النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
طينة الخَبَالِ)). رواه الترمذي.
٥١١٣ - (١٠) وعن عطية بن عروة السعديّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إِنَّ الغضبَ
[٣٨١ - ب -] من الشيطان، وإِن الشيطان خُلق من النَّار، وإِنما يُطفأ النارُ بالماءِ، فإِذا
غضب أحدكم فليتوضأ».
المحمى غاية الحرارة المعبر عنه بحميم ((طينة الخبال))) تفسير لما قبله، وهو بفتح الخاء بمعنى
الفساد. قال شارح: هو اسم عصارة أهل النار، وهو ما يسيل منهم من الصديد والقيح والدم،
(رواه الترمذي) وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن أبي هريرة عن النبي وَّ قال:
((يجاء بالجبارين والمتكبرين رجال في صور الذر يطؤهم النار من هوانهم على الله حتى يقضي
بين الناس، ثم يذهب بهم إلى نار الأنيار، قيل: يا رسول الله وما نار الأنيار؟ قال: عصارة أهل
النار)). ذكره السيوطي في البدور السافرة في أحوال الآخرة.
٥١١٣ - (وعن عطية بن عروة) السعدي منسوب إلى سعد ولم يذكره المؤلف في أسمائه
(قال: قال رسول الله وَليقول: ((إن الغضب من الشيطان))) أي من أثر وسوسته ((وإن الشيطان خلق
من النار)))، قال تعالى: ﴿والجان خلقنا من قبل من نار السموم﴾ [الحجر - ٢٧] وقال:
﴿خلقتني من نار﴾ [الأعراف - ١٢] وهذا دليل على أنه من الجن لأن الملائكة خلقوا من
النور، ومعنى خلقه منها أن عنصره الناري غالب على سائر أجزائه بخلاف الإنسان ((وإنما
يطفأ)) بصيغة المجهول مهموزاً أي يدفع ((النار))) أي الحسية ((بالماء))) أي الحقيقي («فإذا
غضب أحدكم))) أي واشتعلت نار غضبه من جوفه، ويريد إحراق المغضوب عليه بنوع من
عذابه ((فليتوضأ)))، فإن الوضوء مركب معجون من الماء الحسي والمظهر المعنوي المؤثر في
الظاهر والباطن، وهذا من طب الأنبياء الذي غفلوا عنه الحكماء؛ وأغرب الطيبي حيث أخرج
الحديث عن حقيقته الأصلية من غير باعث من الأمور النقلية والعقلية فقال: أراد أن يقول: ((إذا
غضب أحدكم فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فإن الغضب من الشيطان))، فصوّر حالة
الغضب ومنشأه، ثم الإرشاد إلى تسكينه، فأخرج الكلام هذا المخرج ليكون أجمع وأنفع
وللموانع أزجر، وهذا التصوير لا يمنع من إجرائه على الحقيقة لأنه من باب الكناية اهـ.
والصواب أن الاستعاذة علاج آخر مستقل كما ورد به الأثر على ما ذكره الجزري في الحصن
حيث قال: ((ومن غضب)) فقال: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد))، ونسبه إلى
البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن سليمان بن صرد، وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿وإما
ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾ [الأعراف - ٢٠٠]، ورواه ابن عدي في الكامل عن أبي
هريرة بلفظ: ((إذا غضب الرجل فقال: ((أعوذ بالله سكن غضبه)). وجملة الأمر أن هذا علاج
قولي سهل التناول، والحصول والوضوء معالجة فعلية صعب الوصول، لا سيما والوضوء
مقدمة للصلاة، فهو بمنزلة المعجون المسهل المخرج للمواد الفاسدة من أصلها، وأما مجرد
الحديث رقم ٥١١٣: أخرجه أبو داود في السنن ١٤١/٥ الحديث رقم ٤٧٨٤، وأحمد فى المسند ٢٢٦/٤
مجموات وهيانه
١
كوالاومع الجهراء موازنة:50
/

٣٠٢
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
رواه أبو داود.
٥١١٤ - (١١) وعن أبي ذر [رضي الله عنه] أنَّ رسول الله وَ ل قال: ((إِذا غضب أحدُكم
وهو قائمٌ فليجلس، فإِن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع)). رواه أحمد، والترمذي.
٥١١٥ - (١٢) وعن أسماء بنت عميس،
الاستعاذة فهو بمنزلة الاستفراغ لتخلية المعدة من آثار التخمة؛ وحاصله أن الحكيم الكامل
يدرج في المعالجة ويعلم مزاج كل صاحب علة بما يوافقه ويناسبه من خواص الأشياء المفردة
والمركبة وأنواع الغضب، كالأمراض المختلفة، فعلى العليل أن يسلم تسليماً ويجعل نفسه بين
يدي الطبيب الحبيب الكامل كالميت بين يدي الغاسل، وخلاصة الكلام أنه: ((إذا أحس
بالغضب فليتعوّذ بالله أوّلاً، ثم إذا رأى أنه ما يزول به يقوم ويتوضأ ويصلي ركعتين لله تعالى
فإنه دواء صبر كريه على الطبع الشيطاني والمزاج النفساني، بل هو كعروق السوس يخرج كل
مرض مدسوس. قال تعالى: ﴿استعينوا بالصبر والصلاة وأنها الكبيرة إلا على الخاشعين﴾
[البقرة - ٤٥] (رواه أبو داود) وكذا أحمد.
٥١١٤ - (وعن أبي ذر أن رسول الله وَلي قال: ((إذا غضب أحدكم))) أي ظهر أثر غضبه
على أحد ((وهو قائم. فليجلس))) لأن المعالجة بالأضداد، والقوّة الغضبية الناشئة من الوسوسة
الشيطانية تقتضي الخفة والتعلية التي من خواص النار، والقيام لأجل الانتقام، فمخالفته
بالجلوس المشير إلى القعود عن الفتنة نافعة جداً ((فإن ذهب عند الغضب))) أي أثر حرارته وقوّة
مرارته بالجلوس فيها ونعمت ((وإلا)) أي وإن لم يذهب به ((فليضطجع))) مبالغة في المعالجة
المذكورة ما فيه من الإشارة إلى رجوع الإنسان إلى مأخذه من التربة المناسبة للتواضع في مقابلة
عمل الشيطان بمقتضى جبليته من الشعلة النارية المقتضية للتكبر، وكل شيء يرجع إلى أصله.
هذا وفي شرح السنة: ((إنما أمره بالقعود والاضطجاع لئلا يحصل منه في حال غضبه ما يندم
عليه، فإن المضطجع أبعد من الحركة والبطش من القاعد، والقاعد من القائم)). وقال الطيبي:
لعله أراد به التواضع والخفض، لأن الغضب منشؤه التكبر والترفع قلت: لا منع من الجمع،
فإن كلامه وَ ل﴿ منبع الحكم والله أعلم. ثم يحتمل أن يكون هذا الصنيع منه قبل الوضوء، وهو
الظاهر، وأن يكون بعده إن لم يذهب الغضب والله أعلم بالسرائر. (رواه أحمد والترمذي)؛
وكذا أبو داود وابن حبان في صحيحه(١).
٥١١٥ - (وعن أسماء بنت عميس) بالسين المهملة مصغراً، وقد تقدمت ترجمتها
الحديث رقم ٥١١٤: أخرجه أبو داود في السنن ١٤١/٥ الحديث رقم ٤٧٨٢، وأحمد في المسند ٤/ ١٥٢.
(١) هذا الحديث غير موجود عند الترمذي، ولعل هذا وهم من المؤلف رحمه الله تعالى، وأخرجه ابن
حبان في ٥٠١/١٢ الحديث رقم ٥٦٨٨.
الحديث رقم ٥١١٥: أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٥/٤ الحديث رقم ٢٤٤٨، والبيهقي في شعب الإيمان
٢٧٨/٦ الحديث رقم ٨١٨١.

٣٠٣
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَّ يقولُ: ((بئس العبد عبدٌ تخيّل واختال، ونسي الكبير المتعال،
بئس العبد عبدٌ تجبَّر واعتدى، ونسي الجبَّارَ الأعلى، بئس العبد عبدٌ سهى ولهى ونسي
المقابرَ والبلى، بئس العبد عبدٌ عَتَى وطغَى، ونسي المبتدأَ والمُنتهى، بئس العبدُ عبدٌ يختل
الدنيا بالدين
((قالت: سمعت رسول الله وَلقر يقول: ((بئس العبد)))، لم يقل: بئس الرجل أو المرء تنبيهاً على
أن الأوصاف الآتية ليست من مقتضيات العبدية ولا من نعوت العبودية ((عبد تخيل))) أي تكبر
وتجبر (((واختال))) أي تمايل وتبختر من الخيلاء، وهو الكبر والعجب بالجاه والمال والجمال
والعلوم والأعمال والأحوال، وتوهم الكمال حيث يخيل له أنه وصل إلى الكمال. قال
التوربشتي: أي تخيل له أنه خير من غيره، واختال أي تكبر ((ونسي الكبير المتعال))) بحذف
الياء مراعاة للفاصلة، وهو لغة في المنقوص المعرف، وعليه قراءة الجمهور في قوله تعالى:
﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾ [الرعد - ٩٠] وأثبته ابن كثير في الحالين، ومعنى الكبير
على الشأن جلي البرهان، والمتعالي أي عن الأشباه والأضداد والأنداد أي نسي أن الكبرياء
والتعالي ليس إلا لله تعالى، أو نسي محاسبته ومعاتبته ومعاقبته في العقبى حيث لم يراع مراقبته
في الدنيا بالتقوى ((بئس العبد عبد تجبر))) أي قهر على المظلومين ((واعتدى))) أي تجاوز على
المساكين أو تجاوز قدره، وما راعى حكم ربه وأمره ((ونسي الجبار الأعلى))) أي القهار الذي
فوق عباده الغالب على أمره ((بئس العبد عبد سهى ولهى)))(١) حقهما أن يكتبا بالألف لأنهما
واويان مأخوذان من السهو واللهو، وفي كثير من النسخ بالياء. فلعله للمشاكلة اللفظية في
الفواصل السجعية، ومعنى سها أي صار غافلاً عن الحق والطاعة، وإلا فسائر الأنبياء وعامة
الصلحاء قد سهوا، ومنه قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾
[الماعون - ٤ - ٥] قال بعض العارفين: ((الحمد لله لم يقل في صلاتهم، وإلا كان الويل كل
الويل على الكل في اليوم والليل))، ولها أي اشتغل باللهو واللعب، ومنه قوله تعالى: ﴿ألهاكم
التكاثر﴾ [التكاثر - ١] وخلاصتهما أنه سها عن أمور الدين الرضية ولها بأمر الدنيا الدنية
((ونسي المقابر))) أي أهلها بالتذكر والعبرة بهم أو بذكرهم على سبيل الرحمة عليهم وزيارتهم،
وذكر المقابر كناية عن الموت أي نسي الموت بعدم الاستعداد له وكفى بالموت واعظاً، أو
نسي مرجع الأحياء من أماكن الأموات وما يحصل لهم فيها من الوحشة والظلمة والغربة
والضيق وغيرها مما يعسر ضبضها وحصرها ((والبلى))) بكسر الموحدة. وهو تفتت الأعضاء
وتشتت الأجزاء إلى أن تصير رميمها ورفاتاً، ((بئس العبد عبد عنا))) من العتو أي أفسد
((وطغى))) من الطغيان أي تجاوز عن الحد، وقيل: معناهما واحد وأتى بهما تأكيداً، أو الثاني
تفسيراً، وأتى به للفاصلة ((ونسي المبتدأ والمنتهى))) بصيغة المفعول. قال الأشرف: أي نسي
ابتداء خلقه، وهو كونه نطفة، وانتهاء حاله الذي يؤول إليه، وهو صيرورته تراباً أي من كان
(١) في المخطوطة ((سها)) و(لها)) وهو الصواب.
IMi
موري بيجو

٣٠٤
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
بئس العبد عبدٌ يختل الدين بالشبهات، بئس العبدُ عبدٌ طمع يقودهُ، بئس العبد عبدٌ هَوىّ
يُضلُّه، بئس العبد عبدٌ رغب يذلُه)).
١٠
ذلك ابتداءه ويكون انتهاؤه هذا جدير بأن يطيع الله تعالى فيما بينهما. وقيل: المراد بهما الله أي
نسي الذي صدر ابتداء وجوده منه ولا بد من انتهاء رجوعه إليه، فترك مراعاة أمره أوّلاً
ومحافظة نهيه آخراً ((بئس العبد عبد يختل))) بكسر التاء أي يطلب ((الدنيا بالدين))) أي بعمل
الآخرة من ختله إذا خدعه كذا في النهاية، والمعنى يخدع أهل الدنيا بعمل الصلحاء ليعتقد
وافيه، وينال منهم مالاً أو جاهاً، من ختل الذئب الصيد خدعه وخفي له. قال القاضي: ختل
الصائد إذا مشى للصيد قليلاً قليلاً لئلا يحس به شبه فعل من يرى ورعاً وديناً ليتوسل به إلى
المطالب الدينوية بختل الذئب الصائد ((بئس العبد عبد يختل الدين))) أي يفسده ((بالشبهات)))
بضمتين وبفتح الثانية ((بئس العبد عبد طمع))) أي له طمع أو ذو طمع، أو وصف بالمصدر
مبالغة ولو قرىء بإضافة العبد لاستقام من غير تكلف وقوله: ((يقوده))) أي يسحبه الطمع عن
وجهة المولى إلى جهة السوي، ومن الغرائب ما حكي عن السيد الشاذلي قدس سره أنه سئل
عن علم الكيمياء فقال: ((هو كلمتان اطرح الخلق عن نظرك واقطع طمعك عن الحق، أن
يعطيك غير ما قسم لك)). ومن هذا القبيل حديث: ((القناعة مال لا ينفد)) على ما رواه القضاعي
عن أنس ((بئس العبد عبد هوى يضله))). قال الأشرف: كأنه من كثرة الطمع والهوى اللازمين
للعبد وشدة اتصالهما به أطلق نفس الطمع والهوى عليه، وإن كانا قائمين به، وتقديره ذو طمع
يقوده وذو هوى يضله، ويمكن أن يجعل قوله: طمع فاعل يقوده، وهوى فاعل يضله مقدمين
على فعلهما على مذهب الكوفيين. وقال الشاعر :
صددت فأطولت الصدود وقلما
وصال على طول الصدود يدوم
أي قلما يدوم وصال على الصدود. وقال الطيبي: الوجه الثاني أقرب من الأوّل لما يلزم
منه وصف الوصف لأن قوله: يقوده على هذا صفة طمع، وهو صفة عبد، والأشبه أن يكون
طمع مبتدأ ويقوده خبره أي طمع عظيم يقوده نحو شر أهر ذا ناب، والجملة صفة عبد، قلت:
هذا مراعاة للمبنى وغفلة عن المعنى، فإن الذم مترتب على مطلق الطمع الذي يقوده إلى
الهوى، وكذا حكم الهوى على ما لا يخفى ((بئس العبد عبد رغب») بضم الراء وفتحها
وبفتحات، ففي القاموس رغب فيه كسمع رغباً ويضم ورغبة أراده، وإليه رغبة محركة، وفي
المشارق الرغب بسكون الغين وفتحها، وبضم الراء وفتحها، وفي نسخة بالإضافة، واقتصر
عليها القاضي كما سيأتي وهو يؤيد جواز كونها فيما قبلها من الوصفين أيضاً. وقال ابن
الملك: هو بضم الراء وسكون الغين المعجمة الشره والحرص على الدنيا، وقيل: الرغب سعة
الأمر وطلب الكثير، ويروى بفتح الراء بمعنى الرغبة في الدنيا وقوله: ((يذله))) أي يجعله
ذليلاً، قال الإمام التوربشتي: الرواية عندي بفتح الغين أي مذلة الرغبة في الدنيا، ومن الناس
من يقوم الرغب بضم الراء وهو الشره. يقال: الرغب شؤم، ولعل الأصل فيه السعة، يقال:
جوف رغيب أي واسع، فكنى به على الحرص والشره. كذا ذكره شارح، وفي القاموس
الرغب بضم وبضمتين كثرة الأكل وشدة النهم، وفعله ككرم فهو رغيب ككريم. قال القاضي:

٣٠٥
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
رواه الترمذي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). وقالا: ليس إِسناده بالقوي، وقال الترمذيُّ
أيضاً: هذا حديث غريب.
الفصل الثالث
٥١١٦ - (١٣) عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((ما تجرَّعَ عبدٌ أفضل عند الله
عزَّ وجلّ من جرعَةِ غيظٍ يكظمها ابتغاءَ وجهِ الله تعالى)). رواه أحمد.
٥١١٧ - (١٤) وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾
وإضافة العبد للإهانة كقولهم: عبد البطن، لأن مجامع همته واجتهاده صورة عليه عائدة إليه
اهـ. ولا يخفى أن تكرار جملة الذم في صدر الجمل المذكورة والنعوت المسطورة للإشعار بأن
كل واحدة من الصفات مستقلة في استحقاق ذم فاعلها، وأن مراعاة السجع من غير تكلف
الطبع غير مكروهة في الشرع. (رواه الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان وقالا:) أي كلاهما
(ليس إسناده بالقوي)، قال التوربشتي: رواه الترمذي بإسناد له عن هاشم بن سعيد الكوفي،
وقد ذكره ابن عدي في كتابه وقال: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، قلت: قد وجد لهذا الحديث
متابع، فإنه رواه الطبراني والبيهقي عن نعيم بن هماز، ورواه الحاكم أيضاً في مستدركه عن
أسماء بنت عميس، ولا شك أن كثرة الطرق تقوّي الضعيف وتجعله حسناً لغيره وبه يتم
المقصود والله أعلم. (وقال الترمذي أيضاً:) أي مع قوله: إنه ليس بقوي (هذا حديث غريب)،
وأنت تعرف أن الغرابة لا تنافى الصحة والحسن غايته. إن الحديث ضعيف، وهو يعمل به في
فضائل الأعمال اتفاقاً، ففي المواعظ ينبغي أن يكون بالأولى.
١
(الفصل الثالث)
i
٥١١٦ - (عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَلقر: ((ما تجرع عبد أفضل))) أي تجرعاً
أفضل ((عند الله من جرعة غيظ يكظمها))) بكسر الظاء أي يبلعها ويمنعها من إظهارها مع
كثرتها، وملء باطنه منها من كظم القربة ملأها وشد فمها على ما في أساس البلاغة، وفي رواية
الجامع كظمها بصيغة الماضي ((ابتغاء وجه الله تعالى))) أي طلبا مرضاته لا لغرض آخر ولا
لعجز عن إمضائها. (رواه أحمد)، وكذا الطبراني.
i
i
جن م
٥١١٧ - (وعن ابن عباس في قوله تعالى: (((ادفع)))) أي السيئة لدلالة ما قبله عليه وهو
قوله سبحانه: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع﴾ [فصلت - ٣٤] (﴿بالتي﴾) أي بالخصلة
((﴿هي أحسن))))(١)، فيه مبالغة عظيمة حيث عدل عن الحسنة إلى الأحسن مع الرخصة
المفهومة من قوله عزَّ وجلّ: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى - ٤٠] أو المراد أنها أحسن
الحديث رقم ٥١١٦: أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٠١ الحديث رقم ٤١٨٩، وأحمد في المسند ١٢٨/٢.
الحديث رقم ٥١١٧: البخاري تعليق من حديث طويل ٨/ ٥٥٥ سورة السجدة.
(١) سورة فصلت، الآية: ٣٤.

٠٥٥٠
٣٠٦
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
قال الصبرُ عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإِذا فعلوا عصَهم الله وخضع لهم عدُوهُم
كأنَّه وليُّ حميم قريب. رواه البخاري تعليقاً.
/8/8/
من مجازاة السيئة بالسيئة، فإنها حسن، وإنما سميت سيئة في الآية للمشاكلة أو بالنسبة
والإضافة إلى الأحسن والله أعلم. وما بعدها ﴿فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت، ٣٤ - ٣٥] ﴿وإما
ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله أنه هو السميع العليم﴾ [الأعراف - ٢٠٠] ففي الآية
إشارة إلى أن العمل بها أكمل الأخلاق الإنسانية التي يعجز عنها أكثر الأفراد البشرية
((قال:))) أي ابن عباس بياناً للخصلة ((الصبر عند الغضب)))، قيل: المراد به غضب
الغير، فإنه سيئة منه، فيقابله بالصبر الذي هو أحسن من مجازاته بالغضب، ويمكن أن
يكون المعنى أنه يصير عند أثر [ظهور] الغضب، فإن كظم الغيظ أحسن من إمضائه
((والعفو))) أي عن المسيء ((عند الإساءة))) أي وقت تحققها، والواو بمعنى أو فإن كلاً
منهما من أفراد الخصلة التي هي أحسن، وكأنه رضي الله عنه مثل بأقل المطلوب من
السالك، وإلا فالسادة الصوفية على المجازاة بأحسن ما يتصوّر له من أنواع الإحسان إليه
من التواضع وتقبيل اليد والرجل وأمثال ذلك، وبإعطاء البر المالي من قليل أو كثير، وأقل
المراتب أن يحلله ويدعو له بالتوبة والهداية، وزاد بعضهم الوعد له بالشفاعة يوم القيامة،
وهذه كلها خوارق عادات تطوي بساط كرامات ربما يكون تحتها غرور في بدايات أو
نهايات، ولذا قالوا: ((الاستقامة خير من ألف كرامة))، وقد ورد: ((شيبتني سورة هود،
فقيل: لما فيها من آية ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود - ١١٢]، وقيل: لما فيها من وقائع
الأمم)) والله أعلم. ((فإذا فعلوا)) أي ما ذكر من المثالين وأمثالهما ((عصمهم الله))) أي
حفظهم من الزيغ والتعدي على أحبابهم ((وخضع لهم عدوّهم))) أي حياء منهم ورجعوا عن
إساءتهم إليهم والغضب عليهم ((كأنه))) أي العدوّ، ويستوي فيه المفرد والجمع، ((ولي)))
أي ناصرهم ((حميم))) صديق يهتم لأمرهم وحاجتهم ويحمم بحرارتهم وحرقتهم ((قريب)))
أي ذو قرابة منهم. والحاصل أن هذه الخصلة التي هي أحسن تقلب العداوة محبة، وترفع
الأخلاق الذميمة من الحقد والحسد والغيبة ونحوها. قال الطيبي: هذا التفسير على أن
تكون لا في قوله تعالى: ﴿ولا السيئة﴾ [فصلت - ٣٤] مزيدة، والمعنى لا تستوي الحسنة
والسيئة، فعلى هذا يراد بالتي هي أحسن التي هي حسنة، فوضع الأحسن ليكون أبلغ في
الدفع بالحسنة، وإذا لم تجعل ((لا مزيدة يكون المعنى والسيئة متفاوتتان في أنفسهما فخذ
بالحسنة التي هي أحسن من أختها فإذا اعترضتك حسنات فادفع بها السيئة التي ترد عليك
من بعض أعدائك ومثله: ((رجل أساء إليك إساءة فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن
أن تحسن إليه مكان إساءته إليك» مثل: ((أن يذمك فتمدحه، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب
عدوك المشاق مثل الولي الحميم مصافاة لك)). (رواه البخاري تعليقاً) أي بلا إسناد، وتقدم
أن ما علقه بصيغة المجهول ضعيف وما رواه بصيغة المعلوم صحيح والله أعلم.
/١١/١١
2390
ان اناے

٣٠٧
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
: ٥١١٨ - (١٥) وعن بَهْزِ بنِ حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال: قال رسولُ الله
وَله: ((إِن الغضبَ لَيُفْسدُ الإيمانَ كما يُفسدُ الصبرُ العسلَ)).
٥١١٩ - (١٦) وعن عمر، قال وهو على المنبر: يا أيُّها الناسُ! تواضَعُوا فإِنِّي
سمعت رسول الله وَلهم يقول: ((من تواضَع للَّهِ رَفَعهُ اللَّهُ، فهو في نفسه صغيرٌ، وفي أعين
الناس عظيم، ومن تكبِّر وضعه الله، فهو في أعين الناس صغير، وفي نفسه كبير، حتى
[٣٨٢ _ أ_] لهوَ أهونُ عليهم من كلبٍ أو خنزيرٍ)).
٥١١٨ - (وعن بهز) بفتح موحدة وسكون هاء فزاي تابعي (ابن حكيم عن أبيه) تابعي
حسن الحديث، (عن جده) أي معاوية بن حيدة القشيري ولم يذكره المؤلف (قال: قال رسول
الله وَل: ((إن الغضب ليفسد الإيمان))) أي كماله أو نوره وبهاءه، وقد يجر إلى بطلانه نعوذ بالله
من ذلك، ولما كان بعض أفراده كذلك صح التشبيه بقوله: ((كما يفسد الصبر العسل)))، وهو
بفتح الصاد وكسر الباء ويسكن على ما في نسخة، لكن قال صاحب القاموس: الصبر ككتف
ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر عصارة شجر مر اهـ، وأما كسر الصاد وسكون الباء على ما
اشتهر على الألسنة فلعله مأخوذ من قوله: ككتف، فإن الكتف فيه لغتان والله أعلم.
٥١١٩ - (وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال وهو) أي عمر (على المنبر:) فيه إشارة إلى
حفظ القضية وإيماء إلى أنه كالمسألة الإجماعية لكونه في محضر من الصحابة ((يا أيها
الناس)))، ولعل العدول عن المؤمنين إليه لإفادة العموم ونفي توهم الخصوص («تواضعوا))) أي
ليتواضع بعضكم لبعض ويترك التكبر على إخوانه المؤمنين لقوله تعالى: ﴿أذلة على المؤمنين
أعزة على الكافرين﴾ [المائدة - ٥٤] والتعبير بالأذلة للإشعار بكمال التواضع على سبيل المبالغة
(«فإني سمعت رسول الله ﴿ يقول: من تواضع لله رفعه الله))). هذه الجملة فقط رواها أبو نعيم
في الحلية عن أبي هريرة ((فهو)) الفاء تفريعية أي فالمتواضع المرفوع نتيجته أو علامته أنه ((في
نفسه صغير))) أو جزائية، وتقديره: وإذا رفعه الله فهو في نفسه صغير حقير خال عن العجب
والكبر ((وفي أعين الناس عظيم))) أي عظيم القدر جليل الشأن لرفعه تعالى إياه بهذه الخصلة
الحميدة، وقد جاء في بعض الدعوات المأثورة ((اللهم اجعلني في نفسي صغيراً وفي أعين
الناس كبيراً ((ومن تكبر وضعه الله، فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير)) حتى) متعلق
بقوله: صغير، أو بحاصل المجموع، ثم الظاهر أن ((حتى)) هذه ابتدائية، ففي المغني إن ((حتى))
قد تكون حرف ابتداء أي حرفاً يبتدأ بعده الجمل أي تستأنف فيدخل على الجملة الاسمية كقول
جرير:
فما زالت القتلى تمج دماءها
بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
سے
الحديث رقم ٥١١٨: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣١١/٦، الحديث رقم ٨٢٩٤.
الحديث رقم ٥١١٩: أخرجه البيهقى فى شعب الإيمان ٢٧٦/٦ الحديث رقم ٨١٤٠.
/٠٠:١

٣٠٨
كتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
٥١٢٠ - (١٧) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((قال موسى بن عمران
عليه السلام: يا ربِّ! من أعزُّ عبادِك عندك؟ قال: من إِذا قَدَر غَفَرَ)).
٥١٢١ _ (١٨) وعن أنس، أنَّ رسول الله وَّهِ قال: ((منْ خَزَنَ لسانَهُ سَتَر الله عورته،
ويؤيد هذا المعنى دخولاً لام الابتدائية في قوله: ((لهو))) أي المتكبر الموضوع («أهون
عليهم))) أي أذل وأحقر على الناس ((من كلب أو خنزير))) والتنويع إما باختلاف حال المتكبر.
أو باعتبار أحوال الناس. قال الطيبي: الفاء في قوله: ((فهو)) جزائية لشرط محذوف يعني من
تواضع لله هضم حقه من نفسه فجعل نفسه دون منزلته، وهو المراد بقوله: ((في نفسه صغير،
ثم إن الله يرفعه من تلك المنزلة التي هي حقه إلى ما هي أرفع منها، ويعظمه عند الناس،
ويعكسه في القرينة الأخرى))، وفي شرح السنة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((إن الرجل
إذا تواضع رفع الله حكمته))، قال: «انتفش نفسك، فهو في نفسه صغير وفي أعين الناس كبير،
وإذا بطر وعدا طوره وهضه الله إلى الأرض)). وقال: ((اخسأ أخساك الله فهو في نفسه كبير وفي
أعين الناس صغير حتى يكون أهون على الله من الخنزير)).
٥١٢٠ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: قال موسى بن عمران:) عليه السلام
(يا رب من أعز عبادك عندك قال: من إذا قدر غفر)))، والمراد أن الأعز في المرتبة الجمعية
الربوبية العندية هو الذي اختار كونه أذل في طريق العبودية العبدية، فإن العبد والعبادة مأخوذان
من طريق معبد أي مذلل، وقد قالوا: ((العبادة هي أقصى غاية الخضوع والتذلل))، ولذلك لا
تستعمل إلا لله تعالى مع أن الغفران مع القدرة إنما هو من باب التخلق بأخلاق الله تعالى
سبحانه، وأشار إلى هذا المعنى في قوله: ﴿إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله
كان عفواً قديراً﴾ [النساء - ١٤٩] وفيه تنبيه له عليه السلام على العفو لما كان الغالب عليه
الحدة الجلالية ليصحل له الاعتدال كما يقتضيه الكمال، بل ينبغي غلبة نعت الجمال كما أشار
إليه الحديث القدسي: ((غلبت رحمتي غضبي))، ولكون الرحمة غالبة على نبينا وَ ◌ّ* وصف
(بكونه رحمة للعالمين، وأمته أمة مرحومة، فإن الراحمين يرحمهم الرحمن)) على ما سبق فيه
البيان، وفي الجامع الصغير ((من عفا عند القدرة عفا الله عنه يوم العسرة)). رواه الطبراني عن
أبي أمامة .
٥١٢١ - (وعن أنس أن رسول الله وَلتر قال: ((من خزن))) بفتح زاي أي حفظ («لسانه))).
قال امرؤ القيس :
فليس على شيء سواه بخزان
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه
قال الطيبي: أي من ستر عيوب الناس وكتمها ((ستر الله عورته))) أي عيبه عن الناس أو
الحديث رقم ٥١٢٠: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣١٩/٦ الحديث رقم ٨٣٢٧.
الحديث رقم ٥١٢١: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣١٥/٦ الحديث رقم ٠٨٣١١
١٠
:٥٧.

٠٥٢٠
٣٠٩
کتاب الآداب/ باب الغضب والكبر
ومن كَفَّ غضبَهُ كَفَّ الله عنه عذابهُ يومَ القيامةِ، ومن اعتذَر إِلى الله قَبِلَ اللَّهُ عذره)).
٥١٢٢ - (١٩) وعن أبي هريرة، أن رسول الله وَ ل قال: ((ثلاثٌ مُنجياتٌ، وثلاثٌ
مُهلكاتٌ؛ فأمَّا المنجياتُ: فتقوى الله في السرِّ والعلانيةِ، والقولُ بالحقِّ في الرضى
والسخط، والقصدُ في الغنى والفقر. وأمَّا المُهلكات: فھویّ مُتَبَّعْ، وشخُ مطاعٌ،
واعجابُ المرء بنفسه، وهي أشدُّهن)). روى البيهقي الأحاديث الخمسة في ((شعب
الإيمان)).
عن الحفظة، ولا منع من الجمع ((ومن كف))) أي منع ((غضبه))) أي عن الناس («كف الله عنه
عذابه))) أي الذي أثر غضبه ((يوم القيامة))) جزاء وفاقاً، وفي الجامع برواية ابن أبي الدنيا عن
ابن عمر. ((من كف غضبه ستر الله عورته)) أي بأن لم يعذبه، فتوافق الحديثان ((ومن اعتذر)))
فيما وقع له من التقصير ((إلى الله))) أي بالرجوع إليه وإظهار العجز لديه ((قبل الله عذره)))،
ظاهر نظائره أن يقال: ((من قبل عذر أخيه قبل الله عذره))، ولعله من تصرفات الرواة أو لحكمة
اقتضت ذلك والله أعلم بما هنالك.
٥١٢٢ - (وعن أبي هريرة أن رسول الله وَ طهر قال: ((ثلاث))) أي من الخصال ((منجيات)))
أي أسباب نجاة وخلاص ((وثلاث مهلكات، فأما المنجيات فتقوى الله))) أي خوفه ((في السر
والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط))) أي لا يبدل القول الحق لأجل محبته ورضاه عن
أحد أو سخطه وغضبه على أحد ((والقصد))) أي التوسط في التفقه ((في الغنى والفقر))) أي في
الحالين بالاجتناب عن طرفي الإفراط والتفريط ((وأما المهلكات فهوى))) أي للنفس ((متبع)))
احتراز عن متروك، فإن مخالفة النفس من أكبر المنجيات كما أن متابعتها من أكبر المهلكات
((وشح))) أي بخل ((مطاع))) أي مطاوع له معمول بمقتضاه، فقيل: الشح منع الواجب، وقيل:
أكل مال الغير، وقيل: العمل بمعاصي الله، وقيل: الشح مما في يد غيرك، والبخل مما في
يدك. والأظهر أن الشح هو البخل المقرون بالحرص ((وإعجاب المرء بنفسه))) أي باستحسان
أعمالها وأحوالها أو مالها وجمالها وسائر ما يتوهم أنه من كمالها ((وهي))) أي الخصلة الأخيرة
((أشدهن))) أي أعظمهن وزراً وأكثرهن ضرراً لأنه يتصوّر أن يتوب من متابعة الهوى ومن رذيلة
البخل، والمعجب مغرور ومزين فهو محبوب لا يرجى زواله كالمبتدع، فإنه قل أن يتوب من
بدعته. وقال الطيبي: لأن المعجب بنفسه متبع هواه، ومن هوى النفس الشح المطاع، قال
تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر - ٩] حيث أضاف الشح إلى
النفس. (روى البيهقي الأحاديث الخمسة في شعب الإيمان).
١
چي د
الحديث رقم ٥١٢٢: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٥/ ٤٥٢ الحديث رقم ٧٢٥٢.
+۵م
LNOON
٦

٣١٠
كتاب الآداب/ باب الظلم
(٢١) باب الظلم
الفصل الأول
٥١٢٣ - (١) عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ وَّهِ قال: ((الظلم ظلماتٌ يوم القيامة)) متفق
عليه .
٢٠٫٠
باب الظلم
قال الراغب: الظلم عند أهل اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بنقصان
أو بزيادة وإما بعدول عن وقته أو مكان .. وقال القطب الرباني الشيخ عبد الكبير اليماني: إن
الله سبحانه وتعالى خلق قلب عبده لذكره وفكره فمن وضع فيه غيره فهو ظالم لنفسه. وقال
العارف ابن الفارض موميا إلى الاشتغال بالوحدة والنبوّة أو الذكر والصلاة أو الكتاب والسنة:
فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم
عليك بها صرفاً وإن شئت مزجها
(الفصل الأوّل)
٥١٢٣ - (عن ابن عمر أن النبي ◌َّلتر قال: الظلم) أي جنسه الشامل للمتعدي، والقاصر
الصادر من الكافر والفاجر ((ظلمات))) أي أسباب ظلمة لمرتكبه أو موجبات شدة لصاحبه يوم
القيامة، ومفهومه أن العدل بأنواعه أنوار ((يوم القيامة))) ((لأن الدنيا مزرعة الآخرة))، وفي شرح
مسلم للنووي قال القاضي: هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة
بسبب ظلمه في الدنيا، كما أن المؤمن يسعى بنور هو مسبب عن إيمانه في الدنيا، قال تعالى:
﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبإيمانهم﴾ [الحديد - ١٢]، ويحتمل أن يراد بالظلمات هنا الشدائد
وبه فسروا قوله تعالى: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام - ٦٣] أي
شدائدهما، ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات. قال الطيبي: قوله: على ظاهره يوهم
أن قوله: ظلمات هنا ليس مجازاً بل حقيقة، لكنه مجاز لأنه حمل المسبب على السبب،
فالمراد ظلمات حقيقية مسببة عن الظلم قلت: إنما أراد القاضي بالحقيقة المقابلة للمجاز
المفسر بالشدة نظراً إلى جوهر المعنى مع قطع النظر عن حمل اللفظ بالأعراب والمبنى، ثم
قال: والفرق بين الشدائد والأنكال إن الشدائد كائنة في العرصات قبل دخول النار، والأنكال
بعد الدخول قلت: فالمراد بيوم القيامة الدار الآخرة. (متفق عليه).
الحديث رقم ٥١٢٣: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠٠/٥ الحديث رقم ٢٤٤٧، ومسلم في ٤ /١٩٩٦
الحديث رقم (٥٧ - ٢٥٧٩)، والترمذي في السنن ٣٣٠/٤ الحديث رقم ٢٠٣٠، والدارمي في
٣١٣/٢ الحديث رقم ٢٥١٦، وأحمد فى المسند ١٣٧/٢.

٣١١
انت :
كتاب الآداب/ باب الظلم
٥١٢٤ - (٢) وعن أبي موسى، قال: قال رسول الله وَلّر: ((إن الله ليملي للظالم أخذه
لم يفلِتْهُ)) ثم قرأ ﴿وكذلك أخذُ ربِّك إِذا أخذَ القرى وهي ظالمةٌ﴾ متفق عليه.
٥١٢٥ _ (٣) وعن ابن عمر، أنَّ النبي وََّ لمَّا مرَّ بالحِجْرِ قال: ((لا تدخلوا مساكنَ
الذينَ ظلموا أنفسهم إِلا أن تكونوا باكينَ، أن يصيبكم ما أصابهم)) ثم قنع رأسه وأسرع
السَّير حتى اجتاز الوادي.
٥١٢٤ - (وعن أبي موسى قال: قال رسول الله وَلاير: ((إن الله ليملي للظالم))) من الإملاء
أي يمهله ويؤخره ويطوّل عمره حتى يكثر منه الظلم («حتى إذا أخذه لم يفلته))) من الإفلات،
وهو الخروج من ضيق مع فرار. ذكره شارح، والمعنى لم يتركه بل أخذه أخذاً شديداً. ذكره
ابن الملك. قيل: أفلت الشيء وتفلت وانفلت بمعنى وأفلته غيره. ففي النهاية أي لم ينفلت
منه، ويجوز أن يكون المعنى لم يفلته منه أحد أي لم يخلصه قلت: هذا المعنى هو الظاهر
على ما يدل عليه الضمير، والقول الأول إما حاصل المعنى أو يقال بالحذف والإيصال، وفيه
تسلية للمظلوم في الحال، ووعيد للظالم لئلا يغتر بالإمهال كما قال تعالى: ﴿ولا تحسبن الله
غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾ [هود - ١٠٢] ((ثم قرأ)))
أي النبي وَلّ اعتضاداً أو أبو موسى استشهاداً ((وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى))) أي أهلها
((﴿وهي ظالمة))))(١). الآية) أي أن أخذه أليم شديد كما في نسخة بدل الآية. (متفق عليه).
وفي الجامع إلى قوله: ثم قرأ رواه الشيخان والترمذي وابن ماجه.
٥١٢٥ - (وعن ابن عمر أن النبي ◌َلاغير: ((لما مر)) أي أراد المرور ((بالحجر))) بكسر الحاء
أي ديار ثمود وقوم صالح ((قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم))) أي بالكفر ((إلا أن
تكونوا باكين أن يصيبكم))) أي لئلا يصيبكم أو مخافة أن يصيبكم ((ما أصابهم))) أي نوع من
العذاب أي مثل ما أصابهم من العقاب إذ لا يخلو أحد منكم من الذنوب إذا شدد عليه
الحساب، ويمكن أن يكون المراد أن يصيب منافقيكم عين ما أصابهم فعمم الحكم بالتخويف
تستراً عليهم. ((ثم قنع رأسه))) بتشديد النون مبالغة من الإقناع أي أطرق رأسه ولم يلتفت يميناً
وشمالاً كالخائف لئلا يقع نظره على مساكنهم أو جعل قناعة على رأسه شبه الطيلسان («وأسرع
السير حتى اجتاز الوادي») أي تجاوزه أي قطع عرضه وخرج عن حده، وإنما فعل ذلك تعليماً
للأمة ليقتدوا به، وجمع بين القول والفعل تأكيداً في القضية، أو لأنه وَلّر كان في غاية من
الخشية لأنها إنما تكون على قدر المعرفة قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
الحديث رقم ٥١٢٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٥٤/٨ الحديث رقم ٤٦٨٦، ومسلم في ٤ / ١٩٩٧
الحديث رقم (٦١ - ٢٥٨٣)، وابن ماجه في السنن ١٣٣٢/٢ الحديث رقم ٤٠١٨.
(١) سورة هود، الآية: ١٠٣.
الحديث رقم ٥١٢٥: أخرجه البخاري في صحيحه ١٢٥/٨ الحديث رقم ٤٤١٩، ومسلم في ٢٢٨٦/٤
الحديث رقم (٣٩ - ٢٩٨٠)، وأحمد في المسند ٦٦/٢.
/
٠
١٢٠١/٢٠١

٣١٢
كتاب الآداب/ باب الظلم
متفق عليه .
٥١٢٦ - (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((من كانت له مظلمة لأخيه
من عرضه أو شيءٌ فليتحلله منه بعد الیوم قبل أن لا یکون دینارٌ ولا درهم،
[فاطر - ٢٨] وقد قال: ((أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له))، هذا مجمل معنى الحديث، وأما
تفصيله فقال التوربشتي: الحجر منازل ثمود، وذلك في سيره إلى تبوك خشي على أصحابه أن
يجتازوا على تلك الديار ساهين غير متعظين بما أصاب أهل تلك الديار، وقد أمرهم الله تعالى
بالانتباه والاعتبار في مثل تلك المواطن. قال القاضي: ولذلك استثنى عن النهي وأن يصيبكم
نصب على المفعول له أي مخافة أن يصيبكم. قال الطيبي: والمعنى لا تدخلوا مساكنهم في
حال من الأحوال لا حال كونكم باكين. قال الخطابي: معناه الداخل في دار قوم أهلكوا
بخسف أو عذاب إذا لم يكن باكياً إما شفقة عليهم وإما خوفاً من حلول مثلها به كان قاسي
القلب قليل الخشوع، فلا يأمن إذا كان هكذا أن يصيبه ما أصابهم اهـ. وما أصاب في قوله:
((إما شفقة عليهم)) لقوله تعالى: ﴿ولا تحزن عليهم﴾ [الحجر - ٨٨] وقوله عزَّ وجلّ: ﴿فلا
تأس على القوم الفاسقين﴾ [المائدة - ٢٦] قال التوربشتي: وفي الحديث: «إنه نهاهم أن يشربوا
ماءها وكانوا قد خمروا به عجينهم فأمرهم أن يعلفوها دوابهم(١)، ولم يرخص لهم في الأكل
منها.)) وفي شرح السنة فيه دليل على أن منازل هؤلاء لا تتخذ مسكناً ووطن، لأنه وَلّ: ((قد
نهى عن دخولها إلا مع البكاء)»، فالمتوطن يكون دهره باكياً قلت: ويلائمه ظاهر قوله تعالى
تقریعاً وتوبيخاً: ﴿وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ [إبراهيم - ٤٥] وتبين لكم كيف
فعلنا بهم. وفيه تنبيه نبيه على أن الأماكن لها تأثير من عند الله تعالى بالنسبة إلى سكانها محنة
ومنحة كما في الأزمنة من موسم الطاعات وساعات الإجابة، ومنه ما روي ((إن الله في أيام
دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها))، وقد تقدم ((إن أحب البلاد إلى الله المساجد وأبغضها إليه
الأسواق))، ونظير ذلك تأثير صحبة الأخيار والأشرار على ما ورد به الأخبار وآثار الأبرار.
(متفق عليه).
٥١٢٦ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَظافر: ((من كانت له مظلمة))) بكسر اللام
ويفتح اسم ما أخذه الظالم أو تعرض له ((لأخيه))) أي في الدين ((من عرضه))) بيان للمظلمة،
وهو بكسر العين جانبه الذي يصونه من نفسه ونسبه وحسبه ويتحامى أن ينتقص («أو شيء))) أي
أمر آخر كأخذ ماله أو المنع من الانتفاع به أو هو تعميم بعد تخصيص («فليتحلله))) أي فليطلب
الظالم حل ما ذكر ((منه))) أي من المظلوم. في النهاية يقال: تحللته واستحللته إذا سألته أن
يجعلك في حل ((اليوم))) أي في أيام الدنيا لمقابلته بقوله: ((قبل أن لا يكون))) أي لا يوجد
((دينار ولا درهم))) وهو تعبير عن يوم القيامة، وفي التعبير به تنبيه على أنه يجب عليه أن
(١) في المخطوطة ((ورأهم)).
الحديث رقم ٥١٢٦: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠١/٥ الحديث رقم ٢٤٤٩، وأحمد في المسند ٢/ ٢٠٦.
هواة
٤ جوة
/:١
١/

كتاب الآداب/ باب الظلم
٣١٣
إِن عملٌ صالحٌ أُخِذَ منه بقدر مظلمته، وإِن لم يكن له حسنات أَخِذَ من سيئات صاحبه
فحمل عليه». رواه البخاري.
/ "
٥١٢٧ _ (٥) وعنه، أنَّ رسول الله وَلّهِ قال: ((أتدرون ما المفلس؟)). قالوا: المفلسُ
فينا من لا درهمَ له ولا متاع. فقال: ((إِنَّ المفلسَ منْ أُمتي
يتحلل منه ولو ببذل الدينار والدرهم في بذل مظلمته لأن أخذ الدينار والدرهم اليوم على
التحلل أهون من أخذ الحسنات أو وضع السيئات على تقدير عدم التحلل كما أشار إليه بقوله :
((إن كان له عمل صالح))) أي بأن يكون مؤمناً ظالماً غير معفو عن مظلومه ((أخذ))) بصيغة
المجهول أي عمله الصالح ((منه))) أي من صاحبه الظالم على غيره ((بقدر مظلمته)))، ومعرفة
مقدار الطاعة والمعصية كمية وكيفية مفوّض علمها إلى الله سبحانه. هذا، وقال الطيبي: قوله :
إن كان استئناف كأنه لما قيل: «فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم يؤخذ منه
بدل مظلمته)) توجه لسائل أن يسأل، فما يؤخذ منه بدل مظلمته بعد أن كان الخ اهـ. ((وإن لم
يكن))) أي لم توجد ((له حسنات))) أي باقية أو مطلقة ((أخذ من سيئات صاحبه))) أي المظلوم
((فحمل عليه))) بصيغة المجهول مخففاً أي فوضع على الظالم. قال ابن الملك: يحتمل أن
يكون المأخوذ نفس الأعمال بأن تتجسم فتصير كالجواهر وأن يكون ما أعدلهما من النعم
والنقم إطلاقاً فالسبب على المسبب، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾
[الأنعام - ١٦٤] لأن الظالم في الحقيقة مجزى بوزر ظلمه، وإنما أخذ من سيئات المظلوم
تخفيفاً له وتحقيقاً للعدل. (رواه البخاري).
٥١٢٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (أن رسول الله وَ لّ قال: ((أتدرون))) أي أتعلمون («ما
المفلس؟)))، كذا في صحيح مسلم وجامع الترمذي وكتاب الحميدي وجامع الأصول وشرح
السنة، فعلى هذا السؤال عن وصف المفلس لا عن حقيقته ومن ثم أجاب وَ الر بوصفه في
قوله: شتم وأكل وقذف، وفي مشارق الأنوار وفي بعض نسخ المصابيح من الفلس، وهذا
سؤال إرشاد لا استعلام، ولذلك قال: إن المفلس كذا وكذا قلت: الظاهر أن المراد بقوله: ((ما
المفلس))، من المفلس بدليل ما بعده في جواب الصحابة وفي كلامه وَّ أيضاً من التعبير بمن
((قالوا:))) أي بعض أصحابه ((المفلس فينا))) أي فيما بيننا ((من لا درهم))) أي من نقد ((له)))
أي ملكاً ((ولا متاع))) أي مما يحصل به النقد ويتمتع به من الأقمشة والعقار والجواهر
والمواشي والعبيد وأمثال ذلك. والحاصل أنهم أجابوا بما عندهم من العلم بحسب عرف أهل
الدنيا كما يدل عليه قولهم: ((فينا)»، وغفلوا عن أمر الآخرة، وكان حقهم أن يقولوا: ((الله
ورسوله أعلم» لأن المعنى الذي ذكروه كان واضحاً عنده وَّر، فلما أجابوا بما أجابوه («فقال:
إن المفلس))) أي الحقيقي أو المفلس في الآخرة ((من أمتي))) أي أمة الإجابة، ولو كان غنياً في
الحديث رقم ٥١٢٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٩٧/٤ الحديث رقم (٥٩ - ٢٥٨١)، والترمذي في ٤٪
٥٢٩ الحديث رقم ٢٤١٨، وأحمد في المسند ٣٠٣/٢.
٦ /جی۔ ۔۔
١/٠٥٠

٣١٤
١, ٠٨
كتاب الآداب/ باب الظلم
من يأتي يوم القيامةِ بصلاةٍ وصيام وزكاةٍ ويأتي قد شتمّ هذا، وقذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا،
وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإِن فنيت
حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النَّار)). رواه
مسلم.
الدنيا بالدرهم والمتاع ((من يأتي يوم القيامة بصيام وصلاة وزكاة)))، أي مقبولات، والباء
للتعدية أي مصحوباً بها ((أو يأتي))) أي ويحضر أيضاً حال كونه ((قد شتم هذا)) أي وقع
له شتم لأحد ((وقذف هذا))) أي بالزنا ونحوه ((وأكل مال هذا)) أي بالباطل («وسفك)))
أي أراق ((دم هذا))) أي بغير حق ((وضرب هذا))) أي من غير استحقاق أو زيادة على ما
يستحقه، والمعنى من جمع بين تلك العبادات وهذه السيئات، ولا يبعد أن تكون الواو
بمعنى أو، ولكن لفظ المفلس يلائم كثرة المعاصي الموجبة لإفلاسه والله أعلم. ((فيعطي)))
بصيغة المجهول ((هذا))) أي المظلوم ((من حسناته))) أي بعض حسنات الظالم ((وهذا))) أي
ويعطي المظلوم الآخر ((من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى))) بصيغة المفعول أي
يؤدي ((ما عليه))) أي من الحقوق ((أخذ من خطاياهم))) أي من سيئات أصحاب الحقوق
((فطرحت عليه))) أي وضعت على الظالم ((ثم طرح))) أي ألقي ورمي ((في النار)))، وفيه
إشعار بأنه لا عفو ولا شفاعة في حقوق العباد إلا إن شاء الله يرضي خصمه بما أراد. قال
النووي: يعني حقيقة المفلس. هذا الذي ذكرت، وأما من ليس له مال ومن قل ماله،
فالناس يسمونه مفلساً، وليس هذا حقيقة المفلس لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته وربما
انقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته بخلاف ذلك المفلس، فإنه يهلك الهلاك التام.
قال المازري: زعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض بقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة
وزر أخرى﴾ [الأنعام - ١٦٤] وهو باطل، وجهالة بينة لأنه إنما عوقب بفعله ووزره،
فتوجهت عليه حقوق لغرمائه فدفعت إليه من حسناته، فلما فرغت حسناته أخذ من سيئات
خصومه فوضعت عليه، فحقيقة العقوبة مسببة عن ظلمه ولم يعاقب بغير جناية منه قلت:
وهذا من ضرورة قضية العدل الثابت له تعالى بالثقل والعقل، فإن الظالم إذا أكثر من
الحسنات وثقلت موازينه منها وغلبت على سيئاته، فإن أدخل الجنة يبقى حق المظلوم
ضائعاً، وأن أدخل النار ينافي قوله تعالى: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون)
[الأعراف - ٨] وسيأتي أن حقوق العباد مما لا يترك الله تعالى فلا بد من أحد الأمرين،
إما أخذ الحسنات وإما وضع السيئات حتى يتحقق خفة ميزان عمله، فيدخل النار فيعذب
بقدر استحقاقه ثم يخرج ويدخل الجنة بسبب الحسنات الباقية إن كانت هناك، وإلا ببركة
الإيمان، ﴿فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً﴾، وهذا من البراهين الواضحة المؤيدة
بالشواهد والأدلة اللائحة. (رواه مسلم).

٣١٥
يووو
كتاب الآداب/ باب الظلم
٥١٢٨ - (٦) وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((لتُؤدُّنَ الحقوق إلى أهلها يومَ
القيامةِ، حتى يُقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)».
٥١٢٨ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَ لير: ((لتؤدن) بفتح الدال
المشددة، وفي بعض النسخ، بضمها فقوله: ((الحقوق))) بالرفع على الأوّل وبالنصب على
الثاني ((إلى أهلها يوم القيامة)))، وجزم شارح. وقال: هو بفتح الدال على بناء المجهول،
والحقوق أقيم مقام فاعله. وقال ابن الملك: اللام فيه جواب قسم مقدر، والدال فيه مضمومة،
والفعل مسند إلى الجماعة الذين خوطبوا به، والحقوق مفعوله، وقيل: الدال فيه مفتوحة على
بناء المجهول، والحقوق نائب الفاعل لكن هذا غير مستقيم لأنه لو كان كذلك لظهر الياء
وقال: لتؤدين اهـ. وأراد أنه حينئذ صيغة الواحدة فيكون حكمه حكم اخشين واغزون وارمين
برد اللامات وفتحها على طبق التثنية كما تقول: اخشيا وارميا واغزوا على ما حقق في محله.
قال التوربشتي: هو على بناء المجهول، والحقوق مرفوع، هذه هي الرواية المعتد بها، ويزعم
بعضهم ضم الدال ونصب الحقوق، والفعل مسند إلى الجماعة الذين خوطبوا به، والصحيح ما
قدمناه اهـ. والظاهر أنه أراد صحة الرواية، وإلا فقد تقدم صحة الدراية باعتبار الصيغة
التصريفية، ويؤيد كلام الشيخ ضبط الكلمة بفتح الدال في أصل السيد وسائر الأصول المعتمدة
والنسخ المصححة، ولعل وجهه أنه عومل معاملة الفعل الصحيح حيث يقال في المفرد
المجهول: ((ليضربن)) بفتح الموحدة، وقد غفل الطيبي عن هذا المبنى وذهب إلى رعاية المعنى
حيث قال: إن كان الرد لأجل الرواية فلا مقال، وإن كان بحسب الدراية فإن باب التغليب
واسع، فيكون قد غلب العقلاء على غيرهم وجعل قوله: ((حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة
القرناء)») غاية بحسب التغليب كما في قوله تعالى: ﴿جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام
أزواجاً يذرؤكم فيه﴾ [الشورى - ١١] فالضمير في يذرؤوكم راجع إلى الأناسى والأنعام على
التغليب اهـ، والمعنى يكثركم من الذرء، وهو البث، وقوله: فيه أي في هذا التدبير، وهو
جعل الناس والأنعام أزواجاً يكون بينهم توالد، فإنه كان كالمنبع للبث والتكثير. ذكره البيضاوي
وجعل في للظرفية المعنوية، وشبه التدبير بالمنبع، وفي الاتقان أن في بمعنى الباء أي بسببه،
وهو ظاهر جداً، وهذا إذا أربد بالجلحاء والقرناء الشاتان المعروفتان، وأما إذا أريد بالجلحاء
الفقير أو المظلوم، وبالقرناء الغني أو الظالم على ما قيل، فلا يحتاج إلى ارتكاب التغليب
والأمر قريب، ثم الجلحاء بجيم فلام فحاء مهملة، قال النووي: الجلحاء بالمد هي الجماء
التي لا قرن لها، والقرناء ضدها؛ وهذا تصريح. بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها كما يعاد
أهل التكليف من الآدميين والأطفال والمجانين، ومن لم تبلغه دعوة، وعلى هذا تظاهرت
دلائل القرآن والسنة، قال تعالى جل جلاله ولا إله غيره ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾ [التكوير -
٥] وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره مشرع، ولا عقل وجب حمله على
الحديث رقم ٥١٢٨: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٩٧/٤ الحديث رقم (٢٥٨٢/٦٠)، والترمذي في
السنن ٥٣٠/٤ الحديث رقم ٢٤٢٠، وأحمد في المسند ٤١١/٢.
./

٣١٦
كتاب الآداب/ باب الظلم
رواه مسلم.
٠٠١/٠
وذُكِرَ حديثُ جابرٍ: ((انَّقوا الظلم)). في ((باب الإِنفاق)).
الفصل الثاني
٥١٢٩ - (٧) عن حُذيفةَ، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لا تكونوا إِمَّعَةٌ،
ظاهره قالوا: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب، وأما
القصاص من القرناء للجلحاء فليس من قصاص التكليف، بل هو قصاص مقابلة اهـ. وفي كونه
قصاص مقابلة نظر لا يخفى من أن قصاص المقابلة نحن مكلفون به أيضاً، قال ابن الملك: أي
لو نطح شاة قرناء شاة جلحاء في الدنيا فإذا كان يوم القيامة يؤخذ القرن من القرناء ويعطي
الجلحاء حتى تقتص لنفسها من الشاة القرناء، فإن قيل: الشاة غير مكلفة فكيف يقتص منها
قلنا: إن الله تعالى فعال لما يريد ولا يسأل عما يفعل، والغرض منه إعلام العباد بأن الحقوق لا
تضيع بل يقتص حق المظلوم من الظالم اهـ، وهو وجه حسن وتوجيه مستحسن إلا أن التعبير
عن الحكمة بالغرض وقع في غير موضعه، وجملة الأمر أن القضية دالة بطريق المبالغة على
كمال العدالة بين كافة المكلفين، فإنه إذا كان هذا حال الحيوانات الخارجة عن التكليف فكيف
بذوي العقول من الوضيع والشريف والقوي والضعيف. (رواه مسلم). وفي الجامع بزيادة
((تنطحها)) رواه أحمد ومسلم والبخاري في الأدب والترمذي (وذكر حديث جابر: ((اتقوا
الظلم)))، تمامه، «فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم
حملهم على أن يسفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم)). (في باب الإنفاق) أي من كتاب الزكاة،
وهذا من المؤلف إن كان عن تكرار أسقطه فهو اعتذار حسن، وأما إن كان من باب تحويل
الحديث إلى باب أنسب منه فهو اعتراض لكن في غير المحل، فتأمل.
(الفصل الثاني)
٥١٢٩ - (عن حذيفة قال: قال رسول الله صلهو: ((لا تكونوا إمعة))) بكسر الهمزة وتشديد
الميم والهاء للمبالغة، وهمزته أصلية، ولا يستعمل ذلك في النساء، فلا يقال: ((امرأة إمعة))،
كذا في النهاية وقال صاحب الفائق: هو الذي يتابع كل ناعق ويقول لكل أحد: ((أنا معك)) لأنه
لا رأي له يرجع إليه، ووزنه فعلة كديمة، ولا يجوز الحكم عليه بزيادة الهمزة لأنه ليس في
الصفات أفعلة، وهي في الأسماء أيضاً قليلة، ومعناه المقلد الذي يجعل دينه تابعاً لدين غيره
بلا روية ولا تحصيل برهان اهـ، كلامه. وفيه إشعاراً بالنهي عن التقليد المجرد حتى في
الأخلاق فضلاً عن الاعتقادات والعبادات، الأظهر أن الكلمة غير موضوعة لصفة أو اسم، بل
الحديث رقم ٥١٢٩: أخرجه الترمذي في السنن ٣٢٠/٤ الحديث رقم ٢٠٠٧.
: ١٠٦٥٥٦٨٣
ـحمد۔

٣١٧
٠٫2
كتاب الآداب/ باب الظلم
تقولون: إِن أحسن الناس أحسنًا، وإِن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم إِن أحسنَ النَّاسُ
أن تُحسنوا، وإِن أساؤوا فلا تظلموا)). رواه الترمذي.
٥١٣٠ - (٨) وعن معاوية، أنَّه كتبَ إِلى عائشة [رضي الله عنها] أن اكتبي إِليَّ كتاباً
توصيني فيه ولا تكثري. فكتبتْ: سلامٌ عليكَ؛
موضوعة مركبة من الكلمتين المعبر عنهما ((بأنا معك))، ونظيرها البسملة والحيعلة)) ونحوهما.
وفي القاموس الأمع كهلع وهلعة ويفتحان الرجل يتابع كل واحد على رأيه لا يثبت على شيء،
ومتبع الناس إلى الطعام من غير أن يدعى، والمحقب الناس دينه والمتردد في غير صنعة، ومن
يقول: ((أنا مع الناس)) ولا يقال: ((امرأة إمعة))، أو قد يقال: وتأمع واستأمع صار إمعة. وقال
شارح: الأمع والأمعة عند أهل اللغة الرجل الذي يكون لضعف رأيه مع كل أحد، والمراد هنا
من يكون مع ما يوافق هواه ويلائم أرب نفسه وما يتمناه؛ وقيل: المراد هنا الذي يقول: ((أنا
أكون مع الناس كما يكونون معي إن خيراً فخير وإن شراً فشر)) قلت: وهذا المعنى هو المتعين
كما يدل عليه قوله: ((يقولون:))) الظاهر أن الأمعة يستوي فيه المفرد وغيره، أو المعنى أن
الموصوفين بهذا الوصف يقولون ((إن أحسن الناس))) أي إلينا أو إلى غيرنا («أحسنا))) أي جزاء
أو تبعاً لهم ((وإن ظلموا») أي ظلمونا أو ظلموا غيرنا فكذلك ((نحن ظلمنا))) على وفق
أعمالهم. قال الطيبي: قوله: يقولون الخ بيان وتفسير للأمعة لأن معنى قوله: ((إن أحسن الناس
وإن ظلموا أنا مقلد الناس في إحسانهم وظلمهم ومقتفي أثرهم))، ((ولكن وطنوا أنفسكم))) أمر
من التوطين، وهو العزم والجزم على الفعل أي عزموا أنفسكم على ((أن أحسن الناس أن
تحسنوا)) أي فعليكم أن تحسنوا ((وإن أساؤوا فلا تظلموا)))، قال في أساس البلاغة: أوطن
الأرض ووطنها واستوطنها، ومن المجاز وطنت نفسي على كذا فتوطنت. قال:
ولا خير فيمن لا يوطن نفسه
على نائبات الدهر حين تنوب
ومعنى الحديث، ((أوجبوا على أنفسكم الإحسان بأن تجعلوها وطناً للإحسان)). قال
الطيبي: فعلى هذا ((أن تحسنوا)) متعلق بقوله: ((وطنوا))، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ((أن
تحسنوا))، والتقدير: ((وطنوا أنفسكم على الإحسان إن أحسن الناس فأحسنوا وإن أساؤوا فلا
تظلموا»، لأن عدم الظلم إحسان. (رواه الترمذي).
٥١٣٠ - (وعن معاوية) أي ابن أبي سفيان صحابيان مشهوران ((أنه كتب إلى عائشة))) أي
أم المؤمنين ((أن اكتبي))) أن مصدرية أو مفسرة لما في الكتابة من معنى القول ((إلى))) أي
مرسلاً أو موصولاً حال أو متعلق بقوله: ((كتاباً توصيني فيه))) أي في ذلك الكتاب من كل باب
((ولا تكثري))) أي بالإطناب، بل أوجزي بكلام جامع يكون فصل الخطاب لأنها من أهل بيت
من أوتي جوامع الحكم وبدائع الكلم ((فكتبت: سلام عليك)))، واقتصرت على غنيمة السلامة
الحديث رقم ٥١٣٠: أخرجه الترمذي في السنن ٥٢٧/٤ الحديث رقم ٢٤١٤.
الے ہ

٣١٨
كتاب الآداب/ باب الظلم
أما بعد: فإني سمعتُ رسولَ الله وَّو يقول: ((من التَمَس رضى الله بسخط الناس كفاهُ اللَّهُ
مؤونة الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكلهُ الله إِلى الناس)) والسلام عليك.
رواه الترمذي.
الفصل الثالث
٥١٣١ - (٩) عن ابن مسعود، قال لما نزلت: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم
بظلم﴾. شقّ ذلك على أصحاب رسولِ الله وَ ﴿ وقالوا: يا رسول الله: أيُّنا لم يظلم نفسه
فقال رسول الله وَّر: ((ليس ذاك؛ إنما هو الشركُ،
خوف السآمة ((أما بعد))) أي بعد السلام، أو ما بعد ما سبق من الكلام («فإني سمعت رسول
الله ﴿﴿ يقول: من التمس رضا الله بسخط الناس))) أي من طلب رضاه في شيء يسخط الناس
عليه بسببه (((كفاه الله مؤنة الناس))) أي مؤنة شرهم من الظلم عليه والإساءة إليه (((ومن التمس
رضا الناس بسخط الله وكله الله))) بتخفيف الكاف أي خلاه وترك نصره ودفعه (إلى الناس) وهذا
وصية جامعة لجميع الناس قال المظهر يعني إذا عرض له أمر في فعله رضا الله وغضب الناس
أو عكسه فإن فعل الأوّل رضي الله عنه ودفع عنه شر الناس وإن فعل الثاني وكله إلى الناس
يعني سلط الناس عليه حتى يؤذوه ويظلموا عليه ولم يدفع عنه شرهم في النهاية وكلت أمري
إلى فلان أي ألجأته إليه واعتمدت فيه عليه (والسلام عليك) فالأوّل بمنزلة سلام الملاقاة والثاني
في مركبة الموادعة أو كأنها قالت السلام عليك أوّلاً وآخراً أو في الدنيا والآخرة وفي تكرار
السلام إشارة خفية إلى تأكيد طلب السلامة وترك ما يؤدي إلى الملامة (رواه الترمذي).
(الفصل الثالث)
٥١٣١ - (عن ابن مسعود قال لما نزلت) بالتأنيث لكون ما بعده من فاعله آية والتقدير لما
نزلت آية: (﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا﴾) بكسر الموحدة أي لم يخلطوا (﴿إيمانهم بظلم﴾(١))
تمامه (﴿أولئك لهم الأمن﴾) أي في الآخرة ﴿وهم مهتدون﴾ [الأنعام - ٨٢] أي في الدنيا (شق
ذلك) أي صعب ذلك الكلام أو الحكم (على أصحاب رسول الله وَلاّ) أي ظناً منهم أن المراد
بالظلم مطلق المعاصي كما يتبادر إلى الفهم لا سيما من التنكير الذي يفيد العموم (وقالوا يا
رسول الله أينا لم يظلم نفسه) أي ظلماً قاصراً أو متعدياً مع أن الثاني أيضاً يرجع إلى ظلم
النفس لقوله تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾ (فقال رسول الله صلفيه ليس
ذاك) أي ليس معناه كما فهمتم (إنما هو) أي الظلم (الشرك) ففي التنكير إشارة إلى أن المراد
الحديث رقم ٥١٣١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٤/٨ الحديث رقم ٤٦٢٩، وأخرجه مسلم في ١/
١١٤ الحديث رقم (١٩٧ - ١٢٤).
(١) سورة الأنعام، الآية: ٨٢.

٣١٩
/١٫١٢
كتاب الآداب/ باب الظلم
ألم تسمعوا قولَ لقمان لابنه: ﴿يا لقمان لا تشرك بالله إِن الشرك لظلم عظيم﴾؟. وفي
روايةٍ: ((ليس هو كما تظنّونَ، إِنما هو كما قال لقمان لابنه)). متفق عليه.
٥١٣٢ - (١٠) وعن أبي أمامةً، أنَّ رسولَ الله وَّرَ قال: ((مِنْ شرَّ الناسِ منزلة عندَ اللَّهِ
يومَ القيامةِ، عبدٌ أذهبَ آخرتَه بدُنيا غيره)). رواه ابن ماجه.
أي نوع من الكفر أو أريد به التعظيم أي بظلم عظيم كما يدل عليه قوله: (ألم تسمعوا قول
لقمان لابنه) أي وهو مؤمن (﴿يا بني﴾) بفتح الياء وكسرها (﴿لا تشرك بالله﴾) أي لا تخلط
الإشراك بالإيمان بالله وسائر ما يجب الإيمان به (﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾)(١) استئناف تعليل
أي فإنه يبطل الإيمان ويستأصله ولا يجتمع معه أصلاً فضلاً عن غيره من الأعمال قال تعالى:
﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ بخلاف سائر المعاصي فإنه لا ينافي الإيمان على مذهب
الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة خلافاً للخوارج والمعتزلة وسائر المبتدعة فالصحابة رضي
الله تعالى عنهم فهموا خلط المعصية بالإيمان لأن الشرك لا يتصوّر خلطه به فأجاب بأن خلطه
ممكن بأن يؤمن بالله ويشرك في عبادته غيره فيكون إيماناً لغوياً لا شرعياً إلا فالإيمان بالله إنما
يكون معتبراً إذا اشتمل على إثبات صفات الكمال له وتنزيهه عن نعوت النقص وإلا فيلزم أن
يكون جميع الكفار مؤمنين بالله حقيقة قال تعالى ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض
وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ ولكن الله تعالى لم يرض
بالإشراك الصوري أيضاً كما ورد في الحديث القدسي أنا أغنى الشركاء عن الشرك وإذا تأملت
ظهر لك أنه لا يتصوّر وجود الشرك الحقيقي بالله سبحانه إذ الممكن بجنب واجب الوجود
كالمعدوم (وفي رواية ليس هو) أي الأمر أو الظلم أو الحكم (كما تظنون إنما هو كما قال
لقمان لابنه) أي الخ قال الطيبي فهم من معنى اللبس أن المراد من الظلم المعصية لأن لفظ
اللبس يأبى أن يراد به الشرك فالمعنى لم يلخطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم كذا في الكشاف
وقول رسول الله لو ليس ذلك معناه ليس كما تعتقدون أن اللبس يقتضي الخلط ولا يتصوّر
خلط الشرك بالإيمان بل هو واقع لمن يؤمن بالله ويشرك في عبادته غيره وإليه الإشارة بقوله
تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ قال: الحسن هم أهل الكتاب معهم شرك
وإيمان به وقيل النفاق ليس الإيمان الظاهر بالكفر الباطن وفي الآية لشاهد على أن المراد بالظلم
فيها الشرك ومن أراد زيادة اطلاع عليه فلينظر في فتوح الغيب (متفق عليه).
٥١٣٢ - (وعن أبي أمامة) أي الباهلي (أن رسول الله وي لي قال: من شر الناس) وفي
الجامع بزيادة أن للتأكيد (منزلة) أي عند الله كما في نسخة (يوم القيامة) قيد به لظهور الأمر فيه
(عبد أذهب آخرته) أي ضيعها (بدنيا غيره رواه ابن ماجه) وكذا الطبراني.
(١) سورة لقمان، الآية: ١٣.
الحديث رقم ٥١٣٢: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٣١٢/٢ الحديث رقم ٣٩٦٦.

٣٢٠
كتاب الآداب/ باب الظلم
٥١٣٣ _ (١١) وعن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: «الدَّواوينُ ثلاثة ديوانٌ لا
يغفرُهُ اللَّهُ: الإشراكُ بالله. يقولُ الله عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يغفرُ أنْ يشرك به﴾، وديوانٌ لا
يتركه اللَّهُ: ظلمُ العباد فيما بينهم حتى يقتصَّ بعضُهم من بعض وديوان لا يعبأ الله به ظلم
العباد فيما بينَهم وبينَ اللَّه، فذاكَ إلى الله: إِنْ شاءَ عذَبه وإِن شاءَ تجاوزَ عنه)).
٢٠٠٠
١٫٠٠٠٠
٥١٣٤ - (١٢) وعن عليّ، قال: قال رسولُ الله ◌َّر: ((إياك ودعوةَ المظلوم، فإِنما
يسألُ اللَّهَ تعالى حقَّه، وإِنَّ اللَّهَ لا يمنعُ ذا حقِّ حقَّه)).
٥١٣٣ - (وعن عائشة قالت: قال رسول الله وَ *ور: الدواوين) أي صحائف الأعمال
(ثلاثة:) أي ثلاثة أنواع من الدواوين وفي المغرب الديوان الجريدة من دون الكتب إذا جمعها
لأنها قطع من القراطيس مجموعة (ديوان لا يغفر الله) أي لا يغفره ولا يعفو عنه البتة (الإشراك
بالله) والمراد منه الكفر بأنواعه (يقول الله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾)(١) أي بلا توبة أو لا
يغفر الإشراك به يوم القيامة (وديوان لا يتركه الله) أي بلا محاسبة ولا مطالبة لا محالة (ظلم
العباد فيما بينهم حتى يقص) متعلق بلا بتركه وفي نسخة صحيحة حتى يقتص (٢) (بعضهم من
بعض) أي بتفضل الله على بعضهم بإرضاء خصومهم فإنه بمنزلة الاقتصاص قائم مقام الدية في
الدنيا (وديوان لا يعبأ الله) بفتح الموحدة وضم الهمزة أي لا يبالي (به) ولا يرى موزناً من
العبء وهو الثقل (ظلم العبادة فيما بينهم وبين الله) وهذا يتعلق به حق الله أيضاً لأنه لا يوجد
حق عبد إلا ويتعلق به حق الله أيضاً فحقوق العباد مركبة من الجهتين والجهة المتعلقة بالعبد
مقدمة على الأخرى لفقر العبد واستغنائه سبحانه (فذاك) بالألف دون اللام في الأصول المعتمدة
والمراد به الإشارة إلى القريب من حق العبد (إلى الله) أي مفوّض إلى مشيئته (إن شاء عذبه) أي
بقدر ذنبه أو بأقل منه (وإن شاء تجاوز عنه) أي غفره مجاناً وبتقدير أنا هذا يندفع ما يرد فيه من
الإشكال حيث ظاهر الحديث من التقسيم قد ينافيه آية ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما
دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء - ٤٨] قال الطيبي وإنما قال في القرينة الأولى لا يغفر ليدل على
أن الشرك لا يغفر أصلاً في الثانية لا يترك فيؤذن بأن حق الغير لا يهمل قطعاً أما بأن يقتص من
خصمه أو يرضيه الله تعالى وفي الثالثة لا يعبأ ليشعر بأن حق الله تعالى على المساهلة فيترك
حقه كرماً ولطفاً .
٥١٣٤ - (وعن علي [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله وَلظاهر: ((إياك ودعوة المظلوم))) أي
ولو ذمياً (فإنما يسأل الله حقه) أي سؤال محاسبة ومطالبة (وإن الله لا يمنع ذا حق حقه) أي بل
يعطي كل ذي حق حقه فإن قوله: ((حق وعده صدق وفعله عدل ثم بعده فضل)).
الحديث رقم ٥١٣٣: أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٤٠، والبيهقي في شعب الإيمان ٥٢/٦ الحديث رقم
٧٤٧٣.
(١) سورة النساء، الآية: ٤٨.
(٢) وهي نسخة المتن.
الحديث رقم ٥١٣٤: أخرجه أحمد فى المسند ٢/ ٣٤٣، والبيهقي في شعب الإيمان ٤٩/٦ الحديث رقم ٧٤٦٤.
٠٥٫٠