النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف فقلتُ: إِن أباك واللَّهِ كان خيراً من أبي. رواه البخاري. ٥٣٥٨ - (٢٠) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلاير: ((أمرني ربي بتسع: خشيةٍ اللَّهِ في السرّ والعلانية وكلمةِ العدلِ في الغضب والرضى، والقصدِ في الفقرِ والغنى، وأن أَصِلَ من قطعني، وأعطي من حرمني، وأَعْفُوَ عمَّن ظلمني، وأما من بعدهم فطاعاتهم المشحونة بالغرور والعجب والرياء أسباب للمعاصي ووسائل لعقوبات العاصي غالباً إلا أن يتفضل الله برحمته وعين عنايته بأن يلحق المسيئين بالمحسنين. بل قال بعض العارفين: معصية أورثت ذلاً واستصغاراً خير من طاعة أورثت عجباً واستكباراً. (فقلت: إن أباك) أي عمر (والله كان خيراً من أبي) أي أبي موسى في كل شيء، فهذا كذلك لأن كلام السادات سادات الكلام، وكيف وهو الناطق بالصواب والفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل من كل باب والموافق رأيه نزول الكتاب وقد طابق قوله حديثه وَلير: أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له. وقال سبحانه وتعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء) [فاطر - ٢٨ ]. هذا وقال الطيبي [رحمه الله]: قوله: لوددت، خبر لكني مع اللام وهو ضعيف. ويجوز أن يكون لوددت جواب القسم والجملة القسمية خبر لكني على التأويل. قلت: بل الحديث حجة الكوفيين. ففي المغني ولا يدخل اللام في خبر لكن خلافاً للكوفيين احتجوا بقوله: * ولكنني من حبها لعميد* وخرج على زيادة اللام أو على أن الأصل لكن [إنني ثم ]حذفت الهمزة تخفيفاً ونون لكن للساكنين. قلت: هذه كلها تكلفات بعيدة وتعسفات مزيدة ما أنزل الله بها من سلطان ولا دليل ولا برهان. فالصواب أنها للتأكيد كما جوز في بعض أخوات لكن على القياس السديد، لا سيما وقد ورد على لسان الأوحدي من فصحاء العرب بإسناد هو أصح الأسانيد. (رواه البخاري) ثم من أعجب الغرائب وأغرب العجائب أنه لو حكى من طريق الأصمعي ونحوه أن أعرابياً ممن يبول على عقبيه تكلم بمثله نثراً أو نظماً أخذ النحاة به وجعلوه أصلاً ممهداً وأساساً مؤيداً. فصدق من قال: إن أدلة الصرفيين والنحويين كنارات بيت العنكبوت فتارة تطرد وتارة تفوت . ٥٣٥٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويلي: أمرني ربي بتسع) أي خصال (خشية الله) بالجر ويجوز اخشاه أي خوفه المقرون بالعظمة. (في السر والعلانية) أي في القلب والقالب أو في الخلا والملا (وكلمة العدل في الغضب والرضا) بالقصر، أي في الحالين. (والقصد) أي الاقتصاد في المعيشة أو التوسط بين الصبر والشكر غير خارج عنهما بالجزع والطغيان. (في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني) أي من ذوي الأرحام أو غيرهم، وهذا غاية الحلم ونهاية التواضع. (وأعطي من حرمني) وهذا لكمال الكرم والجود (وأعفو عمن ظلمني) أي مع قدرتي على الانتقام وهذا نتيجة الصبر وقضية الشكر ورعاية الإحسان والرحمة على أفراد الحديث رقم ٥٣٥٨: رواه رزين. ٥٤٢ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونَظَري عبرةً، وأمر بالعرفِ)) وقيل: ((بالمعروف)). رواه رزین. ٥٣٥٩ _ (٢١) وعن عبدِ اللَّهِ بن مسعود، قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((ما من عبدٍ مؤمنٍ يخرجُ من عينيه دموعٌ وإِن كانَ مثلَ رأس الذباب من خشية الله، ثُمَّ يصيبُ شيئاً من حُرِّ وجهه إِلاَّ حرَّمه الله على النار)) رواه ابن ماجه. الإِنسان (وأن يكون صمتي فكراً) أي في أسمائك وصفاتك ومصنوعاتك ومعاني آياتك. (ونطقي ذكراً) أي بتسبيحك وتحميدك وتقديسك وتمجيدك وتكبيرك وتوحيدك وتلاوة كتابك وموعظة عبادك. (ونظري عبرة) [أي ]في الآفاق والأنفس وملكوت السموات والأرض (وآمر بالعرف. وقيل: بالمعروف) أي بدلاً عن العرف بالضم والسكون ولم يقل: وأنهي عن المنكر، اكتفاء أو العرف يشمل المعروف في الشرع ارتكاباً واجتناباً. قال الطيبي [رحمه الله]: ذكر تسعاً وأتى بعشرة، فالوجه أن يحمل العاشر وهو الأمر بالمعروف على أنه مجمل عقب التفصيل لأن المعروف هو اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه والإِحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، كأنه قيل: أمرني ربي بأن اتصف بهذه الصفات وآمر غيري بالإتصاف بها. فالواوات كلها عطفت المفرد على المفرد. وفي قوله: وآمر بالمعروف، عطفت المجموع من حيث المعنى على المجموع بحسب اللفظ، ونحوه في التفرقة بين الواوين قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور﴾ [فاطر - ١٩ -، ٢٠ -، ٢١]. (رواه رزین). ٥٣٥٩ - (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ويلهو: ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه) أي أو من أحدهما (دموع) أي دمعات أقلها ثلاث (وإن كان) أي الخارج أو كل دمع (مثل رأس الذباب) أي كمية أو كيفية (من خشية الله ثم يصيب) بالرفع وقيل بالنصب، أي يصل الدمع. (شيئاً من حر وجهه) بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين أي خالصة. ففي القاموس: حر الوجه ما أقبل عليك وبدا لك منه. (إلا حرمه الله على الله) وضمير لمفعول راجع إلى العبد المؤمن الموصوف ويمكن أن يرجع إلى حر وجهه فيكون كناية عن تحريم ذاته والله [تعالى ]أعلم. (رواه ابن ماجه) وفي الجامع بلفظ: ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه من الدموع مثل رأس الذباب من خشية الله فيصيب حر وجهه فتمسه النار أبداً. رواه ابن ماجه عن ابن مسعود(١). الحديث رقم ٥٣٥٩: أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٠٤ حديث رقم ٤١٩٧. (١) الجامع الصغير ٤٩٣/٢ حديث رقم ٨٠٧٥. ٥٤٣ کتاب الرقاق/ باب تغیر الناس (٧) باب تغير الناس ، ای۔۔ الفصل الأول ٥٣٦٠ _ (١) عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((إِنما النَّاسُ كالإِبل المائة، لا تکاد تجدُ فيها راحلة». (باب تغير الناس) أي بتغير الزمان على ما هو المتبادر الموافق لمضمون أكثر أحاديث الباب. أو المراد بالتغير اختلاف حالاتهم ومراتبهم في منازلاتهم الشاملة لتغير أزمنتهم، وعليه ظاهر الحديث الأوّل من الفصل الأوّل فتأمل. (الفصل الأوّل) ٥٣٦٠ - (عن ابن عمر قال: قال رسول الله (4 *: إنما الناس) أي في اختلاف حالاتهم وتغير صفاتهم. (كالإِبل المائة) قال الطيبي [رحمه الله تعالى]: اللام فيهما للجنس. قال التوربشتي [رحمه الله تعالى]: الرواية فيه على الثبت كابل مائة بغير ألف ولام فيهما. (لا تكاد) أي لا تقرب أيها المخاطب خطاباً عاماً (تجد فيها) أي في مائة من الإِبل (راحلة) أي ناقة شابة قوية مرتاضة تصلح للركوب. فكذلك لا تجد في مائة من الناس من يصلح للصحبة وحمل المودة وركوب المحبة، فيعاون صاحبه ويلين له جانبه. وهذا زبدة كلام الشارح الأول ومن تابعه من شراح المصابيح. وقال الخطابي: معناه أن الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف ولا لرفيع منهم على وضيع كابل المائة لا يكون فيها راحلة. قال الطيبي [رحمه الله]: على القول الأول لا تجد فيها راحلة صفة لا، بل والتشبيه مركب تمثيلي. وعلى الثاني هو وجه الشبه وبيان لمناسبة الناس للإبل. قلت: ولا يخفى ظهور المعنى الأول فتدبر وتأمل. وخلاصته أن المرضى المنتخب من الناس الصالح للصحبة سهل الانقياد عسر وجوده كالنجيبة الصالحة للركوب التي لا توجد في الإِبل الكثيرة القوية على الأحمال والأسفار، فذكر المائة [للتكثير ]لا للتحديد. فإن وجود العالم العامل المخلص من قبيل الكيمياء أو من باب تسمية العنقاء، ولذا قال بعض العرفاء: أتمنى على الزمان محالاً أن ترى مقلتاي طلعة حر الحديث رقم ٥٣٦٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٣/١١. حديث رقم ٦٤٩٨. ومسلم في صحيحه ٤/ ١٩٧٣ حديث رقم (٢٣٢. ٢٥٤٧). والترمذي في السنن ١٤١/٥ حديث رقم ٣٨٧٢. وابن ماجه ١٣٢١/٢ حديث رقم ٣٩٩٠. وأحمد فى المسند ٢/ ٧٠. 5جوي 9. * عبد ، کتاب الرقاق/ باب تغیر الناس ٥٤٤ متفق عليه . ٥٣٦١ _ (٢) وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّر: ((لَتَتَّبِعُنَّ سُننَ مَنْ قبلكم، شبراً بشبرٍ، وذراعاً بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبّ تَبعتُموهمْ)). ٢٠٤٠٠٠ وقال الآخر : فهو المراد وأين ذاك الواحد وإذا صفالك من زمانك واحد وكان يقول بعض أرباب الحال: هذا زمان قحط الرجال، ورُوِيّ أن سهلاً التستري خرج من مسجد ورأى خلقاً كثيراً في داخله وخارجه فقال: أهل لا إله إلا الله كثير والمخلصون [منهم ]قليل. وقد نبه سبحانه على هذا المعنى في آيات منها قوله تعالى: ﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ - ١٣]. ومنها: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم﴾ [ص - ٢٤]. ومنها قوله [تعالى ]في وصف السابقين المقربين: ﴿ثلة من الأولين وقليل من الآخرين﴾ [الواقعة - ١٣ - ١٤]. (متفق عليه) ورواه الترمذي، وهذا لفظ البخاري نقله ميرك عن التصحيح. وفي الجامع بلفظ: إنما الناس كابل مائة. بالتنكير، رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه . ٥٣٦١ - (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَلته: لتتبعن) بتشديد التاء الثانية وضم العين، أي لتوافقن بالتبعية. (سنن من قبلكم) بضم السين جمع سنة، وهي لغة الطريقة حسنة كانت أو سيئة. والمراد هنا طريقة أهل الأهواء والبدع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بعد أنبيائهم من تغير دينهم وتحريف كتابهم، كما أتى على بني إسرائيل: حذو النعل بالنعل. وفي بعض النسخ بفتح السين. ففي المقدمة: أي طريقهم. (شبراً بشبر) حال مثل يداً بيد وكذا قوله: (ذراعاً بذراع) أي ستفعلون مثل فعلهم سواء بسواء، (حتى لو دخلوا) أي من قبلكم من بني إسرائيل (حجر ضب) وهو من أضيق أنواع الحجر وأخبثها (تبعتموهم) ولعل الحكمة في ذلك أنه ﴿ لما بعث لإتمام مكارم الأخلاق في آخر الأمم فيقتضي أن يكون أهل الكمال منهم، موصوفين بجميع الخصال الحميدة في الأديان المتقدمة، ومن لوازم ذلك أن يكون أهل النقصان منهم في كمال مرتبة القصور منعوتين بجميع الخلال الذميمة الكائنة في الأمم السابقة . ونظيره أن بعض المشايخ ذكر أنه ارتاض بجميع ما سمع من رياضات أرباب الولايات فأعطى له جميع أصناف الكرامات وخوارق العادات، ويناسبه ما ذكره بعض المحققين من أن التوقف لا يوجد في حق الإِنسان فإن لم يكن في الزيادة فهو في النقصان. وأيضاً نوع بني آدم معجون مركب من الطبع الملكي الروحاني العلواني ومن الطبع الحيواني النفساني السفلاني فإن كان يميل إلى العلو فيصير إلى المرتبة الأولى من الملأ الأعلى وإن كان يميل إلى أسفل فيسير في طريقته من مراتب البهائم أدنى، كما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾ ٢٢٧٥ الحديث رقم ٥٣٦١: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٩٥/٦. حديث رقم ٣٤٥٦. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٥٤ حديث رقم (٢٦٦٩/٦). وأحمد في المسند ٥١١/٢. ٥٤٥ کتاب الرقاق/ باب تغیر الناس قيل: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟)). متفق عليه. ٥٣٦٢ - (٣) وعن مرداس الأسلمي، قال: قال النبي وثلاثون: ((يذهب الصالحون، الأول فالأول، وتبقى حُفالة كحفالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالةً)). رواه البخاري. [الأعراف - ١٧٩]. وهنا ينفتح باب القضاء والإخلاص إلى القضاء إلا بقوله: ﴿لا يسأل عما يفعل ﴾ [الأنبياء - ٢٣]. فتأمل. (قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى) بالنصب، أي أتعني بمن نتبعهم أو بمن قبلنا سنة اليهود والنصارى (قال:) أي النبي وَلّر (فمن) أي إن لم أردهم فمن سواهم والمعنى أنهم الغالبون المشهورون من أهل الكتاب وغيرهم مندرسون، فإذا أطلق من قبلكم فهم المراد وكأن غيرهم غير موجودين في الاعتبار عند الإطلاق. وقال شارح: فمن استفهام، أي فمن يكون غيرهم يعني المتبوعين لكم هم لا غيرهم. وقال ابن الملك: روى اليهود بالجر، أي هل نتبع سنن اليهود، وبالرفع على أنه خبر المبتدأ على تقدير حرف الاستفهام يعني من قبلنا هم اليهود انتهى. وقيل: التقدير أي المتبوعون هم اليهود والنصارى أم غيرهم. (متفق عليه) ورواه الحاكم عن ابن عباس ولفظه: لتركبن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته . (1) بالطريق لفعلتموه" ٥٣٦٢ - (وعن مرداس) بكسر الميم (الأسلمي) كان من أصحاب الشجرة يعد في الكوفيين روى عنه قيس بن أبي حازم حديثاً واحداً ليس له غيره. (قال: قال النبي) وفي نسخة صحيحة: رسول الله (3*1: يذهب) أي يموت (الصالحون الأوّل فالأوّل) بالرفع بدل من الصالحون وبالنصب حال أي واحداً بعد واحد أو قرناً بعد قرن (وتبقى حفالة) بضم الحاء المهملة، حثالة. بالثاء المثلثة بدل الفاء. ومعناهما الرديء من الشيء، والتنكير في حفالة للتحقير (كحفالة الشعير) أي نخالته (أو التمر) أي دقله. قال الطيبي [رحمه الله ]: الفاء للتعقيب ولا بد من التقدير أي الأوّل منهم فالأوّل من الباقين منهم، وهكذا حتى ينتهي إلى الحفالة مثل الأفضل فالأفضل. قال القاضي: الحفالة رذالة الشيء وكذا الحثالة والفاء والثاء يعاقبان كثيراً. (لا يباليهم الله) أي لا يرفع لهم قدراً ولا يقيم لهم وزناً (بالة) أي مبالاة فيكون محذوف الميم والألف لكونها من الزوائد كما قيل في لبيك، فإنه مأخوذ من ألب بالمكان أقام به وأصل بالة بالية مثل عافاة الله عافية فحذفوا الياء منها تخفيفاً. يقال: ما باليته وما باليت به ومنه، أي لم أكترث به. وقيل: بالة بمعنى حالة، أي لا يبالي الله حالة من أحواله ومنه البال بمعنى الحال. (رواه البخاري) وكذا الإمام أحمد. i i ٠ ٠٠ د هم بد (١) الحاكم في المستدرك ٤٥٥/٤. الحديث رقم ٥٣٦٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٥١/١١. حديث رقم ٦٤٣٤. هيويد - ٥٤٦ کتاب الرقاق/ باب تغیر الناس الفصل الثاني ٥٣٦٣ - (٤) عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسول الله وَّ: ((إِذا مشت أُمَّتِي المُطَيطِياء وخَدَمَتْهُمْ أبناءُ الملوك أبناء فارس والروم، سلَّط الله شرارَها على خيارِها». رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ. ٥٣٦٤ - (٥) وعن حُذَيفةَ، أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تقتلوا إِمامكم، وتجتلدوا بأسیافکم، ویرَث دنیاکم شرارُکم». رواه الترمذي. ٥٣٦٥ _ (٦) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ (الفصل الثاني) ٥٣٦٣ - (عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلقه: إذا مشت أمتي المطيطيا) بضم الميم وفتح المهملة الأولى وكسر الثانية ممدودة وتقصر بمعنى التمطي وهو المشي فيه التبختر ومد اليدين. ويروى بغير الياء الأخيرة وهو لفظ الجامع، ونصبه على أنه مفعول مطلق أي مشي تبختر. وقيل: إنه حال، أي إذا صاروا في نفوسهم متكبرين وعلى غيرهم متجبرين. (وخدمتهم) وفي الجامع: خدمها، وهو الأنسب بالسابق واللاحق. والمعنى: قام بخدمتهم وإنقاد في حضرتهم. (أبناء الملوك أبناء فارس والروم) بدل مما قبله وبيان له (سلط الله شرارها) ولفظ الجامع: سلط شرارها. أي ظلمة الأمة (١). (على خيارها) أي مظلومهم. قال الشراح: وهذا الحديث من دلائل نبوته ونَ﴿ لأنه أخبر عن المغيب ووافق الواقع خبره، فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم وأخذوا أموالهم وتجملاتهم وسبوا أولادهم فاستخدموهم سلط الله قتلة عثمان رضي الله عنه عليه حتى قتلوه، ثم سلط بني أمية على بني هاشم ففعلوا ما فعلوا وهكذا. (رواه الترمذي) وكذا ابن حبان، ذكره ميرك. (وقال:) أي الترمذي (هذا حديث غریب). ٥٣٦٤ - (وعن حذيفة أن النبي ◌َّلي قال: لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم) أي الخليفة أو السلطان (وتجتلدوا) أي تتضاربوا (بأسيافكم ويرث دنياكم شراركم) بأن يصير الملك والمال والمناصب في أيدي الظلمة وغير أرباب الاستحقاق (رواه الترمذي). ٥٣٦٥ - (وعنه) أي عن حذيفة (قال: قال رسول الله وَلاقى: لا تقوم الساعة حتى يكون الحديث رقم ٥٣٦٣: أخرجه الترمذي في السنن ٤٥٦/٤ حديث رقم ٢٢٦١. (١) الجامع الصغير ٥٩/١ حديث رقم ٨٦٧. الحديث رقم ٥٣٦٤: أخرجه الترمذي ٤٠٧/٤ حديث رقم ٢١٧٠. وابن ماجه في السنن ١٣٤٢/٢ حديث رقم ٤٠٤٣ وأحمد في المسند ٣٨٩/٥. الحديث رقم ٥٣٦٥: أخرجه الترمذي في السنن ٤٢٧/٤ حديث رقم ٢٢٠٩. وأحمد في المسند ٣٨٩/٥. ALmR. w.aLLE. Fuge ** * ٥٤٧ کتاب الرقاق/ باب تغیر الناس أسعد الناس بالدنيا لُكعُ بنُ لُكع)). رواه الترمذي، والبيهقي في ((دلائل النبوة)). أسعد الناس) بنصب أسعد ويرفع، أي أكثرهم مالاً وأطيبهم عيشاً وأرفعهم منصباً وأنفذهم حكماً. (بالدنيا) أي بأمورها أو فيها (لكع بن لكع) بضم اللام وفتح الكاف غير مصروف، أي لئيم بن لئيم، أي رديء النسب دنيء الحسب. وقيل: أراد به من لا يعرف له أصل ولا يحمد له خلق، وحذف ألف ابن لإجراء اللفظين مجرى علمين لشخصين خسیسین لئيمين. قال ابن الملك [رحمه الله ]: في بعض النسخ بنصب أسعد على أنه خبر يكون وفي بعضها برفعه على أن الضمير في يكون للشأن والجملة بعده تفسير للضمير المذكور انتهى. ولا يجوز أن يكون أسعد اسماً ولكع بنصب على الخبرية لفساد المعنى كما لا يخفى، فلا يغرك ما في بعض النسخ من نصب لكع فإنه مخالف للرواية والدراية. وقد اقتصر شارح على نصب أسعد وقال: لكع بالرفع اسم يكون وهو الأحمق. وقيل: العبد وهو معدول عن اللكع. يقال: لكع الوسخ عليه لكعاً فهو لكع إذا ألصق به، وللرجل اللئيم كما عدلت لكاع المرأة اللئيمة، ثم استعمل للأحمق والعبد لما فيه من الذلة وللجحش لما فيه من الخفة، وللصبي لما فيه من الضعف. ويقال للذليل الذي تكون نفسه كالعبيد. وأريد به ههنا الذي لا يعرف له أصل ولا يحمد له خلق انتهى. وبهذا ظهر معنى قوله ﴿﴿ في حق الحسن بن علي رضي الله (تعالى )عنهما: أثم لكع. وحاصله أنه يطلق على الصغير قدراً وجثة بحسب ما يقتضيه المقام من المعنى المناسب للمرام، ولذا قيل: يقال للصبي لكع مصروفاً ذهاباً إلى صغر جثته. ويطلق على العبد واللئيم والأحمق لصغر قدرهم، فإذا عرفت هذا فيصلح أن يراد بلكع كل من هذه المعاني من الصغير والحقير والعبد والأحمق واللئيم. ثم قال بعضهم هو ليس بمعدول وإنما هو مثل صرد ونغر فحقه أن ينون لأنه ليس بمعدول. وفي القاموس: اللكع كصرد اللئيم والعبد والأحمق ومن لا يتجه لمنطق ولا لغيره والمهر والصغير والوسخ. ويقال في النداء: يا لكع ولا يصرف في المعرفة لأنه معدول عن اللكع انتهى. وهذا يؤيد أن يكون لكع هنا مصروفاً. وقال الطيبي [رحمه الله]: وهو غير منصرف للعدل والصفة. (رواه الترمذي) أي في سننه (والبيهقي في دلائل النبوة) وكذا أحمد والضياء. وروى أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان عن أنس مرفوعاً: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد))(١). وروى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة: لا تقوم الساعة حتى يكون الزهد رواية والورع تصنعاً (٢). وروى أحمد ومسلم عن ابن مسعود: لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس(٣). وروى أبو يعلى الموصلي والحاكم عن أبي سعيد: ((لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت))(٤). وروى السجزي عن ابن عمر: لا تقوم الساعة حتى يرفع الذكر والقرآن(٥). وروى الطبراني عن ابن عمرو: لا تقوم الساعة حتى يخرج (١) أبو داود في السنن ٣١١/١ حديث رقم ٤٤٩. وابن ماجه حديث رقم ٧٣٩. والنسائي حديث رقم ٦٨٩. (٣) راجع الحديث رقم (٩٨٥٤). (٢) حلية الأولياء ١١٩/٣. (٤) الحاكم في المستدرك ٤٥٣/٤. (٥) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ((بلفظ)) ((الركن والقرآن)) ٢/ ٥٨٣ حديث رقم ٩٨٥٤. ١٦٦٠ ... 2m *** ٠.٢٠٠ ٪ ٥٤٨ کتاب الرقاق/ باب تغیر الناس ٥٣٦٦ - (٧) وعن محمد بن كعب القرظي، قال: حدَّثني مَنْ سمعَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: إِنَّا لجلوسٌّ معَ رسولِ اللهِوََّ في المسجدِ، فاطلع علينا مُصعَب ابن عمير، ما عليهِ إِلا بُرذةٌ له مرفوعةٌ بفَروٍ، فلما رآه رسولُ اللَّهِ وَلّ بكى للذي كان فيه من النعمة والذي هو فيه اليوم، سبعون كذاباً(١). وروى أحمد ومسلم والترمذي عن أنس: لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله(٢). وسيأتي في أوّل باب الملاحم من حديث أبي هريرة المشتمل على ثلاث عشرة علامة لقيام الساعة مستوفي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. ٥٣٦٦ - (وعن محمد بن كعب القرظي) بضم قاف وفتح راء فظاء معجمة نسبة إلى بني قريظة طائفة من يهود المدينة، شرفها الله. ذكره المصنف في التابعين وقال: سمع نفراً من الصحابة ومنهم محمد بن المنكدر وغيره. وكان أبوه ممن لم يثبت يوم قريظة فترك. (قال: حدثني من سمع علي بن أبي طالب رضي الله [تعالى ]عنه) لم يسم هذا السامع لكن تابعي تغفر جهالته مع احتمال كونه صحابياً آخر فتدبر. (قال:) أي علي رضي الله عنه (إنا لجلوس) أي الجالسون (مع رسول الله وَلخي في المسجد) أي مسجد المدينة أو مسجد قباء (فاطلع) بتشديد الطاء أي فظهر (علينا مصعب بن عمير) بضم الميم وفتح العين، وعمير مصغراً. (ما عليه) أي ليس على بدنه (إلا بردة له) أي كساء مخلوط السواد والبياض (مرفوعة بفرو) أي مرقعة بجلد. قال ميرك: هو قرشي هاجر إلى النبي ول﴿ وترك النعمة والأموال بمكة وهو من كبار أصحاب الصفة الساكنين في مسجد قباء. وقال المؤلف: هو عبدري كان من أجلة الصحابة وفضلائهم هاجر إلى أرض الحبشة في أوّل من هاجر إليها ثم شهد بدراً وكان رسول الله بَ ل بعث مصعباً بعد العقبة الثانية إلى المدينة يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وهو أوّل من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة. وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشاً وألينهم لباساً فلما أسلم زهد في الدنيا. وقيل: إنه بعثه النبي ﴿ بعد أن بايع العقبة الأولى فكان يأتي الأنصار في دورهم ويدعوهم إلى الإِسلام فيسلم الرجل والرجلان حتى فشا الإِسلام فيهم، فكتب إلى النبي ◌َّر يستأذنه أن يجمع بهم فأذن له ثم قدم على النبي ◌َّهر مع السبعين الذين قدموا عليه في العقبة الثانية فأقام بمكة قليلاً وفيه نزل: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب - ٢٣]. وكان إسلامه بعد دخول النبي ◌َ ر دار الأرقم. (فلما رآه) أي أبصر مصعباً بتلك الحال الصعباء (رسول الله ◌َي بكى للذي) أي للأمر الذي (كان فيه) أي قبل ذلك اليوم (من النعمة والذي هو فيه) أي وللأمر الذي هو فيه من المحنة والمشقة (اليوم) أي في الوقت الحاضر والظاهر المتبادر أن بكاءه #* إنما كان رحمة له وشفقة عليه لما رآه من فقره وفاقته لا سيما وقد كان عزيزاً في / ١٣٠ (١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٥٨٣/٢ حديث رقم ٩٨٥٥. (٢) راجع الحديث رقم (٥٥١٦). الحديث رقم ٥٣٦٦: أخرجه الترمذي في السنن ٥٥٨/٤ حديث رقم ٢٤٧٦. ٥٤٩ كتاب الرقاق/ باب تغير الناس ثم قال رسول الله وَّر: ((كيفَ بِكمْ إِذا غدا أحدُكم في حُلَّةٍ، وراحَ في حلّة؟ ووُضعِتْ بين يديه صحفة ورفعت أخرى، وسترتم بيوتكم كما تُسْتَرُ الكعبة؟)). فقالوا: يا رسول الله! نحن يومئذ خيرٌ منا اليومَ، نتفرغ للعبادة، ونُكفَى المؤونة. قال: ((لا، أنتم اليومَ خيرٌ منكم يومئذٍ» رواه الترمذي. قومه ومنغمساً في نعمته. لكن ينافيه بعض المنافاة ما وقع له وَلقر مع عمر حيث بكى عمر رضي الله [تعالى ]عنه لما رأى النبي ملف مضطجعاً على حصير سرير ليس بينه وبينه شيء وقد أثر الحصير على بدنه الشريف، وتذكر عمر تنعم كسرى وقيصر فقال له: أأنت في هذا المقام يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة (١). فالأولى أن يحمل البكاء على الفرح في أنه وجد في أمته من اختار الزهد في الدنيا والإقبال على العقبى أو على الحزن في فقد ما عنده من بعض المساعدة لبعض الكسوة أو المعاونة في بعض المعيشة والله [تعالى ]أعلم. ويؤيد تأويلنا نقل الراوي. (ثم قال رسول الله وير: كيف) أي الحال (بكم إذا غدا) أي ذهب أول النهار و(أحدكم في حلة) بضم فتشديد، أي في ثوب أو في إزار ورداء. (وراح) أي ذهب آخر النهار (في حلة) أي أخرى من الأولى. قال ابن الملك: أي كيف يكون حالكم إذا كثرت أموالكم بحيث يلبس كل منكم أول النهار حلة وآخره أخرى من غاية التنعم. (ووضعت بين يديه صحفة) أي قصعة من مطعوم (ورفعت أخرى) أي من نوع آخر كما هو شأن المترفين من طائفة الأروام، وهو كناية عن كثرة أصناف الأطعمة الموضوعة على الأطباق بين يدي المتنعمين من طبقة الأعجام. (وسترتم بيوتكم) بضم الموحدة وكسرها أي جدرانها. والمعنى زينتموها بالثياب النفيسة من فرط التنعم. (كما تستر الكعبة) وفيه إشارة إلى أن سترها من خصوصياتها لامتيازها (فقالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير منا اليوم) وبينوا سبب الخيرية بقولهم مستأنفاً فيه معنى التعليل. (نتفرغ) أي عن العلائق والعوائق (للعبادة) أي بأنفسنا (ونكفى) بصيغة المجهول المتكلم (المؤونة) أي بخدمنا. والواو لمطلق الجمع. فالمعنى ندفع عنا تحصيل القوت لحصوله بأسباب مهيأة لنا فنتفرغ للعبادة من تحصيل العلوم الشرعية والعمل بالخيرات البدنية والمبرات المالية. (قال:) وفي نسخة: فقال. (لا) أي ليس الأمر كما ظننتم (أنتم اليوم خير منكم يومئذ) لأن الفقير الذي له كفاف خير من الغني لأن الغني يشتغل بدنياه ولا يتفرغ للعبادة مثل من له كفاف لكثرة اشتغاله بتحصيل المال. فالحديث صريح في تفضيل [الفقير] الصابر على الغني الشاكر، فإن الغني بالنسبة إلى الصحابة وهم أقوياء إذا كان كذلك فما بال غيرهم من الضعفاء. ويؤيده ما رواه الديلمي في الفردوس عن ابن عمر مرفوعاً: ((ما زويت الدنيا عن أحد إلا كانت خيرة له))(٢). أقول: قوله: عن أحد، على عمومه فإن الكافر الفقير عذابه أخف من الكافر الغني في النار فإذا نفع الفقر الكافر في تلك الدار فكيف لا ينفع المؤمن الصابر في دار القرار. (رواه الترمذي). جم مسمـ (١) راجع الحديث رقم (٥٢٤٠). (٢) مسند الفردوس ٦٨/٤ حديث رقم ٦٢١٣. ٠٠٥:١٠٫٥٠ ٥٥٠ کتاب الرقاق/ باب تغیر الناس ٥٣٦٧ - (٨) وعن أنس، قال: قال رسول الله وَّه: ((يأتي على الناس زمانٌ، الصَّابرُ فيهم على دينه كالقابض على الجمر)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ إِسناداً. ٥٣٦٨ - (٩) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَلّو ((إِذا كان ٥٣٦٧ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَلاير: يأتي على الناس زمان الصابر فيهم) أي في أهل ذلك الزمان (على دينه) أي على حفظ أمر دينه بترك دنياه (كالقابض) أي كصبر القابض في الشدة ونهاية المحنة (على الجمر) جمع الجمرة وهي شعلة من نار. قال الطيبي [رحمه الله ]: الجملة صفة زمان والراجع محذوف، أي الصابر فيه. وفيه أن الرابط مذكور فيه بقوله: فیھم، كما أشرنا إليه سابقاً. قال: والمعنى كما لا يقدر القابض على الجمر أن يصبر لإحراق يده كذلك المتدين يومئذ لا يقدر على ثباته على دينه لغلبة العصاة والمعاصي وانتشار الفسق وضعف الإِيمان انتهى. والظاهر أن معنى الحديث كما لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد وتحمل غلبة المشقة كذلك في ذلك الزمان لا يتصور حفظ دينه ونور إيمانه إلا بصبر عظيم وتعب جسيم. ومن المعلوم أن المشبه به يكون أقوى فالمراد به المبالغة فلا ينافيه أن ما أحد يصبر على قبض الجمر. ولذا قال [تعالى]: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ [البقرة - ١٧٥ ]. مع أنه قد يقبض على الجمر أيضاً عند الإكراه على أمر أعظم منه من قتل نفس أو إحراق أو إغراق ونحوها، ولذا قال تعالى: ﴿قل نار جهنم أشد حراً﴾ [التوبة - ٨١]. وقد أشار الشاطبي [رحمه الله ]في زمانه إلى هذا المعنى بقوله: وهذا زمان الصبر من لك بالتي كقبض على جمر فتنجو من البلا قال الجعبري أي هذا الزمان زمان الصبر لأنه قد أنكر المعروف وعرف المنكر وفسدت النيات وظهرت الخيانات وأوذي المحق وأكرم المبطل، فمن يسمح لك بالحالة التي لزومها في الشدة كالقابض على جمر النار. فقد روى أبو ثعلبة الخشني عنه عليه [الصلاة ]والسلام أنه قال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل برأيه فعليك خاصة نفسك ودع العوام فإن وراءكم أياماً، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم(١). انتهى. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب إسناداً) قال ميرك نقلاً عن التصحيح: هذا الحديث وقع له ثلاثياً وفي سنده عمر بن شاکر شيخ الترمذي وحده وقد ذكره ابن حبان في الثقات انتهى. وروى ابن عساكر عن أنس أيضاً: ((يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من شاته))(٢). ٥٣٦٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلخير: إذا كان) ولفظ الجامع: إذا كانت الحديث رقم ٥٣٦٧: أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٤٥٦ حديث رقم ٢٢٦٠. وأحمد في المسند ٢/ ٣٩٠. (١) راجع الحديث رقم (٥١٤٤) . (٢) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٥٨٩/٢ حديث رقم (٩٩٨٩). الحديث رقم ٥٣٦٨: أخرجه الترمذي في السنن ٤٥٩/٤ حديث رقم ٢٢٦٦. * ** ٦ ٣٤ ٤ ١٢٦٢٧ NO.PVR پ یوز ١٠٠٠٠ ٢٣٣٣ ٥٥١ کتاب الرقاق/ باب تغیر الناس أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم؛ فظهر الأرض خيرٌ لكم من بطنها. وإذا كان أمراؤكم شرارَكم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأمورُكم إلى نسائكم؛ فبطن الأرضٍ خيرٌ لكم من ظهرها)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريب. ٥٣٦٩ - (١٠) وعن ثوبان، قال: قال رسول الله وَالَ: ((يوشك الأمم أن تَداعَى عليكم كما تَداعى الأكلةُ إِلى قصعتها)). فقال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذ؟ قال: ((بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاءِ السَّيل، (أمراؤكم خياركم) أي أتقياءكم (وأغنياؤكم سمحاءكم) أي أسخياءكم، واحده سمح فكأنه جمع سميح بمعنى سمح. (وأموركم شورى بينكم) مصدر بمعنى التشاور، أي ذوات شورى على تقدير مضاف أو على أن المصدر بمعنى المفعول أي متشاور فيها ومنه قوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ [الشورى - ٣٨]. وقد قال سبحانه [عزَّ وجلَّ النبيه وَّ: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ [آل عمران - ١٥٩]. والمعنى: ما دمتم متشاورين في أموركم. (فظهر الأرض خير لكم من بطنها) أي لأجل أنكم عاملون بما في الكتاب والسنة، وطوبى لمن طال عمره وحسن عمله. (وإذا كان أمراؤكم شراركم) أي بالفسق والظلم (وأغنياؤكم بخلاءكم) أي بقلة الرحمة والشفقة (وأموركم إلى نسائكم) أي مفوض إلى رأيهن والحال أنهن من ناقصات العقل والدين وقد ورد: شاوروهن وخالفوهن. وفي معناهن كل من يكون في مرتبة حالهن من الرجال ممن يغلب عليه حب الجاه والمال ولم يعلم ما يتعلق بضرر الدين ووبال المال. (فبطن الأرض خير لكم من ظهرها) أي فإن من لم يغلب خيره شره فالموت خير له. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب). ٥٣٦٩ - (وعن ثوبان) وهو مولى للنبي وَ ل 9 (قال: قال رسول الله وَله: يوشك الأمم) أي يقرب فرق الكفر والضلالة (إن تداعى) حذف إحدى التاءين أي تتداعى (عليكم) بأن يدعو بعضهم بعضاً لمقاتلتكم وكسر شوكتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال (كما تداعى) أي تتداعى (الآكلة) بالمد وهي الرواية على نعت الفئة والجماعة أو نحو ذلك كذا روي لنا عن كتاب أبي داود. وهذا الحديث من أفراده ذكره الطيبي [رحمه الله ]. ولو روي الأكلة بفتحتين على أنه جمع آكل اسم فاعل لكان له وجه وجيه. والمعنى: كما يدعو أكلة الطعام بعضهم بعضاً. (إلى قصعتها) أي التي يتناولون منها بلا مانع ولا منازع فيأكلونها عفواً صفراً كذلك يأخذون ما في أيديكم بلا تعب ينالهم أو ضرر يلحقهم أو بأس يمنعهم. (فقال قائل: ومن قلة) خبر مبتدأ محذوف. وقوله: (نحن يومئذ) مبتدأ وخبر صفة لها، أي أذلك التداعي لأجل قلة نحن عليها يومئذ. (قال: بل أنتم يومئذ كثير) أي عدداً وقليل مدداً وهذا معنى الاستدراك بقوله: (ولكنكم غثاء) بالضم ممدوداً. قال الطيبي [رحمه الله]: (كغثاء السيل) قال الطيبي بالتشديد أيضاً ما يحمله السيل من زيد ووسخ، شبههم به لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم وخفة ١/١/١/ الحديث رقم ٥٣٦٩: أخرجه أبو داود في السنن ٤٨٣/٤ حديث رقم ٤٢٩٧. وأحمد فى المسند ٢٧٨/٥. هده ٥٥٢ ٣٠: ٠٩٫٠٠٠ کتاب الرقاق/ باب تغير الناس ولینزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن». قال قائل: یا رسول الله! وما الوهن؟ قال: ((حبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموت)). رواه أبو داود، والبيهقي في ((دلائل النبوة)). الفصل الثالث ٥٣٧٠ - (١١) عن ابن عباس، قال: ((ما ظهر الغلولُ في قوم إِلا ألقَى اللَّهُ في قلوبهم الرُّعبَ، ولا فشا الزنا في قوم إِلا كثر فيهم الموت، ولا نقَصَ قومُ المكيالَ والميزانَ إِلا قُطع عنهم الرزق، ولا حكم قومٌّ بغير حقّ إلا فشا فيهم الدم، ولا ختر قوم بالعهد إِلا سُلّطَ أحلامهم. وخلاصته: ولكنكم تكونون متفرقين ضعيفي الحال خفيفي البال مشتتي الآمال، ثم ذكر سببه بعطف البيان فقال: (ولينزعن) أي ليخرجن (الله من صدور عدوّكم المهابة) أي الخوف والرعب (منكم) أي من جهتكم (وليقذفن) بفتح الياء، أي وليرمين أي الله. (في قلوبكم الوهن) أي الضعف وكأنه أراد بالوهن ما يوجبه ولذلك فسره بحب الدنيا وكراهة الموت حيث قال: (قال قائل: يا رسول الله وما الوهن) أي ما سببه وما موجبه، قال الطيبي [رحمه الله]: سؤال عن نوع الوهن أو كأنه أراد من أي وجه يكون ذلك الوهن. (قال: حب الدنيا وكراهية الموت) وهما متلازمان فكأنهما شيء واحد يدعوهم إلى إعطاء الدنية في الدين من العدو المبين. ونسأل الله العافية فقد ابتلينا بذلك فكأنما نحن المعنيّون بما ذكر هنالك. (رواه أبو داود) أي في سننه (والبيهقي في دلائل النبوة). ٠٠٠٠ (الفصل الثالث) ٥٣٧٠ - (عن ابن عباس) رضي الله عنه أي موقوفاً (قال: ما ظهر الغلول) بالضم، أي خيانة المغنم. (في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب) بسكون العين وضمها، أي خوف العدو. (ولا فشا الزنا) أي انتشر (في قوم إلا كثر فيهم الموت) أي بالرياء أو الطاعون أو موت القلب أو موت العلماء. (ولا نقص قوم المكيال والميزان) أي وما في معناهما كالذراع والعدد من طريق الغش والخديعة. (إلا قطع عنهم الرزق) أي الحلال أو بركة الرزق الذي في أيديهم. (ولا حكم قوم) أي من الحكام (بغير حق) أي بغير استحقاق أو بغير علم في أحكامهم الفاسدة بل بآرائهم الكاسدة (إلا فشا فيهم الدم) أي القتل والمراد ما يتجر إليه (ولا ختر) بفتح الخاء المعجمة والفوقية ومنه قوله تعالى: ﴿وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار﴾ [لقمان - ٣٢ ]. أي غدر (قوم بالعهد) أي بنقضه خديعة رجاء الغلبة (إلا سلط) بصيغة المجهول، أي بتسليط الله. الحديث رقم ٥٣٧٠: أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤١٠٠ حديث رقم ٢٦ من كتاب الجهاد. ٠-٠ **** ٤١٣٠ ٤٦٩٥٠ ٥٥٣ كتاب الرقاق/ باب الإنذار والتحذير عليهم العدوُ)). رواه مالك. (٨) باب الإنذار والتحذير الفصل الأول ٥٣٧١ - (١) عن عياض بن حمار المجاشعي، أنَّ رسول الله وَّه قال ذات يوم في خطبته: ((ألا إِنَّ ربي أمرني أن أُعلِمكم ما جَهلتُم ممّا علَّمني يومي هذا: كلُّ مال نحلته عبداً حلالٌ، وإِنِي خلقتُ عبادي حنفاءَ كلّهم، (عليهم العدوّ. رواه مالك) أي في باب ما جاء في الغلول من الموطأ. (باب) ٦ كذا في الأصول المعتمدة والنسخ المصححة من غير ترجمة وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو الباء ساكن على الوقف. وقال ابن الملك: باب في ذكر الإنذار والتحذير، أي التخويف والتذكير. (الفصل الأول) ٥٣٧١ - (عن عياض بن حمار المجاشعي) بضم الميم. قال المؤلف: وكان صديقاً لرسول الله ## قديماً. روى عنه جماعة وهو تميمي يعد في البصريين. (أن رسول الله والفر قال ذات يوم في خطبته:) أي المعروفة، أو في موعظته. (ألا) بالتخفيف للتنبيه (إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني) يحتمل أن يكون من بيان ما أو تبعيضية على أنه منقطع عما قبله خبر لما بعده مستأنف، أي من جملة ما علمني. (يومي هذا:) أي بما أوحى الله إلي في هذا اليوم بخصوصه. (كل مال نحلته) أي أعطيته (عبداً) أي من عبادي وملكته إياه فلا يدخل الحرام. (حلال) أي فلا يستطيع أحد أن يحرمه من تلقاء نفسه ويمنعه من التصرف فيه تصرفـ الملاك في أملاكهم، وهذا من مقول الله كما يدل عليه قوله: (وإني خلقت عبادي حنفاء) أي مستعدين لقبول الحق ومائلين إليه عن الباطل (كلهم) أي جميعهم لقوله ويّلتر: ((كل مولود يولد على الفطرة)(١). وهي التوحيد المطلق وما به يتعلق لقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ﴾ [الروم - ٣٠]. أي لا تبدلوا مخلوقاته باليهودية والنصرانية والمجوسية ونحوها ﴿ذلك الدين القيم﴾ [التوبة - ٣٦، يوسف - ٤٠، الروم - ٣٠]. أي ١ الحديث رقم ٥٣٧١: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٩٧/٤ حديث رقم ٢٨٦٥/٦٣. وأحمد في المسند ٧/٤ ٢٦٦. (١) مسلم فى صحيحه ٢٠٤٨/٤ حديث رقم (٢٥. ٢٦٥٨). i ٧٧٠ 11675 كتاب الرقاق / باب الإنذار والتحذير ٥٥٤ وإنهم أتتهم الشياطينُ، فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأَمرَتْهُمْ أن يشركوا بي ما لم أَنَزلْ به سلطاناً، وإِنَّ الله نظرَ إِلى أهلِ الأرض فمقتهم، عربهم المستقيم فلا تعدلوا عن الجادة إلى الطريق الزايغة كما قال تعالى: ﴿وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ﴾ [الأنعام - ١٥٣ ]. أي عن الطريق الحقيقي الواصل إليه المقبول لديه لمن أراد المنة عليه ومنه قوله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ [النحل - ٩]. ثم بين سبب ضلالة الخلق وغوايتهم عن الحق بقوله: (وأنهم) أي عبادي الحنفاء (أتتهم الشياطين) أي جاؤوهم بالوسوسة (فاجتالتهم) أي صرفتهم وساقتهم مائلين (عن دينهم) من اجتاله أي ساقه وذهب به. وقيل: الافتعال هنا للحمل على الفعل كاختطب زيد عمراً أي حمله على الخطبة. حملتهم الشياطين على جولانهم وميلانهم عن دينهم. (وحرمت) أي الشياطين ([عليهم ] ما أحللت لهم) أي من البحيرة والسائبة وغيرهما. وتوضيحه ما حققه القاضي حيث قال قوله: كل مال نحلته. حكاية ما علمه الله تعالى وأوحى إليه في يومه هذا. والمعنى: ما أعطيت عبداً من مال فهو حلال له ليس لأحد أن يحرم عليه وليس لقائل أن يقول هذا يقتضي أن لا يكون الحرام رزقاً لأن كل رزق ساقه الله تعالى إلى عبد نحله وأعطاه، وكل ما نحله وأعطاه فهو حلال فيكون كل رزق رزقه الله إياه فهو حلال، وذلك يستلزم أن يكون كل ما ليس بحلال ليس برزق لأنا نقول الرزق أعم من الإِعطاء فإنه يتضمن التمليك. ولذا قال الفقهاء: لو قال الأمر أنه إن أعطيتني الفاً فأنت طالق فأعطته ألفاً بانت ودخل الألف في ملكه ولا كذلك الرزق. (وأمرتهم) أي الشياطين لهم (أن يشركوا بي ما) أي إشراكاً أو شيئاً ما (لم أنزل به) أي بوجود (سلطاناً) أي حجة وبرهاناً سميت به لتسلطه على القلوب عند هجوم الخواطر عليها بالقهر والغلبة. والمعنى: ما ليس على إشراكه دليل عقلي ولا نقلي، إذ لو كان أحدهما لبينه سبحانه وتعالى بل الأمر بخلافه حيث قال: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) [الإسراء - ٢٣]. والقرآن مشحون بالأدلة على بطلان الإشراك بالله [تعالى]. قال القاضي: هو مفعول يشركوا يريد به الأصنام وسائر ما عبد من دون الله، أي أمرتهم بالإِشراك بالله بعبادة ما لم يأمر الله بعبادته ولم ينصب دليلاً على استحقاقه للعبادة. وقال الطيبي [رحمه الله ]: ما لم أنزل به سلطاناً، أي لا إنزال سلطان ولا شريك على أسلوب قوله: /٠٥٧٧ ١ / **** ٦٧٨٣/١ * على لاحب لا يهتدي بمناره * أي لا منار ولا اهتداء به وقوله: * ولا يرى الضب بها ينحجر * أي لا ضب ولا انحجار نفياً للأصل والفرع أي القيد والمقيد. وقيل: هذا على سبيل : التهكم، إذ لا يجوز على الله أن ينزل برهاناً أن يشرك به غيره. (وإن الله نظر إلى أهل الأرض) أي رآهم ووجدهم متفقين على الشرك منهمكين في الضلالة. (فمقتهم) أي أبغضهم (عربهم bar . ٠٠. ٥٤٦ ٥٥٥ كتاب الرقاق/ باب الإنذار والتحذير وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إِنما بعثتُك لأبتليَكَ وأبتلي بكَ، وأنزلتُ عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، وعجمهم) بدل من الضمير. والمراد بالعجم غير العرب. والمعنى: أبغضهم بسوء صنيعهم وخبث عقيدتهم واتفاقهم قبل بعثة محمد وير على الشرك وانغماسهم في الكفر قوم موسى [عليه السلام ]كفروا بعيسى وعبدوا عزيراً وذهبوا إلى أنه ابن الله، وقوم عيسى ذهبوا إلى التثليث أو إلى إلى أنه ابن الله وغير ذلك. (إلا بقايا من أهل الكتاب) أي من اليهود والنصارى تبرؤوا عن الشرك كذا قاله بعضهم. والأظهر أن المراد بهم جماعة من قوم عيسى بقوا متابعته. عليه السلام إلى أن آمنوا بنبينا وَ ليزر. (وقال:) أي الله تعالى (إنما بعثتك) أي أرسلتك يا محمد (لأبتليك) أي لأمتحنك كيف تصبر على إيذاء قومك إياك (وأبتلي بك) أي قومك هل يؤمنون بك أم يكفرون (وأنزلت عليك كتاباً) أي عظيماً وهو القرآن (لا يغسله الماء) أي لم نكتف بإيداعه الكتب فيغسله الماء، بل جعلناه قرآناً محفوظاً في صدور المؤمنين. قال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ [العنكبوت - ٤٩]. وقال سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر - ٩]. أو المراد بالغسل النسخ، والماء مثل أي لا ينزل بعده کتاب ینسخه ولا نزل قبله کتاب یبطله كما قال تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت - ٤٢]. قال الطيبي [رحمه الله]: أي كتاباً محفوظاً في القلوب لا يضمحل بغسل القراطيس، أو كتاباً مستمراً متداولاً بين الناس ما دامت السموات والأرض لا ينسخ ولا ينسى بالكلية. وعبر عن إبطال حكمه وترك قراءته والإعراض عنه بغسل أوراقه بالماء على سبيل الاستعارة أو كتاباً واضحاً آياته بيناً معجزاته لا يبطله جور جائر ولا يدحضه شبهة مناظر، فمثل الإبطال معنى بالإبطال صورة. وقيل: كنى به عن غزارة معناه وكثرة جدواه من قولهم: مال فلان لا يفنيه الماء أو النار. وقوله: (تقرؤه) أي أنت (نائماً ويقظان) بسكون القاف. والمعنى: يصير لك ملكة بحيث يحضر في ذهنك وتلتفت إليه نفسك في أغلب الأحوال فلا تغفل عنه نائماً ويقظان، وقد يقال للقادر على الشيء الماهر به هو يفعله بالماء كذا ذكره الطيبي [رحمه الله]. وخلاصته أنه في قلبك وأنت نائم. وأقول: لا احتياج إلى التأويل بالنسبة إلى قلبه الجليل لأنه تنام عيناه(١) ولا ينام قلبه وقد شوهد كثير من الناس( صغيراً وكبيراً أنهم يقرؤون وهم نائمون. وأغرب من هذا ما حكى بعض المريدين أنه وشيخه كانا يتدارسان وقت السحر في تلاوة القرآن عشراً عشراً، فلما توفي الشيخ رحمه الله (تعالى) أتاه المريد وقت السحر على عادته عند قبره وأراد أن يقرأ ورده. فلما تم العشر سمع من القبر(: صوت شيخه أنه قرأ عشراً وسكت وهكذا كان الأمر مستمر إلى أنه حكى المريد القضية لبعض أصحابه، فوقع تحت حجابه. ونظيره سماع سعيد بن المسيب صوت الأذان من الضريح الأنور أيام فتنة يزيد في المدينة المعظمة(٢) حيث لم يبق في المسجد أحد إلا سعيد وكانوا يقولون إنه شيخ مجنون. (وأن الله أمرني أن أحرق) أي أهلك (قريشاً) أي كفارهم (فقلت: رب) أي يا انهو2 (١) في المخطوطة ((عينه). (٢) في المخطوطة ((العظيمة)). ٠٠,١٠ ہے ١٢٠٥ ٦٧٣٢ ٥٥٦ كتاب الرقاق/ باب الإنذار والتحذير وإِنَّ الله أمرني أن أحرقَ قريشاً، فقلت: [يا] ربِّ! إِذاً يثلغوا رأسي، فيدعوه خبزةً، قال: استخرجْهم كما أخرجوكَ وآغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وأنفِقْ فسننفقُ عليك، وأبعثْ جيشاً نبعثُ خمسةً مثله، وقاتِل بمَنْ أطاعكَ من عصاكَ)). رواه مسلم. ٥٣٧٢ - (٢) وعن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، صعدَ النبيُّ وَّرِ الصفا فجعل ينادي: ((يا بني فهر! يا بني عدي!)) لبطون قريش رب (إذا) بالتنوين (يثلغوا) بفتح اللام أي يشدخوا ويكسروا (رأسي فيدعوه) بفتح الدال أي رأسي (خبزة) أي فيتركوه بالشدخ بعد الشكل الكروي مصحفاً مثل خبزة (قال:) أي الله لنبيه * (استخرجهم) أي قريشاً، والمراد كفارهم. (كما أخرجوك) أي كإخراجهم إياك جزاء وفاقاً وإن كان بين الإخراجين بون بين. فإن إخراجهم إياه بالباطل وإخراجه إياهم بالحق. (واغزهم) أي وجاهدهم. فالواو: والمطلق الجمع فإن القتال مقدم على الإِخراج (نغزك) بضم النون من أغزيته إذا جهزته للغزو وهيأت له أسبابه. (وأنفق) أي ما في جهدك في سبيل الله (سننفق عليك) أي نخلف عليك بدله في الدنيا والأخرى. قال تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [سبأ - ٣٩]. وفيه وعد وتسلية (وابعث) أي ارسل أنت (جيشاً) أي كبيراً وصغيراً (نبعث خمسة) أي مقدار خمسة (مثله) بالنصب. والمعنى: نبعث من الملائكة خمسة أمثال تعينهم كما فعل ببدر. قال تعالى: ﴿بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ﴾ [آل عمران - ١٢٥]. وكان المشركون يومئذ ألفاً والمسلمون ثلثمائة. (وقاتل بمن أطاعك) أي بمعونته أو معه (من عصاك) أي بعدم(١) الإیمان بك (رواه مسلم). ٥٣٧٢ - (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزلت: ﴿وانذر عشيرتك الأقربين ﴾(٢) صعد) بكسر العين وهو جواب لما. وفي بعض النسخ: فصعد بالفاء فلا وجه له، أي طلع. (النبي ﴿ الصفا) وهو جبل معروف بمكة من شعائر الله (فجعل) أي فشرع (النبي * ينادي) أي قبائل العرب (يا بني فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء قبيلة من قريش على ما في القاموس. (يا بني عدي) وهم قبيلة [من قريش ]أيضاً على ما في القاموس. فقوله: (البطون قريش) فيه إشكال إذ البطن دون القبيلة أو دون الفخذ وفوق العمارة، والقبيلة واحد قبائل الرأس لقطع الشعوب بعضها إلى بعض ومنه قبائل العرب واحدهم قبيلة، وهم بنو أب واحد كذا في القاموس. والحاصل أن القبيلة بمنزلة الجنس والبطن بمنزلة النوع والفخذ بمنزلة (١) في المخطوطة ((بعد)). الحديث رقم ٥٣٧٢: أخرجه البخاري في صحيحه حديث رقم ٤٧٧٠. ومسلم في صحيحه ١٩٣/١ حديث رقم (٢٠٨.٣٥٥). والترمذي في السنن ٤٢٠/٥ حديث رقم ٣٣٦٣. والدارمي ٣٩٥/٢. حدیث رقم ٢٧٣٢. وأحمد في المسند ٣٠٧/١. (٢) سورة الشعراء. آية رقم ٢١٤. ٥٥٧ كتاب الرقاق/ باب الإنذار والتحذير حتى اجتمعُوا فقال: ((أرأيتُكم لو أخبرتكم أنَّ خيلاً بالوادي تريدُ أن تغير عليكم أكنتم مصدّقِي؟)) قالوا: نعم؛ ما جرَّبنا عليكَ إِلا صدقاً. قال: ((فإِنِي نذير لكم بين يَدَيْ عذابٍ شديدٍ)). فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائرَ اليومِ، الفصل، وقد يستعار(١) بعضها لبعض والله [تعالى ]أعلم. وقال الطيبي [رحمه الله]: اللام فيه بيان كقوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ [البقرة - ٢٣٣]. كأنه قيل لمن قيل لبطون قريش. (حتى اجتمعوا) أي من كل قبيلة وبطن جمع. (فقال: أرأيتكم) بفتح التاء ويجوز تحقيق الهمزة الثانية وتسهيلها وإبدالها وحذفها. والمعنى: أخبروني. وتحقيقه ما ذكره الطيبي [رحمه الله ]، من أن الضمير المتصل المرفوع من الخطاب العام، والضمير الثاني لا محل له وهو كالبيان للأول، لأن الأول بمنزلة الجنس الشائع في المخاطبين فيستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع. فإذا أريد بيانه بأحد هذه الأنواع بين به فأتى في الحديث بعلامة الجمع بياناً للمراد انتهى. فكأنه قال: أرأيتم فإن رأيتم فأعلموني. (لو أخبرتكم أن خيلاً) أي جيشاً (بالوادي) أي نزل به. قال شارح: وهو موضع معروف بقرب مكة، وكأنه أريد به الوادي المشهور بوادي فاطمة بين مكة والمدينة شرفها الله. (تريد) أي الخيل (أن تغير عليكم) من الإغارة وهي النهب والبيوتة بالغفلة، يعني أصحابها على أحد المجازين في قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف - ٨٢]. (أكنتم مصدقي) أي مصدقين لي في قولي. (قالوا: نعم) أي كنا نصدقك، وسببه أنا في جميع عمرنا. (ما جربنا عليك إلا صدقاً) قال الطيبي [رحمه الله]: ضمن جرب معنى الإلقاء وعداه بعلي، أي ما ألقينا عليك قولاً مجربين لك فيه هل تكذب فيه أم لا ما سمعنا منك إلا صدقاً. (قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) أي قبل نزول عذاب عظيم وعقاب أليم. والمعنى أنكم إن لم تؤمنوا بي ينزل عليكم عذاب قريب. قال الطيبي [رحمه الله ]: قوله: بين يدي، ظرف لغو نذير وهو بمعنى قدام لأن كل من يكون قدام أحد يكون بين الجهتين المسامتتين ليمينه وشماله. وفيه تمثيل مثل إنذاره القوم بعذاب الله تعالى النازل على القوم بنذير قوم يتقدم جيش العدو فينذرهم. (فقال أبو لهب:) مشهور بكنيته، واسمع عبد العزى وهو ابن عبد المطلب بن هاشم عم النبي وَظافر. (تباً لك) أي خسراناً وهلاكاً ونصبه بعامل مضمر قاله القاضي، فهو إما نصب على الصدر والمعنى: تب تباً أو بإضمار فعل أي ألزمك الله هلاكاً وخسراناً وألزم تباً لك. (سائر اليوم) أي في باقي الأوقات أو في جميع الأيام. قال التوربشتي [رحمه الله ]: من ذهب في سائر إلى البقية فإنه غير مصيب لأن الحرف من السير لا من السور، وفي أمثالهم في اليأس من الحاجة أسائر اليوم وقد زال الظهر. قال الطيبي [رحمه الله ]: وفيه نظر لأنه قال صاحب النهاية السائر مهموز الباقي والناس يستعملونه في معنى الجميع وليس بصحيح، وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث وكلها بمعنى باقي الشيء. ويدل على تصحيح ما في النهاية ما في أساس البلاغة فإنه أورده في باب السين مع الهمزة قائلاً: سار الشارب في الإِناء (١) في المخطوطة ((يستفاد)). ٠٫٠٠٠٠ i ١ ٠٠ ٩٦٠٠ ٠ ٠٣٢ ١٢٠٠٠ ٥٥٨ ١٠٠٠: ١٠٠٧٠ کتاب الرقاق/ باب الإنذار والتحذير ألهذا جمعتنا؟! فنزلت ﴿تبَّتْ يدا أبي لهبٍ وتب﴾. متفق عليه. وفي رواية: نادى: ((يا بني عبد مناف! إِنما مثلي ومثلكم كمثل رجلٍ رأى العدوّ فأنطلق يَرباً أهله، فخشي أن يسبقوه، فجعل يهتف: يا صباحاه!)). سوراً وسورة، أي بقية. وفي المثل: أسائر اليوم وقد زال الظهر انتهى كلامه. فعلى هذا المراد بسائر اليوم بقية الأيام المستقبلة. وفي القاموس: السؤر البقية والفضلة وأسأر أبقاه كسأر كمنع والفاعل فيها سائر والقياس مسئر، ويجوز والسائر الباقي لا الجميع كما توهم جماعات، أو قد يستعمل له. ومنه قول الأحوص: فجلتها لنا لبابة لما وفد القوم سائر الحراس وضاف أعرابي قوماً فأمروا الجارية بتطبيبه فقال: بطني عطري وسائري ذري وأغير على قوم فاستصرخوا بني عمهم فأبطأوا عنهم حتى أسروا وذهب بهم ثم جاؤوا يسألون عنهم فقال لهم المسؤول: أسائر القوم وقد زال الظهر. أي تطمعون فيما بعد وقد تبين لكم اليأس لأن من كانت حاجته اليوم بأسره وزال الظهر وجب أن ييأس منها بالغروب. (ألهذا) أي لهذا الاستخبار والإِخبار (جمعتنا) أي بالمناداة (فنزلت: ﴿تبت﴾) أي هلكت وخسرت (﴿يدا أبي لهب﴾) بفتح الهاء ويسكن، أي نفسه كقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ [البقرة - ١٩٥]. أي بأنفسكم والباء زائدة. وقيل: المراد بهما دنياه وأخراه. وقيل: إنما خصتا لأنه لما قال: ألهذا دعوتنا. أخذ حجراً ليرميه به فنزلت. وإنما كناه والكنية تكرمة لاشتهاره بكنيته أو لأن اسمه عبد العزى فاستكره ذكره، أو لأنه لما كان من أهل النار كانت الكنية أوفق بحاله وإن كان کنی لكمال جماله. وقرىء: أبو لهب كما قيل علي بن أبو طالب على لغة من تصر على الواو في الأسماء الستة، كما قصر بعضهم على الألف فيها كقوله: إن أباها وأبا أباها (﴿وتب))(١) أخبار بعد خبر للتأكيد والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه، أو الأول دعاء والثاني إخبار (متفق عليه). (وفي رواية:) قال ميرك: هذه الرواية من أفراد مسلم. (نادى: يا بني عبد مناف) هو أخو هاشم وعبد شمس والمطلب، ومناف صنم كذا في القاموس. (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو) أي بعينه (فانطلق) أي ذهب مسرعاً (يربأ) بفتح الموحدة وبالهمز، أي يحفظ من العدو. (أهله) أي قومه ويرقبهم بقتالهم على موضع عال (فخشي) أي الرجل (أن يسبقوه) أي يسبق العدو إلى أهله ويصلوا إلى القوم قبل أن يصل إليهم بنفسه (فجعل) أي فشرع (يهتف) بكسر التاء أي يصيح وينادي من أعلى جبل. وربما يجعل ثوبه على يده أو على خشب يرفعه لزيادة الإِعلام. ومنه النذير العريان أو هو كناية عن خلوه من العرض أو ايماء إلى أنه أخذ وسلب عنه ثوبه وهرب منهم، فحينئذ كل أحد يصدقه في قوله. (يا صباحاه) بسكون الهاء ولما كانت الغارة غالباً تكون في الصباح خصت(٢) به ولو كان في المساء أيضاً والله [تعالى] أعلم. (١) سورة المسد - آية رقم ١. (٢) في المخطوطة ((خص)). ٠٠٠/١ کتاب الرقاق/ باب الإنذار والتحذير ٥٥٩ ٥٣٧٣ - (٣) وعن أبي هريرة، قال: لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ دعا النبي ◌َ﴿ قريشاً، فاجتمعوا، فعَمَّ وخَصَّ، فقال: ((يا بني كعب بن لؤيٍّ! أنقذُوا أَنفُسَكم من الثّار. يا بني مرَّةَ بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمسٍ! أنقذُوا أنفُسَكم من النار. يا بني عبد مناف! أنقِذُوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم! أنقذوا أنفسكم من النار. یا بني عبد المطلب! أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة! أنقذي نفسَك من النار؛ فإِنِي لا أملكُ لكم من الله شيئاً، غيرَ أنَّ لكم رَحِمًا سَابُلُها ببلالها)». .... فهي كلمة تقال لإنذار أمر مخوف. والمعنى: يا قوم احذروا الإغارة بالذهاب قبل مجيء العدو، فكأنه ٣ قال: احذروا عقاب الله بالإيمان قبل نزوله. ٥٣٧٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا النبي ﴿ قريشاً) أي قبائله (فاجتمعوا فعم) أي النبي ◌َّلقر في النداء بما ذكره (وخص) ثم بين الراوي كيفية العموم والخصوص بقوله: (فقال:) أي النبي ◌َّ ر (يا بني كعب بن لؤي) بضم لام وفتح همز وقد يبدل واواً فتحتية مشددة وهو ابن غالب بن فهر (أنقذوا) بفتح همزة وكسر قاف أي خلصوا (أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب) بضم ميم وتشديد راء، أي أبو قبيلة من قريش على ما في القاموس. (انقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب انقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة انقذي نفسك من النار) ختم بها لأنها خلاصة قومها ثم عم في تبرىء إنقاذه إياهم من النار بغير الإيمان والعمل الصالح بقوله: (فإني لا أملك لكم) أي لجميعكم عامكم وخاصكم (من الله) أي من عذابه (شيئاً) أي من الملك والقدرة والدفع والمنفعة. والمعنى: إني لا أقدر أن أدفع عنكم من عذاب الله شيئاً إن أراد الله أن يعذبكم. وهو مقتبس من قوله سبحانه: ﴿قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً﴾ [الفتح - ١١]. بل قال [الله ]تعالى: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاءُ الله﴾ [الأعراف - ١٨٨]. وهذا التوحيد على وفق التفريد وهو وّ﴿ وإن كان قد ينفع المؤمنين بالشفاعة حيث يشفع ويشفع، لكن أطلقه ترهيباً لهم على الاتكال عليه وترغيباً لهم على الاجتهاد في أمر زاد المعاد والله رؤوف بالعباد. وهذا معنى قوله: (غير أن لكم رحماً) أي قرابة (سأبلها) بضم موحدة وتشديد لام أي ساصلها (ببلالها) بكسر الموحدة ويفتح أي بصلتها وبالإِحسان إليها. ومجمله أني سأصل تلك القرابة بالشيء الذي يتوصل به إلى الأقارب من الإِحسان ودفع الظلم والضر عنهم وغير ذلك. ففي النهاية: البلال جمع بلل والعرب يطلقون النداوة على الصلة كما يطلق اليبس على القطيعة، لأنهم لما رأوا أن بعض الأشياء يتصل الحديث رقم ٥٣٧٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٨٢/٥. حديث رقم ٢٧٥٣. ومسلم في صحيحه ١/ ١٩٢ حديث رقم (٣٤٨. ٢٠٤). والترمذي في السنن ٣١٦/٥ حديث رقم ٣١٨٥. والنسائي ٦/ ٢٤٩ حديث رقم ٣٦٤٤. وأحمد فى المسند ٣٣٣/٢. #cA . d roon :١٣ كتاب الرقاق/ باب الإنذار والتحذير ٥٦٠ رواه مسلم. *** وفي المتفق عليه قال: ((يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم، لا أُغْني عنكم من الله شيئاً. ويا بني عبد مناف! لا أُغني عنكم من الله شيئاً. يا عباسُ بنَ عبدِ المطلب! لا أُغني عنك من الله شيئاً. ويا صفيَّةُ عمَّةَ رسول الله! لا أغني عنكِ من الله شيئاً. ويا فاطمةُ بنتَ محمَّدٍ! سليني ما شئت من مالي، لا أُغني عنك من الله شيئاً». الفصل الثاني ٥٣٧٤ - (٤) عن أبي موسى، قال: قال رسول الله وَليهِ: ((أُمَّتي بالنداوة ويجعل بينها التجافي والتفرق باليبس استعاروا البلل لمعنى الوصل واليبس لمعنى القطيعة. والمعنى: أصلكم في الدنيا ولا أغني عنكم من الله شيئاً(١). (رواه مسلم). (وفي رواية المتفق عليه:) هذا موجود في بعض النسخ المصححة (يا معشر قريش اشتروا أنفسكم) أي أعتقوها وخلصوها من النار بالإِيمان وترك الكفران وبالطاعة لما جئت به والانقياد لما منعت منه (لا أغني عنكم من الله شيئاً) أي لا أبعد منكم ولا أدفع عنكم شيئاً من عذاب الله (يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب) بالنصب فيهما، وفي نسخة برفع عباس. (لا أغني عنك من الله شيئاً ويا صفية) بالواو العاطفة بخلاف ما قبله من ألفاظ النداء فإنها كانت على سبيل التعداد. وصفية مرفوعة. وقوله: (عمة رسول الله) منصوبة (لا أغني عنك من الله شيئاً) وكذا قوله: (ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي) كذا في نسخ من موصولة. قال التوربشتي [رحمه الله تعالى]: أرى أنه ليس من المال المعروف في شيء وإنما عبر به عما يملكه من الأمر وينفذ تصرفه فيه ولم يثبت عندنا أنه كان ذا مال لا سيما بمكة. ويحتمل أن الكلمتين أعني من وما وقع الفصل فيهما من بعض من لم يحققه من الرواة فكتبهما(٢) منفصلتين انتهى. وفيه أنه يرده قوله تعالى: ﴿ووجدك عائلاً فأغنى﴾ [الضحى - ٨]. أي بمال خديجة رضي الله عنها على ما قاله المفسرون، وأيضاً لم يلزم من عدم وجود المال الحاضر للجواد أن لا يدخل في يده شيء من المال في الاستقبال فيحمل الوعد المذكور على تلك الحال. ومهما أمكن الجمع لتصحيح الدراية تعين عدم التخطئة في الرواية والله سبحانه [وتعالى ] أعلم. [(لا أغني عنك من الله شيئاً) ]. (الفصل الثاني) ٥٣٧٤ - (عن أبي موسى) أي الأشعري رضي الله عنه (قال: قال رسول الله إليه: أمتى (١) في المخطوطة ((من شيء)). (٢) في المخطوطة ((فكتبها)). الحديث رقم ٥٣٧٤: أخرجه أبو داود في السنن ٤٦٨/٤ حديث رقم ٤٢٧٨. وابن ماجه ١٤٣٤/٢ حديث رقم ٢٤٩٢ وأحمد فى المسند ٤ / ٤١٠. 38 : عدة