النص المفهرس

صفحات 81-100

٨
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
رواه أبو داود.
٤٨ج-
٤٨٤٦ - (٣٥) وعن عمَّارٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ كانَ ذا وَجْهينٍ في الدنيا،
كانَ له يومَ القيامةِ لسانان منْ نارٍ)). رواه الدارمي.
٤٨٤٧ - (٣٦) وعن ابن مسعودٍ، قال: رسولُ اللهُ وَّهِ: قال: ((ليسَ المؤمنُ الطَعَّانِ.
ولا باللغَّانِ، ولا الفاحشِ، ولا البذيء) رواه الترمذي، والبيهقي في شعب الإيمان)). وفي
أخرى له: ((ولا الفاحشِ البذيء)). وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ.
تكذب فيصدقك، والحال أنك كاذب. (رواه أبو داود)، وكذا البخاري في الأدب عنه، وروا
أحمد والطبراني عن النّاس.
٤٨٤٦ - (وعن عمار) أي ابن ياسر (قال: قال رسول الله وَلجر: ((من كان ذا وجهين في
الدنيا)، قيل: المراد به من يرى نفسه عند شخص أنه من جملة محبيه وناصحيه وهو يحدث
في غيبته بماسویه، وقيل: المعنى مع كل واحد من عدوّين كأنه صديقه، ویظن أنه ناصر له.
ويذم هذا عند ذلك وذلك عند هذا. ((كان له يوم القيامة لسانان من نار)). رواه الدارمي)، وكذا
رواه أبو داود لكن بلفظ ((من كان له وجهان)) الخ، وقال ميرك نقلاً عن المنذري: حديث عما
رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، وقال العراقي: حديث عمار ((من كان له وجهان
البخاري في كتاب الأدب المفرد، وأبو داود بسند حسن.
٤٨٤٧ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَظافر: ((ليس المؤمن))) أي
الكامل ((بالطعان))) أي عياباً للناس ((ولا اللعان)))، ولعل اختيار صيغة المبالغة فيها لأن الكامل
قل أن يخلو عن المنقصة بالكلية ((ولا الفاحش))) أي فاعل الفحش أو قائله، وفي النهاية أي
من له الفحش في كلامه وفعاله قيل: أي الشاتم، والظاهر أن المراد به الشتم القبيح الذي يقبح
ذكره ((ولا البذيء))) بفتح موحدة وكسر ذال معجمة وتشديد تحتية، وفي نسخة بسكونها؛
وهمزة بعدها، وهو الذي لا حياء له كما قاله بعض الشراح، وفي النهاية البذاء بالمد الفحش
في القول، وهو بذيء اللسان، وقد يقال: بالهمز وليس بكثير اهـ، فعلى هذا يخص الفاحش
بالفعل لئلا يلزم التكرار أو يحمل على العموم، والثاني يكون تخصيصاً بعد تعميم لزيادة
الاهتمام به لأنه متعد، وقد يقال: عطف تفسير ولا زائدة ويؤيده الرواية الآتية. (رواه الترمذي)
أي في جامعه، (والبيهقي في شعب الإيمان، وفي أخرى) أي وفي رواية أخرى للبيهقي ((و)
الفاحش البذيء)»، وقال الترمذي: هذا حديث غريب). قال ميرك ورجاله رجال الصحيحيُ.
٠٠٠١/
الحديث رقم ٤٨٤٦: أخرجه أبو داود في السنن ١٩١/٥ الحديث رقم ٤٨٧٣، والدارمي في ٠٥/٢ ٤
الحدیث رقم ٢٧٦٤.
الحديث رقم ٤٨٤٧: أخرجه الترمذي في السنن ٣٠٨/٤ الحديث رقم ١٩٧٧، وأحمد في المسند ١٪
٤٠٥ والبيهقي في الشعب ٢٩٣/٤ الحديث رقم ٥١٤٩.

٨٢
14%١٠٠
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
٤٨٤٨ - (٣٧) وعن ابن عمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يكونُ المؤمنُ لعَّاناً)).
وفي رواية: ((لا ينبغي للمؤمنِ أنْ يكونَ لعَّاناً)). رواه الترمذيُّ.
٤٨٤٩ - (٣٨) وعن سمُرةً بن جُندبٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((لا تلاعَنوا لعنةٍ
الله، ولا بغضبِ الله، ولا بجهنم)). وفي رواية ((ولا بالنار)). رواه الترمذي، أبو داود.
٤٨٥٠ _ (٣) وعن أبي الدرداءِ، قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إِنَّ العبدَ إذا
لعن شيئاً صَعِدتْ اللعنةُ إِلى السَّماءِ،
سوى محمد بن يحيى شيخ الترمذي وثقه ابن حبان والدارقطني، وفي الجامع الصغير رواه
أحمد والبخاري في تاريخه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه(١).
٤٨٤٨ - (وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله وَلا ير: ((لا يكون
المؤمن))) أي الكامل ((لعاناً))) أي كثير اللعن وإن كان قد يتبادر منه أحياناً، (وفي رواية ((لا
ينبغي للمؤمن))) أي مطلقاً (أن يكون لعاناً. رواه الترمذي).
٤٨٤٩ - (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلتقول: ((لا تلاعنوا)))
بحذف إحدى التاءين ((بلعنة الله))) أي لا يلعن بعضكم بعضاً فلا يقل أحد لمسلم معين: عليك
لعنة الله مثلاً ((ولا بغضب الله))) بأن يقول: غضب الله عليك ((ولا بجهنم))) بأن يقول: لك
جهنم أو مأواك. (وفي رواية ((ولا بالنار))) بأن يقول: أدخلك الله النار أو النار مثواك. وقال
الطيبي: أي لا تدعوا الناس بما يبعدهم الله من رحمته، إما صريحاً كما تقولون: لعنة الله عليه
أو كناية كما تقولون: عليه غضب الله أو أدخله الله النار، فقوله: لا تلاعنوا من باب عموم
المجاز لأنه في بعض أفراده حقيقة وفي بعضه مجاز، وهذا مختص بمعين لأنه يجوز اللعن
بالوصف الأعم كقوله: ﴿لعنة الله على الكافرين﴾ أو بالأخص كقوله: ((لعنة الله على اليهود)» أو
على ((كافر معين مات على الكفر كفرعون وأبي جهل)). (رواه الترمذي وأبو داود)، وكذا
الحاكم ولفظهم: ((ولا بالنار)» على ما في الجامع(٢).
٤٨٥٠ - (وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَلهو يقول: ((إن العبد إذا
لعن شيئاً صعدت))) بكسر العين أي طلعت اللعنة وكأنها تتجسد ((إلى السماء))) أي جهة العلوّ
(١) الجامع الصغير ٢/ ٤٦٤ الحدیث رقم ٧٥٨٤.
الحديث رقم ٤٨٤٨: أخرجه الترمذي في السنن ٣٢٥/٤ الحديث رقم ٢٠١٩، وأحمد في المسند ٣٦٦/٢.
الحديث رقم ٤٨٤٩: أخرجه أبو داود في السنن ٢١١/٥ الحديث رقم ٤٩٠٦، والترمذي في ٣٠٨/٤
الحديث رقم ١٩٧٦، وأحمد في المسند ١٥/٥.
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٥٨٣ الحديث رقم ٩٨٦٣.
الحديث رقم ٤٨٥٠: أخرجه أبو داود في السنن ٢١١/٥ الحديث رقم ٤٩٠٥.

٨٣
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
" فتغلق أبواب السماءِ دونها، ثم تهبط إِلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثمَّ تأخذ يميناً
وشمالاً، فإِذا لم تجد مساغاً رجعت إِلى الذي لُعَن، فإن كان لذلك أهلاً، وإِلاَّ رجعت إِلى
قائلها». رواه أبو داود.
٤٨٥١ - (٤٠) وعن ابنِ عبَّاسٍ، أن رجلاً نازعتهُ الريحُ رداءه فلعنها. فقال رسول
الله ◌َّمَ: ((لا تلعنها [٣٦٤ - أ -] فإنها مأمورةٌ، وإِنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعتِ اللعنةُ
علیه)). رواه الترمذي، وأبو داود.
=جم.
٤٨٥٢ - (٤١) وعن ابن مسعودٍ، قال: قال رسول الله وَلقول: ((لا يبلّغني
((فتغلق أبواب السماء))) بصيغة المجهول من الإغلاق لأن غلق الباب لثغة أو لغة رديئة في
أغلقه - على ما في القاموس. نعم يجوز تشديد لامه، ومنه قوله تعالى: ﴿وغلقت الأبواب﴾
[يوسف - ٢٣] ((دونها))) أي قدام اللعنة ((ثم تهبط))) بكسر الموحدة أي تنزل ((إلى الأرض)))
أي جهة السفل ((فتغلق أبوابها))) أي أبواب طبقاتها (دونها) أي عند ظهور اللعنة («ثم تأخذ
يميناً وشمالاً)) أي تميل إلى جهتي اليمين واليسار مما بين السماء والأرض فيمنعان دونها. قال
ابن الملك: صعود اللعنة وهبوطها وأخذها يميناً وشمالاً تصوير أن فعله ههنا كالمتردد الذي لا (
يجد سبيلاً ((فإذا لم تجد مساغاً)) بفتح الميم أي مدخلاً وطريقاً من ساغ الشراب في الحلق
دخل فيه بسهولة ((رجعت إلى الذي لعن))) بصيغة المجهول ((فإن كان))) أي الملعون ((لذلك)))
أي لما ذكر من اللعنة («أهلاً)) جزاء الشرط محذوف تقديره لحقته ونفذت فيه)) ((وإلا))) أي
وإن لم يكن أهلاً بأن كان مظلوماً ((رجعت إلى قائلها)))، فإنه المستحق لها وأهلها. (رواه أبو
داود) أي وسكت عليه وأقره المنذري، ورجاله موثوقون، نقله ميرك عن التصحيح.
٤٨٥١ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن رجلاً نازعته الربح))) أي جاذبته ((رداءه.
فلعنها، فقال رسول الله وَلجر: ((لا تلعنها فإنها مأمورة))) أي بأمر مّا أو المنازعة من خاصيتها
خمs5
0.25%
ولوازم وجودها إعادة أو فإنها مأمورة حتى بهذه المنازعة أيضاً ابتلاء لعباده وهو الأظهر ((وأنه))).
أي الشأن ((من لعن شيئاً ليس))) أي ذلك الشيء ((له))) أي اللعن ((بأهل))) أي بمستحق
((رجعت اللعنة عليه))) أي على اللاعن لأن اللعنة، وكذا الرحمة تعرف طريق صاحبها. (رواه
الترمذي وأبو داود)، وكذا ابن حبان في صحيحه(١)، ذكره ميرك.
٤٨٥٢ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلاير: ((لا يبلغني))) بتشديد
الحديث رقم ٤٨٥١: أخرجه أبو داود في السنن ٢١٢/٥ الحديث رقم ٤٩٠٨، والترمذي في ٣٠٩/٤،
الحدیث رقم ١٩٧٨.
(١) أخرجه ابن حبان ١٣/ ٥٥ الحدیث رقم ٥٧٤٥.
الحديث رقم ٤٨٥٢: أخرجه أبو داود في السنن ١٨٣/٥ الحديث رقم ٤٨٦٠ والترمذي ٦٦٧/٥ الحديث
رقم ٣٨٩٧، وأحمد في المسند ٣٩٦/١.
٠٫١٧٦٣

٨٤
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
أحدٌ من أصحابي عن أحدٍ شيئاً، فإِني أُحِبُّ أن أخرجَ إِليكم وأنا سليمُ الصَّدرِ)». رواه أبو
داود.
٤٨٥٣ - (٤٢) وعن عائشةً، قال: قلتُ للنبيّ وَلّر: حسبك من صَفيَّةَ كذا وكذا -
تعني قصيرةً - فقال: ((لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَ بها البحر لمزجَتْهُ)).
/١٣٩/ ١٣٥
اللام ويخفف، وهو نفي بمعنى النهي، وفي نسخة بالجزم أي لا يوصلني ((أحد من أصحابي)))
بيان لأحد (عن أحد))) أي عن قبل أحد منهم أو من غيرهم من المسلمين ((شيئاً)) أي مما أكرهه
وأغضب عليه، وهو عام في الأفعال والأقوال بأن شتم أحداً وآذاه أو قال فيه خصلة سوء («فإني
أحب أن أخرج إليكم))) أي من البيت وألاقيكم ((وأنا سليم الصدر))) أي من مساويكم جملة
حالية. قال ابن الملك: والمعنى أنه لا يتمنى أن يخرج من الدنيا وقلبه راض عن أصحابه من
غير سخط على أحد منهم، وهذا تعليم للأمة أو من مقتضيات البشرية. (رواه أبو داود).
١٣٠ ٣/١٣/١١٣/١
٤٨٥٣ - (وعن عائشة رضي الله عنه قالت: ((قلت للنبي ◌َّلتر: حسبك من صفية))) أي من
عيوبها البدنية ((كذا وكذا))) كناية عن ذكر بعضها، وهو كذا في جميع نسخ المشكاة، وقيل:
إهذا تحريف في كتاب المصابيح والصواب حسبك من صفية أنها كذا وكذا ((تعني))) أي تريد
عائشة بقولها: كذا وكذا ((قصيرة))) أي كونها قصيرة، قال شارح: قولها: كذا إشارة إلى
شبرها. قلت: الظاهر من تكرار كذا تعدد نعتها، فلعلها قالت بلسانها: أنها قصيرة وأشارت
بشبرها أنها في غاية من القصر، فأرادت التأكيد بالجمع بين القول والفعل والله أعلم. ((فقال:
لقد قلت كلمة))) أي طويلة عريضة ومرة نتنة عند أرباب الحواس الكاملة ((لو مزج))) بصيغة
المجهول أي لو خلط ((بها))) أي على فرض تجسيدها وتقدير كونها مائعاً ((البحر))) أي ماؤه
(«لمزجته))) أي غلبته وغيرته، قال القاضي: المزج الخلط والتغيير بضم غيره إليه، والمعنى أن
هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله مع كثرته وغزارته، فكيف بأعمال قذرة
) خلطت بها، وقال التوريشتي: قد حرفت ألفاظ هذا الحديث في المصابيح، والصواب لو
مزجت بالبحر لمزجته، قال الطيبي: قد ورد هذا الحديث كما في المصابيح، والمتن في نسخة
/٣٠:
٤) مصححة من سنن أبي داود، ولعل التخطئة من أجل الدراية لا الرواية إذ لا يقال: مزج بها
٤) البحر بل مزجت بالبحر، ويمكن أن يقال: إن المزج والخلط يستدعيان الامتزاج والاختلاط،
وكل من الممتزجين يمتزج بالآخر يعني مع قطع النظر عن الكثرة والقلة والمائعية والجامدية،
وإن كان الأصل هو الفصل عند أرباب الفضل، ثم قال: قال تعالى: ﴿فاختلط به نبات
الأرض﴾ [يونس - ٢٤] قال الكشاف: وكان حق اللفظ ((فاختلط بنبات الأرض))، ووجه صحته
أن كل واحد منهما موصوف بصفة صاحبه على أن هذا التركيب أبلغ لأنه حينئذ من باب
عرضت الناقة على الحوض أقول: فيه أبحاث، أما أوّلاً فينبغي أن تكون الدراية تابعة للرواية،
فتخطئة المحدثين ليس من شأن أرباب العناية فلا بد من تنبيه نبيه وتوجيه وجيه بعد ثبوت هذا
الحديث رقم ٤٨٥٣: أخرجه أبو داود في السنن ١٩٢/٥ الحديث رقم ٤٨٧٥، والترمذي في ٤/ ٥٧٠
الحديث رقم ٢٥٠٢، وأحمد في المسند ١٨٩/٦.
،جده

٨٥
١٠٤٠
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود.
٤٨٥٤ _ (٤٣) وعن أنسٍ، قال: قال رسول الله وَله: (ما كان الفُحْشُ
اللفظ ممن أوتي، جوامع الكلم وبدائع الحكم، وأما ثانياً فقوله: يقال: مزجت بالبحر لا مزج
بها سببه أنه ينسب القليل إلى الكثير لا عكسه عرفاً وعادة وإن جاز لغة، فإنه يقال: اختلط اللبن
بالماء وعكسه تفاضلاً وتساوياً فنقول: في الحديث الشريف إشارة لطيفة إلى أن هذه الكلمة
منك ولو كانت صغيرة وقليلة عندك فهي عند الله كبيرة وكثيرة بحيث لو مزج بها البحر بأجناسها
وأصنافها وأنواعها ووسعها من طولها وعرضها وعمقها لغلبته، وهذا من البلاغة غاية مبلغها،
وفي البليغ من الزجر نهاية حدها ومنتهاها، وأما ثالثاً فقول الكشاف في قوله تعالى: ﴿فاختلط
به نبات الأرض﴾ [الكهف - ٤٥] حق اللفظ، فاختلط نبات الأرض خطأ فاحش لأنه ليس
المعنى على أنه اختلط بالماء نبات الأرض إذ ليس تحته طائل، بل الصواب أن الباء للسببية وأن
المختلط هو بعض نبات الأرض ببعضه، وتوضيحه أن المطر سابق وجوده على تحقق النبات
على ما أشار إليه، فاء التعقيبية في قوله تعالى: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء
فاختلط به نبات الأرض﴾ [يونس - ٢٤] الآية فكيف يتصوّر اختلاطهما(١)، وأما رابعاً فقوله:
إنه من باب عرضت الناقة على الحوض ممنوع ومدفوع بأن العرض إنما يكون على أرباب
التمييز، فبهذه القرينة يعرف أن الكلام مقلوب بخلاف ما نحن فيه، فإن بكل من الطرفين قابلية
الخلط على ما بيناه، فإن قلت: لعل صاحب الكشاف أراد اختلاط أثر ماء المطر بما ينبت به
الأرض من الحبة مثلاً قلت: الظاهر أن هذا مطمح نظره ومطلع فكره لكنه يرده قوله تعالى:
﴿فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح﴾ [الكهف - ٤٥] إذ تعقيبية الأصباح
المذكور، إنما هو عند حصول اختلاط النبات بعضها ببعض لاحين اختلاط الماء بالحب
والنوى كما لا يخفى، ومما يدل صريحاً على كون الباء للسببية قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنزل
من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء﴾ [الأنعام - ٩٩] ثم رأيت الكشاف اختار ما اخترناه
وحرر ما حررناه حيث قال: فالتفت بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً ثم قال: وقيل:
نجمع في النبات الماء فاختلط به حتى روى ورف رفيفاً، وكان حق اللفظ على هذا التفسير
((فاختلط بنبات الأرض))، ووجه صحته إن كلاً من المختلطين موصوف بصفة صاحبه. اهـ
كلامه. فالاعتراض يحول إلى ما قيل، ويتوجه عليه أيضاً من جهة تحريره وتوجيهه وتقريره،
ويبين أن نقل الطيبي محمول على تقصيره، ثم لا يخفى ما فيه من الدسيسة الاعتزالية في قوله:
وحق اللفظ مع سوء الأدب بالنسبة إلى الآية القرآنية والله ولي دينه وناصر نبيه. (رواه أحمد
والترمذي وأبو داود).
٤٨٥٤ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((ما كان الفحش))) أي القبيح
(١) في المخطوطة ((اختلافهما)).
الحديث رقم ٤٨٥٤: أخرجه الترمذي في السنن ٣٠٧/٤ الحديث رقم ١٩٧٤، وابن ماجه في ٢/ ١٤٠٠
الحديث رقم ٤١٨٥، وأحمد فى المسند ١٦٥/٣.
،

٦٠٢٠
٨٦
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
في شيءٍ إِلا شأنَهُ، وما كان الحياءُ في شيءٍ إِلا زانَهُ)). رواه الترمذي.
٤٨٥٥ - (٤٤) وعن خالدٍ بن معدانَ، عن معاذٍ، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((من عيَّرَ
أخاه بذنبٍ لم يمتْ حتى يَعْمَلَهُ)) - يعني من ذنب قد تاب منه -. رواه الترمذي وقال: هذا
حديث غريب وليس إِسناده بمتصل، لأنَّ خالداً لم يُدرك معاذ بن جبل.
٤٨٥٦ - (٤٥) وعن واثلةً،
من الكلام ((في شيء))) أي في أمر من الأمور ((إلا شأنه))) أي عيبه الفحش، والأظهر أن
المراد بالفحش العنف لما في رواية عبد بن حميد والضياء عن أنس أيضاً ((ما كان الرفق في
شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شأنه))، ((وما كان الحياء في شيء إلا زانه))) أي زينه. قال
الطيبي: قوله: في شيء فيه مبالغة أي لو قدر أن يكون الفحش أو الحياء في جماد لزانه أو
شأنه فكيف بالإنسان اهـ؟ ويمكن أن يكون المراد بشيء شيء يتصور فيه الفحش والحياء، فكأنه
قال: ما كان في أحد. (رواه الترمذي). قال ميرك: وإسناده صحيح، وفي الجامع الصغير رواه
أحمد والبخاري في الأدب، والترمذي وابن ماجه لكن بزيادة قط بعد كل من قوله: في
(١)
شيء(١
٤٨٥٥ - (وعن خالد بن معدان) بفتح ميم وسكون عين فدال مهملتين يكنى أبا عبد الله
الشامي الكلاعي من أهل حمص قال: لقيت سبعين رجلاً من الصحابة، وكان من ثقات
الشاميين مات بالطرطوس سنة أربع ومائة كذا ذكره المؤلف. (عن معاذ) بضم الميم وهو ابن
جبل عند الإطلاق (قال: قال رسول الله وَلاج: ((من عير))) بتشديد التحتية أي وبخ ولام،
((أخاه))) أي المسلم ((بذنب))) أي صدر منه سابقاً أو على طريق الشماتة ((لم يمت حتى
يعمله))) أي مثل ذنبه ((يعني))) أي يريد النبي ◌َلغير التعبير ((من ذنب قد تاب منه))). قال ميرك:
هذا التفسير منقول عن الإمام أحمد، (رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده
بمتصل لأن خالداً لم يدرك معاذ بن جبل) قلت: وكان معاذاً ليس من السبعين الذين أدركهم،
ولعل سببه أنه مات سنة ثماني عشرة وإلا فالمعاصرة تكفي في صحة الاتصال عند الجمهور
واعتباراً للقي إنما هو عند البخاري ومن تبعه، وفي الأحياء قال أعرابي لرسول الله وَليقول :
((أوصني! فقال: عليك بتقوى الله، وإن امرؤ عيرك بشيء يعلمه فيك فلا تعيره بشيء تعلمه فيه
يكن وباله عليه وأجره لك»، قال العراقي: رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد من حديث أبي
جري الهجيمي، قيل: اسمه جابر بن سليم وقيل: سليم بن جابر.
mca
٤٨٥٦ - (وعن واثلة) بكسر المثلثة وهو ابن الأسقع الليثي أسلم والنبي وَلّ متوجه إلى
(١) الجامع الصغير ٤٨٦/٢ الحديث رقم ٧٩٦٣
الحديث رقم ٤٨٥٥: أخرجه الترمذي في السنن ٥٧١/٤ الحديث رقم ٢٥٠٥.
الحديث رقم ٤٨٥٦: أخرجه الترمذي في السنن ٥٧١/٤ الحديث رقم ٢٥٠٦.
/١١

٨٧
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
قال: قال رسول الله وَله: ((لا تُظْهِرِ الشماتةَ لأخيكَ فيرحمُهُ الله ويبتليكَ)). رواه الترمذي،
وقال: هذا حديث حسن غريب.
٤٨٥٧ _ (٤٦) وعن عائشةً [رضي الله عنها] قالت: قال النبيُّ وَلَّ: ((ما أُحِبُّ أنّ
حَكيتُ أحداً وأنَّ لي كذا وكذا)). رواه الترمذي وصحَّحه.
٤٨٥٨ - (٤٧) وعن جُنْدُبِ، قال: جاءَ أعرابيّ، فأناخَ راحِلَتَهُ، ثمَّ عقَلَها ثمَّ دَخَلَ
تبوك ويقال: إنه خدم النبي ◌َ﴿ ثلاث سنين وكان من أهل الصفة ومات ببيت المقدس وهو ابن
مائة سنة (قال: قال رسول الله وَله: ((لا تظهر الشماتة))) أي الفرح ببلية عدوّك («لأخيك))) أي
لأجل أخيك المسلم الذي وقع في بلية دينية أو دنيوية بدنية أو مالية ((فيرحمه الله))) بالنصب
على جواب النهي، وفي نسخة بالرفع وهو الملائم لمراعاة السجع في عطف قوله: ((ويبتليك))،
والمعنى يرحمه رغماً لأنفك ((ويبتليك))) حيث زكيت نفسك ورفعت منزلتك عليه ونحوه قوله
وَلجر: في قول من قال لصاحبه ((والله لا يغفر الله لك أبداً، فقال الله تعالى للمذنب: أدخل الجنة
برحمتي، وقال للآخر: تستطيع أن تحظر عن عبدي رحمتي))(١). الحديث (رواه الترمذي
وقال: هذا حديث حسن غريب). وفي الأحياء بلفظ ((فيعافيه الله ويبتليك)). قال العراقي:
أخرجه الترمذي من حديث واثلة بن الأسقع، وفي رواية ابن أبي الدنيا ((فيرحمه الله)).
٤٨٥٧ - (وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال النبي وَلخير: ((ما أحب») أي ما أود
((إني حكيت أحداً)) أي فعل أحد، والمعنى ما أحب أن أتحدث بعيب أحد قولياً أو فعلياً
((وإن لي كذا وكذا))) أي ولو أعطيت كذا وكذا من الأشياء بسبب ذلك الحديث، كذا قاله
شارح، أو حكيت بمعنى حاكيت، ففي النهاية أي فعلت مثل فعله، يقال: حكاه وحاكاه وأكثر
ما يستعمل في القبيح المحاكاة قلت: فيحمل حكيت على الحسن فيفيد المبالغة. قال الطيبي:
وإن لي كذا وكذا جملة حالية واردة على التتميم والمبالغة أي ما أحب أن أحاكي أحداً واو
أعطيت كذا وكذا من الدنيا اهـ، وفيه أن الأصول المعتمدة على فتح أن، والظاهر أنه معطوف
على ما سبق من قوله: ((إني))، والمعنى إني ما أحب الجمع بين المحاكاة حصول كذا وكذا من
الدنيا وما فيها بسبب المحاكاة، فإنها أمر مذموم. قال النووي: ومن الغيبة المحرمة المحاكاة
بأن يمشي متعارجاً أو مطأطأ رأسه أو غير ذلك من الهيئات كما مر. (رواه الترمذي وصححه).
وفي الجامع الصغير عنها بلفظ ((ما أحب أني حكيت إنساناً) الخ. رواه أبو داود والترمذي(٢).
٤٨٥٨ - (وعن جندب) مر ذكره رضي الله عنه (قال: ((جاء أعرابي))) أي واحد من
الأعراب وهم سكان البادية من العرب («فأناخ راحلته ثم عقلها))) أي قيدها («ثم دخل
(١) أحمد في المسند ٣٢٣/٢.
٢٠٠٠
الحديث رقم ٤٨٥٧: أخرجه الترمذي في السنن ٥٧/٤ الحديث رقم ٢٥٠٣، وأحمد في المسند ١٢٨/٦.
(٢) الجامع الصغير ٤٧٧/٢ الحديث رقم ٧٧٨٦.
الحديث رقم ٤٨٥٨: أخرجه أبو داود في السنن ١٩٨/٥ الحديث رقم ٤٨٨٥، وأحمد في المسند ٣١٢/٤.

٨٨
رسم ى
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
المسجدَ فصلَّى خلفَ رسولِ اللهِ وَل﴿، فلما سلَّم أتي راحِلَتَه فأطْلَقَها، ثمَّ رَكِبَ، ثمَّ نادی:
اللَّهمَّ ارحمني ومحمَّداً ولا تشرِك في رَحمَتِنا أحداً. فقال رسولُ الله وَلّى: ((أتقولون هو
أضلُ أم بعيره؟ ألم تسمعوا إِلى ما قال؟)) قالوا: بلى. رواه أبو داود.
وذُكر حديث أبي هريرة ((كفى بالمرءِ كذباً)) في ((باب الاعتصام)) في الفصل الأول.
الفصل الثالث
٤٨٥٩ - (٤٨) عن أنس، قال: قال رسول الله وَّر: ((إِذا مُدِحَ الفاسِقُ غضِبَ الرَّبُّ
تعالى، واهتزَّ [٣٦٤ - ب -] لهُ العرشُ)).
المسجد فصلى خلف رسول الله ﴿ فلما سلم))) أي من الصلاة أو عليه عليه السلام ((أتي
راحلته فأطلقها ثم ركب ثم نادى») أي رفع صوته بقوله: ((اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك في
رحمتنا أحداً، فقال رسول الله وَج: أتقولون))) في النهاية أي أتظنون («هو أضل أم بعيره)») أي
أجهل ((ألم تسمعوا إلى ما قال))) فيه تنبيه على أنه يستحق أن يقال في حقه ما قال ((قالوا:
بلى))) وقال الطيبي: أيدور هذا الترديد في ظنكم ولا يقول: ما قال إلا جاهل بالله وسعة رحمته
حيث يحجر الواسع. (رواه أبو داود)، ورجاله رجال الصحيحين إلا أبا عبد الله الجشمي
الراوي عن جندب لم يرو له غير أبي داود ولم يتكلم فيه أحد. كذا نقله ميرك عن التصحيح،
وفي الحصن للجزري ومن جملة آداب الدعاء أن لا يتحجر. رواه البخاري وأبو داود وابن
ماجه. قال ميرك: كلهم من حديث أبي هريرة ((إن أعرابياً دخل المسجد فصلى فيه ثم دعا
فقال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحدا، فقال النبي وَّر: لقد تحجرت واسعاً)). قال
صاحب النهاية: أي ضیقت ما وسعه الله فخصصت به نفسك دون غیرك. (وذکر حديث أبي
هريرة ((كفى بالمرء كذباً)) تمامه أن يحدث بكل ما سمع (في باب الاعتصام في الفصل الأول)،
كان الأولى أن يقول في الفصل الأوّل من باب الاعتصام ثم في تحويله من هذا الباب المناسب
له أيضاً بل الأنسب، فإنه يفيد المعنى الأعم من كون الكذب في حديثه أَل أو في حديث غيره
بكل ما سمع من غير تثبت خلاف الصواب كما لا يخفى على أولي الألباب، فالاعتذار
المتضمن للاعتراض مردود عليه.
(الفصل الثالث)
٤٨٥٩ - (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَلافي: ((إذا مدح الفاسق))) بأن
قال له: یا سید مثلاً ((غضب الرب تعالى))) أي على المادح («واهتز له») أي لأجل مدحه،
وفي رواية لذلك ((العرش))) أي وكاد أن يتحرك ويندك من هيبة أثر عظمة سخطه سبحانه،
الحديث رقم ٤٨٥٩: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٢٣٠ الحديث رقم ٤٨٨٦.
٠ -.
١٣٥٠
/ ٠,،،
١٠
٠٠٠.
١٠
١٥٠٠

٨٩
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)).
٤٨٦٠ - (٤٩) وعن أبي أمامةَ، قال: قال رسول الله بَّر: ((يُطبَعُ المؤمِنُ على
الخِلالِ كلِّها إِلا الخيانةَ والكذبَ)).
ونظيره قوله تعالى: ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً إن دعوا
للرحمن ولداً﴾ [مريم - ٩٠] وقال الطيبي: اهتزاز العرش عبارة عن وقوع أمر عظيم وداهية
دهياء لأن فيه رضا بما فيه سخط الله وغضبه، بل يقرب أن يكون كفراً لأنه يكاد أن يفضي إلى
استحلال ما حرمه الله تعالى، وهذا هو الداء العضال لأكثر العلماء والشعراء والقراء المرائين في
زماننا، هذا وإذا كان هذا حكم من مدح الفاسق فكيف بمن مدح الظالم وركن إليه ركوناً، وقد
قال تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ [هود - ١١٣] الكشاف. النهي متناول
للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا
بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومد العين إلى زمرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم. ولما
خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين («عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن فقد
أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخاً كبيراً وقد أنقلتك نعم
الله بما فهمك من كتابه، وعلمك من سنة نبيه وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء قال الله
تعالى: ﴿لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾ [آل عمران - ١٨٧] واعلم أن أيسر ما ارتكبت وأخف ما
احتملت أنك آنست وحشة الظالم وسهلت سبيل الغيّ بدونك ممن لم يؤد حقاً ولم يترك باطلاً
حين أدناك، اتخذوك قطباً يدور عليك رحى باطلهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلماً
يصعدون فيك إلى ضلالهم، يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء،
فما أيسر ما عمرو لك في جنب ما أخربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك
من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا
الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً﴾ [مريم - ٥٩] فإنك تعامل من لا يجهل ويحفظ
عليك من لا يغفل فَدَاوِ دينَكَ فقد دخله السقم وهيىء زادك فقد حضر السفر البعيد وما يخفى
على الله من شيء في الأرض ولا في السماء والسلام)). (رواه البيهقي في شعب الإيمان)، وكذا
رواه أبو يعلى الموصلي وابن أبي الدنيا في الصمت وإسناده ضعيف، ذكره ميرك، وكذا رواه
ابن عدي عن بريدة.
٥٠٨٩
٠٠١٥٠٠٠
٩٥٠, ..
٤٨٦٠ - (وعن أبي أمامة) أي الباهلي (قال: قال رسول الله وَلاير: (يطبع المؤمن))) بصيغة
المفعول أي يخلق ويجبل ((على الخلال))) أي الخصال زنة ومعنى ((كلها))) أي جميع الأخلاق
الذميمة لأن الكلام فيها أو الأعم منها ((إلا الخيانة والكذب))) بنصبهما أي غيرهما، فإن المؤمن
يخلق ويجبل على الصدق والأمانة كما هو مقتضى التصديق والإيمان، ولذا قال تعالى بصيغة
الحصر ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون﴾ [النحل - ١٠٥]
الحديث رقم ٤٨٦٠: أخرجه أحمد في المسند ٢٥٢/٥.

٩٠
١
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
رواه أحمد.
٤٨٦١ - (٥٠) والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عن سعد بن أبي وقّاصٍ.
٤٨٦٢ - (٥١) وعن صفوان بن سليم، أنه قيل لرسول الله وَليون: أيكون المؤمن
جَباناً؟ قال: ((نعم)). فقيل له: أيكون المؤمنُ بخيلاً؟ قال: ((نعم)). فقيل: أيكون المؤمنُ
كذاباً؟ قال: ((لا)). رواه مالك والبيهقي في ((شعب الإيمان)) مرسلاً.
أي الكاملون في الكذب أو المجبولون عليه وقال ◌َ له: ((لا إيمان لمن لا أمانة له)»، على
ما رواه أحمد والبيهقي عن أنس، فما يصدر عن المؤمن من الكذب والخيانة فهو من
الأمور العارضة لطبيعته لا من أصل خلقته وجبلته، ويمكن أن يراد به المبالغة في نفي
المؤمن عنهما. قال في النهاية: قوله: يطبع عليها أي يخلق، والطباع ما ركب في الإنسان
من جميع الأخلاق التي لا يكاد يزاولها (١) من الخير والشر. قال الطيبي: وإنما كانت
الخيانة والكذب منافيين بحاله، فإن الإيمان أفعال من الأمن وحقيقته أمنه التكذيب
والمخالفة ولأنه حامل أمانة الله تعالى، فينبغي أن يكون أميناً لا خائناً. (رواه أحمد) أي
عن أبي أمامة .
٤٨٦١ - (والبيهقي)، والأظهر ما في نسخة، ورواه البيهقي (في شعب الإيمان عن سعد
ابن أبي وقاص). وفي الجامع الصغير ((يطبع المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب))،
رواه البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر.
٤٨٦٢ - (وعن صفوان بن سليم) بالتصغير تابعي كبير روى عن أنس بن مالك ونفر من
التابعين، وكان من خيار عباد الله الصالحين يقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة،
ويقولون: إن جبهته ثقبت من كثرة السجود، وكان لا يقبل جوائز السلاطين، ومناقبه كثيرة.
روى عنه ابن عيينة. كذا ذكره المؤلف، (أنه قيل لرسول الله وَالقبر: ((أيكون المؤمن جباناً))) أي
بالطبع أو مطلقاً وهو بفتح الجيم وتخفيف الموحدة ضد الشجاع (قال: نعم))) أي يكون ولا
ينافي الإيمان. ((فقيل له:))) أي لرسول الله وَلتر ((أيكون المؤمن بخيلاً)) أي بالطبع كما قال
تعالى: ﴿وكان الإنسان قتوراً﴾ [الإسراء - ١٠٠] أو بإخراج ما يجب عليه من المال لميله على
وجه الكمال ((قال: نعم))) أي يكون ولا ينافيه مطلق الإيمان أو كماله، ((فقيل))) أي له
((أيكون المؤمن كذاباً)) أي كثير الكذب مبالغاً فيه أو ذا كذب بحسب الطبع والخلقة ((قال:
لا)). رواه مالك والبيهقي في شعب الإيمان مرسلاً)، قيد لهما.
٦٤٠٠
(١) في المخطوطة ((بزوالها)).
الحديث رقم ٤٨٦١: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٢٠٧ الحديث رقم ٤٨٠٩٠.
الحديث رقم ٤٨٦٢: أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٩٠ الحديث رقم ١٩ من كتاب الكلام، وأحمد في
المسند ٢٨٨/٢ والبيهقي في شعب الإيمان ٤٠/ ٢٠٧ الحديث رقم ٤٨٣٢.

رجع:
٩١
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
٤٨٦٣ - (٥٢) وعن ابن مسعودٍ، قال: ((إِنَّ الشيطانَ ليتمثلُ في صورةِ الرجلِ، فيأتي
القومَ فيحدِّثهم بالحديثِ من الكذبِ فيتفرَّقونَ؛ فيقول الرجل منهم: سمعتُ رجلاً أعرفُ
وجْهَهُ ولا أدري ما اسمُه یحدِّث)). رواه مسلم.
٤٨٦٤ - (٥٣) وعنِ عمران بن حِطّان، قال: أتيتُ أبا ذَرِّ فوجدته في المسجدِ محتبياً
بكساءِ أسودَ وحده. فقلتُ: يا أبا ذرً! ما هذه الوحدة؟ فقال: سمعتُ رسولَ الله وَله يقول:
((الوحدةُ خيرٌ من جليسٍ السوء، والجليسُ الصالحُ خيرٌ من الوَحدة وإِملاءُ الخير خيرٌ من
السكوتِ، والسكوتُ خيرٌ من إِملاءِ الشر)).
٤٨٦٥ - (٥٤) وعن عمرانَ بن حُصَينٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّ قال: ((مقامُ الرجلِ
٤٨٦٣ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل))) أي
أحياناً ((فيأتي القوم))) أي جماعة (فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون، فيقول الرجل
منهم: سمعت رجلاً أعرف وجهه))) أي رسمه ((ولا أدري ما اسمه))) أي ووصفه ((يحدث))) أي
كذا وكذا، وظاهره أنه من حديث رسول الله وَ لقر فإنه من أقبح أنواع الكذب حتى عد كفراً،
فلهذا يعتني به رئيسهم ويتصوّر بصورة حسية تقوية للوسوسة الداخلية المعنوية، فكان الأنسب
إيراده في باب الاعتصام، ولا يبعد أن يراد به مطلق خبر الكذب أو ما يتفرع عليه الفساد من
نحو البهتان والقذف وأمثالهما، والمراد بالشيطان واحد من الجنس. قال الطيبي: وفيه تنبيه
على التحري فيما يسمع من الكلام، وأن يتعرف من القائل أهو صادق يجوز النقل عنه، أو
كاذب يجب الاجتناب عن نقل كلامه، على ما ورد («كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما
سمع)). (رواه مسلم).
٤٨٦٤ - (وعن عمران بن حطان) بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين وبالنون دوسي
خزرجي سمع عائشة وابن عباس وأبا ذر، وروى عنه محمد بن سيرين ويحيى بن أبي كثير
وغيرهما (قال: أتيت أبا ذر فوجدته في المسجد محتبياً بكساء أسود وحده) أي منفرداً ليس أحد
عنده (فقلت: يا أبا ذر ما هذه الوحدة؟) أي التي تورث الوحشة، والمعنى ما سببها وباعثها
((فقال: سمعت رسول الله وَّلفي يقول: الوحدة خير من جليس السوء)») بفتح السين وبضم أي
السيىء الطالح ((والجليس الصالح خير من الوحدة))) يعني والجليس الصالح قليل في هذا
الزمان («وإملاء الخير خير من السكوت والسكوت خير من إملاء الشر))) يعني ومما يعين على
السكوت العزلة والوحدة. في الجامع الصغير رواه البيهقي والحاكم.
٤٨٦٥ - (وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله بَّلتر قال: مَقام الرجل) بفتح
الحديث رقم ٤٨٦٣: أخرجه مسلم في صحيحه ٦٨/١ الحديث رقم (٧٣ - ٤٦)، وأحمد في المسند ٨٩٨/٣.
الحديث رقم ٤٨٦٤: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٥٦/٤ الحديث رقم ٤٩٩٣.
الحديث رقم ٤٨٦٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٤٥/٤ الحديث رقم ٤٩٥٣.

٩٢
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
بالصَّمتِ أفضلُ من عبادةِ ستينَ سنةً».
٤٨٦٦ - (٥٥) وعن أبي ذرِّ، قال: دخلتُ على رسولِ الله وَّر، فذكر الحديث بطوله
إلى أن قال: قلت: يا رسول الله! أوصني قال: ((أوصيكَ بتقوى الله، فإِنَّهُ أزينُ لأمركَ كلِّه))
قلت: زدني قال: ((عليكَ بتلاوة القرآن وذكرِ اللَّهِ عزَّ وجلّ، فإِنَّه ذِكرٌ لكَ في السماءِ، ونورٌ
لكَ في الأرض)).
الميم وبضم أي ثباته ((بالصمت))) أي بمداومة سكوته عن الشر، وقال الطيبي: أي منزلته عند
الله ((أفضل من عبادة ستين سنة))) أي مع كثرة الكلام وعدم التثبت في المقام. قال الطيبي:
لأن في العبادة آفات يسلم عنها بالصمت كما ورد ((من صمت نجا»، وفي الجامع الصغير رواه
الطبراني والحاكم عن عمران لكن لفظه ((مقام الرجل في الصف في سبيل الله))(١) اهـ. ولعل
الصمت وقع فيه تصحيف فراجع في الأصول.
٤٨٦٦ - (وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله ◌َ﴿ فذكر) أي أبو ذر أو
راويه (الحديث بطوله). قال الطيبي: ولعله أراد مثل ما ذكر في حديث أنس التالي لهذا
الحديث وفيه أنه لا دلالة له على هذا مع أنه لو كان هو المراد لجمع بينهما في حديث واحد،
ثم رأيت الحديث في الجامع الصغير وفيه طول، لكن في أثنائه وأواخره على ما سنورده (إلى
أن قال:) أي أبو ذر («قلت: يا رسول الله أوصني قال: ((أوصيك بتقوى الله))) وهو وصية الله
للأوّلين والآخرين كما قال تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا
الله﴾ [النساء - ١٣١] ((فإنه))) أي الاتقاء أو ما ذكر من التقوى ((أزين))) أي غاية من الزين
ونهاية [من] الحسن ((لأمرك))) أي لأمور دينك الاعتقادي والقولي والعملي، بل ولأمور دنياك
التي هي معاشك المقتضية لحسن معادك كله لأن التقوى بجميع مراتبها من ترك الشرك الجلي
والخفي واجتناب الكبائر والصغائر والاحتراز عن الشبهات والتوزّع في المباحات والتنزه عن
الشهوات والتخلي عن خطور ما سوى الله بالبال من شيم أرباب الكمال في الأحوال. قال
الطيبي: نسب الزينة إلى التقوى كما نسب إليه تعالى اللباس في قوله: ﴿ولباس التقوى ذلك
خير﴾ [الأعراف - ٢٦] بعد قوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف - ٣١] فكما أن
السماء مزينة بزينة الكواكب كذلك قلوب العارفين مزينة بالمعارف والتقوى. قال تعالى: ﴿فإنها
من تقوى القلوب﴾ [الحج - ٣٢] اهـ وفيه أنه غير مذكور بعد قوله: ﴿خذوا زينتكم﴾ بل قبله
بعد قوله: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سواتكم وريشاً﴾ [الأعراف - ٢٦] (قلت:
زدني) أي في الوصية بالعمل الصالح (قال: ((عليك بتلاوة القرآن))) أي فإنها مجلبة للتقوى
ومورثة للدرجات العلى (وذكر الله عزَّ وجلّ) تعميم وتتميم ((فإنه))) أي ما ذكر لك من التلاوة
والذكر، ((ذكر لك في السماء نور لك في الأرض))) وهو يحتمل أن يكون باعتبار كل واحد
-
(١) الجامع الصغير ٢/ ٥٠١ الحديث رقم ٨١٩٤.
الحديث رقم ٤٨٦٦: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢٤٢/٤ الحديث رقم ٤٩٤٢.
م

٩٣
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
قلت: زدني. قال: ((عليك بطول الصَّمتِ، فإِنَّهُ مَطْرَدةٌ للشيطانِ وعَوْنٌ لكَ على أمرٍ دينكَ))
قلت: زدني. قال: ((إِيَّاكَ وكثرةَ الضحكِ، فإِنَّهُ يُميتُ القلبَ، ويذهَبُ بنورِ الوجهِ)) قلت:
زدني قال: ((قُل الحق وإِن كانَ مرّا)). قلت: زدني. قال: ((لا تخف في الله لومة لائم)).
قلت: زدني. قال: ((ليحجزكَ عن [٣٦٥ - أ -] الناس ما تعلمُ من نفسكَ)).
وأن يكون بطريق اللف(١) والنشر المرتب، فإن ما بينهما من الفرق كما بين السماء والأرض
على ما أشار إليه وَلتر بقوله: ((فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه))(٢)،
ويمكن أن يكون ضمير، فإنه ((راجع إلى أقرب مذكور وهو الذكر، فيعرف مرتبة التلاوة بالأولى
على أن التلاوة مناجاة مع الرب سبحانه وتعالى ((قلت: زدني))) أي في الوصية بما يعنيني على
ما ذكرت ((قال:)))، وفي نسخة فقال: ((عليك بطول الصمت))) أي بدوامه ((فإنه مطردة
للشيطان)») أي لرئيسهم أو لجنسهم، ويؤيده ما في نسخة للشياطين ((وعون))) أي معين («لك
على أمر دينك))) أي استقامته ((قلت: زدني قال: إياك وكثرة ضحك، فإنه))) أي إكثاره، وقيل
ما ذكر من كثرة الضحك أو الضحك الكثير ((يميت القلب)))، وفي نسخة القلوب أي يورث
قساوة القلب، وهي مفضية إلى الغفلة وليس موت القلب إلا الغفلة عن الذكر ((ويذهب بنور
الوجه))) أي بهائه وحسنه في قوله سبحانه: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ (قلت:
زدني. قال: قل الحق وإن كان))) أي وإن كان قول الحق على النفس أو عند أهل الباطل
المتلهين بالحلويات النفسانية ((مرا))) أي صعب المذاق وشديد المشاق وأنشد:
(لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا))
قال الطيبي: شبه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيمن يأباهما بالصبر، فإنه مر
المذاق لكن عاقبته محمودة («قلت: زدني قال: لا تخف في الله))) أي في حقه وطريق عبادته
((لومة لائم))) أي ملامة أحد، وفيه قطع تعلقه عن الخلق بالكلية فيما يأتي ويذرو ثباته على(٤
الحق من غير نظر إلى مذمة الناس ومدحهم قال تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلاً﴾ [المزمل - ٨] وقال
الطيبي: أي كن صلباً في دينك إذا شرعت في إنكار منكر أو أمر بمعروف أمتن فيه كالمسامير (:
المحماة لا يرعك قول قائل ولا اعتراض معترض اهـ، ولا يخفى أن هذا المعنى فهم من قوله:
((قل الحق ولو كان مرآ))، والحمل على التأسيس أولى من التأكيد ((قلت: زدني قال:
لِيحَجْزُك))) بكسر اللام وفتح الياء وسكون الحاء المهملة وضم الجيم وسكون الزاي أي ليمنعك
((عن الناس))) أي عيوبهم ((ما تعلم من نفسك)) أي من عيوبها كما ورد عن أنس، أخرجه
الديلمي ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس)). قال ميرك: حديث المتن رواه أحمد
والطبراني وابن حبان والحاكم واللفظ له، وقال: صحيح الإسناد(٣). وفي الجامع الصغير روى
عبد بن حميد في تفسيره، والطبراني في الكبير عن أبي ذر مرفوعاً: أوصيك بتقوى الله تعالى
(١) في المخطوطة ((اللغو)) والصواب ما أثبت.
(٢) ابن عدي.
(٣) أخرجه ابن حبان ٧٦/٢ الحديث رقم ٣٦١.

٩٤
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
١٣/ ٠٠٢
٤٨٦٧ - (٥٦) وعن أنس، عن رسولِ اللهِ وَ ل﴿ قال: ((يا أبا ذر! ألا أدلْكَ على
خَضْلَتينِ هما أخفُّ على الظَّهْرِ، وأثْقَلُ في الميزانِ؟)) قال: قلت: بلى يا رسول الله قال:
((طول الصَّمْتِ، وحُسْنُ الخُلُقِ، والذي نفسي بيده ما عمل الخلائقُ بمثلهما)).
٤٨٦٨ - (٥٧) وعن عائشةَ، قالت: مرَّ النبيُّ وَلَّ بأبي بكرٍ وهو يَلْعَنُ بعضَ رقيقهِ،
فالتفت إليه فقال: ((لعانّين وصدِّيقين؟
فإنه رأس الأمر كله، عليك بتلاوة القرآن وذكر الله، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في
الأرض، عليك بطول الصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان عنك وعون لك على أمر
دينك، إياك وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه، عليك بالجهاد فإنه رهبانية
أمتي، أحب المساكين وجالسهم، انظر إلى من تحتك ولا تنظر إلى من فوقك فإنه أجدر أن لا
تزدري نعمة الله عندك، صل قرابتك وإن قطعوك، قل الحق وإن كان مراً، لا تخف في الله
لومة لائم، ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك ولا تجد عليهم فيما تأتي وكفى بالمرء عيباً
أن يكون فيه ثلاث خصال أن يعرف من الناس ما يجهل من نفسه، ويستحيي لهم مما هو فيه،
ويؤذي جليسه. يا أبا ذر لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق))(١).
٤٨٦٧ - (وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله)، وفي نسخة أن رسول الله (وَ ل﴿ قال:
(يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر))) أي ظهر المكلف وبدنه أو على ظهر
اللسان ((وأثقل في الميزان))). قال الطيبي: تشبيه للمعقول بالمحسوس في تأتيه بالسهولة كما
في قوله {وَله: ((كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان)). (((قال: قلت: بلى قال: طول
الصمت))) أي المتضمن ليتفكر ((وحسن الخلق))) أي المشتمل على الصبر والشكر وهو أعم من
المعاملة مع الحق أو الخلق ((والذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما))) الباء زائدة أي ما
عمل الخلائق عملين مثل عملهما أو عمل بمعنى أتي أي ما أتوا بمثلهما من الأعمال. قال
ميرك نقلاً عن المنذري: أخرجه ابن أبي الدنيا والبزار والطبراني وأبو يعلى، ورواته ثقات.
ورواه البيهقي ورواه أبو الشيخ ابن حبان من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَ الآن: ((ألا
أنبئك بأمرين خفيف أمرهما عظيم أجرهما لم تلق الله عزَّ وجلّ بمثلهما: طول الصمت وحسن
الخلق)). ورواه ابن أبي الدنيا أيضاً عن صفوان بن سليم مرسلاً قال: قال رسول الله وَله: ((ألا
أخبركم بأيسر العبادة وأهونها على البدن الصمت وحسن الخلق)).
٤٨٦٨ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: مر النبي ◌َّر بأبي بكر وهو يلعن بعض رقيقه
فالتفت) أي النبي ◌َّه كما في نسخة (إليه) أي إلى أبي بكر أو فالتفت أبو بكر إليه وَله (فقال:)
أي النبي ◌َّر ((لعانين وصديقين))) بتقدير همزة الاستفهام في صدر الكلام أي هل رأيت لعانين
(١) الجامع الصغير ١٦٦/١ الحديث رقم ٢٧٩٣.
الحديث رقم ٤٨٦٧: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٢٤٢ الحديث رقم ٤٩٤١.
الحديث رقم ٤٨٦٨: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٤٩٤ الحديث رقم ٥١٥٤.

٩٥
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
كلا وربّ الكعبة)) فأعتق أبو بكرٍ يومئذٍ بعضَ رقيقه، ثمَّ جاء إلى النبيِّ بَّه فقال: لا أَعُود.
روى البيهقي الأحاديث الخمسة في ((شعب الإيمان)).
٤٨٦٩ _ (٥٨) وعن أسلم، قال: إِنَّ عمرَ دخلَ يوماً على أبي بكر الصِّدّيق [رضي
الله عنهم] وهو يجْبِذُ لسانَهُ فقال عُمر: مه، غفر الله لك فقال له أبو بكر: إِنَّ هذا أوردني
الموارد. رواه مالك.
وصديقين أي جامعين بين هاتين الصفتين، والعطف لتغاير الصفة، ويمكن أن يكون الجمع
لإرادة تعظيم الصديق ((كلا ورب الكعبة))). قال الطيبي: أي هل رأيت صديقاً يكون لعاناً كلا
والله لا تتراءى ناراهما، فالواو للجمع أي لا يجتمعان أبداً، وفي الكلام معنى التعجب ((فأعتق
أبو بكر يومئذ بعض رقيقه))) أي كفارة لما صدر عنه من غير شعوره (ثم جاء إلى النبي ◌َلّر)))
أي للاعتذار ((فقال: لا أعود))) أي في لعن أحد الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت
وشيخه بشار بن موسى الخفاف وضعفه الجمهور، وكان أحمد حسن الرأي فيه. ذكره العراقي.
(روى البيهقي الأحاديث الخمسة في شعب الإيمان).
٤٨٦٩ - (وعن أسلم) [هو] مولى عمر بن الخطاب كنيته أبو خالد كان حبشياً اشتراه عمر
بمكة سنة إحدى عشر سمع عمر بن الخطاب، وروى عنه زيد بن أسلم وغيره، مات في ولاية
مروان وله مائة وأربع عشرة سنة. (قال: إن عمر دخل يوماً على أبي بكر الصديق وهو يجبذ)
بكسر الموحدة أي يجذب ((لسانه))) ويمده ويجره، ففي المغرب الجبذ بمعنى الجذب وكلاهما
من باب ضرب. قال الطيبي، وفي النهاية: الجبذ لغة في الجذب، وقيل: هو مقلوب منه أهـ،
وفي القاموس الجبذ الجذب وليس مقلوبه بل لغة صحيحة، ووهم الجوهري وغيره (فقال
عمر: مه) بفتح ميم وسكون هاء اسم فعل بمعنى اكفف وامتنع عن ذلك ((غفر الله لك))) دعاء
أو إخبار عما سمع في حقه ((فقال له أبو بكر: إن هذا») أي اللسان والإشارة للتعظيم أو
التحقير ((أوردني الموارد))) أي أدخلني المهالك. (رواه مالك)، وكذا ابن أبي الدنيا والبيهقي،
وفي لفظ البيهقي قال: ((إن هذا أوردني شر الموارد أن رسول الله وَلي قال: ليس شيء من
الجسد إلا يشكو إلى الله ذرب اللسان على حدته)). كذا نقله ميرك عن المنذري، وقال
العراقي: حديث ابن عمر اطلع على أبي بكر، وهو يمد لسانه فقال: ما تصنع يا خليفة رسول
الله فقال: ((إن هذا أوردني الموارد أن رسول الله وح لول قال: ليس شيء من الجسد إلا يشكو إلى
الله اللسان على حدته))(١) ابن أبي الدنيا في الصمت وأبو يعلى في مسنده، والدارقطني في
العلل، والبيهقي في الشعب من رواية أسلم مولى عمر، وقال الدار قطني: إن المرفوع وهم
على الدراوردي قال: وروي هذا الحديث عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر ولا علة له. قال
الغزالي: وفي الآثار روي عن الصديق أنه كان يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه من الكلام،
الحديث رقم ٤٨٦٩: أخرجه مالك في الموطأ ٩٨٨/٢ الحديث رقم ١٢.
(١) البيهقي في شعب الإيمان ٢٤٤/٤ الحديث رقم ٤٩٤٧.

٩٦
٧٥٥٠
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
٤٨٧٠ - (٥٩) وعن عبادة بن الصامت، أنَّ النبيَّ وَ لّ قال: ((اضمَنوا لي سنّاً من
أنفسكم أضمن لكم الجنّة: اصدُقوا إِذا حدَّثتم، وأوفوا إِذا وعدتم، وأدُوا إِذا أُئتمنتُم،
واخْفَظوا فروجَكم، وغضُّوا أبصارَكم، وكفُوا أيديَكُم)).
٠٢٠/١
٤٨٧١ - (٦٠) ٤٨٧٢ - (٦١) وعن عبد الرحمن بنٍ غَنم، وأسماء بنت يزيد [رضي
(الله عنهم]، أنَّ النبيَّ وَِّ قال: ((خيارُ عبادِ الله الذينَ إِذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ.
وكان يشير إلى لسانه ويقول: «هذا الذي أوردني الموارد)».
٤٨٧٠ - (وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي وَلقر قال: ((أضمنوا لي))) بفتح
الميم أي تكلفوا لأجلي ((ستاً))) أي من الخصال ((من أنفسكم))) أي من خصالها أو من أجل
منفعتها ((أضمن لكم الجنة))) أي دخولها مع الفائزين أو وصولها إلى أعلى درجات المقربين
((أصدقوا)) بضم الدال أي تكلموا بالصدق ((إذا حدثتم))) أي أخبرتم، ((وأوفوا إذا وعدتم)))
أي وعهدتم ((وأدوا))) أي أدوا الأمانة وأعطوا الشهادة ((إذا انتمنتم))) بصيغة المجهول
((واحفظوا فروجكم))) أي عن الزنا ونحوه ((وغضوا أبصاركم))) بضم الغين أي غموضها عن
النظر إلى ما لا يجوز (وكفوا أيديكم))) بضم الكاف وتشديد الفاء أي امسكوا أنفسكم عن
الظلم. قال ميرك: حديث عبادة رواه أحمد وابن أبي الدنيا وابن حبان في صحيحه،
"والحاكم(١) والبيهقي كلهم من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عنه. وقال الحاكم:
صحيح الإسناد اهـ. وقال المنذري: المطلب لم يسمع من عبادة، وفي الجامع الصغير ((اضمنوا
لي ست خصال أضمن لكم الجنة، لا تظالموا عند قسمة مواريثكم، وانصفوا الناس من
أنفسكم، ولا تجبنوا عند قتال عدوّكم، ولا تغلوا غنائمكم، وامنعوا ظالمكم من مظلومكم)).
رواه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعاً (٢).
٤٨٧١ - ٤٨٧٢ - (وعن عبد الرحمن بن غنم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون على ما
ضبطه المغني ونص عليه المؤلف وقال: هو أشعري شامي أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم على
عهد رسول الله وَ ﴿ ولم يره، ولازم معاذ بن جبل منذ بعثه النبي ◌ّ إلى اليمن إلى أن مات
معاذ، وكان أفقه أهل الشام. روى عن قدماء الصحابة مثل عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل اهـ
فكان حقه أن يقول في آخر الحديث؛ مرسلاً تنبيهاً على ذلك (وأسماء بنت يزيد) أي ابن
السكن، ولم يذكرها المؤلف في الأسماء، (أن النبي وَلي قال: ((خيار عباد الله الذين إذا رؤوا
الحديث رقم ٤٨٧٠: أخرجه أحمد في المسند ٢٥٧/١، والبيهقي في شعب الإيمان ٣٢٠/٤ الحديث رقم
٥٢٥٦، والترمذي في ٢٨٣/٤ الحديث رقم ١٩١٩.
(١) ابن حبان في ٥٠٦/١ الحديث رقم ٢٧١، والحاكم في المستدرك ٣٥٨/٤.
(٢) الجامع الصغير ١٧١/١ الحديث رقم ١٠٩٤.
الحديث رقم ٤٨٧١ و٤٨٧٢: أخرجه أحمد في المسند ٢٢٧/٤، والبيهقي في الشعب ٤٩٤/٧ الحديث
رقم ١١١٠٨ وعن أسماء أخرجه أحمد في المسند ٤٥٦/٦.
١٢٢٢٢/١٠٢٥

٥ CAP .:
٩٧
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
وشرارُ عبادِ الله المشَّاؤونَ بالنَّميمةِ، والمفرِّقونَ بينَ الأحبَّة، الباغونَ البَرّآءَ العَنَتَ)) رواهما
أحمد، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ..
٤٨٧٣ - (٦٢) وعن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رجُلینِ صلَّيا صلاةَ الظهرِ أو العصر،
ذكر الله))) بصيغة المفعول فيهما أي يتذكر برؤيتهم ذكر الله، وفيه إيماء إلى حديث: ((المؤمن
مرآة القلوب))(١) على أحد معانيه. قال الطيبي: يحتمل وجهين أحدهما أنهم في الاختصاص
بالله بحيث إذا رؤوا خطر ببال من رآهم مولاهم لما فيهم من سيما العبادة، وثانيهما أن من
رآهم يذكر الله تعالى كما روى ابن الأثير في النهاية عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله
وتلقى: ((النظر إلى وجه علي عبادة))، قلت: وقد رواه الطبراني والحاكم عن أبي مسعود وعن
عمران بن حصين بلفظ: ((النظر إلى علي عبادة))، ونظيره ما روى أبو الشيخ عن عائشة مرفوعاً
(النظر إلى الكعبة عبادة))، ثم قيل: معناه أن علياً كرم الله وجهه، كان إذا برز قال الناس: ((لا
إله إلا الله ما أكرم هذا الفتى، ما أشجع هذا الفتى، ما أعلم هذا الفتى، ما أحلم هذا الفتى))،
فكانت رؤيته تحملهم على كلمة التوحيد ((وشرار عباد الله المشاؤون))) بصيغة المبالغة للنسبة أي
الذين يمشون ((بالنميمة))) أي على وجه الفساد كما بينه بقوله: ((المفرقون بين الأحبة الباغون)))
أي الطالبون («البراء))) بفتح الموحدة والراء بمعنى البريء: مصدر وصف به للمبالغة، ففي
القاموس ((أنت بريء)) والجمع يربؤون، وكفقهاء وكرام وأشراف وأنصباء ورجال وأنا براء منه لا
يثنى ولا يجمع ولا يؤنث بريء. قال الطيبي: وهو وقوله: ((العنت))) منصوبان مفعولان
للباغين. يقال: بغيت فلاناً خيراً، وبغيتك الشيء طلبته لك، وبغيت للشيء طلبته اهـ. وحاصله
أن العنت مفعول ثان للباغون، وفي رواية للبراء العنت وهو بفتح العين المهملة والنون المشقة
والفساد والهلاك والإثم والخطأ والغلط والزنا كل ذلك قد جاء وأطلق العنت عليه، والحديث
يحتمل كلها، فإن الموجود في نسخة صحيحة بضم الموحدة في البراء وهو جمع بريء كما
سبق، وفي نسخة بضم موحدة وفتح راء وهمزة ممدودة. قال النووي في شرح مسلم: هو على
وزن فضلاء جمع بريء اهـ. والحديث في الجامع الصغير بلفظ ((خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله
بهم وشرارهم المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البراء العنت))(٢). رواه البيهقي
عن ابن عمر؛ لكن قال المؤلف: (رواهما) أي الحديثين السابقين وسبق الكلام على السابق
منهما (أحمد والبيهقي في شعب الإيمان). وفي الجامع الصغير رواه أحمد عن عبد الرحمن بن
غنم، والطبراني عن عبادة بن الصامت بلفظ. ((خيار أمتي الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار أمتي
المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون البراء العنت))(٣).
١٩٢٠
- جبون
٣:٢٦
٤٨٧٣ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلين صليا صلاة الظهر أو العصر) أي
(١) الطبراني كما في الجامع الصغير ٥٤٨/٢ الحديث رقم ٩١٤١، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد.
(٣) الجامع الصغير ٢٢٣/٢ الحديث رقم ٣٩٧٦.
(٢) الجامع الصغير ٢/ ٢٤٣ الحديث رقم ٣٩٨٦.
الحديث رقم ٤٨٧٣: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٠٣/٥ الحديث رقم ٦٧٢٩.

٩٨
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
وكانا صائمينٍ، فلمَّا قضى النبيُّ وَّرِ الصَّلاةَ قال: ((أَعِيدا وُضوءَكما وصلاتكما، وامْضِيا في
صومِكما واقضياهُ يوماً آخرَ)). قالا: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: ((اغْتبتُم فلانا)).
٤٨٧٤ - (٦٣) ٤٨٧٥ - (٦٤) وعن أبي سعيدٍ، وجابرٍ، قالا: قال رسولُ الله ◌ٍِّ:
((الغِيبةُ أشدُّ منَ الزِّنا)). قالوا: يا رسولَ الله! وكيفَ الغِيبةُ أشدُّ منَ الزنا؟ قال: ((إِنَّ الرَّجلَ
ليزني فيتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليه)) [٣٦٥ - ب -] وفي رواية: ((فيتوبُ فيغفرُ اللهُ له، وإِنَّ
صاحبَ الغِيبةِ لا يُغفرُ له حتی یغفِرَها له صاحبه)).
معه ◌َ لّ (وكان صائمين) عطف أو حال (فلما قضى النبي ◌َّفي الصلاة) أي فرغ عن إدائها (قال:)
أي النبي ◌َّلغز للرجلين ((أعيدوا))) بصيغة الجمع على أن الاثنين أقله بقرينة ما بعده، وفي نسخة
أعيدا ((وضوءكما وصلاتكما وامضيا))) بهمز وصل وكسر ضاد أي انفذا في صومكما يعني لا
تقطعاه بالإفطار عن مضي في أمره إذا نفذ فيه ولم يتوقف ((واقضياء))) أي صومكما ((يوماً
آخر)). قال الطيبي: وهذا في الصوم ظاهر لقوله تعالى: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه
ميتاً﴾ [الحجرات - ١٢] وأما في الصلاة، فلأنه شرب دم أخيه ولحمه فحمل النجاسة اهـ.
وحاصله أن الإتيان بالمعصية قبل الطاعة ينقص كمالها كما أن الحسنة بعد السيئة توجب زوالها
فإن قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود - ١١٤] ورد فيمن قبل امرأة أجنبية،
ولعله 18 هنا أظهر الزجر الشديد والتغليظ والوعيد لما يتعلق بالغيبة من حق العباد، وربما
تذهب العبادة بالكلية حيث يعطى لصاحب الغيبة النافلة الطوية، فيبقى المذنب بلا صوم
وصلاة، فلهذا أمرهما بإعادتهما وقضائه وهذا من قبيل فتوى الخاصة لا من قبيل أحكام العامة
وفي مسند الفردوس للديلمي عن ابن عمر مرفوعاً: ((الغيبة تنقض الوضوء والصلاة)) (قالا:)،
وفي نسخة فقالا: ((لم يا رسول الله))) أي لأي سبب ((قال: اغتبتم فلاناً))) أي قبل الصلاة وبعد
الطهارة ومباشرة الصوم.
3784
١٠٠٠٠
٤٨٧٤ - و٤٨٧٥ - (وعن أبي سعيد وجابر رضي الله تعالى عنهما قالا: قال رسول الله
وَالثّه: ((الغيبة أشد من الزنا))) أي أصعب منه لتعلقها بحق العباد ألبتة بخلافه (قالوا:) أي بعض
الصحابة، ويمكن أن يكون هما المراد بهم ((وكيف الغيبة أشد من الزنا))) أي والحال أن الزنا
ذنب كبير وقد وقع عليه وعيد كثير وتعلق به الحد والرجم ونحو ذلك، قال الطيبي: أشد من
الزنا مبتدأ على سبيل حكاية قول رسول الله وَ الر، وكيف خبره أي كيف قولك هذا؟ ((قال: إن
الرجل ليزني فيتوب)) أي بينه وبين الله ((فيتوب الله عليه))) أي فيقبل توبته ويفقه على ثباته؛
(وفي رواية ((فيتوب فيغفر له، وإن صاحب الغيبة))) عطف على ما سبق ((لا يغفر له))) أي ولو
تاب بينه وبين ربه ((حتى يغفر هاله))) أي لصاحب الغيبة.
الحديث رقم ٤٨٧٤ و٤٨٧٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٠٦/٥ الحديث رقم ٦٧٤١.

٩٩
١٣٧٥
كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم
٤٨٧٦ - (٦٥) وفي رواية أنس [رضي الله عنه]، قال: ((صاحبُ الزُّنا يتوبُ،
وصاحبُ الغِيبةِ ليسَ له توبة)). روى البيهقيُّ الأحاديث الثلاثةَ في ((شعب الإيمان)).
٤٨٧٧ - (٦٦) وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((إِنَّ منْ كفَّارةِ الغِيبةِ أنْ تستغْفِرَ
لمنِ اغتَبتَه، تقولُ: اللهُمَّ اغفِرْ لنا وله)).
٤٨٧٦ - (وفي رواية أنس قال: ((صاحب الزنا يتوب))) أي يتصوّر منه التوبة أو يتوب غالباً
لأنه ذنب عظيم عنده ((وصاحب الغيبة ليس له توبة))) أي غالباً لأنه يحسبه هيناً وهو عند الله
عظيم، لكن البلية إذا عمت طابت، أو ليس له توبة مستقلة لتوقف صحتها على رضا صاحبها.
(روى البيهقي الأحاديث الثلاثة) أي حديث ابن عباس وأبي سعيد وأنس (في شعب الإيمان)،
قال ميرك نقلاً عن المنذري: إن حديث أبي سعيد وجابر رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الغيبة
والطبراني في الأوسط، وروى البيهقي حديث أنس عن رجل لم يسم عنه، ورواه عن سفيان بن
عيينة غير مرفوع وهو الأشبه.
٤٨٧٧ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلافيه: ((إن من كفارة الغيبة))) أي
بعد تحقق التوبة ((أن تستغفر))) أي أنت أيها المخاطب خطاباً عاماً ((لمن اغتبته، تقول:) بدل
أو بيان أو حال ((اللهم اغفر لنا))) أي إذا كانوا جماعة أو لنا معشر المسلمين عموماً ((وله))) أي
لمن اغتبته خصوصاً، والظاهر أن هذا إذا لم تصل الغيبة إليه، وأما إذا وصلت إليه فلا بد من
الاستحلال بأن تخبر صاحبها بما قال فيه، ويتحللها منه، فإن تعذر ذلك فليعزم على أنه متى
وجده تحلل منه، فإذا حلله سقط عنه ما وجب عليه له من الحق، فإن عجز عن ذلك كله بأن
كان صاحب الغيبة ميتاً أو غائباً فليستغفر الله تعالى، والمرجو من فضله وكرمه أن يرضى خصمه
من إحسانه فإن جواد كريم رؤوف رحيم، وفي روضة العلماء سألت محمداً فقلت له: ((إذا تاب
صاحب الغيبة قبل وصولها إلى المغتاب عنه هل تنفعه توبته؟ قال: نعم. تنفعه توبته، فإنه تاب
قبل أن يصير الذنب ذنباً يعني ذنباً يتعلق به حق العبد قال: ((لأنها تصير ذنباً إذا بلغت إليه،
قلت: فإن بلغت إليه بعد توبته قال: لا تبطل توبته بل يغفر الله لهما جميعاً، المغتاب بالتوبة
والمغتاب عنه بما لحقه من المشقة، قلت: أو بما حصل له من المغفرة، قال: لأنه كريم ولا
يحمل كرمه رد توبته بعد قبولها بل يعفو عنهما جميعاً، قلت فيه: إنه يحتمل أن يكون قبل توبته
موقوفاً على عدم تحقق وصولها إليه وحصول مشقته والله أعلم)). وقال الفقيه أبو الليث: قد
تكلم الناس في توبة المغتابين هل تجوز من غير أن يستحل من صاحبه؟ قال بعضهم: تجوز،
وقال بعضهم: لا تجوز، وهو عندنا على وجهين، أحدهما إن كان ذلك القول قد بلغ إلى
الذي اغتابه فتوبته أن يستحل منه، وإن لم يبلغ فيستغفر الله ويضمر أن لا يعود لمثله اهـ. وهل
يكفيه أن يقول: اغتبتك فاجعلني في حل أم لا بد أن يبين ما اغتاب؟ قال بعض علمائنا في
الحديث رقم ٤٨٧٦: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٣٠٦/٥ الحديث رقم ٦٧٤٢.
الحديث رقم ٤٨٧٧: أخرجه البيهقي في الدعوات الكبير.
." *. 9

١٠٠
كتاب الآداب/ باب الوعد
رواه البيهقيُّ في ((الدَّعوات الكبير)) وقال: في هذا الإِسناد ضعفٌ.
(١١) باب الوعد
الفصل الأول
٤٨٧٨ - (١) عن جابرٍ، قال: لما ماتَ رسولُ اللهِ وَرَ، وجاءَ أبا بكرِ مالٌ
الغيبة: لا يعلمه بها بل يستغفر الله له إن علم أن إعلامه يثير فتنة، ويدل عليه ما هو المقرر في
الأصول أن الإبراء عن الحقوق المجهولة جائز عندنا، ثم اعلم أنه يستحب لصاحب الغيبة أن
يبرئه منها ليخلص أخاه من المعصية ويفوز هو بعظيم ثواب الله في العفو. وفي القنية تصافح
الخصمين لأجل العذر استحلال؛ وقال النووي: رأيت في فتاوى الطحاوي أنه يكفي الندم
والاستغفار إلى الغيبة وإن بلغت، فالطريق أن يأتي المغتاب ويستحل منه فإن تعذر لموته أو
لغيبته البعيدة استغفر الله تعالى، ولا اعتبار بتحليل الورثة، وإذا اغتاب أحداً فهل يكفي أن
يقول: قد اغتبتك فاجعلني في حل؟ أم لا بد أن يبين ما اغتابه به؟ فيه وجهان لأصحاب
الشافعي أحدهما يشترط، فإن أبرأه من غير بيانه لم يصح كما لو أبرأه عن مال مجهول،
وثانيهما لا يشترط، لأن هذا مما يتسامح فيه بخلاف المال، والأوّل أظهر لأن الإنسان قد
يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة. وقال الشيخ أبو حامد: ((سبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء عليه
والتودد إليه ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه، فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة
له فتقابل بها سيئة الغيبة في القيامة)) (رواه البيهقي في الدعوات الكبير) اسم كتاب له، (وقال:
في هذا الإسناد ضعف) قلت: وما يضر فإن فضائل الأعمال يكفيها الحديث الضعيف للعمل
والله أعلم ثم رأيت في الجامع الصغير ما يعضده وهو ما رواه ابن أبي الدنيا في الصمت عن
أنس أيضاً ولفظه: ((كفارة من اغتبت أن تستغفر له)).
باب الوعد
الوعد يستعمل في الخير والشر. يقال: وعدته خيراً ووعدته شراً، فإذا أسقطوا الخير
والشر قالوا: في الخير الوعد والعدة وفى الشر ألا يعاد والوعيد ومنه قول القائل:
لمخلف ميعادي ومنجز موعدي
وأني وإن أوعدته أو وعدته
(الفصل الأوّل)
٤٨٧٨ - (عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: لما مات رسول الله وَ لقه وجاء أبا بكر مال
الحديث رقم ٤٨٧٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٦٨/٦ الحديث رقم ٣١٦٤، ومسلم في ١٨٨/٤.
الحدیث رقم (٦٠ - ٢٣١٤).