النص المفهرس
صفحات 21-40
كتاب الفتن ٢١ إِلى أنْ تنقضيَ الدُّنيا يبلغُ مَن معه ثلاثمائةٍ فصاعداً إلاَّ قدْ سمَّاهُ لنا باسمِه واسم أبيه واسٍ قبيلته. رواه أبو داود. ٥٣٩٤ _ (١٦) وعن ثوبانَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: (إِنما أخافُ على أُمتي الأئمّةَ المُضلينَ، وإذا وُضِعَ السَّيفُ في أَمَّتي لم يرفع عنهم إِلى يوم القيامةِ)). رواه أبو داود، والترمذيُّ. ٥٣٩٥ - (١٧) وعن سفينةَ، قال: سمعتُ النبيِّ نَّهِ يقول: «الخلافةُ ثلاثونَ سنةً، ثمَّ تكونُ مُلكاً)). صفة للقائد، أي يصل (من معه) أي مقدار اتباعه (ثلاثمائة فصاعداً) أي فزائداً عليه (إلا قد سماه) أي ذكر ذلك القائد (لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته) والمعنى ما جعله متصفاً بوصف إلا بوصف تسميته الخ. يعني وصفاً واضحاً مفصلاً لا مبهماً مجملاً، فالاستثناء متصل. وقال الطيبي [رحمه الله]: قوله: إلى أن تنقضي متعلق بمحذوف، أي ما ترك رسول الله وَلقر ذكر قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا مهملاً، لكن قد سماه، فالاستثناء منقطع. قال المظهر: أراد بقائد الفتنة من يحدث بسببه بدعة أو ضلالة أو محاربة كعالم مبتدع يأمر الناس بالبدعة، أو أمير جائر يحارب المسلمين. (رواه أبو داود). هيد.5 جدة ٥٣٩٤ - (وعن ثوبان) هو مولى النبي وَ لقر (قال: قال رسول الله وَطاهر: إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) الأئمة جمع إمام وهو مقتدي القوم ورئيسهم ومن يدعوهم إلى قول أو فعل أو اعتقاد. (وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة) أي فإن لم يكن في بلد يكون في بلد آخر (رواه أبو داود والترمذي). ٥٣٩٥ - (وعن سفينة) هو أيضاً مولى رسول الله وَ طير، ويقال إن سفينة لقب له واسمه مختلف فيه وإن النبي ◌َ ل# كان في سفر وهو معه فأعيا رجل فألقى عليه سيفه وترسه ورمحه فحمل شيئاً كثيراً، فقال له النبي ◌َّهر: أنت سفينة. روى عنه بنوه عبد الرحمن ومحمد وزياد(١) وكثير. (قال: سمعت النبي وَلهو يقول: الخلافة) أي الحقة أو المرضية لله ورسوله أو الكاملة أو المتصلة (ثلاثون سنة ثم تكون) أي تنقلب الخلافة وترجع (ملكاً) بضم الميم، أي سلطنة وغلبة على أهل الحق. قال في شرح العقائد: وهذا مشكل لأن أهل الحل والعقد كانوا متفقين على خلافة الخلفاء العباسية وبعض المروانية كعمر بن عبد العزيز. ولعل المراد أن الخلافة الكاملة الحديث رقم ٥٣٩٤: أخرجه أبو داود في السنن ٤٥١/٤ حديث رقم ٤٢٥٢. والترمذي في السنن ٤٣٧/٤ حديث رقم ٢٢٢٩. وابن ماجه ١٣٠٤/٢ حديث رقم ٣٩٥٢. وأحمد في المسند ٢٧٨/٥. الحديث رقم ٥٣٩٥: أخرجه أبو داود في السنن ٣٦/٥ حديث رقم ٤٦٤٦. والترمذي في السنن ٤٣٦/٤ حدیث رقم ٢٢٢٦. وأحمد في المسند ٢٢٠/٥. (١) فى المخطوطة ((دينار)). ٥٥٠٠ ٠٣٠ وب برہ۔۔ ٢٢ كتاب الفتن ثمّ يقولُ سفينةُ: أمسِكْ: خلافة أبي بكرٍ سنتينَ، وخِلافة عمَر عشرةً، وعثمان اثنتي عشرةَ، ٠٤٠. ٠٫٧٥ وعلي سنّةً. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. التي لا يشوبها شيء من المخالفة وميل عن المتابعة تكون ثلاثين سنة وبعدها قد تكون وقد لا تكون. اهـ. واعلم أن المروانية أوّلهم يزيد بن معاوية ثم ابنه معاوية بن يزيد ثم عبد الملك ثم هشام بن عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم عمر بن عبد العزيز ثم الوليد بن يزيد ثم يزيد بن الوليد ثم مروان بن محمد، ثم خرجت منهم الخلافة إلى بني العباس. هذا وفي شرح السنة: يعني أن الخلافة حق الخلافة إنما هي للذين صدقوا هذا الاسم بأعمالهم وتمسكوا بسنة رسول الله وَ﴿ من بعده فإذا خالفوا السنة وبدلوا السيرة فهم حينئذ ملوك وإن كان أساميهم خلفاء، ولا بأس أن يسمى القائم بأمور المسلمين أمير المؤمنين وإن كان مخالفاً لبعض سير أئمة العدل القائمة بأمر المؤمنين، ويسمى خليفة لأنه خلف الماضي قبله وقام مقامه، ولا يسمى أحد خليفة الله بعد آدم وداود عليهما [الصلاة ]والسلام. قلت: إني ولا شك أن نبينا وَالر خليفته في خليقته، بل ويدل إطلاقها على غيره وَ الر أيضاً ما سيأتي من قوله وَ الر: (فإن كان الله في الأرض خليفة)). الحديث قال: وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: يا خليفة الله. فقال: ويحك لقد تناولت متناولاً، إن أمي سمتني عمر فلو دعوتني بهذا الاسم قبلت ثم وليتموني أموركم فسميتوني أمير المؤمنين فلو دعوتني بذلك كفاك. أي في رعاية الأدب وقصد التعظيم فهذا منه تواضع مع الخلق وتمسكن مع الخالق فليس فيه دلالة على أن مثله لا يقال له خليفة الله والله [تعالى ]أعلم. (ثم يقول سفينة:) أي لراويه، أو المراد به خطاب العام (أمسك) أي عد مدة الخلافة. قال الطيبي [رحمه الله]: لعل الوجه أن يقال: أمسك، أي اضبط الحساب عاقداً أصابعك حتى يكون أمسك محمولاً على أصله. اهـ. وخلاصة المعنى أحسب وأحفظ. (خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشرة) أي أعوام (وعثمان) أي خلافته (اثنتي عشرة سنة) وفي نسخة: اثني عشر، أي عاماً. (وعلي) أي وخلافة علي (ستة) أي ستة أعوام فعلى خاتم الخلفاء كالنبي خاتم الأنبياء والمهدي خاتم الأولياء. (رواه أحمد والترمذي وأبو داود) وكذا النسائي ذكره السيد جمال الدين. وفي الجامع الصغير: الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك. رواه أحمد والترمذي وأبو يعلى وابن حبان عن سفينة (١). وروى البخاري في تاريخه والحاكم عن أبي هريرة: الخلافة بالمدينة والملك بالشام(٢). ففيه تنبيه على أن الخلافة الحقيقة ما توجد في مكان صاحب النبوّة على اتفاق جمهور الصحابة من أهل الحل والعقد وأنه لا عبرة في الحقيقة بأهل الحل والعقد في غير ذلك المكان ومن أمثال غير ذلك الزمان، وإنما ينعقد بطريق التسلط التي تسمى ملكاً للضرورة الداعية إلى نظام حال العامة ولئلا يؤدي إلى الفتنة الطامة والله [تعالى] أعلم. :٥٠ (١) الجامع الصغير ٢/ ٢٥٢ حديث رقم ٤١٤٧. (٢) الحاكم في المستدرك ٣/ ٧٢. ٢٠٠٤ ٢٣ كتاب الفتن ٥٣٩٦ - (١٨) وعن حذيفةً، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أيكونُ بعد هذا الخيرِ شرٌّ، كما كانَ قبلَه شرٌّ؟ قال: ((نعَمْ)) قلتُ: فما العصمةُ؟ قال: ((السَّيفُ)) قلتُ: وهلْ بعدَ السَّيفِ بقيّةٌ؟ قال: ((نعمْ، تكونُ إِمارةٌ على أقذاء، وهذنةٌ على دَخَنٍ)). قلتُ: ثم ماذا؟ قال: ((ثُمَّ ينشأ دعاةُ الضَّلالِ، فإِنْ ٥٣٩٦ - (وعن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله أيكون بعد هذا الخير) أي الإِسلام والنظام التام المشار إليه بقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة - ٣]. والمعنى: أيوجد ويحدث بعد وجود هذا الخير (شر كما كان قبله) أي قبل الخير من الإِسلام وهو زمن الجاهلية (شر. قال: نعم) أي لأن ما وراء كل كمال زوال إلا كمال ذي الجلال والإكرام (قلت: فما العصمة) أي فما طريق النجاة من الثبات على الخير والمحافظة عن الوقوع في ذلك الشر. (قال: السيف) أي تحصل العصمة باستعمال السيف أو طريقها أن تضربهم بالسيف. قال قتادة: المراد بهذه الطائفة هم الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ◌ّهر في زمن خلافة الصديق رضي الله عنه كذا ذكره الشراح. ويمكن أن يشمل ما وقع من معاوية مع علي رضي الله عنهما فإن الحق كان مع علي وأن العصمة كانت بالمقاتلة مع معاوية كما يدل عليه حديث عمار: تقتلك الفئة الباغية. وقد قال تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات - ٩]. (قلت: وهل بعد السيف بقية) أي من الشر أو من الخير. قال شارح: أي هل يبقى(١) الإِسلام بعد محاربتنا إياهم. (قال: نعم تكون إمارة) بكسر الهمزة، أي ولاية وسلطنة. (على أقذاء) في النهاية، الأقذاء جمع قذى والقذى جمع قذاة، وهي ما يقع في العين والماء والشراب من تراب أو تبن أو وسخ أو غير ذلك. أراد أن اجتماعهم يكون على فساد في قلوبهم فشبهه بقذى العين ونحوها. قال القاضي [رحمه الله]: أي إمارة مشوبة بشيء من البدع وارتكاب المناهي. (وهدنة) بضم الهاء، أي صلح. (على دخن) بفتحتين، أي مع خداع ونفاق وخيانة وفي الفائق هدن أي سكن ضربه مثلاً لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر. اهـ. ويمكن أن يكون المعنى: ثم يكون اجتماع الناس على من جعل أميراً بكراهية نفس لا بطيب قلب. يقال: فعلت كذا وفي العين قذى، أي فعلته على كراهة وإغماض عين كما أن العين التي يقع فيها القذى ظاهرها صحيح وباطنها ضريح. وأصل الدخن هو الكدورة واللون الذي يضرب إلى السواد فيكون فيه إشعار إلى أنه صلاح مشوب بالفساد، فيكون إشارة إلى صلح الحسن مع معاوية وتفويض الملك إليه واستقرار أمر الإمارة عليه، وبه يظهر أن معاوية بصلح الحسن لم يصر خليفة خلافاً لمن توهم(٢) خلاف ذلك والله [تعالى ]أعلم. (قلت: ثم ماذا) أي ماذا يكون (قال: ثم تنشأ) أي تظهر (دعاة الضلال) أي جماعة يدعون الناس إلى البدع أو المعاصي (فإن الحديث رقم ٥٣٩٦: أخرجه أبو داود في السنن ٤٤٤/٤ حديث رقم ٤٢٤٤. أخرجه ابن ماجه ١٣١٧/٢ حديث رقم ٣٩٨١. وأحمد في المسند ٤٠٣/٥. (١) في المخطوطة (بقي)). (٢) في المخطوطة ((وهم). ١٠/١٣) ٢٤ كتاب الفتن كانَ للَّهِ في الأرض خليفةٌ جَلَدَ ظهركَ، وأخذ مالك، فأطعْه، وإِلاَّ فمتْ وأنتَ عاضٍّ على جَذْلٍ شجرةٍ)). قلتُ: ثمّ ماذا؟ قال: ((ثمَّ يخرُجُ الدَّجالُ بعدَ ذلكَ، معَه نهرٌ ونارٌ، فمنْ وقعَ في نارِهِ، وَجبَ أجرُه، وحُطٍّ وِزرُه. ومَن وقعَ في نهرِهِ، وجبَ وِزرُه، وحُطّ أجرُه)). قال: قلتُ: ثمَّ ماذا؟ قال: ((ثُمَّ يُنْتَجُ المهرُ فلا يُركبُ حتى تقومَ الساعةُ)). كان الله في الأرض خليفة) أي موجوداً فيها ولو من صفته أنه (جلد ظهرك) أي ضربك بالباطل (وأخذ مالك) أي بالغصب أو مالك من المنصب النصيب بالتعدي (فأطعه) أي ولا تخالفه لئلا تثور فتنة (وإلا) أي وإن لم يكن لله في الأرض خليفة (فمت) أمر من مات يموت إشارة إلى ما قيل: موتوا قبل أن تموتوا. وكأنه عبر عن الخمول والعزلة بالموت فإن غالب لذة الحياة تكون بالشهرة والخلطة والجلوة. (وأنت عاض) بتشديد الضاد، والجملة حالية أي حال كونك آخذاً بقوّة وماسكاً بشدة. (على جذل شجرة) بكسر الجيم ويفتح، أي أصلها. قال القاضي: أي فعليك بالعزلة والصبر على غصص الزمان والتحمل لمشاقه وشدائده، وعض جذل الشجرة وهو أصلها كناية عن مكابدة الشدائد من قولهم: فلان يعض بالحجارة لشدة الألم. ويحتمل أن يكون المراد منه أن ينقطع عن الناس ويتبؤَّأ أجمة ويلزمها إلى أن يموت، أو ينقلب الأمر من قولهم: عض الرجل بصاحبه إذا لزمه ولصق به. ومنه: عضوا عليها بالنواجذ. وقيل: هذه الجملة قسيمة قوله: فأطعه. ومعناه إن لم تطعه أدتك المخالفة إلى ما لا تستطيع أن تصبر عليه. ويدل على المعنى الأوّل قوله في الرواية الأخرى: فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار، فإن مت يا حذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحداً منهم. قال الطيبي [رحمه الله]: على الوجه الأوّل لفظة خبر ومعناه الأمر وهو قسيم لقوله: فإن كان الله في الأرض خليفة، وعلى الثاني هو مسبب من قوله: فأطعه. هذا وفي نسخة قمت بصيغة الخطاب من القيام بدل فمت. قال السيد جمال الدين [رحمه الله]: قم خبر بمعنى الأمر. (قلت: ثم ماذا) أي من الفتن (قال: ثم يخرج الدجال) أي زمن المهدي (بعد ذلك) أي بعد ما ذكر من وقوع أنواع الشرور والفتن (ومعه نهر) بسكون الهاء وفتحها أي نهر ماء (ونار) أي خندق نار. قيل: إنهما على وجه التخيل من طريق السحر والسيمياء. وقيل: ماؤه في الحقيقة نار وناره ماء. (فمن وقع في ناره) أي من خالفه حتى يلقيه في ناره، وأضاف النار إليه إيماء إلى أنه ليس بنار حقيقة بل سحر (وجب أجره) أي ثبت وتحقق أجر الواقع (وحط) أي ورفع وسومح (وزره) أي إثمه السابق (ومن وقع في نهره) أي حيث وافقه في أمره (وجب وزره) أي اللاحق (وحط أجره) أي بطل عمله السابق (قلت: ثم ماذا. قال: ثم ينتج) بصيغة المجهول، أي ثم يولد. (المهر) بضم ميم وسكون هاء، أي ولد الفرس. قال التوربشتي [رحمه الله ]: ينتج من النتج لا من النتاج وهو الولادة ولا من الإنتاج. يقال: نتجت الفرس أو الناقة على بناء ما لم يسم فاعله نتاجاً ونتجها أهلها نتجاً، والإنتاج اقتراب ولادها. وقيل: استبانة حملها. (فلا يركب) بكسر الكاف من قولهم: أركب المهر، إذا حان وقت ركوبه. وفي نسخة بفتح الكاف، أي فلا يركب المهر لأجل الفتن أو لقرب الزمن. (حتى تقوم الساعة) قيل: المراد به زمن عيسى عليه [الصلاة ]والسلام فلا يركب المهر لعدم احتياج الناس فيه إلى محاربة بعضهـ /١/١٣/١٢/* JARY ٩٢٧٣٠ ٠/١٠ F *** ٢٥ کتاب الفتن وفي رواية: قال: ((هُدنةٌ على دَخَنٍ، وجماعةٌ على أقذاء)). قلتُ: يا رسول الله! الهدنةُ على الدَّخَنِ ما هيَ؟ قال: ((لا ترجع قلوبُ أقوام على الذي كانت عليه)). قلتُ: بعد هذا الخير شرِّ؟ قال: ((فتنةٌ عمياءُ صمَّاءُ، عليها دُعاةً على أبوابِ النارِ، فإِنْ مُثَّ يا حذيفةُ وأنتَ عاضٍّ على جَذْلٍ خيرٌ لكَ منْ أنْ تشَبعَ أحداً منهم)). رواه أبو داود. ٥٣٩٧ - (١٩) وعن أبي ذر، قال: كنت رديفاً خلف رسول الله مح ليه يوماً، على حمار، بعضاً، أو المراد أن بعد خروج الدجال لا يكون زمان طويل حتى تقوم الساعة أي يكون حينئذ قيام الساعة قريباً قدر زمان إنتاج المهر وارتكابه، وهذا هو الظاهر والله [تعالى ]أعلم بالسرائر. (وفي رواية) أي بدل تكون إمارة على أقذاء الخ. (قال: هدنة على دخن) أي صلح مع كدورة وصفاء مع ظلمة (وجماعة على أقذاء) أي واجتماع على أهواء مختلفة أو عيوب مؤتلفة (قلت: يا رسول الله الهدنة على الدخن ما هي. قال: لا ترجع قلوب أقوام) برفع قلوب وهو الأصح وبنصبه بناء على أن رجع لازم، أو متعد أي لا تصير قلوب جماعات أو لا ترد الهدنة قلوبهم. (على الذي) أي على الوجه الذي، أو على الصفاء الذي (كانت) أي تلك القلوب (عليه) أي لا تكون قلوبهم صافية عن الحقد والبغض كما كانت صافية قبل ذلك (قلت: بعد هذا) أي يقع بعد هذا (الخير شر. قال: فتنة) أي نعم يقع شر هو فتنة عظيمة وبلية جسيمة. (عمياء) أي يعمى فيها الإِنسان عن أن يرى الحق. (صماء) أي يصم أهلها عن أن يسمع فيها كلمة الحق، أو النصيحة. قال القاضي [رحمه الله ]: المراد بكونها عمياء صماء أن تكون بحيث لا يرى منها مخرجاً ولا يوجد دونها مستغاثاً، أو أن يقع الناس فيها على غرة من غير بصيرة فيعمون فيها ويصمون عن تأمل قول الحق واستماع النصح. أقول: ويمكن أن يكون وصف الفتنة بهما كناية عن ظلمتها وعدم ظهور الحق فيها وعن شدة أمرها وصلابة أهلها وعدم التفات بعضهم إلى بعض في المشاهدة والمكالمة وأمثالها. (عليها) أي على تلك الفتنة (دعاة) أي جماعة قائمة بأمرها وداعية للناس إلى قبولها. (على أبواب النار) خال، أي فكأنهم كائنون على شفا جرف من النار يدعون الخلق إليها حتى يتفقوا على الدخول فيها. (فإن مت) بضم الميم وكسرها (يا حذيفة وأنت عاض على جذل) أي والحال أنك على هذا المنوال من اختيار الاعتزال والقناعة بأكل قشر الأشجار والمنام فوق الأحجار. (خير لك من أن تتبع) بتشديد التاء الثانية وكسر الموحدة ويجوز تخفيفها وفتح الباء (أحداً منهم) أي من أهل الفتنة أو من دعاتهم (رواه أبو داود) والنسائي ذكره ميرك. ٥٣٩٧ - (وعن أبي ذر قال: كنت رديفاً) أي راكباً (خلف رسول الله وَليو) قال الطيبي [رحمه الله]: ظرف وقع صفة مؤكدة لرديفاً. (يوماً على حمار) فيه دلالة على كمال الحديث رقم ٥٣٩٧ أخرجه أبو داود في السنن ٤٥٨/٤ حديث رقم ٤٢٦١. وابن ماجه ١٣٠٨/٢ حديث رقم ٣٩٥٨ وأحمد في المسند ١٤٩/٥. 1320 ٠٩٥٤ ٢٦ كتاب الفتن فلما جاوزنا بيوت المدينة، قال: ((كيف بك يا أبا ذر إِذا كانَ بالمدينةِ جوعٌ تقوم عن فراشِك ولا تبلغ مسجدك حتى يُجهدك الجوع؟)) قال: قلت: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((تعقَّفْ يا أبا ذر!)). قال: ((كيف بك يا أبا ذر إِذا كان بالمدينة موتٌ يبلغُ البيتُ العبدَ حتى إنه يباع القبر بالعبد؟)). قال: قلتُ: اللَّهُ ورسولهُ أعلم. قال: ((تصبر يا أبا ذر!)). تواضعه وَّلقر وحسن معاشرته مع أصحابه وكمال قرب أبي ذر له حينئذ، ولذا ذكره مع الإيماء إلى كمال حفظه القضية واستحضاره إياها. (فلما جاوزنا بيوت المدينة قال: كيف بك) قال الطيبي [رحمه الله ]: مبتدأ وخبر والباء زائدة في المبتدأ، أي كيف أنت أي حالك. (يا أبا ذر إذا كان) أي وقع (بالمدينة جوع) أي خاص لك أو قحط عام (تقوم عن فراشك ولا تبلغ مسجدك) أي الذي قصدته أن تصلي فيه (حتى يجهدك الجوع) بضم الياء وكسر الهاء، وفي نسخة بفتحهما. أي يوصل إليك المشقة ويعجزك عن المشي من البيت إلى المسجد. (قال: قلت: الله ورسوله أعلم) أي بحالي وحال غيري في تلك الحال وسائر الأحوال. (قال: تعفف) . -* بصيغة الأمر، أي التزم العفة. (يا أبا ذر) وهي الصلاح والورع والتصبر على أذى الجوع والتقوى والكف عن الحرام والشبهة، وعن السؤال من المخلوق والطمع فيه والمذلة عنده (١). (قال: كيف بك يا أبا ذر) في ندائه مكرراً تنبيه له على أخذ الحديث مقرراً. (إذا كانت بالمدينة موت) أي بسبب القحط أو وباء من عفونة هواء أو غيرها. (يبلغ البيت) أي يصل موضع قبر الميت. (العبد) أي قيمته أو نفسه (حتى إنه) بكسر الهمز ويفتح أي الشأن، (يباع القبر بالعبد) هذا توضيح لما قبله من إيهام البيت. ففي النهاية: المراد بالبيت ههنا القبر، وأراد أن موضع القبور يضيق فيبتاعون كل قبر بعبد. قال التوربشتي [رحمه الله ]: وفيه نظر لأن الموت وإن استمر (٢) بالأحياء وفشا فيهم كل الفشوّ لم ينته بهم إلى ذلك وقد وسع الله عليهم الأمكنة. اهـ كلامه. وأجيب بأن المراد بموضع القبور الجبانة المعهودة وقد جرت العادة بأنهم لا يتجاوزون عنها. وفي شرح السنة قيل: معناه أن الناس يشتغلون عن دفن الموتى بما هم فيه حتى لا يوجد من يحفر قبر الميت فيدفنه إلا أن يعطي عبداً أو قيمة عبد. وقيل: معناه أنه لا يبقى في كل بيت كان فيه كثير من الناس إلا عبد يقوم بمصالح ضعفه أهل ذلك البيت. قال المظهر: يعني يكون البيت رخيصاً فيباع بيت بعبد. قال الطيبي (رحمه الله ]: على الوجهين الأخيرين لا يحسن موقع حتى حسنها على الوجهين الأوّلين. قلت: بل لا يصح حينئذ وقوع حتى، ولعلها غير موجودة في المصابيح. قال الخطابي: قد يحتج بهذا الحديث من يذهب إلى وجوب قطع النباش، وذلك أن النبي ◌َّالر سمى القبر بيتاً فدل على أنه حرز كالبيوت. قلت: لا سيما وقد ثبت أنه ﴿ قطع النباش، لكن حمله أصحابنا على أنه للسياسة والله [سبحانه وتعالى ]أعلم. (قال: قلت: الله ورسوله أعلم) كما تقدم (قال: تصبر يا أبا ذر) بتشديد الموحدة المفتوحة، أمر من باب التفعل. وفي نسخة تصبر مضارع صبر على أنه خبر بمعنى الأمر، أي اصبر بالبلاء ولا (١) في المخطوطة ((فيه)). (٢) في المخطوطة ((اشتهر)). ٢٧ كتاب الفتن قال: «كيف بك يا أبا ذرّ إِذا كان بالمدينة قَتْلٌ تَغْمرُ الدماء أحجار الزيت؟)) قال: قلت: اللَّهُ ورسوله أعلم. قال: ((تأتي من أنت منه)). قال: قلت: وأَلْبَسُ السلاح؟ قال: ((شاركتَ القومَ إِذاً». قلتُ: فكيف أصنع يا رسول الله؟ قال: ((إِن خشيتَ أن يَبْهِرَك شعاعُ السيفِ فَأَلْقِ ناحيةَ ثوبك على وجهك ليبوءَ بٍثمك وإثمه)). رواه أبو داود. تجزع في الضراء ولا تنس بقية النعماء والسراء وارض بما يجري من القضاء تصب الأجر من خالق الأرض والسماء. (قال: كيف بك يا أبا ذر إذا كان بالمدينة قتل) أي سريع عظيم (تغمر) بسكون الغين المعجمة وضم الميم، أي تستر وتعلو (الدماء) أي كثرة دماء القتلى (أحجار الزيت) قيل: هي محلة بالمدينة، وقيل موضع بها. قال التوربشتي [رحمه الله ]: هي من الحرة التي كانت بها الوقعة زمن يزيد والأمير على تلك الجيوش العاتية مسلم بن عقبة المزي المستبيح بحرم رسول الله ضيه، وكان نزوله بعسكره في الحرة الغربية من المدينة فاستباح حرمتها وقتل رجالها وعاث فيها ثلاثة أيام، وقيل خمسة. فلا جرم أنه انماع كما ينماع الملح في الماء ولم يلبث إن أدركه الموت وهو بين الحرمين، وخسر هنالك المبطلون. (قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: تأتي من أنت منه) خبر معناه أمر، أي ائت من يوافقك في دينك وسيرتك. وقال القاضي: أي ارجع إلى من أنت جئت منه وخرجت من عنده يعني أهلك وعشيرتك. قال الطيبي (رحمه الله]: لا يطابق على هذا سؤاله. (قال: قلت: والبس السلاح) والظاهر أن يقال: ارجع إلى إمامك ومن بايعته، فحينئذ يتوجه أن يقول: وألبس السلاح وأقاتل معه. (قال:) أي النبي ◌َّر (شاركت القوم) أي في الإِثم (إذا) أي إذا لبست السلاح. المعنى لا تلبس السلاح وكن مع الإمام وأرباب الصلاح ولا تقاتل حتى يحصل لك الفلاح، هذا حاصل كلام الطيبي [رحمه الله]. لكن فيه أن إمامه إذا قاتل كيف يجوز له أن يمتنع من المقاتلة معه. وقال ابن الملك [رحمه الله]: قوله: شاركت، لتأكيد الزجر عن إراقة الدماء وإلا فالدفع واجب. اهـ. وذكره الطيبي [رحمه الله]: وقرره. والصواب أن الدفع جائز إذا كان الخصم مسلماً إن لم يترتب عليه فساد، بخلاف ما إذا كان العدوّ كافراً فإنه يحب الدفع مهما أمكن. (قلت: فكيف أصنع يا رسول الله. قال: إن خشيت أن يبهرك) بفتح الهاء، أي يغلبك. (شعاع السيف) بفتح أوله أي بريقه ولمعانه. وهو كناية عن أعمال السيف (فالق) أمر من الإلقاء، أي اطرح. (ناحية ثوبك) أي طرفه (على وجهك) أي لئلا ترى ولا تفزع ولا تجزع. والمعنى: لا تحاربهم وإن حاربوك، بل استسلم نفسك للقتل لأن أولئك من أهل الإسلام ويجوز معهم عدم المحاربة والاستسلام كما أشار إليه بقوله: (ليبوء) أي ليرجع القاتل (بإثمك) أي بإثم قتلك (وإثمه) أي وبسائر إثمه (رواه أبو داود) وكذا ابن ماجه والحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين، نقله ميرك عن التصحيح(١). (١) الحاكم في المستدرك ٤٢٤/٤. ٥٫٠٦ ٢٨ كتاب الفتن .. ٥٣٩٨ - (٢٠) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ النبيَّ وَّر قال: ((كيف بك إِذا أبقيتَ في حُثالةٍ من الناسِ مَرِجت عهودهم وأماناتهم؟ واختلفوا فكانوا هكذا؟)) وشبَّك بين أصابعه. قال: فبم تأمرني؟ قال: ((عليك بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصةِ نفسك، وإِياك وعوامِّهم)). وفي روايةٍ: ((الزَم بيتكَ، واملك عليك ١٣٠/١ ٥٣٩٨ - (وعن عبد الله بن عمرو) صحابيان جليلان (بن العاص) بغير ياء هو الصحيح (أن النبي وَليز قال: كيف بك) سبق إعرابه وفي رواية: كيف أنت، أي كيف حالك. (إذا أبقيت) مجهول من الإبقاء، أي إذا أبقاك الله بمعنى عمرك. وفي نسخة بصيغة المعلوم من البقاء، أي إذا بقيت. (في حثالة) بضم الحاء وبالثاء المثلثة، وهي ما سقط من قشر الشعير والأرز والتمر [و]الرديء من كل شيء، أي في قوم أردياء. (من الناس مرجت) استئناف بيان وهو بفتح الميم وكسر الراء، أي فسدت. (عهودهم وأماناتهم) وفي نسخة: أمانتهم، بصيغة الإفراد على إرادة الجنس أو باعتبار كل فرد، والجمع إنما هو للمقابلة والتوزيع مع إمكان حقيقة الجمع فيهما فتأمل. والمعنى: لا يكون أمرهم مستقيماً، بل يكون [كل واحد ]في كل لحظة على طبع وعلى عهد ينقضون العهود ويخونون الأمانات. قال التوربشتي [رحمه الله ]: أي اختلطت وفسدت فقلقت فيهم أسباب الديانات. (واختلفوا فكانوا هكذا. وشبك بين أصابعه) أي يموج بعضهم في بعض ويلتبس أمر دينهم فلا يعرف الأمين من الخائن ولا البر من الفاجر. هذا وفي نسخة مرجت بفتح الراء وهو متعد ومنه قوله تعالى: ﴿مرج البحرين﴾ [الرحمن - ١٩]. ففيه ضمير إلى الحثالة. فالمعنى: أفسدت تلك الجماعة القمامة عهودهم وأماناتهم واختلفوا في أمور دياناتهم فكانوا كما أخبر النبي وَّر عنهم في الاشتباك مشبهين بالأصابع المشبكة. فما كتبه ميرك على هامش الكتاب من قوله: مرجت، بصيغة المجهول ورمز عليه ظاهر إشارة إلى أنه هو الظاهر، وعلله(١) بأن المرج متعد والمعنى على اللزوم فهو غير ظاهر على ما يظهر من القاموس وغيره. ففي القاموس: المرج الخلط والمرج محركة الفساد والقلق والاختلاط والاضطراب، وإنما يسكن مع الهرج [يعني] للازدواج مرج [كفرح أوأمر مريج مختلط وأمرج العهد لم يف به. اهـ. وفي مختصر النهاية: مرج الدين فسد وقلقت أسبابه. ومرجت عهودهم أي اختلطت. (قال: فبم تأمرني. قال: عليك بما تعرف) أي الزم وافعل ما تعرف كونه حقاً (ودع ما تنكر) أي واترك ما تنكر أنه حق (وعليك بخاصة نفسك وإياك وعوامهم) أي عامتهم. والمعنى: الزم أمر نفسك واحفظ دينك واترك الناس ولا تتبعهم. وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار. (وفي رواية: الزم بيتك واملك) أمر من الإملاك بمعنى الشد والإحكام أي أمسك (عليك /:١٣٩ الحديث رقم ٥٣٩٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٥١/١١. حديث رقم ٦٤٣٤. وأبو داود في السنن ٤/ ٥١٣ حديث رقم ٤٣٤٢. وابن ماجه في السنن ١٣٠٧/٢ حديث رقم ٣٩٥٧. والدارمي في السنن ٣٩٠/٢ حديث رقم ٢٧١٩. وأحمد في المسند ٢/ ١٦٢. (١) في المخطوطة ((وعليه)). 7.TO بوج ٢٩ كتاب الفتن لسانك؛ وخذ ما تعرف، ودَعْ ما تنكر، وعليك بأمرِ خاصةِ نفسِك، ودَع أمر العامَّة)). رواه الترمذي، وصححه. ٥٣٩٩ - (٢١) وعن أبي موسى، عن النبي وَّ، أنه قال: ((إِنَّ بينَ يَدَي الساعةِ فِتَناً كقطع الليل المظلم، يصبحُ الرجلُ فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، فكسّروا فيها قِيَّكم، وقطّعوا فيها أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دُخِل على أحدٍ منكم فليكن كخير ابني آدم)). رواه أبو داود. وفي رواية له: ذكر إلى قوله ((خيرٌ من الساعي)). ثم لسانك) ولا تتكلم في أحوال الناس كيلا(١) يؤذوك (وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر خاصة نفسك ودع أمر العامة. رواه الترمذي وصححه) قال ميرك: والرواية الثانية رواها أبو داود والنسائي أيضاً. ٥٣٩٩ - (وعن أبي موسى) أي الأشعري (عن النبي ◌َّ- أنه قال: إن بين يدي الساعة) أي قدامها من أشراطها (فتناً) أي فتناً عظاماً ومحناً جساماً (كقطع الليل المظلم) بكسر القاف وفتح الطاء ويسكن، أي كل فتنة كقطعة من الليل المظلم في شدتها وظلمتها وعدم تبين أمرها. قال الطيبي [رحمه الله]: يريد بذلك التباسها وفظاعتها وشيوعها واستمرارها. (يصبح الرجل فيها) أي في تلك الفتن (مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) والظاهر أن المراد بالإِصباح والإِمساء تقلب الناس فيها وقتاً دون وقت لا بخصوص الزمانين، فكأنه كناية عن تردد أحوالهم وتذبذب أقوالهم وتنوّع أفعالهم من عهد ونقض وأمانة وخيانة ومعروف ومنكر وسنة وبدعة وإيمان وكفر. (القاعد فيها خير من القائم والماشي فيها خير من الساعي) أي كلما بعد الشخص عنها وعن أهلها خير له من قربها واختلاط أهلها لما سيؤول أمرها إلى محاربة أهلها، فإذا رأيتم الأمر كذلك (فكسروا فيها قسيكم) بكسرتين وتشديد التحتية جمع القوس، وفي العدول عن الكسر إلى التكسير مبالغة لأن باب التفعيل للتكثير، وكذا قوله: (وقطعوا) أمر من التقطيع (فيها أوتاركم) وفيه زيادة من المبالغة إذ لا منفعة لوجود الأوتار مع كسر القسي. أو المراد به أنه لا ينتفع بها الغير ولا يستعملها في الشر دون الخير. (واضربوا سيوفكم بالحجارة) أي حتى تنكسر أو حتى تذهب حدتها، وعلى هذا القياس الأرماح وسائر السلاح. (فإن دخل) بصيغة المفعول ونائب الفاعل في قوله: (على أحد) ومن في قوله (منكم) بيانية (فليكن) أي ذلك الأحد (کخير ابني آدم) أي فلیستسلم حتى يكون قتيلاً كهابيل ولا يكون قاتلاً كقابيل (رواه أبو داود). مسيسي ٥ ٠٫٩ (وفي رواية له) أي لأبي داود عنه (ذكر) أي الحديث (إلى قوله: خير من الساعي ثم ٠١٠٦ (١) في المخطوطة (لئلا)). الحديث رقم ٥٣٩٩: أخرجه أبو داود في السنن ٤٥٧/٤ حديث رقم ٤٢٥٩. والترمذي في السنن ٤٢٤/٤ حديث رقم ٢٢٠٢. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٣١٠ حديث رقم ٣٩٦١. وأحمد في المسند ٤١٦/٤. ـة مدة ٣٠ کتاب الفتن قالوا: فما تأمرنا؟ قال: ((كونوا أحلاس بيوتكم)). وفي رواية الترمذي: أنَّ رسول الله وَل قال في الفتنة: ((كسّروا فيها قِيسِيّكم، وقطعوا فيها أوتاركم، والزموا فيها أجواف بيوتكم، وكونوا كابن آدم)). وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. ٥٤٠٠ _ (٢٢) وعن أُمّ مالك البَهْزية، قالت: ذَكَرَ رسولُ اللهِوَّهِ فتنةً فقرَّبها. قلت: يا رسولَ اللَّهِ! مَنْ خيرُ الناس فيها؟ قال: «رجلٌ في ماشيته يؤدِّي حقها، ويعبدُ ربَّهُ، ورَجُل آخذٌ برأسٍ فرسه يخيف العدوَّ ويخوفونه)). رواه الترمذيُّ. قالوا:) أي بعض الصحابة (فما تأمرنا) أي أن نفعل حينئذ (قال: كونوا أحلاس بيوتكم) أحلاس البيوت ما يبسط تحت حر الثياب فلا تزال ملقاة تحتها. وقيل: الحلس هو الكساء على ظهر البعير تحت القتب والبرذعة شبهها به للزومها ودوامها. والمعنى: الزموا بيوتكم والتزموا سكوتكم كيلا تقعوا في الفتنة التي بها دينكم يفوتكم. (وفي رواية الترمذي أن رسول الله الخوي قال في الفتنة:) أي في أيامها وزمنها، وهو ظرف لقوله: (كسروا فيها قسيكم وقطعوا فيها أوتاركم والزموا فيها أجواف بيوتكم) أي كونوا ملازميها لئلا تقعوا في الفتنة والمحاربين فيها. (وكونوا كابن آدم) المطلق ينصرف إلى الكامل. وفيه إشارة لطيفة تحت عبارة ظريفة، وهو أن هابيل المقتول المظلوم هو ابن آدم لا قابيل القاتل الظالم كما قال تعالى في حق ولد نوح (عليه الصلاة والسلام ]: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ [هود - ٤٦]. (وقال:) أي الترمذي ([هذا ] حديث صحيح غريب). ٥٤٠٠ - (وعن أم مالك البهزية) بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالزاي وياء النسبة. قال المؤلف: لها صحبة ورواية (١) وهي حجازية روى عنها طاوس ومكحول. (قالت: ذكر رسول الله ◌َّ فتنة فقربها) بتشديد الراء، أي فعدها قريبة الوقوع. قال الأشرف: معناه وصفها للصحابة وصفاً بليغاً. فإن من وصف عند أحد وصفاً بليغاً فكأنه قرب ذلك الشيء إليه. (قلت: يا رسول الله من خير الناس فيها. قال: رجل في ماشية) أي من الغنم ونحوها (يؤدي حقها) أي من الزكاة وغيرها (ويعبد ربه) لقوله تعالى [جل جلاله ولا إله غيره]: ﴿ففروا إلى الله ﴾ [الذاريات - ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ [المزمل - ٨]. وقوله: ﴿وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ [هود - ١٢٣ ]. (ورجل آخذ) بصيغة اسم الفاعل، أي ماسك(٢). (برأس فرسه يخيف العدوّ) من الإِخافة بمعنى التخويف، أي يخوّف الكفار. (ويخوّفونه) فيه تفنن. قال المظهر: يعني رجل هرب من الفتن وقتال المسلمين وقصد الكفار يحاربهم ويحاربونه. يعني: فيبقى سالماً من الفتنة وغانماً للأجر والمثوبة. (رواه الترمذي). الحديث رقم ٥٤٠٠: أخرجه الترمذي في السنن ٤١٠/٤ حديث رقم ٢١٧٧. وأحمد في المسند ٤١٩/٦. (٢) في المخطوطة ((ممسك)). (١) في المخطوطة ((دراية)). ,١٥ ٢٢/١ ٣١ كتاب الفتن ٥٤٠١ - (٢٣) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَالجُولُ: ((ستكونُ فتنةٌ تستنظف العربَ، قتلاها في النار، اللّسان فيها أشدُّ من وَقْعِ السَّيف)). ٥٤٠١ _ (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وص فيه: ستكون فتنة) أي عظيمة وبلية جسيمة. (تستنظف العرب) أي تستوعبهم هلاكاً من استنظفت الشيء أخذته كله، كذا في النهاية وبعض الشروح. وقيل: أي تطهرهم من الأرزال وأهل الفتن. (قتلاها) جميع قتيل بمعنى مقتول مبتدأ خبره قوله: (في النار) أي سيكونون في النار أو هم حينئذ في النار لأنهم يباشرون ما يوجب دخولهم(١) فيها كقوله تعالى: ﴿إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم﴾ [الانفطار - ١٣ - ١٤]. قال القاضي [رحمه الله ]: المراد بقتلاها من قتل في تلك الفتنة وإنما هم من أهل النار لأنهم ما قصدوا بتلك المقاتلة والخروج إليها إعلاء دين أو دفع ظالم أو إعانة محق، وإنما كان قصدهم التباغي والتشاجر طمعاً في المال والملك. (اللسان) أي وقعه وطعنه على تقدير مضاف، ويدل عليه رواية: وإشراف اللسان، أي إطلاقه وإطالته. (فيها أشد من وقع السيف) وقال الطيبي [رحمه الله ]: القول والتكلم فيها إطلاقاً للمحل وإرادة الحال. اهـ. والحاصل أنه لا بد من ارتكاب أحد المجازين المذكورين في قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف - ٨٢]. قال المظهر: يحتمل هذا احتمالين أحدهما أن من ذكر أهل تلك الحرب بسوء يكون كمن حاربهم لأنهم مسلمون وغيبة المسلمين إثم. قلت: وفيه أنه ورد: اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس. ولا غيبة الفاسق. ونحو ذلك فلا يصح هذا على إطلاقه ولذا استدرك كلامه بقوله: ولعل المراد بهذه الفتنة الحرب التي وقعت بين أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وبين معاوية رضي الله عنه، ولا شك أن من ذكر أحداً من هذين الصدرين وأصحابهما يكون مبتدعاً لأن أكثرهم كانوا أصحاب رسول الله وَلتر. اهـ. وقد قال وَ لجر: ((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا))(٢). أي عن الطعن فيهم فإن رضا الله تعالى في مواضع من القرآن تعلق بهم، فلا بد أن يكون مآلهم إلى التقوى ورضا المولى وجنة المأوى وأيضاً لهم حقوق ثابتة في ذمة الأمة فلا ينبغي لهم أن يذكروهم إلا بالثناء الجميل والدعاء الجزيل، وهذا مما لا ينافي أن يذكر أحد مجملاً أو معيناً بأن المحاربين مع علي ما كانوا من المخالفين، أو بأن معاوية وحزبه كانوا باغين على ما دل عليه حديث عمار: ((تقتلك الفئة الباغية))(٣). لأن المقصود منه بيان الحكم المميز بين الحق والباطل والفاصل بين المجتهد المصيب والمجتهد المخطىء مع توقير الصحابة وتعظيمهم جميعاً في القلب [لرضا الرب]. ولذا لما سئل بعض الأكابر عمر بن عبد العزيز أفضل أم معاوية قال لغبار أنف فرس معاوية حين غزا في ركاب ٥٨٠٠٠ الحديث رقم ٥٤٠١: أخرجه أبو داود في السنن ٤٦١/٤ حديث رقم ٤٤٦٥ والترمذي في السنن ٤١١/٤ حديث رقم ٢١٧٨. وابن ماجه في السنن ١٣١٢/٢ حديث رقم ٣٩٦٧. وأحمد في المسند ٢١٢/٢. (١) في المخطوطة ((دخولها)). (٢) الطبراني في الكبير ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٤٣/١ حديث رقم ٦١٥. (٣) أبو نعيم في الحلية. anth ٣٢ كتاب الفتن رسول الله * أفضل من كذا وكذا من عمر بن عبد العزيز، إذ من القواعد المقررة أن العلماء والأولياء من الأمة لم يبلغ أحد منهم مبلغ الصحابة الكبراء. وقد أشار إلى هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾ [الحديد - ١٠]. وكذا قوله تعالى: ﴿والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة - ١٠٠]. وقوله: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون ﴾ [الواقعة - ١٠ و١١]. قال المظهر: والثاني أن المراد به أن من مد لسانه فيه بشتم أو غيبة يقصدونه بالقتل والضرب ويفعلون به ما يفعلون بمن حاربهم. اهـ. وحاصله أن الطعن في إحدى الطائفتين ومدح الأخرى حينئذ مما يثير الفتنة فالواجب كف اللسان، وهذا المعنى في غاية من الظهور فتأمل. لكن الطيبي رجح المعنى الأوّل حيث قال: ويؤيد قوله: ولعل المراد بهذه الفتنة الخ ما روينا عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وإنما أريد هذا الرجل فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف. قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله وَلتر. قال: فقال: يا أحنف ارجع فإني سمعت رسول الله * يقول: إذا توجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قال: فقلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول. قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه. متفق عليه(١). قلت: محمل هذا الحديث إذا كان القتال بين المسلمين على جهة العصبية والحمية الجاهلية كما يقع كثيراً فيما بين أهل حارة وحارة وقرية وقرية وطائفة وطائفة من غير أن يكون هناك باعث شرعي لأحدهما. ولا يصح حمل الحديث على إطلاقه الشامل لقضية صفين ونحوها لئلا ينافي قوله تعالى جلَّ شأنه: ﴿فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ﴾ [الحجرات - ٩]. ولأن الإجماع على أن قتلى طائفة علي ليسوا في النار فكلام أبي بكرة أما محمول على أنه كان متردداً متحيراً في أمر علي ومعاوية ولم يكن يعرف الحق من الباطل ولم يميز أحدهما من الآخر، وإما فهم من كلام الأحنف أنه يريد حماية العصبية لا إعلاء الكلمة الدينية على ما يشير إليه قوله: أريد نصر ابن عم رسول الله وَّقر، ولم يقل: أريد معاونة الإِمام الحق والخليفة المطلق. وبهذا يتبين أن حمل هذه الفتنة على قضية علي لا يجوز ويؤول بما قال الطيبي [رحمه الله ]. وأما قوله: قتلاها في النار، فللزجر والتوبيخ والتغليظ عليهم. وأما كف الألسنة عن الطعن فيهم فإن كلاً منهم مجتهد وإن كان علي رضي الله عنه مصيباً فلا يجوز الطعن فيهما، والأسلم للمؤمنين أن لا يخوضوا في أمرهما. قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله أيدينا منها فلا نلوث ألسنتنا بها. قال النووي [رحمه الله ]: كان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ لأنه كان بالاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه، وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنة. وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولو تيقنوا الصواب لم يتأخروا عن مساعدته. قلت: وسبب هذا التحير لم يكن في أن علياً (١) البخاري في صحيحه ٣١/١٣ حديث رقم ٧٠٨٣. ومسلم فى صحيحه ٢٢١٣/٤ حديث رقم ٢٨٨٨. ٣٣ كتاب الفتن رواه الترمذي، وابن ماجه. ٥٤٠٢ - (٢٤) وعن أبي هريرة، أن رسول الله وَ لّر قال: ((ستكونُ فتنةٌ صمَّاءُ بكماء عمياءُ، من أشرف لها استشرفت له، وإِشراف اللسان فيها كوقوع السيفِ». رواه أبو داود. أحق بالخلافة أم معاوية لأنهم أجمعوا على ولاية علي واجتمع أهل الحل والعقد على خلافته، وإنما وقع النزاع بين معاوية وعلي في قتلة عثمان حيث تعلل معاوية بأني لم أسلم لك الأمر حتى تقتل أهل الفساد والشرور ممن حاصر الخليفة وأعان على قتله، فإن هذا ثلمة في الدين وخلل في أئمة المسلمين. واقتضى رأي علي وهو الصواب أن قتل فئة الفتنة يجر إلى إثارة الفتنة التي هي تكون أقوى من الأولى مع أن هجوم العوام وعدم تعيين أحد منهم بمباشرة قتل الإِمام ليس بموجب لإمام آخر أن يقتلهم قتلاً عاماً ولا من يتهم بقتله من غير حجة أو بينة شرعية، لا سيما وقد رجعوا إلى الحق ودخلوا في بيعة الخليفة. ومن المعلوم أن أهل البغي إذا رجعوا عن بغيهم أو شردوا عن قتالهم فليس لأحد أن يتعرض لهم. هذا ولما كان ◌َ﴿ ذكر الفتن وحذر عن الدخول فيها ورغب عن البعد عنها ورهب عن القرب إليها وأطلقها نظراً إلى فساد غالبها ولم يبين هذه الفتنة بخصوصها مفصلة وإن وقعت مجملة، تحير فيها بعض الصحابة وظنوا أن الأسلم فيها بالخصوص أيضاً، ما ذكره و لر فيها بالعموم. لكن لما تبين لهم في الآخر حقي علي كرم الله وجهه وخطأ معاوية ندموا على ما فعلوا من العزلة وتحسروا على ما فاتهم من مثوبة الجلوة ولله حكمة في ذلك كله لله الأمر من قبل ومن بعد. فلا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم والله [تعالى] أعلم. (رواه الترمذي وابن ماجه) قال ميرك: رواه أبو داود أيضاً كلهم مرفوعاً. وقال البخاري: الأصح وقفه على عبد الله بن عمرو بن العاص. أقول: لكن هذا الموقوف في حكم المرفوع لأن قوله: قتلاها في النار. لا يتصور أن يصدر من رأي أحد. ٥٤٠٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَلجر قال: ستكون فتنة صماء عمياء بكماء) أي باعتبار أصحابه حيث لا يجدون لها مستغاثاً ولا يرون منها مخرجاً وخلاصاً. والمعنى: لا يميزون فيها بين الحق والباطل ولا يسمعون النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل من تكلم فيها بحق أوذي ووقع في الفتن والمحن. (من أشرف لها) أي من اطلع عليها وقرب منها (استشرفت له) أي اطلعت تلك الفتنة عليه وجذبته إليها. (وإشراف اللسان) أي إطلاقه وإطالته (فيها كوقوع السيف) أي في تأثيره، بل أبلغ لما قيل : ولا يلتام ما جرح اللسان جراحات السنان لها التئام ولهذا قال في الرواية السابقة: أشد من وقع السيف. (رواه أبو داود). الحديث رقم ٥٤٠٢: أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٤٦٠ حديث رقم ٤٢٦٤. وأحمد في المسند ٤٠٦/٥. ٣٤ كتاب الفتن ٥٤٠٣ - (٢٥) وعن عبد الله بن عمر، قال: كنا قعوداً عند النبي ◌َّ﴿ فَذَكَر الفِتَنَ، فأكثر في ذكرها، حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: وما فتنة الأحلاس؟ قال: ((هي هرب وحرب، ثم فتنةُ السرَّاء دخنها من تحت قدميْ رجلٍ من أهل بيتي، يزعم أنَّه مني وليس مني، إِنما أوليائي المتقون، ثم يصطلحُ الناسُ على رجلٍ كُورِكٍ على ضِلَعٍ، /٣٠٠ ٥٤٠٣ - (عن عبد الله بن عمر قال: كنا قعوداً) أي قاعدين (عند رسول الله صلطفي فذكر الفتن) أي الواقعة في آخر الزمان (فأكثر) أي البيان (في ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس) سبق معناه اللغوي (فقال قائل: وما فتنة الأحلاس قال: هي هرب) بفتحتين، أي يفر بعضهم من بعض لما بينهم من العداوة والمحاربة. (وحرب) بفتحتين، أي أخذ مال وأهل بغير استحقاق. (ثم فتنة السراء) بالرفع عطف على هرب بحسب المعنى، فكأنه قال: وفتنة الأحلاس حرب وهرب وفتنة السراء. وفي نسخة بالنصب عطفاً على فتنة الأحلاس، والمراد بالسراء النعماء التي تسر الناس من الصحة والرخاء والعافية من البلاء والوباء، وأضيفت إلى السراء لأن السبب في وقوعها ارتكاب المعاصي بسبب كثرة التنعم أو لأنها تسر العدوّ. وقال التوربشتي [رحمه الله]: يحتمل أن يكون سبب وقوع الناس في تلك الفتنة وابتلائهم بها أثر النعمة فأضيفت إلى السراء. يعني: يكون التركيب من قبيل إضافة الشيء إلى سببه، ويحتمل أن يكون صفة للفتنة فأضيفت إليها إضافة مسجد الجامع. ويراد منها سعتها لكثرة الشرور والمفاسد. ومن ذلك قولهم: قفاه سراء إذا كانت وسيعة. يعني: يكون التقدير فتنة الحادثة السراء أي الواسعة التي تعم الكافة من الخاصة والعامة. وقوله: (دخنها) بفتحتين، أي إثارتها وهيجانها وشبهها بالدخان الذي يرتفع كما شبه الحرب بالنار. وإنما قال: (من تحت قدمي رجل من أهل بيتي) تنبيهاً على أنه هو الذي يسعى في إثارتها، أو إلى أنه يملك أمرها. (يزعم أنه مني) أي في الفعل وإن كان مني في النسب. والحاصل أن تلك الفتنة بسببه وأنه باعث على إقامتها. (وليس مني) أي من أخلائي أو من أهلي في الفعل لأنه لو كان من أهلي لم يهيج الفتنة ونظيره قوله تعالى: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ﴾ [هود - ٤٦]. أو ليس من أوليائي في الحقيقة ويؤيده قوله: (إنما أوليائي المتقون) وهذا أبلغ من حديث: ((آل محمد كل تقي))(١). (ثم يصطلح الناس على رجل) أي يجتمعون على بيعة رجل (كورك) بفتح وكسر (على ضلع) بكسر ففتح ويسكن واحد الضلوع أو الأضلاع وتسكين اللام فيه جائز على ما في الصحاح(٢)، وهذا مثل. والمراد أنه لا يكون على ثبات لأن الورك لثقله لا يثبت على الضلع لدقته. والمعنى أنه يكون غير أهل للولاية لقلة علمه وخفة رأيه وحلمه. وفي النهاية: أي يصطلحون على رجل لا نظام له ولا استقامة لأمره لأن الورك لا يستقيم على الضلع ولا يتركب عليه لاختلاف ما بينهما الحديث رقم ٥٤٠٣: أخرجه أبو داود في السنن ٤٤٢/٤ حديث رقم ٤٢٤٢. وأحمد في المسند ١٣٣/٢. (١) الطبراني في الأوسط ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٨/١ حديث رقم ١٥. (٢) في المخطوطة ((الصلاح)) والصواب ((الصحاح)) والمقصود به ((مختار الصحاح)). ٣٥ کتاب الفتن ثمَّ فتنة الدُّهَيماء لا تدَعُ أحداً من هذه الأمةِ إِلا لطَمتْهُ لطمةً، فإذا قيل: انقضت، تمادت، يصبحُ الرجلُ فيها مؤمناً ويمسي كافراً، حتى يصيرَ الناسُ إِلى فسطاطين: فسطاط إِيمانٍ لا نفاق فيه، وفسطاط نفاقٍ لا إِيمانَ فيه. فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من غده)) . وبعده. وفي شرح السنة: معناه أن الأمر لا يثبت ولا يستقيم له وذلك أن الضلع لا يقوم بالورك ولا يحمله. وحاصله أنه لا يستعد ولا يستبد لذلك فلا يقع(١) عنه الأمر موقعه، كما أن الورك على ضلع يقع غير موقعه. قال: وإنما يقال في باب الملائمة والموافقة إذا وصفوا به هو ككف في ساعد وساعد في ذراع ونحو ذلك. يريد أن هذا الرجل غير خليق للملك ولا مستقل به. (ثم فتنة الدهيماء) بالرفع وينصب على ما سبق وهي بضم ففتح. والدهماء السوداء والتصغير للذم، أي الفتنة العظماء والطامة العمياء. وفي النهاية: هي تصغير الدهماء، يريد الفتنة المظلمة والتصغير فيها للتعظيم. وقيل المراد بالدهيماء الداهية ومن أسماء الداهية الدهيم، زعموا أن الدهيم اسم ناقة غزا عليها سبعة إخوة متعاقبين فقتلوا عن آخرهم وحملوا عليها حتى رجعت بهم فصارت مثلاً في كل داهية. (لا تدع) أي لا تترك تلك الفتنة (أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة) أي أصابته بمحنة ومسته ببلية. وأصل اللطم هو الضرب على الوجه ببطن الكف. والمراد أن أثر تلك الفتنة يعم الناس ويصل لكل أحد من ضررها. قال الطيبي [رحمه الله ]: هو استعارة مكنية، شبه الفتنة بإنسان ثم خيل لإصابتها الناس اللطم الذي هو من لوازم المشبه به وجعلها قرينة لها. (فإذا قيل: انقضت) أي فمهما توهموا أن تلك الفتنة انتهت (تمادت) بتخفيف الدال، أي بلغت المدى أي الغاية من التمادي. وفي نسخة بتشديد الدال من التمادد تفاعل من المد، أي استطالت واستمرت واستقرت. (يصبح الرجل فيها مؤمناً) أي لتحريمه دم أخيه وعرضه وماله (ويمسي كافراً) أي لتحليله ما ذكر ويستمر ذلك (حتى يصير الناس إلى فسطاطين) بضم الفاء وتكسر، أي فرقتين. وقيل: مدينتين. وأصل الفسطاط الخيمة فهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال. (فسطاط إيمان) بالجر على أنه بدل. وفي نسخة بالرفع وإعرابه مشهور، أي إيمان خالص. (لا نفاق فيه) أي لا في أصله ولا في فصله من اعتقاده وعمله. (وفسطاط نفاق لا إيمان فيه) أي أصلاً أو كمالاً لما فيه من أعمال المنافقين من الكذب والخيانة ونقض العهد وأمثال ذلك. (فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال) أي ظهوره (من يومه أو من غده) وهذا يؤيد أن المراد بالفسطاطين المدينتين. فإن المهدي يكون في بيت المقدس فيحاصره الدجال فينزل عيسى عليه [الصلاة ]والسلام فيذوب الملعون کالملح ينماع في الماء فيطعنه بحربة له فيقتله فيحصل الفرج العام والفرج التام كما قال سيد الأنام: * اشتدي أزمة تنفرجي(٢) (١) في المخطوطة ((يصح)). (٢) القضاعي والديلمي في مسند الفردوس ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٦٩/١ حديث رقم ١٠٤٧. ٥٢٤٦ ٣٦ کتاب الفتن رواه أبو داود. ٥٤٠٤ _ (٢٦) وعن أبي هريرة، أنَّ النبيَّ وَ لّ قال: ((ويلٌ للعرب من شرّ قد اقترب، أفلحَ منْ کَفَّ یدَه)). رواه أبو داود. وقد قال تعالى: ﴿فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً﴾ [الشرح - ٦ - ٧]. ولن يغلب عسر يسرين. وهما هنا الاقتران بين القمرين وضياء أنوارهما في أمر الكونين. قال الطيبي [رحمه الله]: الفسطاط بالضم والكسر المدينة التي فيها يجتمع الناس، وكل مدينة فسطاط. وإضافة الفسطاط إلى الإيمان إما بجعل المؤمنين نفس الإيمان مبالغة وإما بجعل الفسطاط مستعاراً للكتف والوقاية على المصرحة، أي هم في كتف الإيمان ووقايته. (رواه أبو داود) أي وسكت عليه، وأقره المنذري ورواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي نقله ميرك عن تصحيح (١) الجزري . ٥٤٠٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي وَّ ر قال: ويل للعرب) الويل حلول الشر وهو تفجيع، أو ويل كلمة عذاب أو واد في جهنم وخص العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم. (من شر) أي عظيم (قد اقترب) أي ظهوره. والأظهر أن المراد به ما أشار إليه وَلير في الحديث المتفق عليه بقوله: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج الحديث. كما تقدم والله [تعالى ]أعلم. قال الطيبي (رحمه الله]: أراد به الاختلاف الذي ظهر بين المسلمين من وقعة عثمان رضي الله عنه، أو ما وقع بين علي كرم الله وجهه ومعاوية رضي الله عنه. أقول: أو أراد به قضية يزيد مع الحسين رضي الله عنه وهو في المعنى أقرب، لأن شره ظاهر عند كل أحد من العجم والعرب. وقال ابن الملك [رحمه الله]: قوله: من شر، أي من خروج جيش يقاتل العرب. وقيل: أرد به الفتن الواقعة في العرب، أولها قتل عثمان واستمرت إلى الآن. أقول: ولم يعرف ما يقع في مستقبل الزمان والله المستعان وعليه التكلان. (أفلح) أي نجا وظفر على المدعي وانتصر على الأعداء. (من كف يده) أي عن الأذى أو ترك القتال إذا لم يتميز الحق من الباطل. أقول: ولعل وجه عدول الشراح عن المعنى الذي قدمته إلى ما ذكروه أن قوله: أفلح من كف يده، يدل على خلاف ذلك فإن وقت خروجهم ليس لأحد طاقة المقاتلة معهم. فمورد هذا الحديث غير الأول فتدبر وتأمل، اللهم إلا أن يقال إن هذا جملة مستقلة والمعنى: أفلح من كف يده عمن قال لا إله إلا الله، إلا بإذن شرعي حكم به وقضاه. (رواه أبو داود) أي بإسناد رجاله رجال الصحيح. والحديث متفق عليه من حديث طويل خلا قوله: قد أفلح من كف يده. نقله ميرك عن التصحيح. وفي الجامع بلفظ المشكاة رواه أبو ٠٠٠ ١٥٠١ (١) الحاكم في المستدرك ٤ / ٤٦٦. الحديث رقم ٥٤٠٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ١١. حديث رقم ٧٠٥٩. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٠٧ حديث رقم (١ - ٢٨٨٠) وأبو داود في السنن ٤٤٩/٤ حديث رقم ٤٢٤٩ والترمذي في السنن ٤١٦/٤ حديث رقم ٢١٨٧. وابن ماجه ١٣٠٥/٢ حديث رقم ٣٩٥٣. وأحمد في المسند ٤٤١/٢. ك بلورة ٣٧ كتاب الفتن ٥٤٠٥ _ (٢٧) وعن المقداد بن الأسود، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ لَ يقول: ((إِن السعيد لمن جُنّبَ الفتَن، إن السعيد لمن جُنّب الفتن، إن السعيد لمن جُنِّبَ الفتن؛ ولمن ابتلي فصبر فواها». رواه أبو داود. داود والحاكم(١)، وفيه أيضاً حديث: ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره، رواه أحمد والنسائي والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد(٢). وفيه أيضاً: ويل لأمتي من علماء السوء. رواه الحاكم في تاريخه عن أنس(٣). ٥٤٠٥ - (وعن المقداد بن الأسود) قال المؤلف: هو ابن عمرو الكندي، وذلك أن أباه حالف كندة فنسب إليها وإنما سمي ابن الأسود لأنه كان حليفه أو لأنه كان في حجره. وقيل: بل كان عبداً فتبناه وكان سادساً في الإِسلام. (قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: إن السعيد لمن) باللام المفتوحة للتأكيد في خبر إن، أي للذي (جنب) بضم الجيم وتشديد النون المكسورة، أي بعد. (الفتن) منصوب على أنه مفعول ثان. ومنه ما ورد من الدعاء: اللهم جنبنا الشيطان. وقيل: إنه منصوب بنزع الخافض. أي بعد عنها. (إن السعيد لمن جنب الفتن إن السعيد لمن جنب الفتن) كررها ثلاثاً للمبالغة في التأكيد. ويمكن أن يكون التكرار باعتبار أول الفتن وآخرها. (ولمن ابتلي) اللام للابتداء، أي لمن امتحن بتلك الفتن. (فصبر) أي على أذاهم ولم يحاربهم في ذلك الزمن. (فواهاً) [بالتنوين ]اسم صوت وضع موضع المصدر سد مسد فعله ذكره الطيبي [رحمه الله]: وقال ابن الملك: معناه التلهف وقد يوضع موضع الإعجاب بالشيء والاستطابة له، أي ما أحسن وما أطيب صبر من صبر. وقيل: معناه فطوبى له. وفي النهاية. قيل: معنى هذه التلهف وقد يوضع موضع الإعجاب بالشيء، يقال: وأهاً له. وقد يرد بمعنى التوجع. وقيل: يقال في التوجع آهاً له. قال الطيبي [رحمه الله ]: ويجوز أن يكون فواهاً خبراً لمن والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، فعلى هذا فيه معنى التعجب، أي من ابتلى فصبر فطوبى له، وأن لا يكون خبراً على أن اللام مفتوحة ويكون قوله: ولمن ابتلي، عطفاً على قوله: لمن جنب الفتن، فعلى هذا واهاً للتحسر، أي فواهاً على من باشرها وسعى فيها. اهـ. ويؤيده ما في الجامع بلفظ: ((إن السعيد لمن جنب الفتن ولمن ابتلي فصبر))(٤). وقيل: اللام مكسورة ويكون فواهاً بمعنى التعجب، أي ولمن ابتلي فصبر يجب أن يتعجب من حاله. هذا وفي القاموس: واهاً ويترك تنوينه كلمة تعجب من طيب شيء وكلمة تلهف، أي من تلف شيء. (رواه أبو داود). (١) الجامع الصغير ٢/ ٥٧٣ حديث رقم ٩٦٤٧. (٢) ٥٧٣/٢ حديث رقم ٩٦٥٨. ولم يذكر النسائي. والحديث أخرجه الترمذي في سننه حديث رقم (٣١٦٤) وأحمد في المسند (٧٥/٣). (٣) الجامع الصغير ٢/ ٥٧٣ حديث رقم ٩٦٥٤. الحديث رقم ٥٤٠٥ : أخرجه أبو داود في السنن ٤ / ٤٦٠ حديث رقم ٤٢٦٣. (٤) الجامع الصغير ١٢٣/١ حديث رقم ٢٠٠٩ والحديث أخرجه أبو داود ٤ / ٤٦٠ حديث رقم ٤٢٦٣. ٣٨ ٤٥٠/ ٢٥ کتاب الفتن ٥٤٠٦ - (٢٨) وعن ثوبان، قال: قال رسول الله وَ له: ((إِذا وضِع السيف في أُمَّتي لم يرفع عنها إِلى يوم القيامة، ولا تقومُ الساعة حتى تلحق قبائلُ من أُمَّتي بالمشركين، وحتى تَعْبُدَ قبائلُ من أُمتي الأوثان، وإِنَّه سيكون في أُمَّتي كذَّابون ثلاثون، كلُّهم يزعم أنَّه نبيُّ الله، وأنا خاتم النبيين، لا نبيَّ بعدي، ولا تزالُ طائفةٌ من أُمَّتي على الحق ظاهرين، لا يضرُّهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله)). رواه أبو داود والترمذي. ٥٤٠٧ - (٢٩) وعن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ وَّر قال: ((تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثین ٥٤٠٦ _ (وعن ثوبان، قال: قال رسول الله يقول: إذا وضع السيف في أمتي) أي من بعضهم لبعض (لم يرفع عنها إلى يوم القيامة) وقد ابتدىء في زمن معاوية وهلم جراً لا يخلو عنه طائفة من الأمة فصدق في أخباره إمام الأئمة. ثم الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ [الأنعام - ٦٥]. وتحقيقه في الأحاديث المنثورة في تفسير الدر المنثور. (ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين) منها ما وقع بعد وفاته وَّر في خلافة الصديق رضي الله عنه. (وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان) أي الأصنام حقيقة. ولعله يكون فيما سيأتي، أو معنى ومنه: ((تعس عبد الدينار وعبد الدرهم))(١). (وإنه) أي الشأن (سیکون في أمتي کذابون) أي في دعوتهم النبوّة (ثلاثون) أي هم أو عددهم ثلاثون (كلهم يزعم) أفرد للفظ كل (أنه نبي الله وأنا خاتم النبيين) بكسر التاء وفتحها والجملة حالية. وقوله: (لا نبي بعدي) تفسير لما قبله (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق) خبر لقوله: لا تزال، أي ثابتين على الحق علماً وعملاً. (ظاهرين) أى غالبين على أهل الباطل ولو حجة. قال الطيبي [رحمه الله ]: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر وأن يكون حالاً من ضمير الفاعل في ثابتين. أي ثابتين على الحق في حالة كونهم غالبين على العدوّ. (لا يضرهم من خالفهم) أي لثباتهم على دينهم (حتى يأتي أمر الله) متعلق بقوله: لا تزال. (رواه أبو داود والترمذي) وكذا ابن ماجه، ذكره السيد جمال الدين [رحمه الله]. وفي الجامع: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون. رواه الشيخان عن المغيرة (٢). ٦٢٢٧٥ ٥٤٠٧ - (وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ◌َّر: تدور رحى الإسلام) أي تستقر وتستمر دائرة رحى الإِسلام ويستقيم دورانها على وجه النظام، أو يبتدىء دوران دائرة الحرب وتزلزله وحركاته وسكناته في الإسلام. (لخمس وثلاثين) أي لوقت خمس وثلاثين من الحديث رقم ٥٤٠٦: أخرجه أبو داود ٤/ ٤٥١ حديث رقم ٤٢٥٢. وأخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٤٢٤ حديث رقم ٢٢٠٢. وابن ماجه ١٣٠٤/٢ حديث رقم ٣٩٥٢. وأحمد في المسند ٢٧٨/٥. (١) البخاري في صحيحه وراجع الحديث (٥١٦١). (٢) الجامع الصغير ٥٧٩/٢ حديث رقم ٩٧٧٣. الحديث رقم ٥٤٠٧: أخرجه أبو داود في السنن ٤٥٣/٤ حديث رقم ٤٢٥٤. وأحمد في المسند ٣٩٠/١. 5 9 ٣٩ كتاب الفتن أو ستّ وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإِن يهلكوا فسبيلُ من هلك، وإِنْ يَقُمْ لهم دينُهم يقم لهم سبعين عاماً)). ابتداء ظهور دولة الإسلام وهي زمن هجرة خير الأنام وبانتهاء المدة تنقضي خلافة الخلفاء الثلاثة بلا خلاف بين الخاص والعام، إذ بعدها مقتل عثمان رضي الله عنه (أو ست وثلاثين) وفيه قضية الجمل (أو سبع وثلاثين) وفيه وقعة صفين، وأو فيها للتنويع أو بمعنى بل. فإن الأمر فيهما أهون مما بعدهما لا سيما أمر الإِسلام ونظام الأحكام وظهور الصحابة والعلماء الأعلام. ولهذا قال: (فإن يهلكوا) أي إن اختلفوا بعد ذلك واستهانوا في أمر الدين واقترفوا المعاصي (فسبيل من هلك) أي فسبيلهم سبيل من هلك من الأمم الماضية الذين زاغوا عن الحق في اختلافهم وزيغهم عن الحق ووهنهم في الدين. وسمى أسباب الهلاك والاشتغال بما يؤدّي إليه هلاكاً هذا مجمل الكلام. وأما تفصيل المرام فقال الخطابي: دوران الرحى، كناية عن الحرب والقتال شبهها بالرحا الدوّارة التي تطحن الحب لما يكون فيها من تلف الأرواح وهلاك الأنفس. قال الشاعر: * فدارت رحانا واستدارت رجاهم * قلت : هو معنى ما قال غيره: فيوماً علينا ويوماً لنا فيوماً نساء ويوماً نسر وقال تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ [آل عمران - ١٤٠]. ثم الرحا وإن كان فيها ما ذكر من تلف الأرواح وهلاك الأنفس لكن فيها أيضاً قوة الأشباح وقوة الأرواح. قال التوربشتي [رحمه الله ]: إنهم يكنون عن اشتداد الحرب بدوران الرحى، ويقولون: دارت رحا الحرب، أي استتب أمرها ولم تجدهم استعملوا دوران الرحا في أمر الحرب من غير جريان ذكرها، أو الإشارة إليها. وفي هذا الحديث لم يذكر الحرب وإنما قال: رحى الإِسلام، فالأشبه أنه أراد بذلك أن الإسلام يستتب أمره ويدوم على ما كان عليه المدة المذكورة في الحديث. ويصح أن يستعار دوران الرحى في الأمر الذي يقوم لصاحبه ويستمر له، فإن الرحى توجد على نعت الكمال ما دامت دائرة مستمرة. ويقال: فلان صاحب دارتهم إذا كان أمرهم يدور عليه، ورحى الغيث معظمه. ويؤيد ما ذهبنا إليه ما رواه الحربي في بعض طرقه: تزول رحى الإِسلام مكان تدور، ثم قال: كأن تزول أقرب، لأنها تزول عن ثبوتها واستقرارها. وأشار بالسنين الثلاث إلى الفتن الثلاث، مقتل عثمان رضي الله عنه وكان سنة خمس وثلاثين وحرب الجمل وكانت سنة ست وحرب صفين وكانت سنة سبع فإنها كانت متتابعة في تلك الأعوام الثلاثة. (وإن يقم لهم دينهم) أي وإن صفت تلك المدد ولم يتفق لهم اختلاف وخور في الدين وضعف في التقوى. (يقم لهم سبعين عاماً) تتمادى بهم قوّة الدين واستقامة أمره سبعين سنة. وقد وقع المحذور في الموعد الأول ولم يزل ذلك كذلك إلى الآن. قال الخطابي: أراد بالدين الملك. قال: ويشبه أن يكون أراد بهذا ملك بني أمية وانتقاله عنهم إلى بني العباس، وكان ما بين استقرار الملك لبني أمية إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان وضعف أمر i ،جود ٤٠ كتاب الفتن قلت: أمما بقي أو مما مضى؟ قال: ((مما مضى)). رواه أبو داود. الفصل الثالث ٥٤٠٨ - (٣٠) عن أبي واقد الليثي: أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ لمَّا خرِجَ إِلى غزوة حُنين بني أمية ودخل الوهن فيه نحواً من سبعين سنة. قال التوربشتي: يرحم الله أبا سليمان فإنه لو تأمل الحديث كل التأمل وبنى التأويل على سياقه لعلم أن النبي ◌َّ# لم يرد بذلك ملك بني أمية دون غيرهم من الأمة، بل أراد به استقامة أمر الأمة في طاعة الولاة وإقامة الحدود والأحكام وجعل المبدأ فيه أول زمان الهجرة وأخبرهم أنهم يلبثون على ما هم عليه خمساً وثلاثين [أو ستاً وثلاثين] أو سبعاً وثلاثين ثم يشقون عصا الخلاف، فتفرق كلمتهم فإن هلكوا فسبيلهم سبيل من قد هلك قبلهم، وإن عاد أمرهم إلى ما كان عليه من إيثار الطاعة ونصرة الحق يتم لهم ذلك إلى تمام السبعين هذا مقتضى اللفظ ولو اقتضى اللفظ أيضاً غير ذلك لم يستقم لهم ذلك القول، فإن الملك في أيام بعض العباسية لم يكن أقل استقامة منه في أيام المروانية، ومدة إمارة بني أمية من معاوية إلى مروان بن محمد كانت نحواً من تسع وثمانين سنة، والتواريخ تشهد له مع أن بقية الحديث ينقض كل تأويل يخالف تأويلنا، هذا وهي قول ابن مسعود. (قلت:) أي يا رسول الله (أو مما بقي أو مما مضى) يريد أن السبعين تتم لهم مستأنفة بعد خمس وثلاثين، أم تدخل الأعوام المذكورة في جملتها. (قال: مما مضى) يعني يقوم لهم أمر دينهم إلى تمام سبعين سنة من أوّل دولة الإِسلام لا من انقضاء خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين إلى انقضاء سبعين. وفي جامع الأصول قيل: إن الإِسلام عند قيام أمره على سنن الاستقامة والبعد من إحداثات الظلمة إلى أن ينقضي مدة خمس وثلاثين سنة، ووجهه أن يكون قد قاله، وقد بقيت من عمره ولقد خمس سنين أو ست فإذا انضمت إلى مدة خلافة الخلفاء الراشدين وهي ثلاثون سنة كانت بالغة ذلك المبلغ، وإن كان أراد سنة خمس وثلاثين من الهجرة ففيها خرج أهل مصر وحصروا عثمان رضي الله عنه، وإن كان سنة ست وثلاثين ففيها كانت وقعة الجمل، وإن كانت سنة سبع وثلاثين ففيها كانت وقعة صفین. (رواه أبو داود). ٠٫٠٫٢٠ (الفصل الثالث) ٥٤٠٨ - (عن أبي واقد الليثي) قال المؤلف: هو الحارث بن عوف قديم الإِسلام عداده في أهل المدينة وجاور بمكة سنة ومات بها ودفن بفج. (أنَّ رسول الله وَيرٍ لما خرج إلى غزوة حنين) أي بعد فتح مكة ومعه بعض من دخل في الإِسلام حديثاً ولم يتعلم من أدلة الأحكام آية الحديث رقم ٥٤٠٨: أخرجه البخاري في صحيحه. حديث رقم ٧٣١٩. وأخرجه الترمذي في السنن ٤١٢/٤ حديث رقم ٢١٨٠. وابن ماجه ١٣٢٢/٢ حديث رقم ٣٩٩٤. وأحمد في المسند ٥٪ ٣٤٠. ، ،3