النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
٢٧٧٧
٦٦٢٤
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه)) متفق عليه.
٤٨٩٨ - (٦) وعن عياضٍ بن حمار المجاشعيِّ، أنَّ رسولَ الله وَ لِّ قال: ((إِنَّ اللَّهَ
أوحى إِليَّ: أنْ تواضعوا حتى لا يَفخَرَ أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغيَ أحدٌ على أحد)». رواه
مسلم .
ويحتاجان إلى الأكل والشرب فلا يصلحان للألوهية، ولا مناسبة لهما بالربوبية، وإنما شأنهما
العبودية («فإنما أنا عبده))) أي الخاص في مقام الاختصاص، وهو في الحقيقة أفضل مدح عند
الفاضل الكامل، كما قال القائل :
لا تدعني إلا بــاعـبدها
فإنه أفضل أسمائــا
ولذا ذكره الله سبحانه في مواضع من كتابه بهذا الوصف المنيع والفضل البديع، منها في
مقام الإسراء ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء - ١] ومنها في مقام إنزال الكتاب ﴿تبارك
الذي نزل الفرقان على عبده﴾ [الفرقان - ١] و﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾
[الكهف - ١] وفيه إشارة لطيفة وبشارة شريفة أن العناية الربوبية باعتبار غاية العبودية ﴿فقولوا:
عبد الله ورسوله﴾ أي ليتميز به عن بقية عبيده، وفي ذكرهما أيضاً إيماء إلى مبدأ حالته ومنتهى
غايته، وكان إياس الخاص أخذ حظاً الشمائل، كذا قاله الشيخ الجزري، فتأمل في قول
المصنف. متفق عليه.
٤٨٩٨ - (وعن عياض بن حمار) بكسر أولهما (المجاشعي) بضم الميم يعد في
البصريين، وكان صديقاً لرسول الله و 8# قديماً، روى عنه جماعة (إن رسول الله بَلقر قال: ((إن
الله أوحى إلي أن تواضعوا))) إن هذه مفسرة لما في الإيحاء من معنى القول، وتواضعوا أمر من
التواضع تفاعل من الضعة بالكسر وهي الذل والهوان والدناءة ((حتى لا يفخر))) متعلق بأوحى
وهو بفتح الخاء من الفخر وهو ادعاء العظمة والكبرياء والشرف أي كي لا يتعاظم ((أحد على
أحد ولا ينبغي))) بكسر الغين أي ولا يظلم ((أحد على أحد))) وفي الجمع بينهما إشعار بأن
الفخر والبغي نتيجتا الكبر لأن المتكبر هو الذي يرفع نفسه فوق كل أحد ولا ينقاد لأحد. (رواه
مسلم) أي في حديث طويل في آخر صحيحه ذكره ميرك، وكذا رواه أبو داود وابن ماجه عنه،
وروى البخاري في الأدب المفرد، وابن ماجه عن أنس ولفظه ((إن الله تعالى أوحى إليّ أن
تواضعوا ولا يبغي بعضكم على بعض))(١).
٥٤-
الحديث رقم ٤٨٩٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٩٨/٤ الحديث رقم (١٤ _ ٢٨٦٥)، وابن ماجه في
السنن ١٣٩٧/٢ الحديث رقم ٤١٧٩.
999*
(١) ابن ماجه في السنن ١٤٠٩/٢ الحديث رقم ٤٢١٤.

١٢٢
٢٫٥٧
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
الفصل الثاني
٤٨٩٩ _ (٧) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((ليَنتهيَنَّ أقوامٌ يفتخرونَ بآبائهم
الذينَ ماتوا، إِنما هُم فحمْ من جهنمَ، أو ليكوننَّ أهونَ على اللَّهِ منَ الجُعَلِ الذي يُدَهْدِه
[٣٦٧ - ب -] الخِراءَ بأنفِه
(الفصل الثاني)
٤٨٩٩ - (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي و ﴿﴿ قال: ((لينتهين) بلام مفتوحة
في جواب قسم مقدر أي والله ليمتنعن عن الافتخار ((أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا)) أي
على الكفر، وهذا الوصف بيان للواقع لا مفهوم له، ولعل وجه ذكره أنه أظهر في توضيح
التقبيح، ويؤيده ما رواه أحمد عن أبي ريحانة مرفوعاً ((من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم
عزاً وكرماً ما كان عاشرهم في النار))(١)، (وإنما هم) أي آبائهم ((فحم من جهنم))) حالاً ومآلاً .
قال الطيبي: حصر آباءهم على كونهم فحماً من جهنم لا يتعدون ذلك إلى فضيلة يفتخر بها
((أو ليكونن))) بضم النون الأولى عطفاً على لينتهين، والضمير الفاعل العائد إلى أقوام، وهو
واو الجمع محذوف من ليكونن، والمعنى أو ليصيرن ((أهون))) أي أذل ((على الله))) أي عنده
وفي حكمه ((من الجعل))) بضم جيم وفتح عين، وهو دويبة سوداء تريد الغائط يقال لها:
الخنفساء فقوله: ((الذي يدهده الخراء))) أي يدحرجه ((بأنفه))) صفة كاشفة له والخرا بفتح
الخاء والراء مقصوراً، وفي نسخة بالمد، وفي نسخة مصححة بكسر الخاء ممدوداً وهو العذرة،
ويحتمل أن يكون بالفتح المصدر وبالكسر الاسم؛ ففي لباب الغريبين. ((إن الخرء العذرة)»
وجمعه خروء كجند وجنود، وفي القاموس خرى كفرح خراء أو خراءة ويكسر، والاسم منه
الخراء بالكسر، وفي شرح المصابيح إن الخرء بفتح الخاء وضمها واحد الخروء مثل قرء وقروء
والقرء بفتح القاف وضمها الحيض، وكتب الخرء في الحديث بالألف إما لأنها مفتوحة فكتبت
بحرف حركتها وإما لأنه نقلت حركتها إلى الراء وقلبت ألفاً على لفظ العصا، والحاصل أنه وَله
(شبه المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل، وآباءهم المفتخر بهم بالعذرة ونفس
افتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف»، والمعنى أن أحد الأمرين واقع البتة، أما الانتهاء عن
الافتخار، أو كونهم أذل عند الله تعالى من الجعل الموصوف؛ وأغرب القاضي حيث قال: أو
الحديث رقم ٤٨٩٩: أخرجه أبو داود في السنن ٣٩٩/٥ الحديث رقم ٥١١٦، والترمذي في ٦٩٠/٥
الحديث رقم ٣٩٥٥، وأحمد في المسند ٣٦١/٢.
(١) أحمد في المسند ٤/ ١٣٤.

١٢٣
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
إِنَّ الله قدْ أذهبَ عنكم عُبِيَّةَ الجاهليَّةِ، وفخرَها بالآباءِ، إِنما هوَ مؤمنٌ تقيٍّ، أو فاجرٌ شقيٍّ،
النَّاسُ كلُّهم بنو آدمَ، وآدمُ منْ ترابٍ)).
ههنا للتخيير والتسوية، والمعنى أن الأمرين سواء في أن يكون حال آبائهم الذين يفتخرون بهم
وأنت مخير في توصيفهم بأيهما شئت اهـ. والصواب ما قدمناه، وقد راعى الأدب معه الطيبي
حيث قال: الظاهر أنه عطف على قوله: لينتهين، والضمير فيه ضمير القوم لأن اللام في
المعطوف والمعطوف عليه لام الابتداء على نحو قوله تعالى: ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين
آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا﴾ [الأعراف - ٨٨] كأنه وَّ حلف على أن أحد الأمرين
كائن لا محالة، ثم أغرب الطيبي في سوء سؤاله حيث قال: فإن قلت: هب أنه وَلّ عرف أنه
تعالى يعذبهم بسبب المفاخرة بآبائهم فاقسم عليه فبم عرف انتهاءهم عنها قلت: لما نظمهما
بأوفى الحكم الذي هو الحلف، آل كلامه إلى قولك: ليكونن أحد الأمرين يعني إن كان
الانتهاء لم تكن المذلة وإن لم تكن كانت كذا، حققه صاحب الكشاف في النمل، فكأنه قيل:
أحد الأمرين لا بد منه، أما الانتهاء عما هم فيه أو إنزال الصغار والهوان عليهم من الله تعالى
اهـ. وهو ظاهر المرام لكن وقع بسط في الكلام، ثم إنه وَلّر استأنف لبيان علة الانتهاء عن
الافتخار بعد زوال زمان الجاهلية وكمال القواعد الإسلامية بقوله: ((إن الله قد أذهب))) أي أزال
ورفع ((عنكم عبية الجاهلية))) بضم العين المهملة وكسرها وكسر موحدة فتحتية مشددتين أي
نخوتها وكبرها ((وفخرها)) أي وافتخار أهل الجاهلية في زمانهم ((بالآباء))). قال التوربشتي:
يقال: رجل فيه عبية بضم العين المهملة وكسرها أي كبر وتجبر، والمحفوظ عن أهل الحديث
تشديد الياء؛ وذكر أبو عبيد الهروي أنه من العبء بمعنى الحمل الثقيل، ثم قال وقال
الأزهري: بل هو مأخوذ من العبء وهو النور والضياء. يقال: هذا عب الشمس وأصله عبوء
الشمس، وعلى هذا فالتشديد فيه كما في الذرية من الذرء بالهمز، والجوهري أدخله في باب
المضاعف قلت: وكذا فعل صاحب القاموس حيث قال: العبية وبالكسر الكبر والفخر
والنخوة. وقال أيضاً: عب الشمس ويخفف ضوءها. وذكره في المهموز أيضاً وقال: العبء
بالفتح ضياء الشمس ((إنما هو))) أي المفتخر المتكبر بالآباء لا يخلو عن أحد الوصفين فأما هو
((مؤمن تقي)))، فلا ينبغي له أن يتكبر على أحد لأن مدار الإيمان على الخاتمة والله سبحانه
وتعالى أعلم بمن اتقى ((أو فاجر))) أي منافق أو كافر ((شقي))) أي غير سعيد فهو ذليل عند
الله، والذليل لا يناسبه التكبر ولا يلائمه التجبر، فالتكبر لا يليق بالمخلوق فإنه صفة خاصة
للخالق ولذا قال: ((الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما قصمته))، ثم أشار ◌َلّ إلى
دليل آخر ينتفي به التكبر عن الإنسان بقوله: (﴿الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب﴾) أي فلا
يليق بمن أصله التراب النخوة والتجبر، أو إذا كان الأصل واحد قال أخوة فلا وجه للتكبر لأن
بقية الأمور عارضة لا أصل لها حقيقة، نعم العاقبة للمتقين وهي مبهمة، فالخوف أولى للسالك
من الاشتغال بهذه المسالك، هذا ما اخترناه في هذا المقام من خلاصة المرام، وتكلف الطيبي
فقال: في ضمير هو وجوه أحدها إن في الكلام تقديماً وتأخيراً، فقوله: ﴿الناس كلهم بنو
آدم﴾ مقدم لأنه مجمل وذاك تفصيله على نحو قوله:
شاكس:

١٢٤
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
رواه الترمذي، وأبو داود.
٤٩٠٠ - (٨) وعن مُطرِّفٍ بن عبدِ الله بن الشّخَيرِ، قال: [قال أبي:] انطلقت في وفدٍ
بني عامر إِلى رسول الله
أبوهم آدم والأم حواء
الناس من جهة التمثال أكفاء
يفاخرون به فالطين والماء
فإن يكن لهم في أصلهم شرف
على الهدى لمن استهدى أدلاء
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم
ووحد الضمير نظراً إلى الجنس أو على تأويل الإنسان، وثانيها أنه ضمير مبهم يفسره
الخبر. كذا قرر صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا﴾ [الجاثية -
٢٤] وقولهم: ((هي العرب تقول ما شاءت))، وثالثها أن يكون بمعنى اسم الإشارة فيرجع إلى
المذكور السابق منطوقاً ومفهوماً، وبيانه إن قوله أقوام من باب سوق المعلوم مساق غيره وهم
قوم مخصوصون نكرهم وجعلهم غائبين، ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ((قد
أذهب عنكم)) وهذا يشعر بغضب شديد وسخط متتابع)) كان أناساً من المسلمين تفاخروا
بأسلافهم الذين ماتوا على الكفر كالعباس بن مرداس وإضرابه حتى قال قائلهم:
فما كان حصن ولا حابس
يفوقان مرداس في مجمع
فوبخهم وزجرهم وسفه رأيهم، والمعنى لينته من شرفه الله وخلع عليه حلل الإسلام
ورفعه من حضيض الكفر إلى بقاع الإيمان عن هذه الشنعاء وإلا فيحطه من تلك المنزلة ويرده
إلى أسفل السافلين من الكفر والذل، فإن تشبيههم بأخس الحيوانات في أخس أحواله يدل
عليه، فالمعنى ((ما ذاك العزيز الكريم عند الله إلا رجل تقي، وما ذاك الذليل الدنيء عنده إلا
فاجر شقي))، ثم رجع ◌َّر من ذاك العنف إلى اللطف ومن التوبيخ إلى إسماع الحق قائلاً:
(والناس كلهم بنو آدم لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) إلى قوله: ﴿إن
أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات - ١٣] وفي ذكر التراب إشارة إلى نقصانهم وأنهم فيه سواء
طف الصاع بالصاع. (رواه الترمذي وأبو داود). وروى البزار بسند حسن عن حذيفة مرفوعاً
(«كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من
الجعلان)».
٤٩٠٠ - (وعن مطرف) بتشديد الراء المكسورة (ابن عبد الله بن الشخير) بكسر فتشديد
خاء معجمة، وفي نسخة بالتعريف. قال المؤلف في فصل التابعين: مطرف عامري بصري
روى عن أبي ذر وعثمان بن أبي العاص، وفد أبوه على النبي ◌َّ في بني عامر، روى عنه ابناه
مطرف ويزيد (قال:) أي قال أبي: ((انطلقت))) كما في سنن أبي داود، ذكره السيد جمال الدين
وهو المفهوم من أسماء الرجال ((في وفد بني عامر إلى رسول الله))) أي قاصدين ومتوجهين إليه
الحديث رقم ٤٩٠٠: أخرجه أبو داود في السنن ١٥٤/٥ الحديث رقم ٤٨٠٦. وأحمد في المسند ٤/ ٢٥.

١٢٥
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
وَ﴿، فقلنا: أنتَ سيِّدنا. فقال: ((السيِّدُ اللَّهُ)) فقلنا وأفضلُنا فضلاً، وأعظمُنا طَوْلاً. فقال:
((قولوا قولكم، أو بعضَ قولِكم، ولا يستجرِينَكُم الشيطانُ)).
((صلى الله عليه وسلم فقلنا:))) أي بعدما وصلنا ((أنت سيدنا فقال: السيد الله)))، وفي نسخة
السيد هو الله بزيادة ضمير الفصل لمزيد تأكيد إفادة الحصر مبالغة في تعظيم ربه وتواضع نفسه،
فحوّل الأمر فيه إلى الحقيقة مراعاة للآداب الشرعية والطريقة أي الذي يملك نواصي الخلق
ويتولاهم ويسوسهم هو الله سبحانه، وهذا لا ينافي سيادته المجازية الإضافية المخصوصة
بالأفراد الإنسانية حيث قال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) أي لا أقول افتخاراً، بل تحدثاً بنعمة
الله وإخباراً بما أمرني الله، وإلا فقد روى البخاري عن جابر أن عمر كان يقول: أبو بكر سيدنا
وأعتق سيدنا يعني بلالاً اهـ. وهو بالنسبة إلى بلال تواضع والله أعلم. ((فقلنا: وأفضلنا فضلاً)))
أي مزية ومرتبة، ونصبه على التمييز ((وأعظمنا طولاً)) أي عطاء للأحباء وعلواً على الأعداء،
والواو الأولى استئنافية لربط الكلام أو من قبيل العطف على التوهم ((فقال: قولوا قولكم))) أي
مجموع ما قلتم، أو هذا القول ونحوه (أو بعض قولكم))) أي اقتصروا على إحدى الكلمتين
من غير حاجة إلى المبالغة بهما، ويمكن أن تكون أو بمعنى بل أي بل قولوا بعض ما قلتم
مبالغة في التواضع، وقيل: ((قولوا قولكم الذي جئتم لأجله وقصدتموه، ودعوا غيركم مما لا
يعنيكم)) ونظيره قوله ◌َّيليه لجويريات يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائهن يوم بدر إذ قالت
إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، دعي هذه وقولي: ما كنت تقولين أو قولوا قولكم المعتاد
المسترسل فيه على السجية دون المستعمل للإطراء والتكلف لمزيد الثناء، وحاصله لا تبالغوا
في مدحي فضلاً عن غيري ((ولا يستجرينكم الشيطان))) أي لا يتخذنكم جرياً بفتح الجيم
وكسر الراء وتشديد التحتية أي كثيراً لجري في طريقه ومتابعة خطواته، وقيل: هو من الجراءة
بالهمزة أي لا يجعلنكم ذوي شجاعة على التكلم بما لا يجوز، وفي النهاية أي ((لا يغلبنكم
فيتخذكم جرياً أي رسولاً ووكيلاً، وذلك أنهم كانوا مدحوه فكره لهم المبالغة في المدح فنهاهم
عنه، والمعنى تكلموا بما يحضركم من القول ولا تتكلفوه كأنكم وكلاء الشيطان ورسله تنطقون
على لسانه))، هذا زبدة الكلام في مقام المرام، وقد تكلف الطيبي حيث قال: وأفضلنا عطف
على قوله: سيدنا كأنهم قالوا: أنت سيدنا وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فكره رسول الله وَلقول
الكل وخص الرد بالسيد، فأدخل الراوي كلامه بين المعطوف والمعطوف عليه، والذي يدل
على كراهة الكل قوله: ((قولوا قولكم)) أي بقول أهل ملتكم، وما هو من شعار المسلمين،
وذلك قولهم: ((رسول الله ونبي الله))، وقال المظهر: وقوله: ((قولوا قولكم)) يعني قولوا هذا
القول أو أقل منه ولا تبالغوا في مدحي بحيث تمدحونني بشيء يليق بالخالق ولا يليق
بالمخلوق. وقال الخطابي: أراد ◌َّلته بقوله: قولوا بقول أهل دينكم أو ملتكم وادعوني نبياً
ورسولاً كما سماني الله في كتابه، ولا تسموني سيداً كما تسمون رؤساءكم وعظماءكم لأني
لست كأحد منهم إذ كانوا يسودونكم في أسباب الدنيا وأنا أسودكم بالرسالة والنبوّة فسموني
رسولاً ونبياً)). وقال التوربشتي: سلك القوم في الخطاب معه مسلم مع رؤساء القبائل، فإنهم
يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب، فكره ذلك لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول فإنها

١٢٦
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
رواه أحمد وأبو داود.
٤٩٠١ - (٩) وعن الحسن، عن سمُرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الحسَبُ المالُ،
والكرَمُ التَّقْوى)). رواه الترمذي، وابنُ ماجه.
المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر، (رواه أبو داود). وفي نسخة صحيحة رواه أحمد
وأبو داود.
٤٩٠١ - (وعن الحسن) أي البصري، فإنه المراد عند الإطلاق على اصطلاح المحدثين
لكن لم يظهر وجه ذكره، فإن مقتضى العادة هو الاكتفاء بذكر الصحابي إلا لسبب عارض في
الإسناد محوج إلى ذكر التابعي. (عن سمرة) بفتح وضم (قال: قال رسول الله تليفون: ((الحسب)))
بفتحتين ((المال))) أي مال الدنيا الحاصل به الجاهل غالباً ((والكرم») أي الكرم المعتبر في
العقبى المترتب عليه الإكرام بالدرجات العلى ((التقوى))) لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله
أتقاكم﴾ [الحجرات - ١٣] وفيه تنبيه نبيه على ((أن الدنيا فانية والأخرى باقية، فآثروا ما يبقى
على ما يفنى، فإن من أحب آخرته أضر بديناه، ومن أحب دنياه أضر بعقباه فما ضدان لا
يجتمعان))، فمثالهما كفتا الميزان، ونعم ما قال بعض أرباب الحال:
زيادة المرء في دنيا نقصان
وربحه غير محض الخير خسران
٠٠.٠
قال شارح: الحسب ما يعده الرجل من مفاخر آبائه، والكرم ضد اللؤم فقيل: معناه الشيء
الذي يكون به الرجل عظيم القدر عند الناس هو المال، والشيء الذي يكون به عظيم القدر عند
الله التقوى والافتخار بالآباء ليس بشيء منهما، وبهذا المعنى يظهر مناسبة إيراد هذا الحديث
بعنوان الباب وقيل: معناه ((أن الغني يعظم كما يعظم الحسيب وأن الكريم هو المتقي لا من يجود .
بماله ويخطر بنفسه ليعد جواداً شجاعاً)). وقال الطيبي: الحسب ما يعده من مآثره ومآثر آبائه،
والكرم الجمع بين أنواع الخير والشرف والفضائل، وهذا بحسب اللغة، فردهما وَّو إلى ما هو
المتعارف بين الناس وعند الله أي ليس ذكر الحسب عند الناس للفقير حيث لا يوقر ولا يحتفل
به، بل کل الحسب عندهم من رزق الثروة ووقر في العیون، ومنه حديث عمر رضي الله عنه من
حسب الرجل اتقاء ثوبيه أي أنه يوقر لذلك من حيث إنه دليل الثروة وذو الفضل والشرف عند
الناس، ولا يعد كريماً عند الله، وإنما الكريم عنده من ارتدى برداء التقوى وأنشد:
كانت مودة سلمان له نسباً
ولم يكن بين نوح وابنه رحم
(رواه الترمذي وابن ماجه). وقال الترمذي: حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
ذكره ميرك، وكذا رواه أحمد والحاكم(١).
الحديث رقم ٤٩٠١: أخرجه الترمذي في السنن ٣٦٣/٥ الحديث رقم ٣٢٧١، وابن ماجه في ٢/ ١٤١٠
الحديث رقم ٤٢١٩، وأحمد في المسند ٥/ ١٠.
(١) الحاكم في المستدرك ١٦٣/٢.

١٢٧
/٠٠
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
٤٩٠٢ - (١٠) وعن أَبيِّ بن كعب، قال: سمعتُ رسولَ اللهِّهِ يقولُ: ((مَن تعزَّى
بعزاءِ الجاهليَّةِ، فأعضُّوهُ بهَنِ أبيه ولا تَكْنوا)). رواه في ((شرح السنَّة)).
٤٩٠٣ - (١١) وعن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي عُقبةَ، عن أبي عُقبةَ، وكانَ مولىّ مِنْ أهلِ
فارس، قال: شهِدتُ مع رسول الله وَّهِ أُحُداً، فضربتُ رجلاً منَ المشركينَ، فقلتُ: خذها
مني وأنا الغُلامُ الفارسيُّ! فالتفتَ إِليَّ فقال: ((هلأَّ قلتَ: خُذْها مني وأنا الغلامُ
الأنصاريّ؟)).
٤٩٠٢ - (وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلفهل يقول: ((من
تعزى))) أي انتسب ((بعزاء الجاهلية))) بفتح العين أي نسب أهلها وافتخر بآبائه وأجداده
((فأعضّوه))) بتشديد الضاد والمعجمة من أعضضت الشيء جعلته بعضه، والعض أخذ الشيء
بالأسنان أو باللسان على ما في القاموس ((بهن أبيه))) بفتح الهاء وتخفيف النون، وفي النهاية
لهن بالتخفيف والتشديد كناية عن الفرج أي قولوا له: أعضض بذكر أبيك أو أيره أو فرجه)»،
(ولا تكنوا) بفتح أوّله وضم النون أي لا تكنوا بذكر الهن عن الأير بل صرحوا له بآلة أبيه التي
كانت سبباً فيه تأديباً وتنكيلاً، وقيل: معناه من انتسب وانتمى إلى جاهلية بإحياء سنة أهلها
وابتداع سنتهم في الشتم واللعن والتعبير، ومواجهتكم بالفحشاء والتكبر، فاذكروا له قبائح أبيه
من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك مما كان يعير به من لؤم ورذالة صريحاً لا
كناية كي يرتدع عن التعرض لأعراض الناس. (رواه) أي صاحب المصابيح (في شرح السنة)
أي بإسناده.
٤٩٠٣ - (وعن عبد الرحمن بن أبي عقبة) بضم أوّله هو مولى جبير بن عقيق (عن أبي
عقبة)، قال ميرك: اسمه رشد بضم الراء وفتح الشين المعجمة مولى الأنصار، ويقال: مولى
بني هاشم، وقال المؤلف: هو صحابي من أبناء فارس وابنه عبد الرحمن تابعي، روى عن أبيه
وعن داود بن الحصين، (وكان) أي أبو عقبة (مولى من أهل فارس قال: شهدت مع رسول الله
* أحداً) بضمتين أي حضرته (فضربت رجلاً من المشركين) أي برمي أو برمح أو بسيف
(فقلت: ((خذها))) أي الضربة أو الطعنة مني ((وأنا الغلام الفارسي))) بكسر الراء، والجملة حال
وهذا على عادتهم في المحاربة أن يخبر الضارب المضروب باسمه ونسبه إظهاراً بشجاعته
((فالتفت إلي رسول الله وَّ ر فقال: هلا قلت:))) ((أي لا قلت ((خذها مني وأنا الغلام
الأنصاري))) أي إذا افتخرت عند الضرب فانتسب إلى الأنصار الذين هاجرت إليهم ونصروني،
الحديث رقم ٤٩٠٢: أخرجه البغوي في شرح السنة ١٢٠/١٣ الحديث رقم ٣٥٤١، وأحمد في المسند
٠١٣٦/٥
الحديث رقم ٤٩٠٣: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤٢/٥ الحديث رقم ٥١٢٣، وابن ماجه في ٩٢١/٢
الحدیث رقم ٢٧٨٤.

١٢٨
٦/٧٢
دبي
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
رواه أبو داود.
٤٩٠٤ - (١٢) وعن ابن مسعودٍ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((مَن نصرَ قومَه على غيرِ
الحقّ فهو کالبعيرِ الذي رُدِّي، فهو یُنزَعُ بذنبه». رواه أبو داود.
٤٩٠٥ _ (١٣) وعن واثلة بن الأسقَع، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! ما العصبيَّةُ؟ قال:
((أنْ تُعينَ قومكَ على الظلمِ)). رواه أبو داود.
٤٩٠٦ - (١٤) وعن سُراقَة بن مالكِ بن جُعْشُم،
وكان فارس في ذلك الزمان كفاراً فكره و لتر الانتساب إليهم وأمره بالانتساب إلى الأنصار ليكون
منتسباً إلى أهل الإسلام، وفيه إشعار بأن الصحابة مما عدا المهاجرين قد يطلق عليهم الأنصار
وليسوا بمخصوصين بأهل المدينة كما يتوهم، وبهذا يحصل العموم والشمول للصحابة في قوله
تعالى: ﴿من المهاجرين والأنصار﴾ [التوبة - ١٠٠] (رواه أبو داود).
١٣٠/١٢/07
/ ١٦٧٧٧٠
٤٩٠٤ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي وَلجر قال: ((من نصر قومه على غير
الحق))) أي على باطل أو مشكوك ((فهو كالبعير الذي ردي))) بفتح الدال مخففة، وفي نسخة
بكسرها وفتح الياء، وفي نسخة صحيحة بضم الراء وكسر الدال مشددة وفتح الياء أي تردى
وسقط في البئر، وقيل: معناه هلك ((فهو))) أي البعير إذا وقع فيها ((ينزع))) بصيغة المفعول أي
يعالج ويخرج ((عنها بذنبه))) أي بجر من ورائه، قيل: المعنى أوقع نفسه في الهلكة بتلك
النصرة الباطلة حيث أراد الرفعة بنصرة قومه، فوقع في حضيض بئر الإثم وهلك كالبعير، فلا
ينفعه كما لا ينفع البعير نزعه عن البئر بذنبه، وقيل: شبه القوم، ببعير هالك لأن من كان على
غير حق فهو هالك، وشبه ناصرهم بذنب هذا البعير، فكما أن نزعه بذنبه لا يخلصه من
الهلكة، كذلك هذا الناصر لا يخلصهم عن بئر الهلاك التي وقعوا فيها. (رواه أبو داود). وأما
ما رواه البيهقي والضياء عن أنس مرفوعاً ((من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا الآخرة))
فمحمول على نصرة الحق وإن كان اللفظ مطلقاً.
٤٩٠٥ - (وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله ما العصبية؟) أي
الجاهلية ((قال: إن تعين قومك على الظلم))) يعني أن الواجب عليك متابعة الحق من غير نظر
إلى ملاحظة الحق، ولهذا قال ◌َّير على ما رواه الدارمي وابن عساكر عن جابر مرفوعاً ((انصر
أخاك ظالماً أو مظلوماً، إن يك ظالماً فأردده عن ظلمه، وإن يك مظلوماً فانصره)). (رواه أبو
داود)، وكذا ابن ماجه.
٤٩٠٦ - (وعن سراقة) بضم أوّله (ابن مالك بن جعشم) بضم جيم وسكون عين مهملة
الحديث رقم ٣٩٠٤: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤١/٥ الحديث رقم ٥١١٨.
الحديث رقم ٤٩٠٥: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤١/٥ الحديث رقم ٥١١٩، وابن ماجه في ١٣٠٢/٢
الحدیث رقم ٣٩٤٩.
الحديث رقم ٤٩٠٦: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤١/٥ الحديث رقم ٥١٢٠.

١٢٩
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
قال: خطبنا رسولُ اللهِ وََّ، فقال: ((حيرُكم المدافعُ عن عشيرتِه ما لم يأْثَم)). رواه أبو
داود.
٤٩٠٧ - (١٥) وعن جُبيرٍ بن مُطعم، أنَّ رسولَ اللهِ وَر [٣٦٨ - أ-] قال: ((ليسَ منَّا
مَنْ دعا إِلى عصبيَّة، وليسَ منَّا مَن قاتلَ عَصْبيَّةً، وليسَ منَّا مَن ماتَ على عصبيَّة)). رواه أبو
داود.
٤٩٠٨ - (١٦) وعن أبي الدَّرداءِ، عن النبيِّ نَّه قال: ((حبُّكَ الشيءَ يُعْمي ويُصِمُ)).
وضم شين معجمة، قال المؤلف: مدلجي كناني كان ينزل قديداً، ويعد في أهل المدينة. روى
عنه جماعة، وكان شاعراً مجيداً مات سنة أربع وعشرين (قال: خطبنا رسول الله وَ لا فقال:
(خيركم المدافع عن العشيرة))) أي أقاربه المعاشر معهم ((ما لم يأثم))) أي ما لم يظلم على
المدفوع، فإنه حينئذ يكون جامعاً بين نصرة المظلوم ووصلة الأقارب، ثم اعلم أنه لو قدر على
دفع الظالم عن قومه بكلام لم يجز له الضرب، ولو قدر بالضرب لم يجز له القتل لأنه من باب
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب مراعاة الترتيب. قال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل - ١٢٥] إلى قوله: ﴿وإن عاقبتم
فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ [النحل - ١٢٦] الآية. (رواه أبو داود).
٤٩٠٧ - (وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه) مره ذكره (أن رسول الله ويالجو قال: ((ليس
منا))) أي من أهل ملتنا أو من أصحاب طريقتنا ((من دعا))) أي الناس ((إلى عصبية))) أي إلى
اجتماع عصبية في معاونة ظالم، وفي الحديث ما بال دعوى الجاهلية؟ قال صاحب النهاية: هو
قولهم: يا آل فلان كانوا يدعون بعضهم بعضاً عند الأمر الحادث)» («وليس منا من قاتل
عصبية))) أي بالباطل ((وليس منا من مات على عصبية))) أي على طريقتهم من حمية الجاهلية.
(رواه أبو داود).
٤٩٠٨ - (وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه عن النبي ◌َّ قال: ((حبك))) من إضافة
المصدر إلى فاعله ومفعوله ((الشيء))) وهو مبتدأ خبره ((يعمي ويصم))) بضم أوّلهما وكسر
عينهما أي يجعلك أعمى عن رؤية معايب الشيء المحبوب بحيث لا تبصر فيه عيباً ويجعلك
أصم عن سماع قبائحه بحيث لا تسمع فيه كلاماً قبيحاً لاستيلاء سلطان المحبة على فؤادك،
كما قال:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة
ولكن عين السخط تبدي المساويا
وحاصله أنك ترى القبيح منه حسناً وتسمع منه الخنا قولاً جميلاً، كما قيل:
الحديث رقم ٤٩٠٧: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤٣/٥ الحديث رقم ٥١٢١.
الحديث رقم ٤٩٠٨: أخرجه أبو داود في السنن ٣٤٦/٥ الحديث رقم ٥١٣٠، وأحمد في المسند ١٩٤/٥.
٠٠١/١١/٢

١٣٠
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
رواه أبو داود.
٠٠٠
الفصل الثالث
٤٩٠٩ - (١٧) عن عُبادةَ بن كثيرِ الشاميِّ من أهلِ فلسطينَ، عن امرأةٍ منهم يُقال لها
فَسيلةً، أنَّها قالت: سمعتُ أبي يقولُ: سألتُ رسولَ الله وَّرَ، فقلتُ: يا رسول الله! أمِنَ
العصبيَّةِ أنْ يُحبَّ الرجل قومَه؟ قال: ((لا، ولكنْ منَ العصبيَّةِ أنْ ينصرَ الرجلُ قومَه على
الظلمِ)). رواه أحمد، وابنُ ماجه.
٤٩١٠ - (١٨) وعن عُقبةَ بن عامرٍ، قال: قال رسول الله بَّهِ: ((أنسابُكم هذِه ليستْ بمسبَّةٍ
فتفعله فيحسن منك ذاكا
ويقبح من سواك الفعل عندي
وقال الأستاذ أبو علي: ((حبك الشيء يعمي عن الغير غيرة، وعن المحبوب هيبة)). قال
الطيبي: ومورد الحديث في الذم وذكر العصبية يستدعي أن يقال: إنه وَلّ قال فيمن يتعصب
لغيره ويحاميه بالباطل ((وحبه إياه يعميه عن أن يبصر الحق في قضيته ويصمه عن أن يسمع الحق
في قصته))، وإلا فالحديث ذو وجهين. (رواه أبو داود)، وكذا أحمد والبخاري في تاريخه عنه،
والخرائطي في اعتلال، القلوب عن أبي برزة وابن عساكر عن عبد الله بن أنيس والله أعلم.
١٢٠١٥
٦٢٧٥
(الفصل الثالث)
٠٫٠٠٠٠
٤٩٠٩ - (عن عبادة بن كثير الشامي)، لم يذكره المصنف في أسمائه، (من أهل فلسطين)
بكسر ففتح فسكون فنون مفتوحة، وفي المغني فلسطون وفلسطين بكسر أوّلهما، وفي القاموس
وقد يفتح فاؤهما كورة بالشام تقول: في حال الرفع بالواو وبالنصب والجر بالياء، أو تلزمها
الياء في كل حال. (عن امرأة منهم) أي من أهل فلسطين (يقال لها: فسيلة) بفتح فاء فكسر
سين مهملة، وفي نسخة بالتصغير، ولم يذكرها المؤلف في التابعيات (أنها قالت: ((سمعت
أبي))) ليس له ذكر في أسماء المؤلف ((يقول:))) أي أبو فسيلة («سألت رسول الله وَّه فقلت: يا
رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه؟))) أي حباً بليغاً ((قال: لا. ولكن من العصبية أن
ينصر الرجل قومه على الظلم))) أي على ظلمهم أو مع ظلمهم أو على وجه الظلم (رواه أحمد
وابن ماجه).
٤٩١٠ - (وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه. قال: قال رسول الله ويتلقى: ((أنسابكم هذه)))
أي المعروفة المشهورة كأمر محسوس يشار إليه ((ليست بمسبة))) بفتحتين وتشديد موحدة أي
الحديث رقم ٤٩٠٩: أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٣٠٢ الحديث رقم ٣٩٤٩، وأحمد في المسند ١٠٧/٤.
الحديث رقم ٤٩١٠: أخرجه أحمد في المسند ١٤٥/٤، والبيهقي في شعب الإيمان ٢٩٢/٤ الحديث رقم
٥١٤٦.
١٠

١٣١
کتاب الآداب/ باب البر والصلة
٥٢٥٢
T WE
١٤٢٢٠
على أحدٍ، كلكم بنو آدمَ طَفُّ الصَّاعِ بالصَّاعِ لم تملؤوه، ليسَ لأحدٍ على أحدٍ فضلٌ إِلاَّ بدينٍ
وتقوى، كفى بالرجل أن يكونَ بذيّاً فاحشاً بخيلاً)). رواه أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
(١٤) باب البر والصلة
محل سب وسبب عار ((على أحد)) أي منكم ((كلكم بنوا آدم))) أي جميعكم أولاد آدم وحواء
(«طف الصاع بالصاع))) بفتح طاء وتشديد فاء، وهو مرفوع ومنصوب، والثاني أظهر على أنه
بنزع الخافض ورفعه على الخبرية، وبنو آدم بيان أو بدل أو مبتدأ ثان، فيكون من التشبيه البليغ
أي كلكم متساوون في النسبة إلى أب واحد متقاربون كتقارب ما في الصاع أو تساويه للصاع إذا
لم يملأ ملأ تاماً حتى يزداد عليه، وهذا معنى قوله: ((لم تملؤوه))) أي والحال أنكم لم
تملؤوه، وفي النهاية أي قريب بعضكم من بعض يقال: هذا طف المكيال أي ما قرب من
ملئه، والمعنى كلكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية
التمام شبيههم في نقصانهم بالمكيل الذي لم يبلغ المكيال، ثم اعلم أن التفاضل ليس بالنسب
ولكن بالتقوى حيث قال: ((ليس لأحد))) أي على أحد كما في نسخة ضعيفة ((فضل))) أي
زيادة مرتبة ((الأبدين))) أي من الأديان الحقة ((وتقوى))) بالقصر، وفي نسخة بالتنوين أي
باجتناب من الشرك الجلي والخفي واحتراز من الكبائر والصغائر، والحاصل أن أفراد الإنسان
كلهم في مرتبة النقصان والخسران إلا ذوي التقوى والكمال من أهل الأديان كما أشار إليه
سبحانه وتعالى بقوله: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾
[العصر - ١ - ٣] هذا وقال الطيبي: قوله: طف الصاع يجوز نصبه على أنه حال مؤكدة نحو
زيد أبوك عطوفاً فإن ذكر بني آدم يدل على النقصان لكونهم من التراب، وبالرفع على أنه بدل
أو خبر بعد خبر، والباء في بالصاع للحال أي طف الصاع مقابلاً بمثله من النقصان، والمراد
التسوية بينهم في النقصان ((كفى بالرجل))) الجار والمجرور فاعل كفى، والتمييز محذوف أي
مسبة وعاراً أو نقصاناً ((أن يكون بذياً)) بيان للتمييز كقوله {َ ليه: ((كفى بالمرء اثماً أن يحدث
بكل ما سمع)) (١). وهو فعيل من البذاء بمعنى الكلام القبيح فقوله: ((فاحشاً)) عطف بيان له،
وفي القاموس البذي كرضى الرجل الفاحش ((بخيلاً)) أي جامعاً بين إطالة اللسان وتقصير
الإحسان. (رواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان).
باب البر والصلة
في النهاية البر بالكسر الإحسان، وهو في حق الأبوين والأقربين ضد العقوق، وهو الإساءة
إليهم والتضييع لحقهم، يقال: بريبر فهو بار، وجمعه بررة، وجمع البرابر، وصلة الرحم كناية
عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطِّف عليهم والرفق بهم والرعاية
لأحوالهم، وقطع الرحم ضد ذلك يقال: وصل رحمه يصلها وصلاً وصلة والهاء فيها عوض عن
(١) راجع باب الاعتصام الفصل الأول.
٤٨.٤

١٣٢
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
الفصل الأول
٤٩١١ - (١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رجل: يا رسول الله! من أَحقُّ بحسْنٍ
قرابتي؟ قال: ((أُمُك)). قال: ثمَّ من؟ قال: ((أُمُّك)). قال: ثمّ من؟ قال: ((أُمُّك)). قال: ثم
من؟ قال: ((أبوك)). وفي رواية، قال: ((أمَّك، ثمَّ أمكَ، ثمّ أمَّكَ، ثمَّ أباك، أدناكَ أدناكَ)).
متفق عليه .
الواو المحذوفة فكأنه بالإحسان إليهم قد وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة والصهر.
(الفصل الأول)
٤٩١١ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله من أحق) أي أولى
وأليق (بحسن صحابتي) بفتح أوّله وبكسر أي بإحسان مصاحبتي في معاشرتي، قال الجوهري:
صحبه يصحبه صحبة بالضم وصحابة بالفتح، وفي القاموس صحبة كسمعه صحابة ويكسر،
وصحبه عاشره، وقال النووي: هو بفتح الصاد هنا بمعنى الصحبة (قال: أمك) بالرفع كذا في
الأصول المعتمدة والنسخ المصحّحة هنا وفيما بعده إلى آخر الرواية الأولى، وفي نسخة
بالنصب، وهو خطأ، كما سنذكر وجهه(قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك،
قال: ثم من؟ قال: أبوك) وفي رواية قال: قال ميرك: هذه الرواية من إفراد مسلم فتأمل في
قوله: متّفق عليه، قلت: أراد المتّفق عليه معنى (أمك) بالنصب على الإغراء أي ألزم أمك أي
أحسن صحبتها أو رعاية معاشرتها أو على نزع الخافض أي أحسن إليها أو على المفعول به،
والتقدير بر أمك وهو الأظهر (ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك) أي أقربك (أدناك) بحذف
العاطف وأعيد للتأكيد، قال الطيبي: قوله: ((أمك)) الخ جاء مرفوعاً في رواية، وفي أخرى
منصوباً أما الرفع فظاهر والنصب على معنى أحق من أبر، ويدل عليه رواية بهز بن حكيم من
أبر اهـ، وهو موهم أن أمك في الروايتين جاء مرفوعاً ومنصوباً وليس كذلك، بل الرفع متعيّن
في الأول لقوله: أبوك هناك، والنصب متعيّن هنا لقوله: ((أباك)) وإياك أن تخلط الرواية فتحرم
الدراية، وفي شرح للنووي فيه الحث على بر الأقارب وأن الأم أحقّهم بذلك ثم بعدها الأب
ثم الأقرب فالأقرب قالوا: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه وشفعتها وخدمتها، قلت: وفي
التنزيل إشارة إلى هذا التأويل في قوله تعالى: ﴿حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله
ثلاثون شهراً﴾ [الأحقاق - ١٥] فالتثليث في مقابلة ثلاثة أشياء مختصة بالأم وهي تعب الحمل
ومشقة الوضع ومحنة الرضاع. (متفق عليه).
الحديث رقم ٤٩١١: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٠١/١٠ الحديث رقم ١٩٧١، ومسلم في ٤/ ١٩٧٤
الحديث رقم (١ - ٢٥٤٨) وابن ماجه في السنن ٢/ ١٢٠٧ الحديث رقم ٣٦٥٨.

١٣٣
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
٤٩١٢ - (٢) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((رَغِمَ أَنفُه، رغم أنفه، رغم أنفُه)).
قيل: من يا رسول الله؟ قال: ((من أدركَ والديه عندَ الكبرِ، أحدُهما أو كلاهما، ثم لم
يدخل الجنة)).
٤٩١٢ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلاير: رغم) بفتح
فكسر أي لصق بالرغام وهو التراب المختلط بالرمل (أنفه)، والمراد به الذل وهو اخبار أو
دعاء، والضمير مبهم سيبينه، والقصد من الإبهام ثم التبيين كونه أوقع في نفس السامع، وكذا
تأكيداً بإعادته مرتين (رغم أنفه قيل: من) أي من هو أو هو من أو تعني من أو أنف من (با
رسول الله: قال: من أدرك والديه) فيه تغليب، (عند الكبر) خص به لأنه أحوج الأوقات إلى
حقوقهما. قال المظهر: هو ظرف في موضع الحال، والظرف إذا كان في موضع الحال يرفع
ما بعده فقوله: (أحدهما) مرفوع بالظرف وقوله: (أو كلاهما) معطوف على أحدهما أهـ، فهما
فاعلان في المعنى، وقال الأشرف: يجوز أن يكون أحدهما خبر المبتدأ محذوف أي مدركه
أحدهما أو كلاهما فإن من أدرك شيئاً فقد أدركه ذلك الشيء وهذه الجملة بيان لقوله: ((من
أدرك والديه))، وفي شرح المصابيح قوله: من أدرك والديه الكبر أحدهما أو كلاهما الكبر فاعل
أدرك وأحدهما مفعوله قلت، الظاهر أنه بدل من مفعوله وهو والديه، قال الطيبي: قوله: عند
الكبر بالإضافة، وأحدهما أو كلاهما مرفوعان، هكذا هو في جميع روايات مسلم، وفي كتاب
الحميدي وجامع الأصول وبعض نسخ المصابيح وغير في بعضها إلى قوله: ((عنده)) بالهاء،
والكبر بالرفع وأحدهما أو كليهما بالنصب، نعم هو في الترمذي كذا عن أبي هريرة أنه
قال ◌َ له: ((رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة)). اهـ ثم عطف على أدرك
أي (ثم) بعد إدراكه ما ذكر وإمهاله مدة يسع فيها قضاء حقوقهما وأداء برهما (لم يدخل الجنة)
بصيغة المعلوم من الدخول أي لم يدخلها بسبب عقوقهما والتقصير في حقوقهما وقال النووي:
معناه أن برهما عند كبرهما وضعفهما بالخدمة والنفقة وغير ذلك سبب لدخول الجنة فمن قصّر
في ذلك فاته دخول الجنة، وقال الطيبي: ثم في قوله: ثم لم يدخل الجنة استبعادية يعني ذل
وخاب وخسر من أدرك تلك الفرصة التي هي موجبة للفلاح والفوز بالجنة ثم لم ينتهزها
وانتهازها هو ما اشتمل عليه قوله تعالى: ﴿وبالوالدين إحساناً أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو
كلاهما﴾ [الإسراء - ٢٣] إلى قوله: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربّياني صغيراً﴾ [الإسراء - ٢٤]
فإنه دل على الاجتناب عن جميع الأقوال المحرمة والإتيان بجميع كرائم الأقوال والأفعال في
التواضع والخدمة والإنفاق عليهما ثم الدعاء لهما في العاقبة. (رواه مسلم). وفي الجامع
الصغير ((رغم أنفه ثم رغم أنفه ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عنده الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم
يدخل الجنة))(١) رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، ورواه الترمذي والحاكم عنه بلفظ: رغم
الحديث رقم ٤٩١٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٧٨/٤ الحديث رقم (٩ - ٢٥٥١)، وأبو داود في السنن ٢/
٣٠٧. الحديث رقم ١٦٦٨، والترمذي في ٥٥٤/٥ الحديث رقم ٣٥٤٥، وأحمد في المسند ٣٤٦/٢.
(١) الجامع الصغير ٢/ ٢٧٣ الحديث رقم ٤٤٦٠.

١٣٤
کتاب الآداب/ باب البر والصلة
رواه مسلم.
٤٩١٣ - (٣) وعن أسماء بنت أبي بكرٍ [رضي الله عنه]، قالت: قدِمَتْ عَليَّ وهي
مشركةٌ في عهدٍ قريشٍ، فقلت: يا رسول الله! إِن أمي قدِمَتْ عليَّ وهي راغبةٌ أفأصِلُها؟
قال: ((نعم صِليها)). متفق عليه.
٤٩١٤ - (٤) وعن عمرو بن العاص، قال: سمعتُ رسولَ الله وَلَه يقول: ((إِنَّ آلَ
أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن
يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة))(١).
٤٩١٣ - (وعن أسماء بنت أبي بكر) أي الصديق الأكبر (رضي الله عنهم قالت: قدمت
على أمي) أي من مكة إلى المدينة (وهي مشركة) أي ما أسلمت بعد (في عهد قريش) متعلّق
بقدمت أي كان ذلك القدوم وفي المدة التي كان عهد المصالحة بينه وَل وبين قريش على ترك
قتالهم فيها (فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي) أي نزلت عندي (وهي راغبة) بالموحدة
أي معرضة (عن الإسلام) أو مائلة فيه أو راغبة في صلتي أو راغبة في الإشراك، وفي نسخة
صحيحة راغمة بالميم أي كارهة إسلامي وهجرتي أو ذليلة محتاجة إلى عطائي، وقيل: أي
هاربة من قومها، قال التوربشتي: قد روي بالباء وكذلك هو في المصابيح، والصواب راغمةً
بالميم بدل الباء، وقال النووي في شرح هذا الحديث: قدمت على أمي وهي راغبة أو راهبة،
وفي الرواية الأخرى راغبة بلا شك وهي مشركة، قال القاضي عياض: الصحيح راغبة بلا
شك، وفي رواية أبي داود راغبة في عهد قريش وهي راغمة مشركة (٢)، قيل: معناه راغبة عن
الإسلام أو كارهةً له، وقيل: طامعة فيما أعطيها حريصةً عليه، ومعنى راغمة بالميم كارهةً
للإسلام ساخطةً له، قال الطيبي: تحريره إن قوله: راغبة إذا أطلقت من غير تقييد يقدر راغبة
عن الإسلام لا غير، وإذا قرنت بقوله: وهي مشركة أو في عهد قريش يقدر راغبة في صلتي،
ليطابق ما رواه أبو داود وهي راغمة، (أفاصلها؟ قال: نعم صليها) أي واعطيها ما يرضيها، قال
النووي: وفيه جواز صلة القريب المشرك. (متفق عليه).
٤٩١٤ - (وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ له يقول: إن آل
(١) الجامع الصغير ٢/ ٢٧٣ الحديث رقم ٤٤٥٩.
الحديث رقم ٤٩١٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٨١/٦ الحديث رقم ٣١٨٣، ومسلم في ٦٩٦/٢
الحديث رقم (٢ - ٦٩٦)، وأحمد في المسند ٣٤٤/٦.
(٢) أبو داود في السنن ٢/ ٣٠٧ الحديث رقم ١٦٦٨.
الحديث رقم ٤٩١٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٩/١٠ الحديث رقم ٥٩٩٠، ومسلم في ١/ ١٩٧
الحديث رقم (٣٦٦ - ٢١٥)، والترمذي في السنن ٣١٦/٥ الحديث رقم ٣١٨٥، والنسائي في
٢٤٨/٦ الحديث رقم ٣٦٤٤، وأحمد في المسند ٥١٩/٢.

١٣٥
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
عمرانٍ ليسوا لي بأولياءَ، إِنما ولييَ اللَّهُ وصالحُ المؤمنين، ولكن لهم رَحِمٌ أَبلُّها بِلاها».
متفق عليه.
٤٩١٥ - (٥) وعن المغيرةٍ[٣٦٨ - ب -] قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((إِنَّ الله حرَّم
عليكم عقوقَ الأمهاتِ،
أبي) أي أبي فلان كما في نسخة صحيحة، فقيل: هو كناية من بعض الرواة خوفاً من الفتنة،
والمكنّى عنه هو أبو سفيان بن حرب، وقيل: هو الحكم بن العاص، والأظهر أنه على العموم
من طوائف قريش أو بني هاشم أو أعمامه وهو ظاهر الحديث أي أهل أبي (ليسوا لي بأولياء)
لأنه كما قال تعالى: ﴿إن أولياؤه إلاّ المثّقون﴾ [الأسراء - ٣٤] وأشار إليه بقوله: (إنما وليي
الله) وفي نسخة بياء واحدة مشددة مفتوحة، وروي مكسورة (وصالح المؤمنین) أي صلحاؤهم،
والمراد بالصالح الجنس، ولذلك عم بالإضافة وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿فإن الله هو مولاه
وجبريل وصالح المؤمنين﴾ [التحريم - ٤] وكذلك في قوله: ﴿إن وليي الله الذي أنزل الكتاب
وهو يتولّى الصالحين﴾ [الأعراف - ١٩٦] إيماءً إلى هذا المعنى، وفي رواية الطبراني عن أنس
مرفوعاً آل محمد كل تقي، وقيل: المراد بصالح المؤمنين الأنبياء، وقيل: أبو بكر وعمر،
وقيل: علي، والصحيح العموم، قال التوربشتي: المعنى إني لا أوالي أحداً بالقرابة، وإنّما
أحب الله سبحانه وأوالي من والى بالإيمان والصلاح وأراعي لذوي الرحم حقّهم بصلة الرحم،
وهذا معنى قوله: (ولكن لهم) أي لآل أبي (رحم) أي قرابة أعم من ذي محرم أو غيره (أبلها)
بضم الموحدة واللام المشدّدة أي أصلها (ببلالها) بكسر الموحدة الثانية ويفتح أي بصلتها
والإحسان إليها، والأصل في معناه أن يقال: ((أنديها بما يجب أن تندى لئلاً تنقطع، وأصلها
بما ينبغي أن توصل به)) يقال: الوصل بل يوجب الالتصاق والاتصال والهجر يبس يفضي إلى
التعنت والانفصال، فالبلال بالكسر ما يبل به الحلق من الماء واللبن، والمراد به ههنا ما يوصل
به الرحم من الإحسان، وقال بعض الشراح، يروى بفتح الباء على المصدر وبكسرها جمع بلل
مثل جمل وجمال، وقيل: الكسر أوجه ومنه قوله عليه السّلام على ما رواه البزار عن ابن
عباس والطبراني عن أبي الطفيل والبيهقي عن أنس وسويد بن عمر ومرفوعاً بلوا أرحامكم ولو
بالسّلام)) أي صلوها وندوها، والعرب تقول للقطيعة: اليبس شبه قطيعة الرحم بالحرارة تطفا
بالماء وتندى بالصلة. (متفق عليه).
٤٩١٥ - (وعن المغيرة) أي ابن شعبة الثقفي أسلم عام الخندق وقدم مهاجراً بالكوفة وهو
أميرها لمعاوية، (قال: قال رسول الله وَ له: إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات) أي مخالفتهن
من العق وهو القطع والشق، المراد صدور ما يتأذّى به أحد الوالدين من ولده عرفاً بقول أو
فعل، وخصّ الأمهات بالذكر للاهتمام بشأنهن وضعفهن، ويمكن أن يكون من قبيل الاكتفاء،
الحديث رقم ٤٩١٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٠٥/١٠ الحديث رقم ٥٩٧٥، ومسلم في ١٣٤١/٣
الحديث رقم (١٢ - ٥٩٣)، والدارمي في ٤٠١/٢ الحديث رقم ٢٧٥١، وأحمد في المسند ٢٦٤/٤.

١٣٦
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
ووأدَ البناتِ، ومنعَ وهاتٍ. وكره لكم قيلَ وقال، وكثرةً السؤالِ،
يذكر أحد الشيئين من الآخر كقوله تعالى: ﴿وسرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل - ٨١] أي الحر
والبرد، وقال الخطابي: لم يخص الأمهات بالعقوق، فإن عقوق الآباء محرّم أيضاً، ولكن نبه
بأحدهما عن الآخر فإن بر الأم مقدّم على بر الأب إلاّ أن لعقوق الأمهات مزية في القبح،
وحق الأب مقدّم في الطاعة وحسن المتابعة لرأيه، والنفوذ لأمره، وقبول الأدب منه. (وأد
البنات) بسكون الهمز ويبدل أي دفنهنّ حيّات، قيل: قدّم حقوق الأمهات لأنهنّ الأصول وعقبه
بوأد البنات لأنهنّ الفروع، فكان ذلك تنبيهاً على أن أكبر الكبائر قطع النسل الذي هو موجب
لخراب العالم (ومنع) بسكون النون ويفتح وبفتح العين على أنه مصدر أو ماضٍ، وفي رواية
الجامع الصغير ومنعاً بالتنوين (وهات) بكسر التاء وهو اسم فعل بمعنى اعط، وعبّر بهما عن
البخل والسؤال أي كره أن يمنع الرجل ما عنده ويسأل ما عند غيره، قيل: ولم ينوّن على رواية
المصدر لأن المضاف إليه محذوف منه مراداً أي كره منع ما عنده، وقول: هات، وفي النهاية
أي حرّم عليكم منع ما عليكم عطاؤه وطلب ما ليس لكم أخذه اهـ. وقيل: نهى عن منع
الواجب من أمواله وأقواله وأفعاله وأخلاقه من الحقوق اللازمة فيها، ونهى عن استدعاء ممّا لا
يجب عليهم من الحقوق، وتكليفه إياهم بالقيام بما لا يجب عليهم، فكأنه ينصف ولا
ينتصف، وهذا من أسمج الخلال (وكره) بكسر الراء، وفي نسخة بتشديدها مع فتحها في
القاموس كرهه كسمعه وكرهه إليه تكريهاً صيّره كريهاً (لكم) أي لأجلكم (قيل: وقال) بصيغتي
المجهول والمعلوم للماضي، في الفائق نهى عن فضول ما يتحدّث به المجالسون من قولهم:
قيل كذا، وقال: كذا، وبناؤهما على كونهما فعلين محكيين متضمّنين للضمير، والإعراب على
إجرائهما مجرى الأسماء خاليين من الضمير، ومنه قوله: إنّما الدنيا، قال: وقيل: وإدخال
حرف التعريف عليهما لذلك في قولهم: يعرف من القيل، وفي النهاية، وهذا النهي إنّما يصح
في قول لا يصح ولا يعلم حقيقته فأما من حكى ما يصح ويعرف حقيقته وأسنده إلى ثقة صادق
فلا وجه للنهي عنه ولا ذم، وقال أبو عبيد: فيه تجوّز عربية، وذلك أنه يجعل كلاً من القيل
والقال مصدراً كأنه نهى عن قيل، وقول: يقال قلت: قولاً وقالا، وقيلا، وهذا التأويل على
أنهما اسمان، وقيل: أراد النهي عن كثرة الكلام مبتدئاً ومجيباً، وقيل: هذا الكلام يتضمّن
بعمومه حرمة النميمة والغيبة، فإن تبليغ الكلام من أقبح الخصال، والإصغاء إليها من أفحش
الفعال. وقال شارح قوله: قيل وقال، إما مصدران أتى بهما للتأكيد وحذف التنوين الإرادة
المضاف إليه المحذوف أي كره لكم قيل: وقال ما لا فائدة فيه أو ماضيان، وفيه تنبيه على ترك
الخوض في إخبار الناس وتتبيع أحوالهم حكاية أقوالهم وأفعالهم. وقال السيوطي: المراد بها
كثرة الكلام لأنها تؤول إلى الخطأ في المرام وقيل: حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر
بها ويقول: قال فلان كذا، وقيل له: كذا، والنهي إما للزجر عن الاستكثار منه أو لشيء
مخصوص وهو أن يكرهه المحكي عنه ثم هما فعلان ذكرا على الحكاية، وقيل: اسمان
مصدران بمعنى القول، وللكشميهني قيل وقال بالتنوين. (وكثرة السؤال) بالهمز ويبدل، وفيه
وجوه أحدها ما في الفائق السؤال عن أمور الناس وكثرة البحث عنها، وثانيها مسألة الناس
٤/١
2784

٢٠٢٣٠
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
١٣٧
وإِضاعةَ المالِ)). متفق عليه.
٤٩١٦ - (٦) وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله وَلجر: ((من الكبائرِ شتمُ
الرجل والديه)). قالوا: يا رسول الله! وهل يشتمُ الرجلُ والديه؟ قال: ((نعم، يسبُّ أبا
الرجل، فيسبُّ أباه؛ ويسبُّ أُمَّه، فيسبُ أُمَّه)).
أموالهم قال التوربشتي: ولا أرى حمله على هذا، فإن ذلك مكروه وإن لم يبلغ حد الكثرة،
وثالثها كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار المراء، وقيل: بلا حاجة أو مطلقاً، فإنه قد
يفضي به إلى ما لا يعنيه، ورابعها كثرة سؤال النبي وَّ، قال تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء أن
تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة - ١٠١] (وإضاعة المال)، في الفائق هو إنفاقه في غير طاعة الله
والسرف. قال الطيبي: قيل: والتقسيم الحاصر فيه الحاوي بجميع أقسامه أن تقول: إن الذي
يصرف إليه المال إما أن يكون واجباً كالنفقة والزكاة ونحوهما فهذا لا ضياع فيه، وهكذا إن
كان مندوباً إليه، وإما أن يكون مباحاً ولا إشكال إلاّ في هذا القسم إذ كثير من الأمور يعده
بعض الناس من المباحات، وعند التحقيق ليس كذلك كتشييد الأبنية وتزيينها والإسراف في
النفقة والتوسع في لبس الثياب الناعمة والأطعمة الشهية اللذيذة وأنت تعلم أن قساوة القلب،
وغلظ الطبع يتولّد من لبس الرقاق، وأكل الرقاق وسائر أنواع الارتقاق، ويدخل فيه تمويه
الأواني والسقوف بالذهب والفضة وسوء القيام على ما يملكه من الرقيق والدواب حتى تضيع
وتهلك، وقسمة مالا ينتفع الشريك به كاللؤلؤة والسيف يكسران، وكذا احتمال الغبن الفاحش
في البياعات وإيتاء المال صاحبه وهو سفيه حقيق بالحجر، وهذا الحديث أصل في معرفة حسن
الخلق الذي هو منبع الأخلاق الحميدة والخلال الجميلة قلت: وهو من جوامع الكلم وبدائع
الحكم، وممّل يدل على جواز السجع حيث لا تكلّف. (متّفق عليه).
• جدة
جوة
٤٩١٦ - (وعن عبد الله بن عمرو) أي ابن العاص رضي الله عنهما (قال: قال رسول
الله ◌ِ الجر: من الكبائر) يا أي من جملتها أو بعضها (شتم الرجل والديه) أي سبّه إياهما أو أحدهما
ولو تسبباً (قالوا: يا رسول الله وهل يشتم) بكسر عينه ويضم أي يسب (الرجل والديه) أي هل
يقع ذلك (قال: نعم) أي يقع حقيقة تارةً، وهو نادر ومجازاً أخرى، وهو كثير لكن ما تعرفونه
ثم بينه بقوله: (يسب أبا الرجل فيسب) أي الرجل (أباه) أي أبا من سبّه (ويسب) أي تارةً
أخرى، وقد يجمع ويسب أيضاً (أمه) أي أم الرجل (فيسب) أي الرجل (أمه) أي أم سابه وفي
الجمع بين الشتم والسب تفنّن، ففي القاموس شتمه يشتمه ويشتمه سبّه وقد يفرّق بينهما ويقال:
السب أعم، فإنه شامل للعن أيضاً بخلاف الشتم، وأصل السب على ما في القاموس سبّه قطعه
وطعنه في السبّة أي الأست وشتمه والسبة بضم العار، وقيل: وإنّما ذلك من الكبائر إذا كان
i
١
الحديث رقم ٤٩١٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٠٣/١٠ الحديث رقم ٥٩٧٣، ومسلم في ٩٢/١
الحديث رقم (١٤٦ - ٩٠)، وأبو داود في السنن ٣٥٢/٥ الحديث رقم ٥١٤١، والترمذي في
السنن ٢٧٦/٤ الحديث رقم ١٩٠٢، وأحمد في المسند ١٦٤/٢.
١
هون

١٣٨
٩٠٠١٦
کتاب الآداب/ باب البر والصلة
متفق عليه .
٤٩١٧ - (٧) وعن ابن عُمر، قال: قال رسول الله وَ له: «إِنَّ من أبر البرِّ صِلَةَ الرجلِ
أهلَ وُدِّ أبيهِ بعد أن يُولِّي)).
الشتم ممّا يوجب حداً كما إذا شتمه بالزنا والكفر وقال له: أبوك زان أو كافر أو نحوهما، فقال
في جوابه: بل أبوك كافر أو زان أما إذا شتمه بما دون ذلك بأن قال له: أبوك أحمق أو جاهل
أو نحوهما فلا يكون من الكبائر قلت: ((إذا كان بعض أفراده كبيرة فيصدّق عليه أنه من الكبائر
قال الطيبي: ويمكن أن يقال: إنه من الكبائر مطلقاً لأن سبب السب سب، فكأنه واجه أباه
يقوله: ((أنت أحمق وجاهل))، ولا شك أن هذا من الكبائر وقد قال تعالى: (ولا تقل لهما أفٍ
ولا تنهرهما﴾ [الإسراء - ٢٣] ونحوه قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا
الله عدواً بغير علم﴾ [الأنعام - ١٠٨] قلت؛ السب لا يصح أن يكون كبيرة لا سيما إذا وجد من
غير قصد، ألا ترى أنه من سب رافضياً أو خارجياً فسب أحدهما بعض الصحابة لا يعد الأوّل
ساباً، وكذا إذا سب أحد بعض الكفار فيسبوا الله فإنه لا يصير كافراً، نعم ما يتوسّل به إلى
الحرام حرام لكن بشرط وعلمه. قال النووي: وفيه قطع ((بتحريم الوسائل والذرائع فيؤخذ منه
النهي عن بيع العصير لمن يتّخذ الخمر، والسلاح ممّن يقطع الطريق)) ونحو ذلك قلت: ويؤخذ
هذا الحكم من قوله: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ [المائدة -
٢]. (متفق عليه). وروى ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن أبي هريرة مرفوعاً من الكبائر
استطالة الرجل في عرض رجلٍ مسلم، ومن الكبائر البهتان بالسبة.
١ ٢٥/ ٨٠٠٠٦
٤٩١٧ - (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلاغير: ((إن من أبر البر))) أي
أفضله بالنسبة إلى والده، وكذا الوالدة أو هي بالأولى. (صلة الرجل أهل ودّ أبيه) بضم الواو
أي أصحاب مودته ومحبته، وفي القاموس الود الحب والمحب ويثلث اهـ، وإرادة المعنى
الثاني أبلغ هنا كما لا يخفى. (بعد أن يولي) بتشديد اللام المكسورة أي يدبر ويغيب بسفر أو
موت، وهو الأظهر لكونه أبعد من الرياء والسمعة فيكون أخلص، فأجره أكثر، ولمّا رواه أبو
يعلى في مسنده وابن حبان في صحيحه: ((من أحب أن يصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه من
بعده))(١). قال التوربشتي: هذه الكلمة ممّا يتخبّط الناس فيها، والذي أعرفه هو أن الفعل مسند
إلى أبيه أي بعد أن يغيب أبوه أو يموت من ولى يولي، ويؤيّده حديث أبي أسيد الساعدي يعني
الآتي: ((إنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلاّ بهما، وإكرام صديقهما)).
قال الطيبي: وهكذا صحّح في جامع الأصول ومشارق الأنوار أن يولي بضم الياء وفتح الواو
الحديث رقم ٤٩١٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٧٩/٤ الحديث رقم (١٣ - ٢٥٥)، وأبو داود في
السنن ٣٥٣/٥ الحديث رقم ٥١٤٣، والترمذي في ٢٧٦/٤ الحديث رقم ١٩٠٣، وأحمد في
المسند ٨٨/٢.
(١) ابن حبان في ٢/ ١٧٥ الحديث رقم ٤٣٢.

= จน -
١٣٩
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
رواه مسلم.
٤٩١٨ - (٨) وعن أنس، قال: قال رسول الله وَلّهِ: ((من أحبَّ أن يُبسَطَ لهُ في رِزْقِهِ
ويُنْسَأ له في أثرهِ؛ فليصِلْ رحمِه)).
وكسر اللام المشدّدة قلت؛ ولعلّ الخبط جاء من قبيل الضبط بأن ضبط يولي مجهولاً أو معلوماً
من التولي أو من قبل الإسناد حيث أسند إلى أهل ود أبيه والله أعلم. ثم المعنى ((إن من جملة
المبرّات الفضلى مبرّة الرجل من أحباء أبيه، فإن مودّة الآباء قرابة الأبناء)»، وخلاصته أنه إذا
غاب الأب أو مات يحفظ أهل ودّه يحسن إليهم، فإنه من تمام الإحسان إلى الأب، وإنما كان
أبرّ لأنه إذا حفظ غيبته فهو بحفظ حضوره أولى، وإذا راعى أهل وده فكأن مراعاة أهل رحمه
أخرى. (رواه مسلم).
٤٩١٨ - (وعن أنس رضي الله عنه أحب أن يبسط) بصيغة المجهول أي يوسع (له في
رزقه) أي في دنياه أو آخرته. (وينسأ) بضم فسكون ففتح فنصب فهمزة أي يؤخّر له (في أثره)
بفتحتين أي أجله (فليصل رحمه). في النهاية النسأ التأخير، يقال: نسأت الشيء انسأ وأنسأنه
إذا أخرته، والنساء الاسم، ويكون في العمر والدين والأثر والأجل ويسمّى به لأنه يتبع العمر ..
قال زهير:
والنفس واحدةٌ والهم منتشرُ
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها
لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثرُ
والمرء ما عاش ممدودّ له أمل
وأصله من أثر مشيه في الأرض، فإن من مات لا يبقى له أثر فلا يرى لإقدامه في الأرض
أثر. قال النووي في تأخير الأجل. سؤال مشهور وهو أن الآجال والأرزاق مقدّرة ولا تزيد ولا
تنقص، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون، وأجاب العلماء بوجوه أحدها أن
الزيادة بالبركة في العمر بسبب التوفيق في الطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانتها
عن الضياع وغير ذلك، وثانيها أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ ونحو
ذلك، فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد له أربعون
وقد علم الله تعالى ما سيقع له من ذلك، وهو من معنى قوله تعالى: ﴿يمحو الله ما يشاء
ويثبت﴾ [الرعد - ٣٩] فبالنسبة إلى علم الله تعالى وما سبق قدره لا زيادة بل هي مستحيلة،
وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين يتصوّر الزيادة وهو مراد الحديث، وثالثها أن المراد بقاء ذكره
الجميل فكأنه لم يمت وهو ضعيف اهـ. وإنّما قال: في القول الأوسط أنه مراد الحديث، لأن
الأوّل أيضاً يرجع إليه، فإن بركة العمر وتوفيق العمل من جملة المقدّرات التي لا تزيد ولا
تنقص في الحقيقة وكذا الأخير، وإنجما ضعفه لأنه من جملة الصيت المشتمل على الرياء
والسمعة غالباً فلا يصح أن يكون مراد الحديث، وإن كان له وجه في الجملة على أنه ورد في
الحديث رقم ٤٩١٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٥/١٠ الحديث رقم ٥٩٨٦، ومسلم في ١٩٨٢/٤
الحديث رقم (٢١ - ٢٥٥٧)، وأبو داود في السنن ٣٢١/٢ الحديث رقم ١٦٩٣.

١٤٠
كتاب الآداب/ باب البر والصلة
متفق عليه .
٤٩١٩ - (٩) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((خلقَ اللَّهُ الخلقَ، فلما
فرَغَ منه قامتِ الرَّحِمُ فأخذت بحقوي الرحمنِ فقال: مه؟ قالت: هذا مقام العائذ بك
غير حديث أن صلة الرحم تزيد في العمر فإرادة غير الأجل المتعارف خلاف الحقيقة والعدول
منها إلى المجاز غير جائز بلا ضرورة، وقد غفل الطيبي عن هذا المعنى فتعقب النووي على غير
المبني فقال: وكان هذا الوجه أظهر، فإن أثر الشيء حصول ما يدل على وجوده، فمعنى يؤخّر
في أثره أي يؤخّر ذكره الجميل بعد موته أو يجري له ثواب عمله الصالح بعد موته قال تعالى:
﴿ونكتب ما قدّموا وآثارهم﴾ [يس - ١٢] قلت: وفيه إن المعنى الثاني عام غير مخصوص بواصل
الرحم. بقي الأوّل قال: وعليه كلام صاحب الفائق حيث قال: يجوز أن يكون المعنى أن الله
يبقي أثر واصل الرحم في الدنيا طويلاً فلا يضمحل سريعاً كما يضمحل أثر قاطع الرحم، قلت:
كيف يجوز ما عبّر عنه الفائق بيجوز أن يكون هو الأظهر في مراد الحديث والله أعلم. (متّفق
عليه). ورواه أبو داود والنسائي عن أنس وأحمد والبخاري أيضاً عن أبي هريرة.
٤٩١٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((خلق الله الخلق(() أي
قدّر المخلوقات في العلم السابق على ما هو عليه وقت وجودهم (فلما فرغ منه) أي لمّا صح
ذلك ووقع ما هنالك، قال التوربشتي: أي قضاء وأتمه أو نحو ذلك ممّا يشهد بأنه مجاز القول
فإنه سبحانه وتعالى لا يشغله شأن عن شأن حتى يطلق عليه الفراغ الذي هو ضد الشغل (قامت
الرحم) أي قيام صورة مصوّرة أو معنوية مقدّرة (فأخذت بحقوي الرحمن) أي بكتفي رحمته
العامة والخاصة؛ والحقو بفتح الحاء وسكون القاف الإزار والخصر ومعقد الازار في اللغة،
والمراد به هنا والله أعلم الاستعارة عن الاستغاثة والاستعانة كما يقال: ((أخذت بذيل الملك
حتى أنصفني))، وتوضيحه أنه لمّا كان من شأن المستجير أن يستمسك بحقوي المستجار به
وهما جانباه الأيمن والأيسر استعير الأخذ بالحقو في اللياذ بالشيء تقول العرب: عذت بحقو
فلان أي استجرت واعتصمت به، والحاصل أن الرحم استعاذت بلسان القال أو ببيان الحال،
والتجأت وعادت بعزّة الله وعظمته من أن يقطها أحد، ووجّه تخصيص الرحمن لا يخفى من
مناسبة المبنى والمعنى ولا يبعد أن يقال: التقدير بحقوى عرش الرحمن أي بطرفيه أو أطراف
ذيله متردّدة من جانب إلى جانب كما يدل عليه حديث عائشة الآتي: ((الرحم معلقة بالعرش»،
(فقال: مه) بفتح ميم وسكون هاء اسم فعل أي اكففي وامتنعي عن هذا الالتجاء، فإن حاجتك
مقضية، والأظهر أن يكون استفهاماً وقلبت الألف هاء ويمكن حذف ألف الاستفهام ثم إتيان
هاء السكت، والمعنى ما يقول، والمراد منه الأمر بإظهار الحاجة ليعلم الاعتناء بها لا
الاستعلام، فإنه يعلم السر وأخفى (قالت: هذا) أي مقامي هذا (مقام العائذ) أي المستعيذ بك
الحديث رقم ٤٩١٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٤١٧/١٠ الحديث رقم ٥٩٨٧ ومسلم في ٤/ ١٩٨٠
الحديث رقم (١٦ - ٢٥٥٤)، وأحمد في المسند ١٩١/١.
١٠