النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
كتاب الرقاق
فطوبى لعبدٍ جعله الله مفتاحاً للخير، مغلاقاً للشرّ؛ وويلٌ لعبدٍ جعله الله مفتاحاً للشرِّ،
مغلاقاً للخير)). رواه ابن ماجه.
٥٢٠٩ _ (٥٥) وعن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلّ: ((إِذا لمْ يُبَارك للعبد
الذين هم بمنزلة وكلائه. ثم الظاهر أن ذكر (١) الخير بدون ذكر الشر من باب الاكتفاء، أو إشارة
إلى أن الشر ما خلق لذاته. ولذا ورد في قوله تعالى: ﴿بيدك الخير﴾ [آل عمران - ٢٦]. مع أن
الأمر كله لله. وفي الحديث الشريف: الخير كله بيديك والشر ليس إليك(٢). أدباً. فقيل: المعنى
أنه لا ينسب إليك، والأظهر أن الشر إنما يحصل بترك الخير فيكون بينهما نسبة التضاد كالنور
والظلمة والوجود والعدم. ومما يدل على أن لله خزائن للشر أيضاً قوله: (فطوبى لعبد جعله الله
مفتاحاً للخير) أي علماً أو عملاً أو حالاً أو مآلاً (مغلاقاً للشر. وويل لعبد جعله الله مفتاحاً للشر)
أي للكفر والعصيان والبطر والطغيان والبخل وسوء العشرة مع الإِخوان. (مغلافاً للخير) قال
الراغب: الخير ما يرغب فيه الكلَّ كالعقل مثلاً والعدل والفضل والشيء النافع، والشر ضده.
والخير والشر قد يتحدان وهو أن يكون خير الواحد شر الآخر، كالمال الذي يكون رياء كان خيراً
لزيد وشراً لعمرو، ولذلك وصفه الله تعالى بالأمرين فقال في موضع: ﴿إن ترك خيراً﴾ [البقرة -
١٨٠]. أي مالاً. وقال في موضع آخر: ﴿أيحسبون إنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في
الخيرات﴾ [المؤمنون - ٥٦]. وكذا العلم بالنسبة إلى بعضهم حجاب وسبب العذاب، وبالنسبة
إلى بعض آخر اقتراب إلى رب الأرباب. وقس على هذا العبادة فإن منها ما يورث العجب
والغرور ومنها ما يورث النور والسرور والحبور كالسيف والخيل ونحوهما قد يجعل آلة للجهاد
مع الكفار ويتوصل بها إلى القرار في دار الأبرار، وقد يتوصل بها إلى قتل الأنبياء والأولياء وينتهي
بها إلى الدرك الأسلف من النار. وهذا معنى ما سيأتي من قوله وَ لور: إلا وأن الخير كله بحذافيره
في الجنة إلا وأن الشر كله بحذافيره في النار. يعني بحسب ما قسم لأهلها قسمة أزلية أبدية مبنية
على جعل بعضهم مرائي الجمال، وبعضهم مظاهر الجلال كما قال: ﴿فريق في الجنة وفريق في
السعير﴾ [الشورى - ٧]. وقد قال: [الله تعالى في الحديث القدسي] خلقت هؤلاء للجنة ولا
أبالي وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي. مشيراً إلى قوله سبحانه: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾
[الأنبياء - ٢٣]. فبحر القضاء والقدر عريض عميق لا يغوص فيه إلا من له تحقيق بتوفيق، يتحير
فيه أرباب السواحل ويمضي منه أصحاب سفن الشرائع الكوامل. (رواه ابن ماجه) وروى الطبراني
في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعاً: أن هذه الأخلاق من الله فمن أراد الله تعالى به خيراً منحه
خلقاً حسناً، ومن أراد به سوءاً منحه سيئاً(٣).
٥٢٠٩ - (وعن علي رضي الله [تعالى ]عنه قال: قال رسول الله وَلاير: إذا لم يبارك للعبد
(١) في المخطوطة ((ذلك))
(٢) من حديث أخرجه مسلم ٥٣٤/١ حديث رقم ٧٧١.
(٣) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ١٥١/١ حديث رقم ٢٥١٦.
الحديث رقم ٥٢٠٩: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٣٩٤ حديث رقم ١٠٧١٩.

٤٠٢
٠ ٠١٠٠٠٠٠٣
کتاب الرقاق
في ماله جعله في الماءِ والطينِ)).
٥٢١٠ _ (٥٦) وعن ابن عمر، أنَّ النبيَّ وَلَّ قال: ((اتّقوا الحرامَ في البنيانِ، فإِنهُ
أساسُ الخراب)). رواهما البيهقيُّ في ((شعب الإِيمان)).
٥٢١١ - (٥٧) وعن عائشة [رضي الله عنها]، عن رسول الله وَ ل قال: ((الدُّنيا دَارُ مَنْ
لا دَارَ لهُ، ومالُ منْ لا مالَ له، ولها يجمعُ منْ لا عقلَ له».
في ماله) أي بأن لا يصرفه في رضا مولاه وعمارة عقباه وحسن مآله. (جعله) أي أنفق ماله
وضيعه (في الماء والطين) أي المعبر بهما عن عمارة الدنيا بسبب إعراضه عن أعراض الدين.
٥٢١٠ - (وعن ابن عمر أن النبي ◌َّثم قال: اتقوا الحرام) أي احذروا إنفاقه. وفي الجامع:
اتقوا الحجر الحرام (في البنيان) أي في صرف عمارة الدنيا الفانية (فإنه أساس الخراب) أي في
الأيام الآتية كما ورد: ((لدوا للموت وابنوا للخراب)) (١). والتقييد بالحرام ليس له مفهوم معتبر،
بل فيه إشارة إلى أن المال الحلال لم ينفق صرفه في غير حسن المآل. فقد قال الإِمام الغزالي: لو
أكل الناس أربعين يوماً من الحلال لخربت الدنيا ولم يبق لها نظام في الحال. ولذا قيل: لولا
الحمقى لخربت الدنيا. وقال بعضهم: الغفلة رحمة، ولذا قال تعالى: ﴿اقترب للناس حسابهم
وهم في غفلة معرضون﴾ [الأنبياء - ١]. قيل: التقدير أسباب خراب الدين، أو أساس خراب
البنيان. فعلى الأول يدل على جواز إنفاق الحلال في البنيان، وعلى الثاني لا، وهذا أنسب
بالباب والله [تعالى ]أعلم بالصواب. (رواهما) أي الحديثين (البيهقي في شعب الإيمان) وروى
الطبراني الحديث الأول عن أبي هريرة مرفوعاً ولفظه: للرجل بدل للعبد.
٥٢١١ - (وعن عائشة عن رسول الله صل﴿ قال: الدنيا دار من لا دار له) قال الطيبي [رحمه
الله]: لما كان القصد الأول من الدار الإقامة مع عيش هنيء ودار الدنيا خالية عنها لا يستحق
لذلك أن تسمى داراً، فمن داره الدنيا فلا دار له. قال تعالى: ﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان
لو كانوا يعلمون﴾ [العنكبوت - ٦٤]. وقال ويثير: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة))(٢).
(ومال من لا مال له) فإن المقصود من المال هو الانفاق في المبرات والصرف في وجوه
الخيرات، فمن أتلفه في تحصيل الشهوات واستيفاء اللذات فحقيق بأن يقال: لا مال له. قال
تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾ [آل عمران - ١٨٥]. ولذا قدم الظرف على عامله
في قوله: (ولها) أي للدنيا (يجمع) أي المال (من لا عقل له) أي عقلاً كاملاً أو عقل الدين
الحديث رقم ٥٢١٠: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٣٩٤ حديث رقم ١٠٧٢٢.
(١) البيهقي في شعب الإيمان ٣٩٦/٧ حديث رقم ١٠٧٣٠ ولفظة ((للتراب)).
الحديث رقم ٥٢١١: أخرجه أحمد في المسند ٧١/٦. والبيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٣٧٥ حديث رقم
١٠٦٣٨.
(٢) متفق عليه. البخاري في صحيحه ٢٢٩/١١ حديث رقم ٦٤١٢ ومسلم في صحيحه ١٤٣١/٣ حديث
رقم ١٨٠٤.

٤٠٣
کتاب الرقاق
رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
- -
٥٢١٢ - (٥٨) وعن حُذيفَةً [رضي الله عنه]، قال: سمعتُ رسول الله وَل يقول في
خطبته: ((الخمرُ جماعُ الإِثم، والنساء حبائلُ الشيطان، وحب الدنيا رأس كل خطيئة)). قال:
وسمعته يقول: ((أخّروا النساء حيث أخّرهنّ الله)).
دلالة على أن جمع الدار الآخرة للتزود هو المحمود. قال تعالى: ﴿وتزودوا فإن خير الزاد
التقوى﴾ [البقرة - ١٩٧]. قلت: ومجمل المعنى أن الدنيا لا تستحق أن تعد داراً إلا لمن لا
دار له ولا مالاً إلا لمن لا مال له. والمقصود استحقارها وانحطاطها عن أن تعد داراً أو مالاً
لمن كانت الآخرة له قرار ومآلاً. قال الراغب: كل اسم نوع يستعمل على وجهين: أحدهما
دلالة على المسمى وفصلاً بينه وبين وبين غيره، والثاني لوجود المعنى المختص به، وذلك هو
الذي يمدح به. فكل شيء لم يوجد كاملاً لما خلق له لم يستحق اسمه مطلقاً، بل قد ينفي عنه
كقولهم: فلان ليس بإنسان، أي لا يوجد فيه المعنى الذي خلق لأجله. (رواه أحمد والبيهقي
في شعب الإيمان) ورواه البيهقي أيضاً في الشعب عن ابن مسعود موقوفاً.
٥٢١٢ - (وعن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﴿ يقول في خطبته:) أي موعظته (الخمر
جماع الإِثم) بكسر الجيم أي مجمعه ومطيته. و[قيل]: أصل الجماع [ما يجمع] عدداً.
ويرادفه حديث ابن عباس على ما رواه الطبراني مرفوعاً: الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر، من
شربها وقع على أمه وخالته وعمته (١). وفي رواية البيهقي عن ابن عمر بلفظ: الخمر أم
الفواحش وأكبر الكبائر، ومن شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على أمه وعمته وخالته(٢). قيل:
دعي رجل إلى سجدة لصنم فأبى ثم إلى قتل النفس فأبى ثم إلى الزنا فأبى ثم إلى شرب
الخمر(٣) فلما شرب فعل جميع ما طلب منه. (والنساء) أي جنسهن (حبائل الشيطان) والمراد
به الجنس أو رئيسهم. ويؤيد الأول ما في نسخة بلفظ الشياطين، أي مصائدهم. واحدها حباله
بالكسر وهي ما يصاد بها من أي شيء. كان قيل: ما أيس الشيطان من بني آدم إلا أتى من قبل
النساء. (وحب الدنيا رأس كل خطيئة) أي ملاكها. ومفهومه أن ترك الدنيا رأس كل عبادة.
وقد قيل: من أحب الدنيا لا يهديه جميع المرشدين، ومن تركها لا يغويه جميع المفسدين.
قال الطيبي [رحمه الله]: والكلمات الثلاث كلها من الجوامع لأن كل واحدة منها على الانفراد
أصل في المغرم والمأثم. (قال:) أي حذيفة (وسمعته) أي النبي وَليزر (يقول: أخروا النساء
حيث أخرهن الله) قال الطيبي [رحمه الله ]: حيث للتعليل، أي أخرهن الله تعالى في الذكر
الحديث رقم ٥٢١٢: رواه رزين. وروى عبد الرزاق في المصنف عن ابن مسعود قوله ((أخروهن حيث
أخرهن الله)) ١٤٩/٣ حديث رقم ٥١١٥.
(١) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٢٥٢ حديث رقم ٤١٤١.
(٢) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٤١٤٢ وقال في الجامع أنه للطبراني في الكبير.
(٣) في المخطوطة ((دعني إلى شرب خمر فأبى)).
٢٢٠٠١٠

٢١,٥١
٤٠٤
كتاب الرقاق
رواه رزین.
٥٢١٣ - (٥٩) وروى البيهقي منه في ((شعب الإيمان)) عن الحسن، مرسلاً: ((حبُّ
الدنيا رأسُ كلِّ خطيئَةٍ)).
٥٢١٤ - (٦٠) وعن جابر [رضي الله عنه]، قال: قال رسولُ الله ◌َّر: ((إِن أخوفَ ما
أتخوَّفُ على أُمتي الهَوى وطولُ الأمل؛ فأما الهوى فيصدُّ عن الحقّ، وأما طول الأمل
فيُنسي الآخرةَ،
وفي الحكم وفي المرتبة فلا تقدموهن ذكراً وحكماً ومرتبة. قلت: وأصحابنا استدلوا به على
بطلان محاذاة المرأة بشروطها المعتبرة على ما هو مقرر عندهم ومحقق عند المحقق ابن الهمام
[رحمه الله ]. (رواه) أي الحديث بكماله (رزين) وفي التمييز لابن الربيع حديث: أخروهن من
حيث أخرهن الله. يعني النساء. قال شيخنا في مصنف عبد الرزاق [رحمه الله ]: ذكر أحاديث
بمعناه من طريق الطبراني ثم قال: ولا نطيل بها. وأشار شيخنا لبعضها في مختصر تخريج
الهداية انتهى. فالحديث مشهور عند المحدثين لكن بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الإصطلاحي،
فإنه يطلق على القريب من المتواتر القطعي. ولذا قال ابن الهمام عند قول صاحب الهداية: ولنا
الحديث المشهور لا يثبت رفعه فضلاً عن شهرته، والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود لكنه
في حكم المرفوع.
٥٢١٣ - (وروى البيهقي عنه) أي من الحديث الطويل المتشعب على جمل من الكلام
(في شعب الإيمان) أي بإسناد حسن (عن الحسن مرسلاً: حب الدنيا رأس كل خطيئة) قلت:
وهو عند أبي نعيم في ترجمة سفيان الثوري من قول عيسى ابن مريم عليه [الصلاة ]والسلام
وعند ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان له من قول مالك بن دينار، وكذا البيهقي في الزهد من
كلام عيسى عليه [الصلاة ]والسلام. قال السيوطي [رحمه الله ]: وقد عد الحديث في
الموضوعات. وتعقبه شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني [رحمه الله ]بأن ابن المديني اثنى على
مراسيل الحسن والإِسناد حسن إليه، وقد رواه الديلمي من حديث علي بن أبي طالب في
مسنده ولم يذكر له إسناداً(١)، وهو في تاريخ ابن عساكر عن سعد بن مسعود الصدفي التابعي
بلفظ: حب الدنيا رأس الخطايا.
٥٢١٤ - (وعن جابر قال: قال رسول الله وسلم: إن أخوف ما أتخوف على أمتي الهوى)
أي هوى النفس ومشتهياتها (وطول الأمل) أي بتسويف العمل وتأخيره إلى آخر حياتها. (فأما
الهوى) أي المخالف للهدي الموافق للباطل (فيصد) أي يمنع صاحبه (عن الحق) أي عن قبوله
وانقياده (وأما طول الأمل فينسي) من الإِنساء، ويجوز بالتشديد. (الآخرة) لأن ذكرها يقطع
الحديث رقم ٥٢١٣: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٨٨/٧ حديث رقم ١٠٥٠١.
(١) لم أجده في ((الفردوس)).
الحديث رقم ٥٢١٤: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٣٧٠ حديث رقم ١٠٦١٦.

٣٥٤.
كتاب الرقاق
٤٠٥
وهذه الدنيا مُرْتحلة ذاهبة، وهذه الآخرة مرتحلة قادمة، ولكلٍ واحدةٍ منهما بنون، فإِن
استطعتم أن لا تكونوا من بَنِي الدُّنيا فافعلوا، فإِنكم اليوم في دار العملِ ولا حساب، وأنتم
غداً في دارٍ الآخرة ولا عمل)).
الأمل ويوجب العمل. (وهذه الدنيا) أي المعلومة هنا والمفهومة حساً. (مرتحلة) أي ساعة
فساعة (ذاهبة) أي رائحة من حيث لا يدري صاحبها كما لا يشعر بسير السفينة راكبها. ولذا
قيل: [كل أنفس خطوة(١) إلى أجل راعيها. (وهذه الآخرة مرتحلة قادمة) أي آتية. شبههما
بالمطيتين المختلفتين في طريقهما، وفيه إشعار بأن كل ما هو آت قريب وإيماء إلى أن كل
ساعة يحتمل أنها [تكون ]النفس الأخير(٢) المقتضي أن يصرفها في طاعة. (ولكل واحدة
منهما بنون) أي ملازمون ومحبون وراكبون وراغبون، والجمع بينهما من الأضداد المعلومة
كما حققه العلماء العاملون. (فإن استطعتم أن لا تكونوا من بني الدنيا فافعلوا) وفيه اهتمام تام
بترك الدنيا ومبالغة بليغة في ملازمة أمر الآخرة حيث لم يقل: فإن استطعتم أن تكونوا من
أبناء الآخرة فافعلوا. ولعل العدول لما يلزم من ترك حب الدنيا حصول الآخرة، ولا يلزم من
وصول الآخرة ترك حظ الدنيا لقوله تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه
ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ [الشورى - ٢٠].
ولقوله سبحانه: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم
يصلاها مذموماً مدحوراً من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم
مشكوراً کلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً انظر كيف فضلنا
بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً ﴾ [الإسراء - ١٨ - ١٩ - ٢٠ - ٢١].
(فإنكم اليوم في دار العمل) أي في دار يطلب منكم عمل الآخرة، فإن الدنيا دار تكليف
فاغتنموا العمل قبل حلول الأجل بترك الأمل لأن الدنيا ساعة فينبغي أن تصرف في طاعة.
(ولا حساب) أي اليوم بحسب الظاهر بالنسبة إلى الفاجر. وإلا فروي خطاباً للأبرار: حاسبوا
أنفسكم قبل أن تحاسبوا. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس
ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ [الحشر: ١٨]. (وأنتم غداً في دار
الآخرة) أي وفي الحساب المترتب عليه الثواب والعقاب(٣) (ولا عمل) أي يومئذ لانقطاعه
بالأجل. قال السيوطي [رحمه الله]: قوله: ولا حساب. بالفتح بغير التنوين ويجوز الرفع
بالتنوين، وكذا قوله: ولا عمل. قال الطيبي (رحمه الله ]: أشار بهذه الدنيا إلى تحقير شأنها
ووشك زوالها. وفي قوله: الآخرة. أشار إلى تعظيم أمرها وقرب نزولها. وقوله: فإن
استطعتم، يعني بينت لكم حال الدنيا من غرورها وفنائها وحال الآخرة من نعيمها وبقائها
وجعلت زمام(٤) الاختيار في أيديكم فاختاروا أياً ما شئتم. وكان من حق الظاهر أن يقال:
فإنكم اليوم في دار الدنيا ولا حساب فوضع دار العمل موضعها المؤذن بأن الدنيا ما خلقت
(١) في المخطوطة ((خطرة)).
(٣) في المخطوطة ((العقاب والثواب)).
(٢) في المخطوطة ((نفس الآخر)).
(٤) في المخطوطة ((أيام)).
MItWS'7

٤٠٦
٠٠٤:
كتاب الرقاق
جروب
رواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)).
٥٢١٥ _ (٦١) وعن علي رضي الله عنه قال: ارتحلتِ الدنيا مُدبرة، وارتحلتِ الآخرة
مقبلةً، ولكلِّ واحدةٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناءِ الدنيا، فإِنَّ
اليوم عملٌ ولا حسابَ، وغداً حساب ولا عمل. رواه البخاري في ترجمة باب.
٥٢١٦ - (٦٢) وعن عمرو [رضي الله عنه] أن النبي وَلاّ خطبَ يوماً فقال في خطبته:
((ألا إنَّ الدنيا عرض حاضرٌ، يأكل منه البرّ والفاجر، أَلا وإِنَّ الآخرة أجلٌ صادق،
إلا للعمل والتزود منها للدار الآخرة، ولم يعكس [ليشعر بأن](١) الدار هي دار الآخرة.
(رواه البيهقي في شعب الإيمان) قال الطيبي [رحمه الله ]: وهذا الحديث رواه جابر مرفوعاً.
وفي رواية البخاري عن علي رضي الله [تعالى] عنه كما سيأتي موقوفاً. وهذا الحديث يدل
على أن حديث علي كرم الله وجهه أيضاً مرفوع. قلت: وفيه بحث لأنه إنما يقال في
الموقوف الذي لا مجال للرأي فيه أنه في حكم المرفوع، ولا شك أن هذا الموقوف ليس
من ذلك القبيل المعروف فيحتمل أن يكون مرفوعاً مسموعاً، ويحتمل أن يكون وقع منه
رضي الله [تعالى ] عنه توارداً مطابقاً مطبوعاً.
/١٩/٢
٥٢١٥ - (وعن علي رضي الله عنه) أي موقوفاً (قال: ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت
الآخرة مقبلة) أي ظهر إدبار الدنيا وفناؤها وإقبال الآخرة وبقاؤها. (ولكل واحدة منهما بنون)
أي بهما متعلقون (فكونوا من أبناء الآخرة) أي بالتوجه إليها (ولا تكونوا من أبناء الدنيا) أي
بالاعراض عنها وعدم الاقبال عليها (فإن اليوم عمل) أي وقت عمل (ولا حساب) [أي زمان لا
محاسبة على الاكتساب. وقد يقال: جعل اليوم نفس العمل والمحاسبة مبالغة. كذا قوله :
(وغداً) أي يوم القيامة (حساب ـآولا عمل) وتقدم ما في الحساب والعمل من اختلاف
الإعراب. (رواه البخاري في ترجمة باب) أي من غير ذكر إسناد في كتاب.
٥٢١٦ - (وعن عمرو) بالواو (أن النبي وي ليه خطب يوماً فقال في خطبته: ألا) للتنبيه (إن
الدنيا عرض) بفتحتين، أي مال حادث وحال عارض. (حاضر) أي عاجل محسوس (يأكل منه)
أي من العرض. وفي نسخة: منها، أي من الدنيا. (البر والفاجر) أي المؤمن والكافر فإنه
تعالى قال: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ [الأنعام - ٣٨]. وقال: ﴿كلا نمد
هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً ﴾ [الإسراء - ١٧ ]. أي ممنوعاً.
هذا وقال الراغب: العرض ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون قولهم: العرض لما
لا ثبات له إلا بالجوهر كاللون والطعم. وقيل: للدنيا عرض حاضر تنبيهاً على أن لا ثبات لها.
(إلا وأن الآخرة) قال الطيبي [رحمه الله]: حرف التنبيه هنا مقحم وما بعده معطوف على قوله:
إن الدنيا، قوبلت القرينة السابقة بقوله: ألا وإن الآخرة. (أجل) أي مؤجل (صادق) أي وقوعها
(١) في المخطوطة بدل المعكوفتين ((ثم بأن)).
الحديث رقم ٥٢١٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٣٥/١١. في باب رقم ٤ باب في الأمل وطوله.
الحديث رقم ٥٢١٦: لم أقف عليه في مسند الإمام الشافعي.

٤٠٧
کتاب الرقاق
ويقضي فيها مَلِك قادر، أَلا وإِن الخيرَ كله بحذافيره في الجنة، أَلا وإِنَّ الشرّ كله بحذافيره
في النار، أَلا فاعملوا وأنتم من الله على حَذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم،
﴿فمن يعملْ مثقال ذرةٍ خيراً يرَهُ ومن يعملْ مثقال ذرّةٍ شرّاً يره﴾)). رواه الشافعي.
٥٢١٧ _ (٦٣) وعن شداد [رضي الله عنه] قال: سمعتُ رسول اللهِوَ له يقول: ((يا
أيُّها الناس! إِن الدنيا عرضٌ حاضرٌ، يأكل منها البرّ والفاجر، وإِن الآخرة وعدّ صادق،
یحکم فيها ملك عادل قادر،
(ويقضي) أي يحكم (فيها ملك قادر) أي مميز بين البر والفاجر والمؤمن والكافر بالثواب
والعقاب. قال الطيبي (رحمه الله ]: الأجل الوقت المضروب الموعود وصفه بالصدق دلالة
على تحققه وثباته وبقائه. وقال الراغب: يستعمل التصديق في كل ما فيه تحقيق. يقال:
صدقني فعله وكتابه. وفي المثل: صدقني من بكره وصدق في القتال إذا وفى حقه وفعل على
ما يحب وكما يحب. (ألا وإن الخير) أي أصحابه (كله) أي جميع أصنافه (بحذافيره) أي
بجوانبه وأطرافه (في الجنة، ألا وإن الشركاء بحذافيره في النار) الظاهر أن [كلاً من ]المعطوف
والمعطوف عليه أتى بحرف التنبيه إشارة إلى استقلال كل من الجملتين خلافاً لما سبق عن
الطيبي [رحمه الله ]، فتدبر. (ألا فاعملوا) أي الخير (وأنتم من الله على حذر) أي على خوف
من وقوع شر (واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم) قال الطيبي [رحمه الله ]: أي الأعمال
معروضة عليكم من باب القلب كقولهم: عرضت الناقة على الحوض(١). انتهى. وإلا ظهر أن
معناه: مقابلون بأفعالكم مجزيون على أعمالكم، كعرض العسكر على الأمير. ومنه قوله
تعالى: ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾ [الحاقة - ١٨]. على أنها تحتمل أن تكون
على العلة كما قال تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة - ١٨٥]. أو التركيب من
قبيل علفت ماء وتبناً، والتقدير: معرضون على مجازون(٢) على أعمالكم، إن كان خيراً فخير
أو كان شراً فشر. (﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾) أي جزاءه في إحدى الدارين. (﴿ومن
يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾) قال السيوطي (رحمه الله]: الذرة النمل الأحمر الصغير، وسئل
ثعلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة. وقيل: الذرة ليس لها وزن؛ ويراد بها ما يرى في
شعاع الشمس الداخل في الكوة النافذة. (رواه الشافعي).
٥٢١٧ - (وعن شداد) بتشديد الدال الأولى، أي ابن أوس. (قال: سمعت رسول الله وَليه
يقول: أيها الناس إن الدنيا عرض حاضر يأكل منها) أي من الدنيا ويتمتع بها (البر والفاجر) أي
المؤمن والكافر (وإن الآخرة وعد) أي موعود (صادق) أي واقع غير كاذب. في مختصر الطيبي
[رحمه الله ]وصف الوعد بالصدق على الإسناد المجازي، أي صادق وعده أي في وعده.
(يحكم فيها) أي يقضي في الآخرة (ملك) أي سلطان (عادل) أي غير ظالم (قادر) أي غير
(١) في المخطوطة ((القلب))
(٢) في المخطوطة ((يجاوزون)).
الحديث رقم ٥٢١٧: أبو نعيم في الحلية ٢٦٤/١.

٤٠٨
كتاب الرقاق
يُحق فيها الحقَّ، ويُبطل الباطلَ، كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإِن
كل أم يتبعها ولدها)).
٥٢١٨ - (٦٤) وعن أبي الدرداءِ [رضي الله عنه]، قال: قال رسول الله وَله: ((ما
طلعت الشمسُ إِلا وبجنبتيها مَلَكان يناديان، يسمعان الخلائق غَير الثقلين: يا أيُّها الناس!
هلموا إلى ربِكم، ما قلَّ وكفى خيرٌ مما كثر وألهى))
عاجز (يحق فيها الحق) أي يثبت ويعين (ويبطل) أي يزهق (الباطل) والمعنى يميز بين أهليهما
ويفصل بينهما بالثواب والعقاب. (كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن كل أم
يتبعها ولدها) فكأن الدنيا الباطلة مقرها النار وبئس القرار، والآخرة الحقة محلها الجنة فنعم
الدار.
٠/١:٣١
٥٢١٨ - (وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ◌َّ ى: ما طلعت الشمس إلا وبجنبتيها)
بفتح الجيم والنون ويسكن. وفتح الموحدة وسكون التحتية تثنية الجنبة وهي الناحية، ففي
المقدمة: إنها بالتحريك، وفي القاموس: الجنب والجانب والجنبة محركة شق الانسان وغيره،
وجانبتا الأنف وجنبتاه ويحرك جنباه. قال الطيبي [رحمه الله ]: الواو للحال والاستثناء مفرغ
من أعم عام الأحوال. وقوله: (ملكان) يجوز أن يكون فاعل الجار والمجرور على رأي أو
مبتدأ، والجار والمجرور خبره، انتهى. وقوله: (يناديان) حال أو استئناف أو صفة لقوله:
ملكان. وقوله: (يسمعان الخلائق غير الثقلين) بدل مما قبله أو حال من ضميره أو بيان بعد
بيان. والظاهر حمل الإسماع للخليقة على الحقيقة. ثم لعل السر لعدم إسماع الثقلين أن لا
يرتفع التكليف بمعاينة الغيب كما حقق في قوله وَلاير: لولا أن تدافعوا لدعوت الله أن يسمعكم
من عذاب القبر(١). فإن قلت: فما فائدة النداء لغيرهما مع أنهما هما المحتاجان للتنبيه عن
غفلة الإنباء. قلت: فائدته أن يخبر الصادق المصدق بقوله ناقلاً عما سمع بنفسه أو بما أخبر به
الحق المطلق. (يا أيها الناس هلموا) أي تعالوا. (إلى ربكم) أي أمره وحكمه أو انقطعوا إليه
من غيره كما قال تعالى: ﴿ففروا إلى الله﴾ [الذاريات - ٥٠]. ﴿وتبتل إليه تبتيلاً﴾. (ما قل)
أي من المال، وما موصولة. (وكفى) أي في أمر الدنيا وزاد العقبى. (خير مما كثر) أي من
المال (وألهى) أي شغل عن المولى وحسن الحال وتحسين المآل. وقال الطيبي [رحمه الله]:
يجوز أن يكون الاسماع على الحقيقة، وأن يكون على التنبيه عن الغفلة مجازاً، فمعنى:
يسمعان الخلائق غير الثقلين أنهما يقصدان بالأسماع الثقلين فيسمعان غيرهما. ثم خص من
الثقلين الإِنسان بقوله: يا أيها الناس. تنبيهاً على تماديهم في الغفلة وانهماكهم في الحرص
وجمع حطام الدنيا حتى ألهاهم ذلك عن الإقبال إلى ذكر الله تعالى وعبادته فقيل لهم: إلى كم
هذه الغفلة والإعراض عن ذكر الله، هلموا إلى طاعة ربكم ما قل من المال ويكفيكم، ولا
الحديث رقم ٥٢١٨: أحمد في المسند ١٩٧/٥ وأبو نعيم في الحلية ٢٢٦/١.
(١) مسلم في صحيحه ٤/ ٢٢٠٠ حديث رقم ٢٨٦٨.
بورجـ
a225

٤٠٩
کتاب الرقاق
رواهما أبو نعيم في ((الحلية)) .
٥٢١٩ - (٦٥) وعن أبي هريرة (رضي الله عنه] يبلغ به، قال: ((إِذا مات الميّت قالت
الملائكة: ما قدّم؟ وقال بنو آدم: ما خَلَّفْ؟)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)).
٥٢٢٠ - (٦٦) وعن مالك [رضي الله عنه]: أن لقمان قال لابنه: ((يا بُني! إِن الناسَ
قد تطاولَ عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سِرَاعاً يذهبون،
٧٠ بوه جـ
يلهيكم خير مما كثر وألهى؛ سمع هذا النداء من ألقى السمع وهو شهيد. أولئك هم الذين
أشار الله بذكرهم ورفع من منزلهم في قوله: ﴿لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ [النور -
٣٧] الآية. ومعنى اسماع غير المكلفين كونها مسبحة لله منقادة لما يراد منها. وإن من شيء إلا
يسبح بحمده. انتهى. ولا يخفى أن صحة كلامه يحتاج إلى أن يقال التقدير غير عامة الثقلين والله
[تعالى ]أعلم. (رواهما) أي الحديثين (أبو نعيم في الحلية) وقد روى ابن حبان الأول في
صحيحه .
٥٢١٩ - (وعن أبي هريرة يبلغ) بفتح الياء (به) والباء للتعدية. والمعنى: يرفع مرويه إلى
النبي ◌َّر. (قال: إذا مات الميت) قال الطيبي [رحمه الله ]: هو من باب المجاز باعتبار ما
يؤول، فإن الميت لا يموت بل الحي هو الذي يموت. قلت: إلا الحي الذي لا يموت. وفي
الكشاف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا أراد أحدكم الحج فليعجل فإنه يمرض
المريض وتضل الضالة. فسمى المشارف للمرض والضلال مريضاً وضالة، وعلى هذا يسمى
المشارف للموت ميتاً. قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر - ٣٠ ].
ومآل القولين واحد، وإنما الخلاف باعتبار النظر في أول أمره أو آخر حاله كنظر الصوفية في
أمر السابقة واللاحقة، والأولى هي الأولى. (قالت:) وفي رواية الجامع: تقول. (الملائكة: ما
قدم) بتشديد الدال، أي من الأعمال. (وقال بنو آدم:) وفي رواية الجامع: ويقول الناس. (ما
خلف) بتشديد اللام، أي أخر من الأموال. قال الطيبي (رحمه الله تعالى]: وفائدته اهتمام شأن
الملائكة بالأعمال، أي ما قدم من عمل حتى يثاب به أو يعاقب عليه واهتمام الوراث بماله
ليرثوه. (رواه البيهقي في شعب الإيمان).
٥٢٢٠ - (وعن مالك) أي ابن أنس (أن لقمان قال لابنه: يا بني) بتشديد الياء المفتوحة،
وتكسر على صيغة التصغير للشفقة. (إن الناس) أي من عهد آدم إلى يومنا هذا (قد تطاول) أي
بعد (عليهم ما يوعدون) أي من البعث والحساب وما بعدهما من الثواب والعقاب. وقال
الطيبي [رحمه الله]: أي طال عليهم مدة ما وعدوا به. (وهم إلى الآخرة سراعاً) أي مسرعين،
حال من المبتدأ أو من ضمير الخبر وهو قوله: (يذهبون) قدم اهتماماً. والجملة حال من ضمير
ما يوعدون. والمعنى: تطاول على الناس بعد الوعد وقرب العهد. والحال أنهم كل ساعة، بل
كل نفس يذهبون إلى ما يوعدون كالقافلة السيارة، لكنهم لا يحسون كالسكان في الفلك
الحديث رقم ٥٢١٩: رواه البيهقي في شعب الإيمان ٣٢٨/٧. حديث رقم ١٠٤٧٥.
الحدیث رقم ٥٢٢٠: رواه رزین.

٤١٠
كتاب الرقاق
وإِنّك قد استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلتَ الآخرة، وإِن داراً تسيرُ إِليها أقربُ إِليك من
دارٍ تخرج منها)). رواه رزین.
٥٢٢١ - (٦٧) وعن عبد الله بن عمرو [رضي الله عنهما] قال: قيلَ لرسول الله وقال:
أيُّ الناسِ أفضلُ؟ قال: ((كل مَخْمُوم القلب، صَدوق اللسان)). قالوا: صدوقُ اللسان
نعرفه، فما مخمومُ القلب؟ قال: ((هو النقي، التقي، لا إِثم عليه، ولا بغي، ولا غلّ، ولا
حسد)). رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
٠٥٠٠.
المشحون. ثم بين هذا المعنى بقوله: (وإنك) أي أيها الولد. وأريد به خطاب العامة الشامل
لنفسه وغيره. (قد استدبرت) أي أنت (الدنيا) أي ساعة فساعة (مذ كنت) أي وجدت وولدت
(واستقبلت الآخرة) أي نفساً فنفساً من غير اختيار لك في هذا المسير من البدء والمصير، ثم
أوضح له القصة بطريق الحكمة حيث بين الدارين المعنويتين بالدارين المحسوستين فقال: (وإن
داراً تسير إليها أقرب إليك من دار تخرج منها) والمقصود من هذه الموعظة دفع الغفلة عن أمر
الآخرة. (رواه رزين).
٥٢٢١ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (قال: قيل لرسول الله وَلاتر: أي الناس أفضل.
قال: كل مخموم القلب) بالخاء المعجمة أي سليم القلب لقوله تعالى: ﴿إلا من أتى الله بقلب
سليم﴾. من خممت البيت إذا كنسته على ما في القاموس وغيره. فالمعنى: أن يكون قلبه
مكنوساً من غبار الأغيار ومنظفاً من أخلاق الأقذار. (صدوق اللسان) بالجر، أي كل مبالغ
للصدق في لسانه فيحصل به المطابقة بين تحسين لسانه (١) وبيانه فيخرج عن كونه منافقاً أو
مرائياً مخالفاً. (قالوا: صدوق اللسان) بالجر على الحكاية ويجوز رفعه على إعراب الابتدائية،
والخبر قوله: (نعرفه، فما مخموم القلب. قال: هو النقي) أي نقي القلب وطاهر الباطن عن
محبة غير المولى. (التقي) أي المجتنب عن خطور السوي (لا إثم عليه) فإنه محفوظ وبالغفران
محفوظ وبعين العناية ملحوظ. ومن المعلوم أن لا لنفي الجنس. فقوله: (ولا بغي) أي لا ظلم
إله (ولا غل) أي لا حقد (ولا حسد) أي لا تمني زوال نعمة الغير من باب التخصيص والتعميم
على سبيل التكميل والتتميم لئلا يتوهم اختصاص الإِثم بحق الله، فصرح بأنه لا مطالبة عليه لا
من الخلق ولا من جهة الخالق(٢) والله [تعالى ]أعلم بالحقائق. قال الطيبي [رحمه الله ]
٤ الجواب ينظر إلى قوله تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ [الحجرات - ٣].
أي أخلصها للتقوى من قولهم: امتحن الذهب وفتنه إذا أذابه فخلص ابريزة من خبثه ونقاه.
وعن عمر رضي الله تعالى عنه: أذهب الشهوات عنها. (رواه ابن ماجه والبيهقي في شعب
الإيمان).
الحديث رقم ٥٢٢١: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٤٠٩/٢ حديث رقم ٤٢١٥.
(١) في المخطوطة («جنانه)).
(٢) في المخطوطة جاءت العبارة على الشكل التالي: ((لا من جهة الخالق ولا من جهة المخلوق)).

٤١١
کتاب الرقاق
٥٢٢٢ - (٦٨) وعنه، أن رسول الله وَلتر قال: ((أربع إِذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك
[من] الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعقّة في طُعْمةٍ). رواه أحمد،
والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
٥٢٢٣ - (٦٩) وعن مالك [رضي الله عنه] قال: بلغني أنه قيل للقمان الحكيم: ما
بلغ بك ما نرى؟ يعني الفضل. قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني.
رواه في ((الموطأ)).
٥٢٢٤ - (٧٠) وعن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله وَليقول: ((تجيء
٥٢٢٢ - (وعنه) أي عن ابن عمرو (أن رسول الله وَلقر قال: أربع) أي من الخصال (إذا
كن فيك) أي وجدن في وجودك ظاهراً وباطناً (فلا عليك) أي لا بأس (ما فاتك الدنيا) وفي
الجامع: ما فاتك من الدنيا. قال الطيبي [رحمه الله ]: يحتمل أن تكون ما مصدرية والوقت
مقدر، أي لا بأس عليه وقت فوت الدنيا إن حصلت لك هذه الخصال وأن تكون نافية، أي لا
بأس عليك لأنه لم تفتك الدنيا إن حصلت لك هذه الخصال انتهى. والأول أظهر كما لا
يخفى. (حفظ أمانة) يشمل أمانة الأموال والأعمال (وصدق حديث) يعم الأقوال (وحسن
خليقة) أي خلق. والتعبير بها إشارة إلى الحسن الجبلي لا التكلفي والتصنعي في الأحوال.
(وعفة في طعمة) بضم الطاء مع تنوين التاء، أي احتراز من الحرام واحتفاظ على الحلال.
(رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان) ولفظ الجامع: صدق الحديث وحفظ الأمانة وحسن
الخلق وعفة مطعم. رواه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي عن ابن عمر بلا واو، والطبراني
عن ابن عمرو بالواو، وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس ".
٥٢٢٣ - (وعن مالك) أي الإمام (قال: بلغني أنه قيل للقمان الحكيم ما بلغ بك ما نرى،
يعني الفضل) يحتمل أن يكون من كلام مالك أو غيره تفسيراً، والمعنى: يريد لقمان بما
الموصولة في قوله ما نرى الفضل، وأما ما الأولى (٢) فهي استفهامية. والمعنى: أي شيء
أوصلك هذه المرتبة التي نراها فيك من الفضيلة الزائدة على غيرك. (قال: صدق الحديث) أي
ملازمة صدق الحديث قولاً ونقلاً (وأداء الأمانة) أي مالاً وفعلاً (وترك ما لا يعنيني) أي ما لا
ينفعني حالاً ومآلاً (رواه) أي مالك (في الموطأ) أي عن مالك، وقد تقدم بحث ذلك.
٥٢٢٤ - (وعن أبي هريرة [رضي الله تعالى عنه ]قال: قال رسول الله وَلقول: تجيء)
الحديث رقم ٥٢٢٢: أحمد في المسند ٢/ ١٧٧. ورواه البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٣٢١ حديث رقم ٥٢٥٨.
(١) الجامع الصغير ١/ ٦٢ حديث رقم ٩١٢.
الحديث رقم ٥٢٢٣: أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٩٠ حديث رقم ١٧ من كتاب الأحكام.
(٢) في المخطوطة ((الأولية)).
الحديث رقم ٥٢٢٤: أخرجه مالك في الموطأ ٩٩٠/٢ حديث رقم ١٧ من كتاب الكلام. وأحمد في
المسند ٣٦٢/٢.

٤١٢
كتاب الرقاق
الأعمال، فتجيء الصلاة فتقول: يا ربّ! أنا الصلاة. فيقول: إِنك على خير. فتجيء
الصدقة، فتقول: يا ربّ! أنا الصدقة. فيقول: إِنك على خير. ثم يجيء الصيامُ، فيقول: يا
ربِّ! أنا الصيام. فيقول: إِنك على خير. ثم تجيء الأعمال على ذلك. يقول الله تعالى:
إِنك على خير. ثم يجيء الإِسلام فيقول: يا ربّ! أنت السلام وأنا الإسلام فيقول الله
تعالى: إِنكَ على خيرٍ، بكَ اليوم آخُذُ، وبكَ أُعطي. قال الله تعالى في كتابه: ﴿ومن يبتغ
غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾)).
بالتأنيث ويجوز تذكيرها، أي تأتي. (الأعمال) أي مجسمة لتحتج لصاحبها وتشفع لمراعيها أو
تخاصم لمخالفيها وتاركيها (فتجيء الصلاة فتقول) أي بلسان القال، ويمكن أن يكون بلسان
الحال وأن المراد بالمجيء ظهور أثر الأعمال ونتيجة الأفعال في المآل. (فتقول: يا رب أنا
الصلاة) أي المبدوءة في كتابك عن جميع الأعمال حيث قلت: ﴿إلا المصلين الذين هم على
صلاتهم دائمون﴾ [المعارج - ٢٣]. والمختومة (١) منها بقولك: ﴿والذين هم على صلاتهم
يحافظون أولئك في جنات مكرمون﴾ [المعارج - ٣٤ - ٣٥]. وقيل: التقدير أنا المعروفة
المشهورة بالفضل والمزية كما يقال: أنا العالم، ومنه قول القائل:
:
أنا أبو النجم وشعري شعري
وقال الطيبي [رحمه الله ]: أي إن لي مرتبة الشفاعة لأني عماد الدين. (فيقول:) أي الرب
(إنك على خير) وهذا رد لها على ألطف وجه، أي أتت ثابتة مستقرة على خير كقوله تعالى:
﴿أولئك على هدى﴾ ولكن لست بمستقلة فيها ولا كافية في الاحتجاج وعلى هذا المنوال سائر
الأعمال من الصدقة والصيام وبقية الأفعال. (فتجيء الصدقة فتقول: يا رب أنا الصدقة فيقول:
إنك على خير. ثم يجيء الصيام) ولعل وجه تأخيره عن الصدق في العقبى تأخير وجوبه عنها
في الدنيا. (فيقول: يا رب أنا الصيام فيقول: إنك على خير. ثم تجيء الأعمال) أي سائرها من
الحج والجهاد وطلب العلم ونحوها (على ذلك) أي على هذا المنوال متفقة على هذا المقال
(يقول) استئناف أو حال. وكان مقتضى الظاهر فيقول: (الله تعالى:) وفي نسخة صحيحة: عزَّ
وجلَّ. (إنك) أي أيها العمل (على خير. ثم يجيء الإِسلام) أي الانقياد الباطن الموجب للانقياد
الظاهر المعبر عنه بالإيمان، وعلى ترادفهما أصحاب الإِيقان وأرباب الإتقان. (فيقول: يا رب
أنت السلام وأنا الإِسلام) أي وبيننا مناسبة الاشتقاق الاسمية المعتبرة عند العلماء الرسمية
والوسمية كما حقق في حديث: الرحم شجنة من الرحمن. فإن المقتضى بذلك أن القائم بي
يدخل دارك دار السلام. (فيقول الله تعالى: إنك على خير) أي خير عظيم لاشتمالك على دين
وسيم (بك اليوم آخذ) بصيغة المتكلم، أي آخذ بك من اؤاخذه بالعقوبة. (وبك أعطي) أي من
أسامحه بالمثوبة، فإنك أنت الأصل المدار عليك أمر الطاعة والمعصية. (قال الله تعالى في
كتابه: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾)(٢). وفيه
(١) في المخطوطة ((أعمار)).
(٢) سورة آل عمران. آية رقم ٨٥.
سے

١٫٠٥٢٤
٤١٣
كتاب الرقاق
٥٢٢٥ - (٧١) وعن عائشة [رضي الله عنها] قالت: كان لنا سِترٌ فيه تماثيلُ طير،
فقال رسول الله ◌َلاغير: ((يا عائشة! حوّلیه؛ فإني إِذا رأيته ذكرت الدنيا)).
٥٢٢٦ - (٧٢) وعن أبي أيُّوب الأنصاري [رضي الله عنه] قال: جاء رجلٌ إِلى النبي
وَّه فقال: عظني وأوجز. فقال: ((إِذا قمت في صلاتك فصلٌ صلاةً مَودّع، ولا تكلم بكلام
تَعذِرُ منه غداً، وأجمع الإِياس مما في أيدي الناس)).
إشارة لطيفة متضمنة لبشارة شريفة، وهي أن من مات على الإسلام ليس من الخاسرين أبداً، بل
من المفلحين الناجين مآلاً ومنالاً، وأن أمر الطاعة والعبادة مع قوة الإِسلام يرجى فيهما
المسامحة. نسأل الله العفو والعافية ونعوذ بالله من درك الهاوية .
٥٢٢٥ - (وعن عائشة رضي الله [تعالى ] عنها قالت: كان لنا ستر) بكسر السين، أي شيء
يستر به الجدار وباب الدار. (فيه تماثيل طير) أي تصاوير طيور أو طير. (فقال رسول الله ويليهو:
يا عائشة حوليه) أي غيريه بتبديله أو تنقيله. (فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا) وفي هذا التعليل دليل
على أن الصور كانت صغيرة جداً، أو قبل العلم بتحريم التصوير وامتناع دخول ملائكة الرحمة
في مكانه، مع الإيماء إلى أن رؤيته أسباب يتنعم بها الأغنياء مما تذهب بحلاوة قلوب الفقراء.
وقد قال تعالى: ﴿لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه
ورزق ربك خير وأبقى ﴾ [طه - ١٣١ ].
٥٢٢٦ - (وعن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ- فقال: عظني وأوجز)
أي اختصر وعلى المهم اقتصر (فقال: إذا قمت) أي شرعت (في صلاتك فصل صلاة مودع)
بكسر الدال المشددة، أي مودع لما سوى الله بالاستغراق في مناجاة مولاه، أو المعنى صل
صلاة من يودع الصلاة ومنه حجة الوداع، أي اجعل صلاتك آخر الصلوات فرضاً فحسن خاتمة
عملك واقصر طول أملك لاحتمال قرب أجلك. وقال الطيبي [رحمه الله ]: أي فأقبل على الله
بشراشرك [و]ودع غيرك لمناجاة ربك. (ولا تكلم) بحذف إحدى التائين. وفي نسخة بإثباتهما،
أي لا تتحدث (بكلام تعذر) [بفتح ]التاء وكسر الذال، أي تحتاج أن تعتذر. (منه) أي من أجل
ذلك الكلام (غداً) أي يوم القيامة، وهو المعنى بقوله: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا
يعنيه))(١). (وأجمع الإِياس) بفتح الهمزة وكسر الميم ويجوز عكسه ومنه قوله تعالى: (فأجمعوا
كيدكم) [طه - ٦٤]. فقد قرأ أبو عمرو بوصل الهمزة وفتح الميم، من جمع يجمع، والباقون
بقطعها والكسر من أجمع بمعنى عزم على الأمر، أو هما لغتان بمعنى الجمع. فالمعنى: اعزم
على قطع اليأس، أو أجمع خاطرك على قصد اليأس وترك الطمع. (مما في أيدي الناس) أي
قناعة بالكفاية المقدرة بالقسمة المحررة المقررة في قوله تعالى: ﴿نحن قسمنا بينهم معيشتهم
الحديث رقم ٥٢٢٥: أخرجه أحمد في المسند ٢٤١/٦.
الحديث رقم ٥٢٢٦: أخرجه ابن ماجه ١٣٩٦/٢ حديث رقم ٤١٧١. وأحمد في المسند ٤١٢/٥.
(١) أخرجه الترمذي في السنن حديث رقم ٢٣١٧.

٤١٤
م
٠٠
كتاب الرقاق
٥٢٢٧ - (٧٣) وعن معاذ بن جبل [رضي الله عنه] قال: لما بعثَه رسولُ اللهِ وَّل إلى
اليمنٍ، خرجَ معه رسولُ اللهِ وَلّهِ يُوصيهِ، ومعاذٌ راكبٌ ورسولُ الله ◌َله يمشي تحت راحلتِه،
فلما فرغ قال: ((يا معاذ! إِنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلَّكَ أن تمرَّ بمسجدي
هذا وقبري».
في الحياة الدنيا﴾ [الزخرف - ٣٢ ] إلى أن قال: ﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة
عند ربك للمتقين﴾ [الزخرف - ٣٥]. وفي الحديث إشارة إلى أن الاستئناس بالناس من
علامة الافلاس، وأن الغنى القلبي هو الاياس(١) مما في أيدي الناس. وقال الطيبي [رحمه
الله]: أي أجمع رأيك على اليأس من الناس وصمم عليه، وهو من قوله تعالى: ﴿فاجمعوا
كيدكم﴾ [طه - ٦٤]. قال: والظاهر أن الاياس وقع موقع اليأس سهواً من الكاتب(٢)، لأن
الإياس مصدر أسه إذا أعطاه، وليس مصدر أيس مقلوب يئس، لأن مصدر المقلوب يوافق
الفعل الأصلي لا المقلوب. ويمكن أن يقال: إنه من آيس نفسه مما في أيدي الناس إيناساً
فخفف الهمزة، أي بالنقل والحذف انتهى. [وفي القاموس ]: أيس منه كسمع إياساً قنط
فبطل. تخطئة الرواة الحفاظ المعتمدين على ذوات الصدور لا على ما في السطور، خصوصاً
وقد جاء هذا الحديث من طرق متعددة مصححة على ما ذكره ميرك نقلاً عن المنذري بعد قول
المؤلف. (رواه أحمد) أي عن أبي أيوب. ولهذا الحديث شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص
قال: جاء رجل إلى النبي وَ ل﴿ فقال: يا رسول الله أوصني. قال: عليك بالإِياس مما في أيدي
الناس وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر وصل صلاتك وأنت مودع وإياك وما يعتذر منه. [رواه
الحاكم والبيهقي في الزهد. وقال الحاكم واللفظ له: صحيح الإسناد ](٣). ورواه الطبراني من
حديث ابن عمر نحوه. اهـ. ومن المحال اتفاق الحفاظ والأصحاب على سهو وقع من أحد
الكتاب والله [تعالى] أعلم بالصواب.
٥٢٢٧ - (وعن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله ( *) أي لما أراد إرساله قاضياً أو
عاملاً (إلى اليمن خرج معه رسول الله وَلي يوصيه) بالتخفيف ويشدد (ومعاذاً راكب) أي بأمره
(ورسول الله (98 يمشي تحت راحلته) أي تواضعاً لله وتلطفاً للمؤمنين، ومنه يؤخذ استحباب
متابعة الأصحاب. (فلما فرغ) أي من الوصية (قال: يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي
هذا ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري) أي مع قبري على أن الواو بمعنى مع، ذكره الطيبي
[رحمه الله]. والظاهر أنه عطف على مسجدي والتقدير: أن تمر بمسجدي هذا وبقبري أيضاً
وأبهمه لعدم ظهوره حينئذ على ما لا يخفى. ثم اعلم إن عسى معناه الترجي في المحبوب
والإشفاق في المكروه وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم
(١) في المخطوطة ((غنى القلب هو البأس)).
(٢) في المخطوطة ((الكتابة)).
(٣) الحاكم في المستدرك ٣٢٦/٤.
الحديث رقم ٥٢٢٧: أخرجه أحمد في المسند ٢٣٥/٥.
٠٠١
١٨:٦

٤١٥
كتاب الرقاق
فبكى معاذٌ جَشَعاً لفراقِ رسولِ اللَّهِ بِ له ثم التفت فأقبل بوجهه نحوَ المدينة فقال: ((إِن أولى
الناس بي المتَّقون، من كانوا وحيثُ كانوا))
وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ﴾ [البقرة - ٢١٦]. وأما لعل فمعناه التوقع وهو ترجي
المحبوب والإشفاق من المكروه، نحو: لعل الحبيب واصل ولعل الرقيب حاصل. ويختص
بالممكن بخلاف ليت فإنه يستعمل في المحال نحو: ليت الشباب يعود. فاستعمال عسى ولعل
في الحديث بالمعنيين الأخيرين على ما هو الظاهر المتبادر. ثم في المغني يقترن(١) خبر لعل
بأن كثيراً حملا على عسى كقوله:
عليك من اللائي يدعنك أجدعا
لعلك يوماً أن تلم ملمة
وقال الطيبي [رحمه الله]: استعمال لعل على الحقيقة لكونه وي ليه راغباً للقاء الله تعالى.
وأدخل أن في الخبر تشبيهاً للعل بعسى تلويحاً إلى قوله عزَّ وجلّ: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً
محموداً﴾ [الإسراء - ٧٩]. (فبكى معاذ جشعاً) بفتح الجيم والشين المعجمة، أي جزءاً
وفزعاً. ففي النهاية: الجشع الجزع لفراق الألف. فقوله: (لفراق رسول الله وَلير) للتأكيد أو
للتجريد (ثم التفت) أي رسول الله وَ ﴿ عن معاذ (فأقبل بوجهه نحو المدينة) تفسير للالتفات.
ولعل وجه الالتفات بإدارة وجهه الشريف عن معاذ لئلا يرى بكاءه ويصيره سبباً لبكائه عليه
[الصلاة ]والسلام ويشتد الحزن في ذلك المقام مع الإيماء بأنه لا بد من المفارقة في الدنيا
والمواجهة في العقبى، فسلاه فعلاً ووصاه قولاً حيث بين فيه أنك تفارقني وتفارق المدينة وترى
المدينة ولا تراني. وأشار إلى أن مجمع الأنبياء والأتقياء في دار البقاء. (فقال: إن أولى الناس
بي) أي بشفاعتي أو أقرب الناس إلى منزلتي (المتقون من كانوا) جمع باعتبار معنى من.
والمعنى: كائناً من كان عربياً أو عجمياً أبيض أو أسود شريفاً أو وضيعاً. (وحيث كانوا) أي
سواء كانوا بمكة والمدينة أو باليمن والكوفة والبصرة، فسره فانظر إلى رتبة أويس القرني باليمن
على كمال التقوى وحالة جماعة من أكابر الحرمين الشريفين من حرمان المنزلة الزلفى، بل من
إيصال ضررهم إليه ◌َّله حتى من بعض ذوي القربى. وحاصله أنه لا يضرك بعدك الصوري عني
مع وجود قربك المعنوي لي فإن العبرة بالتقوى كما يستفاد من إطلاق قوله تعالى: ﴿إن
أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ [الحجرات - ١٣]. من غير اختصاص بمكان أو زمان أو نوع
إنسان. ففيه تحريض على مراعاة التقوى المناسبة للوصية عند المفارقة الصغرى والكبرى. وقد
قال تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله﴾ [النساء - ١٣١].
مع ما فيه من التسلية لبقية الأمّة الذين لم يدركوا زمن الحضرة ومكان الخدمة، هذا الذي سنح
لي في هذا المقام من حل الكلام على ظهور المرام. وقال الطيبي [رحمه الله]: لعل الالتفات
كان تسلية لمعاذ بعد ما نعى نفسه إليه. يعني: إذا رجعت إلى المدينة بعدي فاقتد بأولى الناس
بي وهم المتقون، وكنى به عن أبي بكر الصديق. ونحوه حديث جبير بن مطعم أن امرأة أتت
(١) في المخطوطة ((قبري).

٤١٦
کتاب الرقاق
روى الأحاديث الأربعة أحمد.
٥٢٢٨ _ (٧٤) وعن ابن مسعود [رضي الله عنه] قال: تلا رسولُ الله ◌َالآخر: ﴿فمن يرد
الله أن يهديه يشرح صدرهُ للإِسلام﴾ فقال رسول الله وَل ور: ((إِن النورَ إِذا دخل الصدر
انفسح)). فقيل: يا رسول الله! هل لتلك من عَلم يعرف به؟ قال: ((نعم، التجافي
النبي ◌َّ فكلمته في شيء فأمرها أن ترجع إليه فقالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت ولم
أجدك. كأنها تريد الموت. قلت: والذي ظن أنه المراد خلاف الأدب على ما هو المتبادر، بل
الظاهر أنها تريد عدم وجوده في المدينة أو البيت. قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر(١). قال:
وفيه دليل على أنه رضي الله تعالى عنه خليفة رسول الله وَّهو بعده وقائم مقامه. قلت: لما لم
يكن صريحاً في المدعي لاحتمال أن القضية تتعلق بأبي بكر رضي الله [تعالى ـآعنه، صرح
العلماء بأنه لا نص في أمر الخلافة لا على الصديق ولا على المرتضى. (روى الأحاديث
الأربعة أحمد) أي في مسنده، وأقل مراتب أسانيده أنه حسن.
٥٢٢٨ - (وعن ابن مسعود قال: تلا) أي قرأ (رسول الله وَلّ: ﴿فمن يرد الله أن يهديه﴾)
أي هديه الخاص الموصل إلى مقام الاختصاص (﴿يشرح صدره﴾) أي يوسع قلبه
(﴿للإسلام﴾)(٢) أي لشرائعه على سبيل الإخلاص. قال الطيبي [رحمه الله ]: أي يلطف به
ويقذف النور فيه حتى يرغب في الإِسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه. قلت: هذا
معنى صحيح في نفس الأمر، لكنه غير ملائم لما سيجيء في تفسير شرح الصدر. (فقال رسول
(الله ◌َي *: إن النور) أي نور الهداية (إذا دخل الصدر انفسح) أي انشرح وتوسع بحيث يسعه قبول
جميع شرائع الإسلام، ويحلو في مذاقه مرارة ما قدره وقضاه من الأحكام. وهذا القلب في
الحقيقة عرش الرب الذي عبر عنه بالحديث القدسي: ((لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن
يسعني قلب عبدي المؤمن)). لأن السفليات والعلويات ليس لهنّ قابلية إدراك الكليات
والجزئبات المتعلقة بالذات والصفات. ولهذا قال تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات
والأرض والجبال﴾ [الأحزاب - ٧٢] الآيات. وهذا فيمن شرح الله صدره وأراد هدايته بخلاف
غيره ممن يرد الله غوايته كما أخبر عنه بقوله: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً
كأنما يصعد في السماء﴾ [الأنعام - ١٢٥]. (فقيل: يا رسول الله [هل ]لتلك) أي الخصلة كذا
قيل. والصواب: هل لتلك الحالة المعبر عنها بالانفساح. (من علم) أي علامة وأمارة. ومن
إزائدة للمبالغة (تعرف) أي تلك الحالة. وفي نسخة بالتذكير نظراً إلى معناها، وهو الانفساخ.
(به) أي بذلك العلم حتى نقيس حالنا عليه ونرجع عند اختلاف الآراء إليه. (قال: نعم) أي فيه
علم بل علامات وهي (التجاني) أي المبالغة والتكلف في البعد على طريق الزهد لتحصيل
:٢٠١٩
(١) راجع الحديث رقم (٦٠٢٢).
الحديث رقم ٥٢٢٨: رواه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٣٥٢ حديث رقم ١٠٥٥٢.
. (٢) سورة الأنعام. آية رقم ١٢٥.
/

٤١٧
كتاب الرقاق
من دار الغرور، والإِنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله)).
٥٢٢٩ و٥٢٣٠ - (٧٥ و٧٦) وعن أبي هريرة وأبي خَلاَّدٍ [رضي الله عنهما]: أنَّ
رسولَ اللهِوَ﴿ل قال: ((إِذا رأيتم العبد يُعْطى زهداً في الدنيا، وقلةَ منطق؛ فاقتربوا منه فإنَّه
يُلقِّی الحكمة)».
السعد. (من دار الغرور) أي الدنيا الغرارة السحارة الغدارة المكارة كما قال تعالى: ﴿فلا
تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ [لقمان - ٣٣، فاطر - ٥]. فإنها دار العناء
والشقاء وإن كان صورتها أنها النعماء، كسراب بقيعة يحسبه الظمآن أنه الماء حتى اتبعهم فيها
الملوك والأمراء والأغنياء الأغبياء. (والإنابة) أي الرجوع والميل التام (إلى دار الخلود) أي دار
البقاء واللقاء (والاستعداد للموت) أي بالتوبة والمبادرة إلى العبادة وصرف الطاقة في الطاعة.
(قبل نزوله) أي قبل حلول الموت أو ظهور مقدماته من المرض والهرم حيث لم يقدر حينئذ
على تحصيل علم أو عمل ولا ينفعه الندم. وكان هذا فذلكة لما قبله وهو العمدة لكونه علماً
له، وما قبله إنما هو باعث بطرفيه هنالك على أقدام السالك على ذلك.
٥٢٢٩ و٥٢٣٠ - (وعن أبي هريرة وأبي خلاد) بتشديد اللام. قال المؤلف: أبو خلاد
رجل من الصحابة. وقال ابن عبد البر: لم أقف له على اسم ولا نسبة، حديثه عند يحيى بن
سعيد عن أبي فروة عن أبي خلاد قال: إذا رأيتم المؤمن قد أعطي زهداً في الدنيا وقلة منطق
فاقتربوا منه فإنه يلقى الحكمة. وفي رواية مثله، ولكن بين أبي فروة وأبي خلاد أبو مريم وهذا
أصح انتهى. ففيه إشارة إلى الخلاف في أن هذا الحديث منقطع أو متصل، وأنه أراد برواية
مثله ما ذكره المصنف بقوله: (أن رسول الله ﴿ قال: إذا رأيتم العبد يعطى زهداً) أي قلة رغبة
(في الدنيا وقلة منطق) أي في اللغو والهوى (فاقتربوا منه) أي اطلبوا القرب منه والتمسوا في
مجالسته القربى إلى المولى (فإنه يلقى) بتشديد القاف المفتوحة، وفي نسخة بتخفيفها، أي يلقن
ويؤتى (الحكمة) أي الموعظة المطابقة للكتاب والسنة لقوله تعالى: ﴿يؤتي الحكمة من يشاء
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب ﴾ [البقرة - ٢٦٩].
والحكمة في الحقيقة إتقان العلم والعمل على سبيل الشريعة والطريقة، وصاحبها بحكم
حديث: ((من أخلص لله أربعين صباحاً أظهر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه))(١). هو
العالم العامل المخلص الكامل يكون مرشداً مكملاً، فيجب على كل أحد أن يطلب مجالسته
ويحصل محادثته. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة -
١١٩]. أي قالاً وحالاً. وقال بعض العارفين: اصحبوا مع الله فإن لم تطيقوا فأصحبوا مع من
يصحب مع الله. وعلامة صحة أحواله بعد تصحيح أقواله وأفعاله ما تقدم في الحديث السابق
الحديث رقم ٥٢٢٩ - ٥٢٣٠: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٣٧٣/٢ حديث رقم ٤١٠١. والبيهقي في
شعب الإيمان ٤/ ٢٥٤ حديث رقم ٤٩٨٥.
(١) أبو نعيم في الحلية.

٤١٨
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي وَله-
رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)).
(١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي وَليقود
من علامة انشراح الصدر بحيث تؤثر صحبته في جميع الأمور ويزهد أصحابه في الدنيا وتوابعها
من تحصيل المال والجاه زيادة على قدر الحاجة الموصلة إلى دار العقبى، بل يجعلهم فارغين
عن أمور الكونين على ما أشار إليه خلع النعلين غائبين عن السوي حاضرين في حضرة المولى
ذاهلين عن مراقبة الفناء واصلين إلى مشاهدة البقاء حاصلين في الجنة العاجلة على لذة اللقاء.
فهذا العارف حينئذ خليفة الأنبياء وقائم مقام الأولياء الأصفياء رزقنا الله رؤيته وخدمته وصحبته.
(رواهما) أي الحديثين (البيهقي في شعب الإيمان) والحديث الأول منهما أخرجه ابن المبارك
في الزهد والفريابي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبي
حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي جعفر المدايني رجل من بني هاشم،
وليس هو محمد بن علي: قال: سئل النبي ◌َّله أي المؤمنين أكيس. قال: أكثرهم ذكراً للموت
وأحسنهم لما بعده استعداداً. قال: وسئل النبي و # عن هذه الآية: ﴿فمن يرد الله أن يهديه
يشرح صدره للإسلام﴾ [الأنعام - ١٢٥ ]. قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول الله. قال: نور
يقذف فيه فينشرح له وينفسح له. قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها. قال: الإنابة إلى دار
الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت. وفي رواية: قبل نزول
الموت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن
يهديه يشرح صدره للإسلام﴾. يقول: يوسع قلبه للتوحيد والإِيمان به، ﴿ومن يرد أن يضله
يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ يقول شاكاً: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾. يقول: كما لا يستطيع
ابن آدم أن يبلغ السماء فكذلك لا يقدر على أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه حتى يدخله الله في
قلبه. وللحديث في الدر المنثور طرق كثيرة والله [تعالى ]أعلم.
(باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي (ولقد)
المراد بالفضل هنا زيادة الأجر والثواب لا فضيلة المال وزيادة تحسين الثياب. وقوله
وما كان من عيش النبي، أي معيشته. وفي نسخة: من عيش رسول الله خير على فضل الفقراء
على ما لا يخفى. ونكته الجمع بينهما أنه ** كان عيشه عيش الفقراء كأكثر الأنبياء والأولياء،
وكفى به فضلاً للفقراء على الأغنياء وإن خفي هذا الأمر على بعض الأغنياء ممن ادعى أنه من
العلماء.

٤١٩
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َّر
الفصل الأول
٥٢٣١ - (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ الَ: ((رُبَّ أشعثَ مَدفوع
بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه)). رواه مسلم.
(الفصل الأوّل)
٥٢٣١ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويلي: رب أشعث) أي رب رجل أشعث،
أي متفرق شعر رأسه. (مدفوع) بالجر (بالأبواب) أي ممنوع منها باليد أو اللسان. والمعنى أنه
لا يدخله أحد في بيته لو فرض وقوفه على بابه من غاية حقارته في نظر الناس، وذلك لما أراد
الله ستر حاله عن الخلق لئلا يحصل له بالغير شيء من الاستئناس فيحفظه من الوقوف على
أبواب الظلمة وأكله الحرام، كما يحمي أحدنا المريض عن استعمال [الطعام ]فلا يحضر إلا
باب مولاه ولا يسأل عما سواه من كمال غناه. وليس المراد منه أنه يأتي [أبواب ]أرباب الدنيا
فيطردونه عنها ويدفعونه عن دخوله منها، فإن الأولياء محفوظون عن هذه المذلة وإن كان قد
يقع لبعضهم من اختيار أرباب الملامة أو ممن صدر عنه الذلة. ولعل في بعض النسخ مرفوع
بالراء حتى قال القاضي البيضاوي [رحمه الله ]: الأشعث هو المغبر الرأس المتفرق الشعر.
وأصل التركيب هو التفرق والانتشار. والصواب مدفوع بالدال، أي يدفع عن الدخول على
الأعيان والحضور في المحافل فلا يترك أن يلج الباب فضلاً أن يحضر معهم ويجلس فيما
بينهم. (لو أقسم على الله) أي على فعله سبحانه بأن حلف أن الله يفعل كذا أو لا يفعله (لأبره)
أي لصدقه وصدق يمينه وأبره فيها بأن يأتي بما يوافقه، كما وقع لأنس بن النضر في قوله: والله
لا تكسر ثنيتها بعد قوله وله: كتاب الله القصاص فرضوا أهلها بالدية بعد ما أبوا عليها. وقال
القاضي: أي لو سأل [الله ]شيئاً وأقسم عليه أن يفعله لم يخيب دعوته، فشبه إجابة المنشد
والمقسم على غيره بوفاء الحالف على يمينه وبره فيها. وقال شارح: قيل: معناه لو أقسم على
الله بأن يقول: اللهم إني أقسم عليك بجلالك أن تفعل كذا. ولا يستقيم هذا المعنى في هذا
الموضع لأنه قال: لأبره، أي صدقه ولا مدخل للصدق والكذب في مثل هذا اليمين فيدخلها
الأبرار. قلت: اللهم إلا أن يقال المعنى صدق رجاءه ووافق دعاءه. (رواه مسلم) وكذا أحمد.
وفي رواية الحاكم وأبي نعيم في الحلية عنه بلفظ: رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين
الناس لو أقسم على الله لأبره(١).
٤٠جم
"رد۵﴾
i
٠٥:
الحديث رقم ٥٢٣١: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٢٤/٤ حديث رقم (٢٦٢٢.١٣٨).
(١) الحاكم في المستدرك ٣٢٨/٤.
أجور و

٤٢٠
كتاب الرقاق/ باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َخر
٥٢٣٢ - (٢) وعن مصعب بن سعدٍ، قال: رأى سعدٌ أن له فضلاً على من دونه،
فقال رسول الله وَلجر: ((هل تنصرون وترزقون إِلا بضعفائكم؟!)). رواه البخاري.
٥٢٣٣ - (٣) وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله وَله: («قمتُ على باب الجنة،
فكان عامةُ من دخلها المساكينَ، وأصحابُ الجدّ محبوسون، غير أنَّ أصحاب النار قد أُمر
بهم إِلى النار،
٥٢٣٢ - (وعن مصعب بن سعد) أي ابن أبي وقاص القرشي سمع أباه وعلي بن أبي
طالب وابن عمر. روى عنه سماك بن حرب وغيره. (قال: رأى سعد) أي ظن أو توهم (أن له
فضلاً) أي زيادة فضيلة أو مثوبة من جهة الشجاعة أو السخاوة ونحوهما (على من دونه) أي من
الفقراء والضعفاء (فقال رسول الله روسي:) أي جواباً له وإسماعاً لغيره (هل تنصرون) أي على
أعدائكم (وترزقون) أي الأموال من الغنيمة وغيرها (إلا بضعفائكم) أي إلا ببركة وجود
ضعفائكم ووجود فقرائكم، فهم بمنزلة الأقطاب والأوتاد لثبات العباد والبلاد. وحاصله أنه إنما
جعل النصر على الأعداء وقدر توسيع الرزق على الأغنياء ببركة الفقراء، فأكرموهم ولا تتكبروا
عليهم فإنهم أهل سلوك المحبة على أضيق المحجة وملوك الجنة في أعلى مراتب المعزة. وقال
الطيبي [رحمه الله]: قوله أن له فضلاً، أي شجاعة وكرماً وسخاوة، فأجابه والفر بأن تلك
الشجاعة ببركة ضعفاء المسلمين وتلك السخاوة أيضاً ببركتهم، وأبرزه في صورة الاستفهام ليدل
على مزيد التعزيز والتوبيخ. (رواه البخاري) ورواه أبو نعيم في الحلية عنه بلفظ: هل تنصرون
إلا بضعفائكم بدعوتهم وإخلاصهم.
٥٢٣٣ - (وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله وَّه: قمت على باب الجنة) أي ليلة
المعراج أو في المنام أو حالة كشف المقام، أو بطريق دلالة المرام. (فكان عامة من دخلها) أي
أكثرها وهي مرفوعة. وقيل: منصوبة فيعكس (المساكين) أي الفقراء والضعفاء (وأصحاب
الجد) وفي الجامع: وإذا أصحاب الجد. بفتح الجيم، أي أرباب الغنى من المؤمنين الأغنياء
والأمراء. (محبوسون) أي موقوفون يوم القيامة في الصحراء. وخلاصته أن أصحاب الحظ
الفاني من أرباب الأموال والمناصب محبوسون في العرصات لطول حسابهم في المتاعب بسبب
كثرة أموالهم وتوسيع جاههم وتلذذهم بهما في الدنيا وتمتعهم على وفق شهوات النفس
والهوى، فإن حلال الدنيا له حساب ولحرامها عقاب والفقراء من هذا برآء، [فلا ]يحاسبون
[ولا يحبسون آبل قيل الأغنياء بأربعين خريفاً في الجنة يدخلون مكافأة لهم في العقبى لما فاتهم
من الدنيا. (غير أن أصحاب النار) أي الكفار (قد أمر بهم إلى النار) [قال الطيبي رحمه الله ]:
أي يساق الكفار إلى النار ويوقف المؤمنون في العرصات للحساب. والفقراء هم السابقون [إلى
الحديث رقم ٥٢٣٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٨٨/٦. حديث رقم ٢٨٩٦. وأحمد في المسند ١/ ١٧٣.
الحديث رقم ٥٢٣٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٥/١١. حديث رقم ٦٥٤٧. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٠٩٦ حديث رقم (٢٧٣٦.٩٣) وأحمد في المسند ٢٠٥/٥.