النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
کتاب الرقاق/ باب الأمل والحرص
أراه قال: ((وهذا الأملُ، فيتعاطى الأملَ فلحقَه الأجلُ دونَ الأملِ)). رواه في ((شرح السنة)).
٥٢٧٩ - (١٢) وعن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((عُمْرُ أُمتي منْ ستينَ سنةً إِلى
سبعينَ)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريب.
٥٢٨٠ - (١٣) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((أعمارُ أُمَّتي ما بينَ الستينَ إِلى
السَّبعينَ، وأقلُّهم مَن يجوزُ ذلكَ)).
عمله. (أراه) بضم الهمزة، أي قال الراوي: أظنه. (قال: وهذا الأمل) أي هذا العود الأبعد هو
طول أمله ومآل آماله. (فيتعاطى) أي يتناول الإنسان (الأمل) بأن يباشره ويستعمله ويشتغل بما
يأمله ويريد أن يحصله. (فلحقه الأجل) أي فيلحقه الموت قبل أن يصله. وعبر عن المضارع
بالماضي مبالغة في تحقق حال وقوعه. (دون الأمل) أي قبل أن يتم أمله ويكمل عمله. قال
الطيبي [رحمه الله]: دون الأمل حال من الضمير المنصوب، أي لحقه وهو متجاوز عما قصد
من الأمل. قال أمية :
يا نفس مالك دون الله من واقي
(رواه) أي البغوي (في شرح السنة).
٥٢٧٩ - (وعن أبي هريرة عن النبي و ﴿ قال: عمر أمتي) أي غالباً (من ستين سنة إلى
سبعين) قيل: معناه آخر عمر أمتي ابتداؤه إذا بلغ ستين سنة وانتهاؤه سبعون سنة، وقل من
يجوز سبعين. وهذا محمول على الغالب بدليل شهادة الحال، فإن منهم من لم يبلغ ستين
ومنهم من يجوز سبعين، ذكره الطيبي [رحمه الله ]. وفيه أن اعتبار الغلبة في جانب الزيادة على
سبعين واضح جداً، وأما كون الغالب في آخر عمر الأمة بلوغ ستين في غاية من الغرابة
المخالفة لما هو ظاهر في المشاهدة. فالظاهر أن المراد به أن عمر الأمة من سن المحمود
الوسط المعتدل الذي مات فيه غالب الأمة ما بين العددين، منهم سيد الأنبياء وأكابر الخلفاء
كالصديق والفاروق والمرتضى وغيرهم من العلماء والأولياء مما يصعب فيه الاستقصاء ويعسر
الاستحصاء. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب).
٥٢٨٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلاته: أعمار أمتي ما بين السنين
إلى السبعين) أي نهاية أكثر أعمار أمتي غالباً ما بينهما (وأقلهم من يجوز ذلك) أي السبعين
فيصل إلى المائة وما فوقها. وأكثر ما اطلعنا على طول العمر في هذه الأمة من المعمرين في
الصحابة والأئمة سن(١) أنس بن مالك، فإنه مات وله من العمر مائة وثلاث سنين، وأسماء
الحديث رقم ٥٢٧٩: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨٩/٤ حديث رقم ٢٣٣١.
الحديث رقم ٥٢٨٠: أخرجه الترمذي في السنن ٥١٧/٥ حديث رقم ٣٥٥٠. وابن ماجه ١٤١٥/٢ حديث
رقم ٤٢٣٦.
ـة عبد ر
(١) كذا فى المخطوطة. ولعل الصواب أن يقال مثل.
هوم
Fent
أحمد:
جم
وم.5
الفصل اله

.-.
٤٦٢
، وسوي
کتاب الرقاق/ باب الأمل والحرص
رواه الترمذي، وابن ماجه.
وذُكر حديثُ عبدِ الله بنِ الشِخيرِ في ((باب عيادة المريض)).
الفصل الثالث
٥٢٨١ - (١٤) عن عمرو بنِ شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدّه، أنَّ النبيَّ وَّ قال: ((أوَّلُ
صلاح هذه الأمَّةِ اليقينُ والزُّهدُ، وأوَّلُ فسادِها البخلُ والأملُ)).
بنت أبي بكر ماتت ولها مائة سنة ولم يقع لها سن ولم ينكر في عقلها شيء وأزيد منهما عمراً
حسان بن ثابت مات وله مائة وعشرون سنة عاش منها ستين في الجاهلية وستين في الإِسلام،
وأكثر منه عمرا سلمان الفارسي فقيل: عاش مائتين وخمسين سنة، وقيل: ثلثمائة وخمسين سنة
والأول أصح والله [تعالى ]أعلم. ثم من تاريخ موته يفهم أنه عاش في الإِسلام قليلاً، لأنه ذكر
المؤلف أنه مات بالمدائن سنة خمس وثلاثين وقد أدركنا سيدنا السيد زكريا وسمعنا منه أن
عمره مائة وعشرون سنة رحمه الله (تعالى). (رواه الترمذي وابن ماجه) وكذا أبو يعلى في
مسنده عن أنس قال ابن الربيع، وصححه ابن حبان والحاكم وقال: إنه صحيح على شرط
مسلم(١). وقال الترمذي: حسن غريب. وفي لفظ لأحمد والترمذي مرفوعاً: معترك المنايا ما
بين الستين إلى السبعين انتهى. لكن في الجامع أسنده إلى الحكيم الترمذي والله [تعالى]
أعلم (٢). (وذكر حديث عبد الله بن الشخير) بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين وضبط
فيما سبق بدون لام التعريف. (في باب عيادة المريض) أي في أواخر الفصل الثاني وهو قال:
قال رسول الله وَر: مثل ابن آدم أي صور وإلى جنبه تسع وتسعون منية، أي مهلكة. إن
أخطأته المنايا وقع في الهرم حتى يموت. انتهى. ولا شك أن مناسبته هنا أظهر من هناك، فإن
جملوه إليه فالحجة عليه وإن أسقط عن تكرار فقد يسلم لديه.
(الفصل الثالث)
٥٢٨١ - (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي وَلقر قال: أول صلاح هذه الأمة
اليقين) أي في أمر العقبى (والزهد) أي في شأن الدنيا (وأول فسادها البخل) بضم فسكون
وبفتحتين وهو الأنسب هنا لمشاكلة قوله: (والأمل) فالأمل إنما هو الغفلة عن سرعة القيامة
الصغرى والكبرى، والبخل إنما ينشأ من حب الدنيا. ويقرب من هذا الحديث معنى قول
الحسن البصري: صلاح الدين الورع وفساده الطمع. قال الطيبي [رحمه الله ]: معناه أن اليقين
. .....
(١) الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٢٧.
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٥٠٠ حديث رقم ٨١٨٧.
الحديث رقم ٥٢٨١: رواه البيهقي في شعب الإيمان ٤٢٧/٧ حديث رقم ١٠٨٤٤.
مے
P Hots

٤٦٣
١٤٫٧٥
کتاب الرقاق/ باب الأمل والحرص
رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)).
٥٢٨٢ - (١٥) وعن سفيان الثوريّ، قال: ليسَ الزهدُ في الدنيا بلُبسِ الغليظِ
والخشِن، وأكل الجَشِبِ؛ إِنما الزهدُ في الدنيا قِصَرُ الأمل.
بأن الله هو الرزاق المتكفل للأرزاق، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، فمن تيقن هذا
زهد في الدنيا فلم يأمل ولم يبخل لأن البخيل إنما يمسك المال لطول الأمل وعدم اليقين.
رُوِيّ عن الأصمعي أنه قال: تلوت على أعرابي: ﴿والذاريات﴾. فلما بلغت قوله: ﴿وفي
السماء رزقكم وما توعدون﴾ [الذاريات - ٢٢]. قال: حسبك. وقام إلى ناقته فنحرها ووزعها
على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى. فلقيته في الطواف قد نحل
جسمه واصفر لونه فسلم علي واستقرأ السورة فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا
ربنا حقاً. قال: وهل غير هذا. فقرأت: ﴿فورب السماء والأرض أنه لحق ﴾ [الذاريات -
٢٣]. فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل، حتى حلف فلم يصدقوه بقوله
حتى ألجأه إلى اليمين قالها ثلاثاً وخرجت معها نفسه. (رواه البيهقي في شعب الإيمان).
٥٢٨٢ - (وعن سفيان الثوري) أي الكوفي إمام المسلمين وحجة الله على خلقه أجمعين،
جمع زمنه بين الفقه والاجتهاد فيه. والحديث والزهد والعبادة والورع والعفة وإليه المنتهى في
علم الحديث وغيره من العلوم، أجمع الناس على دينه وزهده وورعه وثقته، ولم يختلفوا في
ذلك. وهو أحد الأئمة المجتهدين وأحد أقطاب الإِسلام وأركان الدين. ولد في أيام سليمان بن
عبد الملك سنة تسع وتسعين، سمع خلقاً كثيراً وروي عن معمر والأوزاعي وابن جريج ومالك
وشعبة وابن عيينة وفضيل بن عياض وخلق كثير سواهم، مات سنة إحدى وستين ومائة ذكره
المؤلف. (قال: ليس الزهد في الدنيا بلبس الغليظ) أي في الغزل (والخشن) بفتح فكسر، أي
في النسج. (وأكل الجشب) بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة، أي ولا يأكل الغليظ الجشب
من الطعام. وقيل: غير المأدوم (إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل) بكسر قاف ففتح صاد. وفي
نسخة بضم فسكون، أي اقتصار الأمل والاستعداد للأجل بالمسارعة إلى التوبة والعلم والعمل.
وحاصلة أن الزهد الحقيقي هو ما يكون في الحال القلبي من عزوب النفس عن الدنيا وميلها
إلى العقبى، وليس المدار على الانتفاع القالبي فإنه يستوي الأمران فيه باعتبار الحقيقة، وإن كان
التقشف في اللبس والتقلل في كمية الأكل وكيفيته له تأثير بليغ في استقامة العبد على الطريقة.
والحاصل أن حب الدنيا في القلب هو المهلك للهالك لا وجودها على قالب السالك. وشبه
القلب بالسفينة حيث إن الماء المشبه بالدنيا في قوله تعالى: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه
من السماء ﴾ [يونس - ٢٤]. إن دخل داخل السفينة أغرقها مع أهلها، وإن كان خارجها
وحولها سيرها وأوصلها إلى محلها. ولذا قال لي: نعم المال الصالح للرجل الصالح. وقد
اختار جماعة من الصوفية وأكابر الملامية لبس العوام وبعضهم لبس أكابر الفخام تستراً
الحديث رقم ٥٢٨٢: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٨٦/١٤.

٤٦٤
کتاب الرقاق/ باب الأمل والحرص
رواه في ((شرح السنة)).
٥٢٨٣ _ (١٦) وعن زيدِ بن الحسينِ، قال: سمعتُ مالكاً وسُئل أيُّ شيءٍ الزهدُ في
الدنيا؟ قال: طيبُ الكَسبٍ وقِصَرُ الأمل. رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)).
لأحوالهم ومنازلهم الكرام ويتعدى عما ينادي لبس المرقع من الشكاية من الحق إلى الخلق
وإلى السؤال بلسان الحال، ومن الطمع في غير المطمع ومن المظنة في موقع الرياء والسمعة.
وقد أخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ليس البر في حسن
اللباس والزي ولكن البر السكينة والوقار (١). هذا والطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق والمدار
على الإخلاص والخلاص عن العلائق والعوائق. (رواه في شرح السنة).
١٠
/ ١٣٠
٥٢٨٣ - (وعن زيد بن الحسين) لم يذكره المؤلف في أسمائه لكونه من رواة مالك، وهو
وشيخه ليسا من الصحابة والتابعين. (قال: سمعت مالكاً وسئل) أي والحال أنه سئل (أي شيءٍ
الزهد في الدنيا قال: طيب الكسب) . أي المكسوب من المأكول والمشروب بأن يكون حلالاً
طيباً يورث علماً نافعاً وعملاً صالحاً لأنه قال تعالى للرسل: ﴿كلوا من الطيبات واعملوا
صالحاً﴾ [المؤمنون - ٥١]. وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا
لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ [البقرة - ١٧٢]. (وقصر الأمل) أي بكثرة العمل مخافة إتيان الأجل
المزهد في الدنيا المرغب في العقبى. قال الطيبي رحمه الله: فإن قلت: أي مدخل لطيب
الكسب في الزهد. قلت: هذا رد على من زعم أن الزهد في مجرد ترك الدنيا ولبس الخشن
وأكل الجشب، أي ليس حقيقة الزهد ما زعمته بل حقيقته أن تأكل الحلال وتلبس الحلال
وتقنع بالكفاف وتقصر الأمل. ونحوه قوله ◌َال#: الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا
بإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا بأن لا تكون بما في يديك أوثق بما في أيدي الناس(٢).
انتهى. وتمامه على ما في الجامع برواية الترمذي وابن ماجه عن أبي ذر: وأن تكون في ثواب
المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك(٣). وسيأتي هذا الحديث في
أصل الكتاب من أواخر الباب. ونظيره أنه قيل للإمام محمد صاحب أبي حنيفة رحمهما الله
تعالى: لم لم تصنف في التصوف فقال: صنفته وألفته. فقيل: ما هو. فقال: كتاب البيع فمن
لم يعرف صحته وفساده يأكل حراماً ومن أكل حراماً لا يصلح حاله أبداً. (رواه البيهقي في
شعب الإيمان) .
(١) لم أجده في مسند الفردوس.
الحديث رقم ٥٢٨٣: رواه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٤٠٦٢ حديث رقم ١٠٧٧٩.
(٢) الترمذي في السنن ٤/ ٤٩٣ حديث رقم ٢٣٤٠. وفيه ((أن لا تكون بما في يديك أوثق مما في يدي الله ... )).
(٣) الجامع الصغير ٢/ ٢٨١ حديث رقم ٤٥٩٣.
= عب .
.مدة
٠٤٥٠
٤ بين

كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
: ٣٢ ٠م
whLE
٤٦٥
(٣) باب استحباب المال والعمر للطاعة
الفصل الأول
د مونـ
٥٢٨٤ - (١) عن سعدٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تعالى يُحبُّ العبدَ التَّقيَّ
الغنيَّ الخفيّ)).
٠ جدة
(باب استحباب المال والعمر للطاعة)
أي جواز طلب المال وطول العمر لصرفهما في الطاعة والعبادة.
(الفصل الأوّل)
١
٥٢٨٤ - (عن سعد) أي ابن أبي وقاص (قال: قال رسول الله الفر: إن الله يحب العبد
التقي) أي من يتقي المناهي أو من لا يصرف ماله في الملاهي. وقيل: هو الذي يتقي
المحرمات والشبهات ويتورع عن المشتهيات والمباحات. (الغني) قال النووي [رحمه الله]:
المراد بالغنى غنى النفس وهذا هو الغنى المحبوب لقوله وَّلجر: الغنى غنى النفس(١). وأشار
القاضي (رحمه الله ) إلى أن المراد به غنى المال. قلت: وهذا هو المناسب لعنوان الباب وهو
لا ينافي غنى النفس، فإنه الأصل في الغنى والفرد الأكمل في المعنى. ويترتب عليه غنى اليد
الموجب لتحصيل الخيرات والمبرات في الدنيا ووصول الدرجات العاليات في العقبى.
والحاصل أن المراد به الغنى الشاكر، وقد يستدل به على أنه أفضل من الفقير الصابر. لكن
المعتمد خلافه لما سبق بيانه وتحقق برهانه. (الخفي) بالخاء المعجمة، أي الخامل المنقطع
لعبادة ربه المشتغل بأمور نفسه، أو الخفي الخير بأن يعمله ويصرف ماله في مرضاة ربه حيث
لا يطلع عليه غيره، الشامل للفقير أيضاً كما ورد: ((حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)). وهو
الأظهر. ورُوِيَ بالمهملة، أي المشفق. وقال النووي [رحمه الله ]: معناه الواصل للرحم
اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء، والصحيح الأوّل، وفيه حجة لمن يقول: الاعتزال أفضل
من الاختلاط، ومن قال بتفضيل الاختلاط تأول هذا بالاعتزال في وقت الفتنة. أقول: أو
٠٥٥٠
الحديث رقم ٥٢٨٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٧٧/٤ حديث رقم (٢٩٦٥.١١). وأحمد في المسند
١/ ١٧٧.
(١) البخاري في صحيحه ٧٧/١ حديث رقم ٦٤٤٦. ومسلم ٧٢٦/٢ حديث رقم ١٠٥١.

٠۵
٢٠٠
٠.٤٪
٤٦٦
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
رواه مسلم.
وذُكر حديثُ ابن عمر: ((لا حسدَ إِلا في اثنينٍ)) في ((باب فضائل القرآن)).
الفصل الثاني
٥٢٨٥ _ (٢) عن أبي بكرةَ، أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله! أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قال: ((مَن
طالَ عُمُرُه، وحسُنَ عملُه)). قال: فأيُّ النَّاسِ شرٌّ؟ قال: ((مَن طالَ عمُرُه وساءَ عملُه)).
يحمل على اختلاط أرباب البطالة. وقال ابن الملك: أراد به الخفي عن أعين الناس في نوافله
لئلا يدخله الرياء. وقيل: هو من لا يتكبر على الناس ولا يفتخر عليهم بالمال، بل يجعل نفسه
منكسرة من التواضع. وقيل: أراد به قليل التردد والخروج إلى نحو الأسواق. (رواه مسلم) أي
من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص ذكره الجزري. وقال في الجامع رواه أحمد ومسلم عن
سعد بن أبي وقاص(١). قال الطيبي [رحمه الله ]: وفي بعض نسخ المصابيح: الحق بعد قوله:
التقي النقي، بالنون ولم يوجد في صحيح مسلم وشراحه ولا في الحميدي وجامع الأصول.
(وذكر حديث ابن عمر: لا حسد إلا في اثنين) أي رجل آتاه الله القرآن ورجل آتاه الله مالاً.
(في باب فضائل القرآن) [صوابه في كتاب فضائل القرآن]. ثم لما كان الحديث مشتملاً على
المعنيين المناسبين للبابين باعتبار الرجلين، والأول منهما متعلق بفضل القرآن خص به أولاً
مقرراً، وصار الثاني مستدركاً [مكرراً ].
(الفصل الثاني)
٥٢٨٥ - (عن أبي بكرة) بالتاء (أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الناس) أي أي
أصنافهم (خير) أي أخير (قال: من طال عمره) بضمتين على ما هو الأفصح الوارد في
كلامه سبحانه، وبضم فسكون على ما هو المشهور على السنة العامة تخفيفاً، وفتح العين
وسكون الميم لغة فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ [الحجر
- ٧٢ ]. وفي القاموس: العمر بالفتح وبالضم، وبضمتين الحياة. (وحسن عمله. قال:
فأي الناس شر) أي أشر (قال: من طال عمره وساء عمله) قال الطيبي [رحمه الله ]:
وقد سبق أن الأوقات والساعات كرأس المال للتاجر فينبغي أن يتجر فيما يربح فيه،
وكلما كان رأس ماله كثيراً كان الريح أكثر، فمن مضى لطيبه فاز وأفلح ومن أضاع رأس
(١) راجع الحديث رقم (٧٠١).
(٢) الجامع الصغير ١١٦/١ حديث رقم ١٨٦٩.
الحديث رقم ٥٢٨٥: أخرجه الدارمي في السنن ٣٩٨/٢ حديث رقم ٢٧٤٢. والترمذي في السنن ٤٨٩/٤
حديث رقم ٢٣٣١. وأحمد في المسند ٤٠/٥.
چ رہور چ
٤١٠

٣٠
٠٠٢
٤٦٧
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
رواه أحمد، والترمذي، والدارمي.
٥٢٨٦ _ (٣) وعن عُبيدٍ بن خالدٍ، أنَّ النبيَّ وَّوَ آخى بين رجُلينٍ، فقُتل أحدُهُما في
سبيل الله ثمَّ ماتَ الآخرُ بعدَه بجمعةٍ أو نحوِها، فصلَّوْا عليه، فقال النبيُّ ◌َّ: ((ما قلتم؟)).
قالوا: دعَونا اللَّهَ أنْ يغفر له ويرحَمه، ويُلحقَه بصاحبِه. فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((فأينَ صلاتُه بعدَ
صلاتِهِ، وعملُه بعدَ عملِه؟)) أو قال: ((صيامُه بعدَ صيامِه؛ لما بينهما
ماله لم يربح وخسر خسراناً مبيناً انتهى. وبقي صنفان مستويان ليس فيهما زيادة من الخير والشر
وهما من قصر عمره وحسن عمله، أو ساء عمله. (رواه أحمد والترمذي) وفي نسخة [وقال:
حسن صحيح. (والدارمي) وكذا رواه الطبراني بإسناد صحيح والحاكم والبيهقي عنه. وروى
الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن بسر مرفوعاً: طوبى لمن ]طال عمره وحسن.
عمله. وروى الحاكم عن جابر مرفوعاً: خياركم أطولكم أعماراً وأحسنكم أعمالاً(١).
۔۔رہم،م
٥٢٨٦ - (وعن عبيد) بالتصغير (بن خالد) قال المؤلف في فضل الصحابة: سلمي بهزي
مهاجري سكن الكوفة، روى عنه جماعة من الكوفيين. (أن النبي ◌َّفي آخى) أي عقد عقد
الأخوة وبيعة الصحبة والمحبة (بين رجلين) أي من أصحابه (فقتل أحدهما) أي استشهد (في
سبيل الله) أي في الجهاد (ثم مات الآخر) أي على فراشه (بعده) وفي نسخة: بعد بضم الدال
مبنياً. والمعنى: بعد قتل أخيه. (بجمعة) أي بأسبوع (أو نحوها) أي قريباً منها تخميناً أقل أو
أكثر، وإنما أتى به احتياطاً. (فصلوا) أي المسلمون (عليه) أي على الآخر (فقال النبي ◌َلاقى: ما
قلتم) [أي ]في حقه من الكلام، وما للاستفهام. (قالوا: دعونا الله أن يغفر له) أي ذنوبه
(ويرحمه) أي يتفضل عليه ويثيبه (ويلحقه) من الإلحاق أي يوصله (بصاحبه) أي في علو درجته
لكي يكونا في منزلة واحدة من الجنة في العقبى كما كانا في مرتبة واحدة من المحبة في الدنيا.
(فقال النبي ◌َّليزر: فأين) جواب شرط مقدر، أي إذا كنتم تدعون الله بأن يلحقه بصاحبه زعماً).
منكم أن مرتبته دون مرتبة أخيه، فأين (صلاته) أي الزائدة للميت (بعد صلاته) أي الواقعة.
للشهيد (وعمله بعد عمله) تعميم بعد تخصيص، أو التقدير وسائر عمله أي عمل الميت بعد
انقطاع عمل الشهيد. (أو قال:) شك من الراوي (صيامه بعد صيامه) ولعله كان في رمضان، أو
المتخلف كان ممن يصوم النافلة كثيراً. (لما بينهما) قال ابن الملك: اللام فيه توطئة للقسم أو
للابتداء. قلت: الثاني هو الصحيح لأن شرط الموطئة أن تكون مقرونة بأن الشرطية نحو قوله
تعالى: ﴿لئن أشركت﴾ [الزمر - ٦٥]. الآية. نعم يمكن أن تكون اللام في جواب القسم
المقدر، أي والله لما بينهما والمعنى للتفاوت الذي بين الأخوين في القرب عند الله تعالى.
١
(١) الحاكم في المستدرك ٣٣٩/١.
الحديث رقم ٥٢٨٦: أخرجه أبو داود في السنن ٣٥/٣ حديث رقم ٢٥٢٤. والنسائي في السنن ٤/ ٧٤
حديث رقم ١٩٨٥ وابن ماجه في السنن ١٢٩٤/٢ حديث رقم ٣٩٢٥. وأحمد في المسند ٣/ ٥٠٠.

٤٦٨
'٠
٢٠٠
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
أبعدُ ممَّا بينَ السَّماءِ والأرضِ)) رواه أبو داود، والنسائي.
١,٢٨
٥٢٨٧ _ (٤) وعن أبي كبشةَ الأنماريّ، أنَّه سمعَ رسولَ اللهِ له يقول: ((ثلاثٌ أُقسمُ
عليهنَّ، وأُحدّثُكم حديثاً فاحفظوهُ؛ فأمَّ الذي أُقسم عليهنَّ فإِنَّه ما نقصَ مالُ عبدٍ منْ
صَدقةٍ،
(أبعد مما بين السماء والأرض) يعني مرتبة الميت أعلى فإلحاق الشهيد به أولى، وذلك لأنه
أيضاً كان مرابطاً في سبيل الله فله المشاركة في الشهادة حكماً وطريقة وله الزيادة في الطاعة
والعبادة شريعة وحقيقة، وإلا فمن المعلوم أن لا عمل أزيد ثواباً على الشهادة جهاداً في سبيل
الله وإظهاراً لدينه، لا سيما في مبادىء الدعوة مع قلة أعوانه من أهل الملة. وقال الطيبي
[رحمه الله]: فإن قلت: كيف تفضل هذه الزيادة في العمل بلا شهادة على عمله معها. قلت:
قد عرف ے إن عمل هذا بلا شهادة ساوی عمله مع شهادته بسبب مزید إخلاصه وخشوعه،
ثم زاد عليه بما عمل بعده. وكم من شهيد لا يدرك شيئاً والصديق في العمل انتهى. فتأمل،
فإنه ليس في الحديث لشعار بقلة إخلاص الشهيد فهذا الظن بالصحابة ليس بالسديد، مع أنه لو
كان هذا علة التفضيل لبينه و 18 في وجه التعليل ولا كلام في الصديق إنه ممن تفضل عليه
سبحانه بزيادة التوفيق مع أنه رضي الله تعالى عنه شهيد حكماً وقد قدم الله سبحانه مرتبة
الصديقين على الشهداء في مواضع من كتابه والله أعلم. (رواه أبو داود والنسائي) رجال هذا
الحديث رجال الصحيح، إلا عبد الله بن ربيعة السلمي عن عبيد بن خالد. قال النسائي: إنه
صحابي، وعلى تقدير أن لا يكون صحابياً فهو تابعي ولم يذكره أحد بضعف. وأما عبيد بن
خالد وهو أبو عبد الله السلمي البهزي فله صحبة ونزيل الكوفة. روى عنه عبد الله بن ربيعة
وتميم بن سلمة وسعيد بن عبيدة نقله ميرك عن التصحيح. وفي التقريب عبد الله بن ربيعة بن
فرقد السلمي ذكر في الصحابة، ونفاها أبو حاتم ووثقه ابن حبان انتهى. وسيأتي زيادة كلام في
هذا المرام.
٥٢٨٧ - (وعن أبي كبشة الأنماري) قال المؤلف: هو عمرو بن سعید نزل بالشام روی
عنه سالم بن أبي الجعد ونعيم بن زياد. (أنه سمع رسول الله ( 18 يقول: ثلاث) أي من الخصال
(أقسم) أي أحلف (عليهم وأحدثكم) عطف على قوله: ثلاث، بحسب المعنى. فكأنه قال:
أخبركم بثلاث أؤكدهن بالقسم عليهن وأحدثكم. (حديثاً) أي تحديثاً عظيماً أو بحديث (آخر
فأحفظوه) أي الأخير أو المجموع. ومما يدل على ما اخترناه من التقدير المذكور والتحرير
المسطور قوله: (فأما الذي أقسم عليهن) أي الذي أخبركم بثلاث وأحلف عليهن هو هذا الذي
أبينه (فإنه) أي الشأن (ما نقص مال عبد) أي بركته (من صدقة) أي من أجل إعطاء صدقة لأنها
مخلوفة معوضة كمية أو كيفية في الدار الدنيوية والأخروية. قال تعالى جلَّ جلاله: ﴿وما أنفقتم
الحديث رقم ٥٢٨٧: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨٧/٤ حديث رقم ٢٣٢٥. وأخرجه ابن ماجه ١٤١٣/٢
حديث رقم ٤٢٢٨ وأحمد فى المسند ٢٣١/٤.
ـبوست"

٤٦٩
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
ولا ظُلمَ عبدٌ مظلِمةً صبرَ عليها إِلاَّ زادَه اللَّهُ بها عزّاً، ولا فتحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ إِلاَّ فتحَ الله
عليه بابَ فقرٍ وأمَّا الذي أُحدِّثُكم فاحفَظوه)» فقال: ((إنما الدنيا لأربعة نفرٍ: عبدٌ رزقَه اللَّهُ
مالاً وعلماً، فهوَ يتَّقي فيهِ ربِّه، ويصِلُ رحِمَه، ويعملُ للَّهِ فيه بحقه،
من شيء فهو يخلفه﴾. (ولا ظلم عبد) بصيغة المجهول (مظلمة) بفتح الميم وكسر اللام اسم
ما أخذه الظالم ظلماً كذا ذكره ابن الملك. وفي القاموس: المظلمة بكسر اللام ما يظلمه
الرجل. والظاهر أنه هنا مصدر بمعنى المفعول، صفته قوله: (صبر) أي العبد (عليها) أي على
تلك الظلمة ولو كان متضمنة لنوع من المذلة. (إلا زاده الله بها عزا) أي عنده تعالى، كما أنه
يزيد للظالم عنده ذلاً بها أو يزيده الله بها عزاله في الدنيا معاقبة كما يحصل للظالم دل بها ولو
بعد حين من المدة، بل ربما ينقلب الأمر ويجعل الظالم تحت ذل المظلوم جزاء وفاقاً. (ولا
فتح عبد) أي على نفسه (باب مسألة) أي باب سؤال وطلب من الناس لا لحاجة وضرورة، بل
لقصد غنى وزيادة. (إلا فتح الله عليه باب فقر) أي باب احتياج آخر وهلم جرا أو بأن سلب عنه
ما عنده من النعمة فيقع في نهاية من النقمة كما هو مشاهد في أصحاب التهمة، ومثل حاله
بالحمار الذي ليس له الذنب وهو دائر في الطلب، فدخل في بستان حريصاً عليه فقطع الحارس
أذنيه. وشبه أيضاً بكلب في فمه عظم ومر على نهر لطيف يظهر من تحته عظم نظيف ففتح
الكلب فمه حرصاً على أخذ ما في قعر الماء فوقع ما في فمه من العظم في الماء، فالحرص
شؤم والحريص محروم. هذا وقال الطيبي [رحمه الله ]في قوله: فأما الذي أقسم عليهن أفرده
وذكره باعتبار كون المذكور موعود، أو جمع المرجع إلى الموصول باعتبار الخصال
المذكورات، وبه فسر قوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد﴾ [البقرة - ١٧]. في وجه،
أي الجمع أو الفوج. وفي المصابيح: أما اللاتي أقسم عليهن. وهو ظاهر وليس المراد تحقيق
الحلف، بل تأكيده تنويهاً، فإن المدعي يثبت بذكر القسم تارة وأخرى بلفظ القسم انتهى.
والأظهر أن يقال: التقدير: فأما قولي الذي أقسم فيه على الخصال الثلاث وأؤكده فإنه إلى
آخره. (وأما الذي أحدثكم حديثاً فاحفظوه فقال: إنما الدنيا) هو تفسير وبيان بل قال: جملة
معترضة للتأكيد والتقدير: فإنما الدنيا. ويؤيده أنه ليس في الجامع لفظ: فقال، بل فيه: إنما
الدنيا. (لأربعة نفر) أي كل واحد عبارة عن جمع وصنف. (عبد) بالجر ويرفع (رزقه الله مالاً
وعلماً) فيه إيماء إلى أن العلم رزق أيضاً وأن الله تعالى هو الذي يرزق العلم والمال وبتوفيقه
وفتحه يفتح باب الكمال. وقد ورد في حديث: إن علماً لا يقال به ككنز لا ينفق منه. فيدخل
العلماء ولو كانوا فقراء في قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ [البقرة - ٣]. ثم فيه اشعار
بأن المراد بالمال هنا ما يزيد على قدر ضرورة الحال. (فهو يتقي فيه) أي في المال (ربه) بأن
لا يصرف ماله في معصية خالقه (ویصل رحمه) أي بالمواساة إلى أقاربه (ويعمل الله فيه) أي في
العلم (بحقه) أي قياماً بحق العلم وما يقتضيه من العمل بحق الله وحق عباده. ففيه لف ونشر
مرتب، ويؤيده لفظ الجامع: ويعلم الله فيه حقاً. ويمكن رجوع كل من الضميرين إلى كل من
المال والعلم. وأفرده باعتبار ما ذكر. وقال ابن الملك: أي بحق المال. والمعنى: يؤدي ما في
المال من الحقوق كالزكاة والكفارة والنفقة وإطعام الضيف ويجوز كون المضير لله أى بحق الله
١٠-٠
i
١
٠٠٠
٠٥٠

٤٧٠
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
فهذا بأفضل المنازل. وعبدٌ رزقَه اللَّهُ علماً ولمْ يرزُقْه مالاً، فهوَ صادِقُ النيَّةِ، يقولُ: لو أنَّ
لي مالاً لعمِلتُ بعملٍ فلانٍ؛ فأجرُهما سواءٌ. وعبدٌ رزَقه اللَّهُ مالاً ولم يرزُقْه علماً، فهوَ
يتخبّطُ في مالِه بغيرِ علم، لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يصِلُ فِيه رحِمَه، ولا يعملُ فيه بحقٌ؛ فهذا
بأخبثِ المنازل. وعبدٌ لم يرزُقُه اللَّهُ مالاً ولا علماً، فهوَ يقولُ: لو أنَّ لي مالاً لعمِلتُ فيه
بعملٍ فلانٍ، فهوَ نيَتُه ووزرهُما سواء)). رواه الترمذي. وقال: هذا حديثٌ صحيح.
٠.٠٪
٠٩٦٠
?١٩
الواجب في المال. (فهذا) أي العبد الموصوف بما ذكر (بأفضل المنازل) أي في أكمل مراتب
الشمائل في الدنيا، أو في أعلى الدرجات في العقبى. (وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً
فهو صادق النية) أي ظاهره مطابق لما في الطوية. (يقول:) أي بلسان المقال أو بلسان
الحال(١) (لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان) أي من أهل الخير (فاجرهما سواء) [وهو
استئناف بيان أو حال] وفي الجامع فهو بينة فاجرهما سواء (وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه
علماً فهو يتخبط) وفي الجامع يخبط بكسر الباء بدون فهو، فهو حال أو استئناف بيان.
والمعنى: يقوم وهو يقعد بالجمع والمنع. (في ماله) أو يختلف في حاله باعتبار الإنفاق
والإِمساك في ماله. (بغير علم) أي بغير استعمال علم بأن يمسك تارة حرصاً وحباً لَلدنيا
وينفق أخرى للسمعة والرياء والفخر والخيلاء. (لا يتقي فيه ربه) أي لعدم علمه في أخذه
وصرفه. (ولا يصل فيه رحمه) أي لقلة رحمه وعدم حلمه وكثرة حرصه وبخله (ولا يعمل
فيه بحق) أي بنوع من الحقوق المتعلقة بالله وبعباده، ولفظ الجامع: ولا يعلم الله فيه حقاً
(فهذا بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه
بعمل فلان) أي من أهل الشر (فهو نيته) أي فهو مغلوب نيته ومحكوم طويته، أو الحمل
بطريق المبالغة. فكأنه عين نيته كرجل عدل. وفي نسخة: فهو بنيته، وكذا في الجامع، أي
مجزى بها ومعاقب عليها. ولما كان الظاهر أن إثمه بمجرد نيته دون إثم العامل المشتمل
عمله على النية والمباشرة، أكد الوعيد وشدد التهديد بقوله: (ووزرهما سواء) ولفظ الجامع:
فوزرهما سواء. قال الطيبي [رحمه الله]: فهو نيته، مبتدأ أو خبر، أي فهو يسيء النية يدل
عليه وقوعه في مقابلة قوله: فهو صادق النية، في القرينة الأولى. وقوله: لو أن لي مالاً إلى
آخره، تفسير لقوله: صادق النية. وقوله: فهو يقول: لو أن لي مالاً إلى آخره، مقابل له،
قوله: فاجرهما سواء، وقوله: ووزرهما سواء، متقابلان. قال ابن الملك: هذا الحديث لا
ينافي خبر: إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به لأنه عمل هنا
بالقول اللساني، والمتجاوز عنه هو القول النفساني انتهى. والمعتمد ما قاله العلماء
المحققون: إن هذا إذا لم يوطن نفسه ولم يستقر قلبه بفعلها، فإن عزم واستقر يكتب معصية
وإن لم يعمل ولم يتكلم وقد تقدم والله [تعالى ]أعلم. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث
صحيح). قال المنذري: حديث أبي كبشة رواه أحمد والترمذي واللفظ له وقال: حسن
(١) في المخطوطة عبارة ((وهذا استئناف بيان أو حال)).
١٠٢٤٥
- = ر فاعة الالم

/
٤٧١
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
٥٢٨٨ _ (٥) وعن أنسٍ، أنَّ النبيَّ وَّرِ قال: ((إِنَّ الله تعالى إِذا أرادَ بعبدٍ خيراً
استعملَه)). فقيلَ: وكيفَ يستعملُه يا رسولَ الله؟ قال: ((يُوفّقهُ لعمل صالحٍ قبلَ الموتِ)).
رواه الترمذي.
صحيح. وابن ماجه بمعناه ذكره ميرك. وفي الجامع وكذا رواه أحمد في مسنده(١)، وروى
ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن عبد الرحمن بن عوف صدر الحديث فقط ولفظه: ثلاث
أقسم عليهن، ما نقص مال قط من صدقة فتصدقوا ولا عفا رجل عن مظلمة ظلمها إلا زاده
الله تعالى [جلَّ جلاله] بها عزا فاعفوا يزدكم الله عزاً، ولا فتح رجل باب مسألة يسأل الناس
إلا فتح الله عليه باب فقر. فهذا يدل على أن الحديث الأول مركب من حديثين جمعهما
الراوي وجعلهما حديثاً واحداً. وما يدل عليه أن لفظ الجامع عن الأنماري: ثلاث أقسم
عليهن إلى قوله: باب فقر. ثم قال: وأحدثكم حديثاً فاحفظوه، إنما الدنيا الخ. فالتفسيرات
المحتاجة إلى التأويلات إنما هي من تصرفات بعض الرواة والله [تعالى ]أعلم.
٥٢٨٨ - (وعن أنس أن النبي ◌َ ﴿ قال: إن الله تعالى إذا أراد بعبد خيراً) أي في عاقبته
(استعمله) أي جعله عاملاً (في الطاعة) فإنه الفرد الأكمل عند إطلاق العمل (فقيل: وكيف
يستعمله يا رسول الله) أي والحال أنه دائم الاستعمال (قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت) أي
حتى يموت على التوبة والعبادة فيكون له حسن الخاتمة. وزاد في الجامع: ثم يقبضه عليه.
(رواه الترمذي) أي وقال: صحيح الإسناد. نقله ميرك عن التصحيح. ورواه الحاكم وقال:
صحيح على شرطهما، ذكره المنذري(٢). وفي الجامع رواه أحمد والترمذي وابن حبان
والحاكم (٣)، ورواه الطبراني عن أبي أمامة ولفظه: إذا أراد الله بعبد خيراً طهره قبل موته.
قالوا: وما طهر العبد قال: عمل صالح يلهمه إياه حتى يقبضه عليه (٤). ورواه أحمد والطبراني
عن أبي عتبة ولفظه: إذا أراد الله بعبد خيراً عسله، بفتح العين والسين المهملة. قالوا: وما
عسله، بالضبط المذكور على الحكاية: قال: يفتح له عملاً صالحاً قبل موته ثم يقبضه عليه(٥).
ورواه أحمد والحاكم عن عمرو بن الحمق، بفتح فكسر ولفظه: إذا أراد الله بعبد خيراً
استعمله، قيل: وما استعمله. قال: يفتح له عملاً صالحاً بين يدي موته حتى يرضى عنه من
حوله(٦). هذا ورواه أحمد وابن حبان عن أبي سعيد مرفوعاً: إن الله إذا رضي عن العبد أثنى
عليه بسبعة أصناف من الخير لم يعمله، وإذا سخط على العبد أثنى عليه بسبعة أصناف من الشر
لم يعمله(٧)، انتهى. وكان العمل في الموضعين مبني على نيته، أو محمول على أخذ عبادة
ظالم المظلوم ووضع مظلمة من مظلوم على ظالم والله [تعالى] أعلم.
(١) الجامع الصغير ١/ ٢٠٧ حديث رقم ٣٤٥٠.
الحديث رقم ٥٢٨٨: أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٣٩٢ حديث رقم ٢١٤٢. وأحمد في المسند ١٠٦/٣.
(٣) الجامع الصغير ٢٩/١ حديث رقم ٣٨٠.
(٢) الحاكم في المستدرك ٦٠٨/٤.
(٥) أحمد في المسند ٤/ ٢٠٠.
(٤) الجامع الصغير ٢٩/١ حديث رقم ٣٨٢.
(٦) أحمد في المسند ٢٢٤/٥.
(٧) أحمد في المسند ٣٨/٣.
١٠

١٣٩٠٠
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
٤٧٢
٥٢٨٩ _ (٦) وعن شدَّادِ بن أَوْسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الكَيْسُ مَن دانَ
نفسَه، وعمِلَ لما بعدَ الموتِ. والعاجِزُ مَن أَتْبِعَ نفسَه هَواها، وتمنَّى على اللّهِ)). رواه
الترمذي، وابن ماجه.
٥٢٨٩ _ (وعن شداد) بتشديد الدال الأولى (ابن أوس) بفتح فسكون، قال المؤلف:
يكنى أبا يعلى الأنصاري. قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ممن أوتي العلم
والحلم. (قال: قال رسول الله ( *: الكيس) بفتح الكاف وتشديد الياء، أي العاقل الحازم
المحتاط في الأمور. (من دان نفسه) أي جعلها دنية مطيعة لأمره تعالى منقادة لحكمه وقضائه
وقدره. وفي النهاية: أي أذلها واستعبدها، وقيل: حاسبها. وذكر النووي أنه قال الترمذي
وغيره من العلماء: معنى دان نفسه حاسبها انتهى. أي حاسب أعمالها وأحوالها وأقوالها في
الدنيا، فإن كانت خيراً حمد الله تعالى، وإن كانت شراً تاب منها واستدرك ما فاتها قبل أن
يحاسب في العقبى، كما رُوِيَ: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا. وقد قال تعالى: ﴿ولتنظر
نفس ما قدمت لغد﴾ [الحشر - ١٨]. (وعمل) أي عملاً نافعاً (لما بعد الموت. والعاجز)
أي عن استعمال العقل والاحتياط في الأمر. والحاصل أن الكيس هو المؤمن القوي،
والعاجز هو المؤمن الضعيف وهو (من أتبع نفسه هواها) من الاتباع أي جعلها تابعة لهواها
من تحصيل المشتهيات واستعمال اللذات والشبهات، بل من ارتكاب المحرمات وترك
الواجبات. (وتمنى على الله) قائلاً: ربي كريم رحيم. وقد قال تعالى جلَّ شأنه: ﴿ما غرك
بربك الكريم﴾ [الانفطار - ٦]. وقال: ﴿نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو
العذاب الأليم﴾ [الحجر - ٤٩ - ٥٠]. وقال: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين ﴾
[الأعراف - ٥٦]. وقال: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك
يرجون رحمة الله﴾ [البقرة - ٢١٨]. وقد عبر عن الرجاء مع غير الطاعة بلفظ التمني إشارة
إلى أن وقوعه قريب من المحال وإن كان يمكن صدوره من الملك المتعال على طريق
الإفضال. قال الطيبي [رحمه الله ]: والعاجز الذي غلبت عليه نفسه وعمل ما أمرته به نفسه
فصار عاجزاً لنفسه فاتبع نفسه هواها وأعطاها ما اشتهته، قوبل الكيس بالعاجز. والمقابل
الحقيقي للكيس السفيه الرأي، وللعاجز القادر ليؤذن بأن الكيس هو القادر والعاجز هو
السفيه، وتمنى على الله أي يذنب ويتمنى الجنة من غير الاستغفار والتوبة. (رواه الترمذي
وابن ماجه) وكذا أحمد والحاكم(١).
الحديث رقم ٥٢٨٩: أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٥٥٠ حديث رقم ٢٤٥٩. وأخرجه ابن ماجه ١٤٥٤/٢
حديث رقم ٤٢٦٠ وأحمد في المسند ١٢٤/٤.
١٠٠٠
/ ١٣٠
(١) الحاكم في المستدرك ٥٧/١.
٠٠٠.

جيب:
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
٤٧٣
الفصل الثالث
٥٢٩٠ _ (٧) عن رجل من أصحاب النبيِّ وَّر، قال: كنّا في مجلسٍ، فطلعَ علينا
رسولُ الله ﴿ وعلى رأسِه أثرُ ماءٍ فقلنا: يا رسولَ الله! نراكَ طيّبَ النَّفسِ. قال: ((أَجَلْ)).
قال: ثمَّ خاضَ القومُ في ذكرِ الغِنى، فقال رسولُ اللهِ وَله: ((لا بأسَ بالغِنى لِمن اتّقى اللّهَ
عزَّ وجلَّ، والصحَّةُ لمنِ اتّقى خيرٌ منَ الغِنى، وطِيبُ النَّفْسِ منَ النَّعيم)). رواه أحمد.
٥٢٩١ - (٨) وعن سُفيان الثوريّ، قال: كانَ المالُ فيما مضى يُكرَه، فأما اليوم فهوَ
تُرسُ المؤمنِ.
(الفصل الثالث)
٥٢٩٠ - (عن رجل) سيأتي اسمه من أصحاب النبي ◌َّر (قال: كنا في مجلس فطلع علينا
رسول الله (*) أي فظهر لنا كطلعة الشمس (وعلى رأسه أثر ماء) أي من الغسل (فقلنا: يا
رسول الله نراك طيب النفس) أي ظاهر البشر والسرور ومنشرح الخاطر على ما يتلألأ منك من
النور (قال: أجل) بفتحتين وسكون اللام المخففة، أي نعم. (قال:) أي الرجل الراوي (ثم
خاض القوم) أي شرعوا وبالغوا (في ذكر الغنى) أي في سؤاله او ذم حاله وسوء مآله. (فقال
رسول الله ◌َله: لا بأس بالغنى لمن اتقى الله عزَّ وجلَّ) أشار بقوله: لا بأس، أن الفقر أفضل
لمن اتقى الله. (والصحة) أي صحة البدن ولو مع الفقر لمن اتقى. (خير من الغنى) أي مطلقاً،
أو المعنى وصحة الحال لمن اتقى المال خير من الغنى الموجب للحساب والعقاب في المآل.
(وطيب النفس) أي انشراح الصدر المقتضي للشكر والصبر المستوي عنده الغنى والفقر. (من
النعيم) أي من جملة النعيم الذي يعبر عنه بجنة نعيم على ما قاله بعض العارفين في قوله
تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾ [الرحمن - ٤٦]. جنة في الدنيا وجنة في العقبى.
وقيل: من النعيم المسؤول عنه المذكور في قوله تعالى: ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ﴾
[التكاثر - ٨]. وهو لا ينافي ما ذكرناه فإنه الفرد الأكمل من جنس النعيم الذي لا ينبغي أن
يقال لغيره بالنسبة إليه إنه النعيم، فإن ما عداه قد يعد كونه من الماء الحميم أو من عذاب
الجحيم. (رواه أحمد) وكذا ابن ماجه والحاكم عن يسار بن عبد على ما في الجامع(١). فتبين
إبهام الرجل مع أن جهالة الصحابي لا تضر، فإن الصحابة كلهم عدول.
٤٠٣٣:
٥٢٩١ - (وعن سفيان الثوري قال: كان المال فيما مضى يكره) أي عند أرباب الحال
(فأما اليوم) أي في هذا الزمان (فهو ترس المؤمن) أي جنته من جنته وجنته(٢) بلاء منه.
الحديث رقم ٥٢٩٠: أخرجه ابن ماجه في السنن ٧٢٤/٢ رقم ٢١٤١. وأحمد في المسند ٣٧٢/٥.
(١) الجامع الصغير ٥٧٦/٢ حديث رقم ٩٧٠٩ والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/٢.
الحديث رقم ٥٢٩١: أخرجه البغوي في شرح السنة ١٤ / ٢٩٠ حديث رقم ٤٠٩٨.
(٢) في المخطوطة بدل كلمتين ((جنته)).
٠

٤٧٤
٫٠٠٠
٠٬٥٠
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
وقال: لولا هذهِ الدَّنانيرُ لتمندَلَ بنا هؤلاءِ الملوكُ. وقال: مَن كانَ في يدِه منْ هذِه شيءٌ
فَلْيُصلخه، فإِنَّه زمانٌ إِن احتاجَ كانَ أوَّلَ مَن يبذلُ دينَه وقال: الحَلالُ لا يَحتملُ السَّرَفَ .
رواه في ((شرح السنة)).
٥٢٩٢ - (٩) وعنِ ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهُ: «يُنادي مُنادٍ يومَ القيامةِ:
وحاصله أن المال الحلال يقي صاحب الحال من الوقوع في الشبهة والحرام ويمنعه من ملازمة
الظلمة ومصاحبتهم في الظلام، أو يتستر به المؤمن عن الرياء والسمعة والشهرة عند العوام. (وقال:
لولا هذه الدنانير) أي وجودها عندنا وظهور استغنائنا بها عند الخلق (لتمندل بنا هؤلاء الملوك) أي
لجعلونا مناديل أوساخهم وهي كناية عن الابتذال والمذلة للظلمة، أو عن موافقتهم في تصويرات
إساءة حيل المسألة. قيل: هو مأخوذ من الندل وهو الوسخ. قيل لبعضهم: إن المال يدنيك من
الدنيا، فقال: لئن أدناني من الدنيا لقد صانني عنها. وقيل: لأن أترك مالاً يحاسبني الله عليه خير من
أن أحتاج إلى الناس. يعني: احتياجي إلى الله خير من احتياجي إلى ما سواه. وقد أخرج الطبراني
في الأوسط عن المقدام بن معدي كرب مرفوعاً به: يأتي على الناس زمان من لم يكن معه أصفر ولا
أبيض لم يتهن بالعيش. وهو عند الإِمام أحمد بلفظ: يأتي على الناس زمان لا ينفع فيه إلا الدرهم
والدينار. هذا وقد قيل: الدراهم للجراحات مراهم. (وقال:) أي الثوري (من كان في يده من هذه)
أي الدنانير والأموال (شيء) أي قليل على قدر الكفاية (فليصلحه) أي ليصرفه على وجه القناعة أو لا
يتلفه بل يستزده بنوع من التجارة (فإنه) أي زماننا (زمان) أي عجيب من وصفه (إن احتاج) أي
الشخص فيه (كان أول من يبذل دينه) أي لتحصيل دنياه، وأول منصوب وقيل مرفوع. قال الطيبي
[رحمه الله]: أي كان ذلك الشخص أول شخص يبذل دينه فيما يحتاج إليه هو، ولو حمل من على
ما كما نقل المالكي عن قطرب لكان أبين. ويؤيده رواية الكشاف: كان أوّل ما يأكل دينه. فما
موصوفة وأول اسم كان ودينه خبره. قلت: ويمكن عكسه، بل هو الأظهر فتدبر. (وقال:) أي
الثوري (الحلال) أي لأنه قليل الوجود في المال (لا يحتمل السرف) أي صرفه بالإكثار. قال الطيبي
[رحمه الله]: يحتمل معنيين، أحدهما أن الحلال لا يكون كثيراً فلا يحتمل الإسراف، وثانيهما أن
الحلال لا ينبغي أن يسرف فيه ثم يحتاج إلى الغير انتهى. وفي كل منهما نظر إذ معنى الإسراف هو
التجاوز عن الحد بأن يصرفه في غير محله زيادة على قدره، وهو يحتمل في القليل والكثير ويشمل
المال الحلال والحرام. فالأوجه أن يقال: إن الحلال من خاصيته أنه لا يقع في الإسراف كصرفه في
الماء والطين بلا ضرورة، وكزيادة إعطاء الأطعمة على طريق الرياء والسمعة. ولذا قيل: لا سرف
في خير ولا خير في سرف. وفيه تنبيه أنه ينبغي للطالب أن يجتهد في تحصيل الحلال ولو كان
القليل من المال وأن يقنع به ولا يصرفه على طريق الإِسراف لئلا يحوج نفسه إلى الأكابر
والأشراف. (رواه في شرح السنة).
٥٢٩٢ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ويليه: ينادي مناد يوم القيامة
الحديث رقم ٥٢٩٢: رواه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٢٦٤ حديث رقم ١٠٢٥٤.
4177

٤٧٥
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
164
أينَ أبناءُ الستينَ؟ وهوَ العمُرُ الذي قال اللَّهُ تعالى: ﴿أَوَ لم نُعمّزكم ما يتذكَّرُ فيه مَن تذكَّرَ
وجاءكُم الّذِيرُ﴾. رواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)).
٥٢٩٣ - (١٠) وعن عبدِ الله بنِ شدَّادٍ، قال: إِنَّ نفَراً منْ بَني عُذْرَةَ ثلاثةٌ أتوا
النبيَّ ◌َّهُ، فَأسلموا، قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ يكفينيهم؟)) قال طلحةُ: أنا. فكانوا
عندَه، فبعثَ النبيُّ ◌َّهِ بَعْثاً، فخرج فيهِ أحدُهم، فاستشهدَ، ثمَّ بعثَ بَعْثاً فخرجَ فيه
الآخر، فاستشهد، ثم ماتَ الثالثُ على فراشه؛ قال: قال طلحة: فرأيت هؤلاءِ الثلاثةَ
في الجنة، ورأيتُ الميت على فراشه أَمامهم والذي استشهد آخراً يليه، وأوَّلَّهم يليه،
فدخلني من ذلك،
أين أبناء الستين) أي أصحابها ممن وصل عمره إليها (وهو العمر الذي قال الله تعالى:) أي في
حقه (﴿أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾) قال الطيبي [رحمه الله]: ما موصوفة، أي
عمرناكم عمراً يتعظ فيه العاقل الذي من شأنه أن يتعظ. (﴿وجاءكم النذير﴾) (١) أي المنذر أو
الانذار وهو الشيب، أو القرآن أو الرسول أو الموت أو جنس المنذر فيشمل الكل، والجملة
حالية. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وقد سبق ما يتعلق به رواية ودراية.
٥٢٩٣ - (وعن عبد الله بن شداد) تابعي جليل كما سيجيء بيانه ولم يذكره المؤلف في
أسمائه. (قال: إن نفراً من بني عذرة) بضم فسكون، قبيلة مشهورة. (ثلاثة) بالنصب بدلاً، أو
بياناً من نفراً. (أتوا النبي وَ﴾) أي جاؤوه(٢) (فأسلموا) أي وأرادوا الإقامة بنية المجاهدة وهم
من أهل الفقر والفاقة. (قال رسول الله بيلي:) استئناف بيان (من يكفينيهم) أي مؤونتهم من
طعامهم وشرابهم ونحو ذلك. قال الطيبي [رحمه الله ]: هم ثاني مفعوليّ يكفي على تقدير
مضاف. (قال طلحة: أنا) أي أكفيكهم (٣) (فكانوا) أي الثلاثة أو النفر (عنده) أي عند أبي طلحة
(فبعث النبي ◌َللر بعثاً) أي أرسل سرية، فالبعث بمعنى المبعوث. (فخرج فيه) أي في ذلك
البعث (أحدهم فاستشهد) بصيغة المجهول أي صار شهيداً (ثم بعث بعثاً فخرج فيه الآخر
فاستشهد ثم مات الثالث على فراشه) أي مرابطاً ناوياً للجهاد (قال:) أي ابن شداد (قال طلحة:
فرأيت) أي في المنام أو في كشف المقام (هؤلاء الثلاثة في الجنة ورأيت الميت على فراشه) أي
الكائن عليه (أمامهم) بفتح الهمزة أي قدامهم. قال الطيبي [رحمه الله ]: الظاهر أن يقال:
أمامهما، إلا أن يقال: المراد المقدم من بينهم، أو يذهب إلى أن أقل الجمع اثنان. (والذي)
عطف على الميت. وفي نسخة: فالذي (استشهد آخراً يليه) أي يقرب الميت (وأولهم)
بالنصب. وقيل برفعه. (يليه) أي يلي المستشهد آخراً (فدخلني) أي شيء أو إشكال (من ذلك)
(١) سورة فاطر. آية رقم ٣٧.
(٢) في المخطوطة جاؤوا.
الحديث رقم ٥٢٩٣: أخرجه أحمد في المسند ١٦٣/١.
(٣) في المخطوطة ((أكفيهم)).

٤٧٦
كتاب الرقاق/ باب استحباب المال والعمر للطاعة
فذكرت للنبيِّ ◌َ﴿ ذلك، فقال: ((وما أنكرتَ من ذلك؟! ليسَ أحدٌ أفضلَ عند الله من مؤمنٍ
يعمّر في الإِسلام، لتسبيحه وتکبيره وتھلیله)).
٠٨٩٠٢
٦/٠
٥٢٩٤ _ (١١) وعن محمد بن أبي عميرةَ - وكان من أصحاب رسول الله وَلِّ - قال:
إِنَّ عبداً لو خرَّ على وجهه من يوم وُلد إِلى أن يموتَ هرماً في طاعة الله لحقّرهُ
أي مما رأيته من التقديم والتأخير على خلاف ما كان يخطر في الضمير، والفاعل محذوف على
مذهب ابن مالك. (فذكرت للنبي ◌َ﴿ ذلك) الفاء فصيحة، أي فجئت رسول الله بض له وذكرت له
ذلك مستغرباً ومستنكراً. (فقال: وما أنكرت) أي وأي شيء أنكرته (من ذلك) والمعنى لا تنكر
شيئاً منه فإنه (ليس أحد أفضل عند الله) فالاستئناف مبين متضمن للعلة، أي ليس أحد أكثر ثواباً
عنده سبحانه. (من مؤمن يعمر) بتشديد الميم المفتوحة، أي يطول عمره. (في الإِسلام
لتسبيحه) أي لأجل تسبيحه (وتكبيره وتهليله) أي ونحو ذلك من سائر عباداته القولية والفعلية.
ولفظ الجامع رواية عن أحمد: لتكبيره وتحميده وتسبيحه وتهليله. قال ميرك: حديث عبد الله
ابن شداد رواه أحمد وأبو يعلى ورواتهما رواة الصحيح، وفي أوله عند أحمد إرسال، لكن
وصله أبو يعلى بذكر طلحة فيه كذا قاله المنذري في الترغيب، وكأنه يشير إلى أن عبد الله بن
شداد ليست له صحبة وإن ولد على عهد النبي *، كما ذكره العجلي أنه من كبار التابعين
الثقات، وكان معدوداً في الفقهاء ولم يصرح في هذا الحديث عند أحمد بالسماع بل قال: إن
نفراً الخ. وصرح أبو يعلى بأنه رواه عن طلحة. ومما ناسب حديث عبد الله بن شداد هذا
وحديث عبيد بن خالد الذي سبق في الفصل الثاني، ما رواه أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة
قال: كان رجلان من بني قضاعة أسلما مع رسول الله وولفر فاستشهد أحدهما وأخر الآخر سنة.
قال طلحة بن عبيد الله: فرأيت المؤخر منهما أدخل الجنة قبل الشهيد فتعجبت لذلك فأصبحت
فذكرت ذلك للنبي ﴿. فقال رسول الله وَّلتر: أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف
[ركعة ]وكذا وكذا ركعة صلاة سنة. ورواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي، كلهم
عن طلحة بنحوه: أطول منه. وزاد ابن ماجه في آخره: فلما بينهما أبعد مما بين السماء
والأرض(١).
٥٢٩٤ - (وعن محمد بن أبي عميرة) بفتح العين وكسر الميم. قال المؤلف: مزني يعد
في الشاميين روى عنه جبير بن نفير. (وكان من أصحاب رسول الله ص فير قال: إن عبد لو خر)
بفتح الخاء المعجمة وتشديد الراء، أي سقط. (على وجهه من يوم ولد) بفتح الميم على البناء،
وقيل بجرها منوناً. (إلى أن يموت هرماً) بفتحتين، أي ذا هرم. وفي نسخة بكسر الراء، أي
شيخاً كبيراً. (في طاعة الله لحقره) بتشديد القاف، أي بعده قليلاً لما يرى من ثواب العمل.
(١) الحديث الذي في الفصل الثاني (٥٢٨٦) رواه عبيد بن خالد وليس أبو هريرة وحديث أبي هريرة
أخرجه أحمد في المسند ٣٣٣/٢.
الحديث رقم ٥٢٩٤: أخرجه أحمد في المسند ١٨٥/٤.
:١٢

٤٧٧
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
في ذلك اليوم، ولوَدَّ أنه رُدَّ إِلى الدُّنيا كيما يزداد من الأجر والثّواب. رواهما أحمد.
(٤) باب التوكل والصبر
(في ذلك اليوم ولوة) أي لأحب وتمنى (أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد) أي ليزيد (من
الأجر والثواب) أي من أجر العمل بمقتضى الوعد والعدل وزيادة المثوبة على طريق
الفضل. (رواهما) أي الحديثين (أحمد) أي في مسنده. لكن الثاني رواه موقوفاً والأوّل
رواه مرسلاً كما تقدم والله [تعالى ]أعلم. وروى أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني
عن عتبة بن عبد [الله](١) مرفوعاً: لو أن رجلاً يخر على وجهه من يوم ولد إلى يوم
يموت هرماً في مرضاة الله لحقره يوم القيامة (٢).
(باب التوكل والصبر)
قال تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق - ٣]. ﴿إن الله يحب
المتوكلين﴾ [آل عمران - ١٥٩]. وقال: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله ﴾ [النحل -
١٢٧]. ﴿إن الله مع الصابرين﴾ [البقرة - ١٥٣، الأنفال - ٤٦]. جمع بينهما
لتلازمهما ودم انفكاكهما. وقدم التوكل لأنه منتج الصبر وبه يحلو المرء وينكشف الضر،
فإن النصر مع الصبر ومن توكل على الله كفاه. وقال بعضهم: التوكل على أحد هو أن
يتخذه(٣) بمنزلة الوكيل القائم بأمره المتكفل بإصلاح حاله على قدره. وقال ابن الملك:
المراد بالتوكل هو أن يتيقن أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله عليه من النفع والضر انتهى.
والصبر على مراتب من حبس النفس عن المناهي وعن المشتهيات والملاهي وعلى تحمل
المشقات في أداء العبادات، وعلى تجرع المرارات عند حصول المصيبات ووصول
البليات. هذا وفي النهاية يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان
أي ألجأت إليه واعتمدت فيه عليه، ووكل فلان فلاناً إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته، أو
عجزاً عن القيام بأمر نفسه. والوكيل هو القيم الكفيل بأرزاق العباد. وحقيقته أنه مستقل
بأمر الموكول إليه. وقال الراغب: الصبر الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة حبستها
بلا علف، والصبر حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها
عنه. فالصبر لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس
النفس لمصيبة(٤) سمى صبراً لا غير، ويضاده الجزع. وإن كان في محاربة سمى شجاعة
ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر ويضاده الضجر، وإن كان
(١) كذلك في المسند لم يذكر أنه عبد الله بل قال عن عتبة بن عبد.
(٢) أحمد في المسند ١٨٥/٤.
(٣) في المخطوطة ((فيجده)).
(٤) في المخطوطة ((لمعصية)).
22٠٠٠

٤٧٨
=١٣٢
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
--- ----- -
۔ ھھ ،ا
الفصل الأول
٥٢٩٥ - (١) عن ابن عباس، قال: قال رسول الله وَّل: ((يدخلُ الجنةَ منْ أُمَّتي
سبعون ألفاً بغير حسابٍ، هُم الذينَ لا يسْتَرْقُونَ ولا يَتَطَيَّرونَ، وعلى ربِّهم يتوَكَّلونَ)) ..
في إمساك الكلام سمي كتماناً وضده الإفشاء. وزاد في عين العلم وفي فضول العيش زهد
..-.
وضده الحرص، وفي اليسير من الدنيا قناعة وضده الشره انتهى. والتوكل بلسان العارفين
على ما قال السري السقطي: هو الانخلاع من الحول والقوّة بلا نزاع. وقال ابن مسروق:
٦٫٠٠
التوكل هو الاستسلام لجريان القضاء في الأحكام. وقال الجنيدي [رحمه الله]: التوكل أن
يكون الله كما لم يكن فيكون الله له كما [لم آیزل. ثم قيل: الصبر على ثلاثة أنواع: صبر
العوام وهو حبس النفس على ما يكره، وصبر الخواص وهو تجرع المرارة من غير تعبس،
وصبر خواص الخواص وهو التلذذ بالبلاء وبه يصل إلى مرتبة الشكر وغاية الرضا بالقضاء؛
وقد ورد: أعبد الله على الرضا فإن لم تستطع فالصبر على ما تكره خير كثير. وقال تعالى:
﴿فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثير ﴾. اهـ.
(الفصل الأوّل)
٥٢٩٥ - (عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلاير: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير
حساب) أي مستقلاً من غير ملاحظة أتباعهم، فلا ينافي ما ورد من أن مع كل واحد منهم
سبعون ألفاً. هم (الذين لا يسترقون) أي لا يطلبون الرقية مطلقاً، أو بغير الكلمات القرآنية
والأسماء الصمدانية (ولا يتطيرون) أي ولا يتشاءمون بنحو الطير ولا يأخذون من الحيوانات
والكلمات المسموعات علامة الشر والخير، [بل آيقولون كما ورد: اللهم لا طير إلا طيرك ولا
خير إلا خيرك ولا إله غيرك اللهم ولا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يذهب بالسيئات إلا أنت.
(وعلى ربهم يتوكلون) أي في جميع ما يفعلون ويتركون. قال الطيبي (رحمه الله ]: الجمع بين
جملتي لا يسترقون ولا يتطيرون من الثنائي الذي يراد به الاستيعاب لقولهم: لا ينفع زيد ولا
عمرو على معنى: لا ينفع إنسان، ما قال صاحب النهاية هذا من صفة الأولياء المعرضين عن
أسباب الدنيا وعوائقها الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواص لا يبلغها
غيرهم، وأما العوام فرخص لهم في التداوي والمعالجات، ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج
الحديث رقم ٥٢٩٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٠٥/١١. حديث رقم ٦٤٧٢. ومسلم في صحيحه ١/
١٩٨ حديث رقم (٣٧٢ .٢١٨). وأخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٥٤٠ حديث رقم ٢٤٣٧ وابن
ماجه ١٤٣١/٢ حديث رقم ٤٢٨٦. والدارمي في السنن ٤٢٢/٢ حديث رقم ٢٨٠٧. وأحمد في
المسند ٤٤١/٤.
V

٤٧٩
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
متفق عليه .
٥٢٩٦ - (٢) وعنه، قال: خرج رسول الله وَلخر يوماً فقال: ((عُرضتْ عليَّ الأممُ
فَجَعلَ يَمرُّ النبيُّ ومعه الرَّجلُ، والنبي ومعه الرَّجلانِ، والنبيُّ ومعه الرهط، والنبي وليسَ
معه أحدٌ، فرأيتُ سواداً كثيراً سَدَّ الأفقَ،
من الله سبحانه بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رخص له في الرقية
والعلاج والدواء. ألا ترى أن الصديق لما تصدق بجميع ماله لم ينكر عليه ◌َّ ر علماً منه بيقينه
وصبره، ولما أتاه الرجل بمثل بيضة الحمام من الذهب وقال: لا أملك غيره. فضربه بحيث لو
أصابه عقره وقال فيه ما [قال ]. قلت: الظاهر أن سبب غضبه لو لم يكن إتيانه بجميع ماله بل
إفشاء سره وإظهار حاله بقوله: لا أملك غيره. مع الإِيماء إلى توهم السمعة والرياء والله
[تعالى] أعلم. وفي شرح مسلم للنووي [رحمه الله تعالى]. قال المازري: احتج بعضهم به
على أن التداوي مكروه، ومعظم العلماء على خلاف ذلك واحتجوا بالأحاديث الواردة في منافع
الأودية وبأنه * تداوي، وبأخبار عائشة رضي الله تعالى عنها عن كثرة تداويه وبما علم من
الاستشفاء برقياه، فإذا ثبت هذا حمل الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطبعها ولا
يفوضون الأمر إلى الله تعالى. قلت: لا يصح حمل الحديث المذكور على القول المسطور،
فإنه صريح في أنهم من كمل الأولياء وخلص الأصفياء. فالصواب ما ذكره صاحب النهاية من
أن الأولى في حق أهل الهداية إنما هو عدم تعاطي الأسباب غير العادية، وإن كان جاز هذا
للعوام وباب البداية، ويحمل فعله ول﴿ في المعالجة بالأدوية على اختيار الرخصة رعاية لعامة
الأمة، أو على مرتبة جمع الجمع المشهور عند الصوفية من أن مشاهدة الأسباب وملاحظة
صنائع رب الأرباب هو الأكمل والأفضل عند الكمل فتدبر وتأمل. ولعل الحديث مقتبس من
أحد معنيين في قوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر - ١٠ ] والله
تعالى أعلم بالصواب (متفق عليه).
٥٢٩٦ - (وعنه) أي عن ابن عباس (قال: خرج رسول الله وَلي يوماً فقال: عرضت علي)
أي أظهرت لدي (الأمم) أي مع أنبيائهم (فجعل يمر النبي وَّ) التعريف فيه للجنس وهو ما
يعرفه كل أحد أنه ما هو، فهو بمنزلة النكرات ذكره الطيبي [رحمه الله ]فالمعنى: أنه يمر نبي
منهم عند العرض علي (ومعه الرجل) أي الواحد من أتباعه ليس له تابع غيره. (والنبي ومعه
الرجلان والنبي ومعه الرهط). أي الجماعة والمراد الرجال (وليس معه أحد) أي لا من الرجال
ولا من النساء. والمراد من النبي هنا الرسول [عليه الصلاة والسلام ]المأمور بالتبليغ، وقيد
الرجولية واقعية غالبية أو قضية مثالية. والمراد الواحدة، والتثنية والجمعية. (فرأيت) أي من
أمامي (سواداً كثيراً) أي جمعاً عظيماً وفوجاً جسيماً (سد الأفق) أي ستر طرف السماء بكثرته
الحديث رقم ٥٢٩٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٠٥/١١. حديث رقم ٦٥٤١. ومسلم في صحيحه ١/
١٩٩ حديث رقم (٢٢٠.٣٧٤) والترمذي في السنن ٥٤٤/٤ حديث رقم ٢٤٤٦.

٤٨٠
٦٫٣٠٢
كتاب الرقاق/ باب التوكل والصبر
فرجوتُ أن يكونَ أمتي. فقيل: هذا موسى في قومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سواداً كثيراً
سدَّ الأفق، فقيل لي: أنظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سدَّ الأفق. فقيل: هؤلاءٍ
أُمَّتك، ومعَ هؤلاءِ سبعون ألفاً قدَّامَهُمْ يدخلونَ الجنةَ بغير حسابٍ، هم الذين لا يتطيّرون،
ولا يسْتَرِقُون، ولا يكتوون، وعلى ربّهم يتوكلون)) فقام عكاشةُ بنِ مخصن فقال: ادعُ اللَّهَ
أن يجعلني منهم. قال: ((اللَّهم اجعله منهم)). ثم قام رجلٌ آخر فقال: ادع الله أن يجعلني
منهم. فقال: ((سبقك بها عكاشةُ)).
(فرجوت أن يكون) أي السواد الكثير (أمتي. فقيل: هذا موسى في قومه) أي ممن آمن به ولم
يتغير عن دينه (ثم قيل لي: انظر) فكأنه والفر أطرق حينئذ وأعرض عن موضع العرض حياء فقيل
له: انظر ترى رجالاً. (فرأيت) أي من قدامي (سواداً كثيراً سد الأفق) أي فقنعت بذلك
وشكرت لما هنالك. (فقيل لي:) أي بل لك الزيادة على ما ذكرت من الاستفادة (انظر هكذا
وهكذا) أي اليمين والشمال (فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق فقيل:) أي لي (هؤلاء) أي مجموع
ما بين يديك وطرفيك (أمتك ومع هؤلاء) أي من جملتهم أو زيادة عليهم (سبعون ألفاً قدامهم)
وفيه منقبة عظيمة لهم كما في قوله: (يدخلون الجنة بغير حساب) قال النووي [رحمه الله ]:
يحتمل هذا أن يكون معناه: وسبعون ألفاً من أمتك غير هؤلاء، وأن يكون معناه في جملتهم
سبعون ألفاً. ويؤيد هذا رواية البخاري: هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً. (هم)
استئناف بيان، أي السبعون هم. (الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون) أي إلا عند
الضرورة لما وقع الكي من بعض الصحابة، منهم سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة، أو
مطلقاً استسلاماً للقضاء وتلذذاً بالبلاء مع علمهم بأنه لا يضر ولا ينفع إلا الله، ولا تأثير يحسب
الحقيقة لما سواه، فهم في مرتبة الشهود خارجون عن دائرة الوجود فانون عن حظوظ أنفسهم
باقون بحق الله في حراسة أنفاسهم كما قال: (وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة) بضم العين
وتشديد الكاف وتخفف على ما في القاموس والمغني. (ابن محصن) بكسر ميم وفتح صاد.
قال المؤلف: أسدي شهد بدراً وما بعدها وانكسر سيفه يوم بدر فأعطاه النبي و # عرجوناً، أي
وعوداً فصار في يده سيفاً. وكان من فضلاء الصحابة مات في خلافة الصديق وله خمس
وأربعون سنة. روى عنه أبو هريرة وابن عباس وأخته أم قيس. (فقال: ادع الله أن يجعلني
منهم) ما أحسن هذا السؤال المشير إلى أنه من أصحاب الكمال، بل من أرباب الوصال حيث
علم أنه لم يصل إلى هذا المقال والحال إلا بوسيلة دعائه وَل9 من ذي الجلال والجمال. (قال:
اللهم اجعله منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم) والظاهر أن الأوّل كان
ناوياً قاصداً(١) للقيام بأفعالهم، بل متصفاً بأحوالهم، وإن الثاني طلبه على وجه التمني من غير
التعني وطريق التقليد في التحلي من غير قصد التجلي. (قال: سبقك بها) أي بهذه الدعوة أو
هذه المسألة (عكاشة) وقد استجيب له. والمعبر فيها هي الأولية كما ورد: إن الصبر عند
٠٤٠٠
(١) في المخطوطة ((قصداً)).