النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
كتاب الرقاق
رواه الترمذي.
٥١٨٧ _ (٣٣) وعن سهل بن سعدٍ، قال: جاءَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله! دُلّني
على عمَلٍ إِذا أنا عملتُه أحبَّني اللَّهُ وأحبَّني الناسُ. قال: ((ازْهَد في الدنيا يُحبَّكَ اللَّهُ، وأزهد
فيما عندَ الناسِ يُحبكَ الناسُ))
وللشافعي رحمه الله تعالى :
إذا ما قنعت ورب الفلق
أيا نفس يكفيك طول الحياة
وماروى ولبس خلق
رغيف بفوذنج يابس
فماذا الـعـنـا وماذا القلق
وخفش تكفك جدرانه
(رواه الترمذي) وكذا الحاكم في مستدركه(١).
٥١٨٧ - (وعن سهل بن سعد قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل) أي
جامع نافع [في ]باب المحبة (إذا أنا) للتأكيد (عملته أحبني الله وأحبني الناس) بفتح ياء
المتكلم، ويسكن. (قال: ازهد في الدنيا) أي بترك حبها والإعراض عن زوائدها والإقبال على
الآخرة وعوائدها (يحبك الله) أي لعدم محبتك عدوّ الله تعالى. وهو بفتح الموحدة المشددة
للجزم على جواب الأمر. وقيل: مرفوع على الاستئناف. (وازهد فيما عند الناس) أي من
المال والجاه (يحبك الناس) لتركك محبوبهم وعدم المزاحمة على مطلوبهم. وأنشد بعضهم:
وما الحق إلا في وجود الحقائق
وما الزهد إلا في انقطاع الخلائق
عن الخلق مشغولاً برب الخلائق
وما الحب إلا حب من كان قلبه
وقيل: الزهد عبارة عن عزوب النفس عن الدنيا مع القدرة عليها لأجل الآخرة خوفاً من
النار أو طمعاً في الجنة أو ترفعاً عن الالتفات إلى ما سوى الحق. ولا يكون ذلك إلا بعد شرح
الصدر بنور اليقين. ولا يتصوّر الزهد ممن ليس له مال ولا جاه. وقيل لابن المبارك [رحمه
الله]: يا زاهد. قال: الزاهد عمر بن عبد العزيز إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها، وأما أنا ففيم
زهدت. قلت: هذا بيان كمال الزهد، وإلا فأصل الزهد هو عدم الميل إلى الشيء وهو في
الحقيقة لا يحصل إلا بجذبة إلهية تصرف السالك عن الأمور الفانية وتشغله بالأحوال الباقية.
وغايته أن النفس مدعية للزهد ولا يظهر صدقها من كذبها إلا عند القدرة على الدنيا ووجودها،
وأما عند فقدها فالأمر دائر بين أحد الاحتمالين والله [تعالى ]أعلم. وثمرته القناعة من الدنيا
بقدر الضرورة من زاد الطريق، وهو مطعم يدفع الجوع وملبس يستر عورته ومسكن يصونه عن
الحر والبرد وأثاث يحتاج إليه كما سبق في الحديث المتقدم. وفي المنازل ما حاصله أن الزهد
إسقاط الرغبة في الشيء عنه بالكلفة وهو على ثلاث مراتب: الزهد في الشبهة(٢) بالحذر عن
(١) الحاكم في المستدرك ٣٠٢/٤.
الحديث رقم ٥١٨٧: أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٧٧٣ حديث رقم ٤١٠٢.
(٢) في المخطوطة ((الزهد لشبهة)).

٣٨٢
كتاب الرقاق
رواه الترمذي، وابن ماجه.
٥١٨٨ _ (٣٤) وعن ابن مسعودٍ، أنَّ رسول الله وَّرْ نامَ على حصيرٍ، فقامَ وقد
معتبة الحق عليه، ثم الزهد فيما زاد على البلاغ من القوت باغتنام التفرغ إلى عمارة الوقت
بالاشتغال بالمراقبة، ثم الزهد في الزهد باستحقار ما زهدت فيه بالنسبة إلى عظمة الرب
واستواء الزهد وعدمه عنده والذهاب عند اكتساب أجر بتركها ناظراً بعين الحقيقة إلى وحدانية
الفاعل الحق، فيشاهد تصرف الله في العطاء والمنع والأخذ والترك. قال الطيبي [رحمه الله ]:
وفيه دليل على أن الزهد أعلى المقامات وأفضلها لأنه جعله سبباً لمحبة الله تعالى، وأن محب
الدنيا متعرض لبغض الله سبحانه. (رواه الترمذي وابن ماجه) قال ميرك: أظن أن ذكر الترمذي
وقع سهواً من نساخ الكتاب أو من صاحبه. فإن الحافظ المنذري والإِمام النووي والشيخ
الجزري [رحمهم الله تعالى ]قالوا كلهم: رواه ابن ماجه فقط، فتأمل. قلت: ذكر النووي في
أربعينه أنه حديث حسن رواه ابن ماجه وغيره. اهـ. لكن الترمذي غير مذكور في الأصول
ويؤيده أنه ذكر في الجامع من قوله: ازهد في الدنيا الخ. وقال: رواه ابن ماجه والطبراني
والحاكم والبيهقي عن سهل بن سعد نعم في حديث رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي ذر
مرفوعاً: الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدنيا أن
لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد الله (تعالى )وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت
أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك(١). وفي حديث رواه أحمد في الزهد والبيهقي
عن طاوس مرسلاً: الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، والرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن.
ورواه القضاعي عن ابن عمرو مرفوعاً ولفظه: يكثر بدل: يطيل ورواه الطبراني في الأوسط،
وابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً والبيهقي عن عمر موقوفاً بلفظ: تتعب القلب
والبدن (٢). وروى البيهقي عن الضحاك مرسلاً: أزهد الناس من لم ينسى القبر والبلى وترك
أفضل زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى ولم يعد غداً من أيامه وعد نفسه في الموتى(٣).
وعن ابن عمر مرفوعاً: صلاح أول هذه الأمة بالزهادة واليقين، وهلاك آخرها بالبخل
والأمل(٤). رواه الطبراني.
دجاج
٠٥٥٦٠
٥١٨٨ - (وعن ابن مسعود أن رسول الله: ﴿ ﴿ نام على حصير فقام) أي عن النوم (وقد
٠٠.٤
(١) الترمذي في السنن ٤٩٣/٤ حديث رقم ٢٣٤٠. وابن ماجه ١٣٧٣/٢ حديث رقم ٤١٠٠.
(٢) ذكره السيوطي في الجامع الصغير الأحاديث الثلاثة ٢/ ٢٨١ حديث رقم ٤٥٩٤ و٤٥٩٥ و٤٥٩٦.
والحايتان عن طاوس وعمر أخرجهما البيهقي في شعب الإيمان ١٠٥٣٦ و١٠٦٠٩.
(٣) البيهقي في شعب الإيمان.
(٤) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٣١٥/٢ حديث رقم ٥١١٢ وروى البيهقي في شعب الإيمان نحوه
الحدیث رقم ١٠٨٤٥.
الحديث رقم ٥١٨٨: أخرجه الترمذي في السنن ٥٠٨/٤ حديث رقم ٢٣٧٧. وابن ماجه ١٣٧٦/٢ حديث
رقم ٤١٠٩ وأحمد في المسند ٣٩١/١.

!
٣٨٣
كتاب الرقاق
أثَّرَ في جسدِه، فقال ابنُ مسعود: يا رسولَ الله! لو أمرتَنا أن نبسُطَ لكَ ونعملَ. فقال: ((ما
لي وللدنيا؟ وما أنا والدنيا إِلاَّ كراكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ، ثمَّ راحَ وتركها)). رواه أحمد،
والترمذي، وابن ماجه.
٥١٨٩ _ (٣٥) وعن أبي أمامةً، عن النبيّ ◌ِنَّز، قال: «أغبَطُ أوليائي عندي لمؤمنٌ
خفيفُ الحاذ، ذو حظّ منَ الصَّلاةِ،
أثر) أي أثر الحصير (في جسده) أي غاية التأثير (فقال ابن مسعود: لو أمرتنا أن نبسط) بضم
السين، يحتمل أن تكون لو للتمني وأن تكون للشرطية. والتقدير لو أذنت لنا أن نبسط لك
فراشاً ليناً. (ونعمل) أي لك ثوباً حسناً، أي لكان أحسن من اضطجاعك(١) على هذا الحصير
الخشن (فقال: ما لي وللدنيا وما أنا والدنيا) ما نافية، أي ليس لي ألفة ومحبة مع الدنيا ولا
للدنيا ألفة ومحبة معي حتى أرغب إليها وأنبسط عليها وأجمع ما فيها ولذتها، أو استفهامية، أي
ألفة ومحبة لي مع الدنيا أو أي شيء لي مع الميل إلى الدنيا أو ميلها إليَّ، فإني طالب الآخرة
وهي ضرتها المضادة لها. هذا وقال الطيبي [رحمه الله ]: قوله: ونعمل، متعلقه محذوف
فيقدر من جنس الكلام السابق وهو وجود (٢) التنعم في التلذذ بالأعراض الدنيوية أعم من أن
يكون بساطاً، ومن ثم طابقه قوله: ما لي وللدنيا، وقوله: وما أنا والدنيا، أي ليس حالي مع
الدنيا. (إلا کراکب) أي إلا كحال راكب (استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) وهو من التشبيه
التمثيلي وهو التشبيه بسرعة الرحيل وقلة المكث، ومن ثم خص الراكب. واللام في الدنيا
مقحمة للتأكيد إن كان الواو بمعنى مع، وإن كان للعطف فالتقدير: ما لي مع الدنيا وما للدنيا
معي. (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه) وكذا الحاكم(٣) والضياء.
٥١٨٩ - (وعن أبي أمامة عن النبي وغير قال: أغبط أوليائي) أفعل تفضيل بُنِيَ للمفعول
لأن المغبوط به حال، أي أحسنهم حالاً وأفضلهم مآلاً. (عندي) أي في ديني ومذهبي
(المؤمن) اللام زائدة [في ]خبر المبتدأ للتأكيد، أو هي للابتداء أو المبتدأ محذوف، أي لهو
مؤمن (خفيف الحاذ) بتخفيف الذال المعجمة، أي خفيف الحال الذي يكون قليل المال
وخفيف الظهر من العيال فيتمكن من السير في طريق الخالق بين الخلائق ولا يمنعه شيء من
العلائق والعوائق. ومجمل المعنى: أحق أحبائي وأنصاري عندي بأن يغبط ويتمنى حاله مؤمن
بهذه الصفة. (ذو حظ من الصلاة) أي ومع هذا هو صاحب لذات وراحة من المناجاة مع الله
والمراقبة واستغراق في المشاهدة، ومنه قوله وكلير: قرة عيني في الصلاة(٤). وارحنا بها يا
١
فرودم
(١) في المخطوطة (اضجاعك)).
(٢) في المخطوطة ((وجوه).
(٣) الحاكم في المستدرك ٣١٠/٤.
الحديث رقم ٥١٨٩: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٦/٤. وابن ماجه ١٣٧٨/٢ حديث رقم ٢٣٤٧.
وأحمد في المسند ٢٥٢/٥.
(٤) النسائي في السنن ٧/ ٦١ حديث رقم ٣٩٣٩.

٣٨٤
كتاب الرقاق
أحسنَ عبادةَ ربّه، وأطاعَه في السرِّ، وكانَ غامضاً في النَّاسِ، لا يشارُ إِليه بالأصابعِ، وكانَ
رزقُه كفافاً، فصبرَ على ذلكَ)) ثم نَقَدَ بيدِه فقال: ((عُجِّلتْ منَّتُه، قلَّتْ بواكيهِ، قِلَّ تُراثُه)).
بلال(١). أي بوجودها وحصولها. وما أقرب الراحة من قرة العين وما أبعدها مما قيل: معناه
أذن بالصلاة لنستريح بأدائها من شغل القلب بها. وقوله: (أحسن عبادة ربه) تعميم بعد
تخصيص ذكره الطيبي [رحمه الله]. أو الأوّل إشارة إلى الكمية والثاني عبارة عن الكيفية.
(وأطاعه في السر) أي كما أطاعه في العلانية، فهو من باب الاكتفاء والتخصيص لما فيه من
الاعتناء. وجعله الطيبي عطف تفسير على أحسن، وتفسيرنا أحسن ويمكن أن يكون المعنى:
وأطاعه في عبادته بالإِخفاء، ولا يظهر طاعته في الملأ الأعلى على عادة الملامتية من
الصوفية. ويناسبه قوله: (وكان غامضاً) أي خاملاً خافياً غير مشهور (في الناس) أي فيما
بينهم. وفيه إشارة إلى أنه لا يخرج عنهم، فإن الخروج عنهم يوجب الشهرة بينهم. وفيه
إيماء إلى أن المراد بالناس عمومهم فلا يضره معرفة خصوصهم من الأولياء والصلحاء ممن
يصاحبهم، كما يدل عليه قوله: (لا يشار إليه بالأصابع) أي علماً وعملاً وهو بيان وتقرير
لمعنى(٢) الغموض. (وكان رزقه كفافاً) أي قدر كفايته بحيث يكفه ويمنعه عن الإجناح إلى
الكافة. (فصبر على ذلك) أي على الرزق الكفاف، أو على الخمول والغموض أو على ما
ذكر دلالة على أن ملاك الأمر الصبر وبه يتقوّى على الطاعة. قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر
والصلاة﴾ [البقرة - ٤٥]. وقال: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا﴾ [الفرقان - ٧٥ ].
وقال: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا﴾ [السجدة - ٢٤]. (ثم نقد) بالنون والقاف
والدال المهملة المفتوحات (بيده) أي نقد النبي وَلقول بيده بأن ضرب إحدى أنملتيه على الأخرى
حتى سمع منه صوت. وفي النهاية (٣): هو من نقدت الشيء بأصبعي أنقده واحداً بعد واحد
نقد الدراهم، ونقد الطائر الحب إذا لقطه واحداً بعد واحد وهو مثل النقر، ويروى بالراء. اهـ.
وهو كذا في نسخة، أي صوّت بأصبعه. وفي رواية وهي الظاهر من جهة المعنى جداً: ثم
نفض يده. (فقال: عجلت) بصيغة المجهول من باب التفعيل (منيته) أي موته (قلت بواكيه)
جمع باكية وهي المرأة التي تبكي على الميت. (قل: تراثه) أي ميراثه وماله المؤخر عنه مما
يورث عنه. حمل على سبيل التعداد. قال التوربشتي (رحمه الله ]: أريد بالنقد ههنا ضرب
الأنملة على الأنملة، وضربها كالمتقلل للشيء. أي لم يلبث قليلاً حتى قبضه الله تعالى. يقال:
مدة عمره وعدد بواكيه ومبلغ تراثه. وقيل: الضرب(٤) على هذه الهيئة يفعله المتعجب من
الشيء، أو من رأى ما يعجبه حسنه وربما يفعل ذلك من يظهر قلة المبالاة بشيء أو يفعل طرباً
وفرحاً بالشيء. اهـ. والمعنى: من كان هذه صفته فهو يتعجب من حسن حاله وجمال مآله.
وقيل: قوله: عجلت منيته أنه يسلم روحه سريعاً لقلة تعلقه بالدنيا وغلبة شوقه إلى المولى
(١) أبو داود في السنن ٦٢/٥ حديث رقم ٤٩٨٥ و٤٩٨٦.
(٢) في المخطوطة ((بمعنى)).
(٤) في المخطوطة ((الأرض)).
(٣) في المخطوطة ((وهو في النهاية)).
.....
٠٠٠. ٣٠١٧
;٩٠٪

٣٨٥
کتاب الرقاق
٦٢٢٠
رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه.
٥١٩٠ - (٣٦) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((عرضَ عَليَّ رَبِّي
لحديث: الموت تحفة المؤمن(١). قال الأشرف [رحمه الله ]: ويمكن أنه أراد به أنه قليل مؤن
الممات، كما كان قليل مؤن الحياة. (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه) وفي الجامع رواه أحمد
والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي أمامة ولفظه: أغبط الناس عندي مؤمن خفيف الحاذ ذو
حظ من صلاة وكان رزقه كفافاً فصبر عليه حتى يلقى الله، وأحسن عبادة ربه وكان غامضاً في
الناس، عجلت منيته وقل تراثه وقلت بواكيه. وروى الديلمي في مسنده عن حذيفة: خيركم في
المائتين كل خفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد(٢). قال شيخ مشايخنا السخاوي في المقاصد
الحسنة في الأحاديث المشهورة على الألسنة علته داود(٣)، ولذا قال الخليل: ضعفه الحفاظ
[فيه ]وخطؤه. اهـ. فإن صح فهو محمول على جواز الترهب أيام الفتن. وفي معناه أحاديث
كثيرة واهية منها ما رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث ابن مسعود مرفوعاً: سيأتي على
الناس زمان تحل فيه العزبة ولا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق ومن
حجر إلى حجر كالطائر بفراخه وكالثعلب بأشباله وأقام الصلاة وآتى الزكاة واعتزل الناس إلا من
خير الحديث. ومنها ما رواه الديلمي من حديث زكريا بن يحيى الصوفي عن ابن حذيفة بن
اليمان عن أبيه حذيفة مرفوعاً: خير نسائكم بعد ستين ومائة العراقر وخير أولادكم بعد أربع
وخمسين البنات(٤). وفي الترمذي من طريق علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعاً:
إن أغبط أوليائي إلى أن قال فصبر على ذلك ثم نفض يده فقال: عجلت منيته الحديث. وقال
عقبة: على ضعيف. وقد أخرجه أحمد والبيهقي في الزهد والحاكم في الأطعمة من مستدركه،
وقال: هذا إسناد للشاميين صحيح عندهم ولم يخرجاه(٥). اهـ. ولم ينفرد به علي بن يزيد،
فقد أخرجه ابن ماجه في الزهد من سننه من غير طريقه من حديث صدقة بن عبد الله عن
إبراهيم بن قرة عن أيوب بن سليمان عن أبي أمامة ولفظه: أغبط الناس عندي مؤمن خفيف
الحاذ. وذكر نحوه(٦). ومن شواهده ما للخطيب وغيره من حديث ابن مسعود رفعه: إذا أحب
الله العبد اقتناه لنفسه ولم يشغله بزوجة ولا ولد. وللديلمي من حديث عبد الله بن عبد الوهاب
- رحمهم الله - الخوارزمي عن داود بن غفال عن أنس رفعه: يأتي على الناس زمان لأن يربي
أحدكم جرو كلب خير له من أن يربي ولداً من صلبه(٧) .
٥١٩٠ - (وعنه) أي عن أبي أمامة (قال: قال رسول الله وَله: عرض عليَّ ربي) أي إلى
(١) الدار قطني.
(٢) مسند الفردوس ١٧٠/٢ حديث رقم ٢٨٥٢.
(٣) في المخطوطة ((علة رواته)).
(٤) لم أجده في مسند الفردوس والله تعالى أعلم.
(٥) الترمذي في السنن ٤٩٦/٤ حديث رقم ٢٣٤٧. والحاكم في المستدرك ١٢٣/٤.
(٦) ابن ماجه في السنن ١٣٧٨/٢ حديث رقم ٤١١٧.
(٧) مسند الفردوس ٤٤٢/٥ حديث رقم ٨٦٨٤.
الحديث رقم ٥١٩٠: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٦/٤. حديث رقم ٢٣٤٧. وأحمد في المسند ٢٥٤/٥.

٣٨٦
كتاب الرقاق
ليجعلَ لي بطحاءَ مكةَ ذهباً، فقلتُ: لا يا ربِّ! ولكنْ أشَبَعُ يوماً، وأجوعُ يوماً، فإِذا جعتُ
تضرَّعتُ إِليكَ وذكرتُكَ، وإِذا شبِعتُ حمدْتُكَ وشكرتُكَ)). رواه أحمدُ، والترمذي.
٥١٩١ - (٣٧) وعن عبيد الله بنِ مِخصَنٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َلَّرَ: ((مَنْ أصبحَ
منكم آمناً
عرضاً حسياً أو معنوياً وهو الأظهر. والمعنى: شاورني وخيرني بين الوسع في الدنيا واختيار
البلغة لزاد العقبى من غير حساب ولا عتاب. (ليجعل لي) أي ملكاً لي أو مخصوصاً لأمتي
على تقدير إقبالي عليها والتفاتي إليها ويصير لأجلي (بطحاء مكة) أي أرضها ورمالها (ذهباً) أي
بدل حجرها ومدرها. وأصل البطحاء مسيل الماء. وأراد هنا عرصة مكة وصحاريها فإضافته
بيانية. قال الطيبي: قوله: بطحاء مكة تنازع فيه عرض وليجعل، أي عرض عليّ بطحاء مكة
ليجعلها لي ذهباً. (فقلت: لا) أي لا أريد ولا أختار (يا رب ولكن أشبع يوماً) أي أختار أو
أريد أن أشبع وقتاً، أي فأشكر. (وأجوع يوماً) أي فأصبر كما فصله وبينه بقوله: (فإذا جعت
تضرعت إليك) أي بعرض الافتقار عليك (وذكرتك) أي بسببه فإن الفقر يورث الذكر، كما أن
الغنى يورث الكفر. (وإذا شبعت حمدتك) أي بما ألهمتنى من ثنائك (وشكرتك) على إشباعك
وسائر نعمائك. قال الطيبي [رحمه الله]: جمع في القرينتين بين الصبر والشكر وهما صفتا
المؤمن الكامل. قال تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور﴾ [إبراهيم - ٥، لقمان -
٣١، سبأ - ١٩، الشورى - ٣٣]. الكشاف، صبار على بلائه شكور لنعمائه وهما صفتا المؤمن
المخلص، فجعلهما كناية عنه. أقول: وتحقيقه على طريقة الصوفية السادة الصفية أن الصفتين
المذكورتين والخصلتين المسطورتين ناشئتان من تربية الله للسالك بين صفتي الجلال والجمال،
إذ بهما تتم مرتبة الكمال وهو الرضا عن المولى بكل حال، بخلاف حال المتحرفين وأفعال
المتحيرين المذنبين حيث قال تعالى: ﴿فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم
يسخطون ﴾ [التوبة - ٥٨]. وقال: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن
به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين ﴾ [الحج -
١١]. (رواه أحمد والترمذي).
٥١٩١ - (وعن عبيد الله بن محصن) بكسر الميم وفتح الصاد. قال المؤلف في فصل
الصحابة: أنصاري خطمي يعد في أهل المدينة وحديثه فيهم. روى عنه ابنه سلمة. قال ابن
عبد البر: ومن الناس من يرسل حديثه. اهـ. وهو يحتمل كونه صحابياً لكن ليس له سماع
منه وَّر، فحديثه من مراسيل الصحابة وهو حجة اتفاقاً. ويحتمل كونه تابعياً فمرسله معتبر عند
الجمهور خلافاً للشافعية والله تعالى أعلم. والأول أظهر لإطلاقهم حديثه. (قال: قال رسول
الله وقال: من أصبح منكم) أي أيها المؤمنون (آمناً) أي غير خائف من عدوّ أو من أسباب عذابه
الحديث رقم ٥١٩١: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٦/٤ حديث رقم ٢٣٤٦. وابن ماجه في السن ٢/
١٣٨٧. حديث رقم ٤١٤١.
%
*** :
.. /
الشكل نيجي علام

٣٨٧
كتاب الرقاق
في سِرِبِهِ، مُعافى في جسدِهِ، عندَه قوتُ يومِه؛ فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافيرها)). رواه
الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.
٥١٩٢ - (٣٨) وعن مقدام بن معدي كرب، قال: سمعتُ رسولَ الله ثم يقول: ((ما
مَلأ آدميٍّ وعاءً شراً منْ بطنٍ، بحسبٍ ابن آدَم أُكُلاتٌ يُقمِنَ صلبَه، فإِنْ كانَ لا محالَةً فِثُلُثْ
طعامٌ، وثُلثّ شرابٌ، وثُلثّ لنفسه)).
تعالى بالتوبة عن المعاصي والعصمة عن المناهي. ولذا قيل: ليس العيد لمن لبس الجديد،
إنما العيد لمن أمن الوعيد. (في سربه) المشهور كسر السين أي في نفسه. وقيل: السرب
الجماعة. فالمعنى في أهله وعياله. وقيل بفتح السين. أي في مسلكه وطريقه. وقيل بفتحتين
أي في بيته كذا ذكره شارح. وقال التوربشتي [رحمه الله]: أبى بعضهم إلا السرب بفتح السين
والراء، أي في بيته ولم يذكر فيه رواية. ولو سلم له قوله أن يطلق السرب على كل بيت، كان
قوله هذا حرياً بأن يكون أقوى الأقاويل، إلا أن السرب يقال للبيت الذي هو في الأرض. وفي
القاموس: السرب الطريق، وبالكسر الطريق والبال والقلب والنفس، وبالتحريك جحر الوحش
والحفير تحت الأرض. اهـ. فيكون المراد من الحديث المبالغة في حصول الأمن ولو من بيت
تحت الأرض ضيق كجحر لوحش، أو التشبيه به في خفائه وعدم ضيائه. (معانى) اسم مفعول
من باب المفاعلة، أي صحيحاً سالماً من العيوب. (في جسده) أي بدنه ظاهراً وباطناً (عنده
قوت يومه) أي كفاية قوته من وجه الحلال (فكأنما حيزت) بصيغة المجهول من الحيازة، وهي
الجمع والضم. (له) والضمير عائد لمن رابط للجملة، أي جمعت له. (الدنيا) أي بحذافيرها
كما في نسخة مصححه، أي بتمامها. والحذافير الجواب. وقيل الأعالى، وأحدها حذفار، أو
حذفور. والمعنى فكأنما أعطى الدنيا بأسرها. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب). وفي
الجامع رواه البخاري في الأدب المفرد، والترمذي وابن ماجه من غير ذكر حذافيرها.
٥١٩٢ - (وعن المقدام بن معدي كرب(١) قال: سمعت رسول الله صل ى يقول: ما ملأ
آدمي وعاء) أي ظرفاً (شراً من بطن) صفة وعاء (بحسب ابن آدم) مبتدأ والباء زائدة. وقوله:
(أكلات) بضمتين خبره، نحو قوله: بحسبك درهم. والأكلة بالضم اللقمة، وفي رواية:
لقيمات، بالتصغير للإشارة إلى التحقير مع الدلالة على التقليل بالتنكير. (يقمن صلبه) أي ظهره
لإقامة الطاعة وقيام المعيشة. وإسناد الإقامة إلى الأكلات مجازية سببية. (فإن كان لا محالة)
بفتح الميم ويضم، أي لا بد من الزيادة. (فثلث) بضمهما ويسكن للام. (طعام) مبتدأ وخبر،
أي ثلث منه للطعام. وكذا قوله: (وثلث شراب) وللام مقدرة فيهما بقرينة قوله: (وثلث لنفسه)
بحركتين. والمعنى: فإن كان لا يكتفي بأدنى قوت البتة ولا بُدَّ، أن يملأ بطنه فليجعل ثلث
i
الحديث رقم ٥١٩٢: أخرجه الترمذي في السنن ٥٠٩/٢ حديث رقم ٢٣٨٠. وابن ماجه في السنن ٢/.
١١١١ حديث رقم ٣٣٤٩. وأحمد في المسند ١٣٢/٤.
(١) في المخطوطة ((معد يكرب)).
ـأنصار ه

٣٨٨
كتاب الرقاق
/١٦/٦
بطنه للطعام وثلثه للشراب وليترك ثلثه خالياً بخروج النفس. ولا ينبغي أن يكون كطائفة
القلندرية حيث يقولون بملء البطن من الطعام والماء يحصل مكانة ولو في المسام والنفس إن
اشتهى خرج وإلا فلا بعد تمام المرام، فأولئك كالأنعام بل هم أضل. قال تعالى: ﴿ذرهم
يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾ [الحجر - ٣]. وسبق أن المؤمن يأكل في
معي واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء(١). وقال الطيبي [رحمه الله ]: أي الحق الواجب أن
لا يتجاوز(٢) عما يقام به صلبه ليتقوّى به على طاعة الله تعالى، فإن أراد البتة التجاوز فلا
يتجاوز عن القسم المذكور. جعل البطن أوّلاً وعاء كالأوعية التي تتخذ ظروفاً لحوائج البيت
توهيناً لشأنه، ثم جعله شر الأوعية لأنها استعملت فيما هي له. والبطن خلق لأنه يتقوّم به
الصلب بالطعام، وامتلاؤه يفضي إلى الفساد في الدين والدنيا فيكون شراً منها. قال الشيخ أبو
حامد: في الجوع عشر فوائد: الأولى صفاء القلب وإيقاد القريحة ونفاد البصيرة، فإن الشبع
يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ كشبه الشبكة حتى يحتوي على معادن
الفكر، فيثقل القلب بسببه عن الجريان. وثانيتها رقة القلب وصفاؤه الذي به هيىء لإدراك لذة
المناجاة والتأثر بالذكر. وثالثتها الانكسار والذل وزوال البطر والأشر والفرح الذي هو مبدأ
الطغيان. ولا تنكسر النفس لشيء ولا تذل كما تذل بالجوع فعنده تستكن لربها وتقف على
عجزها. ورابعتها أنه لا ينسى بلاء الله وعذابه وأهل البلاء، فإن الشبعان ينسى الجائعين
والجوع. وخامستها وهي من كبار الفوائد كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس
الأمارة بالسوء، وتقليلها يضعف كل شهوة، وقوة. والسعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه،
والشقاوة في أن تملكه نفسه. وسادستها دفع النوم ودوام السهر فإن من شبع شرب كثيراً ومن
كثر شربه كثر نومه، وفي كثرة النوم ضياع العمر وفوات التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب،
والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال العبد فيه يتجر. والنوم موت فتكثيره(٣) تنقيص من العمر.
وسابعتها تيسير المواظبة على العبادة فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان
يشتغل بالأكل، وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام أو طبخه ثم يحتاج إلى غسل اليد
والخلاء ثم يكثر تردده إلى بيت الماء. ولو صرف هذه الأوقات في الذكر والمناجاة وسائر
العبادات لكثر ربحه. قال السري: رأيت مع علي الجرجاني سويقاً يستف منه فقلت: ما دعاك
إلى هذا فقال: إني حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز منذ
أربعين سنة. وثامنتها من قلة الأكل صحة البدن ودفع الأمراض فإن سببها كثرة الأكل وحصول
فضلة الأخلاط في المعدة والعروق. ثم المرض يمنع عن العبادات ويشوّش القلب ويحوج إلى
الفصد والحجامة والدواء والطبيب وكل ذلك يحتاج إلى مؤن، وفي الجوع ما يدفع عنه كل
ذلك. وتاسعتها خفة المؤونة فإن من تعوّد قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير. وعاشرتها أن
٠٠٫٠٠
(١) وهو حديث متفق عليه.
(٣) في المخطوطة ((فكثرته)).
(٢) في المخطوطة ((يجاوز)).

وى.
٣٨٩
كتاب الرقاق
رواه الترمذي، وابن ماجه.
٥١٩٣ - (٣٩) وعن ابن عمَرَ، أنَّ رسولَ الله وَلّو سمعَ رجلاً يتجشّأُ، فقال: «أقصِرْ
منْ جُشائكَ، فإِنَّ أطولَ الناسِ جوعاً يومَ القيامةِ أطولُهم شِبَعاً في الدنيا)). رواه في ((شرح
السنة)). وروى الترمذي نحوَه.
يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على المساكين فيكون يوم القيامة في ظل صدقته
فما يأكله فخزانته الكنيف وما يتصدق به فجزاؤه فضل الله تعالى. (رواه الترمذي وابن ماجه) وفي
الجامع رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم(١) بلفظ: فثلث لطعامه وثلث لشرابه.
٥١٩٣ - (وعن ابن عمر أن رسول الله وَلفي سمع رجلاً يتجشأ) بتشديد الشين المعجمة
بعدها همزة، أي يخرج الجشاء من صدره وهو صوت مع ريح يخرج منه عند الشبع. وقيل:
عند امتلاء المعدة. وقيل: الرجل وهب بن عبد الله وهو معدود في صغار الصحابة. وكان في
زمانه عليه الصلاة والسلام لم يبلغ الحلم. رُوِيّ أنه لم يملأ بطنه بعد ذلك. قال التوربشتي:
الرجل هو وهب أبو جحيفة السوائي، روى عنه أنه قال: أكلت ثريدة بر بلحم وأتيت رسول
الله ◌َ له وأنا أتجشأ (فقال: أقصر) بفتح الهمزة وكسر الصاد، أي امتنع (من جشا[ئك]) بضم
الجيم ممدوداً، وكان أصل الطيبي [رحمه الله ]: أقصر عنا فقال: معناه أكفف عنا، والنهي عن
الجشاء هو النهي عن الشبع لأنه السبب الجالب له. اهـ. وقيل: التجشؤ التكلف. (فإن أطول
الناس) أي أكثرهم [في الزمان ] (جوعاً يوم القيامة أطولهم شبعاً) بكسر ففتح (في الدنيا. رواه
في شرح السنة) قال ميرك: هو وهب بن عبد الله أبو جحيفة روى عنه أنه قال: أكلت ثريدة
بلحم وأتيت رسول الله ◌َ ﴿ وأنا أتجشأ فقال: يا هذا كف من جشائك فإن أكثر الناس شبعاً في
الدنيا أكثرهم جوعاً يوم القيامة. رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد [قال المنذري: بل هو واه
جداً فيه وهد بن عوف وعمرو بن موسى، لكن رواه البزار بإسنادين رواة ]وأحدهما ثقات.
ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي وزاد: قال الراوي: فما أكل أبو
جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا. كان إذا تعشى لا يتغدى وإذا تغدى لا يتعشى. وفي رواية
لابن أبي الدنيا قال أبو جحيفة: فما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة. اهـ. (وروى الترمذي نحوه)
قال ميرك: ولفظه عن ابن عمر قال: تجشأ رجل عند رسول الله ◌َ لقر فقال له: كف عنا جشاءك
فإن أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة. رواه ابن ماجه والبيهقي كلهم من رواية
يحيى البكاء عن ابن عمر وقال الترمذي: حديث حسن كذا في الترغيب للمنذري. وقال الشيخ
الجزري: في سند هذا الحديث عبد العزيز بن عبد الله عن يحيى البكاء وهما ضعيفان، لكن
للحديث شاهد من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي.
(١) الجامع الصغير ٤٩٦/٢ حديث رقم ٨١١٧. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٣٣١/٤.
الحديث رقم ٥١٩٣: أخرجه البغوي في شرح السنة ١٤/ ٢٥٠ حديث رقم ٤٠٤٩. والترمذي في السنن
٥٦٠/٤ حديث رقم ٢٤٧٨. وابن ماجه في السنن ١١١١/٢ حديث رقم ٣٣٥٠.
الضريبي

٣٩٠
کتاب الرقاق
٥١٩٤ _ (٤٠) وعن كَعْبٍ بن عياضٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَه يقول: ((إِنَّ لكلِّ
أُمةٍ فتنةٌ، وفتنةُ أُمتي المالُ)). رواه الترمذي.
٥١٩٥ _ (٤١) وعن أنس، عن النبيّ وَّ، قال: ((يُجاءُ بابن آدمَ يومَ القيامةِ كأنه
بذَجْ، فيوقفُ بينَ يدي الله، فيقولُ له: أعطيتُكَ وخوَّلتُكَ وأنعمْتُ عليكَ، فما صنعتَ؟
فيقولُ: يا ربِّ! جمَّعتُه وثمَّرتُه وتركتُهِ أكثرَ ما كانَ، فارجِعني آتِكَ به كلّه. فيقولُ له: أرِني
ما قدَّمتَ. فيقول: ربِّ! جمَّعتُه وثمَّرته وتركتُه أكثرَ ما كانَ، فارجعْني آتَكَ به كله. فإذا عبدٌ
لم يُقدِّمْ خيراً
٥١٩٤ ۔ (وعن کعب بن عیاض) أي الأشعري معدود في الشامیین. روی عنه جابر بن
عبد الله وجبير بن نفير. (قال: سمعت رسول الله وَ لتر يقول: إن لكل أمة فتنة) وهي ما توقع
أحداً في الضلالة والمعصية (وفتنة أمتي) بالرفع، وفي نسخة بالنصب. (المال) لأنه جامع
الحصول المنال ومانع عن كمال المآل (رواه الترمذي) [وكذا الحاكم في مستدركه](١).
٥١٩٥ - (وعن أنس عن النبي ◌َّ قال: يجاء) أي يؤتى (بابن آدم يوم القيامة كأنه) أي
من كمال ضعفه (بذج) بفتح موحدة وذال معجمة فجيم. ولدا الضأن معرب برة (٢). أراد بذلك
هوانه وعجزه، وفي بعض الطرق كأنه بذج من الذل. وفي شرح السنة شبّه ابن آدم بالبذج
لصغاره وصغره، أي يكون حقيراً ذليلاً. (فيوقف) أي فيحبس (قائماً بين يدي الله تعالى) أي
عند حكمه وأمره سبحانه (فيقول له:) أي بلسان ملك أو بلا واسطة ببيان القال أو الحال
(أعطيتك) أي الحياة والحواس والصحة والعافية ونحوها (وخولتك) أي جعلتك ذا خول من
الخدم والحشم والمال والجاه وأمثالها. وقيل معناه جعلتك مالكاً لبعض وملكاً لبعض.
(وأنعمت عليك) أي بإنزال الكتاب وبإرسال الرسل وغير ذلك (فما صنعت) أي فيما ذكر
(فيقول: رب جمعته) أي المال (وثمرته) بتشديد الميم، أي أنميته وكثرته (وتركته) أي في الدنيا
عند موتي (أكثر ما كان) أي في أيام حياتي (فارجعني) بهمزة وصل أي ردني إلى الدنيا (آتك به
كله) أي بإنفاقه في سبيلك، كما أخبر عن الكفار أنهم يقولون في الآخرة: ﴿رب ارجعون لعلي
أعمل صالحاً فيما تركت ﴾ [المؤمنون - ٩٩ - ١٠٠]. (فيقول له:) أي الرب (أرني ما
قدمت) أي لأجل الآخرة من الخير (فيقول:) أي ثانياً كما قال أوّلاً (رب جمعته وثمرته وتركته
أكثر ما كا فارجعني آتك به كله فإذا عبد) الفاء فصيحة تدل على المقدر، وإذا للمفاجأة وعبد
خبر مبتدأ محذوف. أي قال رسول الله وَ له: فإذا هو عبد. (لم يقدم خيراً) أي فيما أعطي ولم
الحديث رقم ٥١٩٤: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٢/٤ حديث رقم ٣٣٣٦. وأحمد في المسند ١٦٠/٤.
(١) الحاكم في المستدرك ٣١٨/٤.
الحديث رقم ٥١٩٥: أخرجه الترمذي في السنن ٥٣٤/٤ حديث رقم ٢٤٢٧. والدارقطني ٥١/١ حديث
رقم ٢ من باب النبية.
(٢) في المخطوطة ((بن)).

٣٩١
کتاب الرقاق
٠ ٠١٢٠٢
فیُمضی به إلى النارِ)). رواه الترمذي وضعَّفه.
٥١٩٦ - (٤٢) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله وَّرَ: ((إِنَّ أَوَّلَ ما يسألُ العبدُ يومَ
القيامةِ منَ النَّعيم أن يُقالَ له: ألم نُصحَّ جسمَكَ؟ ونُروِّكَ منَ الماءِ الباردِ؟)).
يمتثل ما أمر به ولم يتعظ ما وعظ به من قوله تعالى: ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغد ﴾
[الحشر - ١٨]. ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ [البقرة - ١١٠].
(فيمضى) بصيغة المجهول، أي فيذهب. (به إلى النار) قال الطيبي [رحمه الله ]: فظهر مما
حُكِيَ عن هذا الرجل أنه كان كعبد أعطاه سيده رأس مال ليتجر(١) به ويربح فلم يمتثل أمر
سيده فأتلف رأس ماله بأن وضعه في غير موضعه وأتجر فيما لم يؤمر بالتجارة فيه، فإذا هو
عبد خائب خاسر. قال تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما
كانوا مهتدين﴾ [البقرة - ١٦]. فما أحسن موقع العبد وذكره في هذا المقام. قال الشيخ أبو
حامد [رحمه الله]: اعلم أن كل خير ولذة وسعادة، بل كل مطلوب ومؤثر يسمى نعمة،
ولكن النعمة الحقيقية هي السعادة الأخروية وتسمية ما عداها غلط أو مجاز كتسمية السعادة
الدنيوية التي لا يعبر عليها إلى الآخرة، فإن ذلك غلط محض. وكل سبب يوصل إلى
السعادة الأخروية ويعين عليها إما بواسطة واحدة أو بوسائط فإن تسميته نعمة صحيح وصدق
لأجل أنه يفضي إلى النعمة الحقيقية (رواه الترمذي وضعفه) بتشديد العين، أي نسب إسناده
إلى الضعف وإن كان صحيحاً.
٥١٩٦ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ له: إن أوّل ما يسأل العبد) أي عنه (يوم
القيامة) ما موصولة(٢)، أي أوّل شيء يحاسب به في الآخرة. (من النعيم) بيان لما (أن يقال
له:) خبر إن. وكان الطيبي [رحمه الله ]جعل من النعيم متعلقاً بيسأل حيث قال: ما فيه
مصدرية، وأن يقال خبر إن، أي أوّل سؤال العبد هو أن يقال له. (ألم نصح) أي بعظمتنا
(جسمك) من الإصحاح وهو إعطاء الصحة (ونروّك) بتشديد الواو وفي نسخة من الإرواء (من
الماء البارد) فالماء البارد نعمة عظيمة ومصحة جسيمة عند الذوق السليم وعدم البدن السقيم
ولذا بالغ وَّر في مدحه حيث قال في دعائه: ((اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي
ومن الماء البارد)»(٣). ومن غرائب حال الماء أنه لا قيمة له من الرخاء ولا في الغلاء إذ حال
كثرة وجوده لا يشترى ووقت فقده لا يباع ومن عجائب ما حكي فيه أن ملكاً وقع في برية
وعطش عطشاً شديداً كاد أن يهلك فظهر له عارض وملك فقال ما تعطيني إن سقيتك! فقال
نصف ملكي فسقاه، فحبس له البول حتى اشتد عليه الأمر فظهر له ثانياً فقال ما تنعم علي أن
أعالجك منه؟ قال أعطيك النصف الآخر من الملك فعالجه ثم قال له: خذ ملكك واعرف قيمته
(١) في المخطوطة ((يتجر)).
الحديث رقم ٥١٩٦: أخرجه الترمذي في السنن ٤١٨/٥ حديث رقم ٣٣٥٨.
(٢) في المخطوطة ((موصوف)).
(٣) الترمذي في السنن ٤٨٨/٥ حديث رقم ٣٤٩٠.

٣٩٢
کتاب الرقاق
رواه الترمذي.
٥١٩٧ _ (٤٣) وعن ابن مسعودٍ، عن النبيِّ وَِّ، قال: ((لا تزولُ قدما ابن آدمَ يومَ
القيامةِ حتى يُسألَ عن خمسٍ: عن عمره فيما أفناهُ، وعن شبابِهِ فيما أبلاهُ، وعن ماله من أينَ
اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمِلَ فيما علِمَ؟)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريب.
ولا يغرك زهرته. وفي الجمع بين نعمة الصحة وتروية الماء إشارة إلى ذلك والله أعلم. (رواه
الترمذي) وكذا ابن حبان والحاكم ولفظهما: أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له:
ألم أصح لك جسمك وأروك من الماء البارد. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ذكره ميرك(١).
٩٠%%
٥١٩٧ - (وعن ابن مسعود عن النبي وَلي قال: لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى
يسأل عن خمس) أي خمسة أحوال تذكر وتؤنث. وقال الطيبي (رحمه الله ]: أنثه بتأويل
الخصال (عن عمره) بضمتين ويسكن الميم، أي عن مدة أجله. (فيما أفناه) أي صرفه (وعن
شبابه) أي قوّته في وسط عمره (فيما أبلاه) أي ضيعه. وفيه تخصيص بعد تعميم وإشارة إلى
المسامحة في طرفيه من حال صغره وكبره. وقال الطيبي [رحمه الله]: فإن قلت: هذا داخل
في الخصلة الأولى فما وجهه. قلت: المراد سؤاله عن قوّته وزمانه الذي يتمكن منه على أقوى
العبادة. (وعن ماله مما اكتسبه) أي أمن حلال أو حرام (وفيما أنفقه) أي في طاعة أو معصية
(وماذا عمل فيما علم) ولعل العدول عن الأسلوب للتفنن في العبارة المؤدية للمطلوب. وأما ما
ذكره الطيبي [رحمه الله ]من أنه إنما غير السؤال في الخصلة الخامسة حيث لم يقل: وعن علمه
ماذا عمل به. لأنها أهم شيء وأولاه فغير ظاهر. نعم يمكن أن يكون نكتة لختم الخصال بها
ترقياً. ثم قال: وفيه إيذان بإن العلم مقدمة العمل وهو لا يعتد به لولا العمل. اهـ. وهو غير
صحيح بإطلاقه وإنما يصلح هذا في العلم بالفروع الدنيوية، وأما العلم بذات الله [تعالى]
وصفاته ومعرفة كتابه وآياته ونحو ذلك من الأصول الدينية فأشرف العلوم وأفضلها وألطفها
وأكملها. ولذا قال الشيخ أبو سعيد بن أبي الخير قدس سره لأبي علي بن سينا سامحه الله
تعالى: ما تعلم علماً ينتقل معك بانتقالك. وفيه إشارة إلى ما ورد من أن أهل الجنة فيها
يحتلسون إلى العلماء أيضاً. هذا وفي حديث رواه ابن عساكر عن أبي الدرداء [رضي الله عنه].
كيف أنت يا عويمر إذا قيل لك يوم القيامة أعلمت أم جهلت. فإن قلت علمت قيل لك فماذا
عملت فيما علمت وإن قلت جهلت قبل لك فما كان عذرك فيما جهلت ألا تعلمت(٢). ومع
هذا روي: ويل للجاهل مرة وويل للعالم سبع مرات. وفي حديث صحيح: أشد الناس عذاباً
يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه(٣). (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.) وتمامه لا
(١) الحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٢.
الحديث رقم ٥١٩٧: أخرجه الترمذي في السنن ٥٢٩/٤. حديث رقم ٢٤١٦.
(٢) ذكره السيوطي في الجامع الصغير ٢/ ٤٠١ حديث رقم ٦٤٤١.
(٣) البيقهي في شعب الإيمان حديث رقم ١٧٧٨.

٣٩٣
٠٥٧٥٦
كتاب الرقاق
الفصل الثالث
٥١٩٨ _ (٤٤) عن أَبي ذَرِّ أنَّ رسولَ الله ◌َّرِ قال له : «إِنَّكَ لستَ بخيرٍ منْ أحمرَ ولا
أسوَدَ إِلاَّ أنْ تفضلَه بتقوى)). رواه أحمد.
نعرفه من حديث ابن مسعود إلا من حديث حسين بن قيس وهو ضعيف في الحديث، ذكره
ميرك.
(الفصل الثالث)
٥١٩٨ - (عن أبي ذر أن رسول الله بَ ليل قال له: إنك لست بخير) أي بأفضل (من أحمر)
أي جسماً (ولا أسود) أي لوناً. والمراد أن الفضيلة ليست بلون دون لون، وإنما خصهما بالذكر
مثلاً لكونهما أكثر وجوداً. والأظهر أن المراد بهما لون السيد والعبد كما هو الغالب. وأغرب
الطيبي [رحمه الله ]حيث جزم وقال: المراد بالأحمر العجم وبالأسود العرب. (إلا أن تفضله)
بضم الضاد، أي تزيد أنت أحدهما. (بتقوى) بالقصر، وفي نسخة بالتنوين. وقد قال تعالى:
﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله﴾ [التوبة - ١٠٩]. ففي قراءة شاذة بالتنوين. والمعنى
أن الفضيلة ليست بالصورة الظاهرة ولا بالنسبة الباهرة، بل بالتقوى كما قال تعالى: ﴿يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾ [الحجرات - ١٣]. إلى أن قال: ﴿إن أكرمكم عند الله
أتقاكم﴾ [الحجرات - ١٣]. قال الطيبي [رحمه الله]: والضمير في تفضله عائد إلى كل
واحد منهما أو لهما بتأويل الإنسان، والاستثناء مفرغ والتقدير لست بأفضل منهما بشيء من
الأشياء إلا بالتقوّى. وقوله: أن تفضله، تكرير تأكيد. اهـ. فتأمل فيه. فإن جعل الضمير إلى
كل واحد منهما مع دلالتهما على العموم من الجنس الذي وقع المخاطب فرداً منه غير صحيح،
وكذا تأويلهما بالإنسان المراد به الجنس فتدبر. ثم الظاهر أن الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال،
أي لست بأفضل عند الله من أحد النوعين في حال من الأحوال إلا حال زيادتك عليه بتقوى
معتبرة في الشرع، وهي لها مراتب أدناها التقوى عن الشرك الجلي، وأوسطها عن المعاصي
والمناهي والملاهي وعن الشرك الخفي وهو الرياء والسمعة في الطاعة، وأعلاها أن يكون دائم
الحضور مع الله غائباً عن حضور ما سواه. وإليه الإِشارة فيما رُوِيَ عنه ◌َّر: ما فضلكم أبو بكر
بفضل صوم ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه. ذكره الغزالي [رحمه الله ]. وقال العراقي:
لم أجده مرفوعاً وهو عند الحكيم الترمذي في النوادر من قول بكر بن عبد الله المزني (رواه
أحمد) وفي الجامع انظر فإنك لست بخير الحديث(١).
الحديث رقم ٥١٩٨: أخرجه أحمد في المسند ١٥٨/٥.
(١) الجامع الصغير ١٦٣/١ حديث رقم ٢٧٤٠.

٣٩٤
كتاب الرقاق
٥١٩٩ - (٤٥) وعنه، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما زهِدَ عبدٌ في الدنيا إِلاَّ أنبتَ اللَّهُ
الحكمةَ في قلبِه، وأنطقَ بها لسانه، وبصَّرَه عيبَ الدنيا وداءَها ودواءَها، وأخرجه منها سالماً
إِلى دار السلام)) رواه البيهقي في ((شعب الإِيمان)).
٥٢٠٠ _ (٤٦) وعنه، أنَّ رسول الله وَّرِ قال: «قد أفلحَ مَن أخْلَصَ اللَّهُ قلبَه للإِيمان،
وجعلَ قلبَه سليماً، ولسانَه صادقاً، ونفسَه مطمئنَّةً، وخليقته مستقيمةً، وجعلَ أُذْنَه مستمعةً،
وعینَه ناظرً،
٥١٩٩ - (وعنه) أي عن أبي ذر (قال: قال رسول الله مَله: ما زهد) بكسر الهاء (عبد في
الدنيا) أي زيادتها على قدر الحاجة من مال أو جاه (إلا أنبت الله الحكمة) أي أنبت المعرفة
المتقنة (في قلبه وأنطق بها لسانه وبصره) بتشديد الصاد من البصيرة، أي جعله معايناً. (عيب
الدنيا) أي معايبها من كثرة عنائها وقلة غنائها وخسة شركائها وسرعة فنائها وغير ذلك من
أتعاب (١) البدن وإكثار الحزن وإشغال القلب عن ذكر الرب. قال الطيبي [رحمه الله]: هو
إشارة إلى الدرجة الثانية، يعني لما زهد في الدنيا لما حصل له من علم اليقين بعيوب الدنيا
أورثه الله تعالى به بصيرة حتى حصل له بها حق اليقين. (وداءها) أي علة محبتها وسبب طلبتها
(ودواءها) أي معالجتها بمعجون العلم والعمل، والاحتمال عنها بالصبر والقناعة والرضا بما
قسم له منها. (وأخرجه) أي الله تعالى (منها) أي من الدنيا وآفاتها وبلياتها (سالماً) أي
بالإِعراض عنها والإقبال على العقبى (إلى دار السلام) وفيه إشارة إلى أن من لم يزهد فيها ولم
يطلع على عيبها ودائها ودوائها لم يدخل الجنة أصلاً، أو لم يدخل بسلام بل بعد سابقة عذاب
أو لاحقة حجاب والله [تعالى ]أعلم. (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وروى أبو نعيم في
الحلية عن ابن عمر [رضي الله تعالى عنهما]: ما زان الله العباد بزينة أفضل من زهادة في الدنيا
وعفاف في بطنه وفرجه (٢).
٥٢٠٠ _ (وعنه) أي عن أبي ذر أيضاً (أن رسول الله وَ لخير قال: قد أفلح من أخلص الله قلبه
للإيمان) أي جعل قلبه خالصاً للإيمان بحيث لا يسعه غيره وما يتبعه (وجعل قلبه سليماً) أي
عن الحسد والحقد والبغض وسائر الأخلاق الذميمة والأحوال الرديئة من حب الدنيا والغفلة
عن المولى والذهول عن العقبى. قال تعالى: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب
سليم﴾ [الشعراء - ٨٨ - ٨٩]، (ولسانه صادقاً) أي في قوله ووعده وعهده. (ونفسه مطمئنة)
أي بذكر ربه وحبه (وخليقته) أي جبلته التي خلق عليها من أصلها مع قطع النظر عن عوارضها
المعبر عنها بالفطرة. (مستقيمة) أي غير مائلة إلى طرفي الإفراط والتفريط، (وجعل أذنه)
بضمتين ويسكن الثانية (مستمعة) أي للحق واعية للعلم (وعينه ناظرة) أي إلى دلائل الصنع من
الحديث رقم ٥١٩٩: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٣٤٦ حديث رقم ١٠٥٣٢.
(١) في المخطوطة ((ألقاب)).
(٢) حلية الأولياء ٨/ ١٧٧.
الحديث رقم ٥٢٠٠: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١٣٢/١. حديث رقم ١٠٨ وأحمد في المسند ٥/ ١٤٧.
٠:٨٠

٣٩٥
کتاب الرقاق
فأما الأذنُ فقمْعٌ، وأمَّا العينُ فمقرَّةٌ لِما يُوعي القلب، وقد أفلحَ من جُعلَ قلبُه واعِياً)) رواه
أحمد، والبيهقي في ((شعب الإِيمان)).
٥٢٠١ ـ (٤٧) وعن عُقبةَ بن عامرٍ، عن النبيِّ و9َّ، قال: ((إذا رأيتَ اللَّهَ عزَّ وجلَّ
الآفاق والأنفس (فأما) بالفاء العاطفة، ولعل المعطوف عليه مقدر. والمعنى أما ما سبق من
القلب واللسان وغيرهما فأمره ظاهر في كونه شرط للإفلاح، وأما (الأذن فقمع) بفتح فسكون
وبكسر القاف مع سكون الميم وفتحها. ففي القاموس: القمع بالفتح والكسر وكعنب، ما
يوضع في فم الإِناء فيصب فيه الدهن وغيره. وفي النهاية: القمع كضلع، إناء يترك في رؤوس
الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والدهان. قال الطيبي [رحمه الله ]: شبه أسماع الذين
يستمعون القول ويعونه بقلوبهم بالأقماع (وأما العين فمقرة) بضم الميم وكسر القاف وتشديد
الراء، كذا في أصل الأصيل. وفي أكثر النسخ بفتحات وهو الأظهر أي محل قرار. (لما يوعي)
أي يحفظ (القلب) بالرفع، وفي بعض النسخ بالنصب وهو يؤيد ما في الأصيل ويناسب
الإِيعاء. قال الطيبي: قوله: فمقرة وارد على سبيل الاستعارة لأنها تثبت في القلب وتقر فيه ما
أدركته بحاستها، وكان القلب لها وعاء وهي تقر فيه ما رأته. قال في أساس البلاغة: ومن
المجاز قر الكلام في أذنه وضع فاه على أذنه فأسمعه، وهو من قر الماء في الإِناء إذا صبه فيه.
والقلب مرفوع على أنه فاعل يوعي ويحتمل النصب، أي يقر في القلب أي يحفظه. وإنما
خص السمع والبصر لأن الآيات الدالة على وحدانية الله إما سمعية فالأذن هي التي تجعل
القلب وعاء لها، أو نظرية(١) فالعين هي التي تقرها في القلب وتجعله وعاء لها. ومن ثم جعل
قوله: (وقد أفلح من جعل قلبه واعياً) أي حافظاً، كالفذلكة للقرينتين. قلت: وبه يتم آلات
العلم وأسبابه، ولذا قال تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ﴾
[الإسراء - ٣٦]. وفي تقديم السمع إشعار بأن العمدة هي العلوم الشرعية التي تعرف من الأدلة
السمعية المورثة لعلم اليقين، ثم يرتقي إلى مرتبة النظر ورتبة الفكر إلى أن يصير علمه عين
اليقين وينتهي إلى القلب الذي هو عرش الرب، وبه يصل إلى كمال حق اليقين رزقنا الله
[تعالى] جميع مراتب اليقين في درجات الدين المعبر عنها بقوله سبحانه: ﴿واعبد ربك حتى
يأتيك اليقين﴾ [الحجر - ٩٩]. ووجه الغاية أنه لا يتصوّر بعد تحقق اليقين(٢) ترك العبادة في
الدين، بل يحصل له مرتبة وضع الميت بين يدي الغاسل كما قيل: موتوا قبل أن تموتوا، ولذا
أجمع المفسرون على أن المراد باليقين في الآية هو الموت. وما أحسن هذا الموت الذي هو
عين الحياة أذاقنا الله منه بعض الذوق الممزوج بحلاوة الشوق. (رواه أحمد والبيهقي في شعب
الإيمان).
٥٢٠١ - (وعن عقبة بن عامر عن النبي وَّثم قال: إذا رأيت الله عزَّ وجلَّ
(١) في المخطوطة ((فظرية)).
(٢) في المخطوطة ((التعيين)).
الحديث رقم ٥٢٠١: أخرجه أحمد في المسند ١٤٥/٤.
أحدى

١٣٣٠
٣٩٦
كتاب الرقاق
يُعطي العبدَ من الدنيا، على معاصِيه، ما يُحبُّ؛ فإِنما هو استِدراجٌ)). ثمَّ تَلا رسول الله
وَلَى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا بهِ فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إِذا فرِحوا بما أوتوا
أخذناهم بغتة فإذا همْ مُبلِسُون ﴾. رواه أحمد.
٥٢٠٢ - (٤٨) وعن أبي أمامة، أنَّ رجلاً من أهل الصفة توفي وتَركَ ديناراً،
: عو "
يعطي العبد من الدنيا على معاصيه) أي مع وجود فعله إياها (ما يحب) أي من أسبابها (فإنما
هو) أي ذلك الإعطاء (استدراج) أي مكر منه سبحانه، قال تعالى: ﴿سنستدرجھم من حيث لا
يعلمون﴾ [الأعراف - ١٨٢]. قال الطيبي [رحمه الله]: الاستدراج هو الأخذ في الشيء
والذهاب فيه درجة فدرجة كالمراقي والمنازل في ارتقائه ونزوله. ومعنى استدراج الله
استدراجهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم،
وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع انهماكهم في الغي، فكلما جدد عليهم نعمة ازدادوا بطراً
وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم، ظانين أن متواترة النعم أثرة من الله
وتقريب وإنما هي خذلان منه وتبعيد. (ثم تلا رسول الله وَلفي:) أي استشهاداً أو اعتضاداً (فلما
نسوا) أي عهده سبحانه أو تركوا أمره ونهيه، وهو المعني بقوله: (ما ذكروا به) أي وعظوا
(فتحنا) بالتخفيف ويشدد (عليهم أبواب كل شيء) أي من أسباب النعم التي في الحقيقة من
موجبات النقم (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) أي أعطوا من المال والجاه وصحة البدن وطول العمر
(أخذناهم بغتة) أي فجأة بالموت أو العذاب فإنه أشد في تلك الحالة (فإذا هم مبلسون)
[الأنعام - ٤٤] أي واجمون ساكتون محسرون متحيرون آيسون (رواه أحمد) وفي الجامع عنه
بلفظ: إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه
استدراج. رواه الطبراني وأحمد والبيهقي(١).
٥٢٠٢ - (وعن أبي أمامة أن رجلاً من أهل الصفة) في النهاية: [هم ]فقراء المهاجرين
ومن لم يكن له منزل يسكنه، وكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه. قال
الطيبي [رحمه الله ]: وفي وصف الرجل بهذا النعت إشعار بأن الحكم الذي يليه معلل به،
يعني انتماءه إلى الفقراء الذين زهدوا في الدنيا مع وجود الدينارين أو الدينار دعوى كاذبة
يستحق به العقاب، وإلا فقد كان كثير من الصحابة كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف
وطلحة بن عبيد الله [رضي الله تعالى عنهم أجمعين ] يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عليهم
أحد ممن أعرض عن الفتنة، لأن الإعراض اختيار للأفضل وإلا دخل في الورع والزهد في
الدنيا والاقتناء فيها مباح مرخص لا يذم صاحبه ولكل شيء حد. والحاصل أن رجلاً منهم
(توفي) بصيغة المجهول وجوّز المعلوم، أي قبض ومات. (وترك ديناراً) أي وجد عنده أو عند
(١) الجامع الصغير ٤٤/١ حديث رقم ٦٢٩.
الحديث رقم ٥٢٠٢: أخرجه أحمد في المسند ٢٥٨/٥. والبيهقي في شعب الإيمان ٣٦٤/٥. حديث رقم
٠٦٩٦٤
١٣

٣٩٧
كتاب الرقاق
فقال رسول الله وَّر: ((كيَّةٌ)) قال: ثم توفي آخر فتركَ دينارينٍ، فقال رسولُ اللهِوَله:
(كيَّتَانِ)). رواه أحمد، والبيهقيُّ في ((شعب الإِيمان)).
٥٢٠٣ - (٤٩) وعن معاوية: أنهُ دَخلَ على خالِه أبي هاشم بن عتبة يعوده، فبكى أبو
هاشم، فقال ما يبكيك يا خال؟ أَوَجَعٌ يُشْتِزُكَ أم حرصٌ على
غيره (فقال رسول الله صل: كية] أي هوكية للمبالغة أو سبب كية أو آلة وهو الأظهر لقوله
تعالى: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم﴾ [التوبة - ٣٥] الآية. (قال:) أي
الراوي (ثم توفي آخر) أي من أهل الصفة (فترك دينارين فقال رسول الله وَلقر: كيتان) وتوضيح
المرام في هذا المقام أنهما لما كانا مع الفقراء الذين كان الناس يتصدّقون عليهم بناء على نهاية
حاجتهم وغاية فاقتهم فهم بمنزلة السائلين أما قالاً وأما حالاً، ولا يحل لأحد يسأل وعنده قوت
يوم، فوقع [أي السؤال] لكليهما مع وجود الدينار لهما حراماً. وكذا كل من أظهر نفسه بصورة
الفقراء من لبس الخلق أو زي الشحاذين وعنده شيء من النقود أو ما يقوم مقامها، وأخذ مما
في أيدي الناس وأكل فهو حرام عليه. وكذا من أظهر نفسه عالماً أو صالحاً أو شريفاً ولم يكن
في نفس الأمر مطابقاً وأعطى [لأجل] علمه أو صلاحه أو شرفه فيكون حراماً عليه. وقد حكي
أن الشيخ أبا إسحاق الكازروني [رحمه الله] رأى جمعاً من الفقراء يأكلون من الطعام الموضوع
للمستحقين من تكية فقال: يا أكلة الحرام. فامتنعوا من الأكل. فقال: كل من لم يكن معه
شيء من الدنيا يأكل وإلا فلا. فأكل بعضهم وامتنع بعضهم، فقال: سبحانه [جلَّ شأنه ]طعام
واحد حرام لقوم وحلال لآخرين فليحذر أهل الحرمين الشريفين أعزهما الله تعالى في الدارين
من أن يأكل أحد منهم. والحال أنه غنى شرعي من الأوقاف الموضوعة للفقراء، وكذلك [كل]
من سكن الخلاوي الموقوفة للمساكين. فقد صرح ابن الهمام [رحمه الله ]بأن الغني يحرم عليه
أن يسكن في خلاوي الأربطة. ولا يغتر أحد بما اشتهر من أن أوقاف الحرمين عام للفقير
والغني، فإنه على تقدير صحته لا يصح الوقف عندنا على الأغنياء إذا كانوا غير محصورين.
وبهذا يظهر أن إمامنا الأعظم ومقتدانا الأقوم لو كان في هذا الزمان وشاهد سكان هذا المكان
لقال بحرمة لمجاورة خلافاً لما قال في الصدر الأوّل من كراهتها لعدم من يقوم بحق عظمتها
وحرمتها إلا نادراً، والنادر لا حكم له. (رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان).
٥٢٠٣ - (وعن معاوية) أي ابن أبي سفيان، وهو خال المؤمنين. (أنه دخل على خاله)
أي النسبي (أبي هاشم بن عتبة) ومر ترجمته (يعوده) حال أو استئناف بيان، أي يزوره لمرضه.
(فبكى أبو هاشم فقال: ما يبكيك) أي أي شيء يجعلك باكياً (يا خال) بكسر اللام، وفي نسخة
بضمها على حد يا غلام. (أوجع يشئزك) بضم الياء وكسر الهمزة، أي يقلقك ويتعبك،
فيبكيك. ففي القاموس: شئز شأزاً غلظ واشتد ويقال: قلق وأشأزه أقلقه. (أم حرص على
الحديث رقم ٥٢٠٣: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨٨/٤ حديث رقم ٢٣٢٧. والنسائي في السنن ٢١٨/٨
حديث رقم ٥٣٧٢. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٣٧٤ حديث رقم ٤١٠٣. وأحمد في المسند ٢٩٠/٥.
t Ar

٩٢٠٠
٣٩٨
کتاب الرقاق
الدنيا؟ قال: كلا؛ ولكنَّ رسول الله وَلّ عهد إلينا عهداً لم آخذ به. قال: وما ذلك؟ قال
سمعته يقول: ((إِنما يكفيكَ من جمع المال خادمٌ ومركبٌ في سبيل الله)). وإني أراني قد
جمعتُ. رواه أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
٥٢٠٤ - (٥٠) وعن أم الدرداء، قالت: قلت لأبي الدرداءِ: ما لك لا تطلبُ كما
يطلبُ فلانٌ؟ فقال: إني سمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((إِن أَمامكم عقبةً كَؤُوداً لا يجوزُها
المُثْقَلون)). فأحب أن أتخفف لتلك العقبة.
٥٢٠٥ - (٥١) وعن أنس، قال: قال رسول الله وَّر: ((هل من أحدٍ يمشي على الماءِ
الدنيا) أي يقلقك فيبكيك. وفيه تنبيه على أن الأمر لا يخلو إما من اشتداد مرض صوري أو
عرض معنوي يكون كل منهما باعثاً على نكد ظاهري وباطني. (قال: كلا) أي ارتدع عن
حسبانك، كلا ومعناه ليس الباعث أحدهما. (ولكن رسول الله وَلقر عهد إلينا عهداً لم آخذ به)
والمراد بالعهد أما وصية عامة أو مبايعة خاصة (قال: وما ذلك) أي العهد، وفي نسخة وما
ذاك. (قال: سمعته يقول: إنما يكفيك من جمع المال) أي الذي يحصل المنال(١) في المآل
(خادم ومركب في سبيل الله وإني أراني) بضم الهمزة أي أظن. وفي نسخة بفتحها، أي أبصر
أو أعلم. (قد جمعت) أي زيادة على ما عهدت. وأغرب الطيبي [رحمه الله ]حيث قال: حذف
متعلقه ليدل على الكثرة من أنواع المال والله [تعالى ]أعلم بالحال. (رواه أحمد والترمذي
والنسائي وابن ماجه).
٥٢٠٤ - (وعن أم الدرداء قالت: قلت لأبي الدرداء: ما لك لا تطلب) أي مالاً أو منصباً
(كما يطلب فلان) أي وهو من نظرائك (فقال: إني) بكسر الهمزة ويجوز فتحها بتقدير لأني.
(سمعت رسول الله وَلاخير يقول: إن أمامكم) بفتح الهمزة، أي قدامكم وهو ظرف وقع خبراً
مقدماً، والاسم قوله: (عقبة) بفتحات، أي مرقي صعباً من الجبال على ما في القاموس.
(كؤوداً) بفتح فضم همزة فواو فدال، أي شاقة فاصلة بينكم وبين دخول الجنة. قال الطيبي
[رحمه الله]: والمراد بها الموت والقبر والحشر وأهوالها وشدائدها، شبهها بصعود العقبة
ومكابدة ما يلحق الرجل من قطعها. (لا يجوزها) أي لا يتجاوز تلك العقبة على طريق
السهولة. (المثقلون) من باب الإفعال، أي الحاملون ثقل المال ومؤونة الجاه وسعة الحال.
ولذا قيل: فاز المخفون وهلك المثقلون. (فأحب أن أتخفف) [أي بترك الطلب ]والصبر (٢)
على قلة المؤونة (لتلك العقبة) لئلا يحصل لي التعب فيها.
٥٢٠٥ - (وعن أنس قال: قال رسول الله ويلي: هل من أحد يمشي على الماء
(١) في المخطوطة ((منال)).
+%27
الحديث رقم ٥٢٠٤: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٣٠٩ حديث رقم ١٠٤٠٨.
(٢) في المخطوطة ((اصبر)).
الحديث رقم ٥٢٠٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٢٣/٧ حديث رقم ١٠٤٥٧.

٣٩٩
٢٥٥٥٢
کتاب الرقاق
إِلاَّ ابتلّتْ قدماه؟)). قالوا: لا، يا رسول الله! قال: ((كذلك صاحبُ الدنيا لا يسلمُ منَ
الذنوب)). رواهما البيهقي في ((شعب الإِيمان)).
٥٢٠٦ - (٥٢) وعن جُبير بن نُفير [رضي الله عنه] مرسلاً، قال: قال رسول الله وَ لّه:
(ما أُوحِي إِليَّ أنْ أجمعَ المال وأكونَ من التاجرين، ولكن أوحي إِلَيَّ أن ﴿فسبّح بحمدٍ ربّك
وكن من السَّاجدين. واعبد ربَّك حتى يأتيك اليقين﴾)). رواه في ((شرح السنة)) وأبو نعيم
في ((الحلية)) عن أبي مسلم.
إلا ابتلت قدماه) أي هل يمشي على الماء في حال من الأحوال إلا في حال الابتلال. وحاصل
معناه: هل يتحقق المشي على الماء بلا ابتلال. (قالوا: لا يا رسول الله. قال: كذلك صاحب
الدنيا لا يسلم من الذنوب) أي من المعاصي اللازمة لصاحب حب الدنيا. قال الطيبي [رحمه الله
]: فيه تخويف شديد للمتقين وحث أكيد على الزهد [في الدنيا ]وإيثار الآخرة على الأولى، وكفى
بها تبعة أن يدخل الفقراء في الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام عافانا الله منها بكرمه وفضله.
(رواهما) أي الحديثين (البيهقي في شعب الإيمان) وكذا الحاكم روى الحديث الأوّل(١). وقال
ميرك نقلاً عن المنذري: حديث أم الدرداء رواه الطبراني بإسناد صحيح، ورواه البزار عن أبي
الدرداء رفعه: إن بين أيديكم عقبة كؤوداً لا ينجو منها إلا كل مخف. وإسناده حسن.
٥٢٠٦ - (وعن جبير بن نفير) بالتصغير فيهما. قال المؤلف: تابعي خضرمي أدرك
الجاهلية والإسلام وهو من ثقات الشاميين وحديثه فيهم. روى عن أبي الدرداء وأبي ذر، وعنه
جماعة. (مرسلاً) أي بحذف الصحابي (قال: قال رسول الله وَلاتر: ما أوحي إلي) أي لم يوح
إلى (أن أجمع المال) أن مصدرية والباء مقدرة. وقوله: (وأكون) عطف عليه (من التاجرين) أي
المتوغلين في التجارة (ولكن أوحي إليَّ) أي قيل لي بالوحي (أن ﴿فسبح﴾) أن مفسرة لما في
الوحي من معنى القول، أي سبح. (﴿بحمد ربك﴾) أي مقروناً به. والمعنى نزه الله تعالى عما
لا يليق بذاته وصفاته منتهياً إلى ثناء ربك بإثبات صفات الجلال والجمال له. (﴿وکن من
الساجدين﴾) أي المصلين بذكر أحد الأركان وإرادة تمام الصلاة، فهو من قبيل مجاز إطلاق
الجزء وإرادة الكل. ووجه تخصيص السجدة ما ورد في حديث مسلم: أقرب ما يكون العبد
من ربه وهو ساجد. (﴿واعبد ربك﴾) تعميم بعد تخصيص، سواء كان المراد به الأمر بالعبادة
أو بالعبودية. (﴿حتى يأتيك اليقين)) (٢) أي الموت بإجماع المفسرين. وفيه اقتباس من قوله
تعالى: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون نسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد
ربك حتى يأتيك اليقين﴾ [الحجر آيات ٩٧، ٩٨، ٩٩]. (رواه) أي البغوي (في شرح السنة)
أي عن جبير بن نفير (وأبو نعيم) بالتصغير (في الحلية عن أبي مسلم) قال المؤلف: هو أبو
(١) أخرج حديث ابن ماجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٧٤.
الحديث رقم ٥٢٠٦: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٣٧/١٤. حديث رقم ٤٠٣٦.
(٢) سورة الحجر الآيتان رقم ٩٨ و٩٩.

٤٠٠
. "
كتاب الرقاق
٥٢٠٧ - (٥٣) وعن أبي هريرة [رضي الله عنه]، قال: قال رسول الله وَّ: ((منْ طلبَ
الدنيا حلالاً استعفافاً عن المسألة، وسَعْياً على أهله، وتعطُفاً على جاره؛ لَقِي اللَّه تعالى يومَ
القيامةِ ووجههُ مثلُ القمر ليلة البدر. ومن طلب الدنيا حلالاً، مكاثراً، مفاخراً، مرائياً؛ لَقي
الله تعالى وهوَ عليهِ غَضْبان)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). وأبو نُعَيْم في ((الحلية)).
٥٢٠٨ _ (٥٤) وعن سهل بن سعد، أن رسولَ اللَّهِ وَّر قال: ((إِنَّ هذَا الخيرَ خزائن،
لتلك الخزائنُ مفاتیح،
٠٫٦٠
مسلم الخولاني الزاهد، لقي أبا بكر وعمر ومعاذاً [رضي الله عنهم ]. روى عنه جبير بن نفير
وعروة وأبو قلابة. ومناقبه كثيرة. مات سنة اثنتين وستين انتهى، فيحتمل أن الحديث مروي من
طريق جبير عن أبي مسلم أو من طريق غيره والله (تعالى ]أعلم.
٥٢٠٧ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويتلقى: من طلب الدنيا حلالاً) أي من طريق
حلال (استعفافاً) أي لأجل طلب العفة (عن المسألة) ففي النهاية: الاستعفاف طلب العفاف.
والتعفف وهو الكف عن الحرام والسؤال من الناس. (وسعياً على أهله) أي لأجل عياله ممن
يجب عليه مؤونة حاله (وتعطفاً على جاره) إحساناً عليه بما يكون زائداً لديه (لقي الله تعالى يوم
القيامة ووجهه) أي والحال أن وجهه من جهة كمال النور وغاية السرور. (مثل القمر ليلة البدر)
قيد به لأنه وقت كماله. وفيه إشارة خفية إلى أن هذا النور له ببركة المصطفى المنزل عليه: ﴿طه
ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾ [طه - ١ _ ٢]. فإن طه أربعة عشر بحساب أبجد الذي يعرفه
الأب والجد، وهذا يوم لا ينفع ذا الجد منك الجد (ومن طلب الدنيا حلالاً) أي فضلاً عن أن
يطلب حراماً (مكاثراً) أي حال كونه طالباً كثرة المال لا حسن الحال ولا صرفه في تحسين المآل.
(مفاخراً) أي على الفقراء كما هو دأب الأغبياء من الأغنياء. (مرائیاً) أي إن فرض عنه صدور خير
أو عطاء. (لقي الله تعالى وهو عليه غضبان) ولعله وَر لم يذكر من طلب الحرام أما اكتفاء بما
يفهم من فحوى الكلام، وأما إيماء إلى أنه ليس من صنيع أهل الإِسلام، أو إشعار بأن الحرام أكله
وقربه حرام ولو لم يكن هناك طلب ومرام. قال الطيبي [رحمه الله ]: وفي الحديث معنى قوله
تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ [آل عمران - ١٠٦]. وهما عبارتان عن رضا الله
[تعالى ]وسخطه، فقوله: ووجهه مثل القمر. مبالغة في حصول الرضا بدلالة قوله في مقابلته:
وهو عليه غضبان. (رواه البيهقي في شعب الإيمان وأبو نعيم في الحلية).
٥٢٠٨ - (وعن سهل بن سعد أن رسول الله وَ ر قال: إن هذا الخير) أي هذا الجنس من
الخير المدسوس المعلوم كالمحسوس (خزائن) أي أنواع كثيرة مخزونة مكنونة مركوزة موضوعة
فيما بين عباده. (لتلك الخزائن) خبر مقدم على مبتدئه وهو قوله: (مفاتيح) أي على أيدي
الحديث رقم ٥٢٠٧: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٩٨/٧ حديث رقم ١٠٣٧٥. وأبو نعيم في الحلية
٢١٥/٨.
الحديث رقم ٥٢٠٨: أخرجه ابن ماجه في السنن ٨٧/١ حديث رقم ٢٣٨.