَّاب،
تنافي بين هذه الرواية وبين ما روي أنها ليست بناتئة ولا حجراء، أي لا طافية مرتفعة ولا غائرة
منحجرة لإمكان اجتماع الوصفين باختلاف المعنيين. وقال ابن الملك في شرح المشارق:
طافية بالهمز أي ذهب ضوؤها. وروي بغير الهمز أي ناتئة بارزة. قال التوربشتي رحمه الله: في
الأحاديث التي وردت في وصف الدجال وما يكون منه كلمات متنافرة يشكل التوفيق بينها،
ونحن نسأل الله التوفيق في التوفيق بينها وسنبين كلاً منها على حدته في الحديث الذي ذكر فيه
أو تعلق به. ففي هذا الحديث أنها طافية وفي آخر أنه جاحظ العين كأنها كوكب، وفي آخر أنها
ليست بناتئة ولا حجراء. والسبيل في التوفيق بينها أن نقول: إنما اختلف الوصفان بحسب
اختلاف المعنيين ويؤيد ذلك ما في حديث ابن عمر هذا أنه أعور عين اليمنى، وفي حديث
حذيفة أنه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة، وفي حديثه أيضاً أنه أعور عين اليسرى. ووجه
الجمع بين هذه الأوصاف المتنافرة أن يقدر فيها أن إحدى عينيه ذاهبة والأخرى معيبة فيصح أن
يقال لكل واحدة عوراء، إذ الأصل في العور العيب وذكر نحوه الشيخ محيي الدين كذا في
شرح الطيبي رحمه الله. (متفق عليه).
٥٤٧١ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَلقى: ما من نبي إلا قد أنذر أمته الأعور
الكذاب) أي خوفهم به. ولا يشكل هذا بما ثبت أنه يقتله عيسى ابن مريم بعد أن ينزل ويحكم
بالشريعة المحمدية لأن تعيين وقت خروجه غير معلوم لهم حين أنذروا قومهم، وأيضاً يحمل
على هذا ما في بعض طرقه: أن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه. على ما سيأتي فإن ذلك كان
قبل أن يتبين له وقت خروجه وعلاماته، ثم تبين له وقت خروجه فأخبر به على أنه يحتمل أن
الإِبهام إنما وقع بسبب أن العلامات قد يكون وجودها معلقاً بشرط، فإذا فقد يتصور خروجه
بعدم ظهورها. ونظيره خوف الأنبياء والمرسلين صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين مع
تحقق عصمتهم وثبوت أمنهم من العذاب المهين، وكذلك خشية العشرة المبشرة بالجنة على
لسان سيد المرسلين، أو لأنه لا يجب على الله تعالى شيء وأفعاله لا تعلل والأسباب لا يتعين
وجودها ولا تأثير لها أيضاً بعد حصولها. ولعل هذا هو الوجه في السر إليهم حتى ظهر على
لسان صاحب الدين الأقوم والله سبحانه وتعالى أعلم. أو يقال إن المراد بالدجال كل من يدعي
الألوهية من الرجال كفرعون وشداد ونمروذ وسائر الأبطال، ولا يخلو كل منهم من نقصان
العور سواء مما بطن فيه أو ظهر عند أهل النظر، لكن إذا جاء القدر عمي البصر وبطل الحذر
i
الحديث رقم ٥٤٧١: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٥/١٣. حديث رقم ٧٤٣١. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٢٤٨ حديث رقم (٢٩٣٣.١٠١). وأبو داود في السنن ٤٩٤/٤ حديث رقم ٤٣١٦. والترمذي
في السنن ٤/ ٤٤٧ حديث رقم ٢٢٤٥.

١١٠
/٩/١١٩
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
أَلا إِنَّه أعورُ، وإِنَّ ربَّكم ليسَ بأعوَرَ، مكتوبٌ بينَ عينيه: ك ف ر)). متفق عليه.
٥٤٧٢ - (٩) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّر: ((أَلا أُحدّثُكم حديثاً عنٍ
ويكون الدجال الموعود أشر وفتنة(١) وبلية على العامة أظهر وكبرياء ربنا وعظمته أكبر من أن
يعرف كنهه أو يقدر، ومظاهر تجلياته الجمالية والجلالية أكثر من أن تحصى وتحصر. وقد قال
الشيخ أبو مدين المغربي :
لا تنكر الباطل في طوره * فإنه بعض ظهوراته
فينبغي للسالك أن يقول دائماً بعد امتثال الأوامر واجتناب النواهي: إلهي أرنا الأشياء كما
هي وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه وارتكابه. (ألا) للتنبيه (إنه)
أي الدجال (أعور) أي وهو الغالب أن يكون طالباً للشر (وإن ربكم ليس بأعور) أي تنزه أن
يكون ناقصاً ومعيباً في ذاته وصفاته. وهذا الكلام منه عليه الصلاة والسلام من باب التنزل إلى
عقل العوام وفهومهم كما ورد: كلم الناس على قدر عقولهم. ونظيره ما في التنزيل: ﴿إن
الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ألهم أرجل
يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها ﴾
[الأعراف - ١٩٤ - ١٩٥]. والمعنى أن الأصنام مع كمال عجزهن ونقصان آلاتهن بالنسبة إلى
العابدين كيف يصلحن أن يكن في مرتبة المعبودين، وليس القصد أنهن لو فرض أن تكون هذه
الأعضاء ثابتة لهن لكان يجوز أن يعبدن. وقد روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأمه:
من ربي. فقال: من ربك. قالت: أبوك. قال: من ربه. قالت: نمروذ. قال: من ربه. قالت:
هو الرب الأكبر لأن جنده أكثر. فقال لأمه: إن كان الأمر كذلك فلأي شيء صورته قبيحة
وصورة غلمانه مليحة. وخلاصة الكلام أنه عليه [الصلاة ]والسلام جعل ذلك العيب الأكبر
والنقصان الأظهر علامة كذبه وكفره لئلا يبقى للناس عذر في قبول تلبيسه ومكره، مع أن
الدلائل العقلية والبراهين النقلية تشهد على أن الجسم لا يكون إلهاً وأن الحادث المعيوب لا
يصح أن يكون معبوداً. (مكتوب بين عينيه ك ف ر) فيه إشارة إلى أنه داع إلى الكفر لا إلى
الرشد فيجب اجتنابه. وهذه نعمة عظيمة من الله في حق هذه الأمة حيث ظهر رقم الكفر بين
عينيه. قال الطيبي رحمه الله: ولعل المراد بالتنصيص أن لا يتوهم فيه السماحة من حيث
المعنى. قال النووي [رحمه الله]: هو بيان علامة تدل على كذب الدجال دلالة قطعية بديهية
يدركها كل أحد ولم يقتصر على لحوقه جسماً أو غير ذلك من الدلائل القطعية لكون بعض
العقول لا يهتدي إليها (متفق عليه).
٥٤٧٢ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلخير: ألا) للتنبيه (أحدثكم حديثاً عن
(١). كذا في المخطوطة.
الحديث رقم ٥٤٧٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٣٧٠. حديث رقم ٣٣٣٧. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٢٥٠ حديث رقم (١٠٩ - ٢٩٣٦).
OF+

١١١
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
الدجالِ ما حدَّثَ به نبيِّ قومَه؟: إِنَّه أعوَرُ؛ وإِنَّه يجيء معه بمثل الجنة والنار، فالتي يقول:
إِنها الجنة، هي النار،
الدجال ما حدث) أي حديثاً لم يحدث (به نبي قومه) ويمكن أن تكون الهمزة للاستفهام ولا
للنفي وبلى مقدرة محذوفة، أو بادر جوابهم بقوله: (إنه أعور) أي مصور بصورة كريهة ظاهرة
ومزور بسيرة مموهة باهرة على طريقة الطائفة الساحرة، وهذا معنى قوله: (وإنه) أي الشأن
(يجيء معه بمثل الجنة) وفي رواية: بمثال الجنة. (والنار) فالباء للتعدية. والمعنى: إنه يأتي
بصورتهما معه في نظر الناس مما يقلب الله تعالى حقيقتهما في حق المؤمنين، والباء زائدة. أي
يسير معه مثلهما ويصحب له شكلهما. ويؤيده ما في رواية: يجيء معه تمثال، بكسر المثناة
الفوقية بدل الجار أي صورتهما. (فالتي) أي فالصورة التي (يقول إنها الجنة) أي ويظهر بادي
الرأي أنها النعمة (هي النار) أي ذات النقمة. والظاهر أن هذا من باب الاكتفاء. ويدل عليه
الحديث الذي يليه فالتقدير: والتي يقول إنها النار هي الجنة، ونظيره الدنيا في نظر العارفين من
أن نقمتها نعمة ونعمتها نقمة ومحنها منحة ومنحها محنة وحسنها وقبحها مختلفة، كالنيل ماء
للمحبوبين ودماء للمحجوبين. ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ﴾ [الإسراء -
٨٢]. قال شارح: يعني من دخل جنته استحق النار لأنه صدقه، فأطلق اسم السبب على
المسبب. أقول: وكذا من لم يطعه ورماه في النار استحق دخول الجنة لأنه كذبه. لكن الأظهر
أنهما ينقلبان وينعكسان بالفعل عليهما كما ورد في أن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من
حفر النيران، ومنه قوله تعالى: ﴿يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم ﴾ [الأنبياء - ٦٩ ].
وكذا الدنيا المكدرة المسماة بالسجن تصير جنة للعارفين الواقفين في مقام الرضا كما قيل في
قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن - ٤٦]. جنة في الدنيا وجنة في العقبى،
وكذا زهرة الدنيا بالنسبة إلى أربابها لعدم حضورهم مع ربها كالسم في الدسم والهم في الدرهم
والنار في الدينار، وربما لا يحسون بها كالمجنون والمجروح في حال ابتداء الجراحة
وكالمصروع ولذا قيل:
سوف ترى إذا انجلى الغبار * أفرس تحتك أم حمار
وقضية ولد السلطان حال كونه سكران وعناقه للميتة العجوز المعطرة مشهورة بين أهل
العرفان. قال النووي [رحمه الله ]: هذه الأحاديث حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده
وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عبادة وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت
الذي يقتله وظهور زهرة الدنيا والخصب معه واتباع كنوز الأرض له وأمر السماء أن تمطر فتمطر
والأرض أن تنبت فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا
يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويقتله عيسى ابن مريم [ويثبت ]الله الذين آمنوا. وقصته
عظيمة جداً تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأرض ولا يمكث بحيث يتأمل
الضعفاء دلائل الحدوث والنقص فيصدقه من يصدقه في هذه الحالة، ولهذا حذرت الأنبياء
عليهم [الصلاة والسلام من فتنته ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله. وأما أهل التوفيق فلا
/*٦٥
١٢,

١١٢
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
وإِني أنذركم كما أنذر بهِ نوح قومه)). متفق عليه.
٥٤٧٣ - (١٠) وعن حذيفةَ، عن النبي ◌َّ قال: ((إِن الدجالَ يخرجُ وإِن معه ماءً
وناراً، فأما الذي يراه الناس ماءً فنار تحرق، وأما الذي يراه الناسُ ناراً فماء بارد عذبٌ،
فمن أدركَ ذلكَ منكم فليقع في الذي يراه ناراً؛ فإنه ماءٌ عذبٌ طيّب)). متفق عليه. وزاد
مسلم: ((وإِن الدجالَ
يغترون ولا ينخدعون بما فيه لما ذكرناه من الدلائل المكذبة له مع ما سبق لهم من العلم
بحاله. (وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه) فإن قيل: لم خص نوحاً عليه [الصلاة ]والسلام
بالذكر. قلت: فإن نوحاً عليه الصلاة والسلام تقدم المشاهير من الأنبياء كما خصه بالتقديم في
قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً﴾ [الشورى - ١٣]. ذكره الطيبي [رحمه
الله ]: وفيه أنه إنما يتم هذا إن صح أن من سبقه من الأنبياء أنذر قومه وإلا فيترك على حقيقة
أوليته، ويدل عليه حديث: إنه لم يكن نبي بعد نوح إلا قد أنذر الدجال قومه. وأما تقديمه في
الآية فلكونه مقدماً(١) على سائر أولي العزم من الرسل بحسب الوجود، ولذا قدم نبينا وَّر في
آية أخرى على أولي العزم لكون تقدمه وجوداً ورتبة وهي قوله سبحانه جلَّ جلاله: ﴿وإذا أخذنا
من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ﴾ [الأحزاب - ٧ ].
وحاصله أن الخمسة هم أولو العزم من الرسل، واجتمع ذكرهم في الآيتين المذكورتين والله
[تعالى ]أعلم. (متفق عليه).
٥٤٧٣ - (وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي وَ﴿ قال: إن الدجال يخرج وإن معه ماء)
أي وما يتولد منه من أسباب النعم بحسب الظاهر المعبر عنه بالجنة فيما تقدم يرغب إليه من
أطاعه. (وناراً) أي ما يكون ظاهره سبباً للعذاب والمشقة والألم يخوف به من عصاه. (فأما
الذي يراه الناس ماء فنار تحرق وأما الذي يراه الناس ناراً فماء بارد عذب) أي حلو(٢) يكسر
العطش. والمعنى أن الله تعالى يجعل ناره ماء بارداً عذباً على من كذبه وألقاه فيها غيظاً كما
جعل نار نمروذ برداً وسلاماً على إبراهيم عليه [الصلاة ]والسلام، ويجعل ماءه الذي أعطاه من
صدقه ناراً محرقة دائمة. ومجمله أن ما ظهر من فتنته ليس له حقيقة بل تخيل منه وشعبذة كما
يفعله السحرة والمشعبذون، مع احتمال أن الله تعالى يقلب ناره وماءه الحقيقيان فإنه على كل
شيء قدير. (فمن أدرك ذلك) أي الدجال أو ما ذكر من تلبيسه (منكم فليقع في الذي يراه ناراً)
أي فليختر تكذيبه ولا يبالي بإيقاعه فيما يراه ناراً. (فإنه ماء عذب طيب) أي في الحقيقة أو
بالقلب أو بحسب المآل والله [تعالى ]أعلم بالحال. والكلام من باب الاكتفاء، فالتقدير: ولا
يصدقه مغتراً بما يراه معه ماء فإنه نار وعذاب وحجاب. (متفق عليه. وزاد مسلم: وإن الدجال
الحلوة رواية دي فيف على نصيبين
(١) في المخطوطة ((مقدم)).
الحديث رقم ٥٤٧٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٤٩٤. حديث رقم ٣٤٥٠. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٢٤٩ حديث رقم (٢٩٣٤.١٠٥).
(٢) في المخطوطة ((حلو).
جين:

١١٣
*١٢7
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
ممسوحُ العينِ، عليها ظفرةٌ غليظةٌ، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن، كاتبٌ وغيرُ
کاتب)) .
٥٤٧٤ _ (١١) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((الدجالُ أعورُ العينِ الْيُسْرى، جُفالُ
الشعرِ، معه جنَّتُه ونارُه، فنارُه جنَّة، وجنتُه نارٌ)). رواه مسلم.
٥٤٧٥ - (١٢) وعن النوَّاس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله وَّ الدجالَ فقال: ((إِن
يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجُه
ممسوح العين) أي موضع إحدى عينيه ممسوح مثل جبهته ليس له أثر العين. قال القاضي
[رحمه الله ]: أي ممسوح إحدى عينيه للحديث السابق ونظائره. (عليها) أي على العين
الأخرى بحيث لا تواري الحدقة بأسرها لتعميها (ظفرة) بفتحتين، أي لحمة غليظة أو جلدة. أو
على العين الممسوحة ظفرة. (مكتوب بين عينيه كافر) كما سبق (يقرؤه كل مؤمن كاتب) بالجر
بدلاً من مؤمن. وفي نسخة بالرفع بدل بعض من كل. (وغير كاتب) وفي رواية لمسلم عن
أنس مرفوعاً: الدجال ممسوح العين مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مسلم.
٥٤٧٤ - (وعنه) أي عن حذيفة (قال: قال رسول الله خلفه: الدجال أعور العين اليسرى)
قد سبق أنه أعور العين اليمنى وأنه ممسوح إحدى عينيه، فالجمع أن يقال: إحدى عينيه ذاهبة
والأخرى معيبة فيصح أن يقال لكل واحدة عوراء، إذ العور في الأصل هو العيب. وقيل: إن
الأعور إنما يكون بالنسبة إلى أشخاص متفرقة فقوم يرونه أعور اليسرى وقوم يرونه أعور اليمنى
ليدل على بطلان أمره لأنه إذا كان لا يرى خلقته كما هي دل على أنه ساحر كذاب. قال
شارح: ويحتمل أن يكون أحدهما من سهو الراوي. وفي الجامع روى البخاري في تاريخه عن
أبي هريرة مرفوعاً: الدجال عينه خضراء (١). [فهو ]كالحرباء والغول متلون بألوان شتى. (جفال
الشعر) بضم الجيم، أي كثير الشعر المجتمعة كذا في الفائق مكسر. (معه جنته وناره فناره جنة
وجنته نار. رواه مسلم) وكذا أحمد وابن ماجه.
٥٤٧٥ - (وعن النواس) بتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر السين ويفتح. (قال: ذكر
رسول الله* الدجال) أي خروجه وسائر أموره وابتلاء الناس به (فقال: إن يخرج وأنا فيكم)
أي موجود فيما بينكم فرضاً وتقديراً. (فأنا حجيجه) فعيل بمعنى الفاعل من الحجة وهي
الحديث رقم ٥٤٧٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٤٩/٤. حديث رقم (١٠٤. ٢٩٣٤). وابن ماجه في
السنن ١٣٥٣/٢ حديث رقم ٤٠٧١. وأحمد في المسند ١١٥/٣.
(١) الجامع الصغير ٢٥٨/٢ حديث رقم ٤٢٥٠.
الحديث رقم ٥٤٧٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٥٠ حديث رقم (٢٩٣٧.١١٠). وأبو داود في
السنن ٤٩٦/٤ حديث رقم ٤٣٢١. والترمذي في السنن ٤٤٢/٤ حديث رقم ٢٢٤٠. وابن ماجه
في السنن ١٣٥٦/٢ حديث رقم ٤٠٧٥.

١١٤
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
دونكم، وإِن يخرجْ ولست فيكم فأمرؤٌ حجيجُ نفسه، واللَّهُ خليفتي على كل مسلم، إِنَّهُ
شابٌ قَطَط،
١٠/١٢٢٣/١٠٠٠/١
البرهان، أي غالب عليه بالحجة. (دونكم) أي قدامكم ودافعه عنكم وأنا إمامكم وأمامكم.
وفيه إرشاد إلى أنه بيّلتر كان في المحاجة معه غير محتاج إلى معاونة معاون من أمته في غلبته
عليه بالحجة كذا ذكره الطيبي رحمه الله. والأظهر أنه وَلّر يدفعه بنور النبوّة ويدفع خارق عادته
الباطل بمعجزاته المقرونة بالحق من غير دليل وبرهان لأن بطلانه أظهر من الشمس عند أرباب
العرفان، وأيضاً هو من المصممين على الباطل من دعوته ولم يلتفت إلى المجادلة وإثبات
الأدلة، وإلا فيحمد الله سبحانه من يوجد في الأمة من يحقق الملة بالحجة، لا سيما خاتمة
الأولياء وهو المهدي وزبدة الأنبياء وهو عيسى عليه [الصلاة ]والسلام. وحاصله أنه لا ينفع
معه الكلام فدفعه إما بإعدامه مع وجود سيد الأنام أو بذوبانه وقتله على يد عيسى عليه
[الصلاة و] السلام، هذا ما ظهر لي في هذا المقام والله سبحانه وتعالى أعلم بالمرام. قال
التوربشتي رحمه الله: فإن قيل: أو ليس قد ثبت في أحاديث الدجال أنه يخرج بعد خروج
المهدي وأن عيسى عليه [الصلاة] والسلام يقتله إلى غير ذلك من الوقائع الدالة على أنه لا
يخرج ونبي الله بين أظهرهم، بل لا تراه القرون الأولى من هذه الأمة فما وجه قوله: إن يخرج
وأنا فيكم. قلت: إنما سلك هذا المسلك من التورية لإبقاء الخوف على المكلفين من فتنه
والملجأ إلى الله تعالى من شره لينالوا بذلك من الله ويتحققوا (١) بالشح على دينهم. وقال
المظهر: يحتمل أن يريد تحقق خروجه، والمعنى: لا تشكوا في خروجه فإنه سيخرج لا
محالة، وأن يريد به عدم علمه بوقت خروجه كما أنه كان لا يدري متى الساعة. قال الطيبي
[رحمه الله]: والوجه الثاني من الوجهين هو الصواب لأنه يمكن أن يكون قوله هذا قبل
علمه * بذلك. أقول: كان حقه أن يقول هو الظاهر ليطابق تعليله بقوله لأنه يمكن، إذ مع
الإِمكان لا يقال في حق أحدهما هو الصواب لاحتمال الخطأ في كل واحد منهما والله [تعالى]
أعلم بالصواب. وخلاصة المعنی: إني إن كنت فيكم فأکفیکم شره وقت خروجه. (وإن يخرج
ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه) بالرفع أي فكل امرىء يحاجه ويحاوره ويغالبه لنفسه كذا قاله
الطيبي [رحمه الله]: أي ليدفع شره عن نفسه بما عنده من الحجة كما قاله ابن الملك، لكن
هذا على تقدير أنه يسمع الحجة وإلا فالمعنى: إن كل أحد يدفع عن نفسه شره بتكذيبه واختيار
صورة تعذيبه. (والله خليفتي على كل مسلم) يعني والله سبحانه وتعالى ولي كل مسلم وحافظه
فيعينه عليه ويدفع شره. وهذا دليل على أن المؤمن الموقن لا يزال منصوراً وإن لم يكن معه
نبي ولا إمام، ففيه رد على الإِمامية من الشيعة. (إنه) أي الدجال وهو استئناف بيان لبعض
أحواله وتبيان لبعض ما يفيد في دفع شر أفعاله (شاب) فيه إشعار بأنه غير ابن الصياد وإيماء إلى
أنه محروم من بياض الوقار وثابت على اشتداد السواد في الظاهر الذي هو عنوان الباطن من
سواد الفؤاد. (قطط) بفتح القاف والطاء (٢)، أي شديد جعودة الشعر. وفيه إيماء إلى استحباب
(١) كذا في المخطوطة .
(٢) في المخطوطة ((يكسر قال النووي هو بفتح القاف والطاء)).

-٠
صلاح
١١٥
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
عينه طافية، كأني أُشبّهُه بعَبْد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة
الكهف)). وفي روايةٍ («فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف، فإنها جوارُكم من فتنته،
تسريح الشعر دفعاً للمشابهة بالهيئة البشيعة (١). (عينه طافية) بالياء ويهمز، أي مرتفعة. (كأني
أشبهه) بتشديد الموحدة، أي أمثله. (بعبد العزى) بضم العين وتشديد الزاي. (ابن قطن)
بفتحتين وهو يهودي قاله شارح. وقال الطيبي (رحمه الله]: قيل: إنه كان يهودياً. ولعل
الظاهر أنه مشرك لأن العزى اسم صنم، ويؤيده ما جاء في بعض الحواشي: هو رجل من
خزاعة هلك في الجاهلية. ثم قال الطيبي (رحمه الله ]: لم يقل كأنه عبد العزى لأنه لم
يكن * جازماً في تشبيهه به. قلت: لا شك في تشبيهه به إلا أنه لما كان معرفة المشبه في
عالم الكشف أو المنام عبر عنه بكأني كما هو المعتبر في تعبير حكاية الرؤيا والله (تعالى
]أعلم. ويمكن أن يقال: لما لم يوجد في الكون أقبح صورة منه فلا يتم التشبيه من جميع
الوجوه، بل ولا من وجه واحد عدل عن صيغة الجزم وعبر عنه بما عبر عنه. ثم في صيغة
الحال إشعار باستحضار صورة المآل. (فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف) أي
أوائلها(٢) إلى ﴿كذباً﴾ [الكهف - ٥]. لدلالة تلك الآيات على معرفة ذات الله وصفاته. [لكن
لفظه: من أدرك الدجال فليقرأ عليه خواتمها، فإنها جوار له من فتنته ]. وثبوت كتابه وآيات
بيناته وصدق رسوله وإتيانه بمعجزاته ما يصير خوارق عادات الدجال هباء منثوراً، وإن تابعه
يدعو هلاكاً وثبوراً. قال الطيبي [رحمه الله ]: المعنى أن قراءته أمان له من فتنته كما أمن تلك
الفتية من فتنة دقيانوس الجبار. (وفي رواية:) أي لمسلم أيضاً (فليقرأ عليه بفواتح سورة الكهف
فإنها جواركم من فتنة) أي بلية (الدجال) والجوار بكسر الجيم، وفي آخره راء على ما في
نسخة السيد والشيخ الجزري وكثير من النسخ المصححة. وفي بعضها بفتح الجيم وزاي في
آخره، وهو الصك الذي يأخذه المسافر من السلطان أو نوابه لئلا يتعرض لهم المترصدة في
الطريق. واقتصر عليه شارح المصابيح، وذكره ابن الملك ثم قال: وفي بعض النسخ بكسر
الجيم وبالراء، فمعناه حافظكم. انتهى. وفي بعض شروح البردة، الجوار بالكسر والضم،
والكسر أفصح هو الأمان. هذا والمتبادر من كلام المؤلف أنها رواية لمسلم. لكن صرح
الجزري في حصنه بأنها رواية أبي داود عن النواس لكن لفظه: من أدرك الدجال فليقرأ عليه
فواتحها فإنها جوار له من فتنته. ثم اعلم أنه جاء في الحصن روايات متعددة في هذا المعنى
حيث قال: من قرأها، أي الكهف، كما أنزلت كانت له نوراً من مقامه إلى مكة، ومن قرأ
بعشر آيات من آخرها فخرج الدجال لم يسلط عليه (٣). رواه النسائي والحاكم في مستدركه من
حديث أبي سعيد الخدري واللفظ للنسائي وقال: رفعه خطأ. والصواب أنه موقوف. وأخرج
الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد أيضاً واختلف في رفعه ووقفه أيضاً ولفظ[ـه]: من
قرأ سورة الكهف كانت له نوراً يوم القيامة من مقامه إلى مكة، ومن قرأ بعشر آيات من آخرها
(١) في المخطوطة ((البشعة)).
(٣) الحاكم في المستدرك ١/ ٥٦٤.
أسود
(٢) في المخطوطة ((أولها)).
٥٢٧٢
.Ti8-

/١١٣/
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
١١٦
إِنه خارج خَلَّةً بين الشامِ والعراقِ، فعاث
ثم خرج الدجال لم يضره. وروى مسلم وأبو داود عن [أبي الدرداء مرفوعاً: من حفظ عشر
آيات من أولها عصم من الدجال. وفي رواية أبي داود]والنسائي عنه: من فتنة الدجال. وفي
رواية لمسلم وأبي داود عنه: من حفظ عشر آيات(١). والنسائي عنه: من قرأ العشر الأواخر من
الكهف عصم من فتنة الدجال(٢). وفي رواية للترمذي عنه: من قرأ ثلاث آيات من أوّل الكهف
عصم من فتنة الدجال(٣). وفي رواية لمسلم والأربعة عن النواس بن سمعان: من أدرك الدجال
فليقرأ عليه فواتحها(٤). الحديث. قيل: وجه الجمع بين الثلاث وبين قوله وتالقر: من حفظ عشر
آيات. أن حديث العشر متأخر ومن عمل بالعشرة فقد عمل بالثلاث. وقيل: حديث الثلاث
متأخر ومن عصم بثلاث فلا حاجة إلى العشر وهذا أقرب إلى أحكام النسخ. أقول: بمجرد
الاحتمال لا يحكم بالنسخ مع أن النسخ إنما يكون في الإنشاء لا في الإخبار، فالأظهر أن أقل
ما يحفظ به من شره قراءة الثلاث وحفظها أولى وهو لا ينافي الزيادة كما لا يخفى. وقيل:
حديث العشر في الحفظ وحديث الثلاث في القراءة، فمن حفظ العشر وقرأ الثلاث كفي
وعصم من فتنة الدجال. وقيل: من حفظ العشر عصم من أن لقيه(٥)، ومن قرأ الثلاث عصم
من فتنته إن لم يلقه. وقيل: المراد من الحفظ القراءة عن ظهر القلب ومن العصمة الحفظ من
آفات الدجال، والله [تعالى ]أعلم بالأحوال. (إنه) أي الدجال (خارج خلة) بفتح معجمة
وتشديد لام، أي طريقاً واقعاً. (بين الشام والعراق) وأصله الطريق في الرمل. وقال شارح: أي
[من ] سبيل بينهما ففيه إشارة إلى أنها منصوبة بنزع الخافض، ويؤيده ما في النهاية أي في طريق
بينهما. قال النووي [رحمه الله ]: هكذا هو في نسخ بلادنا خلة بفتح الخاء [المعجمة ]وتنوين
التاء. وقال القاضي (رحمه الله]: المشهور فيه حلة بالحاء المهملة ونصب التاء، يعني غير
منونة. ومعناه سمت ذلك وقبالته. قلت: المناسب أن يكون هي الحلة قرية بناحية دجلة من
بغداد أهلها شر من في البلاد من العباد. قال: ورواه بعضهم حله بضم اللام وبهاء الضمير أي
نزوله وحلوله. قال: وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين أيضاً ببلادنا. وقوله:
(فعات) هو بعين مهملة وثاء مثلثة ماض من العيث وهو أشد الفساد والإسراع فيه. وحكى
القاضي [رحمه الله ]أنه رواه بعضهم فعات على صيغة اسم الفاعل. قال الأشرف: قيل:
الصواب فيه فعاث بصيغة اسم الفاعل لكونه عطفاً على اسم فاعل قبله وهو خارج. قلت: أكثر
النسخ ومنها أصل السيد على أنه فعل ماض من العيث، وفي بعضها عاث كقاض من العثي
بمعنى العيث وهو الأصح(٦) الموافق لما في التنزيل من قوله: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين
:
النصب التوعوى
/٠
١٣/١١٣٠/١٣
(١) مسلم في صحيحه ٥٥٥/١ حديث رقم ٨٠٩. وأبو داود ٤٩٧/٤ حديث رقم ٤٣٢٣.
(٢)
النسائي في الكبرى ورواه أيضاً أحمد في المسند ٤٤٦/٦.
(٣) الترمذي في سننه ٤٩/٥ حديث رقم ٢٨٨٦.
(٤) وهو حديث الباب.
(٦) في المخطوطة ((أفصح)).
(٥) هكذا في الأصل ولعل الصواب يلقاه.
١٣٧٠.

١١٧
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
يميناً، وعاث شمالاً، يا عباد اللَّهِ فاثبتوا)). قلنا: يا رسول الله! وما لَبتُه في الأرض؟ قال:
(أربعون يوماً، يومٌ كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجُمُعة، وسائر أيامه كأيامكم)). قلنا: يا
رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنةٍ أتكفينا فيه صلاةُ يوم؟ قال: ((لا، اقْدُرُوا له قَدَرَه)).
[البقرة - ٦٠]. ولكن القول بأنه الصواب خطأ، إذ هما لغتان بمعنى الإفساد على ما هو
مقرر في كتب اللغة. فالحاصل أن الدجال أفسد أو مفسد. (يميناً وعاث شمالاً) وهما ظرفا
عاث. والمعنى: يبعث سراياه يميناً وشمالاً ولا يكتفي بالإفساد فيما يطؤه من البلاد ويتوجه له
من الأغوار والأنجاد فلا يأمن من شره مؤمن ولا يخلو من فتنته موطن ولا مأمن. (يا عباد الله)
أي أيها المؤمنون الموجودون في ذلك الزمان، أو أنتم أيها المخاطبون على فرض أنكم
تدركون ذلك الأوان. (فأثبتوا) أي على دينكم وإن عاقبكم. قال الطيبي [رحمه الله] : هذا من
الخطاب العام أراد به من يدرك الدجال من أمته، ثم قيل: هذا القول منه استمالة لقلوب أمته
وتثبيتهم على ما يعاينونه من شر الدجال وتوطينهم على ما هم فيه من الإِيمان بالله تعالى
واعتقاده وتصديق ما جاء به الرسول وَلقر. (قلنا: يا رسول الله وما لبثه) بفتح لام وسكون
موحدة، أي ما قدر مكثه وتوقفه. (في الأرض. قال: أربعون يوماً) سيأتي حديث: يمكث
الدجال في الأرض أربعين سنة السنة كالشهر إلى آخره. لكنه نقل البغوي في شرح السنة ولا
يصلح أن يكون معارضاً لرواية مسلم هذه، وعلى تقدير صحته لعل المراد بأحد المكثين مكث
خاص على وصف معين مبين عند العالم به. (يوم) أي من تلك الأربعين (كسنة) أي مقدار عام
في طول الزمان أو في كثرة الغموم والأحزان. (ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم)
قال ابن الملك [رحمه الله]: قيل: المراد منه أن اليوم الأول لكثرة غموم المؤمنين وشدة بلاء
اللعين يرى لهم كسنة، وفي اليوم الثاني يهون كيده ويضعف أمره فيرى كشهر والثالث يرى
كجمعة لأن الحق في كل وقت يزيد قدراً والباطل ينقص حتى ينمحق أثراً، أو لأن الناس كلما
اعتادوا بالفتنة والمحنة يهون عليهم إلى أن تضمحل شدتها. ولكن هذا القول مردود لأنه غير
مناسب لما ذكر الراوي. (قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة) أي مثلاً (أيكفينا فيه صلاة
يوم. قال: لا اقدروا له قدره) بل هذا جار على حقيقته ولا امتناع فيه لأن الله تعالى قادر على
أن يزيد كل جزء من أجزاء اليوم الأول حتى يصير مقدار سنة خارقاً للعادة كما يزيد في أجزاء
ساعة من ساعات اليوم انتهى. وفيه أن هذا [القول] الذي قرره على المنوال الذي حرره لا يفيد
إلا بسط الزمان كما وقع له وَّر في قصة الإسراء مع زيادة على المكان. لكن لا يخفى أن سبب
وجوب كل صلاة إنما هو وقته المقدر من طلوع صبح وزوال شمس وغروبها وغيبوبة شفقها،
وهذا لا يتصور إلا بتحقق تعدد الأيام والليالي على وجه الحقيقة وهو مفقود. فالتحقيق ما قاله
الشيخ التوربشتي رحمه الله [تعالى]: وهو أنه يشكل من هذا الفصل قوله وَّفيقول: يوم كسنة ويوم
كشهر ويوم كجمعة، مع قوله: وسائر أيامه كأيامكم. ولا سبيل إلى تأويل امتداد تلك الأيام
على أنها وصفت بالطول والامتداد لما فيها من شدة البلاء وتفاقم البأساء والضراء لأنهم قالوا:
يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم قال: لا. الحديث. فنقول وبالله
التوفيق ومنه المعونة في التحقيق قد تبين لنا بأخبار الصادق المصدوق صلوات الله [تعالى]
١
١
١
قسم
١
١
١
٠٠٠.٠
٠١٨٠٦/١
5244

١١٨
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
m/٣/١٠٠٠
سنط ينة بينهيخرج ليط ماطم- الشا تقدربح والياليهات
قلنا: يا رسولَ اللَّهِ! وما إِسراعُه في الأرضِ؟ قال: ((كالغيثِ استذبرَتْه الريح، فيأتي على
القوم، فيدعوهم فيؤمنون به، فيأمر السماء فتمطر،
وسلامه عليه أن الدجال يبعث معه من المشبهات ويفيض على يديه من التمويهات ما يسلب عن
ذوي العقول عقولهم ويخطف من ذوي الأبصار أبصارهم، فمن ذلك تسخير الشياطين له ومجيئه
بجنة ونار وإحياء الميت على حسب ما يدعيه وتقويته على من يريد إضلاله تارة بالمطر والعشب
وتارة بالأزمة والجدب، ثم لا خفاء بأنه أسحر الناس فلم يستقم لنا تأويل هذا القول إلا أن نقول
إنه يأخذ بأسماع الناس وأبصارهم حتى يخيل إليهم أن الزمان قد استمر على حالة واحدة إسفار
بلا ظلام وصباح بلا مساء، يحسبون أن الليل لا يمد عليهم رواقه وأن الشمس لا تطوي عنهم
ضياءها فيبقون في حيرة والتباس من امتداد الزمان ويدخل عليهم دواخل باختفاء الآيات الظاهرة
في اختلاف الليل والنهار، فأمرهم أن يجتهدوا عند مصادمة تلك الأحوال ويقدروا لكل صلاة
قدرها إلى أن يكشف الله عنهم تلك الغمة. هذا الذي اهتدينا إليه من التأويل والله الموفق لإصابة
الحق وهو حسبنا ونعم الوكيل. وفي شرح مسلم النووي رحمه الله قالوا: هذا على ظاهره وهذه
الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث يدل عليه قوله: وسائر أيامه كأيامكم.
وأما قوله ◌َّ: اقدروا له قدره. فقال القاضي [رحمه الله ]وغيره: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم
شرعه لنا صاحب الشرع. قالوا: ولولا هذا الحديث ووكلنا إلى اجتهادنا اقتصرنا على الصلاة عند
الأوقات المعروفة في غيره من الأيام. ومعناه: إذا بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر
في كل يوم فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر فإذا مضى
بعدها قدر ما يكون بينها وبين المغرب فصلوا المغرب وكذا العشاء والصبح ثم الظهر ثم العصر
ثم المغرب وكذا حتى ينقضي ذلك اليوم. وقد وقع فيه صلاة السنة (١) فرائض مؤداة في وقتها.
وأما الثاني الذي كشهر والثالث الذي كجمعة فيقاس على اليوم الأول في أنه يقدر له كاليوم الأول
على ما ذكرناه انتهى. وحاصله أن الأوقات للصلوات أسباب وتقديم المسببات على الأسباب غير
جائز إلا بشرع مخصوص كما يقدم العصر على وقته بعرفان. فمعنى اقدروا أي قدروا وخمنوا له
أي لأداء الصلوات الخمس قدره أي قدر يوم كذا. قيل: والأظهر ما قاله شارح، أي قدر والوقت
صلاة يوم في يوم کسنة مثلاً قدره، أي قدره الذي كان له في سائر الأيام كمحبوس اشتبه عليه
الوقت. (قلنا: يا رسول الله وما إسراعه) أي ما قدر اسراعه أو كيفية اعجاله (في الأرض) أي في
سيرها ووطىءَ ساحتها. قال الطيبي [رحمه الله]: لعلهم علموا أن له اسراعاً في الأرض فسألوا
عن كيفيته كما كانوا عالمين بلبثه فسألوا عن كميته بقولهم: ما لبثه، أي ما مدة لبثه. (قال:
كالغيث) المراد به هنا الغيم اطلاقاً للسبب على المسبب، أي يسرع في الأرض اسراع الغيم.
(استدبرته الريح) قال ابن الملك: الجملة حال أو صفة للغيث وأل فيه للعهد الذهني. والمعنى:
أن هذا مثال [لا يدرك ] كيفيته ولا يمكن تقدير كميته. (فيأتي) أي فيمر الدجال (على القوم) أي
على جنس من الناس (فيدعوهم) أي إلى باطله (فيؤمنون به فيأمر السماء) أي السحاب (فتمطر)
(١) في المخطوطة ((صلوات ست)).
อนา

١١٩
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
والأرض فتنبت، فتروحُ عليهم سارحتُهم أطول ما كانت ذُرىّ، وأسبغه ضروعاً، وأَمدّه
خواصِر، ثم يأتي القوم فيدعُوهم، فيردّون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين
ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرّ بالخَرِبة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزُها
کیعاسیب النحل،
من الأمطار حتى تجري الأنهار (والأرض) أي ويأمرها (فتنبت) من الانبات حتى تظهر الأزهار
استدراجاً من الواحد القهار (فتروح عليهم سارحتهم) أي فترجع بعد زوال الشمس إليهم
ماشيتهم التي تذهب بالغدوة إلى مراعيها (أطول ما كانت) أي السارحة من الإِبل، ونصب أطول
على الحالية. وقوله: (ذرى) بضم الذال المعجمة وحكي كسرها وفتح الراء منوناً جمع ذروة
مثلثة وهي أعلى السنام، وذروة كل شيء أعلاه وهو كناية عن كثرة السمن. (وأسبغه) أي وأتم
ما كانت (ضروعاً) بضم أوله جمع ضرع وهو الثدي، كناية عن كثرة اللبن. (وأمده) أي وأمد ما
كانت، وهو اسم تفضيل من المد. (خواصر) جمع خاصرة، وهي ما تحت الجنب ومدها كناية
عن الامتلاء وكثرة الأكل. (ثم يأتي القوم) أي قوماً آخرين وفي العدول عن قوله على بناء على
ما سبق، اشعار بأن اتيانه على الأولين ضرر في الحقيقة دون الآخرين. (فيدعوهم) أي بدعوى
ألوهيته (فيردون عليه قوله) أي لا يقبلونه أو يبطلونه بالحجة. (فينصرف عنهم) فيه إشارة إلى
أنه ليس له قدرة الاجبار. قال تعالى [جلَّ جلاله]: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من
اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر - ٤٢]. والمعنى: فيصرفه الله عنهم. (فيصبحون ممحلين) بضم
الميم وبالحاء، أي داخلين في المحل. قال التوربشتي [رحمه الله]: أمحل القوم أصابهم
المحل وهو انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلا. (ليس بأيديهم شيء من أموالهم) والحاصل
أن المؤمنين صاروا به مبتلين بأنواع من البلاء والمحن والضراء ولكنهم صابرون وراضون
وشاكرون لما أعطاهم الله من صفات الأولياء ببركة سيد الأنبياء وسيد الأصفياء. (ويمر على
الخربة) بكسر الراء، أي يمر الدجال بالأرض الخربة أو بالبقاع الخربة. (فيقول لها: اخرجي
كنوزك) أي مدفونك أو معادنك. (فتتبعه) الفاء فصيحة، أي فتخرج فتعقب الدجال. (كنوزها
كيعاسب النحل) أي كما يتبع النحل اليعسوب. [قال النووي [رحمه الله]: ليعاسيب ذكورا(:
النحل هكذا فسره ابن قتيبة وآخرون. قال القاضي رحمه الله: المراد جماعة النحل لا ذكورها
خاصة، لكنه كني عن الجماعة باليعسوب] وهو أميرها [لأنه متى طار تبعته جماعته]، منه قيل.
للسيد يعسوب. وروى الديلمي عن علي [رضي الله تعالى عنه] مرفوعاً: علي يعسوب
المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين(١). ففي الكلام نوع قلب، إذ حق الكلام كنحل
اليعاسيب. ولعل النكتة في جمع اليعاسيب هو الإِيماء إلى كثرة الكنوز التابعة وأنه قدر كأنه
تاجية
جمع باعتبار جوانبه وأطرافه، والمراد جمع من أمرائه ووكلائه](٢). وقال الأشرف: قوله:
كاليعاسيب، كناية عن سرعة أتباعه، أي تتبعه الكنوز بالسرعة. وقال الطيبي [رحمه الله]: إذا
(١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٣٤٦/٢ حديث رقم ٥٦٠٠ ونسبه إلى ابن عدي.
2018
(٢) هذه العبارة التي بين معكوفتين ليست كذلك في المخطوطة.

١٢٠
كتاب الفتن/ باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال
ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلَتين رميةَ الغَرض، ثم يدعوه،
فيقبل ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك إِذْ بعثَ اللَّهُ المسيحَ ابنَ مريم، فينزل عند
المنارة البيضاء، شرقيّ دمشق بين مهروذتين،
٠٫٠٠
كان قوله كاليعاسيب حالاً من الدجال، فالخربة صفة البقاع، وإذا كان حالاً من الكنوز فيجوز
أن يكون الموصوف جمعاً أو مفرداً. (ثم يدعو رجلاً) أي يطلبه حال كونه (ممتلئاً) أي تاماً
كاملاً قوياً (شباباً) تمييز عن النسبة. قال الطيبي [رحمه الله]: والممتلىء شباباً هو الذي يكون
في غاية الشباب. (فيضربه بالسيف) أي غضباً عليه لإبائه قبول دعوته الألوهية، أو إظهاراً
للقدرة وتوطئة لخرق العادة. (فيقطعه جزلتين) بفتح الجيم وتكسر، أي قطعتين تتباعدان. (رمية
الغرض) أي قدر حذف الهدف فهي منصوبة بمقدر. وفائدة التقييد به أن يظهر عند الناس أنه
هلك بلا شبهة كما يفعله السحرة والمشعبذة. قال النووي [رحمه الله]: هو بفتح الجيم على
المشهور، وحكى ابن دريد كسرها. ومعنى رمية الغرض أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية
الغرض هذا هو الظاهر المشهور. وحكى القاضي هذا ثم قال: وعندي أن فيه تقديماً وتأخيراً
وتقديره: فيصيبه إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين، والصحيح الأوّل: قال التوربشتي [رحمه
الله]: أراد برمية الغرض إما سرعة نفوذ السيف وإما إصابة المحز. قال الطيبي رحمه الله:
ويؤيده تأويل النووي قوله في الحديث الذي يليه: ثم يمشي الدجال بين القطعتين. (ثم يدعوه
فيقبل) أي الرجل الشاب على الدجال. (ويتهلل) أي يتلألأ ويضيء (وجهه يضحك) حال من
فاعل يقبل، أي يقبل ضاحكاً بشاشاً فيقول: هذا كيف يصلح إلهاً. (فبينما) بالميم على
الصحيح (هو) أي الرجل (كذلك) أي على تلك الحال وذلك المنوال (إذ بعث الله المسيح ابن
مريم) [عليهما الصلاة والسلام.]فسبحان من يدفع المسيح بالمسيح. قال تعالى جلَّ شأنه: ﴿بل
نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ﴾ [الأنبياء - ١٨]. (فينزل) أي عيسى [عليه
الصلاة والسلام] (عند المنارة البيضاء شرقي) بالنصب على الظرفية مضافاً إلى قوله: (دمشق)
بکسر الدال وفتح المیم وتكسر وهو المشهور الآن بالشام فإنه تحت ملکه. وفي الجامع روی
الطبراني عن أوس بن أوس: ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق(١). ذكر
السيوطي في تعليقه على ابن ماجه أنه قال الحافظ ابن كثير في رواية: أن عيسى عليه [الصلاة]
والسلام ينزل ببيت المقدس. وفي رواية: بالأردن. وفي رواية: بمعسكر المسلمين. قلت:
حديث نزوله ببيت المقدس عند ابن ماجه(٢) وهو عندي أرجح ولا ينافي سائر الروايات لأن
بيت المقدس شرقي دمشق وهو معسكر المسلمين إذ ذاك، والأردن اسم الكورة كما في
الصحاح وبيت المقدس داخل فيه وإن لم يكن في بيت المقدس الآن منارة فلا بد أن تحدث
قبل نزوله والله [تعالى]أعلم. وقوله: (بین مهرودتین) بالدال المهملة ویعجم، أي حال كون
عيسى بينهما بمعنى لابس حلتين مصبوغتين بورس أو زعفران. قال النووي رحمه الله: روي
(١) الجامع الصغير ٢/ ٥٩٠ حديث رقم ١٠٠٢٣.
٣٠/١٠
(٢) ضمن الحديث ٤٠٧٧.
ETh Rum