النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
البين هي الحالقة)). رواه أبو داود، والترمذي وقال: هذا حديث صحيح.
٥٠٣٩ _ (١٣) وعن الزُّبيرِ، قال: قال رسول الله وَّهَ: ((دَبَّ إِليكم داءُ الأمم قبلَكم
الحسَدُ، والبغضاءُ هي الحالقةُ، لا أقولُ: تحلقُ الشَّعرَ،
كان الكلام السابق في قوّة صلاح ذات البين هي الخصلة الصادقة قال: ((وفساد ذات البين هي
الحالقة))) أي الماحية والمزيلة للمثوبات والخيرات، والمعنى يمنعه شؤم هذا الفعل عن تحصيل
الطاعات والعبادات، وقيل: المهلكة من حلق بعضهم بعضاً أي قتل مأخوذ من حلق الشعر،
وفي النهاية هي الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل
الموسى الشعر. وقيل: هي قطيعة الرحم والتظالم وقال الطيبي: فيه حث وترغيب في إصلاح
ذات البين واجتناب عن الإفساد فيها لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين
المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة
فوق ما يناله [الصائم] القائم المشتغل بخويصة نفسه، فعلى هذا ينبغي أن يحمل الصلاة
والصيام على الإطلاق والحالقة على ما يحتاج إليه أمر الدين. (رواه أبو داود والترمذي)؛ وكذا
الإمام أحمد (وقال:) أي الترمذي (هذا حديث صحيح). قال: ويروى عن النبي وَّ قال:
((هي الحالقة)) لا أقول: تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)) اهـ. وفي الباب أحاديث كثيرة منها ما
نقله ميرك عن المنذري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((ما عمل شيء أفضل من
الصلاة وإصلاح ذات البين)). رواه الأصبهاني. وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله
وَله: ((أفضل الصدقة إصلاح ذات البين)). رواه الطبراني والبزار وفي سنده عبد الرحمن بن زياد
بن أنعم وحديثه [هذا] حسن لحديث أبي داود والترمذي عن أبي الدرداء وعن أبي أيوب قال:
قال رسول الله وَّيقول: ((يا أبا أيوب ألا أدلك على صدقة يحب الله موضعها قلت: بلى يا رسول
الله بأبي أنت وأمي قال: تصلح بين الناس، فإنها صدقة يحب الله موضعها)). رواه الأصبهاني،
وفي رواية له والطبراني أيضاً ((ألا أدلك على صدقة يحبها الله ورسوله تصلح بين الناس إذا
تغاضبوا وتفاسدوا)). وفي رواية للطبراني والبزار ((ألا أدلك على عمل يرضاه الله ورسوله قال:
من أصلح بين الناس أصلح الله أمره وأعطاه بكل كلمة تكلم بها عتق رقبة ورجع مغفوراً له ما
تقدم من ذنبه)). رواه الأصبهاني، وهو حديث غريب جداً.
٥٠٣٩ - (وعن الزبير) أي ابن العوّام أحد العشرة المبشرة (قال: قال رسول الله وَلته :
(دب))) بفتح الدال المهملة وتشديد الموحدة أي نقل وسرى ومشى بخفية ((إليكم داء الأمم
قبلكم الحسد))) [أي في الباطن ((والبغضاء))) أي العداوة في الظاهر، ورفعهما على أنهما بيان
للداء أو بدل، وسميا داء لأنهما داء القلب ((هي))) أي البغضاء، وهو أقرب مبنى ومعنى أو كل
واحدة منهما ((الحالقة))) أي القاطعة للمحبة والإلفة والصلة والجمعية، والخصلة الأولى هي
المؤدية إلى الثانية، ولذا قدمت ((لا أقول: تحلق الشعر))) أي تقطع ظاهر البدن فإنه أمر سهل
الحديث رقم ٥٠٣٩: أخرجه الترمذي في السنن ٥٧٣/٤ الحديث رقم ٢٥١٠، وأحمد في المسند ١٦٧/١.

٢٤٢
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
ولكنْ تحلقَ الدينَ)) رواه أحمد، والترمذي.
٥٠٤٠ _ (١٤) وعن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّر، قال: ((إِيَّاكم والحسد؛ فإنَّ الحسدَ
يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ))
((ولكن تحلق الدين») وضرره عظيم في الدنيا والآخرة. قال الطيبي: أي البغضاء تذهب بالدين
كالموسى تذهب بالشعر، وضمير المؤنث راجع إلى البغضاء كقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون
الذهب والفضة ولا ينفقونها﴾ [التوبة - ٣٤] وقوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وأنها
الكبيرة﴾ [البقرة - ٤٥] أي في بعض أقوال المفسرين في كل منهما. قال: ولأن البغضاء أكثر
تأثيراً في ثلمة الدين وإن كانت نتيجة الحسد أي في بعض أفرادها. (رواه أحمد والترمذي).
وقال المنذري: رواه أحمد والبزار بإسناد صحيح جيد، والبيهقي وغيرهما نقله ميرك. وفي
الجامع الصغير رواه أحمد والترمذي والضياء عن الزبير بن العوّام ولفظه: ((دب إليكم داء الأمم
قبلكم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشعر والذي نفس محمد
بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه
وتحاببتم، افشوا السلام بينكم))(١).
٥٠٤٠ - (وعن أبي هريرة عن النبي وَّر قال: ((إياكم والحسد)))] أي في مال أو جاه
دنيوي فإنه مذموم بخلاف الغبطة في الأمر الأخروي ((فإن الحسد))) أي باعتبار ما ينتج في حق
المحسود من ارتكاب السيئات ((يأكل الحسنات))) أي يفني ويذهب طاعات الحاسد ((كما تأكل
النار الحطب») لأن الحسد يفضي بصاحبه إلى اغتياب المحسود ونحوه، فيذهب حسناته في
عرض ذلك المحسود فيزيد المحسود نعمة على نعمة، والحاسد حسرة على حسرة، فهو كما
قال تعالى: ﴿خسر الدنيا والآخرة﴾ [الحج - ١١] قال القاضي: تمسك به من يرى إحباط
الطاعات بالمعاصي كالمعتزلة وأجيب عنه بأن المعنى أن الحسد يذهب حسنات الحاسد ويتلفه
عليه بأن يحمله على أن يفعل بالمحسود من إتلاف مال وهتك عرض وقصد نفس ما يقتضي
صرف تلك الحسنات بأسرها في عرضه. كما روي في صحاح باب الظلم عن أبي هريرة أنه
وَالر قال: ((إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وقيام، ويأتي قد شتم
هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من
حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في
النار لإحباط الطاعات بالمعاصي وإلا لم يكن يبقى لهذا الآتي المتعاطي لتلك الكبائر حسنة
يقضي بها حتى خصمه))(٢)، اهـ. كلامه. وهذا أحد الوجهين مما ذكره التوربشتي، والوجه
الآخر له إن يقال: إن التضعيف في الحسنات يوجد على حسب استعداد العبد وصلاحه [في
(١) الجامع الصغير ٢٥٤/٢ الحديث رقم ٤١٧٠.
الحديث رقم ٥٠٤٠: أخرجه أبو داود في السنن ٢٠٨/٥ الحديث رقم ٤٩٠٣.
(٢) وهو الحديث رقم (٥١٢٧).

٢٤٣
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
رواه أبو داود.
٥٠٤١ _ (١٥) وعنه، عن النبيِّ وَّ، قال: ((إِياكم وسوءَ ذاتِ البَينِ؛ فإنَّها الحالقةُ)).
رواه الترمذي.
دينه]، فمهما كان مرتكباً للخطايا نقص من ثواب عمله فيما يتعلق بالتضعيف ما يوازي انحطاطه
في المرتبة بما اجترحه من الخطايا مثل أن يقدر أن ذا رهق عمل حسنة فأثيب عليها عشراً ولو لم
يكن رهقه لأثيب أضعاف ذلك؛ فهذا الذي نقص من التضعيف بسبب ما ارتكبه من الذنب هو
المراد من الإحباط. وقال الطيبي ما خلاصته: ((إن الحسنات لا تقبل بواسطة الحسد لأنها تحبط
به))، قلت: المعنيان متقاربان مع أن الأحاديث الواردة في نفي القبول محمولة على نفي الكمال،
وكذا قوله تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ [المائدة - ٢٧] عند أهل السنة. فقوله: إن تلك
الحسنات الصادرة عنده مردوده عليه وليست بثابتة في ديوان أعماله الصالحة حتى تحبط كمن
صلى في دار مغصوبة. أنت تعلم أن العبادة الصحيحة في الشريعة لا يصح أن يقال فيها: إنها
ليست ثابتة في ديوان الأعمال، بل أظن أنه خلاف الإجماع. هذا وظاهر التشبيه أنه يذهب بالشيء
الموجود لا المعدوم [ولا] المفقود، وقد ورد عن معاوية بن حيدة مرفوعاً على ما رواه الديلمي
في الفردوس ((الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل))، فهذا الحديث صريح في المعنى
الذي قلنا من أنه يفسد ويبطل كمال الإيمان وسائر الحسنات لا أنه يذهبها بالمرة ويفنيها، فتأويل
الحديث يتم بتقدير المضاف، وكذا يوافقه التشبيه من حيث إن النار تأخذ نور الحطب وتخلي
أصله الذي هو الرماد، فلا يعارض الحديث حينئذ قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾
[هود - ١١٤] وقد سنح بالبال والله أعلم بالحال أنه يحتمل أن يكون معنى الحديث ((إن الحسد
يأكل حسنات المحسود إلى صاحب الحسد)»، بمعنى أنها لا تؤثر فيه ولا تغيره ولا يوجد لها قدر
عنده كما تأكل النار الحطب، ففيه تنبيه نبيه على أن الإحسان إلى الحاسد غير نافع، وأن التقرب
التردد إليه ضائع، وأن الحسد أقوى من كل عداوة لقوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي
بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾ [فصلت - ٣٤] وأنشد:
كل العداوة قد يرجى إزالتها
إلا عداوة من عاداك من حسد
(رواه أبو داود)، أي من طريق إبراهيم بن أسيد عن جده عن أبي هريرة، وجد إبراهيم لم
يسم، وذكر البخاري إبراهيم هذا في التاريخ الكبير وذكر له هذا الحديث وقال: لا يصح. كذا
ذكره الشيخ الجزري، وقال ميرك: لكن له شاهد من حديث أنس مرفوعاً ((الحسد يأكل
الحسنات كما تأكل النار الحطب)). رواه ابن ماجه(١) والبيهقي.
٥٠٤١ - (وعنه عن النبي ◌َّر إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة رواه الترمذي)(٢).
(١) أخرجه ابن ماجه في السنن ١٤٠٨/٢ الحديث رقم ٤٢١٠.
الحديث رقم ٥٠٤١: أخرجه الترمذي في السنن ٥٧٢/٤ الحديث رقم ٢٥٠٨.
(٢) هذا الحديث ناقص من المخطوطة والمطبوعة إلا أنه مثبت في ((مشكاة المصابيح)) ١٤٠١/٣ الحديث =

٢٤٤
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
٥٠٤٢ _ (١٦) وعن أبي صِرمةَ، أنَّ النبيَّ وَّهِ: ((مَنْ ضارّ ضارَّ اللَّهُ به ومَن شاقَّ شاق
اللَّهُ عليه)). رواه ابنُ ماجه، والترمذي وقال: هذا حديث غريب.
٥٠٤٣ _ (١٧) وعن أبي بكرِ الصديقِ [رضي الله عنه]، قال: قال رسول الله وَله:
٥٠٤٢ - (وعن أبي صرمة) بكسر الصاد وسكون الراء المهملتين قال المؤلف: هو مالك
ابن قيس المازني شهد [بدراً وآما بعدها من المشاهد (أن النبي وس فير قال: ((من ضار))) أي مؤمناً
كما في الرواية الآتية بأن أوصل الضرر إليه ابتداء ((ضار الله به))) أي جازاه بعمله وعامله
معاملته، ففيه نوع من المشاكلة والمقابلة ((ومن شاق))) أي خالفه وعاداه ((شاق الله عليه))) أي
عاقبه، قال تعالى: ﴿ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾ [الحشر - ٤] وفي وضع المؤمن
موضع ذاته اغتناه بعلو درجاته كما قال عزَّ وجلّ في آية أخرى ﴿ومن يشاقق الله ورسوله﴾
[الأنفال - ١٣] وفي أخرى ﴿ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل
المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم﴾ [النساء - ١١٥] والمشاقة بين المتنازعين أن أحدهما يأخذ
بشق دون شق الآخر أو يبعد عنه في شق أو يريد كل منهما مشقة الآخر، فهو إما مأخوذ من
الشق بالكسر، وهو المشقة ومنه قوله تعالى: ﴿إلا بشق الأنفس﴾ [النحل - ٧] أو من الشق
بمعنى نصف الشيء، ومنه ما ورد ((اتقوا النار ولو بشق تمرة))(١)، فكأن المتنازعين بعد أن كانا
مجتمعين صارا نصفين، أو من الشق بالفتح الفصل في الشيء وهو الفرق. قيل: إن الضرر
والمشقة متقاربان لكن الضرر يستعمل في إتلاف المال، والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن
كتكليف عمل شاق اهـ. والأظهر أن الضرر يشمل البدني والمالي والدنيوي والأخروي، وأما
المشاقة فهي المخالفة التي تؤدي إلى المنازعة والمحاربة وأمثال ذلك. هذا وفي جامع الأصول
المضارة المضرة، والمشقة النزاع، فمن أضر غيره تعدياً أو شاقه ظلماً بغير حق فإن الله يجازيه
على فعله بمثله اهـ. وحاصله أن معناهما واحد، والثاني تأكيد، وما قدمناه أولى لأنه يفيد
التأسيس والتقييد، وأما قول الطيبي: ويجوز أن يحمل على المشقة أيضاً بأن كلف صاحبه فوق
طاقته فيقع في التعب والمشقة فداخل أيضاً في المضرة. (رواه ابن ماجه والترمذي وقال: وهذا
حديث غريب). وفي التصحيح رواه ابن ماجه والترمذي وأبو داود والنسائي أيضاً. وقال
الترمذي: حديث حسن غريب، ذكره ميرك. وفي الجامع الصغير بلفظ: ((من ضار ضر الله به
ومن شاق شق الله عليه))(٢). رواه أحمد والأربعة عن أبي صرمة.
٥٠٤٣ - (وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله يختليفون:
= رقم ٥٠٤١، وفي هامش مرقاة المفاتيح ٧٢٣/٤، وفي ((مصابيح السنة)) ٣٨٧/٣ الحديث رقم
٣٩١٩.
الحديث رقم ٥٠٤٢: أخرجه أبو داود في السنن ٤٩/٤ الحديث رقم ٣٦٣٥، والترمذي في السنن ٢٩٣/٤
الحديث رقم ١٩٤٠، وابن ماجه في ٢/ ٧٨٥ الحديث رقم ٢٣٤٢، وأحمد في المسند ٤٥٣/٣.
(٢) الجامع الصغير ٥٣٣/٢ الحديث رقم ٨٨٢٤.
(١). متفق عليه.
الحديث رقم ٥٠٤٣: أخرجه الترمذي في السنن ٢٩٣/٤ الحديث رقم ١٩٤١.

٢٤٥
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
((ملعونٌ منْ ضارَّ مؤمناً أو مكرَ بهِ)). رواه الترمذيّ وقال: هذا حديثٌ غريب.
٥٠٤٤ _ (١٨) وعن ابن عمّرَ، قال: صعِدَ رسولُ اللهِ وَ لَيهِ المنبرَ، فنادى بصوتٍ رفيع
فقال: ((يا معشرَ منْ أسلمَ بلسانِه ولم يُفضِ الإيمانُ إِلى قلبِه! لا تُؤْذوا المسلمين ولا
تُعيِّروهُم، ولا تتّبعوا عَوراتهم؛ فإِنَّه مَن يتّبع عَورةَ أخيهِ المسلمِ يتَّبعِ اللَّهُ عَورتَه، ومَنْ يتّبعِ
اللهُ عورته یفضخه ولو في جوفٍ رَخله)).
((ملعون)) أي مبعود، عن الخير ((من ضار مؤمناً)) أي ضرراً ظاهراً أو مكر به أي بإيصال
الضرر إليه خفية. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب). قال صاحب التصحيح: وفي سنده
أبو سلمة الكندي لا يعرف عن فرقد السنجي، وثقه ابن معين وضعفه غيره، ذكره ميرك.
٥٠٤٤ _ (وعن ابن عمر قال: ((صعد))) بكسر العين أي طلع ((رسول الله وَلقر المنبر فنادى
بصوت رفيع)) أي عال ((فقال:))) بيان لقوله فنادى ((يا معشر من أسلم بلسانه))) يشترك فيه
المؤمن والمنافق ((ولم يفض))) من الإفضاء أي لم يصل الإيمان أي أصله وكماله ((إلى قلبه)))،
فيشمل الفاسق، وهو الأظهر لما سيأتي من قوله: ((تتبع عورة أخيه))، ((ولا أخوّة بين المنافق
والمسلم))، فما اختاره الطيبي من حصر حكم الحديث على المنافق خلاف الظاهر الموافق،
والحكم بالأعم هو الوجه الإثم والله أعلم. ((ولا تؤذوا المسلمين))) أي الكاملين في الإسلام،
وهم الذين أسلموا بلسانهم وآمنوا بقلوبهم ((ولا تعيروهم))) من التعبير، وهو التوبيخ والتعييب
على ذنب سبق لهم من قديم العهد سواء علم توبتهم منه أم لا، وأما التعيير في حال المباشرة
أو بعيده قبل ظهور التوبة، فواجب لمن قدر عليه، وربما يجب الحسد أو التعزير، فهو من
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (((ولا تتبعوا))) من باب الافتعال أي لا تجسسوا
((عوراتهم))) فيما تجهلونها ولا تكشفوها فيما تعرفونها (١) ((فإنه))) أي الشأن ((من يتبع)))
بتشديد التاء مجزوماً وقيل: مرفوعاً، وفي بعض النسخ المقروء على المشايخ ضبط بصيغة
الماضي المعلوم من باب التفعل [هنا وفيما بعد من الموضعين أي من يطلب ((عورة أخيه))) أي
ظهور عيب أخيه ((المسلم))) أي الكامل بخلاف الفاسق، فإنه يجب الحذر والتحذير عنه]
(يتبع الله، عورته))). ذكره على سبيل المشاكلة أي يكشف عيوبه، ومن أقبحها تتبع عورة الأخ
المسلم وهذا في الآخرة ((ومن تتبع الله عورته يفضحه))) من فضح كمنع أي يكشف مساويه
((ولو في جوف رحله))) أي ولو كان في وسط منزله مخفياً من الناس. قال تعالى: ﴿إن الذين
يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا
تعلمون﴾ [النور - ١٩] قال الغزالي: التجسس والتتبع ثمرة سوء الظن بالمسلم، والقلب لا يقنع
بالظن ويطلب التحقيق، فيؤدي إلى هتك الستر وحد الاستتار أن يغلق باب داره ويستتر
الحديث رقم ٥٠٤٤: أخرجه أبو داود في السنن ١٩٤/٥ الحديث رقم ٤٨٨٠، والترمذي في السنن ٤/
٣٣١ الحديث رقم ٢٠٣٢، وأحمد في المسند ٤٢١/٤.
(١) في المخطوطة ((تعرفوها)).

٢٤٦
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
رواه الترمذي.
٥٠٤٥ _ (١٩) وعن سعيدٍ بن زيدٍ، عن النبيِّ وَّر، [٣٧٧ - ب -] قال: ((إِنَّ من أزْبى
الرِّبا الاستطالةُ في عرضِ المسلمِ
بحيطانه، فلا يجوز استراق السمع على داره ليسمع صوت الأوتار ولا الدخول عليه لرؤية
المعصية إلا أن يظهر بحيث يعرفه من هو خارج الدار كأصوات المزامير والسكارى بالكلمات
المألوفة بينهم، وكذلك إذا ستروا أواني الخمر وظروفها وآلات الملاهي في الكم وتحت
الذيل، فإذا رأى ذلك لم يجز أن يكشف عنه وكذلك لا يجوز أن يستنشق ليدرك رائحة الخمر
ولا أن يستخبر من جيرانه ليخبروه بما يجري في داره، وأنشد في معناه شعر:
فيهتك الله ستراً عن مساويكا
لا تلتمس من مساوي الناس ما ستروا
ولا تعب أحداً منهم بما فيكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا
وفي قوله: ((ولم يفض الإيمان إلى قلبه)) إشارة إلى أنه ما لم يصل الإيمان إلى القلب لم
يحصل له المعرفة بالله ولم يؤد حقوقه، فإذا علاج جميع أمراض القلب المعرفة بالله تعالى
لتؤدي إلى أداء حقوق الله وحقوق المسلمين، فلا يؤذي ولا يضر ولا يعير ولا يتجسس
أحوالهم. اهـ، كلام الإمام وحصل تمام المرام. (رواه الترمذي)، وقال: حسن غريب، نقله
ميرك.
٥٠٤٥ _ (وعن سعيد بن زيد)، قال المؤلف: عدوي أحد العشرة المبشرة بالجنة أسلم
قديماً، وكانت فاطمة أخت عمر تحته وبسببها كان إسلام عمر، مات بالعقيق فحمل إلى المدينة
ودفن بالبقيع. روى عنه جماعة. (عن النبي ◌َلي﴾ [قال]: ((إن من أربى الربا))) أي من أكثر
أنواعها وبالاً وأزيد آثام أفرادها مآلا ((الاستطالة))) أي إطالة اللسان ((في عرض المسلم»)،
وأصل التطاول استحقار الناس والترفع عليهم، وأصل الربا الزيادة والكثرة لغة، وأما شرعاً فهو
معروف بأنواعه المحرمة في كتب الفقه وإنما يكون هذا أشدها تحريماً لأن العرض عند أرباب
الكمال أعز على النفس من المال. وأنشد:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه
لأبارك الله بعد العرض في المال
وإنما عبر عنه بلفظ الربا لأن المتعدي يضع عرضه ثم يستزيد عليه، فكأنه قال: أزيد
الزيادات التي تتجاوز عن الحد الاستطالة في عرض المسلم الذي هو أقوى من ماله. وقال
الطيبي: أدخل العرض في جنس المال على سبيل المبالغة وجعل الربا نوعين، متعارف وهو ما
يؤخذ من الزيادة على ماله من المديون، وغير متعارف وهو استطالة الرجل اللسان في عرض
أخيه، ثم فضل أحد النوعين على الآخر وقال القاضي: الاستطالة في عرض المسلم أن يتناول
الحديث رقم ٥٠٤٥: أخرجه أبو داود في السنن ١٩٣/٥ الحديث رقم ٤٨٧٦، وأحمد في المسند ١/
١٩٠، والبيهقي في شعب الإيمان ٣٩٥/٤ الحديث رقم ٥٥٢١ أخرجه عن أبي هريرة وعن أنس.

٢٤٧
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
بغيرِ حقٌّ)). رواه أبو داود، والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
٥٠٤٦ - (٢٠) وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ الله ◌ِّرِ: ((لما عرجَ بي ربِّي مررتُ بقومٍ
لهم أظفارٌ من نحاسٍ يخمشونَ وجوهَهم وصدورهم، فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال:
هؤلاءِ الذينَ يأكلونَ لُحومَ الناسِ ويقَعونَ في أعراضهم)). رواه أبو داود.
٥٠٤٧ _ (٢١) وعن المستوردِ، عن النبيِّ ◌َّ، قال: ((مَن أكلَ برجُلٍ مسلم أُكْلةً؛
فإِنَّ اللَّهَ يُطعِمُه مثلَها منْ جهنّمَ،
منه أكثر مما يستحقه على ما قيل له أو أكثر مما رخصوا له، فيه، ولذلك مثله بالربا وعده من
عداده، ثم فضله على سائر أفراده لأنه أكثر مضرة وأشد فساداً، فإن العرض شرعاً وعقلاً أعز
على النفس من المال وأعظم منه خطراً، ولذلك أوجب الشارع بالمجاهرة بهتك الأعراض ما
لم يوجب بنهب الأموال اهـ ويعني به أن هتك بعض الأعراض يوجب الرجم، ونهب المال
فقط لم يوجب القتل. قال التوربشتي: وقوله: ((بغير حق)))، فيه تنبيه على أن العرض ربما
تجوز استباحته في بعض الأحوال وذلك مثل قوله وَ ل# ليّ ((الواجد يحل عرضه، فيجوز
لصاحب الحق أن يقول فيه: إنه ظالم وأنه متعد)) ونحو ذلك، ومثله الكلام في جرح الشاهد
ونحو ذلك أي من ذكر مساوىء الخاطب والمبتدعة والفسقة على قصد التحذير. (رواه أبو داود
والبيهقي في شعب الإيمان)، وكذا الإمام أحمد في مسنده.
٥٠٤٦ - (وعن أنس قال: قال رسول الله ويلي: ((لما عرج بي))) أي أسري بي («مررت
بأقوام لهم أظفار من نحاس يخمشون))) بكسر الميم أي يخدشون ((وجوههم وصدورهم»)،
ففي المصباح خمشت المرأة كضرب وجهها بظفر جرحت ظاهر البشرة ((فقلت: من هؤلاء يا
جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس))) أي يغتابون المسلمين ((ويقعون في
أعراضهم))). قال الطيبي: لما كان خمّش الوجه والصدر من صفات النساء النائحات جعلهما
جزاء من يغتاب ويفري في أعراض المسلمين إشعاراً بأنهما ليستا من صفات الرجال، بل هما
من صفات النساء في أقبح حالة وأشوه صورة. (رواه أبو داود)، وهو حديث حسن سكت عليه
هو والمنذري، وقد روي عن سعيد بن جبير مرسلاً. ذكره ميرك، وفي الجامع الصغير رواه
أحمد وأبو داود والضياء عن أنس.
٥٠٤٧ _ (وعن المستورد) أي ابن شداد يقال: إنه كان غلاماً يوم قبض النبي وَّر ولكنه
سمع منه وروى عنه جماعة، (عن النبي ◌َّ قال: ((من أكل برجل مسلم))) أي بسبب غيبته أو
قذفه أو وقوعه في عرضه أو بتعرضه له بالأذية عند من يعاديه ((أكلة))) بالضم أي لقمة، وفي
نسخة بالفتح أي مرة من الأكل («فإن الله [تعالى] يطعمه مثلها))) أي قليلاً أو كثيراً ((من جهنم)))
الحديث رقم ٥٠٤٦: أخرجه أبو داود في السنن ١٩٤/٥ الحديث رقم ٤٨٧٨، وأحمد في المسند ٢٢٤/٣.
الحدیث رقم ٥٠٤٧: أخرجه أبو داود في السنن ٥/ ١٩٥ الحديث رقم ٤٨٨١، وأحمد فى المسند ٢٢٩/٤.

٢٤٨
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
ومَن كَسا ثوباً برجُلٍ مسلم؛ فإنَّ اللَّهَ يكسوه مثله من جهنمَ، ومنْ قامَ برجلٍ مقامَ سمُعةٍ
ورِياءِ؛ فإِنَّ اللَّهَ يقومُ له مقامَ سمعَةٍ ورياءِ يومَ القيامةِ)). رواه أبو داود.
٥٠٤٨ - (٢٢) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((حسنُ الظنّ من حسْنِ
أي من نارها أو من عذابها ((ومن كسا») بصيغة الفاعل أي ألبس شخصاً («ثوباً برجل مسلم)))
أي بسبب إهانته، وفي نسخة بصيغة المفعول وهو المناسب للقرينة السابقة، وقيل: معنى الأوّل
كسا نفسه ثوباً، ومعنى الثاني، اكتسى ثوباً فصار مآلهما واحد، أو في النهاية معناه الرجل يكون
صديقاً ثم يذهب إلى عدوّه فيتكلم فيه بغير الجميل ليجيزه عليه بجائزة فلا يبارك الله له فيها.
قال الطيبي: فعلى هذا، فالباء في برجل للسببية، والجائزة عامة في المطعوم والملبوس، وعليه
كلام أكثر الشارحين ((فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل))) الباء للتعدية، والمراد
بالرجل نفسه أو غيره («مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم))) أي منتصراً ومنتقماً ((له))) أي لأجل
إفضاح القائم به ((مقام سمعة ورياء يوم القيامة)))، وهو كناية عن إفضاحه إياه الناشىء عن مقت
الله. وقد جاء في رواية الطبراني عن عبد الله الخزاعي مرفوعاً ((من قام مقام رياء وسمعة فإنه في
مقت الله حتى يجلس)). قال التوربشتي: أي من قام ينسبه إلى ذلك ويشهره به فيما بين الناس
فضحه الله وشهره بذلك على رؤوس الإشهاد يوم القيامة وعذبه عذاب المرائين. وقال المظهر:
الباء في برجل يحتمل أن تكون للتعدية وللسببية، فإن كانت للتعدية يكون معناه ((من أقام رجلاً
مقام سمعة ورياء)) يعني من أظهر رجلاً بالصلاح والتقوى ليعتقد الناس فيه اعتقاداً حسناً ويعزونه
ويخدمونه ويجعله حبالاً ومصيدة كما يرى في زماننا لينال بسببه المال والجاه، فإن الله تعالى
يقوم له مقام سمعة ورياء بأن يأمر ملائكته بأن يفعلوا معه مثل فعله، ويظهروا أنه كذاب، وإن
كانت للسببية فمعناه إن من قام وأظهر من نفسه الصلاح والتقوى لأجل أن يعتقد فيه رجل
عظيم القدر كثير المال ليحصل له مال وجاه كما يقول الناس في العرف: هذا زاهد الأمير، قال
الطيبي: ومعنى الكناية عن التهديد في قوله: ((فإن الله يقوم له)) كما في قوله تعالى: ﴿سنفرغ
إليكم أيها الثقلان﴾ [الرحمن - ٣١]. الكشاف: سنفرغ مستعار من قول الرجل لمن يهدده
سأفرغ لك أي سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه حتى لا يكون لي شغل سواه،
والمراد التوفر على الكتابة فيه والانتقام منه، وقال الأشرف: معنى السببية لا يستقيم في قوله:
((ومن كسا ثوباً برجل مسلم))، فالباء فيه صلة قلت: وهذا لا يستقيم أيضاً إذ يصير التقدير ((ومن
كسا ثوباً رجلاً مسلماً وهو فاسد)»، المعنى، فالوجه ما قدمناه كما لا يخفى، ثم رأيت الطيبي
قال: ولعله أراد أن كسا متعد إلى مفعولين وليس هنا إلا مفعول واحد، فيجب أن يكون برجل
ثاني مفعوليه، وفيه نظر لما يؤدي إلى فساد المعنى كما لا يخفى، فالواجب أن يقدر ((من كسا
نفسه ثوباً برجل) (رواه أبو داود).
٥٠٤٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَج: ((حسن الظن))) أي بالله ((من حسن
الحديث رقم ٥٠٤٨: أخرجه أبو داود في السنن ٢٦٦/٥ الحديث رقم ٤٩٩٣، وأحمد في المسند ٠٤٠٧/٢

٢٤٩
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
العبادة)). رواه أحمد، وأبو داود.
٥٠٤٩ _ (٢٣) وعن عائشةَ، قالت: اعتلَّ بعيرٌ لصفيَّةً وعند زينبَ فضلَ ظهرٍ، فقال
رسولُ اللهِ وَل﴿ لزينبَ: ((أعطِيها بعيراً). فقالت: أنا أُعطي تلك
العبادة))) أي الله، والمعنى أن حسن الظن به تعالى من جملة العبادات الحسنة، فلا ينبغي أن
تظن ما يظنه العامة من أن حسن الظن هو أن تترك العمل وتعتمد على الله وتقول: إنه كريم
غفور رحيم، ويمكن أن يكون المعنى بعض حسن العبادة حسن الظن، وقدم الخبر اهتماماً،
فإن السالك إذا حسن الظن بالله على سبيل الرجاء حسن العبادة في الخلا والملا، فيستحسن
مأموله ويرجى قبوله. قال الله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله
أولئك يرجون رحمة الله﴾ [البقرة - ٢١٨] وأما من يترك العبادة ويدعي حسن الظن بالمعبود فهو
مغرور ومخدوع ومردو، ومثلهما الغزالي بمن زرع ومن لم يزرع راجيين للحصاد، ولا شك أن
الثاني ظاهر الفساد والله رؤوف بالعباد. قال المظهر: يعني اعتقاد الخير والصلاح في حق
المسلمين عبادة. قال الطيبي: فعلى هذا من للتبعيض أي من جملة عبادة الله، والإخلاص فيها
حسن المعاشرة مع عباده، ويجوز أن تكون للابتداء أي حسن الظن بعباد الله [تعالى]، ناشىء
من حسن عبادة الله وينصره قوله: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)»، اهـ، فإن
قلت: قد ورد احترسوا من الناس بسوء الظن على ما رواه ابن عدي والطبراني في الأوسط عن
أنس مرفوعاً قلت: التقدير من بعضهم، ولذا قال تعالى: ﴿اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض
الظن إثم﴾ [الحجرات - ١٢] أو يقال: يحترس منهم بسوء الظن في الباطن على ما أشار إليه
وَالر [بقوله]: أخبره نقله على ما رواه جماعة عن أبي الدرداء، ودل عليه ما ورد في حديث
[ثابت من] أن الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة أو يعاملهم في الظاهر بحسن الظن بناء على
الأمر المبهم والله أعلم. (رواه أحمد وأبو داود)، وكذا الحاكم في مستدركه(١).
٥٠٤٩ _ (وعن عائشة قالت: ((اعتل))) بتشديد اللام أي مرض ((بعير لصفية)))، المراد بها
هنا بنت حيي بن أخطب من بني إسرائيل سبط هارون، كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، فقتل
يوم خيبر في محرم سنة سبع ووقعت في السبي، فاصطفاها رسول الله وَّل، فأسلمت وأعتقها
وتزوّجها، وماتت سنة خمسين ودفنت بالبقيع، وروى عنها أنس وابن عمر وغيرهما. ((وعند
زينب فضل ظهر))) أي مركب فاضل عن حاجتها، وهي أم المؤمنين أيضاً بنت حجش، وأمها
أمية بنت عبد المطلب عمة النبي ( 98، وكانت تحت زيد بن حارثة مولى رسول الله وَالتوله
فطلقها ثم تزوّجها النبي 9َّ سنة خمس، مناقبها جمة، روت عنها عائشة وأم حبيبة وغيرهما.
(فقال رسول الله وَله لزينب: ((أعطيها))) أي صفية ((بعيراً، فقالت: أنا أعطي))) بتقدير الاستفهام
الإنكاري، ولعل حذف المفعول لإفادة العموم، مبالغة في النفي أي أنا ما أعطي شيئاً («تلك
(١) الحاكم في المستدرك ٢٥٦/٤.
الحديث رقم ٥٠٤٩: أخرجه أبو داود في السنن ٨/٥ الحديث رقم ٤٦٠٢، وأحمد في المسند ٢٦١/٦.
اعدادـ
....

٢٥٠
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع وأتباع العورات
اليهوديَّةَ؟! فغضبَ رسولُ الله ◌َّهِ، فهجرها ذا الحجة والمحرمَ وبعضَ صفر. رواه أبو داود.
وذُكر حديثُ معاذ بن أنسٍ: ((مَنْ حَمی مؤمناً)) في ((باب الشفقة والرحمة)).
الفصل الثالث
٥٠٥٠ _ (٢٤) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَر: ((رأى عيسى ابنُ مريمَ
رجلاً يسرقُ، فقال له عيسى: سرقتَ؟ قال: كلا، والذي لا إِلهَ إِلا هوَ. فقال عيسى:
آمنتُ باللهِ وكذَّبتُ نفْسي)). رواه مسلم.
٥٠٥١ _ (٢٥) وعن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: (كادَ الفقرُ أنْ يكونَ كفراً،
اليهودية))) أي باعتبار ما كانت، وإنما حملها على هذا القول الغيرة المنضمة إلى كونها من أكابر
قريش، لكنها خالفت من حيث المخالفة وسوء المخالفة ((فغضب رسول الله صل﴿ فهجرها ذا
الحجة والمحرم))) بالنصب ((وبعض صفر)))، قال ابن الملك: فيه جواز الهجران فوق ثلاث
لفعل القبيح يعني على قصد الزجر والتأديب لا على إرادة العداوة والبغضاء والشحناء، وبه
يحصل الجمع بين الأحاديث كما سبق. (رواه أبو داود). قال صاحب التصحيح: رجاله رجال
مسلم إلا سمية البصرية الراوية عن عائشة فلم يخرج لها مسلم اهـ. وقال المنذري: سمية لم
تثبت، وقال العسقلاني: مقبولة من الثالثة، نقله ميرك، (وذكر حديث معاذ بن أنس: ((من حمى
مؤمناً)) أي من منافق. الحديث بطوله (في باب الشفقة والرحمة).
(الفصل الثالث)
٥٠٥٠ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: ((رأى عيسى ابن مريم رجلاً يسرق فقال
له عيسى: سرقت))) أي أسرقت، والظاهر أتسرق، ولعل العدول عنه إيماء إلى تحققه ((قال:
كلا») أي حاشا ((والذي لا إله إلا هو)))، ويمكن أن يكون في الكلام تورية أي ارتدع عن هذا
الظن أو عن هذا السؤال ((والذي لا إله إلا هو)) ((فقال عيسى: آمنت بالله))) أي بوحدانيته المفهومة
من الجملة المقسمية، أو التقدير صدقت قسمك بالله ((وكذبت نفسي))) أي فيما قلت بناء على
الظاهر لاحتمال أن ذلك الأخذ بخفية لا يكون سرقة لفقدان أحد الشروط المعتبرة في حدها
الشرعية. وقال الطيبي: أي صدقتك في حلفك بقولك: ((والذي لا إله إلا هو))، ((وبرأتك
ورجعت عما ظننت بك وكذبت نفسي)). قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن
إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات - ١٢] اهـ، وفيه ما لا يخفى. (رواه مسلم).
٥٠٥١ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَلاغير: ((كاد الفقر أن يكون كفراً))) أي كاد أن
الحديث رقم ٥٠٥٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٣٨/٤ الحديث رقم (١٤٩ - ٢٣٦٨)، وأحمد في
المسند ٣١٤/٢.
الحديث رقم ٥٠٥١: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٦٧/٥ الحديث رقم ٦٦١٢.

٢٥١
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
وكادَ الحسدُ أنْ يغلبَ القدَرَ)).
يكون الفقر القلبي سبباً للكفر، إما بالاعتراض على الله [تعالى] وإما بعدم الرضا بقضاء الله
تعالى، أو بالشكوى إلى ما سواه، أو بالميل إلى الكفر لما رأى أن غالب الكفار أغنياء متنعمون
وأكثر المسلمين فقراء ممتحنون بمقتضى ما ورد عنه ويقول : ((الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر))،
وقد قال [تعالى] تسلية للعباد ﴿لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم
جهنم وبئس المهاد لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلاً
من عند الله وما عند الله خير للأبرار﴾ [آل عمران - ١٩٦] وقال البيضاوي: وسبب نزول هذه
الآية ((إن بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيش فيقولون: ((إن أعداء الله
فيما نرى من الخير، وقد هلكنا من الجوع والجهد)»، وفي معالم التنزيل بإسناده المتصل إلى
البخاري والمنتهى إلى ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((جئت فإذا رسول
الله في مشربة أي غرفة، وأنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها
ليف، وإن عند رجليه قرظاً مصبوباً، وهو ما يدبغ به وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر
الحصير في جنبه فبكيت فقال: ما يبكيك فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه
وأنت رسول الله فقال: ((أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولنا الآخرة))(١). قال الطيبي: أي الفقر
يحمل الإنسان على ركوب كل صعب وذلول فيما لا ينبغي طالباً إزالته عنه بالقتل والنهب في
السرقة وغير ذلك، وربما يؤديه إلى الاعتراض على الله، والتصرف في ملكه كما فعل ابن
الراوندي في قوله :
وكم جاهل جاهل تلقاه مرزوقاً
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه
وصير العالم التحرير زنديقاً
هذا الذي ترك الأوهام حائرة
(وكاد الحسد أن يقلب القدر))). سبق معناه أهـ. ومجمل المعنى أنه لو فرض شيء يسبق
القدر ويغلبه لكان الحسد في زعم الحاسد أن يقلب القدر، وفي الجامع الصغير بلفظ: ((وكاد
الحسد أن يكون سبق القدر)) على ما رواه أبو نعيم في الحلية(٢)؛ والمناسبة بين القرينتين أن
الحسد غالباً ينشأ من الفقر وقد يكون من أنواع الكفر، فإنه يريد زوال نعمة الله عن عبده، فهو
معارضة بالقضاء أو منازعة بالقدر في حق نفسه وفي حق غيره، فالحسد أقرب إلى الكفر من
الفقر المجردة، فالترتيب الذكرى للترقي أو لكون الأول سبباً لحصول الثاني مع أن الحسد
مرض مزمن لا يرجى برؤه، والفقر قد يبدل بالغنى أو بالصبر والرضا، وهو الذي عليه أكثر
الأنبياء أو غالب الأولياء حتى اجتمعت الصوفية على أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر،
وعليه أيضاً أكثر العلماء والله أعلم. وأما حديث: ((الفقر فخري وبه افتخر)) فباطل موضوع،
كما قاله الحافظ العسقلاني وغيره.
/١/٠١
(١) البخاري في ٨/ ٦٥٧ الحديث رقم ٤٩١٣.
(٢-) أبو نعيم في الحلية ٩٠/٣
٩٠٥٠
التي غاط

٢٥٢
كتاب الآداب/ باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات
٥٠٥٢ - (٢٦) وعن جابر، عن رسول الله وَله قال: ((مَن اعتذَرَ إِلى أخيهِ فلمْ يعذُزه،
أو لم يقبلْ عذرَه؛ كانَ عليه مثلُ خطيئةٍ صاحب مَكْسٍ)). رواهُما البيهقيُّ في ((شعب
الإيمان)) [٣٧٨ - أ-]، وقال: المَكَّاسُ: العشّارُ.
٥٠٥٢ - (وعن جابر عن رسول الله وَ لي قال: ((من اعتذر إلى أخيه))) أي المسلم ((فلم
يعذره))) بفتح الياء ويضم وكسر الذال («أو لم يقبل عذره))) شك من الراوي، وهو تفسير لما
قبله ((كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس))) بفتح الميم أي صاحب عشر، ولما كان الغالب
عليه الظلم وعدم العمل بالعلم أطلق ذمه، أو المراد بالمكس أخذ مال الناس بالظلم، ثم رأيت
القاموس فقال: المكس النقص والظلم. (رواه البيهقي في شعب الإيمان). وفي الجامع رواه
ابن ماجه والضياء عن جودان ولفظه: ((من اعتذر إليه أخوه بمعذرة فلم يقبلها كان عليه من
الخطيئة مثل صاحب مكس)) (١). (قال:) أي البيهقي في تفسير حديثه: ((المكاس العشار))) وفي
بعض الأصول الماكس العشار، ولعل المناسبة التشبيهية إن صاحب المكس أيضاً لم يقبل
اعتذار التاجر في قوله: ((إن ماله مال أمانة أو أخذ منه في بندر آخر أو أنه مديون))، ونحو
ذلك، وكون المشبه به أقوى هو أنه مع هذا يظلم عليه بأخذ ماله مع التعدي إلى الزائد؛ ونقل
ميرك عن المنذري إن حديث جابر رواه الطبراني أيضاً في الأوسط، وروي عن عائشة مرفوعاً
((من اعتذر إلى أخيه المسلم فلم يقبل عذره لم يرد عليّ الحوض)). رواه الطبراني في الأوسط،
وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ومثلقول: ((ألا أنبئكم بشراركم قالوا: بلى إن شئت يا
رسول الله. قال: إن شراركم الذي ينزل وحده ويجلد عبده ويمنع رفده، ألا أنبئكم بشر من
ذلك قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله، قال: من يبغض الناس ويبغضونه، قال: أفلا أنبئكم
بشر من ذلك قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله، قال: الذين لا يقيلون عثرة ولا يقبلون معذرة
ولا يغفرون ذنباً، قال: أفلا أنبئكم بشر من ذلك قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من لا يرجى
خيره ولا يؤمن شره)). رواه الطبراني وغيره، وعن أبي هريرة عن النبي ◌َّر قال: ((عفوا عن
نساء الناس تعف نساؤكم، وبروا آباءكم يبركم أبناؤكم، ومن أتاه أخوه متنصلاً فليقبل ذلك
محقاً كان أو مبطلاً فإن لم يفعل لم يرد عليّ الحوض)). رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
والتنصل الاعتذار.
الحديث رقم ٥٠٥٢: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٢١/٦ الحديث رقم ٨٣٣٨.
(١) أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٢٢٥ الحديث رقم ٣٧١٨.

.....
٢٥٣
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
(١٨) باب الحذر والتأني في الأمور
الفصل الأول
٥٠٥٣ _ (١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا يُلدَغُ المؤمنُ منْ جُخْرٍ
واحدٍ مرّتینِ».
باب الحذر والتأني في الأمور
الحذر الاحتراس من الضرر، والتأني ضد العجلة من تأنى في الأمر إذا توقف فيه.
(الفصل الأول)
٥٠٥٣ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقر: ((لا يلدغ المؤمن))) برفع الغين على
النفي، ويروى بكسر الغين على النهي، والمراد بالمؤمن الكامل في عقله ((من حجر))) بضم
جيم وسكون حاء أي ثقب وخرق ((واحد مرتين))) أي كرتين أو مرة بعد أخرى. قال الخطابي:
هذا يروى على وجهين أحدهما على الخبر، وهو أن المؤمن الممدوح هو المتيقظ الحازم الذي
لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى ولا يفطن هو به، وقد قيل: إنه الخداع في أمر
الآخرة دون أمر الدنيا، وثانيهما على النهي أي لا يخدعن المؤمن ولا يؤتين من ناحية الغفلة
فيقع في مكروه، وهذا يصلح أن يكون في أمر الدنيا والآخرة. قال التوربشتي: وأرى أن
الحديث لم يبلغ الخطابي على ما كان عليه، وهو مشهور عند أهل السير، وذلك أن النبي ◌َّ:
((منّ على بعض أهل مكة، وهو أبو غرة الشاعر الجمحي، وشرط عليه أن لا يحرض عليه،
فلما بلغ ما منّه عاد إلى ما كان عليه، فأسر تارة أخرى، فأمر بضرب عنقه، فكلمه بعض الناس.
في المنّ عليه فقال: ((لا يلدغ المؤمن)). الحديث. وروى النووي عن القاضي عياض هذه
القصة وقال: سبب هذا الحديث معروف، وهو أن النبي ◌َلّ أسر أبا غرة الشاعر يوم بدر فمّن
عليه وعاهده أن لا يحرض عليه ولا يهجوه فأطلقه، فلحق بقومه ثم رجع إلى التحريض
والهجاء، ثم أسر يوم أحد فسأله المنّ فقال النبي وَّر: ((لا يلدغ المؤمن)) الحديث. وهذا
السبب يضعف الوجه الثاني. ذكره الطيبي ولم يظهر لي وجه ضعفه على أنه قد يقال: العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وإلا لكان المؤمن مختصاً به عليه السلام لكونه أخبر عن
(١) الحاكم في المستدرك ١٥٤/٤.
الحديث رقم ٥٠٥٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٩/١٠ الحديث رقم ٦١٣٣، ومسلم في ٢٢٩٥/٤
الحديث رقم (٦٣ - ٢٩٩٨)، وأبو داود في السنن ١٨٥/٥ الحديث رقم ٤٨٦٢، وابن ماجه في
١٤٠١/٢ الحديث رقم ٤١٨٩، وأحمد فى المسند ٣٧٩/٢.

٢٥٤
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
متفق عليه .
٥٠٥٤ _ (٢) وعن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ النبيِّ وَّرِ قال لأشجّ عبد القيسِ: ((إِنَّ فيكَ
لخصلتَينِ يُحبُّهما اللَّهُ: الحلمُ والأناةُ)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
٥٠٥٥ _ (٣) عن سهل بن سعد الساعديِّ، أنَّ النبيَّ وَّرِ قال: ((الأناةُ منَ اللَّهِ
نفسه، وقد أطنب الطيبي في نصرة الخطابي إلى أن قال: فظهر أن القول بالنهي أولى والمقام له
أدعى أهـ، وبعده لا يخفى. (متفق عليه). ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عنه وأحمد أيضاً
وابن ماجه عن ابن عمر.
٥٠٥٤ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (وَلي)، وفي نسخة أن النبي (وَلجز قال:
((لأشج عبد القيس)))، بالإضافة، وهو كان رئيس عبد القيس، وهي قبيلة، وفي نسخة بالفتح
على أنه غير منصرف، وأن عبد القيس بدل منه أو عطف بيان له على حذف مضاف أي رئيس
عبد القيس واسمه المنذر بن عائذ، ولم يذكره المؤلف. ((إن فيك الخصلتين يحبهما الله))) أي
فيك وفي غيرك ((الحلم))) وهو بكسر الحاء تأخير مكافأة الظالم في الأصل، ثم يستعمل في
العفو عن الذنب. قيل: والمراد به هنا عدم استعجاله وتراخيه حتى ينظر في مصالحه، قلت:
فيبقى مكرراً مع قوله: ((والأناة))) بفتح الهمزة على وزن نواة، وهي اسم من التأني فقيل: معناه
الوقار والتثبت، وقيل: الثبات في الطاعات، وقيل: المراد جودة نظره في العواقب، وضبطا في
أصل السيد بالرفع فيهما وجوز نصبهما، لكن الأظهر هو النصب على البدلية من الخصلتين كما
حقق في قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين) وفي حديث ((بني الإسلام على خمس))(١).
هذا وفي شرح السنة روي عن المنذر الأشج أنه قال: ((يا رسول الله أنا أتخلق بهما أم الله
جبلني عليهما؟ قال: الله جبلك عليهما قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله
ورسوله)) اهـ وإنما عطف رسوله عليه لأن محبته وّلتغير تابعة لمحبته تعالى لا تنفك عنها. (رواه
مسلم) وكذا الترمذي.
(الفصل الثاني)
٥٠٥٥ _ (عن سهل بن سعد الساعدي) صحابيان (أن النبي وَّر قال: ((الأناة من الله))) أي
الحديث رقم ٥٠٥٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٤٩/١ الحديث رقم (٢٥ - ١٧)، والترمذي في السنن ٤/
٣٢٢ الحديث رقم ٢٠١١، وابن ماجه ٤٠١/٢ الحديث رقم ٤١٨٧، وأحمد في المسند ٢٣/٣.
(١) متفق عليه.
ـت
الترمذي في السنن ٢٣/٤
حديث رقم ٥٧٥٥.

٢٥٥
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأتي في الأمور
والعَجَلةُ منَ الشيطان)). رواه الترمذيّ، وقال: هذا حديثٌ غريبٌ. وقد تكلمَ بعضُ أهل
الحديث في عبدِ المهيمن بن عبَّاسِ الرَّاوي من قِبَلِ حفظه.
٥٠٥٦ _ (٤) وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ الله وَّر: ((لا حليمَ إِلا ذو عثرةٍ، ولا
حكيمَ إِلا ذو تجربة)). رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسن غريب.
٥٠٥٧ _ (٥) وعن أنسٍ، أنَّ رجلاً قال للنبيَّ وَِّ: أوْصِني. فقال: ((خُذِ الأمرَ بالتَّدبيرِ،
من إلهامه ((والعجلة))) أي في أمور الدنيا ((من الشيطان))) أي وسوسته، قيل: ويستثنى من
ذلك ما لا شبهة في خيريته، قال تعالى: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ [الأنبياء - ٩]
قلت: بون بين المسارعة والمبادرة إلى الطاعات وبين العجلة فى نفس العبادات، فالأول
محمود والثاني مذموم. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب). قال ميرك: وفي بعض
النسخ: حسن غريب. (وقد تكلم بعض أهل الحديث) أي من العارفين بأحوال رجال الإسناد
(في عبد المهيمن بن عباس الراوي) بسكون الياء أي أحد رواة هذا الحديث ((من قبل حفظه)))
أي وقع طعن البعض فيه من جهة حفظة، فإنه عدل ثقة فأمره سهل، وقد رواه البيهقي في
شعب الإيمان عن أنس مرفوعاً ولفظه: ((التأني من الله والعجلة من الشيطان))(١).
٥٠٥٦ - (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَلاير: ((لا حليم إلا ذو عشرة))) بفتح العين
وسكون المثلثة أي صاحب زلة قدم أو لغزة قلم في تقريره أو تحريره. قال الشارح: أي ((لا حليم
كاملاً إلا من وقع في زلة وحصل منه الخطأ والتخجل)). فعفى عنه فعرف به رتبة العفو فبحلم عند
عثرة غيره لأنه عند ذلك يصير ثابت القدم، ((ولا حكيم إلا ذو تجربة))) أي صاحب امتحان في
نفسه وفي غيره، قال الشارح: أي لا حكيم كاملاً إلا من جرب الأمور وعلم المصالح والمفاسد
فإنه لا يفعل فعلاً إلا عن حكمة إذ الحكمة أحكام الشيء وإصلاحه عن الخلل اهـ، وهو موافق
لما في النهاية وشرح المظهر، لكن ينبغي أن يقال: لا حليم ولا حكيم من المخلوقين إلا كذا
ليصح الحصر، وقد عرفت وصفه تعالى بهما في الأسماء الحسنى ويمكن أن يقال: المعنى لا
حليم إلا وقد يعثر، كما قيل: ((نعوذ بالله من غضب الحليم))، ولا حكيم من الحكماء الطيبة إلا
صاحب التجربة في الأمور الدائبة والذاتية والله أعلم. (رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث
حسن غريب) وكذا ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه (٢).
٥٠٥٧ _ (وعن أنس أن رجلاً قال للنبي ويلي: ((أوصني))) أي بشيء يزيل تحيري في أمري
((فقال: خذ الأمر))) أي الذي تريد أن تفعله ((بالتدبير))) من باب التفعيل أي بالتفكر في دبره
-
--
(١) البيهقي في الشعب ٨٩/٤ الحديث رقم ٤٣٦٧.
الحديث رقم ٥٠٥٦: أخرجه الترمذي في السنن ٣٣٢/٤ الحديث رقم ٢٠٣٣، وأحمد في المسند ٦٩/٣.
(٢) أخرجه ابن حبان في ٤٢١/١ الحديث رقم ١٩٣، والحاكم في المستدرك ٢٩٣/٤.
الحديث رقم ٥٠٥٧: أخرجه البغوي في شرح السنة ١٧٥/١٣ الحديث رقم ٣٦٠٠.

٢٥٦
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
فإن رأيتَ في عاقبتِه خيراً فأمضِه، وإنْ خِفتَ غَيّاً فأمسِك رواه في ((شرح السنة)).
٥٠٥٨ _ (٦) وعن مصعب بن سعدٍ، عن أبيهِ، قال الأعمشُ: لا أعلمُه إِلا النبيَّ ◌َّـ
قال: ((التّؤْدَةُ في كلِّ شيءٍ خيرٌ إِلاَّ في عملِ الآخرةِ».
والتأمل في مصالحه ومفاسده والنظر في عاقبة أمره ((فإن رأيت في عاقبته خيراً)) أي نفعاً دنيوياً
أو أخروياً («فامضه))) بقطع الهمزة أي فافعله ((وإن خفت))) أي رأيت بقرينة القرينة، ففيه تفنن،
وما أحسن موقعه في الشر المعبر عنه بقوله: ((غياً))) أي ضلالة، وإنما ترك مراعاة المقابلة
ليفيد زيادة إفادة المشاكلة، فكأنه قال: في الأول خير وهداية، وفي الثاني شر وضلالة، وهذا
بعض الصنيع من صنائع البديع ثم قوله: رأيت بمعنى عملت أو ظننت، والثاني أظهر لأن مبنى
الأمور الشرعية غالبها، والمطالب العرفية كلها إنما هو على الظن لا سيما بالنسبة إلى
المخاطب، فإن أرباب اليقين في كل قضية لا يوجد إلا من الأنبياء، وكمل العارفين مع أن
حكم العلم يعلم بالأولى كما لا يخفى، وقال الطيبي: الخوف هنا بمعنى الظن كما في قوله
تعالى: ﴿إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله﴾ [البقرة - ٢٢٩]، ويجوز أن يكون بمعنى العلم
واليقين لأن من خاف من شيء احترز عنه وتحرى حقيقته اهـ. وفيه بحث ليحقق حقيقته، قال:
وهذا أنسب بالمقام لأنه وقع في مقابلة رأيت وهو بمعنى العلم وهما نتيجة التفكر والتدبير
قلت: بل هما المتفرعان عليهما المنتجان للفعل المعبر عنه بالإمضاء، والترك المعبر عنه
بقوله: ((فامسك))) أي كف عنه واتركه. (رواه في شرح السنة)، وذكر السيوطي المرفوع في
الجامع الصغير وقال: رواه عبد الرزاق في الجامع وابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب
الإيمان(١).
٥٠٥٨ - (وعن مصعب) بصيغة المفعول أبو زارة (بن سعد) أي ابن أبي وقاص (عن أبيه)
١٠:٧/
أي سعد، وهو أحد العشرة المبشرة، وأما مصعب فسمع أباه وعلياً وابن عمر، وروى عنه
سماك بن حرب وغيره (قال الأعمش:) أي أحد الرواة، وهو تابعي جليل، قال المؤلف: اسمه
سليمان بن مهران الكاهلي الأسدي مولى بني كاهل بطن من بني أسد خزيمة ولد سنة ستين
بأرض الري، فجيء به حميلاً إلى الكوفة، فاشتراه رجل من بني كاهل فأعتقه، وهو أحد
الأعلام المشهورين بعلم الحديث والقراءة، وعليه مدار أكثر الکوفیین، روى عنه خلق كثير
مات سنة ثمان وأربعين ومائة ((لا أعلمه))) أي قول سعد هذا ((إلا عن النبي ◌َّو))) أي نقلاً
ورواية عنه، أو لا أعلم الحديث إلا مرفوعاً إليه عليه السلام ((قال التؤدة))) بضم التاء وفتح
الهمزة أي التأني ((في كل شيء))) أي من الأعمال ((خير))) أي مستحسن ((إلا في عمل
الآخرة)) أي لأن في تأخير الخيرات آفات، وروي أن أكثر صياح أهل النار من تسويف العمل.
قال الطيبي: وذلك لأن الأمور الدنيوية لا يعلم عواقبها في ابتدائها أنها محمودة العواقب حتى
(١) الجامع الصغير ٢٣٦/٢ الحديث رقم ٣٨٨٥.
الحديث رقم ٥٠٥٨: أخرجه أبو داود في السنن ١٧٥/٥ الحديث رقم ٤٨١٠.

٢٥٧
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
رواه أبو داود.
٥٠٥٩ _ (٧) وعن عبدِ الله بن سَرْجِس، أنَّ النبيَّ وَِّ قال: «السَّمْتُ الحسَنُ والتُّؤَدَةُ
والاقتصادُ جزءٌ من أربعٍ وعشرينَ جزءاً
يتعجل فيها، أو مذمومة فيتأخر عنها بخلاف الأمور الأخروية لقوله تعالى: ﴿فاستبقوا الخيرات
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ [آل عمران - ١٣٣] قال الغزالي: في قوله تعالى: ﴿الشيطان
يعدكم الفقر﴾ [البقرة - ٢٦٨] ينبغي للمؤمن إذا تحركت له داعية البذل أن لا يتوقف لأن
الشيطان يعده الفقر ويخوفه ويصده عنه، كأن أبو الحسن الفرشخي في الخلاء فدعا تلميذاً له
فقال: ((انزع عني القميص وادفعه إلى فلان فقال: هلا صبرت حتى تخرج قال: خطر لي بذله
ولا آمن على نفسي أن تتغير». (رواه أبو داود)، وكذا الحاكم في مستدركه، والبيهقي في شعب
الإيمان عن سعد مرفوعاً (١).
٥٠٥٩ - (وعن عبد الله بن سرجس) كنرجس بكسر الجيم وفتح السين، وفي نسخة بفتح
الجيم وكسر السين وسبق تحقيقه (أن النبي وَّلفي قال: ((السمت الحسن))) أي السيرة المرضية
والطريقة المستحسنة. قال شارح: السمت الطريق، ويستعار لهيئة أهل الخير، وفي الفائق
السمت أخذ المنهج ولزوم المحجة ((والتؤدة))) أي التأني في جميع الأمور ((والاقتصاد))) أي
التوسط في الأحوال والتحرز عن طرفي الإفراط والتفريط. قال التوربشتي: الاقتصاد على
ضربين أحدهما ما كان متوسطاً بين محمود ومذموم كالمتوسط بين الجور والعدل والبخل
والجود وهذا الضرب أريد بقوله تعالى: ﴿ومنهم مقتصد﴾ [فاطر - ٣٢] والثاني محمود على
الإطلاق وذلك فيما له طرفان إفراط وتفريط كالجود، فإنه بين الإسراف والبخل والشجاعة،
فإنها بين التهوّر والجبن، وهذا الذي في الحديث هو الاقتصاد المحمود على الإطلاق قلت:
ومن هذا القبيل الاقتصاد في الاعتقاد، فإنه بين التعطيل والتشبيه وبين الجبر والقدر والاقتصاد
في المعيشة ومنه قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا وكان بين ذلك قواماً﴾
[الفرقان - ٦٧] منه حديث: ((الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة))، وحديث: ((ما عال من
اقتصد)»(٢) وكذا حكم الاقتصاد في سائر الأفعال، ومنه قوله تعالى: ﴿واقصد في مشيك
واغضض من صوتك﴾ [لقمان - ١٩] وقوله عزَّ وجلّ: ﴿كلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف
- ٣١] وقال بعض العارفين: ((اطلب العلم بحيث لم يمنعك عن العمل واعمل بحيث لم
يشغلك عن العلم)). ((جزء))) أي كلها أو كل منها ((من أربع وعشرين جزءاً)))، ويؤيد الأخير
ما رواه الضياء عن أنس مرفوعاً: ((السمت الحسن جزء من خمسة وسبعين جزءاً من النبوّة)) مع
(١) الحاكم في المستدرك ٦٤/١،.
الحديث رقم ٥٠٥٩: أخرجه الترمذي في السنن ٣٢٢/٤ الحديث رقم ٢٠١٠، ومالك في الموطأ ٢/ ٩٥٤
الحديث رقم ١٧ من كتاب الشعر.
(٢) شعب الإيمان ٥/ ٢٥٥ الحديث رقم ٦٥٦٩.

٢٥٨
1.37٥
م
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
من النُبوةِ)). رواه الترمذي.
٥٠٦٠ - (٨) وعن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ نبيَّ الله وَّه قال: ((إِنَّ الهَذْيَ الصالح والسَّمتْ
الصالحَ والاقتصادَ جزءٌ منْ خمسٍ وعشرينَ جزءاً منَ النبوَّةِ)). رواه أبو داود.
٥٠٦١ - (٩) وعن جابر بن عبدِ الله، عن النبيِّي ◌َّرَ، قال: ((حدَّثَ الرجلُ
زيادة إفادة أن المراد بالعدد المذكور التكثير لا التحديد، وينصره الحديث الآتي حيث قال:
جزء من خمس وعشرين على أنه يمكن الاختلاف بحسب اختلاف الكمية والكيفية الحاصلة في
المتصف به، وأما ما قال شارح من أن التفاوت بين العددين من خمس وأربع يحتمل أن يكون
من غلط الرواة، فهو احتمال غلط منه، وسببه الغفلة عما ذكرناه نقلاً وعقلاً والله أعلم. قال
القاضي: كان الصواب أن يقول: أربعة على التذكير، فلعله أنث على تأويل الخصلة أو القطعة
أو لإجراء الجزء مجرى الكل في التذكير والتأنيث، قلت: التأويلات كلها مستحسنة، وأما
قوله: وكان الصواب فخطأ ظاهر لا يخفى ((من النبوّة))) أي من أجزائها. قال الخطابي: الهدى
والسمت حالة الرجل ومذهبه، والاقتصاد سلوك القصد في الأمور والدخول فيها برفق على
سبيل تمكن الدوام عليها، يريد أن هذه الخصال من شمائل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنها
جزء من أجزاء فضائلهم فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم عليها وليس معناه أن النبوّة تتجزأ ولا أن من
جمع هذه الخصال كان نبياً فإن النبوّة غير مكتسبة، وإنما هي كرامة يخص الله بها من يشاء من
عباده والله أعلم حيث يجعل رسالته، ويحتمل أن يكون معناه أن هذه الخلال مما جاءت به
النبوّة ودعا إليها الأنبياء، وقيل: معناه أن من جمع هذه الخصال(١) لقيه الناس بالتوقير
والتعظيم، وألبسه الله لباس التقوى الذي ألبس أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، فكأنها جزء من
النبوّة. قال التوريشتي: والطريق إلى معرفة ذلك العدد ووجهه بالاختصاص من قبل الرأي
والاستنباط مسدود، فإنه من علوم النبوّة، وقد سبق القول في هذا المعنى في كتاب الرؤيا.
(رواه الترمذي).
٥٠٦٠ - (وعن ابن عباس أن نبي الله وَالر قال: ((إن الهدى))) بفتح فسكون ((الصالح))) أي
السيرة الحسنة ((والسمت الصالح))) أي الطريقة المستحسنة من زي الصالحين، وحاصل الفرق
بينهما أن الهدى متعلق بالأحوال الباطنة والسمت بالأخلاق الظاهرة فهما في الطريقة بمنزلة
الإيمان والإسلام في الشريعة، والجمع بينهما نور على نور وبه تتم الحقيقة ((والاقتصاد))) أي
التوسط في أمر المعيشة والمعاد ((جزء من خمس))). وفي رواية الجامع خمسة بالتاء وهو
الظاهر ((وعشرين جزءاً من النبوة)». رواه أبو داود)، وكذا الحاكم
٥٠٦١ - (وعن جابر بن عبد الله عن النبي ◌َطير قال: ((إذا حدث الرجل))) أي عندك أو عند
(١) في المخطوطة ((الخلال)).
الحديث رقم ٥٠٦٠: أخرجه أبو داود في السنن ١٣٦/٥ الحديث رقم ٤٧٧٦، وأحمد في المسند ٢٩٦/١.
الحديث رقم ٥٠٦١: أخرجه أبو داود في السنن ١٨٨/٥ الحديث رقم ٤٨٦٨، والترمذي في السنن ٤/
٣٠١ الحديث رقم ١٩٥٩، وأحمد في المسند ٣٧٩/٣.
/١٣

١٣٥
٢٥٩
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
الحديثَ ثم التفتَ؛ فهي أمانةٌ)). رواه الترمذي وأبو داود.
٥٠٦٢ - (١٠) وعن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ ◌ِ ◌ّرَ قال لأبي الهيثم بن التَّيِّهان: ((هلْ لكَ
خادمٌ؟)) [٣٧٨ - ب -] فقال: لا. قال: ((فإذا أتانا سَبيَّ فَأَتِنا)) فَأَتِيَ النبيُّ وَجَ برأسَينِ، فأتاهُ
أبو الهيثم، فقال النبيُّ وَّله: ((اختَرْ منهما)). فقال: يا نبيَّ الله اختَرْ لي منها فقال النبيُّ ◌َّر.
((إِنَّ المستشارَ مُؤْتمَنٌ. خُذْ هذا فإني رأيتُه يُصلي واستَوْصٍ به معروفً)). رواه الترمذي.
أحد، وهو الأظهر ((الحديث))) أي الذي يريد إخفاءه («ثم التفت))) أي غاب عنك أو عنه
بمفارقة المجلس ((فهي))) أي ذلك الحديث، وأنث باعتبار خبره، وهو قوله: ((أمانة)))،
وقيل: لأن الحديث بمعنى الحكاية، والمعنى أن حكمة حكم الأمانة فلا يجوز إضاعتها
بإشاعتها، وقد فسر المظهر قوله: ((التفت)) بغاب، وحينئذ ثم على بابه من التراخي المستفاد منه
حكم التعقيب بالأولى؛ وقال الطيبي: والظاهر أن التفت هنا عبارة عن التفات خاطره إلى ما
تكلم، فالتفت يميناً وشمالاً احتياطاً، ثم هنا للتراخي في الرتبة ويدل على هذا ترتب الفاء، وأن
الثاني مسبب عن الأوّل، قلت: هذا تكلف ظاهر مستغنى عنه، فإن الحكم عام غير مخصوص
بما يفهم منه، والفاء لازمة للجزاء فليس فيها دلالة على ما ادعاه أصلاً، وحاصله إجمالاً معنى
الحديث الآتي المجالس بالأمانة ويستثنى منها ما سيأتي والله أعلم. (رواه الترمذي وأبو داود).
وكذا أحمد والضياء عن جابر وأبو يعلى في مسنده عن أنس.
٥٠٦٢ - (وعن أبي هريرة أن النبي ◌َ لي قال لأبي الهيثم بن التيهان) بفتح التاء المثناة
الفوقية وكسر المثناة التحتية المشددة وبالنون، ذكره في جامع الأصول، وقد تقدم ترجمته في
باب الضيافة، وهذا الحديث ذيل لذلك الحديث وقد بيناه هناك ((هل لك خادم))) أي عبد
((قال: لا. قال: فإذا أنانا سبي))) أي أسارى ((فأتنا فأتي))) أي جيء (النبي ◌َّهو برأسين)) أي
من العبيد («فأتاه أبو الهيثم فقال النبي ◌َّلفر اختر منهما))) أي واحداً منهما أو بعضهما («فقال: يا
نبي الله اختر لي))) أي أنت أولى بالاختيار فإنك المصطفى المختار وعلى اختيارك المدار ((فقال
النبي ◌َّطير:))) توطئة وتمهيد ((إن المستشار))) من استشاره طلب رأيه فيما فيه المصلحة
((مؤتمن))) اسم مفعول من الأمن أو الأمانة، ومعناه أن المستشار أمين فيما يسأل من الأمور فلا
ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته ((خذ هذا))) أي مشاراً إلى أحدهما («فإني رأيته
يصلي)))، فيه أنه يستدل على خيرية الرجل بما يظهر عليه من آثار الصلاح لا سيما الصلاة،
فإنها تنهي عن الفحشاء والمنكر ((واستوص به معروفاً))) أي استيصاء معروف، قيل: معناه لا
تأمره إلا بالمعروف والنصح له، وقيل: وص في حقه بمعروف. كذا ذكره زين العرب. وقال
الطيبي: أي اقبل وصيتي في حقه وأحسن ملكته بالمعروف. (رواه الترمذي) أي في جامعه،
١
الحديث رقم ٥٠٦٢: أخرجه أبو داود في السنن ٥/ ٣٤٥ الحديث رقم ٥١٢٨ مختصراً، وأخرجه الترمذي
في ٤ /٥٠٤ الحديث رقم ٢٣٦٩، وابن ماجه في ١٢٣٣/٢ الحديث رقم ٣٧٤٥ وأحمد في
المسند ٤ / ١٧٢.

٢٦٠
كتاب الآداب/ باب الحذر والتأني في الأمور
٥٠٦٣ _ (١١) وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((المجالسُ بالأمانةِ ثلاثَةً
مجالسَ: سفكُ دمٍ حرامٍ، أو فرج حرام، أو اقتِطاع مالٍ بغيرِ حقٌّ)). رواه أبو داود.
وذُكرَ حديثُ أبي سعيدٍ: ((إِنَّ أعظمَ الأمانة)) في باب ((المباشرةٍ)) في ((الفصل الأول)).
الفصل الثالث
٥٠٦٤ _ (١٢) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((لمَّا خلقَ اللَّهُ العقلَ قالَ له: قُمْ،
وكذا في الشمائل مطولاً كما أوردناه في باب الضيافة، وفيه أنه أعتق العبد لأجل وصيته عليه
السلام. وأما حديث ((المستشار مؤتمن))، فقد رواه الأربعة عن أبي هريرة والترمذي عن أم
سلمة وابن ماجه عن ابن مسعود، وفي رواية الطبراني في الكبير عن سمرة بلفظ ((المستشار
مؤتمن إن شاء أشار وإن شاء لم يشر))، وفي رواية له في الأوسط عن علي بلفظ: ((المستشار
مؤتمن فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه)».
٥٠٦٣ - (وعن جابر قال: قال رسول الله وَله: ((المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس))) أي
إحدى الثلاثة من المجالس، والمعنى ينبغي للمؤمن إذا رأى أهل مجلس على منكر أن لا يشيع
ما رأى منهم إلا ثلاثة مجالس ((سفك دم))) بالرفع بتقدير هي مجلس إراقة دم ((حرام))) بالجر
صفة دم أي دم حرام سفكه أو دم محترم في الشرع ((أو فرج حرام أو اقتطاع مال بغير حق)))
قيد للأخير فقط، ولعل العدول عن حرام هنا لأجل مفهومه من الحلال، فإن اقتطاع مال الناس
ظلماً حرام سواء يكون المال حلالاً أو حراماً، فالجار متعلق بالاقتطاع كما لا يخفى. قال
المظهر: كما إذا سمع من قال في مجلس أريد قتل فلان أو الزنا بفلانة أو أخذ مال فلان، فإنه
لا يجوز ستر ذلك حتى يكونوا على حذر منه. (رواه أبو داود). وأما صدر الحديث وهو قوله:
((المجالس بالأمانة))، فقد رواه الخطيب عن علي رضي الله عنه، (ذكر حديث أبي سعيد: ((إن
أعظم الأمانة))) أي ((عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها)).
رواه مسلم (في باب المباشرة في الفصل الأوّل). قال الطيبي: تنبيه على أن هذا الحديث جاء
مكرراً في المصابيح وعلى أن إيراده في الصحاح أولى منه في الحسان، أقول: الظاهر أن
المؤلف حوّل الحديث من هنا إلى ذلك الباب لأنه أنسب به، فهو اعتراض واعتذار لئلا يتوهم
إسقاطه والله أعلم.
(الفصل الثالث)
٥٠٦٤ - (عن أبي هريرة أن النبي ◌َّ* قال: ((لما خلق الله العقل قال له: قم،
الحديث رقم ٥٠٦٣: أخرجه أبو داود في السنن ١٨٩/٥ الحديث رقم ٤٨٦٩، والترمذي في ٣٠١/٤
الحديث رقم ١٩٥٩، وأحمد في المسند ٣٤٢/٣.
الحديث رقم ٥٠٦٤: أخرجه البيهقي في الشعب ١٥٤/٤ الحديث رقم ٤٦٣٣.
٠٫٩٠