النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٤٠ _ (٢) وعن أُمّ العلاءِ الأنصاريَّةِ، قالت: قال رسولُ الله وَلِّ: ((واللَّهِ لا أدري، واللَّهِ لا أدري، وأنا رسولُ الله، ما يُفعلُ بي ولا بكم)). رواه البخاري. أنى أكون خضراً تأكلني الدواب مخافة العذاب. وعن عمر الفاروق أنه سمع إنساناً يقرأ: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا﴾ [الإنسان - ١]. فقال: ليتها تمت. بل ورد عنه وَّر في رواية أنه قال: ليت رب محمد لم يخلق محمداً. وعن الفضيل أنه قال: إني لا أغبط ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا عبداً صالحاً أليس هؤلاء يعاينون يوم القيامة، إنما أغبط من لا يخلق. ٥٣٤٠ - (وعن أم العلاء الأنصارية) هي من المبايعات، روى عنها خارجة بن زيد بن ثابت وهي أمه، وكان رسول الله وَ لجر يعودها في مرضها. (قالت: قال رسول الله وَله: والله لا أدري) وفي نسخة (والله لا أدري) مكرراً (وأنا رسول الله) وَلفي جملة خالية (ما يفعل بي ولا بكم) مفعول لا أدري ودخول لا لمزيد التأكيد ليفيد اشتمال النفي على كل واحد من القبيلتين على حدة. قال الطيبي [رحمه الله ]: فيه وجوه أحدها: إن هذا القول منه حين قالت امرأة عثمان بن مظعون لما توفي هنيئاً لك الجنة زجراً لها على سوء الأدب بالحكم على الغيب، ونظيره قوله لعائشة [رضي الله عنها ]وعن أبيها حين يسمعها تقول: طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة. قلت: لا يخفى أن هذا سبب ورود الحديث وزمان صدوره ولا مدخل له في إزالة إشكال معناه. وثانيها: أن يكون هذا منسوخاً بقوله تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح - ٢]. كما ذكره ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بك﴾ [الأحقاف - ٩]. قلت: وفيه أن النسخ على تقدير صحة تأخير الناسخ إنما يكون في الأحكام لا في الأخبار كما هو مقرر في الاعتبار. وثالثها: أن يكون نفياً للدراية المفصلة دون المجملة. قلت: هذا هو الصحيح. ورابعها: أن يكون مخصوصاً بالأمور الدنيوية من غير نظر إلى سبب ورود الحديث. قلت: وهذا مندرج فيما قبله، والحكم بطريق الأعم هو الوجه الأتم. والمراد من الأمور الدنيوية بالنسبة إليه وَير هي الجوع والعطش والشبع والري والمرض والصحة والفقر والغنى وكذا حال الأمة. وقيل المعنى: وأخرج من بلدي أم أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي وأترمون بالحجارة أم يخسف بكم كالمكذبين من قبلكم. والحاصل أنه يريد نفي علم الغيب عن نفسه وأنه ليس بمطلع على المكنون. قال التوربشتي: لا يجوز حمل هذا الحديث وما ورد في معناه على أن النبي و # كان متردداً في عاقبة أمره غير متيقن بماله عند الله من الحسنى لما ورد عنه وليه من الأحاديث الصحاح التي ينقطع العذر دونها بخلاف ذلك، وأنى يحمل على ذلك وهو المخبر عن الله تعالى أنه يبلغه المقام المحمود وأنه أكرم الخلائق على الله تعالى وأنه أول شافع وأول مشفع إلى غير ذلك. (رواه البخاري). الحديث رقم ٥٣٤٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٠/١٢. حديث رقم ٧٠١٨. ٥٢٢ من المهز اله كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٤١ _ (٣) وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ الله وَله: ((عُرضتْ عليَّ النَّارُ، فرأيتُ فيها امرأةً منْ بني إِسرائيلَ تُعذّبُ في هرَّةٍ لها، ربطَتها فلم تُطْعِمْها ولم تدَعْها تأكُلُ منْ خَشاشٍ الأرضِ حتى ماتتْ جوعاً، ورأيتُ عمْرَو بنَ عامرِ الخزاعيَّ يَجرُّ قُصْبَه في النارِ، وكانَ أوَّلَ مَن سيَّبَ السَّوائب)). رواه مسلم. ٥٣٤١ - (وعن جابر قال: قال رسول الله وَفي: عرضت علي النار) أي أظهرت لي [وأهلها ] (فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل) أي من مؤمنيهم (تعذب في هرة) أي في شأن هرة ولأجلها. وفي نسخة صحيحة: في هرة لها. (ربطتها) استئناف بيان (فلم تطعمها) أي كفايتها (ولم تدعها) أي ولم تتركها (تأكل) بالرفع والجملة حال، أي تصيد وتأكل (من خشاش الأرض) بفتح الخاء المعجمة وتكسر وتضم. ففي القاموس: الخشاش مثلث حشرات الأرض. وقال ابن الملك: هو بفتح الخاء المعجمة وكسرها وضمها والفتح أظهر. وفي النهاية: ورُوِيَ بالحاء المهملة، وهو يابس النبات. وهو وهم. (حتى ماتت) أي الهرة (جوعاً ورأيت عمرو بن عامر الخزاعي) بضم الخاء المعجمة نسبة إلى بني خزاعة قبيلة مشهورة. قال التوربشتي: هو أول من سن عبادة الأصنام بمكة وحمل أهلها بالتقرب إليها بتسييب السوائب، وهو أن يترك الدابة فتسيب حيث شاءت فلا ترد عن حوض ولا علف ولا يتعرض لها بركوب ولا حمل، وكانوا يسيبون العبيد أيضاً بأن يعتقوهم ولا يكون الولاء للمعتق ولا على المعتق حجر في ماله فيضعه حيث شاء، وقد قال له إنه سائبة. (يجر) أي يجذب (قصبه) بضم قاف فسكون صاد مهملة، أي أمعاءه. (في النار) وقيل: لعل النبي وَّ كوشف من سائر ما كان يعاقب به في النار بجر قصبه في النار لأنه استخرج من باطنه بدعة جر بها الجريرة إلى قومه الجريمة. (وكان أول من سيب السوائب) أي وضع تحريم السوائب جمع سائبة، وهي ناقة يسيبها الرجل عند برئه من المرض أو قدومه من السفر فيقول: ناقتي سائبة. فلا تمنع من المرعى ولا ترد عن حوض ولا عن علف ولا يحمل عليها ولا يركب عليها ولا تحلب، وكان ذلك تقرباً منهم إلى أصنامهم [وقيل ]: هي ناقة ولدت عشر إناث على التوالي ذكره ابن الملك. (رواه مسلم) أي من حديث طويل يتضمن ذكر صلاة الكسوف عن جابر واتفق هو والبخاري على إخراج حديث الهرة عن ابن عمر، وعن أبي هريرة أيضاً وليس فيه ذكر عمرو بن عامر. لكن رؤيا حديث عمرو من حديث أبي هريرة كذا نقله ميرك عن التصحيح. وفي الجامع: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب وبحر البحائر، يعني إذا نتجت الناقة خمسة أبطن بحروا أذنها أي شقوها وخلوا سبيلها فلا تركب ولا تحلب. الحديث رقم ٥٣٤١: أخرجه البخاري في صحيحه ٥١٥/٦. حديث رقم ٣٤٨٢. ومسلم في صحيحه ٦٢٢/٢ حديث رقم (٩٠٤.٩). والنسائي ١٣٧/٣ حديث رقم ١٤٨٢. وأحمد في المسند ٣/ ٣٣٥. ٥٢٣ 1059 كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٤٢ - (٤) وعن زينبَ بنتِ جحشٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ دخلَ عليها يوماً فزعاً يقولُ: ((لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيلٌ للعربِ منْ شرّ قدِ اقتربَ، فُتحَ اليومَ منْ رَدْمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذِه)) وحلَّقَ بأصبعَيهِ: الإِبهام والتي تَليها. قالتْ زينبُ: فقلتُ: يا رسولَ الله! أفتَهلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: ((نعمْ، إِذا كثُرَ الخَبَثُ)). متفق عليه. الع القة ٠٢٠/٥ ٣٠٠٠٠ ٥٣٤٢ - (وعن زينب بنت جحش) [مر ذكرها وهي) إحدى أمهات المؤمنين. (أن رسول الله ﴿ دخل عليها يوماً فزعاً) بفتح فكسر أي خائفاً (يقول: لا إله إلا الله ويل للعرب) ففي القاموس: الويل حلول الشر وهو تفجيع انتهى. وخص بذلك العرب لأنهم كانوا معظم من أسلم حينئذ (من شر) أي خروج جيش يقاتل العرب (قد اقترب) أي قرب ذلك الشر في غاية القرب بيانه قوله: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج) بالألف ويهمز فيهما بلا انصراف. والمراد بالردم السد والاسم والمصدر فيه سواء، وهو السد الذي بناه ذو القرنين. (مثل هذه) بالرفع على أنه نائب الفاعل لقوله: فتح. والإِشارة إلى الحلقة المبينة بقوله: (وحلق) بتشديد اللام، أي جعل حلقة (بإصبعيه) أي بضمهما (الإبهام والتي تليها) بالنصب على أنه مفعول حلق، أو على تفسير الأصبعين بتقدير أعني ويجوز جرهما على البدلية. والمراد أنه لم يكن في ذلك الردم ثقبة إلى اليوم وقد انفتحت فيه إذ انفتاحها من علامات قرب الساعة، فإذا اتسعت خرجوا وذلك بعد خروج الدجال كما سيأتي قريباً. ويأجوج ومأجوج جنسان من بني آدم وطائفتان كافرتان من الترك. (قالت زينب: فقلت: يا رسول الله أفنهلك) بصيغة المجهول من الاهلاك، وفي نسخة صحيحة بفتح النون وکسر اللام (وفينا الصالحون) أي أنعذب فنهلك نحن معشر الأمة، والحال أن بعضنا مؤمنون وفينا الطيبون الطاهرون. ويمكن أن يكون هذا من باب الاكتفاء على تقدير الاستغناء، أي وفينا الصالحون ومنا القاسطون. (قال: نعم) أي يهلك الطيب أيضاً (إذا كثر الخبث) بفتحتين، أي الفسق والفجور والشرك والكفور. وقيل: معناه الزنا. والمقصود أن النار وقعت في موضع واشتدت أكلت الرطب واليابس وغلبت على الطاهر والنجس ولا تفرق بين المؤمن والمنافق والمخالف والموافق. وسيأتي أن الله إذا أنزل بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم. وفي نسخة صحيحة الخبث بضم فسكون، أي الفواحش والفسوق أو معناهما واحد. (متفق عليه) وروى أبو داود والحاكم عن أبي هريرة: ويل للعرب من شر قد اقترب قد أفلح من کف یدہ(١) الحديث رقم ٥٣٤٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٣٨١. حديث رقم ٣٣٤٦. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٠٨ حديث رقم (٢٨٨/٢). والترمذي في السنن ٤١٦/٤ حديث رقم ٢١٨٧. وابن ماجه ٢/ ١٣٠٥ حديث رقم ٣٩٥٣. ومالك في الموطأ ٩٩١/٢ حديث رقم ٢٢ من كتاب الكلام. وأحمد في المسند ٢/ ٣٩٠. (١) أبو داود في سننه ٢٤٩/٤ حديث رقم ٤٢٤٩. والحاكم في المستدرك ٤٣٩/٤. ٥٢٤ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٤٣ - (٥) وعن أبي عامرٍ، أو أبي مالكِ الأشعريّ، قال: سمعتُ رسولَ الله وَّدول يقولُ: ((ليكونَنَّ من أُمتي أقوامٌ يستحلُّونَ الخزَّ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ، ولينزلَنَّ أقوامٌ إِلی جنبٍ عَلَمٍ پروُ علیهم بسارِحةٍ لهم، :١٠٥٩ ٥٣٤٣ - (وعن أبي عامر) هو عم أبي موسى الأشعري واسمه عبيد بن وهب. (وأبي مالك الأشعري) ويقال له الأشجعي واسمه مختلف فيه، وقد أخرج حديثه البخاري بالشك. فقال: عن أبي مالك الأشعري، أو أبي عامر. (قال:) أي أحدهما (سمعت رسول الله إليهم يقول: ليكونن من أمتي) كذا هو في نسخ البخاري، أي من جملتهم ووقع في المصابيح: في أمتي. (أقوام) أي جماعات (يستحلون الخز) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي، نوع من الحرير رديه. (والحرير والخمر) تخصيص بعد تعميم أو المراد بالنهي عن الخز هو الركوب عليه وفرشه للوطء لأنه من الإسراف وهو مكروه وإلا فلا، ونهيه عن لبسه فإنه ثوب ينسج(١) من صوف وإبريسم، نعم إذا كان لحمته حريراً وسداه غيره فممنوع لبسه إلا في الحرب بخلاف العكس فإنه قطني مشروع لبسه. (والمعازف) بفتح الميم أي آلات اللهو يضرب بها كالطنبور والعود والمزمار ونحوها. والمعنى: يعدون هذه المحرمات حلالات بإيرادات شبهات وأدلة واهيات، منها ما ذكره بعض علمائنا من أن الحرير إنما يحرم إذا كان ملتصقاً بالجسد وأما إذا لبس من فوق الثياب فلا بأس به فهذا تقييد من غير دليل نقلي ولا عقلي، ولإطلاق كلام الشارع ◌َل بقوله: ((من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)) (٢). وكثير من الأمراء والعوام إذا قيل لهم لبس الحرير حرام يقولون: لو كان حراماً لما لبسه القضاة وعلماء الأعلام فيقعون في استحلال الحرام. وكذلك لبعض العلماء تعلقات بالمعازف يطول بيانها فأعرضت عن تفصيل شأنها فإنه يحتاج إلى مصنف مستقل في تبيانها. وهذا الحديث مؤيد بقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم﴾ [لقمان - ٦ ]. وروى ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن أنس مرفوعاً: ليكونن في هذه الأمة خسف وقذف ومسخ وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف. أي إذا فعلوا هذه الأشياء مستحلين لها. (ولينزلن أقوام) أي منهم على ما هو الظاهر من استحقاقهم العذاب (إلى جنب علم) أي جبل (يروح) أي يسير (عليهم بسارحة لهم) أي ماشية لهم والباء زائدة في الفاعل. وقيل: الصواب يروح عليهم رجل بسارحة ذكره الطيبي [رحمه الله ]. والأظهر أن الفعل نزل منزلة اللازم والتقدير يقع السير عليهم بسير ماشية. وفيه إشارة لطيفة إلى أنهم في سيرهم تابعون لحيواناتهم على مقتضى الطباع الحيوانية والشهوات النفسانية وتاركون متابعة العلماء بالآيات القرآنية والأحاديث النورانية، ولذا وقعوا فيما وقعوا أولاً وجوزوا على ما فعلوه آخراً. الحديث رقم ٥٣٤٣: أخرجه البخاري في ٥١/١٠. حديث رقم ٥٥٩٠. وأبو داود في السنن ٣١٩/٤ حدیث رقم ٤٠٣٩. (١) في المخطوطة ((و)). (٢) البخاري في صحيحه ٢٨٤/١٠ حديث رقم ٥٨٣٢. ومسلم ١٦٤١/٣ حديث رقم (١١. ٢٠٦٩). ٥٢٥ کتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف يأتيهم رجلٌ لحاجة فيقولونَ: ارجِعْ إِلينا غداً، فيُبَيِّتُهُم اللَّهُ، ويضعُ العلمَ، ويمسخُ آخرِينَ قردةً وختَازيرَ إِلى يوم القيامة)). رواه البخاريُّ. وفي بعض نسخ ((المصابيح)): ((الحِرَ)) بالحاءِ والراءِ المهملتينِ، وهو تصحيفٌ، وإنما هوَ بالخاءِ والزاي المعجمتين، نصَّ عليه الحميديُّ وابن الأثير في هذا الحديث. وفي كتاب ((الحميدي)) عن البخاريٍّ، وكذا في ((شرحه)) للخطابي: ((تروحُ عليهم سارحَةٌ لهم يأتيهم لحاجةٍ)). وقيل: الأظهر أن الفاعل ضمير مفهوم من السياق، أي يأتيهم راعيهم كل حين بسارحة أي ماشية لهم تسرح بالغدوة ينتفعون بألبانها وأوبارها. (يأتيهم رجل لحاجة) أي ضرورية، وإلا فهم مبعدون من أن يأتيهم الناس أو من أن يحصل لهم بأحد من المؤمنين شيء من الاستئناس. (فيقولون:) أي تعللاً أو بخلاً وتذللاً (ارجع إلينا غداً) أي لنقضي حاجتك أو لنؤدي طلبتك من غير أن يقولوا: إن شاء الله (فيبيتهم) بالتشديد أي يعذبهم (الله) بالليل فإنه أدهى بالويل (ويضع) أي يوقع الله ويسقط (العلم) أي الجبل على بعضهم كما يدل عليه قوله: (ويمسخ آخرين قردة وخنازير) أي ويحول صور بعضهم إلى صور القردة والخنازير، فيكون نصبها بنزع الخافض وإيصال الفعل إليهما. ففي القاموس: مسخه كمنعه حول صورته إلى أخرى. ولعل المراد أن شبابهم صاروا قردة وشيوخهم خنازير لكثرة ذنوب الكبار وتخفيف أمر الصغار، فإن القرد يبقى فيه نوع من المعرفة وصنف من المشابهة بالجنس الإِنساني. وقوله: (إلى يوم القيامة) إشارة إلى أن مسخهم امتد إلى الموت وإن من مات فقد قامت قيامته، ويمكن أن يكون حشرهم على تلك الصور أيضاً. (رواه البخاري) وكذا أبو داود. وروى الطبراني عن أبي أمامة: ليبيتن أقوام من أمتي على أكل ولهو ولعب ثم ليصبحن قردة وخنازير(١). (وفي بعض نسخ المصابيح الحر بالحاء) أي المكسورة (والراء) أي المخففة (المهملتين وهو تصحيف، وإنما هو بالخاء) أي المفتوحة (والزاي) أي المشددة (المعجمتين نص عليه الحميدي) أي الجامع بين الصحيحين (وابن الأثير) أي صاحب جامع الأصول (في هذا الحديث وفي كتاب الحميدي عن البخاري) أي رواية عنه أيضاً (وكذا في شرحه) أي شرح البخاري (للخطابي: تروح) قيل بالتأنيث ويجوز تذكيره، بل هو الأظهر فتدبر. (عليهم سارخة لهم) أي بغير الباء الجارة (يأتيهم لحاجة) أي بحذف الفاعل والتقدير: يأتيهم الآتي أو المحتاج أو الرجل على ما يفهم من السياق. وللإسماعيلي: يأتيهم طالب حاجة على ما ذكره العسقلاني والله [تعالى ]أعلم. ثم للشراح هنا مباحث شريفة وأجوبة لطيفة، منها قول الشيخ التوريشتي [رحمه الله]: الحر بتخفيف الراء الفرج وقد صحف هذا اللفظ في كتاب المصابيح، وكذلك صحفه بعض الرواة من أصحاب الحديث فحسبوه الخز بالخاء والزاي المنقوطتين، والخز لم يحرم حتى يستحل. ولقد وجدت من الناس من اعتنى بخط من كان يعرف بعلم الحديث وحفظه فقد كان قيده بالخاء والزاي المنقوطتين حتى ثبت له أنه صحف، أو اتبع رواية بعض من لم يعلم ومنها قوله أيضاً في قوله: (١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٤٦٢ حديث رقم ٧٥٤٢٠. ايج : ٥ ٢٠٢١ ٠ ١جن : كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٢٦ تروح عليهم بسارحته. سقط منه فاعل تروح فالتبس المعنى على من لم يعلم به. وإنما الصواب يروح عليهم رجل بسارحة لهم كذا رواه مسلم في كتابه. وإنما السهو من المؤلف لأنا وجدنا النسخ سائرها على ذلك ومنها قوله: ويضع العلم سقط كلمة وهي عليهم انتهى. ويؤيده ما ذكره صاحب المفاتيح من شراح المصابيح من أن الحر بحاء مهملة مكسورة وراء مهملة مخففة وأصله الحرج. فحذفت الحاء الأخيرة وجمعه أحراج والحر الفرج. يعني: قد يكون جماعة في آخر الزمان يزنون ويعتقدون أنه إذا رضي الزوج والمرأة حل منها جميع أنواع الاستمتاعات ويقولون: المرأة مثل البستان، فكما أن لصاحب البستان أن يبيح ثمرة بستانه لمن شاء فكذلك للزوج أن يبيح زوجته لمن شاء. والذين لهم هذا الاعتقاد هم الحرفيون والملاحدة. وأما لبس الحرير فهو حرام على الرجال ومن اعتقد حله فهو كافر. وفي هذا الحديث اختلف نسخ المصابيح في موضعين: أحدهما في الحر فإنه في بعض النسخ بالخاء والزاي المعجمتين، والصواب ما قلنا فإنه ذكر في سنن أبي داود بالحاء والراء المهملتين. والموضع الثاني قوله: يروح عليهم رجل بسارحته لهم. ففي بعض النسخ هكذا وفي بعضها يروح عليهم من غير لفظ رجل. والرجل مذكور في سنن أبي داود، وأفاد هذا الحديث أنه يكون في آخر الزمان نزول الفتن ومسخ الصور فليجتنب المؤمن العاصي كيلا يقع في العذاب ومسخ الصور. قال الطيبي [رحمه الله ]بعد نقله كلام الشارح الأول: أما قوله: أولاً فقد صحف إلى آخره، فجوابه ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في هذا الحديث بعد ما روى: يستحلون الخز بالخاء والزاي المعجمتين. قلت: معارضة الخصم لا تصلح أن تكون جواباً. قال: والذي ذكره أبو إسحاق الحربي في باب الحاء والراء ليس من هذا في شيء، إنما هو حديث آخر عن أبي ثعلبة عن النبي وَل# قال: أول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك ورحمة وخيرة ثم ملك عض يستحل فيه الحر والحرير. يريد استحلال الحرام من الفروج، وهذا لا يتفق مع الذي أخرجه البخاري وكذلك أخرجه أبو داود في السنن في كتاب اللباس في باب الخز ولباسه. وإنما ذكرنا ذلك لأن من الناس من يتوهم في ذلك شيئاً فبيناه. وحديث أبي ثعلبة ليس من شرط الصحيح، ثم كلامه أي كلام أبي إسحاق وقريب منه ما ذكره صاحب النهاية في باب الحاء والراء المهملتين. قلت: كونه حديثاً آخر مسلم لكنه مؤيد للمنازع فيه بل نص في المعنى، المراد ولا يضره أنه ليس على شرط الشيخين إذا ثبت صحته، والأصل توافق الأحاديث لأن بعضها يفسر بعضاً لا سيما والخز بالزاي ليس من المحرمات حتى يكون استحلاله من الكفريات. ثم رأيت في الجامع الصغير أن ابن عساكر روى عن علي مرفوعاً: أوشك أمتي أن تستحل فروج النساء والحرير(١). وأما قوله ثانياً: والخز لم يحرم حتى يستحل فجوابه ما ذكره ابن الأثير في النهاية في حديث علي أنه نهى عن ركوب الخز والجلوس عليه. والخز المعروف في الزمن الأول ثياب تنسج من صوف وإبريسم وهي مباحة وقد لبسها (١) الجامع الصغير ١٦٥/١ حديث رقم ٢٧٨٥. ١٠ /١ ٢٣/١: ١٣٢٢/١ ١٠ ١٠ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٢٧ الصحابة والتابعون فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز النوع الآخر وهو المعروف الآن فهو حرام لأن جميعه معمول من الإبريسم وعليه يحمل الحديث الآخر. معنى هذا الحديث: يستحلون الخز والحرير. ثم كلامه أي كلام ابن الأثير. وفيه أن كون الركوب على الخز وفراشه مكروهاً مع أن الحرير كذلك لا يقتضي أن استباحته كفر يوجب العذاب، لا سيما والخز لغة واصطلاحاً في زمنه وَ﴿ كان من جملة المباحات، فكيف يصح أن يحمل عليه. وأما على ما تعورف عند بعض الناس من حمل الخز على الإبريسم فيبعد كلامه و * أن يفسر به، لا سيما مع وقوع تكراره مع صريح لفظ الحرير والأصل التغاير بين المتعاطفين. قال الطيبي [رحمه الله: فإن ]قلت: [كيف يعطف الحرير على الخز والأول مكروه والثاني حرام على المعنى الأول وعلى الثاني يلزم عطف الشيء على نفسه، أو كيف يحرم وإنه لم يكن مصطلحاً حينئذ. والجواب عن الأول أنه و # ذهب إلى التغليب الإرادة التغليظ. قلت: التغليب تغلب وعن ظاهره تقلب. قال: والجواب عن الثاني أنه عطف بيان وعن الثالث بأنه إخبار عن الغيب فكان معجزة. قلت: عطف البيان مسلم لو كان الخز في زمنه يطلق على الحرير، وأما جعله معجزة بأنه يطلق بعده على الحرير ففي غاية من البعد. قال: وأما قوله ثالثاً سقط منه فاعل يروح فالتبس المعنى، فجوابه أنه ما التبس منه بل رواه البخاري كما في المصابيح، ولكن الحميدي والخطابي وصاحب جامع الأصول ذكروا: تروح عليهم سارحة(١) بالتاء المقيدة بنقطتين من فوق ويرفع سارحة على الفاعلية، فوجب أن يقال إن الباء زائدة على أن الباء تزاد في الفاعل كما استدل بقول امرىء القيس: .74 ٠٠ بأن امرأ القيس بن نملك بيقرا ألا هل أتاها والحوادث جمة قلت: لا شك في وقوع الالتباس على تلك النسخة، وزيادة الباء في الفاعل من مختصات كفى والبيت ليس نصاً في المعنى بل الأظهر فيه حذف الفاعل على ما جوّزه بعضهم. قال: وأما نسبته إلى مسلم وأنه رواه في كتابه كذا فهو سهو منه لأني ما وجدت الحديث في كتاب مسلم، فكيف وقد أورده الحميدي في أفراد البخاري فحسب، وصاحب جامع الأصول رواه عن البخاري وأبي داود. قلت: من حفظ حجة على من لم يحفظ والمثبت مقدم على النافي، والشيخ ثقة محقق لا سيما وهو في صدد الاحتجاج. قال: وأما قوله رابعاً وقد سقط منه كلمة عليهم فإني ما وجدت في الأصول هذه الكلمة ثابتة. قلت: فثبت المدعي بالأقوى مع أنه أثبت وجوده في بعض النسخ وأسنده إلى مسلم وإسناده مسلم ثم قال: فإن قلت: كيف يكون نزول بعضهم إلى جنب علم ورواح سارحتهم عليهم ودفعهم(٢) ذا الحاجة بالمطل والتسويف سبباً لهذا العذاب الأليم والنكال الهائل العظيم. قلت: إنهم لما بالغوا في (١) في المخطوطة ((بارحة)). (٢) في المخطوطة ((رفع). ااہےم ٠٥٨٠ ٥٢٠٦٦ /٠١/٠١/ ٥٢٨ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٤٤ _ (٦) وعن ابنِ عمَّرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((إِذا أنزلَ اللَّهُ بقوم عذاباً أصابَ العذابُ من كانَ فيهم، ثمَّ بعثوا على أعمالهم)). متفق عليه. الشح والمنع بولغ في العذاب، وبيان ذلك أن في إيثار ذكر العلم على الجبل إيذاناً بأن المكان مخصب ممرع ومقصد لذوي الحاجات، فيلزم منه أن يكونوا ذوي ثروة وموئلاً للملهوفين، فلما دل خصوصية المكان على ذلك المعنى دل خصوصية الزمان في قوله: تروح عليهم سارحتهم. وتعديته بعلى المنبهة للاستعلاء على أن ثروتهم حينئذ أوفر وأظهر، وأن احتياج الواردين إليهم أشد وأكثر لأنهم أحوج ما يكونون حينئذ. وفي قولهم: ارجع إلينا غداً، إدماج لمعنى الكذب وخلف الموعد واستهزاء بالطالب فإذاً يستأهلون. قلت: هذا كله لم يفد استحقاق العذاب الشديد من المسخ المقرر فإنه لا يوجد في غير أهل الكفر. فالصواب ما قررناه وفيما سبق قدرناه وحررناه. قال: وإنما قلنا إن العلم يدل على الشهرة والمقصد لقول الخنساء في مدح أخيها: * كأنه علم في رأسه نار * نبهت به على أن أخاها مشهور معروف وملجأ للملهوفين ومأمن للمضطرين، فإن رواح السارحة دل على وفور الثروة وظهورها كقوله تعالى: ﴿ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون﴾ [النحل - ٦]. قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قدمت الإِراحة على التسريح. قلت: لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع ثم أدبرت إلى الحظائر. قال الخطابي: فيه بيان أن المسخ قد يكون في هذه الأمة وكذلك الخسف كما كانا في سائر الأمم خلاف قول من زعم أن ذلك لا يكون إنما مسخها بقلوبها. أقول: فما جاء في الأحاديث من نفيها فهو إما محمول على أول زمان الأمة فهو عام خص منه آخر الزمان بهذا الحديث، وإما محمول على مسخ جميع الأمة وخسفهم والمثبت منهما ما وقع لبعضهم والله [تعالى ]أعلم. ٥٣٤٤ - (وعن ابن عمر قال: قال رسول الله وَ *: إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم) أي جميعهم الصالحين والطالحين (ثم بعثوا) أي يوم القيامة (على أعمالهم) أي بعث الصالح على عمله وكذا الطالح. قال المظهر: يعني إذا أذنب بعض القوم نزل العذاب بجميع من كان في القوم سواء فيه المذنب وغيره بشرهم، ولكنهم مجزيون يوم القيامة على حسب أعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر. (متفق عليه) أي من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما ]عن أبيه ذكره ميرك. فكان حق المؤلف أن يسند الحديث إلى عمر رضي الله [تعالى ]عنه. الحديث رقم ٥٣٤٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/١٣. حديث رقم ٧١٠٨. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٠٦ حديث رقم (٢٨٧٩.٨٤) وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٤٠. ٥٢٩ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٤٥ - (٧) وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَليهِ: ((يبعثُ كلُّ عبدٍ على ما ماتَ علیه)). رواه مسلم. الفصل الثاني ٥٣٤٦ _ (٨) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما رأيتُ مثلَ النارِ نامَ هاربها، ولا مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها)). رواه الترمذي. ٥٣٤٧ _ (٩) وعن أبي ذرّ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: «إني أرى ما لا ترونَ، وأَسمَعُ ما لا تسمعونَ، أَطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لها أنْ تئطَّ، والذي نفْسي بيدِه ما فيها ٥٣٤٥ _ (وعن جابر قال: قال رسول الله وَ له: يبعث) أي يحشر يوم القيامة (كل عبد على ما مات عليه) أي من العمل خيراً كان أو شراً فيجازى به. (رواه مسلم) وكذا ابن ماجه. وفي رواية أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً: يبعث الناس على نياتهم(١). (الفصل الثاني) ٥٣٤٦ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ما رأيت) فيه معنى التعجب أي ما علمت (مثل النار) أي شدة وهولاً (نام هاربها) مفعول ثان ويمكن أن يكون رأيت بمعنى أبصرت فتكون الجملة صفة أو حالاً، أي صار غافلاً عنها وينبغي للهارب من عذاب النار أن يفر من عمل الفجار. (ولا مثل الجنة) أي من نعمة ونزلاً (نام طالبها) وينبغي له أن يجد كل الجد في امتثال الأوامر ليدرك الحد. (رواه الترمذي) ورواه الطبراني في الأوسط عن أنس. ٥٣٤٧ - (وعن أبي ذر قال: قال رسول الله وَ لجر: (٢) إني أرى ما لا ترون) أي أبصر ما لا تبصرون بقرينة قوله: (وأسمع ما لا تسمعون) ثم بين سماعه لقربه ولكونه نتيجة لكثرة ما رآه بقوله: (أطت السماء) بتشديد الطاء من الأطيط وهو صوت الأقتاب وأطيط الإِبل أصواتها وحنينها على ما في النهاية، أي صوّتت. (وحق) بصيغة المجهول، أي ويستحق وينبغي (لها أن تئط) أي تصوت. ثم بين سببه وهو ما رآه من الكثرة بقوله: (والذي نفسي بيده ما فيها) أي الحديث رقم ٥٣٤٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٠٦/٤ حديث رقم (٢٨٧٨.٨٣). وأحمد في المسند ٣٣١/٣. (١) أحمد في المسند ٣٩٢/٢. الحديث رقم ٥٣٤٦: أخرجه الترمذي في السنن ٦١٦/٤ حديث رقم ٢٦٠١. الحديث رقم ٥٣٤٧: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨٢/٤. حديث رقم ٢٣١٣. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٠٢ حديث رقم ٤١٩٠. وأحمد في المسند ١٧٣/٥. (٢) في المخطوطة ((النبي)) [ رَليّ]. -١ - ه+++ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٠ موضِعُ أربعةِ أصابعَ إِلاَّ وملَكٌ واضحٌ جبهته ساجدٌ للَّهِ، واللَّهِ لو تعلمون ما أعلمُ لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذَّذتم بالنساءِ على الفُرشاتِ، ولَخرجتم إِلى الصُّعُداتِ تجأرونَ إِلى اللَّهِ)). قال أبو ذرّ: يا ليتني كنتُ شجرةٌ تُعضَدُ. رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. ليس في السماء جنسها (موضع أربعة أصابع) بالرفع على أنه فاعل للظرف المعتمد على حرف النفي والمذكور بعد إلا في قوله: (إلا وملك) حال منه أي وفيه ملك (واضع جبهته لله ساجداً) أي منقاداً ليشمل ما قيل إن بعضهم قيام وبعضهم ركوع وبعضهم سجود كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿وما منا إلا له مقام معلوم﴾ [الصافات - ١٦٤]. أو خصه باعتبار الغالب منهم أو هذا مختص بإحدى السموات والله [تعالى ]أعلم. ثم اعلم أن أربعة بغير هاء في جامع الترمذي وابن ماجه، ومع الهاء في شرح السنة وبعض نسخ المصابيح. وسببه أن الأصبع يذكر ويؤنث. قال الطيبي [رحمه الله ]: أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة وإن لم يكن ثمة أطيط وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى. قلت: ما المحوج عن عدول كلامه ◌َّر من الحقيقة إلى المجاز مع إمكانه عقلاً ونقلاً حيث صرح بقوله: وأسمع ما لا تسمعون. مع أنه يحتمل أن يكون أطيط السماء صوتها بالتسبيح والتحميد والتقديس والتمجيد لقوله سبحانه: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ [الإسراء - ٤٤]. لا سيما وهي معبد المسبحين والعابدين ومنزل الراكعين والساجدين. (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرشات) بضم الفاء والراء جمع فرش، فهو جمع الجمع للمبالغة. (ولخرجتم) أي من منازلكم العاليات. (إلى الصعدات) بضمتين، أي إلى الصحارى واختيار الجمع للمبالغة. والصعد جمع صعيد كطرق جمع طريق وطرقات. والصعيد هو الطريق وفي الأصل التراب، أي لخرجتم إلى الطرقات البراري والصحارى وممر الناس، كما يفعل المحزون لبث الشكوى والهم المكنون. والأظهر أن الصعيد هو وجه الأرض، وقيل: التراب ولا معنى له ههنا. قال التوربشتي: المعنى لخرجتم من منازلكم إلى الجبانة متضرعين إلى الله تعالى. ومن حال المحزون أن يضيق به المنزل فيطلب الفضاء الخالي لشكوى بثه. (تجارون إلى الله) أي تتضرعون إليه بالدعاء ليدفع عنكم البلاء. (قال أبو ذر: يا ليتني كنت شجرة تعضد) بصيغة المجهول، أي تقطع وتستأصل وهذا نشأ من كمال خوفه من عذاب ربه. (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه). قال التوريشتي [رحمه الله ]: قوله: يا ليتني هو من قول أبي ذر ولكن ليس في كتاب أحمد ممن نقل هو عن كتابه. قال أبو ذر: بل أدرج في الحديث، ومنهم من قال قيل هو من قول أبي ذر وقد علموا أنه بكلام أبي ذر أشبه والنبي والقر أعلم بالله من أن يتمنى عليه حالاً هي أوضع مما هو فيه، ثم إنها مما لا تكون. قال الطيبي [رحمه الله تعالى]: في جامع الترمذي وجامع الأصول هكذا: تجأرون إلى الله لوددت أني شجرة تعضد. وفي رواية: أن أبا ذر قال: لوددت أني شجرة تعضد. ويروى عن أبي ذر موقوفاً وفي سنن ابن ماجه كما في المتن ونسخ المصابيح قال أبو ذر: يا ليتني. إلى آخره وللبحث فيه مجال. + tea ٥٣١ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٤٨ - (١٠) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((مَن خافَ أدلَجَ، ومَنْ أدلجَ بلغَ المنزلَ. أَلاَ إِنَّ سِلعةَ اللَّهِ غاليةٌ، أَلا إِنَّ سلعةَ اللَّهِ الجنَّةُ)). رواه الترمذي. ٥٣٤٩ _ (١١) وعن أنس، عن النبيِّ وََّ، قال: ((يقولُ اللَّهُ جلَّ ذكرُه: ((أخرِجوا منَ النّارِ مَن ذكرني يوماً أو خافَني في مقامٍ)). ٥٣٤٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: من خاف) أي البيات والإغارة من العدو وقت السحر. (أدلج) أي سار أوّل الليل ومن خاف فوت المطلوب سهر في طلب المحبوب. (ومن أدلج) أي بالسهر (بلغ المنزل) أي وصل إلى المطلب. قال الطيبي [رحمه الله]: هذا مثل ضربه النبي وَلوالسالك الآخرة فإن الشيطان على طريقه، والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه، فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق بأعوانه ثم أرشد إلى أن سلوك طريق الآخرة صعب وتحصيل الآخرة متعسر لا يحصل إلا بأدنى سعي. فقال: (ألا) بالتخفيف للتنبيه (أي سلعة الله) أي متاعه من نعيم الجنة المعبر عنه بالحسنى وزيادة (غالية) بالغين المعجمة، أي رفيعة القدر. (ألا إن سلعة الله) أي الغالية (الجنة) أي العالية، والمعنى ثمنها الأعمال الباقية المشار إليها بقوله سبحانه: ﴿والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخيراً أملاً﴾ [الكهف - ٤٦]. والمومى إليها بقوله عزَّ وعلا: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن له الجنة ﴾ [التوبة - ١١١]. (رواه الترمذي) وكذا الحاكم(١). ٥٣٤٩ _ (وعن أنس عن النبي وَل﴿ قال: يقول الله جلَّ ذكره:) أي عظم ذكره وفخم ذاكره، وما أحسن رفع(٢) ذكره في هذا المقام من حيث إنه توطئة لذكره في الأيام وخوفه في كل مقام. (أخرجوا من النار من ذكرني) أي بشرط كونه مؤمناً مخلصاً. (يوماً) أي وقتاً وزماناً (أو خافني في مقام) أي مكان في ارتكاب معصية من المعاصي كما قال تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات - ٤٠ - ٤١]. قال الطيبي [رحمه الله]: أراد الذكر بالإخلاص وهو توحيد الله عن إخلاص القلب وصدق النية، وإلا فجميع الكفار يذكرونه باللسان دون القلب يدل عليه قوله وسه: ((من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة))(٣). والمراد بالخوف كف الجوارح عن المعاصي وتقيدها بالطاعات، وإلا الحديث رقم ٥٣٤٨: أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٦/٤ حديث رقم ٢٤٥٠ (١) الحاكم في المستدرك ٣٠٨/٤ الحديث رقم ٥٣٤٩: أخرجه الترمذي في السنن ٦١٣/٤ حديث رقم ٢٥٩٤. (٢) في المخطوطة ((توقع)). (٣) أخرج أصحاب السنن وكتب الحديث. أحاديث كثيرة في ضرورة الإخلاص. منها ما أخرجه البخاري [١٩٣/١ حديث رقم ٩٩ ] وما أخرجه أحمد في المسند [٢٠٧/٢ ]. وكذلك الترمذي في السنن [٥٣٦/٥ حديث رقم ٣٥٩٠ ] وأخرجه أحمد فى المسند ((قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان)) = ـاقوى عجبي الـ ٥٣٢ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف رواه الترمذي، والبيهقي في ((كتاب البعث والنشور)). ٥٣٥٠ _ (١٢) وعن عائشةَ، قالت: سألتُ رسولَ اللهِ وَلَ عن هذه الآية: ﴿والذينَ يُؤْتون ما آتوا وقُلوبُهم وَجِلَةٌ﴾ أَهمُ الذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرِقونَ؟ قال: ((لا، يا بنتَ الصدِّيقِ! ولكنهم الذين يصومونَ ويصلونَ ويتصدَّقونَ، فهو حديث نفس وحركة لا يستحق أن يسمى خوفاً وذلك عند مشاهدة سبب هائل، وإذا غاب ذلك السبب عن الحس رجع القلب إلى الفضلة. قال الفضيل: إذا قيل لك: هل تخاف الله فاسكت. فإنك إذا قلت: لا، كفرت وإذا قلت: نعم، كذبت أشار به إلى الخوف الذي هو كف الجوارح عن المعاصي. (رواه الترمذي) أي في سننه (والبيهقي في كتاب البعث والنشور). ٥٣٥٠ - (وعن عائشة قالت: سألت رسول الله وسلم عن هذه الآية: والذين يؤتون ما آتوا) أي يعطون ما أعطوه من الزكاة والصدقات. وقرىء يأتون ما أتوا بالقصر، أي يفعلون ما فعلوه من الطاعات. (وقلوبهم وجلة)(١) أي خائفة أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذون به. وتمامه: ﴿أنهم إلى ربهم راجعون﴾. أي لأن مرجعهم إليه. ﴿أولئك الذين يسارعون في الخيرات ﴾. أي يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها. ﴿وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون - ٦١]. أي لأجلها فاعلون السبق، أو سابقون الناس إلى الطاعات(٢) أو الثواب أو الجنة. قال الطيبي [رحمه الله]: هو هكذا في نسخ المصابيح وهي القراءة المشهورة، ومعناه يعطون ما أعطوا. وسؤال عائشة رضي الله تعالى عنها: (أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون) لا يطابقها وقراءة رسول الله ولو يأتون ما أتوا بغير مد، أي يفعلون ما فعلوا وسؤالها مطابق لهذه القراءة وهكذا هو في تفسير الزجاج والكشاف. قلت: مؤدي القراءتين واحد لأن المراد بالقراءة الشاذة المنسوبة إليه و9 قبل قطع طرق التواتر يفعلون ما فعلوه من الطاعة، لا ما ظنت عائشة رضي الله عنها أن المراد به ما فعلوه من المعصية ولا المعنى الأعم من الخير والشر لعدم مطابقته لقوله سبحانه: ﴿أولئك يسارعون في الخيرات﴾ [المؤمنون - ٦١]. (قال:) أي النبي وَل ـ (لا) أي ليسوا هم، أو ليس المراد من الآية أمثالهم. (يا بنت الصديق) وفي نسخة يا ابنة الصديق. وفي هذا النداء منقبة عظيمة لها ولأبيها على وجه التحقيق فكأنه قال: ليس كذلك وأنت الصادقة على ما هو المتعارف من حسن الآداب بين الأحباب. (ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون) فهذا تفسير لقوله تعالى: ﴿والذين يؤتون ما آتوا﴾. على القراءتين غايته ٢٠٢٠٧ [١٤٧/٥] وأخرج النسائي في السنن ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً)) [ ٢٥/٦ = حديث رقم ٣١٤٠]. وحديث من قال ((لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة)). أخرجه البزار. الحديث رقم ٥٣٥٠: أخرجه الترمذي في السنن ٣٠٦/٥ حديث رقم ٣١٧٥. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٠٤ حديث رقم ٤١٩٨. وأحمد في المسند ١٥٩/٦. (١) سورة المؤمنون . آية رقم ٦٠. (٢) في المخطوطة ((طاعة)). ٥٣٣ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف وهُم يخافونَ أن لا يُقبلَ منهم، أولئكَ الذين يسارِعونَ في الخيراتِ)). رواه الترمذي، وابن ماجه . ٥٣٥١ _ (١٣) وعن أَبيِّ بن كعب، قال: كانَ النبيُّ وَّهِ إِذا ذهبَ ثُلثا الليلِ قامَ فقال: (يا أيُّها الناسُ! اذكروا اللَّهَ، اذكروا اللَّهَ، جاءَتِ الرَّاجفةُ، تتبعُها الرادِفةُ، جاءَ الموتُ بما فیهِ، جاء الموتُ بما فيه)). أن في كل نوع منهما تغليب، فالمشهورة ظاهرها متعلق بالعبادة المالية كما أن الشاذة تتعلق بالطاعة البدنية على أن المشهورة، يمكن أن يقال في تفسيرها: يعطون من أنفسهم ما أعطوا من الطاعات فيشمل النوعين من العبادة. (وهم يخافون أن لا يقبل منهم) أي لا أنهم يخافون مما فعلوا بدليل قوله تعالى: (أولئك الذين يسارعون في الخيرات) فإنه لا يصح أن يحمل على شربة الخمر وسرقة المال وسائر السيئات (رواه الترمذي وابن ماجه). ٥٣٥١ - ﴿وعن أبي بن كعب قال: كان النبي ◌َّ- إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: يا أيها الناس) أراد به النائمين من أصحابه الغافلين عن ذكر الله ينبههم عن النوم ليشتغلوا بذكر الله تعالى والتهجد، وفي هذا مأخذ للمذكرين من المؤذنين وأنه ينبغي لهم أن لا يقوموا قبل مضي الثلثين من الليل. وفيه إشارة إلى استحباب القيام في الثلث الأخير من الليل استحباباً مؤكداً. (اذكروا الله) أي بوحدانية ذاته وسائر صفاته (اذكروا الله) أي عقابه وثوابه لتكونوا بين الخوف والرجاء وممن قال تعالى فيهم: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ﴾ [السجدة - ١٦]. وفي نسخة: اذكروا الله ثلاث مرات، أي آلاءه ونعماءه وسراءه وضراءه، (جاءت الراجفة) فيه إشارة إلى قوله تعالى: (يوم ترجف الراجفة﴾ [النازعات - ٦ ]. وعبر بصيغة الماضي لتحقق وقوعها فكأنها جاءت. والمراد أنه قارب وقوعها فاستعدوا لتهويل أمرها. والراجفة هي الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ من الأرض والجبال لقوله تعالى: ﴿يوم ترجف الأرض والجبال﴾ [المزمل - ١٤]. أو مجاز عن الواقعة التي ترجف الأجرام عندها، وهذا المعنى أنسب بالحديث في هذا المقام وهي النفخة الأولى. (تتبعها الرادفة) أي التابعة وهي السماء والكواكب تنشق وتنتشر أو النفخة الثانية وهي التي يحيي فيها الخلق. والجملة في موقع الحال أو استئناف بيان لما يقع بعد الرجفة. قال الطيبي [رحمه الله ]: راد بالراجفة النفخة الأولى التي يموت منها جميع الخلق والراجفة صيحة عظيمة فيها تردد واضطراب كالرعد إذا تمحص، وأراد بالرادفة النفخة الثانية ردفت النفخة الأولى. أنذرهم وَيّ باقتراب الساعة لئلا يغفلوا عن استعدادها (جاء الموت بما فيه) أي مع ما فيه من الشدائد الكائنة في حالة النزع والقبر وما بعده. وفيه إشارة إلى أن من مات فقد قامت قيامته فهي القيامة الصغرى الدالة على القيامة الكبرى. (جاء الموت بما فيه) لعل الأول بيان ما وقع وتحقق لمن قبلنا موعظة لنا فقد ورد: كفى بالموت واعظاً. والثاني إشارة إلى قرب مجيئه بالموجودين وهذا الحديث رقم ٥٣٥١: أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٩/٤ حديث رقم ٢٤٥٧. وأحمد في المسند ١٣٦/٥. : : كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٤ رواه الترمذي. ٥٣٥٢ - (١٤) وعن أبي سعيدٍ، قال: خرجَ النبيِّ وَّهِ لصلاة فرأى النَّاسَ كأنَّهم يكتشرون قال: ((أَما إِنَّكم لَو أكْثرتُم ذكر هاذِم اللَّذات لشغلكم عمَّا أرى، الموتُ، فأكثروا ذكر هاذِم اللَّذاتِ، الموتِ، فإنّهُ لم يأتِ على القبر يومٌ إِلا تكلّم فيقول: أنا بيتُ الغربة، وأنا بيتُ الوحدة، التأسيس السديد المؤسس على التأبيد أولى من حمل التكرار على التأكيد (رواه الترمذي) قال المنذري: رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه(١). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٥٣٥٢ - (وعن أبي سعيد قال: خرج النبي وَلي لصلاة) أي لأداء صلاة. والظاهر المتبادر من مقتضى المقام أنها صلاة جنازة لما ثبت أنه س* إذا رأى جنازة رؤيت عليه كآبة أي حزن شديد وأقل الكلام. (فرأى الناس كأنهم يكتشرون) أي يضحكون من الكشر وهو ظهور الأسنان للضحك، ولعل التاء للمبالغة. ففي القاموس: كشر عن أسنانه أبدى يكون في الضحك وغيره انتهى. فيؤخذ منه أنهم جمعوا بين الضحك البالغ والكلام الكثير. قال التوربشتي [رحمه الله ]: أي يضحكون، والمشهور في اللغة الكسر. (قال: أما) بالتخفيف لينبه على نوم الغفلة الباعث على الضحك والمكالمة. (إنكم لو أكثرتم ذكر هادم (٢) اللذات) بالدال المهملة في أصل السيد وأكثر النسخ المعتمدة، وفي بعضها بالذال المعجمة واقتصر عليه السيوطي [رحمه الله ]في حاشية الترمذي. وفي القاموس: هذم بالمعجمة قطع وأكل بسرعة، وبالمهملة نقض البناء. والمعنى: لو أكثرتم من ذكر قاطع اللذات. (لشغلكم عما أرى) أي من الضحك وكلام أهل الغفلة (الموت) بالجر تفسير لهادم اللذات أو بدل منه كما يأتي فيما بعده، وبالنصب بإضمار أعني وبالرفع بتقدير هو الموت. (فأكثروا ذكر هاذم (٣) اللذات) أي الموجودة المعمولة للأغنياء والمفقودة المسؤولة للفقراء، فهو موعظة بليغة للطائفتين. ومن الغريب أن ذكر الموت يحيي القلب والنوم أخو الموت. وكان شيخنا العارف بالله تعالى [رحمه الله ]الولي مولانا نور الدين علي المتقي يعمل كيساً مكتوباً عليه لفظ الموت يعلق في رقبة المريد ليستفيد منه أنه قريب غير بعيد، فيقصر أمله ويكثر عمله. وكان بعض الصالحين من السلاطين أمر واحداً من أمرائه أن يقف دائماً من ورائه يقول: الموت الموت. ليكون دواء لدائه. ثم إنه ◌َلو بين للصحابة وجه حكمة الأمر بإكثار ذكر الموت وأسبابه بقوله: (فإنه) أي الشأن (لم يأت على القبر يوم) أي وقت وزمان (إلا تكلم) أي بلسان القال أو بيان الحال. وفي رواية زيادة: فيه، أي في ذلك اليوم (فيقول: أنا بيت الغربة) أي فكن في الدنيا كأنك غريب (وأنا بيت الوحدة) أي فلا ينفع (١) الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢١. الحديث رقم ٥٣٥٢: أخرجه الترمذي في السنن ٥٥١/٤ حديث رقم ٢٤٦٠. والنسائي في السنن ٤/ ٤ حدیث رقم ١٨٢٤. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٢٢ حديث رقم ٤٢٥٨. (٢) كذا في المخطوطة. والصواب ((هاذم)) كذا الرواية المشهورة. مربـ ٠٫٠ ٥٣٥ کتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف وأنا بيتُ التراب، وأنا بيتُ الدُّودِ، وإِذا دُفن العبدُ المؤمنُ قال له القبر: مرحباً وأهلاً، أما إِن كنت لأحبّ من يمشي على ظهري إِليَّ. فإِذ وُلِيتُكَ اليوم وصرتَ إِليَّ فسترى صنيعي بك)). قال: ((فيتَّسعُ له مَدَّ بَصَرِهِ، ويُفْتَحُ له بابٌ إِلى الجنَّة، وإِذا دفن العبدُ الفاحرُ أو الكافرُ قال له القبر: لا مرحباً ولا أهلاً، أمّا إِن إلا التوحيد وشهود الواحد القهار. (وأنا بيت التراب) أي أصل كل حي مخلوق فمن مرجعه للتراب ينبغي أن يكون مسكيناً ذا متربة لئلا تفوته جنسية المناسبة. (وأنا بيت الدود) أي فلا ينبغي أن تكون همتكم ونهمتكم في استعمال اللذات من المأكول والمشروب، لأن مآل أمرها إلى الفناء ولا ينفع في ذلك المكان إلا العمل الصالح فالقبر صندوق العمل. قيل: يتولد الدود من العفونة وتأكل الأعضاء ثم يأكل بعضها بعضاً إلى أن تبقى دودة واحدة فتموت جوعاً، واستثني الأنبياء والأولياء والعلماء من ذلك فقد قال وَلي: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء(١). وقال تعالى في حق الشهداء: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران - ١٦٩]. والعلماء العاملون المعبر عنه بالأولياء مدادهم أفضل من دماء الشهداء. (وإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر:) أو ما يقوم مقامه (مرحباً) أي أتيت مكاناً واسعاً لرقدتك (وأهلاً) أي وحضرت أهلاً لمحبتك (أما) بتخفيف الميم للتنبيه (إن كنت) أي أنه كنت فإن مخففة من المثقلة واللام فارقة بينها وبين أن النافية في قوله: (لا حب) وهو أفعل تفضيل بني للمفعول أي لأفضل (من يمشي على ظهري إليَّ) متعلق بأحب (فإذ) بسكون الذال. وأبعد الطيبي حيث قال: وفي إذ معنى التعليل، إذ الصحيح أنه هنا ظرف محض والعلة والسبب كونه مؤمناً، أي فحين. (وليتك) من التولية مجهولاً، أو من الولاية معلوماً، أي صرت قادراً حاكماً عليك. (اليوم) أي هذا الوقت وهو ما بعد الموت والدفن (وصرت إليَّ) أي مقهوراً ومجبوراً (فسترى) أي ستبصر أو تعلم (صنيعي بك) من الإِحسان إليك بالتوسيع عليك (قال:) أي النبي ◌َّ وإنما أعاده لطول الكلام ولئلا يتوهم أن ما بعده من كلام الراوي تفسير للمرام. (فيتسع) أي فيصير القبر وسيعاً. وفي رواية: فيوسع (له) أي للمؤمن (مد بصره) أي من كل جانب حقيقة أو كشفاً أو مجازاً عن عدم التضييق حساً ومعنى، وفيه كناية عن تنويره أيضاً. (ويفتح له باب إلى الجنة) أي ويعرض له مقعده منها يأتيه من روحها ونسيمها ويشم من طيبها وتقر عينه بما يرى فيها من حورها وقصورها وأنهارها وأشجارها وأثمارها. (وإذا دفن العبد الفاجر) أي الفاسق والمراد به الفرد الأكمل وهو الفاسق بقرينة مقابلته لقوله: العبد المؤمن. سابقاً ولما سيأتي من قول القبر له بكونه أبغض من يمشي على ظهره، ومنه قوله تعالى: ﴿أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً﴾ [السجدة - ١٨] الآية. (أو الكافر) شك من الراوي لا للتنويع وقد جرت عادة الكتاب والسنة على بيان حكم الفريقين في الدارين والسكوت عن حال المؤمن الفاسق ستراً عليه، أو ليكون بين الرجاء والخوف لا لإثبات المنزلة بين المنزلتين كما توهمت المعتزلة. (قال له القبر: لا مرحباً ولا أهلاً أما إن (١) اللالكاني في السنة ذكره في كنز العمال ٣٢٤/١١ حديث رقم ٣١٦٣٧. ٥٣٦ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف كنت لأبغضَ مَنْ يمشي على ظهري إِليَّ، فإِذ وُلّيتكَ اليومَ وصرتَ إِليَّ فسترى صنيعي بك)) قال: «فیلتئم علیه حتّی یختلف أضلاعُهُ)). قال: وقال رسول الله ێ بأصابعه، فأدخل بعضها في جوف بعضٍ. قال: ((ويُقيَّضُ له سبعون تِنْيناً لَو أنَّ واحداً منها نفخ في الأرض ما أنبتَتْ شيئاً ما بقيت الدنيا، فيَنْهَسْنَهُ ويخدِشْنَهُ حتى يُفْضى به إلى الحساب)). قال: وقال رسول الله وَّهِ: ((إِنما القبر روضة من رياض الجنَّة، أو حُفْرَةٌ منْ حُفَرِ النارِ)). رواه الترمذي. كنت لأبغض من يمشي على ظهري إلي فإذ وليتك اليوم وصرت إلي فسترى صنيعي بك. قال:) أي النبي والتر (فيلتئم) أي ينضم القبر (عليه حتى تختلف أضلاعه) أي يدخل بعضها في بعض. وفي رواية: حتى تلتقي وتختلف أضلاعه (قال:) أي الراوي (وقال) أي أشار (رسول الله ◌َ و بأصابعه) أي من اليدين الكريمتين (فأدخل بعضها) وهو أصابع اليد اليمنى (في جوف بعض) وفيه إشارة إلى أن تضييق القبر واختلاف الأضلاع حقيقي لا أنه مجاز عن ضيق الحال وأن الاختلاف مبالغة في أنه على وجه الكمال كما توهمه بعض أرباب النقصان، حتى جعلوا عذاب القبر روحانياً لا جسمانياً. والصواب أن عذاب الآخرة ونعميها متعلقان بهما. (قال:) أي النبي وَ لّ (ويقيض) بتشديد الياء المفتوحة، أي يسلط ويوكل (له) أي بخصوصه وإلا فهو عليه (سبعون تنيناً) بكسر التاء وتشديد النون الأولى مكسورة، أي حية عظيمة يقال له أزرد بالفارسي وبالعربي أفعى. وعدد السبعين يحتمل التحديد والتكثير. ويؤيد الثاني ما ذكره في الإخياء عن أبي هريرة مرفوعاً: هل تدرون في ماذا أنزلت. ﴿فإن له معيشة ضنكاً﴾ [طه - ١٢٤]. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: عذاب الكافر في قبره يسلط عليه تسعة وتسعون تنيناً. هل تدرون ما التنين قال: تسعة وتسعون حية لكل واحدة تسعة وتسعون رأساً يخدشنه ويلحسنه وينفخن في جسمه إلى يوم القيامة انتهى. (لو أن واحداً منها نفخ) بالخاء المعجمة أي تنفس (في الأرض ما أنبتت) أي الأرض (شيئاً) أي من الإنبات أو النباتات (ما بقيت الدنيا) أي مدة بقائها (فينهسنه) بفتح الهاء وسكون السين المهملة، أي يلدغنه. وفي القاموس: نهس اللحم كمنع وفرح أخذه بمقدم أسنانه ونتفه. (ويخدشنه) بكسر الدال أي يجرحنه (حتى يفضي) بضم فسكون فاء ففتح ضاد معجمة، أي يوصل. (به) أي بالكافر (إلى الحساب) أي وثم إلى العقاب. وفيه دليل على أن الكافر يحاسب خلافاً لما توهم بعضهم أن الكافر يدخل النار بغير حساب، اللهم إلا أن يقال المراد بالحساب الجزاء وإن ظواهر الآيات من قوله: ﴿ومن خفت موازينه﴾ [المؤمنون - ١٠٣، الأعراف - ٩]. فصريح في حسابهم. نعم يمكن أن يكون بعضهم من العصاة العتاة يدخلون النار من غير حساب ولا كتاب كما يدخل بعض المؤمنين المبالغين في الصبر والتوكل على ما سبق بغير حساب والله [تعالى ]أعلم بالصواب. (قال:) أي الراوي (وقال رسول الله ويلي:) أي في هذا المحل أو في وقت آخر فتأمل. (إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار) بصيغة الإفراد المناسبة للفظة الجنة. وفي نسخة: النيران. لمناسبة جمع الحفر ولأن المراد بالجنة الجنان. قال الطيبى [رحمه الله]: قوله: من حفر النار. كذا في جامع الترمذي وجامع الأصول وأكثر نسخ المصابيح، وفي بعضها النيران بالجمع. (رواه الترمذي) قال السيوطي [رحمه الله ]: وحسنه. وأخرج الطبراني في الأوسط عن ٥٣٧ .79: كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٥٣ - (١٥) وعن أبي جحيفة، قال: قالوا: يا رسول الله! قَد شِبتَ. قال: ((شيبتني سورة هودٍ وأخواتُها)). رواه الترمذي. أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله * في جنازة فجلس إلى قبر فقال: ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت طلق ذلق: يا ابن آدم كيف نسيتني ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه. ثم قال رسول الله وَلقر: القبر روضة. وفي نسخة: إما روضة من رياض الجنة أو حفر من حفر النار. قال سفيان الثوري: من أكثر من ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة. ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار. ٥٣٥٣ - (وعن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وبالفاء. ذكر أن النبي وَلأول توفي ولم يبلغ الحلم ولکنه سمع منه وروي عنه. مات بالكوفة روی عنه ابنه عون وجماعة من التابعين. (قال: قالوا) أي بعض الصحابة (قد شبت) أي ظهر عليك آثار الضعف. قيل: أوان الكبر. وليس المراد منه ظهور كثرة الشعر الأبيض عليه لما روى الترمذي عن أنس قال: ما عددت في رأس رسول الله وَله ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاً. (قال: شيبتني هود) بغير انصراف وفي نسخة بالصرف. قيل: إن جعل هود اسم السورة لم يصرف وإلا صرف(١)، فالمضاف مقدر حينئذ. أقول: لأنه إذا لم يصرف كان كجور وإذا صرف كان التقدير سورة هود. ويؤيده ما في نسخة صحيحة: سورة هود. (وأخواتها) أي وأشباهها من السور التي فيها ذكر القيامة والعذاب. قال التوربشتي [رحمة الله تعالى]: يريد أن اهتمامي بما فيها من أهوال القيامة والحوادث النازلة بالأمم الماضية أخذ مني مأخذه حتى شبت قبل أوان المشيب خوفاً على أمتي. وذكر في شرح السنة عن بعضهم قال: رأيت النبي ◌َّر في المنام فقلت له: رُوِيَ عنك أنك قلت: شيبتني هود. فقال: نعم. فقلت: بأية آية. قال: قوله: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود - ١١٢ ]. قال الإِمام فخر الدين [رحمه الله]: الملك المعين وذلك أن الاستقامة على الطريق المستقيم من غير ميل إلى طرفي الافراط والتفريط في الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة عسر جداً. قلت: لا شك أن الاستقامة خير من ألف كرامة لكونها أصعب من جسر القيامة، مع أنها أدق من الشعر وأمر من الصبر وأحد من السيف وأحر من الصيف. لكن حمل الحديث على الآية غير ظاهر لقوله: وأخواتها المفسرة بالسور الآتية التي ليس فيها ذكر الاستقامة. فأما أن يقال المقصود من ذكر القيامة وأهوالها والنار وأهوالها إنما هو تحصيل الاستقامة للتخليص عن الندامة والملامة، فكأنها مذكورة في جميعها. أو يقال الجواب للنائم كان على طبق ما يناسبه من المقام الذي هو فيه والتحريض على ما هو المطلوب منه، فيكون من باب أسلوب الحكيم والله سبحانه [وتعالى] أعلم. (رواه الترمذي) أي عن أبي جحيفة. ورواه الطبراني عن عقبة بن عامر وعن أبي جحيفة أيضاً وزاد ابن مردويه عن أبي بكر: قبل المشيب. الحديث رقم ٥٣٥٣: أخرجه الترمذي في السنن ٣٧٥/٥ حديث رقم ٣٢٩٧. (١) في المخطوطة ((الأطراف)). ٥٣٨ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٥٤ - (١٦) وعن ابنِ عبَّاس. قال: قال أبو بكر: يا رسول الله! قد شِبْتَ. قال: (شيبتني (هود) و (الواقعة) و (المرسلات) و (عمَّ يتساءلون) و(إِذا الشمسُ كوِّرت)). رواه الترمذي. وذكر حديث أبي هريرةً: ((لا يلج النار)) في ((كتاب الجهاد)). الفصل الثالث ٥٣٥٥ _ (١٧) عن أنس، قال: إِنَّكُمْ لتعملون أعمالاً هي أدقُّ في أعينِكم من الشعر، كنَّا نعدُّها على عهد رسول الله وَ ل و من الموبقات، يعني المهلكات. رواه البخاري. ٥٣٥٤ - (وعن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله قد شبت. قال: شيبتني هود والواقعة والمرسلات) بالرفع ويجوز كسرها على الحكاية. (وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت) يعني وأمثالها مما فيه ذكر القيامة وأهوالها. (رواه الترمذي) وكذا الحاكم(١) ورواه أيضاً عن أبي بكر، ورواه ابن مردويه عن سعد. ورواه سعيد بن منصور في سننه عن أنس، وابن مردويه عن عمران بلفظ: شيبتني هود وأخواتها من المفصل. وفي رواية لابن مردويه عن أنس: شيبتني سورة هود وأخواتها الواقعة والقارعة والحاقة وإذا الشمس كورت وسأل سائل. (وذكر حديث أبي هريرة: لا يلج النار) أي لا يدخلها من بكى من خشية الله الحديث بطوله. (في كتاب الجهاد) أي فأسقط للتكرار. **** / (الفصل الثالث) سه الهوى ٥٣٥٥ - (عن أنس قال: إنكم لتعملون أعمالاً) أي عظيمة في نفس الأمر وتستصغرونها وتعدونها من الكرامات، وهذا معنى قوله: (هي أدق في أعينكم من الشعر) قال الطيبي [رحمه الله ]: عبارة عن تدقيق النظر في العمل وإمعانه فيه. والمعنى: إنكم تعملون أعمالاً وتحسبون أنكم تحسنون صنعاً وليس كذلك في الحقيقة. (كنا نعدها) أي تلك الأعمال (على عهد رسول الله (1) أي في زمانه (من الموبقات) بكسر الموحدة يعني المهلكات، تفسير من أحد الرواة، أي يريد أنس بالموبقات المهلكات ومنه قوله تعالى: ﴿وجعلنا بينهم موبقاً﴾ [الكهف - ٥٢]. بفتح الميم أي مهلكاً. (رواه البخاري). الحديث رقم ٥٣٥٤: أخرجه الترمذي ٣٧٥/٥ حديث رقم ٣٢٩٧. (١) الحاكم في المستدرك ٣٤٣/٢. الحديث رقم ٥٣٥٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٢٩/١١. حديث رقم ٦٤٩٢. والدارمي في السنن ٢/ ٤٠٧ حديث رقم ٢٧٦٨. وأحمد في المسند ٦/ ٧٠. /im ٤ جون ٥٣٩ كتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف ٥٣٥٦ - (١٨) وعن عائشة، أنَّ رسول اللهوَ ◌ّ قال: ((يا عائشة! إِيَّاكِ ومحقراتٍ الذنوب، فإِنَّ لها مِنَ اللَّهِ طالباً». رواه ابن ماجه، والدارمي، والبيهقي في ((شعب الإِيمان)). ٥٣٥٧ - (١٩) وعن أبي بردة بن أبي موسى، قال: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيكَ؟ قال: قلت: لا. قال: فإِن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى! ٥٣٥٦ - (وعن عائشة أن رسول الله وَ لي قال: يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب) أي صغائرها، وخص بها فإنه ربما يسامح صاحبها فيها بعدم تداركها بالتوبة وبعدم الالتفات بها في الخشية غفلة عنه أنه لا صغيرة مع الإصرار، وإن كل صغيرة بالنسبة إلى عظمة الله وكبريائه كبيرة والقليلة منها كثيرة، ولذا قد يعفو الله عن الكبيرة ويعاقب على الصغيرة كما يستفاد من قوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء - ٤٨]. وأما قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ [النساء - ٣١]. الصغيرة بسبب العبادات المكفرة، لكن بشرط اجتنابكم الكبائر لا بمجرد اجتناب الكبائر على ما ذهب إليه المعتزلة والله [تعالى] أعلم. (فإن لها) أي للمحقرات من الذنوب (من الله) أي من عنده سبحانه (طالباً) أي نوعاً من العذاب يعقبه، فكأنه يطلبه طلباً لا مرد له. فالتنوين للتعظيم، أي طالباً عظيماً فلا ينبغي أن يغفل عنه بل ينبغي أن يخشى منه. وقال الطيبي (رحمه الله]: قوله: من الله طالباً، هو من باب التجريد كقول القائل: * وفي الرحمن للضعفاء كاف * وأقول: الظاهر في قول القائل أن معناه: وفي رحمة الرحمن للضعفاء كفاية؛ فإن اسم الفاعل قد يأتي بمعنى المصدر كما هو مذكور في مقامه المقرر. (رواه ابن ماجه) أي في سننه (والدارمي) أي في مسنده (والبيهقي في شعب الإيمان) ورواه أحمد والطبراني والبيهقي والضياء عن سهل بن سعد مرفوعاً ولفظه: إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود حتى حملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه. رواه أحمد والطبراني أيضاً عن ابن مسعود نحوه. ٥٣٥٧ - (وعن أبي بردة بن أبي موسى) قال المؤلف: هو عامر بن عبد الله بن قيس الأشعري أحد التابعين المشهورين المكثرين، مع أباه وعلياً وغيرهما. كان على قضاء الكوفة بعد شريح فعزله الحجاج. (قال: قال لي عبد الله بن عمر: هل تدري ما قال أبي لأبيك) أي في أمر غلبة الخوف المعنون به الباب. (قال:) أي أبو بردة أو التقدير: قال الراوي ناقلاً عن أبي بردة. (قلت: لا.) أي لا أدري (قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى) ناداه بكنيته إشعاراً الحديث رقم ٥٣٥٦: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٢١٧/٢ حديث رقم ٤٢٤٣. والدارمي في السنن ٢٪ ٣٩٢ حديث رقم ٢٧٢٦. وأحمد في المسند ٤٠٢/١. الحديث رقم ٥٣٥٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٧/ ٢٥٤. حديث رقم ٣٩١٥. ٥٤٠ کتاب الرقاق/ باب البكاء والخوف هل يسُرُك أنَّ إِسلامنا مع رسول الله وَّر وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا كله معه بَرَد لنا؟ وأن كلَّ عملٍ عملناهُ بعدهُ نجونا منه كفافاً، رأساً برأس؟ فقال أبوك لأبي: لا والله، قد جاهدنا بعد رسول الله وَ﴿ وصلّينا وصمنا وعملنا خيراً كثيراً. وأسلم على أيدينا بشرٌ كثير وإِنا لنرجو ذلك. قال أبي: ولكني أنا، والذي نفسُ عمّرَ بيده لوددتُ أن ذلك بَرَد لنا، وأنَّ كل شيءٍ عملناه بعده نَجَوْنَا منه كفافاً رأساً برأس. بعظمته وتقريباً لحضرته. (هل يسرك) أي يوقعك في السرور (إن إسلامنا مع رسول الله وَلي) أي منهما مع بعثته (وهجرتنا معه وجهادنا معه وعملنا) كالصلاة والصوم والزكاة والحج وأمثالها. (كله) أي جميعه بجميع أفراده وأصنافه (معه) أي في زمنه (برد) أي ثبت ودام (لنا) ففي النهاية في الحديث: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة. أي لا تعب فيه ولا مشقة وكل محبوب عندهم بارد. وقيل: معناه الغنيمة الثابتة المستقرة من قولهم: برد لنا على فلان حق، أي ثبت. انتهى كلامه. وهو خبر قوله: إن إسلامنا. والجملة فاعل هل يسرك ذكره الطيبي [رحمه الله ]: (وأن كل عمل) عطف على أن إسلامنا (عملناه بعده) أي بعد موت رسول الله وَّر. (نجونا منه) أي من ذلك العمل كله. (كفافاً) بفتح الكاف، أي سواء. (رأساً برأس) بدل أو بيان ونصبه على الحال من فاعل نجونا، أي متساويين لا يكون لنا ولا علينا بأن لا يوجب ثواباً ولا عقاباً. وقال الطيبي [رحمه الله]: قوله: كفافاً، نصب على الحال من الضمير المجرور، ورأى نجونا منه في حالة كونه لا يفضل علينا شيء منه أو من الفاعل، أي مكفوفاً عنا شره. (فقال أبوك لأبي: لا والله) أي لا يسرنا وبين سببه بقوله: ([قد ] جاهدنا) أي الكفار (بعد رسول الله وَآله وصلينا) أي الصلوات(١) (وصمنا) أي سنوات (وعملنا خيراً كثيراً) أي من الصدقات أو نوافل العبادات. (وأسلم على أيدينا) أي بسببنا (بشر كثير) أي من فتح البلاد. (وإنا لنرجو ذاك) وفي نسخة: ذلك، أي ثواب ما ذكر زيادة على ما سبق لنا من الإِسلام والهجرة وسائر الأعمال. (قال أبي:) يعني عمر (لكني أنا) زيد للتأكيد (والذي نفس عمر بيده لوددت أن ذلك) أي ما سبق لنا من العمل معه ويليه (برد لنا) أي تم ولم يبطل ولم ينقص ببركة وجوده وفضل وجوده وَله. (وإن كل شيء عملناه) بإثبات الضمير هنا (بعده) أي بعد مماته وفقد حياته وبعد بركاته (نجونا منه كفافاً رأساً برأس) وذلك والله [تعالى ]أعلم أن التابع أسير المنبوع في الصحة والفساد اعتقاداً وإخلاصاً وعلماً وعملاً، أما ترى(٢) صحة بناء صلاة المقتدي على صلاة الإمام المقتدي وكذا فسادها ولا شك في وصول الكمال وحصول صحة الأعمال في حال ملازمته بَّر، وأما بعده فما وقع من الطاعات لا يخلو من تغيير النيات وفساد الحالات ومراعات المراءات، كما أخبر بعض الصحابة عند الوفاة بقوله: فما نفضنا أيدينا عن التراب وإنا لفي دفنه وَلأو حتى أنكرنا قلوبنا. يعني بالمظلمة الناشئة عن غيبة نور شمس وجوده وقمر جوده. فالغنيمة الباردة أن يكون في مرتبة السريات بين الطاعات والسيئات وهذا بالنسبة إلى إجلاء الصحابة وعظماء الخلافة، (١) في المخطوطة ((صلاة)). (٢) في المخطوطة ((ما يرى)). ١٠٠١