النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم ٤٨٢٥ - (١٤) وعن أم كلثوم، قالت: قال رسول الله وَل هو: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيراً وينمي خيراً» الفجور، وأن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً)). رواه الشيخان عن ابن مسعود. ٤٨٢٥ - (وعن أم كلثوم) بضم الكاف، وقد صرح به المغني، وفي نسخة بفتحها، ففي القاموس أم كلثوم كزنبور بنت رسول الله وَل راهـ؛ والمراد بها هنا بنت عقبة بن أبي معيط أسلمت بمكة وهاجرت ماشية وبايعت ولم يكن لها بمكة زوج، فلما قدمت المدينة تزوّجها زيد ابن حارثة فقتل عنها في غزوة مؤنة، فتزوّجها الزبير بن العوّام ثم طلقها فتزوّجها عبد الرحمن ابن عوف، فولدت له إبراهيم وحميداً ومات عنها فتزوّجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهراً وماتت، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه؛ روى عنها ابنها حميد (قالت: قال رسول الله وَآل فه : (ليس الكذاب))) بالرفع على أنه اسم ليس، وفي نسخة بالنصب على أنه خبرها مقدم على اسمها وهو أظهر دراية لأنه المحكوم به والمحكوم عليه قوله: ((الذي يصلح بين الناس)))، ثم الظاهر أن الفعال هنا للنسبة كلبان وتمار أي ذي كذب، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام﴾ [فصلت - ٤٦] أي بذي ظلم إذ لا يلزم من نفي المبالغة انتفاء أصل الفعل، والمعنى من كذب ليصلح بين الناس لا يكون كاذباً مذموماً ((ويقول خيراً)) أي قولاً متضمناً للخير دون الشر بأن يقول للإصلاح مثلاً بين زيد وعمرو: يا عمرو يسلم عليك زيد ويمدحك ويقول: أنا أحبه، وكذلك يجيء إلى زيد ويبلغه عن عمرو مثل ما سبق ((وينمي خيراً)) أي يبلغه ويرفعه إليه؛ هذا وأغرب الطيبي في قوله: اللام في الكذاب إشارة إلى الكذاب المعهود الذي في الحديث السابق ونحوه يعني الكذاب المذموم عند الله تعالى، الممقوت عند المسلمين، ليس من يصلح ذات البين، فإنه محمود عند الله تعالى وعندهم، فعلى هذا يجب أن يكون الكذاب مرفوعاً على أنه اسم ليس، وقوله: الذي يصلح خبره خلافاً لمن زعم أن الكذاب خبر ليس، والذي اسمه اهـ. ووجه غرابته أنه لا يلزم من سبق الحديث السابق في الكتاب صدوره من صدر صدر الأنبياء أو لا في هذا الباب، أو وقوعه عند هذا الخطاب والله أعلم بالصواب. ثم في النهاية يقال: نميت الحديث وأنميته إذا بلغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة قلت: نميته بالتشديد، هكذا قال أبو عبيد وابن قتيبة وغيرهما من العلماء، قلت: فقوله: خيراً أي حديث خير للتأكيد أو على إرادة التجريد، وقال الحربي: نمى مشددة، وأكثر المحدثين يقولها: مخففة وهذا لا يجوز ورسول الله وق لقو لم يكن يلحن، ومن خفف لزمه أن يقول: خير بالرفع. قال صاحب النهاية: وهذا ليس بشيء فإنه ينتصب بنما كما انتصب بقال وكلاهما على زعمه لازمان، وإنما نمى متعد يقال: نميت الحديث أي رفعته وأبلغته اهـ. وفي القاموس نما ينمو زاد كنمى ينمي نمياً وأنمى ونمى الحديث ارتفع، ونميته الحديث رقم ٤٨٢٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٩/٥ الحديث رقم ٢٦٩٢، ومسلم في ٢٠١١/٤ الحديث رقم (٢٦٠٥/١٠١) وأحمد في المسند ٦/ ٤٠٣. أهم : ٦٢ ........ " :٩٪ ١١٠٥٧ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم متفق عليه. ٤٨٢٦ - (١٥) وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)). رواه مسلم. ونميته رفعته وعزوته، وأنماه أذاعه على وجه النميمة. (متفق عليه). ولفظ الجامع ليس الكذاب بالذي يصلح بين الناس فينمي خيراً ويقول: خيراً. رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أم كلثوم بنت عقبة، والطبراني عن شداد بن أوس(١). ٤٨٢٦ - (وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه)، قال المؤلف: هو المقداد بن عمرو الكندي وذلك أن أباه حالف كندة فنسب إليها، وإنما سمي ابن الأسود لأنه كان حليفه أو لأنه كان في حجره، وقيل: بل كان عبداً فتبناه، وكان سادساً في الإسلام، روى عنه علي وطارق بن شهاب وغيرهما، مات بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة فحمل على رقاب الناس ودفن بالبقيع سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين سنة، (قال: قال رسول الله وخطير: ((إذا رأيتم المداحين))) أي المبالغين في المدح متوجهين إليكم طمعاً سواء يكون نثراً ونظماً ((فاحثوا))) بهمزة وصل وضم مثلثة أي ارموا ((في وجوههم)))، وفي نسخة في أفواههم ((التراب))) قيل يؤخذ التراب ويرمي به في وجه المداح عملاً بظاهر الحديث، وقيل: معناه الأمر بدفع المال إليهم إذ المال حقير كالتراب بالنسبة إلى العرض في كل باب أي اعطوهم إياه واقطعوا به ألسنتهم لئلا يهجوكم، وقيل: معناه أعطوهم عطاء قليلاً فشبهه لقلته بالتراب، وقيل: المراد منه أن يخيب المادح ولا يعطيه شيئاً لمدحه، والمراد زجر المادح والحث على منعه من المدح لأنه يجعل الشخص مغروراً ومتكبراً. قال الخطابي: المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح، فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود يكون منه ترغيباً له في أمثاله وتحريضاً للناس على الاقتداء في أشباهه فليس بمداح؛ وفي شرح :السنة قد استعمل المقداد الحديث على ظاهره في تناول عين التراب وحثيه في وجه المادح، وقد يتأول على أن يكون معناه الخيبة والحرمان أي من تعرض لكم بالثناء والمدح فلا تعطوه واحرموه، كني بالتراب عن الحرمان كقولهم: ((ما في يده غير التراب))، وكقوله وَل قول: ((إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً، وفي الجملة المدح والثناء على الرجل مكروه لأنه قلما يسلم الماحد عن كذب يقوله في مدحه، وقلما يسلم الممدوح من عجب يدخله. (رواه مسلم)؛ ورواه أحمد في مسنده، والبخاري في الأدب، وأبو داود والترمذي عن المقداد، والطبراني والبيهقي عن ابن عمر، والحاكم في الكنى عن أنس، ولفظ الجامع الصغير («أحثوا التراب في وجوه المداحين))، رواه الترمذي عن أبي هريرة وابن عدي في الكامل وأبو نعيم في 245 (١) الجامع الصغير ٤٦٤/٢ الحديث رقم ٧٥٨٤. الحديث رقم ٤٨٢٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٩٧/٤ الحديث رقم (٦٩ - ٣٠٠٢)، وأبو داود في السنن ١٥٤/٥ الحديث رقم ٤٨٠٣، والترمذي في ٥١٨/٤ الحديث رقم ٢٣٩٣، وابن ماجه في ١٢٣٢/٢ الحديث رقم ٣٧٤٢، وأحمد في المسند ٥/٦. دبيود ٤٥.٠٠ بر. :١٣ ١٤٠٠ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم ٦٣ ٤٨٢٧ - (١٦) وعن أبي بكر، قال: أثنى رجل على رجل عند النبي وَلّ فقال: ((ويلك قطعت عنق أخيك ثلاثاً من كان منكم مادحاً لا محالة فليقل: أحسب فلاناً كذا وكذاً والله حسيبه إن كان يرى أنه كذلك ولا يزكي على الله أحد)). الحلية عن ابن عمر؛ وفي رواية ابن ماجه عن المقداد ((أحثوا في أفواه المداحين التراب»، وكذلك رواه ابن حبان عن ابن عمر، وكذا ابن عساكر عن عبادة بن الصامت(١). الحسن: ٤٨٢٧ - (وعن أبي بكرة) أي الثقفي (قال: ((أثنى رجل على رجل عند النبي وٌَّ))) أي بالغ في مدحه ((فقال: ويلك))) الويل بمعنى الهلاك أي هلكت هلاكاً وأهلكت إهلاكاً، وفي نسخة ويحك وهو للشفقة والمرحمة بخلاف الأوّل فإنه للزجر في الموعظة ((قطعت عنق أخيك))) بضم عين ونون في جميع النسخ المصححة والأصول المعتمدة، وفي القاموس العنق بالضم وبضمتين وكأمير وصرد الجيد ويؤنث، وإنما كره ذلك لئلا يغتر المقول له فيستشعر الكبر والعجب وذلك جناية عليه، فيصير كأنه قطع عنقه فأهلكه. قال النووي: هذه استعارة من قطع العنق الذي هو القتل لاشتراكهما في الهلاك لكن هذا الهلاك في الدين، وقد يكون من جهة الدنيا (ثلاثاً) أي قاله: ثلاث مرات (من كان منكم) استئناف لبيان المدح الممدوح (مادحاً)) أي لأحد (لا محالة) بفتح الميم أي البتة، وفي نسخة بضمها. ففي القاموس لا محالة منه بالفتح أي لا بد، والمحال بالضم من الكلام ما عدل عن وجهه، وفي الصحاح لا محالة بالضم بمعنى لا بد أي لا فراق، وبالفتح بمعنى لاحتيال (فليقل: أحسب فلاناً) بكسر السين وفتحها أي أظنه (كذا وكذا) يعني رجلاً صالحاً مثلاً (والله حسيبه) أي محاسبه ومجازيه على أعماله وهو عالم به ومطلع على أحواله، والجملة حال من المفعول وبقية المقول (إن كان) شرطٍ لإباحة القول المسطور أي فليقل ما ذكر إن كان القائل المادح (يرى) بضم الياء أي يظن، وفي نسخة بفتحها أي يعلم (أنه) أي الممدوح (كذلك) أي مثل ما مدحه (ولا يزكي) أي والحال أنه المادح لا يزكي (على الله) أي على حكمه من قضائه وقدره (أحداً)، والمعنى لا يقطع بتقوى أحد ولا بتزكيته عند الله فإن ذلك غيب، وقيل: عداه بعلى لتضمنه معنى الغلبة لأن من جزم على تزكية أحد عند الله فكأنه غلب عليه في معرفته، هذا ما ظهر لي في حل هذا المحل، وقال. الأشرف: والله حسيبه جملة اعتراضية، وقوله: إن كان يرى متعلق بقوله: أحسب فلاناً، وقوله: ولا يزكي على الله أحداً منع عن الجزم وهو عطف على قوله: فليقل اهـ. وفيه أن لا يزكي جاء بإثبات الياء فيحتاج على هذا بأن يقال إخبار في معنى النهي أي ولا يكن منكم التزكية على الله. وقد أبعد بعضهم حيث قال: ولا يزكي عطف على يرى وهو الصواب، وأنت لا يخفى عليك أنه هو الخطأ منه في هذا الباب، ثم لا يخلو كلام الطيبي من الأغراب أيضاً في (١) الجامع الصغير ٢١/١ الحديث رقم ٢٣٤ و٢٣٥. الحديث رقم ٤٨٢٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٥٢/١٠ الحديث رقم ٦١٦٢، ومسلم في ٢٢٩٦/٤) الحديث رقم (٦٥ - ٣٠٠) وأبو داود في السنن ١٥٤/٥ الحديث رقم ٤٨٠٥، وابن ماجه في ٢/ ١٢٣٢ الحديث رقم ٣٧٤٤ وأحمد في المسند ٥/ ٤٧. (١ :٢٠٠٠ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم ٦٤ ٤ متفق عليه . .+1: ٤٨٢٨ - (١٧) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله والتي قال: أتدرون ما الغيبة)) قالوا: الله ورسوله أعلم. ((قال: ذكرك أخاك بما يكره قيل أفرايت إن كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته)) رواه مسلم. وفي رواية ((إذا قلت لأخيك ما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه الأعراب حيث قال: إن كان يرى الجملة الشرطية وقعت حالاً من فاعل فليقل؛ وعلى في على الله فيه معنى الوجوب والله أعلم. (متفق عليه). ٤٨٢٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله بَ ل﴿ قال: أتدرون ما الغيبة))) بكسر الغين المعجمة، قيل: أي أتعلمون ما جواب هذا السؤال ((قالوا: الله ورسوله أعلم)))، والأظهر أن يقال: أتدرون ما الغيبة التي ذكرها الله في قوله: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضاً﴾ [الحجرات - ١٢] قالوا: الله ورسوله أعلم يعني ولو علمنا بعض العلم لكن يستفاد منك حقيقة العلم بكل شيء فضلاً عن الغيبة ونحوها. ((قال: ذكرك))) أي أيها المخاطب خطاباً عاماً («أخاك))) أي المسلم ((بما يكرهه))) أي بما لو سمعه لكرهه. قال النووي: اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشاراً في الناس حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس، وذكرك فيه بما يكرهه عام سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو ولده أو والده أو إزوجه أو خادمه أو ثوبه أو مشيه وحركته وبشاشته وعبوسته وطلاقته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته بلفظك أو كتابك أو رمزت أو أشرت إليه بعينك أو يدك أو رأسك ونحو ذلك، وضابطه ((إن كل ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم فهو غيبة محرمة))، ومن ذلك المحاكاة بأن يمشي متعارجاً أو مطأطئاً أو على غير ذلك من الهيئات مريداً حكاية هيئة من ينقصه بذلك ((قيل:))) أي قال بعض الصحابة: ((أفرأيت))) أي فأخبرني ((إن كان في أخي)) أي موجوداً ((ما أقول:))) أي من المنقصة، والمعنى أيكون حينئذ ذكره بها أيضاً غيبة كما هو المتبادر من عموم ذكره بما يكره ((قال: إن كان فيه ما تقول))) أي من العيب ((فقد اغتبته))) أي لا معنى للغيبة إلا هذا، وهو أن تكون المنقصة فيه ((وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهته))) بفتح الهاء المخففة وتشديد التاء على الخطاب أي قلت عليه البهتان وهو كذب عظيم، يبهت فيه من يقال في حقه. (رواه مسلم): وكذا الثلاثة ذكره السيد جمال الدين، والمراد بهم الترمذي وأبو داود والنسائي ولفظهما قيل: ((يا رسول الله ما الغيبة؟)) قال: ((ذكرك أخاك بما يكره))، وذكره بتمامه على ما حرره ميرك، (وفي رواية) المتبادر منه أنها رواية لمسلم وليس كذلك، بل رواية للبغوي في شرح السنة على ما بينه السيد (إذا قلت لأخيك ما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه الحديث رقم ٤٨٢٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٠١/٤ الحديث رقم (٧٠ - ٢٥٨٩)، وأبو داود في السنن ١٩١/٥ الحديث رقم ٤٨٧٤، والترمذي في ٢٩٠/٤ الحديث رقم ١٩٣٤، والدارمي في ١٣٨٧/٢ الحديث رقم ٢٧١٤، ومالك في الموطأ ٢/ ٩٨٧ الحديث رقم ١٠ من كتاب الكلام، w.4 وأحمد في المسند ٣٨٤/٢. :- ١٠٢٥ ٦٥ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم فقد بهته)) . ٤٨٢٩ - (١٨) وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلاً استأذن على النبي وال فقال: ائذنوا فبئس أخو العشيرة فلما جلس تطلق النبي وَّ ر في وجهه وانبسط إليه فلما انطلق الرجل قالت عائشة: فقد بهته))). قال ميرك: هذه الرواية ليست في واحد من الصحيحين وإنما رواها صاحب المصابيح في شرح السنة بإسناده عن أبي هريرة (١) اهـ، وفيه تلويح إلى الاعتراض على صاحب المصابيح حيث ذكر هذه الرواية في الصحاح ومر مراراً الاعتذار عنه بأن ذلك الالتزام إنما هو في الأصول لا في معتضدات الفصول. ٤٨٢٩ - (وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رجلاً)، قيل: هو عيينة الفزاري، وقيل: مخرمة بن نوفل، ويمكن الجمع بتعدد الواقعة (استأذن على النبي ( 9) أي في الدخول عليه (فقال: ائذنوا) بهمزة ساكنة وصلاً، ويجوز إبدالها ياء لكن إذا ابتدىء به يقرأ بهمزة مكسورة وياء ساكنة والذال مفتوحة مطلقاً أي اعطوا الاذن (له)، أو اعلموا بالاذن (فبئس أخو العشيرة) أي بئس هو من قومه، وفي رواية للبخاري ((بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة)) من غير شك، وفي الشمائل، ((بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة)) على الشك، فقيل: يحتمل أن يكون الشك من سفيان، فإن جميع أصحاب المنكدر رووه عنه بدون الشك. قال الطيبي: العشيرة القبيلة أي بئس هذا الرجل من هذه العشيرة، كما يقال: يا أخا العرب لرجل منهم، قال النووي: واسم هذا الرجل عيينة بن حصين ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام، فأراد النبي ◌َّ ر أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف بحاله، وكان منه في حياة النبي وَ لتر وبعده ما دل على ضعف إيمانه، ووصف النبي وَلقول بأنه بئس أخو العشيرة من أعلام النبوّة لأنه ظهر كما وصف، (فلما جلس) أي بعد دخوله (تطلق النبي وَّر في وجهه) أي أظهر له طلاقة الوجه وبشاشة البشرة، (وانبسط إليه) أي تبسم له وألان القول له كما في رواية، وقال شارح: أي جعله قريباً من نفسه. قال النووي: وإنما ألان له القول تألفاً له ولأمثاله على الإسلام، وفيه مداراة من يتقي فحشه وجواز غيبة الفاسق؛ وفي شرح السنة فيه دليل على أن ذكر الفاسق بما فيه ليعرف أمره فيتقي لا يكون من الغيبة))، ولعل الرجل كان مجاهراً بسوء أفعاله ((ولا غيبة لمجاهر))، قال النووي: ومن الذين يجوز لهم الغيبة المجاهر بفسقه أو بدعته فيجوز ذكره بما يجهر به ولا يجوز بغيره، (فلما انطلق الرجل) أي ذهب (قالت عائشة:) لعل هذا نقل بالمعنى ويدل عليه رواية الشمائل عن عروة عن عائشة قالت: ((استأذن رجل على رسول الله * وأنا عنده فقال: بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة ثم أذن له، فألان له القول 5 سم. (١) البغوي في شرح السنة ١٣٨/١٣ الحديث رقم ٣٥٦٠. الحديث رقم ٤٨٢٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٥٢/١٠ الحديث رقم ٦٠٣٢، ومسلم في ٤/ ٢٠٠٢ الحديث رقم (٧٣ - ٥٩١) وأبو داود في السنن ١٤٤/٥ الحديث رقم ٤٧٩٢، والترمذي في السنن ٣١٦/٤ الحديث رقم ١٩٩٦، ومالك في الموطأ ٩٠٣/٢ الحديث رقم ٤ من كتاب حسن الخلق. ٦٦ ٠٠٫٠ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم يا رسول الله قلت له: كذا وكذا ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله وَله: ((متى عاهدتني فحاشاً إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره)). وفي رواية اتقاء فحشه متفق عليه. فلما خرج قلت: (يا رسول الله قلت له: كذا وكذا))). وفي الشمائل قلت له ما قلت، (ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه) أي ألنت له القول على ما في الشمائل (فقال رسول الله تليفون: متی عاهدتني) أي وجدتني ورأيتني (فحاشاً) أي ذا فحش يعني قائلاً للفحش، وأصل الفحش زيادة الشيء على مقداره، وهذا إنكار على قولها: إنك خالفت بين الغيب والحضور فلم لم تذممه في الحضور كما ذممته في الغيب (إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة) استئناف كالتعليل لقوله: متى عاهدتني فحاشاً (من تركه الناس)، وفي رواية ودعه الناس كقراءة ما ودعك في الشواذ بالتخفيف، وفيه رد لقول الصرفيين أماتوا ماضي يدع إلا أن يريدوا بإماتته ندرته، فهو شاذ استعمالاً صحيح قياساً، والمعنى من ترك الناس التعرض له (اتقاء شره) كيلا يؤذيهم بلسانه وفيه رخصة المداراة لدفع الضرر؛ (وفي رواية) أي للشيخين وغيرهما (اتقاء فحشه)، وهو مجاوزة الحد قولاً وفعلاً، وقيل: المعنى إنما ألنت له القول لأني لو قلت له في حضوره ما قلته في غيبته لتركني اتقاء فحشي فأكون أشر الناس، قيل: ذلك الرجل كما وصفه النبي وَ ير فإنه ارتد بعد موته و ليل مع المرتدين وجيء به أسيراً إلى أبي بكر رضي الله عنه، وفي فتح الباري أن عيينة ارتد في زمن الصديق وحارب ثم رجع وأسلم، وكان يقال له: الأحمق المطاع، كذا فسره به القاضي عياض والقرطبي والنووي، وأخرج عبد الغني من طريق أبي عامر الخزاعي عن عائشة قالت: ((جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبي ◌َّر صوته قال: بئس أخو العشيرة)). الحديث ذكره القسطلاني في المواهب وقد جمع هذا الحديث كما قاله الخطابي علماً وأدباً، وليس قوله عليه السلام في أمته بالأمور التي يسمهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه وي القر أن يبين ذلك ويفصح به ويعرف الناس أمورهم، فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة، ولكنه لما جبل عليه من الكرم وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة ولم يجبه بالمكروه، وليقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله، وفي مداراته ليسلموا من شره وغائلته؛ وقال القرطبي: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك مع جواز مداراتهم اتقاء شرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة، ثم قال تبعاً للقاضي حسين: والفرق بين المداراة والمداهنة إن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً وهي مباحة وربما استحسنت، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا اهـ. وهذه فائدة جليلة ينبغي حفظها والمحافظة عليها فإن أكثر الناس عنها غافلون وبالفرق بينهما جاهلون، (متفق عليه). وفي الجامع الصغير ((إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ترك اتقاء فحشه))(١). رواه الشيخان وأبو داود والترمذي، وفي رواية الطبراني في ٦,٥٠٠٠ (١) الجامع الصغير ١٣٨/١ الحديث رقم ٢٢٨٤. 14 ٦٧ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم ٤٨٣٠ - (١٩) وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَّير: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون وإن من المجانة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه)) الأوسط عن أنس بلفظ ((من يخاف الناس شره))(١). ٤٨٣٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله بَّر كل أمتي معافى)، هكذا في جميع نسخ المشكاة وهو اسم مفعول من عافاه الله أي أعطاه الله العافية والسلامة من المكروه، وقال النووي في شرح مسلم: معافاة بالهاء في آخره هكذا هو في معظم النسخ والأصول المعتمدة. قال الطيبي: وفي نسخ المصابيح معافى بلا هاء، وعلى هذا ينبغي أن يكتب ألفه بالياء فيكون مطابقاً للفظ كل كما ورد ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) (٢) (إلا المجاهرون) بالرفع في جميع نسخ المشكاة. قال التوربشتي: كتب مرفوعاً في نسخ المصابيح وحقه النصب على الاستثناء. قال الأشرف: هو مستثنى من قوله: معافى، وهو في معنى النفي أي كل أمتي لا ذنب عليهم إلا المجاهرون، وأورد الحافظ أبو موسى في مجموعه المغيث إلا المجاهرين بالنصب على الأصل، وهكذا أورده في النهاية. قال الطيبي: والأظهر أن يقال: ((كل أمتي يتركون عن الغيبة إلا المجاهرون)) كما ورد ((من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له))، والعفو بمعنى الترك وفيه معنى النفي، ونحوه قوله تعالى: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ [التوبة - ٣٢] والمجاهرون هم الذين جاهروا بمعاصيهم وأظهروها وكشفوا ما ستر الله عليهم منها فيتحدثون. يقال: جهر وجاهر وأجهر أقول قول الأشرف: ((كل أمتي لا ذنب عليهم)) لا يصح على إطلاقه، بل المعنى ((كل أمتي لا يؤاخذون أو لا يعاقبون عقاباً شديداً إلا المجاهرون)). وأما ما ذكره الطيبي من التقييد بالغيبة فلا دلالة للحديث عليه ولا عبرة بعنوان الباب كما لا يخفى على أولي الألباب، بل في نفس الحديث [ما] يؤيد ما ذكرناه وهو قوله بَّه على طريق الاستئناف البياني: ((وإن من المجانة))) بفتح الميم وخفه الجیم مصدر مجن یمجن من باب نصر وهي أن لا يبالي الإنسان بما صنع ولا بما قيل له من غيبة ومذمة ونسبة إلى فاحشة، (أن يعمل الرجل بالليل) أي مثلاً ((عملاً)) أي من أعمال المعصية ((ثم يصبح))) بالنصب، وفي نسخة بالرفع أي ثم هو يدخل في الصباح ((وقد ستره الله))) أي عمله عن الناس أو ستره ولم یعاقبه في ليله حتی عاش إلى النهار («فيقول: ))) بالنصب ويرفع أي فينادي صاحباً له ((يا فلان عملت البارحة))) أي في الليلة الماضية ((كذا وكذا))) أي من الأعمال السيئة ((وقد بات))) أي والحال أن الرجل العاصي دام في ليله ((يستره ربه))) أي عن غيره ولم يكشف حاله بالعقوبة ((ويصبح))) أي الرجل مع ذلك ((يكشف))) خبر يصبح أي يرفع ويزيل ((ستر الله عنه))) وهو (١) الجامع الصغير ١٣٨/١ الحديث رقم ٢٢٨٣. الحديث رقم ٤٨٣٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٨٦/١٠ الحديث رقم ٦٠٦٩، ومسلم في ٤/ ٢٢٩١ الحدیث رقم (٥٢ - ٢٩٩٠). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ٣٨٠ الحديث رقم ٨٩٣. ٠٠:٠ ٦٨ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم متفق عليه. وذكر حديث أبي هريرة من كان يؤمن بالله في باب الضيافة. (الفصل الثاني) ٤٨٣١ - (٢٠) عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَّل: ((من ترك الكذب وهو باطل بني له قصر في ربض الجنة ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسط الجنة بكسر السين بمعنى السترة والحجاب، وفي نسخة بفتحها وهو مصدر، والمقصود غاية الاستغراب؛ ولذا وقع في الكلام نوع من الإطناب (متفق عليه). وفي الجامع الصغير بلفظ: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون)) وإن من الجهار أن يعمل الرجل(١). الحديث لكن بدون يا فلان، رواه الشيخان عنه، ورواه الطبراني في الأوسط عن أبي قتادة ولفظه: ((كل أمتي معافى إلا المجاهر الذي يعمل العمل بالليل فيستره ربه ثم يصبح فيقول: يا فلان إني عملت البارحة كذا وكذا، فيكشف ستر الله عزَّ وجلّ)). قال المؤلف: (وذكر حديث أبي هريرة من كان يؤمن بالله) أي واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت (في باب الضيافة) أي في حديث طويل ذكر فيه، وسببه أن صدره مناسب لذلك الباب فيكون إسقاطه هنا للتكرير، فكلامه للاعتذار لكنه متضمن لنوع من الاعتراض. (الفصل الثاني) ٤٨٣١ - (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ويليقول: (من ترك الكذب))) أي وقت مرائه كما يدل عليه القرينة الآتية ويحتمل الإطلاق والله أعلم. (وهو باطل) جملة معترضة بين الشرط والجزاء للتنفير عن الكذب، فإن الأصل فيه أنه باطل أو جملة حالية من المفعول أي والحال أنه باطل لا مصلحة فيه من مرخصات الكذب كما في الحرب أو إصلاح ذات البين والمعاريض، أو حال من الفاعل أي وهو ذو باطل بمعنى صاحب بطلان ((بني له))) بصيغة المجهول وله نائبه أي بنى الله له قصراً ((في ربض الجنة))) بفتح الراء والموحدة أي نواحيها وجوانبها منْ داخلها لا من خارجها، وأما قول شارح: هو ما حولها خارجاً عنها تشبيهاً بالأبنية التي حول المدن وتحت القلاع، فهو صريح اللغة لكنه غير صحيح المعنى، فإنه خلاف المنقول ويؤدي إلى المنزلة بين المنزلتين حساً، كما قاله المعتزلة معنى، فالصواب أن المراد به أدناها كما يدل عليه قوله: ((ومن ترك المراء)») بكسر الميم أي الجدال ((وهو محق))) أي صادق ومتكلم بالحق ((بني له في وسط الجنة))) بفتح السين ويسكن أي في أوسطها لتركه كسر (١) الجامع الصغير ٢/ ٣٩١ الحديث رقم ٦٢٧٨ و٦٢٧٩. الحديث رقم ٤٨٣١: أخرجه الترمذي في السنن ٣١٥/٤ الحديث رقم ١٩٩٣، وابن ماجه في ١٩/١ الحديث رقم ٥١، والبغوي في شرح السنة ٨٢/١٣ الحديث رقم ٣٥٠٢. ١٣٥ ٦٩ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم ومن حسن خلقه بني له في أعلاها. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن وكذا في شرح السنة وفي المصابيح غريب. ٤٨٣٢ - (٢١) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: («أتدرونَ ما أكثرُ ما يدخلُ النَّاسَ الجنَّةَ؟ تَقْوى اللَّهِ، وحُسنُ الخُلُقِ. أتدرونَ ما أكثرُ ما يدخلُ الناسَ النَّارَ؟ الأجْوَفانِ: الفمُ والفزجُ)». قلب من يجادله ودفعه رفعة نفسه وإظهار نفاسة فضله، وهذا يشعر بأن معنى صدر الحديث أن من ترك المراء وهو مبطل، فوضع الكذب موضع المراء لأنه الغالب فيه، أو المعنى أن من ترك الكذب ولو لم يترك المراء بني له في ربض الجنة لأنه حفظ نفسه عن الكذب، لكن ما صانها عن مطلق المراء فلهذا يكون أحط مرتبة منه ((ومن حسن))) بتشديد السين أي أحسن بالرياضة ((خلقه))) بضمتين ويسكن اللام أي جميع أخلاقه التي من جملتها المراء وترك الكذب ((بني له في أعلاها))) أي حساً ومعنى؛ وهذا يدل على أن الخلق مكتسب وإن كان أصله غريزياً، ومنه خبر صحيح ((اللهم حسن خلقي كما حسنت خلقي))(١) وكذا خبر مسلم ((اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت))(٢). قال الإمام حجة الإسلام [حد] المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما لفظاً أو معنى أو في قصد المتكلم، وترك المراء بترك الإنكار والاعتراض، فكل كلام سمعته فإن كان حقاً فصدق به وإن كان باطلاً ولم يكن متعلقاً بأمور الدين فاسكت عنه. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن) وتمامه لا يعرف إلا من حديث سلمة بن وردان. قال ميرك نقلاً عن التصحيح، وسلمة تكلم فيه لكن حسن حديثه الترمذي، وللحديث شواهد اهـ. فالحديث حسن لذاته أو لغيره، (وكذا في شرح السنة) أي حسن، (وفي المصابيح غريب) أي إسناداً لما سبق، وهو لا ينافي كونه حسناً كما قررناه. ٤٨٣٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلفي: ((أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة))) أي ما أكثر أسباب إدخالهم الجنة مع الفائزين ((تقوى الله))) وأقلها التقوى عن الشرك وأعلاها عن خطور ما سوى الله ((وحسن الخلق))) أي مع الخلق وأدناه ترك أذاهم، وأعلاه الإحسان إلى من أساء إليه منهم، وفيه مبادرة إلى الجواب حيث يعلم جهل أهل الخطاب وفائدة يراد السؤال أوّلاً إبهام وتفصيل وهما يوجبان إيقاع الكلام وتأثيره في النفوس أكثر ((أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان)) أي المجوّفان أو المعتلان الوسط علة معنوية ((الفم والفرج)))، لأن المرء غالباً بسببهما يقع في مخالفة الخالق وترك المخالفة مع المخلوق، وبه يظهر الارتباط بين القرينتين من الكلام والله أعلم بحقيقة المرام. وقال الطيبي : قوله: ((تقوى الله)) إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق بأن يأتي جميع ما أمره به، وينتهي عما (١) أحمد في المسند. (٢) أحمد في المسند ١٠٢/١. الحديث رقم ٤٨٣٢: أخرجه الترمذي في السنن ٣١٩/٤ الحديث رقم ٢٠٠٤، وابن ماجه في ١٤١٨/٢ الحديث رقم ٤٢٤٦، وأحمد فى المسند ٢٩١/٢. ٧٠ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم رواه الترمذي، وابن ماجه. ٤٨٣٣ - (٢٢) وعن بلال بن الحارثِ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إِنَّ الرجلَ ليتكلمُ بالكلمةِ منَ الخيرِ ما يعلمُ مبلغها يكتبُ اللَّهُ له بها رضوانَه إلى يوم يلقاهُ. [٣٦٢ - أ -] وإِنَّ الرجلَ ليتكلمُ بالكلمةِ منَ الشرِّ ما يعلمُ مبلغَها يكتبُ اللَّهُ بها عليه سخَطَهُ إِلى يومٍ يلقاهُ)). نهى عنه، وحسن الخلق إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق، وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة ونقيضهما النار، فأوقع الفم والفرج مقابلاً لهما، أما الفم فمشتمل على اللسان وحفظ ملاك أمر الدين كله، وأكل الحلال رأس التقوى كله، وأما الفرج فصونه من أعظم مراتب الدين. قال تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ [المؤمنون - ٥] لأن هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها على العقل عند الهيجان؛ ((ومن ترك الزنا خوفاً من الله تعالى مع القدرة وارتفاع الموانع وتيسر الأسباب لا سيما عند صدق الشهوة وصل إلى درجة الصديقين)). قال تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات - ٤٠] وقصة الرشيد في تعليق طلاق زبيدة مع الإمام أبي يوسف مشهورة، ومعنى الأكثرية في القرينتين إن أكثر أسباب السعادة الأبدية الجمع بين هاتين الخلتين، وإن أكثر أسباب الشقاوة السرمدية الجمع بين هاتين الخصلتين. (رواه الترمذي وابن ماجه). ٤٨٣٣ - (وعن بلال بن الحارث)، قال المؤلف في فصل الصحابة: وأبو عبد الرحمن المزني سكن بالاستعراء(١) وراء المدينة، روى عنه ابنه الحارث وعلقمة بن الوقاص، مات سنة ستين وله ثمانون سنة، (قال: قال رسول الله و9َ: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من الخير))) من بيانية ((ما يعلم))) أي الرجل ((مبلغها))) أي قدر تلك الكلمة ومرتبتها ((عند الله)))، والجملة حال أي والحال أنه يظن أنها يسيرة قليلة وهي عند الله عظيمة جليلة ((يكتب الله))) أي يثبت ويديم ((له بها رضوانه))) بكسر الراء وبضم أي رضاه، وهو يحتمل أن يكون من باب إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله والأول أظهر لمقابلة القرينة الآتية ((إلى يوم يلقاه))) بكسر الميم في أكثر النسخ وبفتحها في بعضها، وبالتنوين في بعضها، والضمير البارز في يلقاه يحتمل أن يكون إلى اليوم، والمستتر إلى الرجل ويمكن عكسه تجوّزاً، ويمكن أن يكون أحد الضميرين إلى الله والآخر إلى الرجل، فتأمل. ((وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها يكتب الله بها سخطه))) أي غضبه ((إلى يوم يلقاه))) قال ابن عيينة: هي الكلمة عند السلطان، فالأولى ليرده بها عن ظلم، والثانية ليجره بها إلى ظلم، وقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً في تفسيرها بذلك، نقله السيوطي. قال الطيبي: فإن قلت: ما معنى قوله: ((يكتب الله بها رضوانه، وما الحديث رقم ٤٨٣٣: أخرجه الترمذي في السنن ٢٨٤/٤ الحديث رقم ٢٣١٩، وابن ماجه في ١٣١٢/٢ الحديث رقم ٣٩٦٩، ومالك في الموطأ ٩٨٥/٢ الحديث رقم ٥ من كتاب الكلام، والبغوي في شرح السنة ٣١٤/١٤ الحديث رقم ٢١٢٤، وأحمد في المسند ٤٦٩/٣. (١) في المخطوطة ((الأشعري)). ٧١ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم رواه في ((شرح السنة)). وروى مالك، والترمذي، وابن ماجه نحوَه. ٤٨٣٤ - (٢٣) وعن بَهْزِ بن حكيم، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: قال رسولُ الله ◌َّه: (وَيْلٌ لمن يُحدِّثُ فيكذبُ ليُضحِكَ به القوّمَ، فائدة التوقيت إلى يوم يلقاه)) قلت: معنى كتبه رضوان الله توفيقه لما يرضي الله تعالى من الطاعات والمسارعة إلى الخيرات فيعيش في الدنيا حميداً وفي البرزخ يصان من عذاب القبر ويفسح له قبره، ويقال له: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، ويحشر يوم القيامة سعيد، ويظله الله تعالى في ظله، ثم يلقى بعد ذلك من الكرامة والنعيم المقيم في الجنة ثم يفوز بلقاء الله. ما كل ذلك دونه، وفي عكسه قوله: يكتب الله بها عليه سخطه، ونظيره قوله تعالى لإبليس: ﴿إن عليك لعنتي إلى يوم الدين﴾ [ص - ٧٨] (رواه في شرح السنة) أي بهذا اللفظ، (وروى مالك والترمذي وابن ماجه نحوه) أي بمعناه، وفي الجامع الصغير رواه مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن بلال بن الحارث مرفوعاً ولفظه: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه يوم القيامة، وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة)). وفي الأحياء، وكان علقمة يقول: وكم من كلام مَنَعنِیهِ حدیثُ بلال بن الحارث(١). ٤٨٣٤ - (وعن بهز) بفتح موحدة وسكون هاء فزاي (ابن حكيم) تابعي، قال المصنف: قد اختلف العلماء فيه؛ روى عنه جماعة ولم يخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما شيئاً منه، وقال ابن عدي ولم أر حديثه منكراً، (عن أبيه) أي حكيم بن معاوية القشيري البصري قال البخاري: في صحبته نظر، روى عنه ابن أخيه معاوية بن حكيم وقتادة، (عن جده) أي معاوية ابن حيدة بفتح حاء مهملة فسكون تحتية ودال مهملة لم يذكره المؤلف. (قال: قال رسول الله ◌َّاج: ((ويل))) أي هلاك عظيم أو واد عميق في جهنم ((لمن يحدث))) أي لمن يخبر الناس ((فيكذب))) أي لا يصدق في تحديثه وإخباره ((ليضحك))) بضم أوله وكسر حائه ((به))) أي بسبب تحديثه أو الكذب ((القوم))) بالنصب على أنه مفعول ثان هكذا في النسخ، ويجوز فتح الياء والحاء ورفع القوم، ثم المفهوم منه أنه إذا حدث بحديث صدق ليضحك القوم فلا بأس به، كما صدر مثل ذلك عن عمر رضي الله عنه مع النبي وَّر حين غضب على بعض أمهات المؤمنين؛ قال الغزالي: وحينئذ ينبغي أن يكون من قبيل مزاح رسول الله وم القول فلا يكون إلا حقاً ولا يؤذي قلباً ولا يفرط فيه، فإن كنت أيها السامع تقتصر عليه أحياناً وعلى الندور فلا حرج عليك، ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة، ويواظب عليه، ويفرط فيه ثم يتمسك بفعل رسول الله وَ طير، فهو كمن يدور مع الزنوج أبداً لينظر إلى رقصهم، ويتمسك بأن (١) الجامع الصغير ١٢١/١ الحديث رقم ١٩٧٣. الحديث رقم ٤٨٣٤: أخرجه أبو داود في السنن ٢٦٥/٥ الحديث رقم ٤٩٩٠، والترمذي في ٤/ ٤٨٣ الحديث رقم ٢٣١٥ والدارمي في ٣٨٢/٢ الحديث رقم ٢٧٠٢، وأحمد فى المسند ٥/٥. ٧٢ ١٫٠٠٠٠ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم ويلٌ له، ويلٌ له)). رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والدارميُّ. .*. ٤٨٣٥ _ (٢٤) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرِ: ((إِنَّ العبدَ ليقولُ الكلمةَ لا يقولُها إِلاَّ ليُضحكَ به الناسَ، يهوي بها أبعد ما بينَ السماءِ والأرضِ، وإِنَّه ليزِلُ عن لسانه أشدَّ ممَّا يزِلَّ عن قدمِه)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). رسول الله ﴿ أذن لعائشة رضي الله عنه في النظر إليهم وهم يلعبون)). (ويل له، ويل له))) إنما أعاده مرتين للتأكيد أو أولها للبرزخ وثانيها للموقف، وثالثها للنار. (رواه أحمد والترمذي) أي وقال: حسن اهـ. وقد تكلم بعضهم في بهز ووثقه جماعة، ذكره ميرك (وأبو داود والدارمي) وكذا النسائي والحاكم(١). ٤٨٣٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن العبد))) أي الشخص ((ليقول الكلمة))) أي الكاذبة ((لا يقولها إلا ليضحك به الناس))) أي بتلفظها، أو المراد بها الكلام على أنها كلمة لغوية، والمستثنى من أعم عام الغرض ((يهوي))) بفتح الياء وكسر الواو أي يسقط في جهنم ((بها))) أي بسببها ((أبعد))) أي هوياً وسقوطاً أبعد ((مما بين السماء والأرض)))، وفي نسخة، ((أبعد ما بين السماء والأرض))، وقيل: معناه يبعد بها عن الخير والرحمة بعداً أبعد ما بينهما، ((وإنه))) أي العبد، والمراد به الجنس، فلا يرد أن المعرفة إذا أعيدت تكون عين الأول فتأمل. ((لیزل))) بفتح اللام والياء وكسر الزاي وتشديد اللام أي ليعثر ويزلق ويخطأ ((عن لسانه))) أي عن جهته ومن قبله وبسببه ((أشد))) أي زللاً أقوى وأكثر ((مما يزل عن قدمه)))، والمعنى أن صدور الكذب ونحوه عن لسانه أضر عليه من ضرر سقوطه عن رجله على وجهه، فإن الضرر البدني أهون من الضرر الديني. قال الطيبي: قوله: وإنه ليزل عن لسانه تمثيل بعد تمثيل مثلاً أوّلاً مضرته في جاهه، وسقوطه من منزلته عند الله تعالى بمن سقط من أعلى مكان إلى أدناه، ثم مثل ثانياً مضرته بها في نفسه وما يلحقه من المشقة والتعب بمن يتردد في وحل عظيم فيدحض قدماه في تلك المزالق قلما يتخلص منها. (رواه البيهقي في شعب الإيمان). قال ميرك ناقلاً عن التصحيح، ورواه أحمد في مسنده من طريق مكحول عن أبي هريرة، ورواه صاحب المصابيح في شرح السنة بهذا اللفظ من طريق يحيى بن أبي عبيد عن أبيه عن أبي هريرة(٢)، قلت: وفي الجامع الصغير بلفظ ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)). رواه أحمد والشيخان عن أبي هريرة، وفي رواية للترمذي وابن ماجه والحاكم عنه بلفظ: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار)). وفي رواية أحمد عن أبي سعيد ولفظه: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يريد بها بأساً ليضحك بها القوم وأنه ليقع بها أبعد من السماء))(٣). (١) الحاكم في المستدرك ٤٦/١. الحديث رقم ٤٨٣٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢١٣/٤ الحديث رقم ٤٨٣٢. (٢) البغوي في شرح السنة ٣١٩/١٤ الحديث رقم ٤١٣١. (٣) الجامع الصغير ١٢٦/١ الحديث رقم ٢٠٦١. ٧٣ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم ٤٨٣٦ - (٢٥) وعن عبد اللَّهِ بن عمْرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((مَن صَمتَ نجا)). رواه أحمد، والترمذي، والدارمي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). ٤٨٣٧ - (٢٦) وعن عُقْبةَ بن عامرٍ، قال: لقيتُ رسولَ اللهِ وَلَّهِ، فقلتُ: ما i ١ ٤٨٣٦ - (وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَلير: ((من صمت))) أي سكت ((عن الشر نجا))) أي فاز وظفر بكل خير أو نجا من آفات الدارين. قال الراغب: الصمت أبلغ من السكوت لأنه قد يستعمل فيما لا قوّة له للنطق(١) وفيما له قوّة النطق، ولهذا قيل لما لا نطق له الصامت والمصمت والسكوت يقال: لما له نطق فيترك استعماله. وقال الغزالي: اعلم أن ما ذكره وَليه من فصل الخطاب وجوامع الكلم وجواهر الحكم ولا يعرف أحد ما تحت كلماته من بحار المعاني الأخواص العلماء، وذلك إن خطر اللسان عظيم وآفاته كثيرة من الخطأ والكذب والنميمة والغيبة والرياء والسمعة والنفاق والفحش والمراء، وتزكية النفس والخوض في الباطل وغيرها، ومع ذلك النفس مائلة إليها لأنها سباقة إلى اللسان لا تثقل عليه، ولها حلاوة في النفس، وعليها بواعث من الطبع والشيطان، فالخائض فيها قلما يقدر على أن يزم اللسان فيطلقه بما يجب وكفه عما لا يجب، ففي الخوض خطر وفي الصمت سلامة مع ما فيه من جمع الهم ودوام الوقار والفراغة للفكر والعبادة والذكر، والسلامة من تبعات القول في الدنيا ومن حسابه في العقبى. وقد قال تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾ [ق - ١٨] ويدلك على لزوم الصمت أمر وهو أن الكلام أربعة أقسام قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محضر، وقسم فيه ضرر ومنفعة، وقسم لا ضرر فيه ولا منفعة، أما الذي هو ضرر محض فلا بد من السكوت عنه، وكذلك ما فيه ضرر ومنفعة لا نفي بالضرر، وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فهو فضول والاشتغال به تضييع زمان وهو عين الخسران ظاهراً فلا يبقى إلا القسم الرابع وفيه خطر إذ قد يمتزج به ما فيه اثم من دقائق الرياء والتصنع والغيبة وتزكية النفس وفضول الكلام امتزاجاً يخفي مدركه فيكون الإنسان به مخاطراً اهـ. وحاصله أن آفات اللسان غير محصورة، وفي الصمت خلاص منها. وقد قيل: ((اللسان جرمه صغير وجرمه كبير وكثير)) (رواه أحمد والترمذي والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان). i ٤٨٣٧ - (وعن عقبة بن عامر) أي الجهني (قال: لقيت رسول الله و * فقلت: ما 1 . الحديث رقم ٤٨٣٦: أخرجه الترمذي في السنن ٥٦٩/٤ الحديث رقم ٢٥٠١، والدارمي في ٣٨٧/٢ الحديث رقم ٢٧١٣، والبيهقي في شعب الإيمان ٢٥٤/٤ الحديث رقم ٤٩٨٣، وأحمد في المسند ٢/ ١٧٧. (١) في المخطوطة من ((النطق)). الحديث رقم ٤٨٣٧: أخرجه الترمذي في السنن ٥٢٣/٤ الحديث رقم ٢٤٠٦، وأحمد في المسند ٥٪ ٢٥٩. ١٣٦٠ ٧٤ ٠٫٠٠٠٤ ٢٠٢/٧٠٧١٢ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم النَّجاةُ؟ فقال: ((أُملِكْ عليكَ لسانَكَ، ولْيسَعْكَ بيتُكَ، وابْكِ على خطيئتِكَ)). رواه أحمد، والترمذي. ٤٧٣٨ - (٢٧) وعن أبي سعيدٍ، رفعَه، قال: ((إِذا أصبحَ ابنُ آدَمَ، فإِنَّ الأعضاءَ النجاة))؟) أي ما نجاة هذا الأمر حتى نتعلق به، أو ما الخلاص عن الآفات حتى احترس به، («فقال: أملك عليك لسانك))) بفتح الهمزة وكسر اللام أي احفظ لسانك عما ليس فيه خير كما قاله شارح، والأظهر أن معناه أمسك لسانك حافظاً عليك أمورك مراعياً لأحوالك، ففيه نوع من التضمين. وفي النهاية أي لا تجره إلا بما يكون لك لا عليك اهـ. وهو حاصل المعنى كما لا يخفى، وعن بعضهم أي ((اجعل لسانك مملوكاً لك فيما عليك وباله وتبعته فامسكه عما يضرك وأطلقه فيما ينفعك)) اهـ. وهو ناظر إلى أن الصيغة من الثلاثي المجرد، ففي القاموس ملكه يملكه ملكاً مثلثة احتواه قادراً على الاستبداد به، وأملكه الشيء وملكه إياه تمليكاً بمعنى لكن النسخ المصححة والأصول المعتمدة بصيغة المزيد مضبوطة؛ نعم كتب ميركشاه على هامش كتابه الظاهر ((إملك)) بكسر الهمزة من الثلاثي المجرد فإنه متعد، لكن في الأصل صحح من الثلاثي المزيد فيه وليس بظاهر تأمل، قلت: لعل الزيادة لزيادة المبالغة في التعدية فتدبر هذا وقد قال الطيبي هذا الجواب من أسلوب الحكيم سئل عن حقيقة النجاة فأجاب عن سببه لأنه أهم بحاله وأولى، وكان الظاهر أن يقول: حفظ اللسان، فأخرجه على سبيل الأمر الذي يقتضي الوجوب مزيداً للتقرير والاهتمام اهـ، وما فيه من التكلف لا يخفى، بل من التعسف في حق الصحابي فإنه جعل العدول عن معرفته حقيقة النجاة بالنسبة إليه أولى، فالصواب أن تقدير السؤال ما سبب النجاة بقرينة الجواب وقد أشرنا فيما تقدم إلى تقدير آخر والله أعلم. ((وليسعك))) بكسر اللام ويسكن ((بيتك)) بأن تسكن فيه ولا تخرج منه إلا لضرورة ولا تضجر من الجلوس فيه، بل تجعله من باب الغنيمة، فإنه سبب الخلاص من الشر والفتنة، ولذا قيل: ((هذا زمان السكوت وملازمة البيوت والقناعة إلى أن يموت)). قال الطيبي: الأمر في الظاهر وارد على البيت، وفي الحقيقة على المخاطب أي تعرض لما هو سبب للزوم البيت من الاشتغال بالله والمؤانسة بطاعته والخلوة عن الأغيار ((وابك على خطيئتك))) أي ابك إن تقدر وإلا فتباك نادماً على معصيتك فيما سبق من أيام حياتك. قال الطيبي: ضمن بكى معنى الندامة وعداه بعلى أي اندم على خطيئتك باكياً. (رواه أحمد والترمذي)؛ وروى ابن قانع والطبراني عن الحارث بن هشام صدر الحديث فقط وهو ((أملك عليك لسانك)). ٤٨٣٨ - (وعن أبي سعيد) أي الخدري (رفعه) أي أسند الحديث إلى النبي ◌َّ وإنما أبهمه الراوي لأنه شك في كيفية رفعه أنه هل هو بصيغة السمع أو القول ونحوهما (قال: ((إذا أصبح ابن آدم))) أي دخل في الصباح وهو مفتاح باب النجاح [لأن آفات اللسان إنما هي بمعاشرة الإخوان وهي في النهار أكثر باعتبار أغلب الأزمان] ((فإن الأعضاء))) أي التي يتأتى الحديث رقم ٤٨٣٨: أخرجه الترمذي في السنن ٥٢٣/٤ الحديث رقم ٢٤٠٧، وأحمد في المسند ٩٦/٣. ٧٥ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم كلَّها تكفّرُ اللسانَ، فنقولُ: اتقِ اللَّهَ فينا، فإنا نحنُ بكَ، فإِنِ استقمتَ استقمْنا، وإٍِ اعوججتَ اعوججنا». رواه الترمذي. منها العصيان أو مطلقها فإن لها تعلقاً ما في الحركات والسكنات للإنسان، ويؤيده تأكيدها بقوله: ((كلها تكفر)) بتشديد الفاء المكسورة أي تتذلل وتتواضع ((للسان)))، من قولهم: كفر اليهودي إذا خضع مطأطأ رأسه وانحنى لتعظيم صاحبه، كذا قاله شارح، وفي النهاية التكفير هو أن ينحني الإنسان ويطأطىء رأسه قريباً من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه («فتقول)):) أي الأعضاء («اتق الله فينا))) أي في حفظ حقوقنا ((فإنما نحن بك))) أي نتعلق ونستقيم ونعوج بك)» (فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا))). قال الطيبي: فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله هو: ((إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))، قلت: اللسان ترجمان القلب وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أسند إليه الأمر يكون على سبيل المجاز في الحكم كما في قولك: ((شفى الطبيب المريض)). قال الميداني: في قوله: المرء بأصغر به يعني بهما القلب واللسان أي يقوم ويكمل معانيه بهما وأنشد لزهير: زيادته أو نقصه في التكلم وكأن ترى من صامت لك معجب فلم يبق إلا صورة اللحم والدم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده اهـ ولا يخفى ظهور نوقف صلاح الأعضاء وفسادها على القلب بحسب صلاحه وفساده فإنه معدن الأخلاق الكريمة كما أنه منبع الأحوال الذميمة، ونظيره الملك المطاع، والرئيس المتبع، فإنه إذا صلح المتبوع صلح التبع. وقد قال بعض أكابر الصوفية: ((إن البطن عضوان جاع هو شبع سائر الأعضاء) يعني سكن فلا يطالبك بشيء، ((وإن شبع هو جاع سائر الأعضاء))، وبيانه على ما في منهاج العابدين أن في كثرة الأكل فتنة الأعضاء وانبعاثها للفضول والفساد، فالرجل إذا كان شعبان بطراً اشتهت عينه النظر إلى ما لا يعنيه من حرام أو فضول، والاذن الاستماع إليه واللسان التكلم به والفرج الشهوة والرجل المشي إليه، وإذا كان جائعاً فتكون الأعضاء كلها ساكنة هادية لا تطمح إلى شيء من هذا ولا تنشط له. وجملة الأمر إن أفعال الرجل وأقواله على حسب طعامه وشرابه، ((إن دخل الحرام خرج الحرام، وإن دخل الفضول خرج الفضول كأن الطعام بذر الأفعال، والأفعال نبت يبدو منه»، فهذا المعنى ظاهر جداً في أمر القلب والبطن، وأما تعلق الأعضاء جميعها باللسان فلم يظهر لي مدة من الزمان حتى ألهمني الله تعالى ببركة الصلاة على نبيه وَلقر وهو أن اللسان من أعضاء الإنسان آله البيان الكفر والإيمان، فمع استقامته تنفعه استقامة سائر الأعضاء، ومع اعوجاجه تبطل أحوالها سواء تكون مستقيمة أو معوجة في أفعالها والله الملهم بالصواب وإليه المرجع والمآب. (رواه الترمذي)، وكذا ابن خزيمة والبيهقي. ارقة "apnis ٧٦ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم ٠٫٫٠٠٠ ٤٨٣٩ - (٢٨) وعن عليّ بن الحسينِ [رضي اللَّهُ عنهما] قال قال: رسولُ الله ◌َّتٍ: ((مِنْ حُسنِ إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). ٤٨٣٩ - (وعن علي بن الحسين) أي ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وهو الإمام زين العابدين وقد سبق بعض مناقبه من جملة محاسن مراتبه (قال: قال رسول الله وَلقر: (من حسن إسلام المرء))) أي من جملة محاسن إسلام الشخص وكمال إيمانه («تركه ما لا يعنيه))) أي ما لا يهمه ولا يليق به قولاً وفعلاً ونظراً وفكراً، ((فحسن الإسلام عبارة عن كماله، وهو أن تستقيم نفسه في الاذعان لأوامر الله تعالى ونواهيه والاستسلام لأحكامه على وفق قضائه وقدره فيه وهو علامة شرح الصدر بنور الرب ونزول السكينة على القلب وحقيقة ما لا يعنيه ما لا يحتاج إليه في ضرورة دينه ودنياه، ولا ينفعه في مرضاة مولاه بأن يكون عيشه بدونه ممكناً وهو في استقامة حاله بغيره متمكناً، وذلك يشمل الأفعال الزائدة والأقوال الفاضلة، فينبغي للمرء أن يشتغل بالأمور التي يكون بها صلاحه في نفسه في أمر زاده بإصلاح طرفي معاشه ومعاده، وبالسعي في الكمالات العلمية والفضائل العملية التي هي وسيلة إلى نيل السعادات الأبدية والفوز بالنعم السرمدية))؛ ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ [المؤمنون - ٣] قال الغزالي: وحد ما لا يعنيك أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه ولم تأثم ولم تتضرر في حال ولا مآل ومثاله أن تجلس مع قوم فتحكي معهم أسفارك وما رأيت فيها من جبال وأنهار وما وقع لك من الوقائع وما استحسنته من الأطعمة والثياب وما تعجبت منه من مشايخ البلاد ووقائعهم، فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تتضرر، وإذا بالغت في الاجتهاد حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان ولا تزكية نفس من حيث التفاخر بمشاهدة الأحوال العظيمة، ولا اغتياب لشخص ولا مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى، فأنت مع ذلك كله مضيع زمانك ومحاسب على عمل لسانك إذ تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير لأنك لو صرفت زمان الكلام في الذكر والفكر ربما ينفتح لك من نفحات رحمة الله تعالى ما يعظم جدواه، ولو سبحت الله بنى لك بها قصراً في الجنة، ومن قدر على أن يأخذ كنزاً من الكنوز فأخذ بدله بدرة لا ينتفع بها كان خاسراً خسراناً مبيناً، وهذا على فرض السلامة من الوقوع في كلام المعصية وأنى تسلم من الآفات التي ذكرناها. وذكر أن بعض العارفين مر على غرفة بنيت فقال: ((مذ كم بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه وقال: يا نفسي المغرورة تسألين عما لا يعنيك؟ وعاقبتها بصوم سنة)) وقد ورد في الحديث ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها على ما رواه الطبراني عن معاذ مرفوعاً، فطوبى لمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون﴾ [الحشر - ١٩] قال الأوزاعي: كتب إلينا [عمر بن] عبد العزيز: أما بعد فإن من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن ٠۵٠ الحديث رقم ٤٨٣٩: أخرجه مالك في الموطأ ٩٠٣/٢ الحديث رقم ٣ من كتاب حسن الخلق، وأحمد في المسند ٢١١/١. ءمرة ٧٧ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم رواه مالك، وأحمد. ٤٨٤٠ - (٢٩) ورواه ابنُ ماجه، عن أبي هريرة. ٤٨٤١ - (٣٠) والترمذيُّ، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) عنهما. عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه، وقيل: ما تكلم الربيع بن خيثم بكلام الدنيا عشرين سنة، وكان إذا أصبح وضع قرطاساً نقياً وقلما فكلما تكلم به كتبه ثم يحاسب نفسه عند المساء. هذا وعن بعضهم من في قوله: ((من حسن إسلام المرء)) تبعيضية، ويجوز أن تكون بيانية، اهـ وبيانه أن تركه ما لا يعنيه هو حسن إسلام المرء وكماله فيه، وتقديم الخبر لكون التركيب من باب على التمرة مثلها زبداً. قال الطيبي: وعلى أن تكون تبعيضية إشارة إلى قوله وَ له: ((الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه))(١). الحديث بعد الإيمان والإسلام وأنت تعلم أن التحلية مسبوقة بالتخلية، فالترك بعض من الاحسان، فيكون إشارة إلى الانسلاخ عما يشغله عن الله، فإذا أخذ السالك في السلوك تجرد بحسب أحواله ومقاماته شيئاً فشيئاً مما لا يعنيه إلى أن يتجرد عن جميع أوصافه، ويتوجه بكليته إلى الله سبحانه، وإليه يلمح قوله تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾ [البقرة - ١١٢] وقول إبراهيم عليه السلام: ﴿إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة - ١٣١] قال النووي: هذا أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال أبو داود: وهي أربعة الأوّل حديث نعمان بن بشير الحلال بين والحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن))، الثاني ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، الثالث ((لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، الرابع ((الأعمال بالنيات))، وقيل بدل الثالث: ((ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)). وأنشد الإمام الشافعي رضي الله عنه في معناه: أربع قالهن خيراً لبريه عمدة الخير عندنا كلمات ليس يعنيك واعملن بنيه اتق الشبهات وازهد ودع ما قلت: مدار الأربعة السنية على تصحيح النية، فإنه إذا عمل بالنية المرتبطة بحسن الطوية يورث له اتقاء الشبهات أكلاً وترك ما لا يعنيه قولاً وفعلاً ويترتب عليها الزهد في الدنيا والزهد فيما في أيدي الناس بالأولى، فيحب المؤمنين ويحبونه لله تعالى، فنية المؤمن خير من عمله كما ورد في حديث، وقد جعلت في شرحه رسالة تعين مبانيه وتبين معانيه. (رواه مالك وأحمد) أي عن علي بن الحسين. ٤٨٤٠ - (ورواه ابن ماجه عن أبي هريرة). ٤٨٤١ - (والترمذي) أي في جامعه، (والبيهقي في شعب الإيمان عنهما) أي عن علي (١) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه ١١٤/١ الحديث رقم ٥٠، ومسلم في ١/ ٤٠ الحديث رقم (١٠/٧). الحديث رقم ٤٨٤٠: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٣١٥/٢ الحديث رقم ٣٩٧٦. الحديث رقم ٤٨٤١: أخرجه الترمذي في السنن، ٢٨٣/٤ الحديث رقم ٢٣١٧، و٢٣١٨ والبيهقي في = الر ٧٨ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم ٤٨٤٢ - (٣١) وعن أنس، قال: توفيَ رجلٌ منَ الصَّحابةِ. فقال رجلٌ: أبشر بالجنَّةِ. فقال رسولُ اللهِ وَّرِ: ((أَوَ لا تدري، فلعلَّه تكلّم فيما لا يعنِيه، أو بخِلَ بما لا ينقصُه)) [٣٦٣ - ب -]. وأبي هريرة معاً، أما في حديث واحد أو في حديثين والله أعلم. وفي الجامع الصغير رواه أحمد والطبراني عن الحسين بن علي، والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، والحاكم في الكنى عن أبي بكر، والشيرازي عن أبي ذر، والحاكم في تاريخه عن علي بن أبي طالب، والطبراني في الصغير عن زيد بن ثابت، وابن عساكر عن الحارث بن هشام(١). قال المؤلف: هو علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب يكنى أبا الحسن المعروف بزين العابدين من أكابر سادات أهل البيت ومن أجلة التابعين وأعيانهم اهـ، فكان حقه أن يقول في آخر الحديث أو أوّله مرسلاً، ويمكن أن يكون عن أبيه ساقطاً أو وقع تغيير بتقديم وتأخير من أحد من الرواة أو المصنفين، وأصله عن الحسين بن عليّ على ما نقلناه عن الجامع والله أعلم، ثم رأيت كلام ميرك حيث قال: حديث ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)). رواه ابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال: وحدثنا قتيبة عن مالك عن الزهري علي بن الحسين عن النبي وَلجر: ((أن من حسن إسلام المرء)» الخ. قال: وهكذا روى غير واحد من أصحاب الزهري عنه عن علي بن الحسين نحو حديث مالك قال: وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة اهـ، كلام الترمذي وطريقه عن أبي سلمة عن أبي هريرة جيدة، وقال النووي: حديث حسن، قال الشيخ الجزري وقال جماعة من الحفاظ: الصواب أنه عن علي بن الحسين عن النبي ◌ّ# مرسل، كذا قاله أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم، وكذا رواه مالك عن الزهري عن علي بن الحسين، ذكره المنذري والله أعلم. ٤٨٤٢ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: توفي رجل من الصحابة فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله وَلجر: أو لا تدري) بفتح الواو على أنها عاطفة على محذوف أي تبشر ولا تدري أو تقول هذا ولا تدري ما تقول، أو على أنها للحال أي والحال أنك لا تدري، وفي نسخة بسكونها وهي رواية، فأو عاطفة على مقدر أيضاً أي أتدري أنه من أهلها أو لا تدري، والمعنى بأي شيء علمت ذلك؟ أو كيف دريت ما لم يدر غيرك؟ (فلعله تكلم فيما لا يعنيه) أي فيما يضره ولا ينفعه (أو بخل بما لا ينقصه) أي مما لا يغنيه فيما يجب عليه بذله من العبادات المالية أو المسائل العلمية أو إعطاء الماعون بالعارية، والضمير المنصوب للرجل، والمرفوع لما قال الغزالي؟ وفي حديث آخر ((أن النبي وَله فقد كعباً فسأل عنه فقالوا: مريض، فخرج يمشي حتى أتاه فلما دخل عليه قال: أبشر يا كعب، فقالت أمه: هنيأ لك الجنة يا كعب، فقال: من هذه المتألية على الله، قال: هي أمي يا رسول الله قال: وما يدريك يا أم ١٢٢١٧ شعب الإيمان ٢٥٥/٤ الحديث رقم ٤٩٨٧ و٤٩٨٦. = (١) الجامع الصغير ٥٠٣/٢ الحديث رقم ٨٢٤٣. الحديث رقم ٤٨٤٢: أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٤٨٣ الحديث رقم ٢٣١٦. tea: ٦١٦٩ ٢٠٠٥ ٧٩ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم رواه الترمذي. ٤٨٤٣ - (٣٢) وعن سُفيانَ بن عبدِ الله الثّقفيِّ، قال: قلتُ: يا رسولَ الله! ما أخوَفُ ما تخافُ عَلَيَّ؟ قال: فأخذَ بلِسانِ نفسِه وقال: ((هذا)). كعب لعل كعباً قال ما لا يعنيه أو منع ما لا يغنيه)) (١)، ومعناه أنه ((إنما تتهنأ الجنة لمن لا يحاسب ولا يعاقب ومن تكلم فيما لا يعنيه حوسب عليه وإن كان مباحاً، فلا تتهنأ له الجنة مع المناقشة في الحساب، فإنه نوع من العذاب)). (رواه الترمذي) ورجاله رجال الصحيحين إلا سليمان بن عبد الجبار البغدادي شيخ الترمذي، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، كذا في التصحيح وقال المنذري: رواه الترمذي، وقال: غريب اهـ. ورواته ثقات، وروى ابن أبي الدنيا وأبو يعلى عن أنس أيضاً قال: ((استشهد منا رجل يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيأ لك يا بني الجنة فقال النبي وَالر: ما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره))، وروى أبو يعلى أيضاً والبيهقي عن أبي هريرة قال: ((قتل رجل على عهد رسول الله وَ لقر شهيداً فبكت عليه أمه وقالت: واشهيداه فقال النبي ◌َّر: وما يدريك أنه شهيد، لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه أو يبخل بما لا ينقصه)». وفقنا الله لما يعنينا ومن سوى مرضاته يغنينا. ٤٨٤٣ - (وعن سفيان بن عبد الله) أي ابن ربيعة (الثقفي)، قال المؤلف: يكنى أبا عمرو يعد في أهل الطائف له صحبة، وكان عاملاً لعمر بن الخطاب على الطائف، وقال الجزري: وقع في بعض نسخ المصابيح سعيد بن عبد الله الثقفي، والصواب سفيان بن عبد الله (قال: قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ) ما الأولى استفهامية مبتدأ خبره أخوف وهو اسم تفضيل بني للمفعول نحو أشهد وألوم وأشعل، وما الثانية مضاف إليه لأخوف وهي موصولة والعائد محذوف أي أي شيء أخوف أشياء تخاف منها عليّ؛ وقال الطيبي: ما في ما تخاف يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وأن تكون مصدرية على طريقة جد جده وجن جنونه وخشيت خشيته (قال:) أي سفيان (فأخذ) أي النبي وَ لقر (بلسان نفسه) الباء زائدة لمزيد التعدية (وقال: هذا) هو مبتدأ أو خبر، والمعنى هذا أكثر خوفي عليك منه، قال في الأحياء: وإنما أسند* شدة خوفه على أمته في سائر الأخبار إلى اللسان لأنه أعظم الأعضاء عملاً إذ ما من طاعة ومعصية إلا وله فيها مجال، فمن أطلق عذبة اللسان وأهمله مرخى العنان سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم، ولا ينجي من شره إلا أن يقيد بلجام الشرع، وعلم ما يحمد إطلاق اللسان فيه أو يذم غامض عزيز، والعمل بمقتضاه على من عرفه ثقيل عسير (١) الخطيب ذكره في كنز العمال ٣/ ٦٤١ الحديث رقم ٨٢٩٥. الحديث رقم ٤٨٤٣: أخرجه الترمذي في السنن ٥٢٤/٤ الحديث رقم ٢٤١٠، وابن ماجه في ١٣١٤/٢ الحديث رقم ٣٩٧٢ والدارمي في ٣٨٦/٢ الحديث رقم ٢٧١١، وأحمد في المسند ٤١٣/٣. ٨٠ ١٠٩ كتاب الآداب/ باب حفظ اللسان والغيبة والشتم رواه الترمذي، وصحَّحه. ٤٨٤٤ _ (٣٣) وعن ابن عمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: (إِذا كذبَ العبدُ تباعدَ عنه الملَكُ ميلاً منْ نتنِ ما جاءَ به)). رواه الترمذي. ، جو. ٤٨٤٥ - (٣٤) وعن سُفيان بن أسدِ الحضرميِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَ ل يقول: ((كبُرت خيانةً أن تحدَّثَ أخاكَ حديثاً هوَ لكَ بهِ مصدِّقٌ وأنتَ به كاذبٌ)). لكن على ما يسره الله يسير. (رواه الترمذي وصححه)، قال ميرك: ورواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم(١)، وقال: صحيح الإسناد. .or ٤٨٤٤ - (وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله مليار: ((إذا كذب العبد تباعد عنه الملك))) أي الحفظة، وفي بعض النسخ لفظ عنه مؤخر ((ميلاً))) وهو ثلث الفرسخ أو قطعة من الأرض أو مد البصر، وذكره ابن الملك ((من نتن ما جاء به))) أي عفونته، وهو بفتح النون وسكون التاء في القاموس هو ضد الفرح، والمعنى من نتن شيء جاء ذلك الشيء بالنتن أي من نتن الكذب أو جاء العبد به والباء للتعدية. (رواه الترمذي). وفي الجامع الصغير بلفظ: ((إذا كذب العبد كذبة)) الخ. رواه الترمذي وأبو نعيم في الحلية (٢). ٤٨٤٥ - (وعن سفيان بن أسد) بفتحتين، وفي نسخة صحيحة بل هي الأصح أسيد بفتح فكسر فتحتية ساكنة (الحضرمي)، زاد المؤلف في أسمائه الشامي روى عنه جبير بن نفير حديثه في الحمصين(٣) ذكره المؤلف في الصحابة وقال: أسيد بفتح الهمز وكسر السين وهو الأكثر، والثانية بضم الهمزة، والثالثة بفتح الهمزة والسين وحذف الياء (قال: سمعت رسول الله وَله يقول: (كبرت))) بضم الموحدة أي عظمت ((خيانة))) تمييز ((إن تحدث أخاك))) فاعل كبرت، قال شارح: انثه باعتبار التمييز إذ هو فاعل معنى، وقيل: بتأويل الخصلة أو الفعلة، وقال الطيبي: أنت الفعل له باعتبار المعنى لأنه يعني التحديث نفس الخيانة وفيه معنى التعجب كما في قوله تعالى: ﴿كبر مقتاً عند الله﴾ [الصف - ٣] الكشاف، هذا من أفصح الكلام وأبلغه في معناه، فإنه قصد في كبر التعجب من غير لفظه، ومعنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله اهـ كلامه، والمعنى جناية عظيمة منك إذا حدثت أخاك المسلم ((حديثاً هو لك به مصدق وأنت به))) أي له كما في رواية ((كاذب))) أي بحديث كذب وهو يعتمد عليك ويثق بقولك، وظن بك أنك مسلم لا (١) أخرجه ابن حبان في ١٣/ ٧ الحديث رقم ٥٧٠٠. الحديث رقم ٤٨٤٤: أخرجه الترمذي في السنن ٣٠٧/٤ الحديث رقم ١٩٧٢. (٢) أخرجه في الجامع الصغير ٥٨/١ الحديث رقم ٨٤٠. الحديث رقم ٤٨٤٥: أخرجه أبو داود في السنن ٢٥٤/٥ الحديث رقم ٤٩٧١. (٣) في المخطوطة ((الحصين)). .