النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
متفق عليه .
٥٢٩٧ - (٣) وعن صهيب، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((عجباً لأمرِ المؤمن! إِنَّ أَمْرَهُ
كُلَّه له خيرٌ، وليس ذلك لأحد إِلاَّ للمؤمن، إِن أصابته سرّاءُ شكر فكان خيراً له، وإِن
أصابته ضرّاءُ صبر فكان خيراً له)»
الصدمة الأولى. ولعل وجه الامتناع من الدعاء أن لا ينفتح هذا الباب المتفرع عليه
الاكتفاء. قال ابن الملك: لأنه لم يؤذن له في ذلك المجلس بالدعاء إلا لواحد. وفيه حث
على المسارعة إلى الخيرات وطلب دعاء الصالحين لأن في التأخير آفات. وقيل: كان
الرجل منافقاً فأجابه وعليه بكلام محتمل ولم يصرح بأنك لست منهم لحسن خلقه انتهى.
وقيل: قد يكون سبق عكاشة بوحي ولم يحصل ذلك للآخر. وقال القاضي عياض: قيل:
إن الرجل الثاني لم يكن ممن يستحق تلك المنزلة ولا كان بصفة أهلها بخلاف عكاشة.
وفي شرح الطيبي [رحمه الله]: قال الشيخ: وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه قال في كتابه
في الأسماء المبهمة أنه يقال: إن هذا الرجل هو سعد بن عبادة، فإن صح هذا بطل قول
من زعم أنه منافق. (متفق عليه).
٥٢٩٧ - (وعن صهيب) بالتصغير. قال المؤلف: هو ابن سنان مولى عبد الله بن جدعان
التيمي يكنى أبا يحيى، كانت منازلهم بأرض الموصل فيما بين دجلة والفرات فأغارت الروم
على تلك الناحية فسبته وهو غلام صغير فنشأ بالروم، فابتاعته منهم كلب. ثم قدمت به مكة
فاشتراه عبد الله بن جدعان فأعتقه فأقام معه إلى أن هلك. وأسلم قديماً بمكة وكان من
المستضعفين المعذبين في الله بمكة، ثم هاجر إلى المدينة وفيه نزل: ﴿ومن الناس من يشري
نفسه ابتغاء مرضات الله ﴾ [البقرة - ٢٠٧]. روى عنه جماعة، مات سنة ثمانين وهو ابن
تسعين [سنة ]ودفن بالبقيع. (قال: قال رسول الله وَله: عجباً) أي عجبت عجباً (لأمر المؤمن)
أي لشأنه وماله في كل حاله. (إن أمره كله) بالنصب ويجوز رفعه كما قرىء بالوجهين في قوله
تعالى: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾ [آل عمران - ١٥٤ ]. أي جميع أموره. (له خير) أي خير له
في المآل وإن كان بعضه شراً صورياً في الحال. وقدم الظرف اهتماماً. (وليس ذلك لأحد إلا
للمؤمن) قال الطيبي [رحمه الله]: مظهر وقع موقع المضمر ليشعر بالعلية انتهى. وفيه أن
الإظهار والإضمار مستويان في الإشعار بالعلية. ولعل النكتة هي إظهار الإشعار على وجه
التصريح فإنه آكد من طريق التلويح، ثم بينه على وجه التوضيح بقوله: (إن أصابته سراء) أي
نعماء وسعة عيش ورخاء وتوفيق طاعة من أداء وقضاء. (شكر فكان) أي شكره (خيراً له، وإن
أصابته ضراء) أي فقر ومرض ومحنة وبلية (صبر فكان) أي صبره (خيراً له) وبهذا تبين قول
بعض العارفين أنه لا يقال على الإطلاق: إن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر. بل حالة
الحديث رقم ٥٢٩٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٩٥/٤ حديث رقم (٢٩٩٩.٦٤) وأخرجه الدارمي ٢/
٤٠٩ حديث رقم ٢٧٧٧. وأحمد في المسند ١/ ١٧٧.
١٣
١١٣٠
رہچ. ؟
بهبار بعدايام خـ

٤٨٢
جد .
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
رواه مسلم.
٥٢٩٨ _ (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَليقول: ((المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ
إِلى اللَّهِ منَ المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلّ خیرٌ،
5.97
التفويض والتسليم أولى والقيام بمقتضى الوقت أعلى بحسب اختلاف الأحوال وتفاوت
الرجال، قال تعالى: [جلَّ جلاله]: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة - ٢١٦]. وقال
تعالى: ﴿إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيراً بصيراً﴾ [الإسراء - ٣٠].
وفي الحديث القدسي: إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لفسد حاله، وإن من
عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لضاع حاله. ولذا قال عمر رضي الله تعالى عنه:
الفقر والغنى مطيتان لا أبالي أيتهما أركب. وعلى هذا الاختلاف الواقع بين القوم في طلب
طول العمر لطاعة الله، أو طلب الموت لخوف الفتنة أو للاشتياق إلى لقاء الله [تعالى ]، ثم
المعتمد التفويض والتسليم كما أشار إليه ◌َير في دعائه: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيراً لي
وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي (١)، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة
لي من كل شر. ثم وجه حصر الخير في كل حال للمؤمن الكامل، لأن غيره إن أصابته سراء
شبع وبطر وإن أصابته ضراء جزع وكفر، بخلاف حال المؤمن فإنه كما قال بعض أرباب
الكمال :
عليّ له في مثلها يجب الشكر
إذا كان شكر نعمة الله نعمة
وإن طالت الأيام واتسع العمر.
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله
وإن مس بالضراء أعقبه الأجر
إذا مس بالنعماء عم سرورها
(رواه مسلم) وكذا الإِمام أحمد. وروى أحمد وابن حبان عن أنس مرفوعاً: عجبت
للمؤمن أن الله تعالى لم يقض له قضاء إلا كان خيراً له(٢). وروى الطيالسي والبيهقي في شعب
الإِيمان عن سعد مرفوعاً: عجبت للمسلم إذا أصابته مصيبة احتسب وصبر وإذا أصابه خير حمد
الله وشكر إن المسلم يؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى فيه(٣).
١٠
٥٢٩٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: المؤمن القوي) أي القادر على تكثير
الطاعة (خير وأحب إلى الله) عطف تفسير (من المؤمن الضعيف) أي العاجز عنه (وفي كل خير)
أي أصل الخير موجود في كل منهما. قيل: المراد بالمؤمن القوي الصابر على مخالطة الناس
وتحمل أذيتهم وتعليمهم الخير وإرشادهم إلى الهدى، ويؤيده ما رواه أحمد وغيره عن ابن عمر
(١) البخاري في صحيحه الحديث ٥٦٧١ ومسلم في الحديث ٢٦٨٠.
(٣) البيهقي في شعب الإِيمان الحديث رقم ٩٩٥٠.
(٢) أحمد في المسند ١١٧/٣.
الحديث رقم ٥٢٩٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٥٢/٤ حديث رقم (٢٦٦٤.٣٤). وابن ماجه ٢/
١٣٩٥ حديث رقم (٢٦٦٤.٣٤). وأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٧٠.
١٠

٤٨٣
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإِن أصابك شيءٌ، فلا تقل: لو أني
فعلتُ كان كذا وكذا، ولكنْ قُلْ: قدَّر اللَّهُ، وما شاء فعل، فإِنَّ لو تفتحُ عملَ الشيطان».
مرفوعاً: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس
ولا يصبر على أذاهم(١). وقيل: أراد بالمؤمن القوي الذي قوي في إيمانه وصلب في إيقانه
بحيث لا يرى الأسباب ووثق بمسبب الأسباب، والمؤمن الضعيف بخلافه وهو في أدنى مراتب
الإِيمان. وقال النووي (رحمه الله]: القوّة هنا يراد بها عزيمة النفس في أمور الآخرة فيكون
صاحب هذا أكثر إقداماً على الغزو والجهاد وأسرع خروجاً وذهاباً في طلبه وأشد عزيمة في
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في كل ذلك. وقوله: في كل خير.
معناه في كل من القوي والضعيف خير لاشتراكهما في الإِيمان مع ما يأتي به الضعيف من
العبادات. (احرص) بكسر الراء ومنه قوله تعالى: ﴿إن تحرص على هداهم﴾ [النحل - ٣٧ ].
وفي نسخة بفتحها. ففي القاموس: حرص كضرب وسمع. والمعنى: كن حريصاً. (على ما
ينفعك) أي من أمور الدين (واستعن بالله) أي على فعلك فإنه لا حول ولا قوّة إلا بالله. (ولا
تعجز) بكسر الجيم ومنه قوله تعالى جلَّ جلاله: ﴿أعجزت﴾ [المائدة - ٣١]. وفي نسخة
بالفتح. ففي القاموس: عجز كضرب وسمع، أي ولا تعجز عن الحرص والاستعانة، فإن الله
سبحانه وتعالى قادر على أن يعطيك قوة على طاعته إذا استقمت على استعانته. وقيل: معناه لا
تعجز عن العمل بما أمرت ولا تتركه مقتصراً على الاستعانة به، فإن كمال الإيمان أن يجمع
بينهما. قال الطيبي [رحمه الله]: يمكن أن يذهب إلى اللف والنشر فيكون قوله: احرص على
ما ينفعك ولا تترك الجهد، بيان للقوي، ولا تعجز بيان للضعيف. (وإن أصابك شيء) أي من
أمر دينك أو دنياك (فلا تقل لو أني فعلت) أي كذا وكذا (كان) أي لصار (كذا وكذا) فإن هذا
القول غير سديد ومع هذا غير مفيد فإنه قال تعالى جلَّ شأنه: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله
لنا﴾ [التوبة - ٥١]. وقال ◌َله: ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك(٢).
وقد قال عزَّ وجلَّ: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم﴾ [الحديد - ٢٣ ]. (ولكن قل:) أي بلسان
القال أو لسان الحال (قدر الله) بتشديد الدال، أي قل: قدر الله. ويجوز تخفيفها، أي قل: قدر
الله كذا وكذا، أي وقع ذلك بمقتضى قضائه وعلى وفق قدره. (وما شاء) أي الله فعله (فعل)
فإنه فعال لما يريد ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه (فإن لو) أي كلمة الشرط، أو أن. (تفتح
عمل الشيطان) قال الشاطبي رحمه الله: ولم ولو وليت تورث القلب انقلا. قال بعض شراح
المصابيح: أي أن قول لو واعتقاد معناها يفضي بالعبد إلى التكذيب بالقدر أو عدم الرضا بصنع
الله، لأن القدر إذا ظهر بما يكره العبد قال: لو فعلت كذا لم يكن كذا. وقد قدر في علم الله
أنه لا يفعل إلا الذي فعل ولا يكون إلا الذي كان وقد أشار ◌َّلته بقوله قبل ذلك: ولكن قدر الله
(١) أحمد في المسند ٤٣/٢.
(٢) هذه من رواية لحديث ابن عباس رضي الله عنه. أخرجها عبد بن حميد. راجع الأذكار ص ٦٣٣.
حديث رقم ١٠٩٠.

٤٨٤
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
رواه مسلم.
وما شاء فعل. ولم يرد كراهة التلفظ بلو في جميع الأحوال وسائر الصور، وإنما عنى الإتيان
بها في صيغة تكون فيها منازعة القدر والتأسف(١) على ما فاته من أمور الدنيا، وإلا فقد ورد في
القرآن مثل: ﴿لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل﴾ [آل عمران - ١٥٤ ]. وفي
الحديث: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت))(٢). لأنه لم يرد به منازعة القدر. وقال
القاضي [رحمه الله ]: قوله: فإن لو تفتح، أي لو كان الأمر لي وكنت مستبداً بالفعل والترك
كان كذا وكذا. وفيه تأسف على الفائت ومنازعة للقدر وإيهام بأن ما كان يفعله باستبداده
ومقتضى رأيه خير مما ساقه القدر إليه من حيث أن لو تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيما
مضى، ولذلك استكرهه وجعله مما يفتح عمل الشيطان. وقوله وَلير في حديث فسخ الحج إلى
العمرة: ((ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت)). ليس من هذا القبيل وإنما هو كلام قصد به
تطبيب قلوبهم وتحريضهم على التحلل بأعمال العمرة. وفي شرح مسلم للنووي [رحمه الله ]:
وقال القاضي عياض [رحمه الله ]: هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقداً ذلك حتماً. وأما قول
أبي بكر رضي الله عنه: لو أن أحدهم رفع رأس لرآنًا. فهذا لا حجة فيه لأنه إنما أخبر عن
مستقبل، وكذا قوله وَ لجر: ((لو كنت راجماً بغير بينة لرجمت هذا))(٣). وشبه ذلك لا اعتراض فيه
على قدر فلا كراهة فيه لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع وعما هو في
قدرته، وأما الماضي فليس في قدرته. وأما معنى قوله: فإن لو تفتح عمل الشيطان. أنه يلقى
في القلب معارضة القدر ويوسوس به الشيطان. قال الشيخ [رحمه الله تعالى]: وقد جاء
استعمال لو في الماضي كقوله وثي: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي)).
فالظاهر إنما ورد فيما لا فائدة فيه فيكون نهى تنزيه لا تحريم، وأما من قاله متأسفاً على ما فات
من طاعة الله تعالى أو هو معتذر من ذلك فلا بأس به وعليه يحمل أكثر استعمال لو الموجودة
في الأحاديث. أقول: بل التأسف على فوت طاعة الله مما يثاب فينبغي أن يعد من باب
الاستحباب. فقد روى الرازي في مشيخته عن أبي عمرو: من أسف على دنيا فاتته اقترب من
النار مسيرة ألف سنة، ومن أسف على آخرة فاتته اقترب من الجنة مسيرة ألف سنة. ذكره
السيوطي في الجامع(٤). (رواه مسلم) ولفظ الجزري في الحصن ومن وقع له ما لا يختاره فلا
يقل: لو أني فعلت كذا وكذا، أي لكان كذا وكذا، ولو للتمني ولكن ليقل: بقدر الله وما شاء
فعل رواه مسلم والنسائي وابن ماجه وابن السني لكن لفظ النسائي وابن السني قدر الله موضع
بقدر الله. وقد ضبط بصيغة الفعل مخففاً ومشدداً وبصيغة المصدر بالرفع مضافاً، وأيضاً لفظهما
صنع بدل فعل، والله [تعالى ]أعلم. وروى أبو داود والنسائي وابن السني عن عوف بن مالك
الأشجعي مرفوعاً: من غلبه أمر فليقل: حسبي الله ونعم الوكيل(٥) .
(١) في المخطوطة ((التألف)).
(٢) من حديث أخرجه مسلم ٨٨٦/٢ حديث رقم ١٢١٨.
(٣) لم أجده في مسند الفردوس .
(٤) الجامع الصغير ٥١٣/٢ حديث رقم ٨٤٣٢.
(٥) أبو داود في سننه ٤٤/٤ حديث رقم ٣٦٢٧.

٤٨٥
٢٠,٠٠٩
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
الفصل الثاني
٥٢٩٩ _ (٥) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله وَّل
يقول: ((لو أنكم تتوكلونَ على اللَّهِ حقَّ توكلهِ لَرزقكم كما يَرْزُقُ الطَّيرَ، تغدو خماصاً وتروحُ
بِطَاناً» .
(الفصل الثاني)
٥٢٩٩ - (عن عمر ب الخطاب رضي الله [تعالى ]عنه قال: سمعت رسول الله وَل يقول:
لو إنكم تتوكلون) وفي رواية الجامع بحذف إحدى التائين، أي تعتمدون. (على الله حق توكله)
أي بأن تعلموا يقيناً أن لا فاعل في الوجود موجود إلاّ الله وأن كل موجود من خلق ورزق
وعطاء ومنع وضر ونفع وفقر وغنى ومرض وصحة وموت وحياة وغير ذلك مما يطلق عليه
اسم الموجود من الله تعالى، ثم يستعمل في الطلب على الوجه الجميل. ويشهد لذلك تشبيهه
بالطير فإنها تغدو خماصاً ثم تسرح في طلب القوت فتروح بطاناً. (لرزقكم) أي ولو تركتم
الأسباب فإنه يرزق البطال والعمال، وقد يرزق الضعيف بحيث يتعجب القوي. (كما يرزق
الطير) بصيغة الفاعل (تغدو) أي تذهب أول النهار (خماصاً) بكسر الخاء المعجمة جمع
خميص، أي جياعاً. (وتروح) أي ترجع آخر النهار (بطاناً) بكسر الموحدة جميع بطين وهو
عظيم البطن، والمراد شباعاً. وفي قوله: تغدو إيماء إلى أن السعي بالإِجمال لا ينافي الاعتماد
على الملك المتعال كما قال تعالى [جلَّ جلاله]: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها
وإياكم﴾ [العنكبوت - ٦٠]. فالحديث للتنبيه على أن الكسب ليس برازق بل الرازق هو الله
تعالى، لا للمنع عن الكسب فإن التوكل محله القلب فلا ينافيه حركة الجوارح مع أنه قد يرزق
أيضاً من غير حركة، بل بتحريك غيره إليه يصل رزق الله ببركته، كما يستفاد العموم من قوله
تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [هود - ٦]. وقد حُكِيَ أن فرخ الغراب
عند خروجه من بيضته يكون أبيض فيكرهه الغراب فيتركه ويذهب ويبقى الفرخ ضائعاً فيرسل
الله تعالى إليه الذباب والنمل فيلتقطهما إلى أن يكبر قليلاً يسود فيرجع إليه الغراب فيراه أسود
فيضمه إلى نفسه فيتعهده، فهذا يصل إليه رزقه بلا سعي. والحكايات في ذلك كثيرة والروايات
به شهيرة. ومن غرائب ما حُكِيَ أنه سبحانه وتعالى قال لعزرائيل: هل رحمت على أحد عند
نزع الأرواح: فقال: نعم يا رب حين غرق أهل سفينة وبقي بعض أهله على الألواح وكانت
الحديث رقم ٥٢٩٩: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٥/٤ حديث رقم ٢٣٤٤. وابن ماجه ١٣٩٤/٢ حديث
رقم ٤١٦٤. وأحمد في المسند ٣٠/١.

٤٨٦
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
رواه الترمذي، وابن ماجه.
٥٣٠٠ _ (٦) وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله وَله: ((أيُّها النَّاس! ليس من
شيءٍ يقرّبكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إِلاَّ قَدْ أَمرتُكُمْ به، وليس شيءٌ يُقرّبكم من النارِ
ويباعدُكم من الجنةِ إِلاَّ قذْ نهيتكم عنه، وإِن الرُّوحَ الأمينَ - وفي روايةٍ: وإِن روح القدس -
امرأة بولدها ترضعه فوق لوح فأمرت بقبض روحها فرحمت حينئذ على ولدها. قال تعالى:
فألقيته على جزيرة وأرسلت إليه أسداً ترضعه إلى أن كبر قليلاً ثم قيضت له بعضاً من الجن
ليعلمه لسان الإِنس إلى أن نشأ نشأة كاملة ودخل في العمارة وحصل له الامارة ووصل إلى
مرتبة السلطنة وأحاط بجميع المملكة، فادعى الألوهية ونسي العبودية وحقوق الربوبية واسمه
شداد والله رؤوف بالعباد. فالرحيم الذي يرزق أعداءه كيف ينسى أحباءه. قال الشيخ أبو حامد
[رحمه الله تعالى]: قد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط
على الأرض كالخرقة الملقاة أو كلحم على وضم، وهذا ظن الجهال فإن ذلك حرام في الشرع
والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين بمحظور من محظورات
الدين، بل نكشف عن الحق فيه فنقول: إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعمله
إلى مقاصده. وقال الإِمام أبو القاسم القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب وأما الحركة
بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب بعدما يحقق العبد أن الرزق من قبل الله تعالى، فإن تعسر شيء
فبتقديره وإن تيسر شيء فبتيسيره. (رواه الترمذي وابن ماجه) وكذا أحمد والحاكم(١).
٥٣٠٠ - (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَلاغير: أيها الناس ليس من شيء) من زائدة
مبالغة، أي ليس شيء ما من الأشياء. (يقربكم) بتشديد الراء أي يجعلكم قريباً (إلى الجنة
ويباعدكم) أي ومن شيء يبعدكم (من النار) أي على وجه النسبية فالنسبة في الفعلين مجازية.
(إلا قد أمرتكم به) أي بما ذكر أو بكل منهما (وليس شيء) ليس من هنا في الأصول (یقربكم
من النار ويباعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه) وفيه دليل صريح على أن جميع العلوم من
الأمور النافعة والأمور الدافعة يستفاد من الكتاب والسنة أن الاشتغال بغيرهما تضييع العمر من
غير المنفعة. (وأن الروح الأمين) وفي نسخة: وأن روح الأمين. أي جبريل (عليه السلام] كما
قال تعالى: نزل به الروح الأمين. (وفي رواية: وأن روح القدس) بضمتين وتسكن الدال كقوله
تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾ [البقرة - ٨٧]. أي الروح المقدسة من الأخلاق المدنسة.
قال الطيبي [رحمه الله]: هو كمال يقال(٢): حاتم الجود(٣) ورجل صدق، فهو من باب إضافة
الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص. ففي الصفة: القدس منسوب إليها وفي الإضافة
(١) الحاكم في المستدرك ٣١٨/٤.
الحديث رقم ٥٣٠٠: رواه البيهقي في شعب الإيمان ٢٩٩/٧. حديث رقم ١٠٣٧٦. والبغوي في شرح
السنة ٣٠٣/١٤ حديث ٤١١١.
(٢) في المخطوطة ((يقول)).
(٣) في المخطوطة ((الوجود)).

:٠٫٥
٤٨٧
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
نَفَثَ في رُوعي أن نفساً لن تموتَ حتى تستكملَ رزقها، ألا فاتقوا الله، وأجملوا في
الطلب، ولا يحملنكم استبطاءُ الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإِنه لا يُدرَك ما عندَ اللَّهِ إِلاَّ
بِطَاعِهِ)). رواه في ((شرح السنة) والبيهقي في ((شعب الإِيمان)) إِلا أنه لم يذكُرْ: ((وإِنَّ روح
القدس)».
بالعكس نحو: مال زيد. (نفث في روعي) بضم الراء، أي أوحى إلي وألقى من النغث بالفم
وهو شبيه بالنفخ وهو أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق والروع الجلد
والنفس كذا في النهاية. والمعنى: أنه أوحى إلي وحياً خفياً (أن نفساً) بفتح الهمزة ويجوز
الكسر لأن الإِيحاء في معنى القول. والمعنى: أن نفساً ذات نفس، وهي حي مخلوق. (لن
تموت حتى تستكمل رزقها) أي المقدر لها كما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿الله الذي خلقكم ثم
رزقكم ثم يميتكم﴾. (ألا) للتنبيه أي تنبهوا (فاتقوا الله) فإنكم مأمورون بالتقوى وبالسعي إلى
الدرجات العلى (وأجملوا) [أي] من الإِجمال، أي وأحسنوا. (في الطلب) أي في تحصيل
الرزق ولا تبالغوا في طلبه فإنكم غير مكلفين بطلب الرزق قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن
والإِنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة
المتين﴾ [الذاريات - ٥٨]. وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك
رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى﴾ [طه - ١٣٢]. فالأمر للإباحة، أو المعنى: اطلبوا من
الحلال فالأمر للوجوب. ويؤيده قوله: (ولا يحملنكم) بكسر الميم أي لا يبعثكم (استبطاء
الرزق) أي تأخيره ومكثه عليكم. (إن تطلبوه) أي على أن تبتغوه (بمعاصي الله) أي بسبب
ارتكابها بطريق من طرق الحرام كسرقة وغصب وخيانة وإظهار وسيادة وعبادة وديانة وأخذ من
بيت المال على وجه زيادة نحو ذلك. (فإنه) أي الشأن (لا يدرك ما عند الله) أي من الرزق
الحلال أو من الجنة وحسن المآل (إلا بطاعته) أي لا بتحصيل المال من طريق الوبال. قال
الطيبي [رحمه الله]: قوله: فأجملوا أي اكتسبوا المال بوجه جميل وهو أن لا تطلبه إلا بالوجه
الشرعي. والاستبطاء بمعنى الإبطاء والسين فيه للمبالغة، كما أن استعف بمعنى عف في قوله
تعالى: ﴿ومن كان غنياً فليستعفف﴾ [النساء - ٦]. وفيه أن الرزق مقدر مقسم لا بد من
وصوله إلى العبد، لكن العبد إذا سعى وطلب على وجه مشروع وصف بأنه حلال وإذا طاب
بوجه غير مشروع فهو حرام فقوله: ما عند الله. إشارة إلى أن الرزق كله من عند الله الحلال
والحرام. وقوله: إن تطلبوه بمعاصي الله (تعالى]. إشارة إلى أن ما عند الله إذا طلب بمعصية
الله ذم وسمي حراماً. وقوله: إلا بطاعته. إشارة إلى أن ما عند الله إذا طلب بطاعته مدح وسمي
حلالاً. وفي هذا دليل بين لأهل السنة على أن الحلال والحرام يسمى رزقاً وكله من عند الله
خلافاً للمعتزلة. (رواه) أي البغوي (في شرح السنة والبيهقي في شعب الإيمان إلا أنه) أي
البيهقي (لم يذكر: وأن روح القدس) فرواية روح القدس من روايات البغوي أو غيره. قال
ميرك: ورواه ابن أبي الدنيا في القناعة والحاكم وصححه عنه. وعن جابر [رضي الله تعالى
عنه] قال: قال رسول الله وَله: يا أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب فإن نفساً لن تموت
حتى تستوفي في رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب [خذوا ما حل ودعوا ما

٤٨٨
دجدة
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
٥٣٠١ - (٧) وعن أبي ذرّ، عن النبيِ وَلّ قال: ((الزَّهادةُ في الدُّنيا ليست بتحريم
الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثقَ بما في
يدي الله، وأن تكون في ثواب المصيبة إِذا أنت أُصبتَ بها أرغب فيها لو أنها أُبقيَتْ لك)»
حرم. رواه ابن ماجه واللفظ له والحاكم(١) وقال: صحيح على شرط مسلم. قلت: روى أبو
نعيم في الحلية عن أبي أمامة مرفوعاً: إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى
تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب ]ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن
يطلبه بمعصية الله فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته.
٥٣٠١ (وعن أبي ذر عن النبي ( * قال: الزهادة) بفتح الزاي، أي ترك الرغبة (في
الدنيا). (ليست بتحريم الحلال) كما يفعله بعض الجهال زعماً منهم إن هذا من الكمال فيمتنع
من أكل اللحم أو الحلواء والفواكه ولبس الثوب الجديد ومن التزوج ونحو ذلك وقد قال
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب
المعتدين﴾ [المائدة - ٨٧]. وقد ثبت أنه * فعل هذه الأفعال ولا أكمل من حاله الكمال.
(ولا إضاعة المال) أي بتضييعه وصرفه في غير محله بأن يرميه في بحر أو يعطيه للناس من غير
تمييز بين غني وفقير. وحاصله أنه لا عبرة بالزهادة الظاهرة وخلو اليد عن الأموال الطاهرة ثم
توجه القلب إلى الخلق عند الاحتياج إلى المعيشة الحاضرة، بل المدار على الزهد القلبي
بالانجذاب الربي ولذا استدرك ما سبقه من المقال حيث قال: (ولكن الزهادة) بتشديد النون
ويخفف، أي ولكن الزهادة المعتبرة الكاملة. (في الدنيا) أي في شأنها (أن لا تكون بما في
يديك) أي من الأموال أو من الصنائع والأعمال (أوثق) أي أرجى منك (بما في يدي الله) بصيغة
التثنية أي بخزائنه الظاهرة والباطنة، وفيه نوع من المشاكلة. والمعنى: ليكن اعتمادك بوعد الله
لك من إيصال الرزق إليك ومن إنعامه عليك من حيث لا تحتسب ومن وجه لا تكتسب أقوى
وأشد مما في يديك من الجاه والمال والعقار وأنواع الصنائع من الاستعمال، ولو علم الكيميا
وعلم السيميا. فإن ما في يديك يمكن تلفه وفناؤه بخلاف ما في خزائنه فإنه محقق بقاؤه كما
قال تعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ [النحل - ٩٦]. (وأن تكون) عطف على أن لا
تكون. والزهادة فيها أيضاً أن لا تلتفت إلى التنعم فيها والتلذذ بوجود نعمها، بل وأن تغتنم
حصول المحنة ووصول البلية فيها لئلا يميل قلبك إليها ولا تستأنس نفسك بما عليها فتكون
حينئذ. (في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها) بصيغة المجهول (أرغب فيها) أي في حصول
المصيبة (لو أنها) أي لو فرض أن تلك المصيبة (أبقيت لك) أي منعت لأجلك وأخرت عنك.
فوضع أبقيت موضع لم تصب، وجواب لو ما دل عليه ما قبلها. وخلاصته أن تكون رغبتك في
وجود المصيبة لأجل ثوابها أكثر من رغبتك في عدمها فهذان الأمران شاهدان عدلان على
(١) ابن ماجه في سننه ٢/ ٧٢٥ حديث رقم ٢١٤٤. والحاكم في المستدرك ٣٢٥/٤.
الحديث رقم ٥٣٠١: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٣/٤ حديث رقم ٢٣٤٠. وابن ماجه ١٣٧٣/٢ حديث
رقم ٤١٠٠.
٠٧

٤٨٩
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
رواه الترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث غريبٌ، وعمرو بن واقد الراوي
منكر الحديث.
٥٣٠٢ - (٨) وعن ابن عباس، قال: كنتُ خلفَ رسول اللهِ وَ يوماً فقالَ: ((يا
غلام!
زهدك في الدنيا وميلك في العقبى. وقال الطيبي: لو أنها أبقيت لك، حال من فاعل أرغب
وجواب لو محذوف وإذا ظرف. والمعنى: أن تكون في حال المصيبة وقت إصابتها أرغب
من نفسك في المصيبة حال كونك غير مصاب بها لأنك تثاب بوصولها إليك ويفوتك الثواب
إذا لم تصل إليك. (رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث غريب وعمرو بن
واقد الراوي منكر الحديث) قلت: وغايته أنه حديث ضعيف مبني لكنه حديث شريف معنى،
ومثله يعتبر في فضائل الأعمال في جميع الأقوال، ومن جملتها الزهادة في الدنيا والرغبة في
العقبى .
٥٣٠٢ - (وعن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله وَل﴿ يوماً) أي(١) رديفه، وفيه
إشعار بكمال حفظه وإحسانه واستحضار لفظه واتقانه، فهذا الحديث من جملة أحاديثه التي
سمعها من رسول الله ◌َ*، وإلا فأكثر مروياته بالواسطة لكنها معتبرة لكونها من مراسيل
الصحابة، وما ذاك إلا لأجل صغره في زمانه وَلچر. قال المؤلف: ولد قبل الهجرة بثلاث سنين
وتوفي النبي ◌َّر وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل خمس عشرة، [وقيل عشر ]. لكن صار حبر
هذه الأمة وعالمها لأنه قد دعا له النبي وَ ل بالحكمة والفقه والتأويل، ورأى جبريل عليه السلام
مرتين وكف بصره في آخر عمره ومات بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير وهو ابن
إحدى وسبعين سنة، وروي عن خلق كثير من الصحابة والتابعين. قيل: المعنى أمشي خلفه،
لا أنه راكب رديفه وهو مردود لما في وسيط الواحدي عن ابن عباس أنه أهدى كسرى إلى
النبي ◌َ * بغلة فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه وسار بي ميلاً ثم التفت. (فقال: يا غلام)
بالرفع كذا في الأصول المعتمدة والنسخ المتعددة، والظاهر كسر الميم بناء على أن أصله يا
غلامي بفتح الياء وسكونها ثم بعد حذفها تخفيفاً اكتفى بكسرة ما قبلها، لكن قد يضم وذلك
في الاسم الغالب عليه الإِضافة إلى الياء للعلم بالمراد، ومنه القراءة الشاذة: ﴿رب احكم ﴾
[الأنبياء - ١١٢] بضم الباء على أنه يحتمل وقوع ضمها لمشاكلة ضم الكاف كما حقق في:
﴿وأن أحكم﴾ [المائدة - ٤٩]. حيث قرىء بالوجهين من السبعة. ثم في يا غلام لغة أخرى
وهي قلب الياء ألفاً وقد جاء شاذاً يا غلام بالفتح اكتفاء بالفتحة عن الألف، ثم الأظهر أنه واتير
وقف عليه بالسكون ولم يظهر عليه إعراباً على ما هو المتعارف في مثله. هذا والمراد بالغلام
هنا الولد الصغير لا المملوك. ففي القاموس: الغلام الطارد الشارب والكهل ضد، أو من حين
(١) في المخطوطة ((في).
الحديث رقم ٥٣٠٢: أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٥٧٥ حديث رقم ٢٥١٦. وأحمد في المسند ٢٩٣/١.
تے
i
،هو ر
أجور

٤٩٠
/ :٠٢٨
:١٢
٥٠٫٢
١٢٠٤
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
احفظ الله يحفظْكَ، احفظ الله تجدهُ تُجاهَكَ، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن
يولد إلى حين يشب. والمقصود من النداء استحضاره لديه وتوجهه إلى ما يلقى إليه. وزاد في
الأربعين: إني أعلمك كلمات، أي فصولاً ولا مفيدة في دفع البلاء وجلب المنافع والآلاء.
(احفظ الله) أي أمره ونهيه (يحفظك) أي يحفظك في الدنيا من الآفات والمكروهات، وفي
العقبى من أنواع العقاب والدركات جزاء وفاقاً، فإن من كان لله كان الله له. (احفظ الله)، أي
حقه من دوام ذكره وتمام فكره وقيام شكره. (تجده تجاهك) بضم التاء أي أمامك. والمعنى:
أنك تجده حينئذ كأنه حاضر تلقاءك وقدامك وتشاهده في مقام إحسانك وإيقانك وكمال إيمانك
كأنك تراه بحيث تفتي بالكلية عن نظرك ما سواء، فالأوّل حال المراقبة والثاني مقام المشاهدة.
وقيل: المعنى إذا حفظت طاعة الله وجدته يحفظك وينصرك في مهماتك أينما توجهت ويسهل
لك الأمور التي قصدت. وقيل: المعنى تجد عنايته ورأفته قريباً منك يراعيك في جميع
الحالات وينقذك من جميع المضرات ويسعدك بأنواع التحف والكرامات، فهو تلميح إلى قوله
تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من جبل الوريد﴾ [ق - ١٦]. وقد أشار بعض العارفين إلى أنه لا
ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب من وجوده إليها إلا بمجرد
العلم فقط ولا بمعنى الإيجاد فقط، بل بمعنى آخر لا يجوز كشفه رمزت إليه حذار الرقيب
و کتمان سر الحبيب:
يقول لي ادع فإني قريب
إذا ما تلاشيت في نوره
قال الطيبي [رحمه الله ]: أي راع حق الله وتحر رضاه تجده تجاهك أي مقابلك
وحذاءك، والتاء بدل من الواو كما في تقاة وتخمة، أي احفظ حق الله تعالى حتى يحفظك الله
من مكاره الدنيا والآخرة. (وإذا سألت) أي أردت السؤال (فاسأل الله) بإثبات الهمز ويجوز
نقله، أي فاسأل الله وحده فإن خزائن العطايا عنده ومفاتيح المواهب والمزايا بيده وكل نعمة أو
نقمة دنيوية أو أخروية فإنها تصل إلى العبد أو تندفع عنه برحمته من غير شائبة غرض ولا
ضميمة علة، لأنه الجواد المطلق والغني الذي لا يفتقر، فينبغي أن لا يرجى إلا رحمته ولا
يخشى إلا نقمته ويلتجأ في عظائم (١) المهام إليه ويعتمد في جمهور الأمور عليه ولا يسأل
غيره، لأن غيره غير قادر على العطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع فإنهم: لا يملكون
لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً. ولا يترك السؤال بلسان الحال أو
ببيان المقال في جميع الأحوال. ففي الحديث: ((من لم يسأل الله يغضب عليه)). إذ السؤال
إظهار شعائر الانكسار والإقرار بسمت العجز والافتقار والإفلاس عن ذروة القوّة والطاقة إلى
حضيض الاستكانة والفاقة، ونعم ما قيل:
وبني آدم حين يسئل يغضب
الله يغضب إن تركت سؤاله
(وإذا استعنت) أي أردت الاستعانة في الطاعة وغيرها من أمور الدنيا والآخرة. (فاستعن
(١) في المخطوطة ((عظام)).
حسب

٤٩١
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللَّهُ
لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيءٍ لم يضرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت
الأقلام، وجفّت الصحف»
بالله) فإنه المستعان وعليه التكلان في كل زمان ومكان. (واعلم) زيادة حث على التوجه إليه
والتقرب بالاستفادة لديه. (أن الأمة) أي جميع الخلق من الخاصة والعامة والأنبياء والأولياء
وسائر الأمة. (لو اجتمعت) أي اتفقت فرضاً وتقديراً. (على أن ينفعوك بشيء) أي في أمر
دينك أو دنياك (لم ينفعوك) أي لم يقدروا أن ينفعوك (إلا بشيء قد كتبه الله لك) أي قدره وأثبته
في الذكر وفرغ منه وقد أذنهم في ذلك (ولو اجتمعوا) وقع في الأربعين هنا بلفظ: وإن
اجتمعوا. فقال بعض الشراح من المحققين: إن لفظة لو فيما سبق بمعنى أن إذ المعنى على
الاستقبال لقوله تعالى: ﴿لو تركوا من خلفهم) [النساء - ٩]. فنكتة العدول هو أن اجتماعهم
على الإمداد من المستحيلات بخلاف الاتفاق على الإيذاء فإنه ممكن ولذا قيل:
الظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعله يظلم
انتهى كلامه. وهو غفلة منه عن الحكم المقرر في الاعتقاد أن اجتماعهم على إيصال
النفع والضر بدون المشيئة من المحال. فإن ثبتت الرواية بالاختلاف فهو من باب التفنن،
واختيار لو في القرينة الأولى أولى لأنها أدل على الفرضية المحالية، ووقوع أن في الثانية على
أصلها مع استفادة الحكم من المعطوف عليها. (على أن يضروك بشيء) أي من سلب نفع أو
جلب ضر (لم يضروك) أي لم يقدروا أن يضروك (إلا بشيء قد كتبه الله عليك) وخلاصة
المعنى أنك وحد الله في المطلب والمهرب فهو الضار النافع والمعطي المانع. وفي بعض
الكتب الإلهية: وعزتي وجلالي لأقطعن من يؤمل غيري وألبسه ثوب المذلة عند الناس
ولأجنبنه من قربي ولأبعدنه من وصلي ولأجعلنه متفكراً حيران يؤمل غيري في الشدائد
والشدائد بيدي وأنا الحي القيوم ويطرق بالفكر أبواب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة
وبابي مفتوح لمن دعاني. هذا وأورد اللام في جانب النفع لأنه للملك. وحقيقته الاختصاص
النافع. وقوله: ﴿وإن أسأتم فلها﴾ [الإسراء - ٧]. مجاز في صورة الضر على ما هو
المشهور عند الجمهور. (رفعت الأقلام) أي من كتابة الأحكام. (وجفت الصحف) أي نشفت
ما دون فيها من أقضية المخلوقين إلى يوم الدين فلا يوضع عليها بعد بتدوين شيء وتغيير أمر.
وخلاصته أنه كتب في اللوح المحفوظ ما كتب من التقديرات ولا يكتب بعد الفراغ منه شيئاً
آخر، فعبر عن سبق القضاء والقدر برفع القلم وجفاف الصحيفة تشبيهاً بفراغ الكاتب في الشاهد
من كتابته. وقد سبق في أول الكتاب حديث: ((إن أوّل ما خلق الله القلم فقال: اكتب. قال:
[و]ما أكتب. قال: اكتب القدر. فكتب ما كان وما هو كائن إلى الأبد(١). وحديث: جف
القلم على علم الله (٢)، أي ما علمه وحكم به في الأزل لا يتغير ولا يتبدل، وجفاف القلم
(١) الترمذي الحكيم
(٢) البخارى تعليقاً فى صحيحه ٤٩١/١١ باب جف القلم على علم الله.

٤٩٢
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
رواه أحمد، والترمذي.
عبارة عنه والله (تعالى )أعلم. لا يقال هذا ينافي قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت ﴾
[الرعد - ٣٩]. لأنا نقول المحو والإثبات أيضاً مما جفت الصحف لأن القضاء قسمان مبرم
ومعلق وهذا بالنسبة إلى اللوح المحفوظ، وأما بالإِضافة إلى علم الله فلا تبديل ولا تغيير.
ولهذا قال: ﴿وعنده أم الكتاب﴾ [الرعد _ ٣٩]. وقيل: عند الله كتابان اللوح وهو الذي لا
يتغير والذي يكتبه الملك على الخلق وهو محل المحو والإثبات. فهذا القدر من الحديث (رواه
[أحمد ]والترمذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح. كما قاله النووي: ثم قال: وفي رواية
غير الترمذي: احفظ الله تجده أمامك. تعرف إلى الله، بتشديد الراء، أي تحبب إليه بحفظ
أحكامه. ذكره النووي (رحمه الله )لأن المعرفة سبب المحبة، يعرفك في الشدة بتخفيف الراء،
أي يجازك فيها. واعلم أن ما أخطأك، أي جاوز عنك من النعمة والرخاء والشدة والبلاء،
وأصل الخطأ العدول عن الجهة، لم يكن ليصيبك، أي محال أن يصيبك. وفيه مبالغة من
وجوه من حيث دخول اللام المؤكدة للنفي على الخبر وتسليط النفي على الكينونية وسرايته في
الخبر. وما أصابك لم يكن ليخطئك. فيه الحث على التوكل والرضا ونفي الحول والقوّة عنه،
إذا ما من حادثة من سعادة وشقاوة وعسر ويسر وخير وشر ونفع وضر وأجل ورزق إلا ويتعلق
بقدره وقضائه قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف عام جرى قلم القضاء بما يكون،
فسيان التحرك والسكون فيجب الشكر في حال السراء والصبر في حال الضراء قائلاً كما قال
تعالى: ﴿قل كل من عند الله﴾ [النساء - ٧٨]. واعلم أن النصر أي على الأعداء مع الصبر
أي على المحن والبلاء، وإن الفرج وهو الخروج من الغم مع الكرب أي الغم الذي يأخذ
بنفس النفس ولذا ورد:
.*** /
/١٣٣
* اشتدي أزمة تنفرجي(١) *
﴿وإن مع العسر يسرا﴾ [الشرح - ٩]. قال شارح: وقد وقعت الآية في القرآن مكررة
ليعلم أنه لا يوجد عسر إلا معه يسران، وهذا مبني على القاعدة المشهورة إن النكرة المعادة
غير الأولى، والمعرفة المعادة عين الأولى لكنها غالبية لأن قوله تعالى: ﴿قل اللهم مالك
الملك تؤتي الملك﴾ [آل عمران - ٢٦]. لا شك فيه أن اللام الأولى للاستغراق والثانية
للجنس الذي يحصل بوجود فرد منه، ثم قيل: مع بمعنى بعد، وهذا بعيد عن حقيقة المعنى
وإرادة المبالغة في المبنی حیث قصد معاقبة أحدهما للآخر واتصاله به حتى جعله كالمقارن
الزيادة في التسلية والتنفيس على أن المحن لا تخلو عن المنح، بل إنها عينها. ﴿وفي ذلكم بلاء
من ربكم عظيم﴾ [فصلت - ٣٥]. ﴿وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت - ٣٥]. هذا
وقد قال القطب الرباني والغوث الصمداني السيد عبد القادر الجيلاني قدس سره في فتوحات
الغيب: ينبغي لكل مؤمن أن يجعل هذا الحديث مرآة قلبه وشعاره ودثاره وحديثه فيعمل به في
جميع حركاته وسكناته حتى يسلم في الدنيا والآخرة ويجد العزة فيها برحمة الله [تعالى ]. رواه
(١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٦٩/١ حديث رقم ١٠٤٧ وقال رواه القضاعي والديلمي.
٠٠٠
١٣/١٠
١٣٥

٤٩٣
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
٥٣٠٣ - (٩) وعن سعد، قال: قال رسول الله وَله: ((من سعادة ابن آدم رضاه بما
قضى الله له، ومن شقاوةِ ابْنِ آدمَ تركه استخارةً الله، ومن شقاوة ابنِ آدم سخطه بما قضى
الله له)).
أحمد والترمذي. قال الطيبي [رحمه الله]: وزاد بعد قوله: تجاهك. في رواية رزين: تعرف
إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة. وفي آخره: فإن استطعت أن تعمل الله بالرضا في اليقين
فافعل فإن لم تستطيع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر
والفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً ولن يغلب عسر يسرين. والحديث بطوله قد جاء مثله أو
نحوه في مسند أحمد بن حنبل [رحمه الله ]. في النهاية: معنى: تعرف إلى الله، أي اجعل
تعرفك بطاعته والعمل فيما أولاك من نعمته فإنه يجازيك عند الشدة والحاجة إليه في الدنيا
والآخرة. وأراد بقوله: لن يغلب عسر يسرين. إن التعريف في العسر الثاني في قوله تعالى
للعهد، والتنكير في يسراً للنوع، فيكون العسر واحداً واليسر اثنين. فالعسر ما كانوا عليه من
متاعب الدنيا ومشاقها واليسر في الدنيا الفتح والنصرة على الأعداء، وفي العقبى الفوز بالحسنى
ولقاء الأحباء.
٥٣٠٣ - (وعن سعد) أي ابن أبي وقاص (قال: قال رسول الله وَلاير: من سعادة ابن آدم
رضاه بما قضى الله له) أي ومن سعادة ابن آدم استخارة الله ثم رضاه بما حكم به وقدره وقضاه
كما يدل عليه مقابلته بقول: (ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله) أي طلب الخيرة منه فإنه
يختار له ما هو خير له. ولذا قال بعض العارفين: اترك الاختيار وإن كنت لا بد أن تختار فاختر
أن لا تختار وربك يخلق ما يشاء ويختار. وقد قال تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا
قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ [الأحزاب - ٣٦]. (ومن شقاوة ابن آدم
سخطه) أي غضبه وعدم رضاه (بما قضى الله [له ]) فالرضا بالقضاء باب الله الأعظم، وهو من
بين منازل السائرين موسوم بالمقام الأفخم. ثم تقديم الاستخارة لأنه سبب للرضا ولأنها توجد
قبل تحقق القضاء. قال الطيبي رحمه الله: أي الرضا بقضاء الله وهو ترك السخط علامة
سعادته، وإنما جعله علامة سعادة العبد لأمرين: أحدهما ليتفرغ للعبادة لأنه إذا لم يرض
بالقضاء يكون مهموماً أبداً مشغول القلب بحدوث الحوادث ويقول: لم كان كذا ولم لا يكون
كذا والثاني لئلا يتعرض لغضب الله تعالى بسخطه. وسخط العبد أن يذكر غير ما قضى الله له
وقال إنه أصلح وأولى فيما لا يستيقن فساده وصلاحه. فإن قلت: ما موقع قوله: ومن شقاوة
ابن آدم تركه استخارة الله بين المتقابلين. قلت: موقعه بين القرينتين لدفع توهم من يترك
الاستخارة ويفوّض أمره بالكلية انتهى. وفيه أن الاستخارة والتفويض مآلهما واحد وكذا اكتفى
بالاستخارة في القرينتين في رواية على ما يأتي. ثم لا شك أن التسليم المطلق أولى من
الاستخارة لأنها نوع طلب وإرادة وضيق منازعة في أمر قد تحقق. هنا وحقيقة الاستخارة وهي
أن يطلب الخير من الله في جميع أمره، بل وأن يعتقد أن الإنسان لا يعلم خيره من شره كما
٢٠٣٥٣٦٧
١
الحديث رقم ٥٣٠٣: أخرجه الترمذي في السنن ٣٩٦/٤ حديث رقم ٢١٥١. وأحمد فى المسند ١٦٨/١
: صم ٤
٠٫٩٠

٤٩٤
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
رواه أحمد، والترمذي وقال: هذا حديث غريب.
الفصل الثالث
٥٣٠٤ _ (١٠) عن جابرٍ، أنه غزا معَ النبي ◌َّ قِبَل نَجْدٍ،
قال تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله
يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة - ٢١٦]. ثم يترقى بأن يرى أن لا يقع في الكون غير الخير
ولذلك ورد: الخير بيديك والشر ليس إليك(١). ثم المستحب دعاء الاستخارة بعد تحقق
المشاورة في الأمر المهم من الأمور الدينية والدنيوية وأقله أن يقول: ((اللهم خر لي واختر لي
ولا تكلني إلى اختياري)). والأكمل أن يصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يدعو بالدعاء
المشهور في السنة على ما قدمناه في كتاب الصلاة. (رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث
غريب) تمامه ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن حميد وليس هو بالقوي عند أهل الحديث.
ورواه الحاكم في صحيحه وزاد فيه: من سعادة ابن آدم استخارته الله ومن شقاوته تركه استخارة
الله. رواه الحاكم(٢) والترمذي. قال ميرك: كلاهما من حديث سعد بن أبي وقاص وقال
الترمذي: غريب ولفظه: من سعادة ابن آدم كثرة استخارته الله تعالى ورضاه بما قضى الله تعالى
له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله تعالى وسخطه بما قضى الله تعالى له. وفي الجامع
أسند الحديث إلى الترمذي والحاكم عن سعد لكن لفظه: من سعادة ابن آدم استخارته الله تعالى
ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضى الله، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله ومن شقاوة ابن
آدم سخطه بما قضى الله(٣). فهذا وما قبله مما يدل على أن لفظ المشكاة وقع فيه اختصار مخل
والله سبحانه [وتعالى ]أعلم. وروى الطبراني في الأوسط عن أنس مرفوعاً: ما خاب من
استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد(٤). وقال بعض الحكماء: من أعطى أربعاً لم
يمنع أربعاً. من أعطى الشكر لم يمنع المزيد ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول ومن أعطى
الاستخارة لم يمنع الخير ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب.
(الفصل الثالث)
٥٣٠٤ - (عن جابر أنه غزا مع النبي) وفي نسخة: رسول الله. ( * قبل نجد) بكسر
١٣٩٠ / 950٣
.42:
(١) من حديث أخرجه مسلم في صحيحه ٣٤/١ حديث رقم ٧٧١.
(٢) الحاكم في مستدركه ٥١٨/١.
(٣) الجامع الصغير ٥٠٤/٢ حديث رقم ٨٢٥٢.
(٤) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٤٨٢ حديث رقم ٧٨٩٥.
الحديث رقم ٥٣٠٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٩٦/٦. حديث رقم ٢٩١٠. ومسلم في صحيحه ٤/
١٧٨٧ حديث رقم (١٤ - ٨٤٣) وأحمد في المسند ٣٦٥/٣.
وجورجبهاء الديـ

٤٩٥
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
فلما قفلَ رسول اللَّهِ وَ﴿ قَفَل معَه، فأدركَتْهُم القائلةُ في وادٍ كثيرِ العضاءِ، فنزل رسول الله
﴿، وتفرَّقَ الناس يستظلُّونَ بالشجر، فنزل رسول الله وَّهِ تحتَ سمُرَةٍ فعلَّق بها سيفه ونِمْنَا
نومة، فإِذا رسولُ اللَّهِ وَ﴿ يدعونا، وإِذا عنده أعرابيٍّ فقال: ((إِن هذا اخترطَ عَلَيَّ سيفي وأنا
نائمٌ، فاستيقظتُ وهو في يده صَلتاً. قال: من يمنعك مني؟ فَقُلْتُ: الله، ثلاثاً) ولم يُعاقِبْه،
وجلس. متفق عليه.
٥٣٠٥ - (١١) وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في ((صحيحه)) قال: من يمنعك مني؟
القاف وفتح الباء أي جهته وجانبه. وفي النهاية: النجد ما ارتفع من الأرض وهو اسم
خاص لما دون الحجاز. (فلما قفل رسول الله (#) أي رجع، وسمى القافلة قافلة ولو
كانت ذاهبة تفاؤلاً بمآلها. (قفل معه) أي قفل جابر مع النبي وَلير (فأدركتهم) أي الصحابة
أو الغزاة (القائلة) أي الظهيرة أو وقت القيلولة. (في واد كثير العضاء) بكسر العين وهو
الشجر الذي له شوك. (فنزل رسول الله#$) أي فأراد النزول أو أمر بالنزول (وتفرق
الناس يستظلون بالشجر) أي بجنسه من أنواع الأشجار (فنزل رسول الله ( * تحت سمرة)
بفتح سين فضم ميم، شجرة من الطلح وهي العظام من شجر العضاه. (فعلق بها) أي
بغصن من أغصانها (سيفه ونمنا) بكسر أوّله. (نومة) أي خفيفة (فإذا رسول الله والجوع
يدعونا) أي ينادينا ويطلبنا (وإذا) وفي نسخة: فإذا. (عنده أعرابي) أي بدوي كافر
(فقال:) أي النبي صل﴿ (إن هذا) أي الأعرابي (اخترط) أي سل (عليَّ سيفي) أي المعلق
(وأنا نائم) حال (فاستيقظت وهو) أي والحال أن سيفي (في يده صلتاً) بفتح الصاد ويضم
أي مسلولاً مجرداً عن الغمد. قال الجوهري: وهو بفتح الصاد وضمها. وفي القاموس:
الصلت السيف الصقيل الماضي، ويضم وفي النهاية: وسيف مجرد. (قال:) أي الأعرابي
(من يمنعك مني) أي من أذيتي، فالفعل على حقيقته والمضاف مقدر. قال الطيبي [رحمه
الله]: أي من يحميك مني. قال في أساس البلاغة: ومن المجاز فلان يمنع الجار،
[أي ]يحميه من أن يضام. (فقلت: الله) أي الله يمنعين على الحقيقة، أو نظر إلى
العصمة الموعودة بقوله سبحانه: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة - ٦٧ ]. (ثلاثاً)
أي ثلاث مرات. وفيه إيماء إلى أنه يستحب تثليث لفظ الجلالة حالة الاستغاثة
والاستعانة. (ولم يعاقبه) أي الأعرابي (وجلس) أي النبي ◌َلقر بعد ما كان قائماً أو
مضطجعاً. ثم يحتمل أن تكون القضية وقعت قبل المناداة فأخبرهم بما وقع من خرق
العادة، ويمكن أن تكون بعدها فناداهم ليريهم المعجزة، والأوّل أظهر والله أعلم. (متفق
عليه).
14-1747
٥٣٠٥ - (وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في صحيحه فقال: من يمنعك مني
الحديث رقم ٥٣٠٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٩٧. حديث رقم ٢٩١٣. وأخرجه مسلم ٤/ ١٧٨٧
حديث رقم (١٤. ٨٤٣). وأحمد فى المسند ٣٩٠/٣.
٠-٠
:
* جو @

٤٩٦
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
قال: ((الله)) فسقَط السيفُ من يدهِ، فأخذ رسول اللهوَ﴿ السيفَ فقال: ((من يمنعُكَ مني؟))
قال: كنْ خيرَ آخذٍ. فقال: ((تشهد أنْ لا إِله إِلاَّ الله، وأني رسولُ اللَّهِ؟)) قال: لا، ولكني
أعاهِدك على أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخَلَّى سبيله، فأتى أصحابَه، فقال:
جئتکم من عندٍ خير الناس. هكذا في «کتاب الحميدي)) و ((الرياض)).
٥٣٠٦ - (١٢) وعن أبي ذر، أنَّ رسولَ اللَّهِ ،وَ له قال: ((إني لأعلم آيةٌ لو أخَذ النَّاسُ
بها لكفتهم: ﴿ومن يتَّقِ اللَّهَ يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيثُ لا يحتسبُ﴾ رواه أحمد،
وابن ماجه، والدارمي.
١٠٣٤
فقال: الله [تعالى]، فسقط السيف من يده. فأخذ رسول الله وله السيف فقال: من يمنعك مني
فقال: كن خير آخذٍ) . أي متناول للسيف، وهو كناية للعفو مع القدرة. وقال الطيبي [رحمه
الله تعالى ]: أي بالجنايات يريد العفو انتهى. فالأخذ بمعنى المؤاخذة. (فقال: تشهد) أي
أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. قال: لا) أي لا أشهد (ولكن أعاهدك على أن لا
أقاتلك) أي بانفرادي (ولا أكون) أي ولا أن أكون (رفيقاً مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله) أي
فتركه حتى مضى إلى طريقه (فأتى) أي الأعرابي (أصحابه) أي قومه (فقال: جئتكم من عند خير
الناس) أي كرماً وحلماً (هكذا) أي هذا الحديث المتفق عليه مع الزيادة (في كتاب الحميدي
وفي الرياض) أي وكذا في كتاب رياض الصالحين للنووي(١).
١٠
٥٣٠٦ - (وعن أبي ذر أن رسول الله وَل* قال: إني لأعلم آية لو أخذ الناس) أي عملوا
(بها) أي بانفرادها (لكفتهم: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ﴾) أي من البلايا (﴿ويرزقه من
حيث لا يحتسب))(٢) أي من العطايا. وما بعده: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ
أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً﴾ [الطلاق - ٣]. قال الطيبي [رحمه الله ]: يريد الآية
بتمامها، فقوله: ﴿ومن يتق الله﴾ إلى قوله: ﴿من حيث لا يحتسب﴾. إشارة إلى أنه تعالى
يكفيه جميع ما يخشى ويكره من أمور الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿ومن يتوكل﴾. الخ إشارة إلى
أن الله تعالى يكفيه جميع ما يطلبه ويبتغيه من أمور الدنيا والآخرة، وبالغ أمره أي نافذ أمره.
وفيه بيان لوجوب التوكل عليه وتفويض الأمر إليه، لأنه إذا علم أن كل شيء من الرزق ونحوه
لا يكون إلا بتقديره وتوفيقه لم يبق إلا التسليم للقدر والقضاء والتوكل، وأنشد:
فلم يخش من طارق حله
إذا المرء أمسى حليف التقي
ومن يتق الله يجعل له مخرجاً
ألم تسمع الله سبحانه
(رواه أحمد وابن ماجه والدارمي).
(١) رياض الصالحين ص ٥١ الحديث رقم ٥ من باب اليقين والتوكل.
الحديث رقم ٥٣٠٦: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٤١١/٢ حديث رقم ٤٢٢٠. والدارمي في السنن ٢/
٣٠٩٢ حديث رقم ٢٧٢٥. وأحمد في المسند ٢٤٨/١.
م
(٢) سورة الطلاق. آيتان رقم ٢ و٣.
***

٤٩٧
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
٥٣٠٧ - (١٣) وعن ابن مسعود، قال: أقرأني رسول الله وَلهو: ﴿إِني أنا الرزاق ذو
القوة المتين ﴾. رواه أبو داود، والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
٥٣٠٨ - (١٤) وعن أنس، قال: كان أخوانٍ على عهد نبي الله وَّر، فكان أحدهما
يأتي النبيَّ وَّهِ، والآخرُ يختَرِفُ، فشكا المحترفُ أخاه النبيَّ وَِّ، فقال: ((لعلك ترزق به)))
رواه الترمذي وقال: هذا حديث صحيح غريب.
٥٣٠٧ - (وعن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله وَ﴾) أي حملني على أن أقرأ ذكره
الطيبي. والأظهر أن معناه علمني. (إني أنا الرزاق) أي قراءته هكذا قال الطيبي [رحمه الله ]هي
قراءة شاذة منسوبة إلى رسول الله وَلجري والمشهور ﴿إن الله هو الرزاق﴾ [الذاريات - ٥٨].
انتهى. والمراد أنها كانت قراءة قطعية متواترة معنوية، وكان علمها رسول الله وَ لقول ابن مسعود
لكنها نسخت أو شذت طرقها بعد ابن مسعود. (ذو القوّة المتين) أي الشديد القوّة. والمعنى
في وصفه بالقوة والمتانة أنه القادر البليغ الاقتدار على كل شيء. وقوله: ذو القوة. خبر بعد
خبر، وفيه من المبالغات تصدير الجملة بأن وتوسيط ضمير الفصل المفيد للاختصاص وتعريف
الخبر بلام الجنس، ثم أردفه بقوله: ذو القوة. وتتميمه بالمتانة فوجب أن لا يتوكل إلا عليه
ولا يفوض الأمور إلا إليه، ذكره الطيبي [رحمه الله]. (رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث
حسن صحيح).
1
٥٣٠٨ - (وعن أنس قال: كان اخوان) أي اثنان من الإخوان (على عهد النبي وَّر) أي في
زمنه (فكان أحدهما يأتي النبي (*) أي لطلب العلم والمعرفة (والآخر يحترف) أي يكتسب
أسباب المعيشة فكأنهما كانا يأكلان [معاً ] (فشكا المحترف) أي في عدم مساعدة أخيه إياه في
حرفته أو في كسب آخر لمعيشتة. (أخاه النبي) بنزع الخافض أي إلى النبي وَّ فقال: (لعلك
ترزق به) بصيغة المجهول أي أرجو أو أخاف أنك مرزوق ببركته، لا أنه مرزوق بحرفتك فلا
تمنن عليه بصنعتك. وفي الحديث دليل على جواز أن يترك الإِنسان شغل الدنيا وأن يقبل على
العلم والعمل والتجرد لزاد العقبى. قال الطيبي [رحمه الله]: ومعنى لعل في قوله: لعلك.
يجوز أن يرجع إلى رسول الله ثير فيفيد القطع والتوبيخ كما ورد: ((فهل ترزقون إلا
بضعفائكم))(١). وأن يرجع للمخاطب ليبعثه(٢) على التفكر والتأمل فينتصف من نفسه. (رواه
الترمذي وقال: هذا حديث صحيح غريب) . ورواه الحاكم أيضاً (٣).
١
الحديث رقم ٥٣٠٧: أخرجه الترمذي في السنن ١٧٦/٥. حديث رقم ٢٩٤٠.
الحديث رقم ٥٣٠٨: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٦/٤. حديث رقم ٢٣٤٥.
٤٠٠٪
(١) البخاري وراجع الحديث رقم (٥٢٣٢).
(٢) في المخطوطة ((ليعبه)).
(٣) الحاكم في مستدركه ٩٤/١.
الخما
٢١٧٣
٠١٠٠
١٠٠٠٠
٢٠١٠

٤٩٨
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
٥٣٠٩ - (١٥) وعن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله وَله: ((إِن قَلْبَ ابنِ آدمَ
بكل وادٍ شعبة، فمن أَتْبَعَ قلبه الشُّعَبَ كلَّها لم يبال الله بأيّ وادٍ أهلكه، ومن توكل على الله
کفاء الشُّعَبَ)). رواه ابن ماجه.
٥٣١٠ _ (١٦) وعن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ وََّ قال: ((قال ربُّكم عزَّ وجلَّ: لو أنَّ
عبيدي أطاعوني لأسقَيتُهم المطرَ بالليلِ، وأطلعتُ عليهمُ الشّمسَ بالنَّهارِ، ولمْ أُسمِغهم
صوتَ الرَّعدِ)). رواه أحمد.
٥٣١١ - (١٧) وعنه، قال: دخلَ رجلٌ على أهلِه، فلمَّا رأى ما بهم منَ الحاجةِ
خرجَ إِلى البرئَّةِ،
٥٣٠٩ - (وعن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَلفي: إن قلب ابن آدم بكل واد
شعبة) أي لقلبه قطعة. والمعنى بعض توجه منه لأن القلب واحد وأودية الهموم متعددة، وما
جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. ففي النهاية: الشعبة الطائفة من كل شيء والقطعة منه. قال
الطيبي [رحمه الله]: ولا بد فيه من تقدير، أي في كل واد له شعبة. (فمن أتبع قلبه الشعب
كلها) من الإتباع أي من جعل قلبه تابعاً لشعب الهموم في أدوية الغموم. (لم يبال الله بأي واد
أهلكه. ومن توكل على الله كفاه الشعب) أي كفاه الله مؤمن حاجاته المتشعبة المختلفة. وفي
معناه ما رُوِيَ عن النبي ◌َّر من جعل الهموم هماً واحداً هم الدين كفاه الله هم الدنيا والآخرة.
(رواه ابن ماجه).
٥٣١٠ - (وعن أبي هريرة أن النبي ◌َ ﴿ قال: قال ربكم عزَّ وجلَّ: لو أن عبيدي أطاعوني)
أي في أمري ونهيي (لأسقيتهم) أي لأنزلت عليهم (المطر بالليل) أي وهم نائمون مستريحون
(وأطلعت) من باب الإفعال أي أظهرت وأبرزت (عليهم الشمس بالنهار) أي وهم بمكاسبهم
وأمورهم مشتغلون (ولم أسمعهم) وفي رواية الجامع: ولما أسمعتهم. (صوت الرعد) أي لا
ليلاً ولا نهاراً كيلا يخافون ولا ينفجعوا فلا يتضررون. قال الطيبي [رحمه الله ]: هو من باب
التتميم، فإن السحاب مع وجود الرعد فيه شائبة الخوف لقوله تعالى: ﴿هو الذي يريكم البرق
خوفاً وطمعاً﴾ [الرعد - ١٢]. فنفاه ليكون رحمة محضة (رواه أحمد) وكذا الحاكم(١).
٥٣١١ - (وعنه(٢) قال: دخل رجل على أهله) أي أهل بيته وأصحاب نفقته (فلما رأى ما
بهم من الحاجة) أي من الجوع والفاقة (خرج إلى البرية) أي إلى قطعة من الأرض منسوبة إلى
الحديث رقم ٥٣٠٩: أخرجه ابن ماجه ١٣٩٥/٢ حديث رقم ٤١٦٦.
الحديث رقم ٥٣١٠: أخرجه أحمد في المسند ٣٥٩/٢.
(١) الحاكم في المستدرك ٣٤٩/٢.
الحديث رقم ٥٣١١: أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥١٣.
(٢) في المخطوطة ((وعن أبي هريرة)).
iant

٤٩٩
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
فلمَّا رأتِ امرأتُه قامتْ إِلى الرَّحى، فوضعتها، وإِلى التنُورِ، فسجَرَتْه، ثمَّ قالتِ: اللهُمَّ
ارزُقنا، فنظرتْ فإِذا الجَفنةُ قدِ امتلأتْ. قال: وذهبتْ إِلى الثَّنور، فوجدَتهُ ممتلئاً. قال:
فرجعَ الزَّوجُ، قال: أصَبتم بعدي شيئاً؟ قالتْ امرأتُه: نعمْ، من ربّنا، وقامَ إِلى الرَّحِى فذُكرَ
ذلك للنبي وَ﴿، فقال: ((أَمَا إِنَّه لو لمْ يرفعها لم تزل تدورُ إِلى يوم القيامةِ)). رواه أحمد.
٥٣١٢ - (١٨) وعن أبي الدَّرداءِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الرِّزقَ ليطلبُ العبدَ
كما يطلبُه أجلُه)). رواه أبو نعيم في ((الحلية)).
البر للتضرع إلى خالق البرية (فلما رأت امرأته) أي خلو يد الرجل وإدباره عن الأهل من
الحياء والخجل (قامت إلى الرحى فوضعتها) أي الطبقة العليا على السفلى. والمعنى:
فهيأتها ونظفتها (وإلى التنور فسجرته) بتخفيف الجيم وتشدد أي أوقدته (ثم قالت:) فيه
إشارة إلى أن العبد يسعى في طلب الحلال ما أمكنه الوقت ويقتضيه الحال. ثم يستعين في
تحصيل أمره إلى الملك المتعال بالدعاء بنحو: (اللهم ارزقنا) أي من عندك فإنك خير
الرازقين، وقد انقطع طمعنا عن غيرك ولا نطمع إلا في خيرك. (فنظرت) أي إلى الرحى
(فإذا الجفنة) وهي القصعة على ما في القاموس، أو القصعة الكبيرة على ما في خلاصة
اللغة، والمراد هنا ما يوضع تحت الرحى ليجتمع فيها الدقيق. (قد امتلأت) أي من الدقيق
(قال:) أي الراوي (وذهبت) وفي نسخة صحيحة: فذهبت (إلى التنور) أي لتخبز فيه من
الدقيق بعد عجنه (فوجدته ممتلئاً) أي من الخبز الملتصق به (قال:) أي الراوي (فرجع
الزوج) أي راجياً لما قام بأمر الله داعياً (قال:) أي الزوج، وهو استئناف بيان. (أصبتم) أي
أكلتم أو حصلتم (بعدي شيئاً) أي من الأشياء أو من الإصابة (قالت امرأته: نعم) أي أصبنا.
(من ربنا) أي من عند ربنا أو من رزقه وما أخطأنا. وأغرب الطيبي [رحمه الله ]في قوله:
اللهم ارزقنا. حيث قال: دعت أن تصيب زوجها بما تطحنه وتعجنه وتخبزه فهيأت
الأسباب لذلك انتهى. (وقام) أي فتعجب الزوج وقام (إلى الرحى) أي ورفعها ليرى أثرها
(فذكر) بصيغة المجهول. وفي نسخة صحيحة: فذكر. أي هو بنفسه (ذلك) أي ما ذكر من
القضية بتمامها (للنبي وَلقر فقال: أما) بالتخفيف للتنبيه (إنه) أي الشأن (لو لم يرفعها لم تزلُ
تدور إلى يوم القيامة. رواه أحمد).
٥٣١٢ - (وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَلاير: إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه
أجله) أقول: بل حصول الرزق أسبق وأسرع من وصول أجله لأن الأجل لا يأتي إلا بعد فراغ
الرزق. قال الله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم یمیتکم ثم یحییکم ﴾ [الروم - ٤٠ ].
(رواه أبو نعيم في الحلية) قال ميرك نقلاً عن المنذري: رواه ابن ماجه في صحيحه والبزار،
ورواه الطبراني بإسناد جيد، إلا أنه قال: إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله. قلت:
وكذا رواه ابن عدي في الكامل، وهو يؤيد ما قررته وفيما سبق من المعنى حررته. وروى أبو
الحديث رقم ٥٣١٢: أبو نعيم في حلية الأولياء ٨٦/٦.

٥٠٠
كتاب الرقاق/ باب الرياء والسمعة
٥٣١٣ - (١٩) وعن ابن مسعودٍ، قال: كأني أنظرُ إِلى رسولِ اللهِ وَله يحكي نبيّاً منَ
الأنبياءِ، ضربَه قومُه فأذمَوْه وهوَ يمسحُ الدَّمَ عن وجهِه ويقولُ: اللهُمَّ اغفر لقومي فإنهم لا
يعلمون. متفق عليه.
٢٠١٦٢٣٢٨٠٨/ ٥ ٤.٠-"
(٥) باب الرياء والسمعة
نعيم في الحلية عن جابر مرفوعاً: لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه
رزقه كما يدركه الموت(١).
٥٣١٣ - (وعن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله ( *) أي في استحضار
القضية واستحفاظ القصة (يحكي نبياً) أي حال كونه يحكي حال نبي (من الأنبياء ضربه
قومه) أي قد ضربه قومه، فهو حال بتقدير قد وجوز بدونه أيضاً. قال الطيبي [رحمه
الله]: قوله: نبياً، منصوب على شريطة التفسير بقرينة قوله: ضربه قومه، وهو حكاية
لفظ الرسول *. ويجوز أن تقدر مضافاً، أي يحكي حال نبي من الأنبياء وهو معنى ما
تلفظ به وحينئذ ضربه يجوز أن يكون صفة للنبي وأن يكون استئنافاً، كان سائلاً سأل ما
حكاه فقيل: ضربه قومه. (فأدموه) أي جعلوه صاحب دم خارج من رأسه (وهو يمسح
الدم عن وجهه) أي خوفاً من الوقوع في فمه أو عينه (ويقول:) أي من كمال صبره
(اللهم اغفر لقومي) أي فعلهم هذا، بمعنى: لا تعذبهم به في الدنيا ولا تستأصلهم. وإلا
فمن المعلوم أن مغفرة الكفار بمعنى العفو عن شركهم وكفرهم غير جائز بالإجماع.
ويمكن أن تكون المغفرة كناية عن التوبة الموجبة للمغفرة. وإليه الإشارة بقوله: (فإنهم
لا يعلمون) وهذا من كمال حلمه وحسن خلقه حيث أذنب القوم وهو يعتذر عنهم عند
ربهم إنهم ما فعلوا ما فعلوا إلا لجهلهم بالله ورسوله. ففيه إشعار بأن الذنب مع الجهل
أهون في الجملة بالنسبة إلى الذنب مع العلم ولذا ورد: ويل للجاهل مرة وويل للعالم
سبع [مرات] (متفق عليه).
(باب الرياء والسمعة)
في المغرب يقال: فعل ذلك سمعة، أي ليريه الناس من غير أن يكون قصد به التحقيق
وسمع بكذا شهرة تسميعاً انتهى. والتحقيق أن الرياء مأخوذ من الرؤية فهو ما يفعل ليراه الناس
ولا يكتفي فيه برؤية الله سبحانه وتعالى، والسمعة بالضم مأخوذة من السمع فهو ما يفعل أو
يقال ليسمعه الناس ولا يكتفي فيه بسمعه تعالى. ثم يستعمل كل منهما موضع الآخر، وقد
يجمع بينهما تأكيداً أو لإرادة أصل المعنيين تفصيلاً. وضدهما الإِخلاص في العمل لله على
(١) حلية الأولياء ٢٤٦/٨.
الحديث رقم ٥٣١٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٥١٤/٦. حديث رقم ٣٤٧٧. وابن ماجه في السنن ٢/
١٣٣٥ حديث رقم ٤٠٢٥ وأحمد فى المسند ٤٤١/١
ك رقم