النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
کتاب الآداب/ باب الوعد
منْ قِبَلِ العلاء بن الحضرميِّ. فقال أبو بكرٍ: مَنْ كانَ له على النبيِّ نَِّ دَيْنٌّ، أو كانتْ له
قِبَله عِدَةٌ فليأتِنا. قال جابر: فقلتُ: وعدَني رسولُ اللهِ وَّرِ أنْ يُعطيَني هكذا، وهكذا،
وهكذا. فبسطَ يدَيهِ ثلاثَ مرَّاتٍ. قال جابر: فحَثا لي حَثيةً، فعدَدْتُها فإِذا هيَ خمسمائة،
وقال: خُذْ مثلَيها. متفق عليه.
الفصل الثاني
٤٨٧٩ _ (٢) عن أبي جحيفةً، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَ أبيضَ قد شابَ، وكانَ
الحسنُ بن عليٍّ يشبهُه، وأمرَ لنا
من قبل العلاء بن الحضرمي) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته وهو بفتح العين واسمه
عبد الله، من حضرموت وكان عامل رسول الله ◌َّلقر على البحرين وأقره أبو بكر وعمر رضي الله
عنهما عليها إلى أن مات العلاء سنة أربع عشرة، روى عنه السائب بن يزيد وغيره (فقال أبو
بكر: ((من كان له على النبي وَلّ دين أو كانت له قبله))) بكسر ففتح أي عنده ((عدة») بكسر
فتخفيف دال أي وعد ((فليأتنا))). قال الأشرف وغيره من علمائنا: فيه استحباب قضاء دين
الميت وإنجاز وعده لمن يخلفه بعده، وأنه يستوي فيه الوارث والأجنبي اهـ. وفيه إشعار بأن
الوعد ملحق بالدين كما ورد عنه وَ ير ((العدة دين)) على ما رواه الطبراني في الأوسط عن علي
وابن مسعود. (قال جابر: فقلت: ((وعدني رسول الله وَلفي أن يعطيني هكذا وهكذا))) أي ثلاثاً،
وفي نسخة مرتين والأوّل هو الظاهر لقوله: ((فبسط يديه ثلاث مرات بياناً لهكذا، قال جابر:
فحثا لي حثية))) أي فملأ أبو بكر كفيه من الدراهم وصبها في ذيلي ((فعددتها))) أي ما فيها
((فإذا هي خمسمائة، وقال: خذ مثليها))) أي مثلي ما في الحثية من العدد لئلا يزيد ولا ينقص.
(متفق عليه).
(الفصل الثاني)
٤٨٧٩ - (عن أبي جحيفة) بضم جيم فحاء مهملة مفتوحة فياء ساكنة بعدها. قال
المؤلف: ذكر أن النبي ◌َّ توفي ولم يبلغ الحلم، لكنه سمع منه وروى عنه مات بالكوفة سنة
أربع وسبعين، روى عنه ابنه عوف وجماعة من التابعين (قال: رأيت رسول الله وَ ل* أبيض) أي
أبيض اللون مائلاً إلى الحمرة، ومنه قوله {وَ ل﴿ لعائشة: ((يا حميراء)) (قد شاب) أي بعض لحيته
أو ظهر فيه شيب (وكان الحسن بن علي يشبهه). والمشهور أنه شبيهه في النصف الأعلى
والحسين في النصف الآخر. (وأمر لنا) أي لأجلنا أو لإعطائنا، وهو كذا في جامع الأصول،
الحديث رقم ٤٨٧٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٦٤/٦ الحديث رقم ٣٥٤٤، ومسلم في ١٨٢٢/٤
الحديث رقم (١٠٧ - ٢٣٤٣)، والترمذي في السنن ١١٨/٥ الحديث رقم ٢٨٢٦.

".5
١٠٢
کتاب الآداب/ باب الوعد
بثلاثةَ عشر قلوصاً، فذهبْنا نقبضُها، فأتانا موتُه. فلم يُعطونا شيئاً. فلمَّا قامَ أبو بكرٍ قال:
مَن كانتْ له عندَ رسولِ اللهِ وَهَ عِدَةٌ فلْيجيء فقُمتُ إِليه فأخبرتُه، فأمرَ لنا بها. رواه
الترمذي.
٤٨٨٠ _ (٣) وعن عبدِ الله بن أبي الحَسْماءِ، قال: بايعتُ النبيَّوَ لَّ قبلَ أنْ يُبعثَ،
وبقيتْ له بقيَّةُ، فوعدتُه أنْ آتَيَه بها في مكانِهِ، فنسيتُ، فذكرتُ بعدَ ثلاثٍ، فإِذا هوَ في
مكانِهِ، فقال: ((لقدْ شقَقتَ عليَّ، أنا ههُنا منذُ ثلاثٍ أنتظرْكَ))
وفي سائر نسخ المصابيح أمر له، والأوّل أنسب لاتفاق الضمائر التالية (بثلاثة عشر قلوصاً)
بفتح فضم أي ناقة شابة (فذهبنا نقبضه) أي فشرعنا في الذهاب إلى المأمور لنقبض العطاء
المذكور (فأتانا موته) أي خبر موته (18) بالقدر المقدور (فلم يعطونا شيئاً) فيه دليل على أن
الهبة والعطية والصدقة لا تملك إلا بالقبض (فلما قام أبو بكر) أي خطيباً أو قام بأمر الخلافة
(قال: من كان له عند رسول الله وَلفي عدة فليجيء) أي فليأت إلينا فإن وفاءه علينا، ولعل
الاكتفاء بها وعدم ذكر الدين هنا لأنه يلزم منها بالأولى، ويمكن أن يكون اقتصاراً من الراوي لا
سيما وكلامه في العدة ((فقمت إليه))) أي متوجهاً ((فأخبرته))) أي بما سبق ((فأمر لنا بها))) أي
بالقلوص الموعودة. (رواه الترمذي). قال في جامع الأصول: اتفق البخاري ومسلم والترمذي
على الفصل الأوّل من حديث أبي جحيفة، واتفق البخاري والترمذي على الفصل الثاني،
وانفرد الترمذي بذكر أبي بكر وإعطائه إياهم، كذا قاله الشيخ الجزري في تصحيح المصابيح.
قال ميرك: ولذا قال المؤلف في آخر مجموع الحديث: رواه الترمذي.
٤٨٨٠ - (وعن عبد الله ابن الحمساء) بفتح الحاء المهملة وإسكان الميم وبالسين
المهملة. ذكره الشيخ الجزري في التصحيح وهو كذلك في القاموس وزاد المغني وهو بالمد
(قال: بايعت النبي 98َّ) أي بعت منه بمعنى اشتريت، فهو من البيع لا من المبايعة، فإنه
الطيبي: وفيه أنه غير مستقيم بحسب القاعدة الصرفية، فالظاهر أنه محمول على بيع المقابضة
والمعاوضة فتكون الصيغة من المفاعلة على بابه ((قبل أن يبعث))) أي للرسالة ((وبقيت له))) أي
للنبي وَليزر ((بقية))) أي شيء من ثمن ذلك المبيع ((فوعدته أن آتيه بها))) أي أجيئه بتلك البقية
((في مكانه))) أي المعين أو النسبي ((فنسيت))) أي ذلك الوعد ((فذكرت بعد ثلاث))) أي ثلاث
ليال ((فجئت ذلك المكان فإذا هو))) أي النبي ◌َّ [ينتظرني] («في مكانه))) أي في ذلك المكان
أو في مكانه الموعود وفاء بما وعد من لزوم المكان حتى أجيئه بما بقي من الثمن، وفيه إرشاد
إلى ندب تصديق الوعد والوفاء بالعهد (فقال: ((لقد شققت))) بقافين أي حملت المشقة («علي»)
وأوصلتها إلي («أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك)))، وكان انتظاره وَ لّ لصدق وعده لا لقبض ثمنه.
قال الطيبي: واعلم أن الوعد أمر مأمور الوفاء به في جميع الأديان، حافظ عليه الرسل
المتقدمون. قال تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ [النجم - ٣٧] ومدح ابنه إسماعيل)) يعني جد
الحديث رقم ٤٨٨٠: أخرجه أبو داود في السنن ٢٦٨/٥ الحديث رقم ٤٩٩٦.
٦٢٢٢

١٠٣
کتاب الآداب/ باب الوعد
رواه أبو داود.
٤٨٨١ - (٤) وعن زيدٍ بن أرقمَ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((إِذا وعدَ الرجلُ أخاهُ ومنْ
نيَّتِه أنْ يَفيَ له، فلم يَفِ ولم يجىء للميعادِ، فلا إِثْمَ عليه)) [٣٦٦ - أ ـ] رواه أبو داود،
والترمذي.
٤٨٨٢ - (٥) وعن عبدِ الله بن عامرٍ، قال: دعَتني أُمي يوماً ورسولُ اللهِ وَِّ قاعدٌ في
بيتِنا، فقالت: ها تعالَ أُعطيكَ.
نبينا عليهم السلام بقوله عزَّ وجلّ: ﴿إن كان صادق الوعد﴾ [مريم - ٥٤] يقال: ((إنه وعد إنساناً
في موضع فلم يرجع إليه، فأقام عليه حتى حال الحول قلت: وذلك بحوله وقوّته)). (رواه أبو
داود).
٤٨٨١ - (وعن زيد بن أرقم) يكنى أبا عمرو الأنصاري الخزرجي سكن الكوفة ومات بها
سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمس وثمانين، روى عنه عطاء بن يسار وغيره (عن النبي ◌َّ قال:
((إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي))) بفتح فكسر وأصله أن يوفي ((له))) أي للرجل ((فلم
يف))) أي بعذر ((ولم يجىء للميعاد))) أي لمانع ((فلا إثم عليه))). قال الأشرف. هذا دليل
على أن النية الصالحة يثاب الرجل عليها وإن لم يقترن معها المنوي وتخلف عنها اهـ. ومفهومه
أن من وعد وليس من نيته أن يفي فعليه الإثم سواء وفى به أو لم يف، فإنه من أخلاق
المنافقين ولا تعرض فيه لمن وعد ونيته أن يفي ولم يف بغير عذر، فلا دليل لما قيل: من أنه
دل على أن الوفاء بالوعد ليس بواجب إذ هو أمر مسكوت عنه على ما حررته، وسيجيء بسط
الكلام على هذا المرام في آخر باب المزاح. (رواه أبو داود والترمذي).
٤٨٨٢ - (وعن عبد الله بن عامر) قال المؤلف: قرشي خال عثمان بن عفان ولد على
عهد رسول الله ﴿ فأتى به فتفل عليه وعوّذه، ورأى النبي ◌َّ وله ثلاث عشرة سنة وقيل: إنه
لم يرو عن النبي صل﴿ شيئاً ولا حفظ عنه، ومات سنة تسع وخمسين. ولاه عثمان البصرة
وخراسان وأقام عليها إلى أن قتل عثمان، فلما أفضى الأمر إلى معاوية رد إليه ذلك وكان سخياً
كريماً كثير المناقب، وهو افتتح خراسان وقتل كسرى في ولايته، ولم يختلفوا أنه افتتح أطراف
فارس وعامة خراسان وأصفهان وكرمان وحلوان وهو الذي شق نهر البصرة. (قال: دعتني أمي
يوماً) أي نادتني وطلبتني وأنا صغير (ورسول الله بَّر قاعد في بيتنا) الجملة حالية (فقالت: ها)
للتنبيه أو اسم فعل بمعنى خذ، فقولها: ((تعال))) بفتح اللام بلا ألف تأكيد ((أعطيك))) أي أنا
الحديث رقم ٤٨٨١: أخرجه أبو داود في السنن ٢٦٨/٥ الحديث رقم ٤٩٩٥، والترمذي في السنن ٥٪
٢١ الحديث رقم ٢٦٣٣.
الحديث رقم ٤٨٨٢: أخرجه أبو داود في السنن ٢٦٥/٥ الحديث رقم ٤٩٩١، وأحمد في المسند ٣/
٤٤٧، والبيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٢١٠ الحديث رقم ٤٨٢٢.
-٠٩٫٥٥٠٧

١٠٤
کتاب الآداب/ باب الوعد
فقال لها رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما أردتِ أنْ تُعطِيهِ؟)) قالت: أردتُ أنْ أُعطيَه تمراً. فقال رسولُ
الله ◌َِّ: ((أَمَا إِنَّكِ لو لم تُعطِيهِ شيئاً كُتِبَتْ عليكِ كذبةٌ)). رواه أبو داود، والبيهقي في ((شعب
الإيمان».
الفصل الثالث
٤٨٨٣ - (٦) عن زيد بن أرقمَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((مَنْ وعدَ رجلاً فلم يأتِ
أحدهما إلى وقتٍ
فهو مرفوع على أنه خير لمبتدأ محذوف، وفي نسخة اعطك بغير ياء على أنه مجزوم، قال
الطيبي: هو بالجزم في بعض نسخ المصابيح جواباً للأمر، وفي بعضها بإثبات الياء وهو لرواية
في سنن أبي داود وشعب الإيمان على أنه استئناف كقوله تعالى: ﴿فهب لي من لدنك ولياً
يرثني﴾ [مريم - ٦] بالرفع اهـ. وفي الآية الوجهان متواتران على أنه يمكن أن الياء حصل من
الأشباع فلا ينافي الجزم على أن إثبات الياء في المجزوم لغة كقوله تعالى: ﴿أنه من يتقي
ويصبر﴾ [يوسف - ٩٠] ونحوه كثير (فقال لها رسول الله ويليقول: ((ما أردت))) أي شيء أنويت
((أن تعطيه))) بسكون التحتية لأن الصيغة للمخاطبة وعلامة نصبها حذف النون، ووقع في أصل
السيد وبعض النسخ هيّا بفتح الياء، وهو من زلة القلم أو زلقة القدمة («قالت: أردت أن أعطيه
تمراً)) أي واحداً أو شيئاً من التمر فإنه اسم جنس. قال الطيبي: قوله: فقال لها: ما أردت أن
تعطيه قالت: أردت أن أعطيه تمرا))، ليس في المصابيح فكأنه سقط من النساخ والله أعلم.
(فقال لها رسول الله ويتلقى: أما) بالتخفيف للتنبيه ((إنك لو لم تعطيه))) بالياء فإنها ضمير الكلمة لا
لامها أي لو لم تنوي بإعطائه شيئاً ((كتبت عليك كذبة))) بفتح الكاف وسكون الذال أي مرة من
الكذب، وفي بعض النسخ بكسر فسكون أي نوع من الكذب، وأما ما في بعض النسخ
المصححة على زعم صاحبه من ضبطه بفتح الكاف. وكسر الدال فغير صحيح لما سبق تحقيقه
من نقل اللغة وكلام الأئمة، فكأنه غير كلام ابن الملك حيث قال: بفتح الكاف ثم السكون
وبفتحهما مع كسر الذال والباء الموحدة اهـ، وهو غير صحيح لأن الفتح مع كسر الذال لم
يوجد مع التاء لغة، وقد نص النووي أن الذال ساكنة فيهما، فكلام ابن الملك مخالف للرواية
والدراية. (رواه أبو داود والبيهقي في شعب الإيمان).
(الفصل الثالث)
٤٨٨٣ - (عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((من وعد رجلاً)) أي
مثلاً، والمعنى أن الرجل وعده أيضاً في مكان وزمان معينين ((فلم يأت أحدهما إلى وقت
الحديث رقم ٤٨٨٣: رواه رزين.
بحـرى

١٠٥
كتاب الآداب/ باب المزاح
الصَّلاةِ، وذهبَ الذي جاءَ ليُصلي، فلا إِثِمَ عليهِ)). رواه رزين.
(١٢) باب المزاح
الصلاة))) أي قيامها وقد أتى الآخر ((وذهب الذي جاء ليصلي فلا إثم عليه))) أي على
الجائي لوعده والذاهب لصلاته في غيبته لحضور الصلاة لأنه من ضرورات الدين، والظاهر
أنه كذلك إذا ذهب لضرورات أمر البدن من أكل وشرب وقضاء حاجة ونحوها. (رواه
رزين).
ججد
i
٠.١
باب المزاح
بضم الميم ويكسر. قال شارح: المزاح بالضم اسم المزاح بالكسر، وقيل: بالضم
اسم من مزح يمزح وبالكسر مصدر مازح، وفي القاموس مزح كمنع مزحاً ومزاحه ومزاحاً
دعب ومازحه ممازحة ومزاحاً بالكسر وتمازحاً، ثم المزاح انبساط مع الغير من غير إيذاء
فإن بلغ الإيذاء يكون سخرية، ثم اعلم أنه ورد عنه وَلجر ((لا تمار أخاك ولا تمازحه))(١)،
وأخرجه الترمذي في جامعه من حديث ابن عباس وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا
من هذا الوجه. وقال الجزري: إسناده جيد، فقد رواه زياد بن أيوب، عن عبد الرحمن بن
محمد البخاري، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الملك بن أبي بشر، عن عكرمة، عن
ابن عباس، وهذا إسناد مستقيم وليث بن أبي سليم وإن كان فيه ضعف من قبل حفظه،
فقد روى له مسلم مقروناً وكان عالماً ذا صلاة وصيام. ذكره ميرك، والحديث له تتمة على
ما في الجامع الصغير وهي لا تعده موعداً فتخلفه، والحديث سيأتي في أصل الكتاب. قال
النووي: اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه، فإنه يورث الضحك
وقسوة القلب ويشغل عن ذكر الله والفكر في مهمات الدين، ويؤول في كثير من الأوقات
إلى الإيذاء، ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار، فأما ما سلم من هذه الأور فهو
المباح الذي كان رسول الله ويقول يفعله على الندرة لمصلحة تطبيب نفس المخاطب ومؤانسته
وهو سنة مستحبة، فاعلم هذا فإنه مما يعظم الاحتياج إليه اهـ. وقال الحنفي: لكن لا
يلائمه ما روي عن عبد الله بن الحارث قال: ما رأيت أحداً أكثر مزاحاً من رسول الله القوي
مثله وَّ ر، فكأن ترك
قلت: يلائمه من حيث إن غيره ما كان يتمالك من نفسه
المزاح بالنسبة إلى غيره أولى، وقد روى الترمذي في الشمائل عن أبي هريرة قال: ((قالوا:
يا رسول الله إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقاً)، والمعنى لا يقاس الملوك
بالحدادين، والحاصل أن غيره وَّ ر داخل تحت نهيه إلا إذا كان متمكناً في الاستقامة على
حده وعدم العدول عن جادته.
(١) راجع الحديث رقم ٤٨٩٢.
هنري
١
١
احمر

١٠٦
كتاب الآداب/ باب المزاح
الفصل الأول
ے
٤٨٨٤ - (١) عن أنسٍ، قال: إِنْ كانَ النبيُّ وَّرَ ليُخالطنا حتى يقول لأخ لي صغيرٍ:
((يا أبا عُمَير! ما فعلَ النُّغيرُ؟)» كانَ له نُغيرٌ يلعبُ به فمات
(الفصل الأوّل)
٤٨٨٤ - (عن أنس رضي الله عن قال: إن) مخففة من المثقلة واسمها ضمير الشأن أي إنه
(كان النبي وَلير ليخالطنا))) بفتح اللام وتسمى لام المفارقة، وفي نسخة للشمائل ليخاطبنا،
والمعنى ليخالطنا غاية المخالطة ويعاشرنا نهاية المعاشرة ويجالسنا ويمازحنا («حتى يقول لأخ
لي))) أي من أمي وأبوه أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري ((صغير: يا أبا عمير))) بالتصغير
واسمه كبشة ((ما فعل))) بصيغة الفاعل أي ما صنع ((النغير))) بضم ففتح تصغير نفر بضم النون
وفتح الغين المعجمة طائر يشبه العصفور أحمر المنقار، وقيل: هو العصفور، وقيل: هو
الصعو صغير المنقار أحمر الرأس، وقيل: أهل المدينة يسمونه البلبل، والمعنى ما جرى له
حيث لم أَرَهُ معك وفي هذا تسلية له على فقده بموته بينه بقوله: ((كان له نغير يلعب به
فمات))) أي النغير، وحزن الولد لفقده على عادة الصغار، قال الطيبي: حتى غاية قوله:
((يخالطنا))، وضمير الجمع لأنس وأهل بيته أي انتهت مخالطته لأهلنا كلهم حتى الصبي، وحتى
الملاعبة معه، وحتى السؤال عن فعل النغير. وفي مسلم أنه وَ ليو كان لا يدخل على أحد من
النساء إلا على أزواجه إلا أم سليم فإنه كان يدخل عليها، وأم سليم أم أنس بن مالك، وقال
الراغب: الفعل التأثير من جهة مؤثرة، والعمل كل فعل يكون من الحيوان بقصد وهو أخص
من الفعل لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها بغير قصد وقد ينسب إلى الجمادات
اهـ. كلامه. فالمعنى ما حاله وشأنه، ذكره الطيبي، ولو روي بصيغة المفعول لكان له وجه
وجيه وتنبيه نبيه وصار المعنى ما فعل به، وفي شرح السنة فيه فوائد منها أن صيد المدينة مباح
بخلاف صيد مكة قلت: لو ثبت هذا لارتفع الخلاف في أن المدينة لها حرم أم لا، لكن
للشافعية أن يقولوا: ليس نص فى الحديث على أنه من صيد المدينة لاحتمال أنه صيد من
خارجها وأدخل فيها، وحينئذ لا يضر، فإن الصيد لو أخذ خارج مكة ثم أدخل في الحرم وذبح
كان حلالاً عندهم فكذا هذا والله أعلم. قال: وإنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به من
الحديث رقم ٤٨٨٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٨٢/١٠ الحديث رقم ٦٢٠٣، ومسلم في ١٦٩٢/٣
الحدیث رقم (٣٠ - ٢١٥٠) وأبو داود في السنن ٢٥١/٥ الحديث رقم ٤٩٦٩، والترمذي في ٣١٤/٤
الحديث رقم ١٩٨٩، وابن ماجه في ١٢٢٦/٢ الحديث رقم ٣٧٢٠، وأحمد في المسند ١١٥/٣.
٠١/٠٠
TiK
/١٢ /١٩/١/١٢/١

١٠٧
کتاب الآداب/ باب المزاح
متفق عليه .
الفصل الثاني
٤٨٨٥ _ (٢) عن أبي هريرةَ، قال: قالوا: يا رسولَ الله! إِنَّكَ تداعبُنا. قال: ((إِني لا
أقولُ إِلاَّ حقّاً)). رواه الترمذي.
غير أن يعذبه قلت: هذا فرع آخر على المسألة السابقة إذ لو ثبت حرمية المدينة لوجب إرسال
الصيد أن أخذ منها، وكذا عندنا بعد دخوله في حرم مكة قال: وإباحة تصغير الأسماء قلت:
لأنه مبني على اللطف والشفقة لا سيما وفيه مراعاة السجع وهو مباح الكلام إذا لم يكن مقروناً
بالتكلف قال: وإباحة الدعابة ما لم يكن اثماً قلت: بل استحبابه إذا كان تطييباً ومطايبة قال:
وجواز تكنى الصبي ولا يدخل ذلك في باب الكذب قلت: لأنه قصد به التفاؤل قال: وقد نقل
عن الشيخ نجم الدين الكبير غير ذلك من الفوائد، وهي أن يجوز للرجل أن يدخل في بيت فيه
امرأة أجنبية إذا أمن على نفسه الفتنة قلت: فيه بحث لأنه إن أراد جواز الخلوة مع الأجنبية فهو
لا يجوز بالإجماع وإن أراد الدخول عليها مع وجود غيرها فهو أمر ظاهر لا شبهة في جوازه
حتى مع عدم الأمن عن الفتنة أيضاً كما في مسألة تحمل الشهادة ونحوها، وليس في الحديث
دلالة على الخلوة مع أنها لو ثبت لكان جوازه من خصوصياته وَلير مع كونه معصوماً، مع أنه
أب للأمة وليس لغيره ذلك، ولو كان ولياً فإن الحفظ مرتبة دون العصمة ولذا لما سئل الجنيد
أيزني العارف؛ فاطرق رأسه ملياً ثم قال: ((وكان أمر الله قدراً مقدوراً). وإنما أطلت هذا
المبحث لئلا يتعلق به بعض الزنادقة والملأ حدة والمباحية مع أنا لا نشك في جلالة الشيخ
قدس سره حيث أثر نظره في الكلب قال: وأن يجوز للرجل أن يسأل عما هو عالم به تعجباً
منه قلت: هذا يتوقف على تقدم علمه و 98 بموت النغير لاحتمال صدور هذا القول بمجرد فقده
وهو أعم من حصول موته، قال: وفيه كمال خلق النبي ◌َله، وإن رعاية الضعفاء من مكارم
الأخلاق ويستحب استمالة قلوب الصغار وإدخال السرور في قلوبهم قلت: كيف لا وقد قال
تعالى في وصفه الكريم في كلامه القديم: ﴿أنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم - ٤] (متفق عليه).
CHA. E
(الفصل الثاني)
ـاء
٤٨٨٥ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((قالوا: يا رسول الله) أي بعض الصحابة
((إنك تداعينا))) من الدعابة أي تمازحنا وكأنهم استبعدوه منه فلذلك أكدوا الكلام بأن وباللام
أيضاً ما في بعض النسخ من قوله: لتداعبنا، والأظهر أن منشأ سؤالهم أنه بَلقر نهاهم عن المزاح
كما قدمناه ((قال: إني لا أقول: إلا حقاً)). أي عدلاً وصدقاً، ولا كل أحد منكم قادر على
هذا الحصر لعدم العصمة فيكم. (رواه الترمذي).
الحديث رقم ٤٨٨٥: أخرجه الترمذي في السنن ٣١٤/٤ الحديث رقم ١٩٩٠، وأحمد في المسند ٢/ ٣٤٠.
آی۔۔
ـ جده.
John

١٠٨
....
كتاب الآداب/ باب المزاح
٤٨٨٦ _ (٣) وعن أنسٍ، أنَّ رجلاً استحملَ رسولَ الله ◌ِّر، فقال: ((إِني حاملكَ
على ولدِ ناقةٍ؟)) فقال: ما أصنعُ بولدِ النَّاقةِ؟ فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((وهلْ تلدُ الإِبلَ إِلاَّ
النوقُ؟)). رواه الترمذي، وأبو داود.
٤٨٨٧ - (٤) وعنه، أنَّ النبيَّ وَّوَ قال له: ((يا ذا الأذُنَينِ!)). رواه أبو داود،
والترمذيُّ.
٤٨٨٨ - (٥) وعنه، عن النبيّ ◌َّر، قال لامرأةٍ عجوزٍ:
٤٨٨٦ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رجلاً) قيل: وكان به بله، (استحمل رسول الله
( *) أي سأله الحملان، والمعنى طلبه أن يحمله على دابة، والمراد به أن يعطيه حملة يركبها
(فقال: ((إني حاملك على ولد ناقة))) قاله: مباسطاً له بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك
((فقال:))) أي يا رسول الله كما في الشمائل ((ما أصنع بولد الناقة))) حيث توهم أن الولد لا
يطلق إلا على الصغير وهو غير قابل للركوب ((فقال رسول الله وير: هل تلد الإبل))) أي جنسها
من الصغار والكبار (إلا النوق) بضم النون جمع الناقة وهي أنثى الإبل، والمعنى أنك لو تدبرت
لم تقل ذلك، ففيه مع المباسطة له الإشارة إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنه ينبغي لمن سمع قولاً
أن يتأمله ولا يبادر إلى رده إلا بعد أن يدرك غوره. (رواه الترمذي وأبو داود).
٤٨٨٧ - (وعنه) أي عن أنس رضي الله عنه (أن النبي وَّلتر قال له: ((يا ذا الأذنين))) معناه
الحض والتنبيه على حسن الاستماع لما يقال له لأن السمع بحاسة الاذن ومن خلق الله له
الأذنين وغفل ولم يحسن الوعي لم يعذر، وقيل: إن هذا القول من جملة مداعباته وَ الل ولطيف
أخلاقه. قاله صاحب النهاية: وقال شارح: الأظهر أنه حمده على ذكائه وفطنته وحسن
استماعه، ويحتمل أنه قال ذلك: على سبيل الانبساط إليه والمزاح معه قلت: لا منافاة بينهما
حتى يجعل قولان في معناه، فإن مزحه الصوري اللفظي لا ينفك عن مزح حقه المعنوي على
أنه يمكن أن يكون في أذنه نوع طول أو قصر أو قصور فأشار بذلك. (رواه أبو داود
والترمذي).
١٣٠
٤٨٨٨ - (وعنه) أي عن أنس رضي الله عنه (عن النبي وَلاير قال لامرأة عجوز:) بفتح
أوّله، وأما العجوز بالضم فهو الضعف، وفي القاموس ولا تقل: عجوزة أو هي لغة ردئية ثم
قيل: هي صفية بنت عبد المطلب أم الزبير بن العوّام عمة النبي وَّر وسيأتي أنها غيرها، ويمكن
.جـ.
الحديث رقم ٤٨٨٦: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧٠/٥ الحديث رقم ٤٩٩٨، والترمذي في ٤/ ٣١٤
الحديث رقم ١٩٩١، وأحمد في المسند ٢٦٧/٣.
الحديث رقم ٤٨٨٧: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧٢/٥ الحديث رقم ٥٠٠٢، والترمذي في ٣١٥/٤
الحديث رقم ١٩٩٢، وأحمد في المسند ١٢٧/٣.
الحديث رقم ٤٨٨٨: أخرجه البغوي في شرح السنة ١٨٣/١٣ الحديث رقم ٣٦٠٦.

١٠٩
کتاب الآداب/ باب المزاح
(إِنَّه لا تدخلُ الجنَّةَ عجوزٌ)) فقالت: وما لهُنَّ؟ وكانت تقرأُ القرآنَ. فقال لها: ((أَما تقرئينَ
القرآنَ؟ ﴿إِنَّا أنشأناهن إِنشاءً فجعلناهُنَّ أبكاراً﴾. رواه رزين. وفي ((شرح السنة)) بلفظ
((المصابيح)).
الجمع بتعدد الواقعة والله أعلم، ((أنه))) أي الشأن (لا تدخل الجنة عجوز فقالت: وما لهن) أي
وأي مانع للعجائز من دخولها وهن من المؤمنات أي الداخلات في عموم المؤمنين من أهل
الجنة ((وكانت تقرأ القرآن))) أي ولذا سألته مستغربة لمعنى كلامه وَ لتر («فقال لها: أما تقرئين
القرآن))) أي وقد قال تعالى: (﴿إنا أنشأناهن إنشاء﴾) الضمير لما دل عليه سياق السباق في
الآية وهو فرش مرفوعة، والمراد النساء أي أعدنا إنشاءهن إنشاء خاصاً وخلقناهن خلقاً غير
خلقهن (﴿فجعلناهن أبكار﴾)(١) أي عذارى كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً. وفي
الحديث، ((هن اللواتي قبض في دار الدنيا عجائز خلقهن الله بعد الكبر فجعلن عذارى
متعشقات على ميلاد واحد أفضل من الحور العين كفضل الظهارة على البطانة، ومن يكون لها
أزواج فتختار أحسنهم خلقاً). الحديث في الطبراني والترمذي، مطوّلاً. (رواه رزين) أي بهذا
اللفظ الذي ذكر في المشكاة. (وفي شرح السنة) أي للبغوي بإسناده، (بلفظ المصابيح)، وهو
روى أنه ◌ّيوقال العجوز: ((إن الجنة لا يدخلها العجز)) بضمتين جمع عجوز ذكره شارح، فولت
تبكي قال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز إن الله تعالى قال: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء
فجعلناهن أبكاراً﴾ [الواقعة، ٣٥ - ٣٦] اهـ ورواه الترمذي في الشمائل عن الحسن البصري
مرسلاً قال: ((أتت عجوز النبي وَّر فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة فقال: يا أم
فلان إن الجنة لا تدخلها عجوز، قال: فولت تبكي فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي
عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً﴾)) [الواقعة، ٣٥ -٣٦] وفي
نسخة زيادة ﴿«عرباً أتراباً»﴾ [الواقعة - ٣٧] والعرب بضمتين ويسكن الثاني جمع عروب كرسل
ورسول أي عواشق ومتحببات إلى أزواجهن، وقيل: العروب الملقة، والملق الزيادة في التودد
ومنه التملق وقيل: الغنجة والغنج في الجارية تكسر وتدلل، وقيل: الحسنة الكلام والأتراب
المستويات في السن، والمراد هنا بنات ثلاثين أو ثلاث وثلاثين كأزواجهن على ما في المدارك
وهذا أكمل أسنان أبناء الدنيا، وقد أخرج أبو الشيخ ابن حبان في كتاب أخلاق النبي ◌َّ من
طريق محمد بن عثمان بن كرامة حدثنا عبيد الله بن موسى عن حسن عن ليث عن مجاهد قال:
دخل النبي ◌َّر على عائشة وعندها عجوز فقال: من هذه؟ قالت: هي عجوز من أخوالي، فقال
النبي وَّل: ((إن العجز لا يدخلن الجنة))، فشق ذلك على المرأة، فلما دخل النبي وَّ قالت له
عائشة، فقال: إن الله عزَّ وجلّ ((ينشئهن خلقاً غير خلقهن)). وأخرج ابن الجوزي في كتاب
الوفاء من طريق الزبير بن بكار قال: حدثني رجل، حدثنا الفضل بن خالد النحوي، ثنا خارجة
ابن مصعب، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس ((إن عجوز أدخلت على رسول
الله وَل فسألته عن شىء فقال لها ومازحها: إنه لا يدخل الجنة عجوز))، فخرج النبي ◌َّ إلى
(١) سورة الواقعة، الآيتان ٣٥ - ٣٦.
ورد عيون
٠٠٠٠

١١٠
کتاب الآداب/ باب المزاح
٤٨٨٩ - (٦) وعنه، أنَّ رجلاً من أهل البادية كانَ اسمُه زاهرَ بن حرام، وكانَ يُهْدي
للنبيَّ ◌َ﴿ من البادية، فَيُجَهِّزُه [٣٦٦ - ب -] رسولُ اللهِ وَّوَ إِذا أرادَ أنْ يخرجَ فقال النبيُّ
وَلَى: ((إِنَّ زاهراً باديتنا ونحنُ حاضروه). وكانَ النبيُّ نَّهِ يحبُّه، وكانَ دميماً. فأتى النبيِّ وَّ
يوماً وهوَ یبیعُ متاعَه،
الصلاة فبكت بكاء شديداً حتى رجع النبي ◌ّ﴿ فقالت عائشة: ((يا رسول الله إن هذه المرأة تبكي
لما قلت لها: إنه لا يدخل الجنة عجوز فضحك وقال: أجل لا يدخل الجنة عجوز ولكن قال
الله تعالى ﴿أنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكاراً عرباً أتراباً﴾ وهن العجائز الرمص)). قال ميرك:
هو جمع الرمضاء والرمص وسخ العين يجتمع في الموق. هذا وجعل بعض المفسرين ضمير
أنشأناهن للحور العين على ما يفهم من السياق أيضاً، فالمعنى خلقناهن من غير توسط ولادة،
ثم يحتمل أن المراد ثم ربيناهن حتى وصلن لحد التمتع، ويحتمل وهو الظاهر أنهن خلقن
ابتداء كاملات من غير تدريج في التربية والسن لكن وجه المطابقة بين الحديث والآية غير ظاهر
على هذا، فالصواب أن يجعل الضمير إلى نساء الجنة بأجمعهن، وحاصله ((إن أهل الجنة كلهم
أنشأهم الله تعالى خلقاً آخر يناسب الكمال والبقاء والدوام، وذلك يستلزم كمال الخلق وتوفر
القوى البدنية وانتفاء صفات النقص عنها)»، والله سبحانه أعلم.
٤٨٨٩ _ (وعنه) أي عن أنس رضي الله عنه (أن رجلاً من أهل البادية) في الاستيعاب أنه
كان حجازياً يسكن البادية، وقال ابن حجر: أشجعي شهد بدراً، (كان اسمه زاهر بن حرام) أي
ضد حلال، ولم يذكره المؤلف في أسمائه، (وكان يهدي) بضم الياء وكسر الدال (للنبي ◌َّ)
أي لأجله أو إليه، وفي الشمائل إلى النبي وَلّر هدية (من البادية) أي حاصلة مما يوجد في
البادية من الثمار والنبات والرياحين والأدوية ونحوها (فيجهزه رسول الله (*) بتشديد الهاء،
وفي نسخة بالتخفيف على ما في الشمائل أي يعدله ويهيىء له أسبابه ويعوّضه ما يحتاج إليه في
البادية من أمتعة البلدان (إذا أراد) أي زاهر (أن يخرج) أي من المدينة إلى البادية (فقال النبي
وقال: ((إن زاهراً باديتنا))) أي ساكن باديتنا أو صاحبها أو أهلها، وفي بعض نسخ الشمائل بادينا
من غير تاء، والبادي المقيم بالبادية ومنه قوله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ [الحج - ٢٥]
وهو في المعنى أظهر من الأوّل ((ونحن حاضروه))) من الحضور وهو الإقامة في المدن
والقرى. قال الطيبي: معناه أنا نستفيد من ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات ونحن
نعد له ما يحتاج إليه من البلد اهـ. وصار المعنى كأنه باديته، وقيل: تاؤه للمبالغة، وقيل: من
إطلاق اسم المحل على الحال، (وكان النبي ( 18 يحبه) أي حباً شديداً ((وكان))) مع حسن
سيرته ((رجلاً دميماً)) بالدال المهملة أي قبيح المنظر كريه الصورة (فأتى النبي وَّه) بالرفع أي
فجاءه أو مر عليه النبي ((يوماً وهو))) أي زاهر ((يبيع متاعه))) أي في سوق أو فضاء
الحديث رقم ٤٨٨٩: أخرجه البغوي في شرح السنة ١٨١/١٣ الحديث رقم ٣٦٠٤، وأحمد في المسند
١٦١/٣.
" *. ....

2 72.25
کتاب الآداب/ باب المزاح
فاحتضنّه منْ خلفِه وهو لا يُبصره. فقال: أرسلني، مَن هذا؟ فالتفتَ فعرفَ النبيَّ وََّ،
فجعلَ لا يألو ما ألزَقَ ظهرَه بصدرِ النّبِيِّ وَ ◌ِّ حِينَ عرفَه، وجعلَ النبيُّ ◌َهِ يقولُ: ((مَن
يشتري العبدَ؟)) فقال: يا رسولَ الله! إِذاً والله تجدُني كاسداً فقال النبيُّ نَّهِ: ((لكنْ عندَ اللَّهِ
لستَ بكاسدٍ)) رواه في ((شرح السنة)).
((فاحتضنه)))، وفي الشمائل بالواو أي أخذه من حضنه وهو ما دون الإبط إلى الكشج ((من
خلفه))) أي من جهة ورائه، وحاصله أنه عانقه من خلفه بأن أدخل يديه تحت إبطي زاهر وأخذ
عينيه بيديه لئلا يعرفه، وقيل: معناه أنه أخذ من عقبه من غير أخذ عينيه. ذكره النووي (((وهو
لا يبصر)) جملة حالية، وفي الشمائل ولا يبصر، وفي نسخة ولا يبصره، (فقال: أرسلني) أي
أطلقني ((من هذا)) أي المعانق، وفي الشمائل من هذا أرسلني ((فالتفت))) أي زاهر فرآه بطرف
عينه ((فعرف النبي ◌َّ- فجعل))) أي شرع وطفق ((لا يألو))) بسكون الهمز ويبدل وضم اللام أي
لا يقصر («ما ألزق ظهره)))، وفي الشمائل ما ألصق بالصاد وهو بمعناه، وما مصدرية منصوبة
المحل على نزع الخافض أي في إلزاق ظهره ((بصدر النبي وَ لي))) أي تبركاً حين عرفه، قيل:
ذكره ثانياً اهتماماً بشأنه وتنبيهاً على أن منشأ هذا الإلزاق ليس إلا معرفته ((وجعل))) بالواو،
وفي الشمائل فجعل ((النبي ◌َّار يقول: من يشتري العبد)))، وفي بعض نسخ الشمائل هذا
العبد، ووجه تسميته عبداً ظاهر، فإنه عبد الله، ووجه الاستفهام عن الاشتراء الذي يطلق لغة
على مقابلة الشيء بالشيء تارة وعلى الاستبدال(١) أخرى أنه أراد من يقابل هذا العبد بالإكرام،
أو من يستبدله مني بأن يأتين بمثله، ويمكن أن يكون من قبيل التجريد؛ والمعنى من يأخذ هذا
العبد ((فقال: يا رسول الله إذا))) بالتنوين جواب وجزاء أي أن بعثني أو عرضتني للبيع أو الأخذ
إذا ((والله تجدني كاسداً)) أي رخيصاً أو غير مرغوب فيه، وفي بعض نسخ الشمائل إذا تجدني
والله كاسداً بتأخير كلمة القسم عن الفعل أي متاعاً كاسداً لما فيه من الدمامة، وتجد بالرفع في
أكثر النسخ، وفي بعضها بالنصب وهو ظاهر فإنه نحو :
إذا والله نرميهم بحرب
ولعل وجه الرفع هو أن يراد بالفعل معنى الحال دون الاستقبال. قال ميرك: وفي بعض
نسخ الشمائل تجدوني بلفظ الجمع، ويحتاج إلى تكلف قلت: صيغة الجمع قد تأتي للتعظيم
فيكون الضمير له أو له ولأصحابه. (فقال النبي ◌َّفير: لكن عند الله لست بكاسد))) تقديم الظرف
على متعلقه وعامله للاهتمام والاختصاص، وفي الشمائل أو قال أنت عند الله غال والشك من
الراوي، ولا يبعد أن يكون أو بمعنى بل، وفي نسخة لكن عند الله غال وفيه زيادة منقبة لا
تخفى. (رواه) أي صاحب المصابيح (في شرح السنة) أي بإسناده، وكذا الترمذي في الشمائل
وابن حبان وصححه هذا، ونظير هذا الحديث ما روى أبو يعلى أن رجلاً كان يهدي إليه وَه
العكة من السمن أو العسل، فإذا طولب بالثمن جاء بصاحبه فيقول للنبي ويتر: اعطه متاعه أي
(١) في المخطوطة ((الاستدلال)).
۔۔و،
ماشت
An

١١٢
: يوم .
كتاب الآداب/ باب المزاح
٤٨٩٠ _ (٧) وعن عوفِ بن مالكِ الأشجعيِّ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وبَّ في غزوةٍ
تبوك، وهوَ في قُبَّة من أَدم، فسلَّمتُ، فردَّ عليَّ وقال: ((ادخُلْ)) فقلتُ: أكلّي يا رسولَ الله؟
قال: ((كلُّكَ)) فدخلتُ. قال عثمانُ بن أبي العاتكة: إِنما قال ادخل كلّي منْ صِغَرِ القُبَّةِ.
رواه أبو داود.
٤٨٩١ _ (٨) وعن النعمان بن بشيرٍ، قال: استأذنَ أبو بكرٍ على النبيَّ ◌َّر، فسمعَ
صوتَ عائشة عالياً، فلمَّا دخلَ
ثمنه فما يزيد * على أن يتبسم ويأمر به فيعطي، وفي رواية أنه كان لا يدخل المدينة طرفة إلا
اشترى ثم جاء بها فقال: يا رسول الله هذا هدية لك فإذا طالبه صاحبه بثمنه جاء به فقال: اعط
هذا الثمن فيقول: ألم تهده لي فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه، قلت:
فكأنه رضي الله عنه من كمال محبته للنبي وهو كلما رأى طرفة أعجبت نفسه اشتراها وآثره وال
بها وأهداها إليه على نية أداء ثمنها إذا حصل لديه، فلما عجز وصار كالمكاتب رجع إلى مولاه
وأبدى له صنيع ما أولاه فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فترجع المطالبة إلى سيده، ففعله
هذا حق ممزوج بمزاج صدق. والله أعلم. (١)
//\
سببف
٤٨٩٠ - (وعن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه). قال المؤلف: أول مشاهده
خيبر وكان مع راية أشجع يوم الفتح، سكن الشام ومات بها سنة ثلاث وسبعين، روى عنه
جماعة من الصحابة والتابعين، (قال: أتيت رسول الله ◌َّفير وهو في قبة) أي خيمة صغيرة (من
أدم) بفتحتين أي جلد (فسلمت) أي سلام الاستئذان أو سلام الملاقاة (فرد عليّ) أي السلام
(وقال: أدخل، فقلت: أكلّ يا رسول الله، قال: كلّك) بالرفع وينصب، قال الطيبي: يجوز
فيه الرفع والنصب، والتقدير أيدخل كلي، فقال: كلك يدخل أو أدخل كلّي، فقال: أدخل
كلك، (فدخلت قال عثمان بن أبي العاتكة) أحد رواة الحديث: (إنما قال: أدخل كلي) بمتكلم
ثلاثي، وفي نسخة من المزيد. قال الطيبي: الظاهر أنه مضموم الهمزة على أنه من باب الأفعال
ولو ذهب إلى الفتح، فوجهه أن يحمل كلي على أنه تأكيد وهو بعيد (من صغر القبة)، ويمكن
من كبر عوف لا سيما مع صغرها أو من كثرة الناس فيها وهذا من مزاج أصحابه معه رَّ وطي
لبساط الأدب عند انبساط الحب وترك التكلف في مقام القرب. (رواه أبو داود).
٤٨٩١ - (وعن النعمان) بضم أوله (ابن بشير)، قيل: مات النبي ◌َّ# وله ثمان سنين
وسبعة أشهر، ولأبويه صحبة. ذكره المؤلف في فصل الصحابة وقد سبق زيادة في ترجمته
(قال: استأذن أبو بكر على النبي (وَلير فسمع))) أي أبو بكر (صوت عائشة عالياً، فلما دخل))) أي
(١) ابن حبان في ١٠٦/١٣ الحديث رقم ٥٧٩٠.
الحديث رقم ٤٨٩٠: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧٢/٥ الحديث رقم ٥٠٠٠، وابن ماجه في السنن ٢/
١٣٤١ الحديث رقم ٤٠٤٢، وأحمد في المسند ٦/ ٢٢.
الحديث رقم ٤٨٩١: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧١/٥ الحديث رقم ٤٩٩٩.
دعوة
٤٥٣
***

*-*
٠٠٠٠
١٢٠٧٢
١٠٠
:٢١٧
كتاب الآداب/ باب المزاح
١١٣
تناولَها ليلطمّها وقال: لا أراكِ ترفعينَ صوتكِ على رسولِ اللهِوََّ، فجعلَ النبيُّ وَول
يحجُزه، وخرج أبو بكرٍ مغضَباً. فقال النبيُّ نَّهِ حينَ خرِجَ أبو بكرِ: ((كيفَ رأيتِني أنقذتُكِ
مِنَ الرَّجلِ؟)) قالتْ: فمكثَ أبو بكرٍ أياماً، ثمَّ استأذنَ فوجدهما قدِ اصطلَحا، فقال لهما:
أدخلاني في سلمِكما كما
بعد الاذن ((تناولها))) أي أخذها («ليلطمها))) بكسر الطاء، ويجوز ضمها من اللطم، وهو
ضرب الخد وصفحة الجسد بالكف مفتوحة على ما في القاموس ((وقال: لا أراك))) أي بعد
هذا، وهو نفي بمعنى النهي من قبيل ((لا أرينك ههنا))، أو على لغة إثبات حرف العلة مع
الجازم، ومنه قول الجزري:
ألا قولوا: لشخص قد تقوّى
على ضعفي ولم يخشى رقيبه
وقول غيره:
ألم يأتيك والأنباء تنمي
i
وعليه وردت رواية قنبل عن ابن كثير في قوله تعالى: ﴿إنه من يتقي ويصبر﴾ [يوسف.
٩٠] ((ترفعين صوتك على رسول الله (صَله))، الجملة مفعول ثان لأرى، ولا يبعد أن يكون لا
أراك دعاء، وهمزة الإنكار مقدرة على قوله: ((ترفعين))؛ وقال الطيبي: أي لا تتعرضي لما
يؤدي إلى رفع صوتك، فالنهي وارد على المتكلم، والألف في لا أراك للإشباع؛ ويجوز أن
تحمل على النفي الواقع موقع النهي أي لا ينبغي لي أن أراك على هذه الحالة. ((فجعل النبي
وَ ﴿ يحجزه))) بضم الجيم والزاي أي يمنع أبا بكر من لطمها وضربها ((وخرج أبو بكر مغضباً)))
بفتح الضاد أي غضبان عليها ((فقال النبي (وَلفي: حين خرج أبو بكر: كيف رأيتني))). أي
أبصرتني أو عرفتني ((أنقذتك من الرجل))) أي خلصتك من ضربه ولطمه. وقال الطيبي: الظاهر
أن يقال: من أبيك فعدل إلى الرجل أي من الرجل الكامل في الرجولية حين غضب لله ولرسوله
((قالت: فمكث)))، قيل: هكذا وجد في أصل أبي داود، وقال الطيبي: وهذا يدل على أن
النعمان سمع هذا الحديث من عائشة، قلت: فيكون من مراسيل الصحابة وهي مقبولة إجماعاً،
ثم هو بضم الكاف ويفتح أي فلبث (أبو بكر أياماً)) أي لم يدخل فيها عندهم، والظاهر أنه
ثلاثة أيام للنهي عن الهجران فوقها، قال الطيبي: قولها: فمكث أبو بكر بدل أبي لما حدث في
صحبتها من غضبه عليها فجعلته كأنه أجنبي إذ في الأبوة استعطاف قلت: هذا يبعد منها كل
البعد مع كمال عقلها وفهمها وأدبها وعلمها بمرتبة النبوّة والولاية، وأن يكون غضب أبيها في
باطنها بعد مدة بمجرد قصده أن يلطمها أو مع تحقق لطمها رعاية لأجل رسول الله وَل﴿،
وتأديبها لها، وقد وقع نظيره كثيراً في الصحابة أن يذكروا آباءهم بأسمائهم وهذا من عدم
تكلفاتهم التي استحدثت بعدهم، وإن كان ذكره بوصف الأبوة أولى وأنسب؛ نعم نداؤه باسمه
خلاف الأدب على أن الظاهر أن في الحديث تصرفاً من الراوي حيث إنه نقل بالمعنى، ولذا
قال: ((ثم استأذن فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما:)، فإن حق الكلام من عائشة فوجدنا قد
اصطلحنا فقال لنا: ((ادخلاني في سلمكما))) بكسر السين ويفتح أي في صلحكما ((كما
٤
i

١١٤
٥/٩٠٠
كتاب الآداب/ باب المزاح
أدخلتُماني في حربِكُما فقال النبيُّ ◌َلتر: ((قدْ فعلنا، قدْ فعلنا)). رواه أبو داود.
٤٨٩٢ - (٩) وعن ابن عبَّاسٍ، عن النبيِّ بَّ، قال: ((لا تُمارِ أخاكِ، ولا تُمازِخه،
ولا تعِذْهُ موعداً فتُخلفَه)). رواه الترمذيّ، وقال: هذا حديثٌ غريب.
أدخلتماني في حربكما))) أي في شقاقكما وخناقكما، وإسناد الإدخال إليهما في الثاني من
المجاز السببي أو من قبيل المشاكلة، وإلا فالمعنى كما دخلت في حربكما ((فقال النبي ◌َليقول:
قد فعلنا))) مفعوله محذوف أي فعلنا إدخالك في السلم أو نزل الفعل منزلة اللازم أي أوقعنا هذا
الفعل، وقد للتحقيق. وقوله ثانياً: (قد فعلنا) للتأكيد أو ثانيهما عوض عن عائشة أو على
لسانها. (رواه أبو داود).
٤٨٩٢ - (وعن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ◌َّر قال: ((لا تمار))) بضم أوله من
المماراة أي لا تجادل ولا تخاصم ((أخاك))) أي المسلم ((ولا تمازحه))) أي بما يتأذى منه ((ولا
تعده موعداً)) أي وعداً أو زمان وعد أو مكانه (فتخلفه))) من الأخلاف وهو منصوب، وفي
بعض النسخ بالرفع. قال الطيبي: إن روي منصوباً كان جواباً للنهي على تقدير فيكون مسبباً
عما قبله، فعلى هذا التنكير في موعد النوع من الموعد وهو ما يرضاه الله تعالى بأن يعزم عليه
قطعاً ولا يستثني، فيجعل الله ذلك سبباً للأخلاف أو ينوي في الوعد كالمنافق، فإن آية النفاق
الخلف في الوعد كما ورد ((إذا وعد أخلف)) ويحتمل أن يكون النهي عن مطلق الوعد لأنه كثيراً
ما يفضي إلى الخلف، ولو روي مرفوعاً كان المنهي الوعد المستعقب للأخلاف أي لا تعده
موعداً، فأنت تخلفه على أنه جملة خبرية معطوفة على إنشائية وعلى هذا يتفرع عليه مسائل.
قال النووي: أجمعوا على أن من وعد إنساناً شيئاً ليس بمنهي عنه فينبغي أن يفي بوعده، وهل
ذلك واجب أو مستحب، فيه خلاف ذهب الشافعي وأبو حنيفة والجمهور إلى أنه مستحب، فلو
تركه فإنه الفضل وارتكب المكروه كراهة شديدة ولا يأثم يعني من حيث هو خلف وإن كان
يأثم إن قصد به الأذى. قال: وذهب جماعة إلى أنه واجب منهم عمر بن عبد العزيز وبعضهم
إلى التفصيل، ويؤيد الوجه الأوّل ما أورده في الأحياء حيث قال: وكان وَلّى: ((إذا أوعد وعداً
قال: عسى))، وكان ابن مسعود لا يعد وعداً إلا ويقول: إن شاء الله تعالى وهو الأولى، ثم إذا
فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر، فإن كان عند الوعد عازماً على أن
لا يفي به فهذا هو النفاق اهـ. وهذا كله يؤيد الوجوب إذا كان الوعد مطلقاً غير مقيد بعسى أو
بالمشيئة ونحوهما مما يدل على أنه جازم في وعده، فقوله: وهو الأولى محل بحث كما لا
يخفى. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب). وقد سبق ما تعلق به.
الحديث رقم ٤٨٩٢: أخرجه الترمذي في السنن ٣٦٦/٤ الحديث رقم ١٩٩٥.
٧٠٠٠٠٠

١١٥
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
[وهذا الباب خالٍ عن الفصل الثالث].
(١٣) باب المفاخرة والعصبية
[٣٦٧ _ أ_]
الفصل الأول
٤٨٩٣ _ (١) عن أبي هريرةَ، قال: سُئلَ رسولُ الله ◌ِّهِ: أَيُّ النَّاسِ أَكْرُم؟
باب المفاخرة والعصبية
الفخر ويحرك التمدح بالخصال كالافتخار، وفاخره مفاخرة عارضة بالفخر، كذا في
القاموس، وفي النهاية العصبي هو الذي يغضب لعصبته ويحامي عنهم، والعصبة الأقارب
من جهة الأب لأنهم يعصبونه ويعتصب بهم أي يحيطون به ويشتد بهم، ومنه ((ليس منا من
دعا إلى عصبية أو قاتل عصبية)) (١) قلت: لأنها من حمية الجاهلية، والقواعد الشرعية
﴿إنهم يكونون قوامين بالقسط شهداء الله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين﴾، ولعل
وجه الجمع بين المفاخرة والعصبية إن بينهما تلازماً غالبياً ومنه قوله تعالى: ﴿ألهاكم
التكاثر حتى زرتم المقابر﴾ [التكاثر، ١ - ٢] أي شغلكم التباهي والتفاخر بالكثرة حتى
وصلتم إلى ذكر أهل المقابر. روي ((أن بني عبد مناف وبني أسهم تفاخروا بالكثرة فكثر
سهم بني عبد مناف فقال بنو سهم: ((إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء
والأموات فكثر بنو سهم)).
(الفصل الأوّل)
*يب
٤٨٩٣ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((سئل رسول الله (يوليو أي الناس))) أي من بين
أنواعهم أو أوصافهم ((أكرم))) أي أشرف وأعظم؛ قال الطيبي: يحتمل أن يراد به أكرم عند الله
تعالى مطلقاً من غير نظر إلى النسب ولو كان عبداً حبشياً، وأن يراد به الحسب مع النسب،
وأن يراد به الحسب فحسب، وكان سؤالهم عن هذا لقوله وَّر ((فعن معادن العرب أي عن
أصولهم التي ينسبون إليها وكان جوابهم، فسلك على ألطف وجه حيث جمع بين الحسب
(١) راجع الحديث رقم ٤٩٠٧.
الحديث رقم ٤٨٩٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٦٢/٨ الحديث رقم ٤٦٨٩، ومسلم في ٤ /١٨٤٦
الحديث رقم (١٦٨ - ٢٣٧٨)، وأحمد في المسند ٤٨٥/٢.

١١٦
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
قال: ((أكرمُهم عندَ اللَّهِ أتْقَاهُم)). قالوا: ليسَ عنْ هذا نسألُكَ. قال: ((فأكرمُ النَّاسِ يوسفُ
نبيَّ اللَّهِ ابن نبيِّ الله ابنِ نبيِّ الله ابنٍ خليلِ الله). قالوا: ليسَ عن هذا نسألُكَ قال: ((فعنْ
معادنِ العربِ تسألوني؟» قالوا: نعم. قال: ((فخيارُكم في الجاهليَّةِ خِيارُكم في الإِسلامِ إِذا
فُقُهوا)».
٢٦٠
****
والنسب)) وقال: إذا فقهوا، قلت: لما أطلقوا السؤال؟ وكان المناسب صرفه عليه الصلاة
والسلام إلى الفرد الأكمل والوصف الأفضل (قال: أكرمهم عند الله أتقاهم) وهو مقتبس من
قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات - ١٣] بعد قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا﴾ [الحجرات - ١٣] وقد نبه سبحانه
وتعالى أن معرفة الأنساب إنما هو للتعارف بالوصلة، وأن الكرم لا يكون إلا بالتقوى لأن
العاقبة للمتقين والعبرة بما في العقبى، ثم يحتمل أنه علم غرضهم ولكن عدل عنه إلى أسلوب
الحكيم (قال: ((ليس عن هذا نسألك))) تنزيل للفعل منزلة المصدر. قال الطيبي: تقديره ليس
سؤالنا عن هذا على منوال قوله، فقالوا: ما تشاء؟ فقلت: الهوى اهـ. فلما تبين له وَ لقر أنهم لم
يسألوه عن الكرم المطلق وظن أن مرادهم الجمع بين النسب والحسب ((قال: فأكرم الناس)))
أي من حيثية جمعية النسب والحسب النبوية ((يوسف نبي الله ابن نبي الله))) أي يعقوب («ابن
نبي الله)) أي اسحاق ((ابن خليل الله))) بإثبات ألف ابن في المواضع الثلاثة، والمراد بالخليل
إبراهيم عليه السلام، فقد اجتمع شرف النبوّة والعلم وكرم الآباء والعدل والرياسة في الدنيا
والدين في يوسف، وهو قد يهمز ويثلث سينه على ما في القاموس، والضم هو المشهور
((قالوا: ليس عن هذا نسألك قال: فعن معادن العرب)) أي قبائلهم (تسألوني))) بتشديد النون
وتخفيفه ((قالوا: نعم. قال: فخياركم في الجاهلية خياركم)) أي هم خياركم («في الإسلام)»)
أي في زمنه ((إذا فقهوا))) بضم القاف ويكسر أي إذا علموا آداب الشريعة وأحكام الإسلام بعد
دخولهم فيه. ففي القاموس الفقه بالكسر العلم بالشيء والفطنة له، وغلب على علم الدين
لشرفه، وفقه ككرم وفرح فهو فقيه، ولعله بير أراد بهذا إخراج المنافقين والمؤلفة قلوبهم،
ويحتمل أن يراد به التنبيه على أن استواء النسب إنما يكون عند استواء الحسب بأن يكونوا
مستوين في الفقه، وأما من زاد في الفقه فهو أعلى، ومن لم يفقه فهو في مرتبة الأدنى، والمراد
بالفقه هو العلم المقرون بالعمل وهو حاصل التقوى، فرجع الأمر إلى قوله تعالى: ﴿إن
أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات - ١٣] لكن كما قال عزَّ وجلّ: ﴿لا تزكوا أنفسكم هو
أعلم بمن اتقى﴾ [النجم - ٣٢] وقال ◌َلقر: ((التقوى ههنا))(١)، وأشار إلى صدره الشريف مومياً
إلى انحصارها فيه بحسب كمالها، وفي شرح السنة يريد أن من كانت له مأثرة وشرف إذا أسلم
وفقه فقد حاز إلى ذلك ما استفاده بحق الدين، ومن لم يسلم فقد هدم شرفه وضيع نسبه. وفي
شرح مسلم للنووي قالوا: لما سئل ◌َالقير: ((أي الناس أكرم)) أجاب: ((بأكملهم وأعمهم)) وقال:
(١) الترمذي في السنن ٢٨٦/٤ الحديث رقم ١٩٢٧.
+۔۔۔.

١١٧
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
متفق عليه .
٤٨٩٤ _ (٢) وعن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((الكريمُ بنُ الكريم بن
الكريم بن الكريم، يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إِسحاقَ بن إِبراهيمَ)). رواه البخاري.
٤٨٩٥ _ (٣) وعن البراء بن عازبٍ، قال: في يومٍ حنينٍ كانَ أبو سفيانَ بن الحارثِ
آخذاً بعنان بغلتِهِ، يعني بغلةً رسول اللهِ وََّ، فلمَّا غشيَه المشركونَ، نزلَ فجعلَ
((أتقاهم الله)) لأن أصل الكرم كثرة الخير، ومن كان متقياً كان كثير الخير وكثير الفائدة في الدنيا
وصاحب الدرجات العلى في الأخرى، ولما قالوا: ليس عن هذا نسألك قالوا: ((يوسف جمع
النبوّة والنسب وضم مع ذلك شرف علم الرؤيا والرياسة وتمكنه فيها، وسياسة الرعية بالسيرة
الحميدة والصورة الجميلة)). (متفق عليه).
٤٨٩٤ - (وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((الكريم بن الكريم
ابن الكريم بن الكريم»). قال ابن الملك في شرح المصابيح: كتب ابن في الثلاثة بدون الألف
وصوابه أن يكتب بها لوقوعها بين الصفات ((يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)). رواه
البخاري)، وكذا الإمام أحمد عنه. وعن أبي هريرة أيضاً.
٤٨٩٥ - (وعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما) صحابيان جليلان ((قال: في يوم
حنين))) ظرف مقدم والجملة هي المقول ((كان أبو سفيان بن الحارث))) أي ابن عبد المطلب
ابن عم رسول الله وَّيهر وكان أخاه من الرضاعة، أرضعتهما حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية،
وكان من الشعراء المطبوعين، وكان سبق له هجاء في رسول الله وَلقر وأجابه حسان بن ثابت ثم
أسلم فحسن إسلامه، ويقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله وَ الر حياء منه، وكان إسلامه عام
الفتح، وقال له علي كرم الله وجهه: ((ائت رسول الله وَل من قبل وجهه فقل له: ما قال إخوة
يوسف: تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، ففعل ذلك أبو سفيان فقال رسول الله وم ليتى :
لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين». وقبل منه وأسلم، وكان سبب موته
أنه حج فلما حلق الحلاق رأسه قطع أثلوثاً في رأسه فلم يزل مريضاً منه حتى مات بعد مقدمه
من الحج بالمدينة سنة عشرين، ودفن في دار عقيل بن أبي طالب وصلى عليه عمر رضي الله
عنه؛ والحاصل أنه يوم حنين ((كان آخذاً بعنان بغلته يعني))) هو كلام بعض الرواة أي يريد
البراء بقوله: بغلته ((بغلة رسول الله ( 8))) احترازاً من رجع الضمير إلى أبي سفيان ((فلما
غشيه))) بفتح فكسر ((المشركون))) أي أتوه من جميع جوانبه ((نزل))) أي عن بغلته ((فجعل
١
٠
i
الحديث رقم ٤٨٩٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٤١٧ الحديث رقم ٣٣٨٢، والترمذي في السنن ٥٪
٢٧٣ الحديث رقم ٣١١٦، وأحمد في المسند ٩٦/٢.
الحديث رقم ٤٨٩٥: أخرجه البخاري في صحيحه ١٦٤/٦ الحديث رقم ٣٠٤٢، ومسلم في ١٤٠٠/٣
الحديث رقم (٧٨ - ١٧٧٦)، وأحمد في المسند ٤/ ٢٨٠.
٠ هارس

١١٨
١٥٦٢/١
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
يقول :
أنا ابنُ عبدِ المطلب)
((أنا النبيّ لا كذِبْ
قال: فما رُئِيَ منَ النَّاسِ يومئذٍ أشدُ منه.
يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) بسكون الباء فيهما على الصواب وقيل: بفتحها
في الأول وكسرها في الثاني، وقد تقدم الكلام عليه من جهة أنه شعر أم لا. قال التوربشتي:
ليس لأحد أن يحمل هذا على المفاخرة، والشيخ يعني صاحب المصابيح لم يرد في إيراد هذا
الحديث في هذا الباب، ولا شك أنه تبع بعض أصحاب الحديث في منصفاتهم ولم يصيبوا
أولئك أيضاً، وقد نفى نبي الله ◌َلو عن نفسه أن يذكر الفضائل التي خصه الله بها فخراً بل شكراً
لأنعمه، فقال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) الحديث. وذم العصبية في غير موضع فأنى لأحد أن
يعد هذا الحديث من أحد القبيلين، وكيف يجوز على نبي الله وَلتر أن يفتخر بمشرك وكان ينهى
الناس أن يفتخروا بآبائهم، وإنما وجه ذلك أن تقول: تكلم بذلك على سبيل التعريف، فإن الله
تعالى قد أري قوماً قبل ميلاده ما قد كان علماً لنبوّته ودليلاً على ظهور أمره، وأظهر علم ذلك
على الكهنة حتى شهد به غير واحد منهم، فالنبي ◌َّلتر ذكّرهم بذلك وعرفهم أنه ابن عبد
المطلب الذي روي فيه ما روى وذكر فيه ما ذكر. قال الطيبي: الجواب ما ذكره في شرح السنة
من قوله: الافتخار والاعتزاز المنهي عنه ما كان في غير جهاد الكفار، وقد رخص النبي وَّل
الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غيرها؛ وروي أن علياً رضي الله عنه بارز مرحباً يوم خيبر
فقال: ((أنا الذي سمتني أمي حيدرة)) قلت: حاصله يرجع إلى تأويل التوربشتي أنه للتعريف لا
للافتخار، ثم قال الطيبي: وكأنه ◌َلي يرى الكفار شدة جأشه وشجاعته مع كونه مؤيداً من عند
الله تعالى حين قل شوكة المسلمين وهو السكينة التي أنزلها الله عليه يوم حنين وعلى
المسلمين، وتلخيص الجواب أن المفاخرة نوعان مذمومة ومحمودة، فالمذموم منها ما كان
عليها الجاهلية من الفخر بالآباء والأنساب للسمعة والرياء، والمحمود منها ما ضم مع النسب
الحسب في الدين لا رياء، بل إظهاراً لأنعمه تعالى عليه، فقوله: لا فخر احترازاً عن المذموم
منها وكفى به شاهداً قوله في الحديث السابق: ((خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا
فقهوا))، وقوله وَ لهول حين جاءه عباس، وكأنه سمع شيئاً فقام على المنبر فقال: ((من أنا؟ فقالوا:
أنت رسول الله، قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في
خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم
قبيلة، ثم جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً)) قلت: وهذا كله
تعريف لنسبه الشريف المنضم بحسبه المنيف وليس فيه الافتخار بآبائه الكفار لما سيأتي في أوّل
الفصل الثاني مع أنه لو أراد الافتخار لافتخر بأجداده الأبرار وقال: ((أنا ابن إسماعيل أو إبراهيم
عليهما السلام))، وقد قال في الأحياء: كان افتخاره وَ ل﴿ بالله تعالى وبقربه لا بكونه مقدماً على
ولد آدم، كما أن المقبول عند الملك قبولاً عظيماً إنما يفتخر بقبوله إياه وبه يفرح لا بتقدمه
على بعض رعاياه (قال:) أي الراوي ((فما رئي)) بصيغة المجهول أي ما عرف ((من الناس)))
أي أحد منهم ((يومئذ أشد منه))) أي أقوى وأشجع من النبي وهو، ومما يدل عليه اختياره البغلة

١١٩
٠٠٠
٢٢٥٩
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
متفق عليه .
٤٨٩٦ - (٤) وعن أنس، قال: جاءَ رجلٌ إِلى النبيِّ وَّهِ، فقال: يا خيرَ البريَّة! فقال
رسولُ اللهِ وَلِّ: ((ذاكَ إِبراهيمُ)).
التي لا تصلح للعزة بالمرة، ثم زاد عليه بأنه نزل منها وعرف الناس به بإظهار نسبه وحسبه
المتضمن لكمال التعريف المنافي عادة لمقام التخويف، وما ذاك إلا لقوّة قلبه وتوكله على ربه
واعتماده على عصمته بمقتضى وعده حيث قال تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة -
٦٧] وبموجب حكمه حيث قال: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على
الدين كله﴾ [التوبة - ٣٣] (متفق عليه).
٤٨٩٦ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي وَلقر فقال: يا خير البرية)
بتشديد الياء، ويجوز تسكينها وهمز بعدها، ومعناها الخليقة؛ ففي النهاية يقال: برأه الله يبرأ برأ
أي خلقه ويجمع على البرايا والبريات من البري وهو التراب إذا لم يهمز، ومن ذهب إلى أن
أصله الهمزة أخذه من برأ الله الخلق يبرأهم أي خلقهم ثم ترك فيها الهمز تخفيفاً ولم تستعمل
مهموزة قلت: بل المهموزة مشهورة متواترة قرأ بها الإمام نافع وابن ذكوان عن ابن عامل على
الأصل والباقون بإبدال الهمزة ياء وإدغامها في الياء تخفيفاً (فقال رسول الله وَلي:) أي تواضعاً
لربه وأدباً مع جده ((ذاك))) أي المشار إليه الموصوف بخير البرية ((هو إبراهيم))). قال النووي:
فيه وجوه أحدها أنه قال هذا تواضعاً واحتراماً لإبراهيم عليه السلام لخلته وأبوّته، وإلا فنبينا
﴿ ﴿ كما قال ◌َ له: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر))، وثانيها أنه قال هذا قبل أن يعلم أنه سيد ولد
آدم، فإن الفضائل يمنحها الله تعالى لمن يشاء فأخبر بفضيلة إبراهيم عليه السلام إلى أن علم
تفضيل نفسه فأخبر به، قلت: وفيه أنه يحتاج إلى معرفة تاريخ ليدفع التعارض به، وثالثها أن
المراد به أنه أفضل برية عصره، فأطلق العبارة الموهمة للعموم لأنه أبلغ في التواضع، قلت:
ومآل هذا يرجع إلى الأوّل مع أن كون كل منهما أفضل برية عصره ليس فيه مزيد مزية قال:
وفيه جواز التفاضل بين الأنبياء عليهم السلام قلت: لا دلالة عليه في كل من الوجوه الثلاثة،
نعم أفضلية نبينا ثابتة بأدلة صحيحة صريحة كاد أن تكون المسألة قطعية بل إجماعية، منها
حديث مسلم وأبي داود ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأوّل من ينشق عنه القبر، وأوّل شافع
وأوّل مشفع))(١) ومنها حديث الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد ((أنا سيد ولد آدم
يوم القيامة ولا فخر وبيدي لولاء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت
لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأوّل مشفع ولا فخر)»(٢)،
الحديث رقم ٤٨٩٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٨٣٩/٤ الحديث رقم (١٥٠ - ٢٣٦٩)، وأحمد في
المسند ١٧٨/٣.
(١) مسلم في صحيحه ١٧٨٢/٤ الحديث رقم (٣ - ٢٢٧٨)، وأبو داود في السنن ٥٤/٥ الحديث رقم ٤٦٧٣.
(٢) أخرجه الترمذي في السنن ٥٤٨/٥ الحديث رقم ٣٦١٥، وابن ماجه في ٢/ ١٤٤٠ الحديث رقم ٤٣٠٨.
١٤٦

٥٠:
١٢٠
رواه مسلم.
٤٨٩٧ - (٥) وعن عمَرَ، قال: قال رسولُ الله وَلّهِ: ((لا تُطْروني كما أَطَرَت النصارى
ابنَ مریم،
١٠٠٠
ومنها حديث الترمذي عن أبي هريرة «أنا أوّل من تنشق عنه الأرض فأكسي حلة من حلل الجنة
ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري)» (١)؛ وأمثال ذلك من
الأحاديث كثيرة صحيحة شهيرة، ومما يدل على سيادته وزيادته في سعادته. وفي الأحاديث
المسطورة إشعار بتأخير قوله: ((أنا سيد ولد آدم عن قوله: ((ذاك إبراهيم) لأن الأوصاف
المذكورة يوم القيامة لا تتصوّر أن تكون في المفضول مع أن النسخ لا يوجد في الأخبار. هذا
وقد قال بعض الشراح من علمائنا: بحمل الحديث على أنه وستر قاله تواضعاً ليوافق الأحاديث
الدالة على فضله على سائر البشر، أو على أن إبراهيم كأنه يدعى بهذا النعت حتى صار علماً له
كالخليل فقال: ذاك إبراهيم أي المدعو بهذه التسمية إبراهيم إجلالاً له يعني من التشريك،
فيكون معنى خير البرية راجعاً إلى من خلق دون من لم يخلق بعده، ولم يكن ذكر البرية على
العموم فلم يدخل النبي وَّر في غمارهم اهـ. وحاصله أنه يَّر مستثنى منهم إما بطريق النقل
وهو ما ذكرنا، وإما بطريق العقل، فإن المتكلم عند بعض الأصوليين غير داخل في أمره وخبره
والله أعلم. (رواه مسلم).
٠١٥٠
٤٨٩٧ - (وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلتر: ((لا تطروني))) بضم أوله
وأصله لا تطريون من الإطراء وهو المبالغة في المدح والغلو في الثناء ((كما أطرت النصارى
ابن مريم))) أي مثل إطرائهم أياه، مفهومه إن إطراءه من غير جنس إطرائهم جائز ولله در
صاحب البردة حيث قال :
دع ما أدعته النصارى في نبيهم
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
وفي شرح السنة، وذلك أن النصارى أفرطوا في مدح عيسى عليه السلام وإطرائه بالباطل
وجعلوه ولد الله تعالى، فمنعهم النبي ويَّ ر أن يطروه بالباطل. قال الطيبي: وفي العدول عن
عيسى والمسيح إلى ابن مريم تبعيداً له، عن الألوهية يعني بالغوا في المدح والإطراء والكذب
بأن جعلوا من جنس النساء الطوامث إلا هاء أو ابن إله اهـ. ولكون اليهود بالغوا في قدح
المسيح والنصارى في مدحه قال تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق﴾
[المائدة - ٧٧] فالحق هو الوسط العدل كما بينه سبحانه بقول: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم
رسول الله﴾ [النساء - ١٧١] والمعنى أنه عبد الله ورسوله لأن كونه ابن مريم يدل على أنه عبده
وابن أمته كما أشار إليه بقوله: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ [المائدة - ٧٥] أي يبولان ويغوطان
(١) الترمذي في السنن ٥٤٦/٥ الحديث رقم ٣٦١١.
٠٠٠٠
الحديث رقم ٤٨٩٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٧٨/٦ الحديث رقم ٣٤٤٥، والدارمي في ٢/ ٤١٢
الحديث رقم ٢٧٨٤، وأحمد فى المسند ٢٣/١.
٠٠٠.
كتاب الآداب/ باب المفاخرة والعصبية
٣٨٠:
/:٢