النص المفهرس
صفحات 421-440
٩٠ كتاب الرؤيا الفصل الأول ٤٦٠٦ - (١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهُ: ((لم يبقَ منَ النُّبوَّةِ إِلاَّ المبشراتِ)) قالوا: وما المبشراتُ؟ كتاب الرؤيا قال النووي مقصورة مهموزة ويجوز تركها تخفيفاً. قلت: الصواب إبدالها أو تخفيفها وأما تركها فغير صحيح رواية ودراية. وقال الكشاف: الرؤيا بمعنى الرؤية إلا أنها مختصة بما كان منها في المنام دون اليقظة فلا جرم فرق بينهما بحرف التأنيث فيهما مكان تاء التأنيث للفرق، كما قيل في القربى والقربة. وفي القاموس الرؤية النظر بالعين والقلب، رأيته رؤية ورؤيا، والرؤيا ما رأيته في منامك. وقال الواحدي: الرؤيا مصدر كالبشرى والسقيا والشورى إلا أنه صار اسماً لهذا المتخيل في المنام جرى مجرى الأسماء. وقال المازري: مذهب أهل السنة أن حقيقة الرؤيا خلق الله في قلب النائم اعتقادات كخلقها(١) في قلب اليقظان وهو سبحانه يفعل ما يشاء لا يمنعه نوم ولا يقظة، وخلق هذه الاعتقادات في النائم علم على أمور أخر تلحقها في ثاني الحال كالغيم على المطر. ٠٫٠٧ (الفصل الأوّل) ٤٦٠٦ - (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَليقر: ((لم يبق من النبوة))) أي من أجزائها ((إلا المبشرات))) بكسر الشين المشددة، قال السيوطي: أي الوحي (١) في المخطوطة ((كما يخلق)). الحديث رقم ٤٦٠٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٧٥/١٢ الحديث رقم ٦٩٩٠، وأبو داود في السنن ٢٨٠/٥ الحديث رقم ٥٠١٧. ٤٢١ ٤٢٢ صدارة کتاب الرؤيا قال: ((الرؤيا الصالحةُ)). رواه البخاري. ٤٦٠٧ - (٢) وزادَ مالكُ بروايةِ عطاء بن يسارٍ: ((يراها الرجلُ المسلمُ أو تُرى له)). ٤٦٠٨ - (٣) وعن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الرُّؤيا الصالحةُ جُزءٍ منْ ستةٍ وأربعين جزءاً من النبؤَّة». منقطع بموتى، ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا، والتعبير بالمبشرات خرج مخرج الأغلب فإن من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقاً به ليستعد لما يقع قبل وقوعها، ((قالوا))) أي بعض الصحابة ((وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة.))) أي الحسنة أو الصادقة، وهي ما فيه بشارة أو تنبيه عن غفلة وأمثال ذلك. قال الطيبي: ومعنى الصالحة الحسنة، ويحتمل أن تجري على ظاهرها وأن تجري على الصادقة، والمراد بها صحتها، وتفسير رسول الله # المبشرات على الأوّل ظاهر لأن البشارة كل خبر صدق يتغير به بشرة الوجه، واستعمالها في الخير أكثر؛ وعلى الثاني مؤوّل أما على التغليب أو يحمل على أصل اللغة. (رواه البخاري). ٤٦٠٧ - (وزاد مالك(١) برواية عطاء بن يسار) تابعي جليل (يراها الرجل المسلم) أي لنفسه (أو ترى) على صيغة المجهول أي يراها مسلم آخر (له) أي لأجله أو لأجل مسلم آخر، وروى الطبراني والضياء عن عبادة بن الصامت ((رؤيا المؤمن كلام يكلم العبد ربه في المنام))، والظاهر أن ربه هو الفاعل والله أعلم. ٤٦٠٨ - (وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَ ليقول: ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة))) هو ما في أكثر الأحاديث، وعند مسلم من خمسة وأربعين، وفي رواية له أيضاً من سبعين جزءاً، وعند الطبراني من ستة وسبعين وهو ضعيف، وعند ابن عبد البر من ستة وعشرين، وعند النووي من أربعة وعشرين وهذه أقل ما ورد في ذلك، وأكثرها رواية ستة وسبعين، وبقيت روايات أخر كذا ذكره ابن حجر [وفي الجامع الصغير: ((رؤيا المؤمن الصالح بشرى من الله وهي جزء من خمسين جزءاً من النبوّة)). رواه الحاكم والطبراني عن العباس؛ وفي رواية ابن ماجه عن أبي سعيد بلفظ: رؤيا المؤمن الصالح جزء من الحديث رقم ٤٦٠٧: أخرجه الترمذي في السنن ٤١٢/٤ الحديث رقم ٢٢٧٣، ومالك في الموطأ ٢/ ٩٥٧ الحدیث رقم ٣ من كتاب الرؤيا. (١) وهذا الحديث يعذر فيه المؤلف في إيراده في الفصل الأول لأنه زيادة وليس أصل الرواية والله تعالى أعلم وأحكم. الحديث رقم ٤٦٠٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٦١/١٢ الحديث رقم ٦٩٨٣، ومسلم في ٤/ ١٧٧٤ الحديث رقم (٢٢٦٤/٧)، وابن ماجه في السنن ١٢٨٣/٢ الحديث رقم ٢٨٩٣، ومالك في الموطأ ٩٥٦/٢ الحديث رقم ١ من كتاب الرؤيا وأحمد في المسند ١٢٦/٣. / :١١٠/١٢٥ ١٣٠٠ ٤٢٣ کتاب الرؤيا ٫٠٠ مج . متفق عليه . سبعين جزءاً من النبوّة))، وسيأتي روايات أخر] وقال التوربشتي: قيل: معناه أن الرؤيا جزء من أجزاء علم النبوّة، والنبوّة غير باقية وعلمها باقٍ، وهو معنى قوله وَله: (([ذهبت النبوّة وبقيت المبشرات الرؤيا الصالحة قلت: رواه ابن ماجه عن أم كرز قال: ونظير ذلك قوله وَ ل3])) السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوّة أي من أخلاق أهل النبوّة. قلت: رواه الترمذي عن عبد الله بن سرجس، وفي رواية الضياء عن أنس السمت الحسن جزء من خمسة وسبعين جزءاً من النبوّة. قال: وقيل: معناه أنها تجيء على موافقة النبوّة لا أنها جزء باق من النبوّة، وقيل: إنما قصر الأجزاء على ستة وأربعين لأن زمان الوحي كان ثلاثاً وعشرين سنة وكان أوّل ما بدىء به من الوحي الرؤيا الصالحة وذلك في ستة أشهر من سني الوحي، ونسبة ذلك إلى سائرها نسبة جزء إلى ستة وأربعين جزءاً، قال: وأما حصر سني الوحي في ثلاثة وعشرين فإنه ورد به الروايات المعتد بها مع اختلاف في ذلك، وأما کون زمان الرؤيا فيا ستة أشهر فشيء قدره هذا القائل في نفسه ولم يساعده فيه النقل، وأرى الذاهبين إلى التأويلات التي ذكرناها قد هالهم القول: بأن الرؤيا جزء من النبوّة وقد قال ◌َ له: ((ذهبت النبوّة)) ولا حرج على أحد في الأخذ بظاهر هذا القول، فإن جزءاً من النبوّة لا يكون نبوّة كما أن جزءاً من الصلاة على الانفراد لا يكون صلاة، وكذلك عمل من أعمال الحج، وشعبة من شعب الإيمان؛ وأما وجه تحديد الأجزاء بستة وأربعين فأرى ذلك مما يجتنب القول فيه ويتلقى بالتسليم، فإن ذلك من علوم النبوّة التي لا تقابل بالاستنباط ولا يتعرض له بالقياس وذلك مثل ما قال في حديث عبد الله بن سرجس في السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد أنها جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوّة، وقلما يصيب مؤوّل في حصر هذه الأجزاء ولئن قيض له الإصابة في بعضها لما يشهد له الأحاديث المستخرج منها لم يسلم له ذلك في البقية اهـ، ووافقه النووي في شرح مسلم في قدحه في كون زمان الرؤيا فيها ستة أشهر، وقال: لم يثبت أن رؤياه وَلّ قبل النبوّة ستة أشهر اهـ؛ وقيل: المراد من هذا العدد المخصوص الخصال الحميدة أي كان للنبي وَلو ستة وأربعون خصلة، والرؤيا الصالحة جزء منها، ويؤيده حديث أبي هريرة السابق مع زيادة مالك من قول عطاء اللاحق، وينصره أيضاً حديث ((السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءاً من النبوّة))، لكن ينبغي أن يراد بالأعداد المذكورة في الأحاديث المسطورة التكثير لا التحديد بقرينة حديث السمت الحسن جزء من خمسة وسبعين جزءاً من النبوّة كما تقدم والله أعلم. (متفق عليه). وفي الجامع الصغير رواه البخاري عن أبي سعيد، ومسلم عن ابن عمر وعن أبي هريرة، وأحمد وابن ماجه عن أبي رزين، والطبراني عن ابن مسعود، وفي رواية لأحمد وابن ماجه [عن ابن عمر] ولأحمد أيضاً عن ابن عباس ولفظه ((الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوّة))، وفي رواية ابن النجاري عن ابن عمر ((الرؤيا الصالحة جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوّة))(١). i (١) الجامع في الصغير ٢/ ٢٧٥ الحديث رقم ٤٤٩٨ و٤٤٩٩ و٤٥٠٠. ١/٠٠- ٠٫١٩٧٠ ٤٢٤ کتاب الرؤيا ٤٦٠٩ - (٤) وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَله قال: ((مَن رآني في المنامِ فقد رآني، فإِنَّ الشيطانَ لا يتمثَّلُ في صورتي)). ٤٦٠٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه إن رسول الله وَلغير قال: ((من رآني))) أي مثالي ((في المنام فقد رآني))) أي فكأنه قد رآني في عالم الشهود والنظام، لكن لا يبتني عليه الأحكام ليصير به من الصحابة وليعمل بما سمع به في تلك الحالة كما هو مقرر في محله، وقيل: أراد به أهل زمانه أي من رآني في المنام يوفقه الله تعالى لرؤيتي في اليقظة إما في الدنيا أو في الآخرة، ويدل عليه حديث أبي هريرة الآتي ((فسيراني في اليقظة))، ولعل التعبير بصيغة الماضي تنزيلاً للمستقبل منزلة المحقق الواقع في الحال، وإن كان يقع في المآل. وقيل: يراه في الآخرة على وفق منامه بحسب مقامه؛ وقيل: هو بمعنى الأخبار أي من ((رآني في المنام فأخبروه بأن رؤيته حقيقة وحقة ليست بأضغاث أحلام)) ((فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي)))، أراد به صفته المعروفة له و 18 في حياته، وقيل: ((من رآني على أي صورة كانت فقد رآني حقيقة لأن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا يتراآى بي)) كما في رواية. (متفق عليه). وفي الجامع الصغير رواه أحمد والبخاري والترمذي عن أنس ولفظه: ((لا يتمثل بي))، وفي رواية للترمذي في الشمائل ((لا يتصوّر)) أو قال: ((لا يتشبه بي))، وفي أخرى ((لا يتمثلني)) هذا وقد قال الطيبي: الشرط والجزاء اتحدا فدل على التناهي في المبالغة كما يقال: من أدرك الضمان فقد أدرك المرعى أي أدرك مرعى متناهياً في بابه أي من رآني فقد رأى حقيقتي على كماله لا شبهة ولا ارتياب فيما رآى، ويدل عليه قوله أي في الحديث الآتي فقد رآني الحق، والحق هنا مصدر مؤكد أي من رآني، فقد رآني رؤية الحق. وفي البخاري ومسلم والحميدي وجامع الأصول فقد رأى الحق على أن الحق مفعول به وقوله: فإن الشيطان كالتتميم للمعنى والتعليل للحكم. قال النووي: اختلفوا فيه، فقال ابن الباقلاني معناه أن رؤياه صحيحة ليست بأضغاث أحلام، ولا من تشبيهات الشيطان أو تسويلاته، قال: وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة كمن يراه أبيض اللحية، وقد يراه شخصان في زمان واحد أحدهما في المشرق والآخر في المغرب ويراه كل منهما في مكانه، حكاه المازري عنه ثم قال: وقال الآخرون: بل الحديث على ظاهره؛ والمراد أن من يراه فقد أدركه وليس لمانع أن يمنعه وأن العقل لا يحيله حتى يضطر إلى التأويل، وأما قوله: فإنه قد يرى على خلاف صفته أو في مكانين معاً فإنه تغيير في صفاته لا في ذاته فتكون ذاته و لو مرئية، وصفاته متخيلة غير مرئية والإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار ولا قرب المسافة ولا يكون المرئي مدفوناً في الأرض ولا ظاهراً عليها، وإنما يشترط كونه موجوداً فلو رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من صفاته المتخيلة لا المرئية. قال القاضي عياض: ويحتمل أن يكون المراد بقوله: فقد رآني إذا رآه على صفته المعروفة له : الحديث رقم ٤٦٠٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٠٢/١ الحديث رقم ١١٠، ومسلم في صحيحه ٤/ ١٧٧٤ الحديث رقم (١٠ - ٢٢٦٦)، وأبو داود في السنن ٨٥/٥ الحديث رقم ٥١٢٣، وابن ماجه في ١٢٨٤/٢ الحديث رقم ٣٩٠١، وأحمد في المسند ٤١١/٢. 17/1 ٤٢٥ کتاب الرؤيا متفق عليه . في حياته، فإن رئي على خلافها، كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة وهو ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري اهـ. كلام النووي، والظاهر أنه لا فرق بين كلاميهما، فإن مرادهما أنه ◌َّ إذا رئي على صفته المسطورة وهيئته المعروفة المذكورة فلا يحتاج إلى تأويل، بل يقال: إنه قد رآه وَّير على وجه الإطلاق، وأما إذا رآه على غير صفته كما إذا رآه ميتاً في قطعة من أرض المسجد على ما حكي عن بعض المشايخ أنه رآه كذلك فاحتاج إلى تأويل وتعبير بما قيل: أن تلك القطعة من أرض المسجد مغصوبة أو مملوكة غير صحيحة على قواعد شرعه وَللتر، فكأنه أميت في تلك البقعة، ومن أحياها، فكأنما أحيا الناس جميعاً، وكذلك ما رآه إمامنا الأعظم في منامه الأكرم من جمع أعظمه المباركة المتفرقة، فعبر له ابن سيرين بأنك تصير إماماً للمسلمين وجامعاً لمعاني الأحاديث المختلفة بين الصحابة والمتفرقة بين التابعين، وكثر أمثال ذلك مما وقع في رؤياه وَليّة لطبقات العلماء والأولياء والصالحين. وقال الشيخ أبو حامد الغزالي: ليس معناه أنه رأى جسمي وبدني بل رأى مثالاً، فصار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي إليه، بل البدن الجسماني في اليقظة أيضاً ليس إلا آلة النفس، والآلة تارة تكون حقيقية وتارة خيالية، والنفس غير المثالات المتخيلة إذ لا يتخيل إلا ذو لون أو ذو قدر بعيد من المتخيل أو قريب؛ والحق أن ما يراه مثال روحه المقدسة التي هي محل النبوّة فما رآه من الشكل ليس هو روح النبي ◌َّ ولا شخصه، بل هو مثال له على التحقيق، ومعنى فقد رآني ما رآه صار واسطة بيني وبينه في تعريف الحق إياه، وكذلك ذات الله منزهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالاً للجمال الحقيقي المعنوي الذي لا صورة فيه ولا لون، ويكون ذلك المثال صادقاً وحقاً وواسطة في التعريف، فيقول الرائي: ((رأيت الله تعالى في المنام لا بمعنى أني رأيت ذاته))، وقال الشيخ أبو القاسم القشيري: من المعلوم أنه قد يراه وَّ# بعض الناس كأنه على صورة شيخ، ويراه بعضهم كأنه على صورة أمرد، وواحد كأنه مريض، وآخر كأنه ميت وغير ذلك من الوجوه، ثم يكون معنى الخبر إن تلك الرؤيا جمع يحتمل وجوهاً من التأويل لا أنه وقدم له كان موصوفاً بتلك الصفات جميعاً، فكذلك لو رأى أحد في المنام ربه تعالى على وصف يتعالى عنه وهو يعلم أنه سبحانه منزه عن ذلك، ولا يعتقد في صفته تعالى ذلك لا تضره تلك الرؤيا بل يكون لها وجه من التأويل. قال الواسطي: من رأى ربه تعالى في المنام على صورة شيخ عاد تأويله إلى الرائي وهو إشارة إلى وقاره وقدر محله، وكذلك إذا رآه كأنه شخص ساكن يتولى أمره، ويكفي شأنه اهـ. كلام القشيري وهو لب التحقيق، وقد نشأ من التوفيق لأن كثيراً من الناس يرونه سبحانه في المنام، فلا ينبغي أن يفتي بمجرد قوله: إنه رأى الله تعالى بكفره، كما قاله بعض علمائنا لأنه ليس له في رؤية المنام اختيار ولذا لم يقع نص في النهي عن ذكر مثل ذلك، وإنما هو مكلف بأن لا يعتقد في ذاته تعالى ما يتعالى عن ذلك، فإذا نزهه سبحانه سواء علم تأويل رؤياه أو لم يعلم لم يضره. ففي قاضيخان لو قال: رأيت الله في المنام، قال ٤٢٦ كتاب الرؤيا الشيخ أبو منصور: الماتريدي، هذا الرجل شر من عابد الوثن قلت: وإنما يكون شراً منه لكونه يثبت لله تعالى ما لا يليق به من الكمية والكيفية في الهوية الألوهية الذاتية وصدور المكان ومرور الزمان وسائر الأحوال والصفات التنزيهية وقد يكون عابد الوثن خالياً عن ذلك فيكون كفره بمجرد الإشراك، ثم قال: وهذه مسألة اختلف فيها مشايخ بخارى وسمرقند، قال مشايخ سمرقند: رؤية الله تعالى في المنام باطل لا تكون لأن ما يرى في المنام لا يكون عين المولى بل خيال له، والله منزه عن ذلك قلت: وما أظن أن قول مشايخ بخارى: يكون على خلاف ذلك فيتحصل اتفاقهم على أن رؤياه على وجه ما رآه باطلة لا أنها من أصلها لأحقية ولا حقيقية لشأنها وعلى تقدير القول ببطلانها مطلقاً، فإذا قال الشخص رأيت مناماً ويكون باطلاً فما وجه تكفيره مع أنه في الجملة صادق في رؤياه ولم يكفر من يكذب ويفتري، وينسب إلى عينه ما لم تره هذا، وقد تقدم في أوّل الكتاب أنه ربَّ قال: رأيت ربي عزَّ وجلّ في أحسن صورة، وذكرنا توجيهاته على تقدير أن تكون الرؤية حال اليقظة، ومن جملة تأويلاته أنه مستند إلى رؤيا رآها رسول الله 18 في المنام، فإنه روى الطبراني بإسناده، عن مالك بن عامر عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، قال: احتبس علينا رسول الله وَله صلاة الغدوة حتى كادت الشمس تطلع فلما صلى الغدوة قال: إني صليت الليلة ما قضي لي، ووضعت جنبي في المسجد، فأتاني ربي في أحسن صورة. قال التوربشتي من أئمتنا. فعلى هذا لم يكن فيه إشكال إذ الرائي قد يرى غير المتشكل متشكلاً والمتشكل بغير شكله، ثم لم يعد ذلك خللاً في الرؤيا ولا في الرائي بل لأسباب أخر، ولولا تلك الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء إلى تعبير اهـ كلامه، وهو في غاية التحقيق وبالله التوفيق. ثم قال: وترك الكلام في هذه المسألة أحسن قلت: لا والله، بل التحقيق والتثبت فيها أفضل، بل هو المتعين لأنها كثيرة الوقوع فيحتاج إلى تفصيلها وتبيينها حتى لا يقع المفتي في تكفير مسلم، ولا مسلم في كفر من اعتقاد باطل، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. قال الطيبي: قول المازري وأبي حامد: من واد واحد، ويمكن أن يرجح قول الباقلاني بأن يقال: إن أثبت الروايات هي فقد رأى الحق فلا بد من تقدير ما يستقيم أن يقع الجزاء مسبباً من الشرط ويترتب على العلل المعللة، فالمعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت، فليستبشر، وليعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله تعالى وهي المبشرات لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب إلى الباطل الذي هو الشيطان، فإن الشيطان لم يتمثل بي، وكيف لا تكون مبشرات وهو البشير النذير والسراج المنير، وهو الرحمة المهداة إلى كافة الخلق، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء - ١٠٧] وعلى هذا أيضاً الرواية الأخرى فقد رآني الحق أي رؤية الحق لا الباطل، وكذا الرواية الأخرى فقد رآني، فإن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الكمال، والغاية أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها، كقوله: ((من كانت هجرته إلى الله فهجرته إلى الله)) ولا كمال أكمل من الحق كما لا نقص أنقص من الباطل، والباطل هو الكذب، ويؤيده حديث أبي هريرة رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة وما كان من النبوّة فإنه لا يكذب فحينئذ لا يفتقر إلى تلك التكلفات والتمحلات، ولا • ريموتـ ٢٠ م۔ كتاب الرؤيا ٤٢٧ ٤٦١٠ - (٥) وعن أبي قتادةَ، قال قال رسولُ الله وَّل: ((مَنْ رآني فقد رأى الحقَّ)). متفق عليه. ٤٦١١ - (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌ِّر: ((مَن رآني في المنام فسيراني في اليقظةٍ، ولا يتمثلُ الشيطانُ بي)). يكشف الأستار عن تلك الأسرار إلا من تدرب في علم المعاني واعتلى شامخ البيان، وعرف كيف يؤلف الكلام، ويصنف ويرتب النظام، ويرصف، قلت: هذا خطبة بليغة عظيمة فيها مبالغة جسيمة وسيمة لكن لا نعرف ما المراد من التكلفات والتمحلات وسائر ما عبر عنه بالأستار عن الأسرار المغيبات، فإنه ما سبق إلا كلام السابقين في ميدان البلاغة، والمصدرين في إيوان الفصاحة من الشارح الأوّل وهو العلم الأكمل الشيخ التوربشتي، ومن شارح مسلم وهو الإمام محيي الدين النووي المشتمل كلامه على نقل مقول ابن الباقلاني والمازري وكلام القاضي عياض وهم عمدة المحققين وزبدة المدققين، ثم ختم المبحث بقول حجة الإسلام والقشيري مقتدى الأنام فرحم الله من أنصف ولم يتجاوز قدره ولم يتعسف، ومع هذا نقول التسليم أسلم والله أعلم. ٤٦١٠ - (وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَتليفون: ((من رآني فقد رأى الحق))). المراد بالحق هنا ضد الباطل فما يتوهم من خلافه هو الباطل، والأظهر أن المراد بالحق هنا الصدق الذي ضده الكذب أي فقد صدقت رؤياه فإنه قد رآني لا غيري، ويدل عليه ما في رواية أخرى من قوله: ((فقد رآني الحق)) أي رؤية الحق أو معناه فقد رأى رؤيا الحق. (متفق عليه). وفي الجامع الصغير رواه أحمد والشيخان عنه بلفظ: ((من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يترآني))(١) . ٤٦١١ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَلير: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة))) أي في الدنيا أو في الآخرة، قال النووي: فيه أقوال: أحدها أن يراد به أهل عصره، ومعناه أن من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة، ورؤيته وَّل في اليقظة عياناً؛ وثانيها أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة لأنه يراه في الآخرة جميع أمته، وثالثها أنه يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته ونحو ذلك، ((ولا يتمثل الشيطان بي))). في شرح مسلم للنووي عن القاضي عياض قال بعضهم: خص الله الحديث رقم ٤٦١٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٨٣/١٢ الحديث رقم ٦٩٩٦، ومسلم في ١٧٧٦/٤ الحديث رقم ٢٥٧، والدارمي في ١٦٦/٢ الحديث رقم ٢١٤٠، وأحمد في المسند ٣٠٦/٥. (١) الجامع الصغير ٢/ ٥٢٧ الحديث رقم ٨١٩٠. الحديث رقم ٤٦١١: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٨٣/١٢ الحديث رقم ٦٩٩٣، ومسلم في ٤/ ١٧٧٥ الحديث رقم (٢٢٦٦/١١). ٤٢٨ کتاب الرؤيا متفق عليه . ٤٦١٢ - (٧) وعن أبي قتادةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الرُّؤيا الصالحةُ من اللَّهِ، والحُلُم من الشيطان؛ سبحانه وتعالى النبي وَّلتر ((بأن رؤية الناس إياه صحيحة، وكلها صدق، ومنع الشيطان أن يتصوّر في خلقته لئلا يكذب على لسانه في النوم))، كما أجرى الله سبحانه العادة للأنبياء بالمعجزة، فكما استحال أن يتصوّر الشيطان في صورته في اليقظة ولو وقع لاشتبه الحق بالباطل ولم يوثق بما جاء به مخافة من هذا التصوير فحماها الله تعالى من الشيطان ونزغه ووسوسته وإغوائه و کیده وكذا حمی رؤیاهم عنه بالنوم. (متفق عليه). وكذا رواه أبو داود. ٤٦١٢ - (وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: ((الرؤيا الصالحة من الله، والحلم))) بضم الحاء وسكون اللام ويضم ما يرى في المنام من الخيالات الفاسدة ((من الشيطان)) أضافها إليه لكونها على مراده. وفي النهاية: ((الحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء))، لكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والأمر القبيح. ومنه قوله تعالى: ﴿أضغاث أحلام﴾ [يوسف - ٤٠] ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر وتضم لام الحلم وتسكن اهـ؛ لكن ﴿أضغاث أحلام﴾ بمعنى أخلاطها حيث خلط بعض ما يدل على الخير ببعض ما يدل على الشر، فحينئذ يعجز عنه أكثر المعبرين الذين هم ليسوا بحاذقين بخلاف الحلم الخاص بالخير أو الشر، فإنه يدركه المعبر وقد يدركه غيره أيضاً كما هو مشاهد. ولذا قال المعبرون في زمن يوسف عليه السلام. ((وما نحن بتأويل الأحلام» أي تلك الأحلام بعالمين أو بتأويل الأحلام مطلقاً، فإن ما يتميز به المعبر من غيره هو هذا النوع من الأحلام، ولذا كاد أن يقرب تأويله إلى المعجزة أو الكرامة، ولذا منَّ الله سبحانه على يوسف بقوله: ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ [يوسف - ٦] وعمم هذه المنة على نبي هذه الأمة وَ﴾ بقوله عزَّ وجلّ: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ [النساء - ١١٣] زاده تبجيلاً وتكريماً وتشريفاً وتعظيماً، وسيأتي بعض تأويلاته والفر لبعض أحلامه أو أحلام بعض أعلام أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال النووي: الله سبحانه هو الخالق للرؤيا والحلم لكن جعل الرؤيا والاعتقادات التي هي أعلام على ما يسر بغير حضرة الشيطان محبوبة، وجعل ما هو علامة على ما يضر بحضرة الشيطان مكروهة، فتنسب إلى الشيطان مجازاً لحضوره عندها لا على أن الشيطان يفعل ما يشاء. وقيل: إضافة الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف، وإضافة المكروهة إلى الشيطان لأنه يرضاها ويسر بها، مے الحديث رقم ٤٦١٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٨/٦ الحديث رقم ٣٢٩٢، ومسلم في ٤/ ١٧٧٢ الحديث رقم (٤ - ٢٢٦١)، وأبو داود في السنن ٢٨٤/٥ الحديث رقم ٥٠٢١، والترمذي في ٤/ ٤٦٤ الحديث رقم ٢٢٧٧، وابن ماجه في ١٢٨٦/٢ الحديث رقم ٣٩٠٩، والدارمي في ٢/ ١٦٧ الحديث رقم ٢١٤١، ومالك في ٢/ ٩٥٧ الحديث رقم ٤ من كتاب الرؤيا وأحمد فى المسند ٣٠٩/٤. ٤٢٩ کتاب الرؤيا فإِذا رأى أحدُكم ما يُحبُّ فلا يحدِّثْ بهِ إِلاَّ من يحبُّ، وإِذا رأى ما يكرهُ فليتعوَّذْ باللَّهِ من شرّها ومن شرِّ الشيطانِ، ولْيَتَفُلْ ثلاثاً، ولا يُحدِّثْ بها أحداً، فإِنها لن تضرَّه)). متفق عليه. ٤٦١٣ - (٨) وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ لّ: ((إِذا رأى أحدُكم (فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدث) بضم المثلثة ويسكن أي فلا يحكي ولا يخبر به (إلا من يحب) أي من العلماء والصلحاء والأقرباء، ويحمده سبحانه على ذلك كما في رواية للبخاري ومسلم إذا رأى في منامه ما يحب فليحمد الله عليها وليحدث بها ولا يحدث بها إلا من يحب، (وإذا رأى ما يكره فليتعوّذ بالله) أي فلا يلتفت إلى غيره سبحانه، وليلتجىء إليه، وليستعذبه (من شرها) أي شر تلك الرؤيا الفاسدة، (ومن شر الشيطان) أي الذي يفرح بها ويلقي الوسوسة إلى صاحبها، (وليتفل) بضم الفاء، وقيل: بكسرها أي يبصق (عن يساره) كما في رواية وفي رواية لينفث ومعانيها متقاربة قال الجزري التفل شبيه بالبزق وهو أقل منه، فأوّله البزق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ اهـ. والمعنى ليبصق ماء فمه كراهة الرؤيا وتحقيراً للشيطان (ثلاثاً) للمبالغة، (ولا يحدث) بالجزم عطفاً على ليتفل أي ولا یخبر (بها أحداً) أي سواء ممن يحبه أو لا يحبه،· وفيه إشارة خفية إلى أن وقت النعمة ينبغي أن يرى أثر نعمته تعالى على عبده، ولذا قال تعالى: ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ [الضحى - ١١] وأما وقت البلية فينبغي أن يرجع العبد إلى مولاه وأن ينقطع عما سواه، ولذا قال تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ [النحل - ١٢٧] وقال يعقوب: ﴿إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف - ٨٦] وقد ورد في بعض الأدعية المأثورة اللهم لك الحمد وإليك المشتكى، وأنت المستعان ولا حول ولا قوّة إلا بك، (فإنها) أي الرؤيا المكروهة (لن تضره) أي حينئذ لأنه يعلم أن كل شيء من الحبيب حبيب وأن الله هو المحمود في كل أفعاله، فيحصل حينئذ الرضا بجميع أحواله. قال النووي: ومعنى لن تضره أنه تعالى جعل فعله من التعوّذ والتفل وغيره سبباً لسلامته من مكروه يترتب عليها، كما جعل الصدقة وقاية للمال وسبباً لدفع البلاء وقوله: لا يحدث بها أحداً أي حتى لا يفسرها أحد تفسيراً مكروهاً على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملاً، فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى. قال الطيبي: وسيجيء تمام البحث فيه في الحديث الأوّل من الفصل الثاني(١) قلت: وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله سبحانه. (متفق عليه). وفي الجامع الصغير رواه مسلم عن أبي قتادة ولفظه: ((الرؤيا الصالحة من الله والرؤيا السوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئاً فلينفث عن يساره وليتعوّذ بالله من الشيطان، فإنها لا تضره، ولا يخبر بها أحداً، فإن رأى رؤية حسنة فليبشر ولا يخبر بها إلا من يحب))(٢). ٤٦١٣ - (وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا رأى أحدكم (١) في المخطوطة (الثالث)) والصواب ((الثاني)). (٢) الجامع الصغير ٢٧٥/٢ الحديث رقم ٤٤٩٣. الحديث رقم ٤٦١٣: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٧٢/٤ الحديث رقم (٥ - ٢٢٦٢)، وأبو داود في السنن ٢٨٤/٥ الحديث رقم ٥٠٢٢، وابن ماجه في ٢٦٦/٢ الحديث رقم ٣٩٠٨. ٤٣٠ کتاب الرؤيا الرُّؤيا يكرهُها، فليَبصُقْ عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحوَّلْ عن جنبه الذي کان علیه)). رواه مسلم. ٤٦١٤ - (٩) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذا اقتربَ الزمانُ لم يكد يكذب رؤيا المؤمن، ورؤيا المؤمن جزءٌ من ستة وأربعينَ جزءاً الرؤيا يكرهها») صفة أو حال أو استئناف بيان («فليبصق))) بضم الصاد أي ليبزق ((عن يساره ثلاثاً)). قال النووي الأمر بالتفل والبصق طرد للشيطان الذي حضر رؤياه المكروهة، وتحقيراً له واستقذاراً لفعله، وخص بها اليسار لأنها محل الأقذار والمكروهات ونحوهما («وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحوّل عن جنبه الذي كان عليه))) أي إلى جنبه الآخر فراراً من القضاء إلى القدر. (رواه مسلم)؛ وكذا أبو داود والنسائي وابن ماجه. ٤٦١٤ - (وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَلقر: ((إذا اقترب الزمان لم يكد») أي لم يقرب ((يكذب))) بصيغة التذكير، وفي نسخة بالتأنيث ((رؤيا المؤمن))). قال صاحب الفائق: فيه ثلاثة أقاويل أحدها أنه أراد آخر الزمان واقتراب الساعة لأن الشيء إذا قل وتقاصر تقاربت أطرافه، ومنه قيل للمقتصد متقارب، ويقولون: تقاربت ابل فلان إذا قلت، ويعضده قوله وَلجر: ((في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب))، وثانيها أنه أراد به استواء الليل والنهار لزعم العابرين أن أصدق الأزمان لوقوع العبارة وقت انفتاق الأنوار وزمان إدراك الأثمار، وحينئذ يستوي الليل والنهار، وثالثها أنه من قوله وَليقول: ((يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة)»، قالوا: يريد به زمن خروج المهدي وبسط العدل وذلك زمان يستقصر لاستلذاذه، فيتقارب أطرافه، قلت: ويمكن أن يراد به زمن الدجال وأيام يأجوج ومأجوج، فإنه من كثرة التعب والآلام وعدم الشعور بأزمنة الليالي والأيام تتقارب أطرافه في الأعوام، وأيضاً يحتاج المؤمن حينئذ إلى ما يستدل به على مطلوبه، ويستأنس به في طريق محبوبه، فيعان له بجزء من أجزاء النبوّة وشعبة من شعب أرباب الولاية. هذا وقال الطيبي: اختلف في خبر كاد المنفي، والأظهر أنه يكون أيضاً منفياً لأن حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله والنافي لقرب حصول الشيء أدل على نفيه نفسه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ [النور - ٤٠] قلت: ولفظ الحديث على ما رواه الشيخان وابن ماجه عن أبي هريرة ((إذا قرب الزمان [لم تكدر] رؤيا الرجل المسلم تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثاً))، كذا في الجامع، ((ورؤيا المؤمن جزء من سنة وأربعين جزءاً الحديث رقم ٤٦١٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٠٤/١٢ الحديث رقم ٧٠١٧، ومسلم في ٤/ ١٧٧٣ الحديث رقم (٢ - ٢٦٩)، وأبو داود في السنن ٢٨٢/٥ الحديث رقم ٥٠١٩، والترمذي في ٤/ ٤٦٥ الحديث رقم ٢٢٨٠، وابن ماجه في ١٢٨٥/٢ الحديث رقم ٣٩٠٦ والدارمي في ١٦٧/٢ الحديث رقم ٢١٤٣، وأحمد فى المسند ٢٦٩/٢. *** 7 . ـوونا مجزية ٤٣١ کتاب الرؤيا من النبوَّةِ، وما كانَ من النبؤَّةِ فإِنَّه لا يكذَّبُ)). قال محمَّدُ بن سِيرين: وأنا أقولُ: الرُّؤيا ثلاث: حديثُ النفْسِ، وتخويفُ الشيطان، وبشرى من اللَّهِ، فمن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصّه على أحد، من النبوّة، وما كان من النبوة) أي من أجزائها (فإنه لا يكذب))) بفتح الياء وكسر الذال أي لا يكون كاذباً بل يقع صادقاً؛ وفي نسخة بصيغة المجهول من الأكذاب أي لا ينسب إلى الكذب. (قال محمد بن سيرين) وهو من أجلاء التابعين: (وأنا أقول: الرؤيا ثلاث)؛ كذا في البخاري وشرحه للخطابي. وفي رواية مسلم، وفي جامع الأصول، ونسخ المصابيح ثلاثة ذكره الطيبي؛ ولعل منشأ الخلاف كون المصدر يذكر ويؤنث (حديث النفس) كنسبة العاشق والمعشوق، ومنه قيل: ما ترى الهرة في نومها إلا الفأرة، ومن هذا القبيل ((كما تعيشون تموتون)) و((كما تموتون تحشرون)) و((كل إناء يترشح بما فيه))، (وتخويف الشيطان) أي بأن يكدر عليه وقته الصافي فيريه في النوم أنه قطع رأسه مثلاً (وبشرى من الله) أي إشارة إلى بشارة من الله تعالى للرائي أو المرئي له، في شرح السنة فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحاً ويجوز تعبيره، إنما الصحيح منها ما كان من الله تعالى يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها، وهي على أنواع قد تكون من فعل الشيطان يلعب بالإنسان أو يريه ما يحزنه، وله مكايد يحزن بها بني آدم كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا﴾ [المجادلة - ١٠] ومن لعب الشيطان به الاحتلام الذي يوجب الغسل فلا يكون له تأويل، قلت: إذا كان رؤيته على وجه شرعي قد يؤوّل له بالزواج على المرئية أو غيرها، قال: وقد يكون ذلك من حديث النفس كمن يكون في أمر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه، (فمن رأى شيئاً يكرهه)، الظاهر أن هذا من بقية كلام ابن سيرين والفاء فيه للتفريع والتفصيل، وفي مختصر الطيبي قوله: فمن تفصيل لما تقدم من أوّل الحديث، وتقسيم ابن سيرين واقع بينهما اهـ، وهو غير واقع في كلام الطيبي، بل غير واقع في محله ولا ثمة دلالة على مقوله، ثم رأيت ما يدل على أن قوله: الرؤيا ثلاث مرفوع، فالتقدير أنا أقول أي رواية الرؤيا ثلاث، ففي الجامع الصغير برواية ابن ماجه ثلاثة منها تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة أي فهي بشرى من الله. هذا ويحتمل أن هذا يكون مسموعاً لابن سيرين ولم يستحضره ممن رواه أو وقع له توارد، أو قال: هذا الكلام مصادفة وموافقة للحصر المذكور على الوجه المسطور، وسنذكر حديثاً آخر في شرح هذا الحديث يحصل به تمام المرام والله أعلم، (فلا يقصه) بتشديد الصاد المفتوحة، وفي نسخة بضمها، فالأول نص على أنه نهي والثاني يحتمل النهي والنفي لكنه بمعنى النهي(١) أي لا يحكيه (على أحد) يستوي فيه المحب وغيره، وقد جاء في رواية الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً ((إذا رأى دهم . 147 (١) في المخطوطة النفي. ع هدد ٣٠ ٤٣٢ کتاب الرؤيا وليقُم فليصلٌ. قال: وكانَ يكره الغُلَّ في النوم، ويعجبهم القيد. ويقال: القيدُ ثباتٌ في الدِّينِ. متفق عليه. ٤٦١٥ - (١٠) قال البخاريُّ: رواه قتادةُ ويونس وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرةَ. وقال يونس: لا أحسبُه إِلاَّ عن النبيِّ وَّ فِي القيد. وقال مسلمُ: لا أدري هو في الحديثِ أم قاله ابنُ سيرين؟. أحدكم الرؤيا الحسنة فليفسرها أو ليخبر بها، وإذا رأى الرؤيا القبيحة فلا يفسرها ولا يخبر بها)) (وليقم فليصل) يعني ليدفع الله الشيطان عنه ببركة قيامه وأداء صلاته، وهذا إذا كان نشيطاً وإلا فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحوّل عن جنبه الذي كان عليه كما سبق على أنه يمكن الجمع وهو الأولى، ثم اعلم أن الجزري ذكر في الحصن قوله: ((وليقم فليصل))، ورمز له البخاري وهو موهم أنه مرفوع. وقد صرح بعض المحققين بأن الأمر بالصلاة ليس بمرفوع في البخاري بل هو موقوف على محمد بن سيرين، نعم هو مرفوع في الترمذي من حديث أبي هريرة كما قاله الإمام النووي في الأذكار (قال:) أي محمد بن سيرين على ما جزم به بعض الشراح، ولعل وجه إعادة قال: طول الفصل بالمقال، (وكان يكره الغل في النوم ويعجبهم القيد). قيل: فاعل قال إن كان ابن سيرين كان ما بعده من الحديث، ويكون فاعل كان، ويكره ضمير النبي ول# أو ضمير أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وضميرهم في تعجبهم للنبي وَي وأصحابه أو لأبي هريرة وأمثاله، وإن كان فاعل قال ضمير الراوي عن ابن سيرين كان ما بعده منقولا عن ابن سيرين، وكان فاعل يكره ضميره، وضميرهم له ولا مثاله ومعاصريه من المعبرين قلت: ويؤيد الأخير إعادة قال، وكذا قوله: (ويقال: القيد ثبات في الدين.) أي ثبات قدم ورسوخ تمكين. (متفق عليه)، أي ذكر الحديث بكماله المشتمل على المرفوع والموقوف، البخاري ومسلم، لكن لهما تردد في آخر الحديث. ٤٦١٥ - (قال البخاري: رواه) أي الحديث مطلقاً أو بالقيد (قتادة ويونس وهشيم وأبو هلال) أي كلهم (عن ابن سيرين، عن أبي هريرة) أي مرفوعاً في أوّله، وموقوفاً في آخره؛ (وقال يونس:) أي أحد الرواة عن ابن سيرين (لا أحسبه) أي لا أظن الحديث (إلا عن النبي (* في القيد) أي في شأنه، قلت: وتعبيره بيقال مما يأبى أن يكون موقوفاً فضلاً عن أن يكون مرفوعاً. (وقال مسلم: لا أدري هو) أي القيد (في الحديث) أي مرفوع أو موقوف، (أم قاله ابن سيرين) أي من عنده، قلت: وهو الظاهر الذي لا ينبغي أن يشك فيه لما قدمناه، لا يقال كلام الشيخين ليس في قوله، ويقال: القيد، بل في قوله: ((ويعجبهم القيد)) لأنا نقول لو كان المراد هذا لما خص [بالقيد] لأن الغل كذلك هذا ولم يقل أحد من الشيخين أن فاعل قال راوي ابن سيرين، وقال الطيبي: وقوله: وكان يكره، محتمل أن يكون مقولاً لراوي ابن سيرين فيكون الحديث رقم ٤٦١٥: البخاري في صحيحه ٤٠٤/١٢ الحديث رقم ٧٠١٧، ومسلم في ٤/ ١٧٧٣ الحديث رقم (٤/ ٢٢٦١). ..... ٤٣٣ کتاب الرؤيا وفي روايةٍ نحوُه، وأدرجَ في الحديثِ قولَه: ((وأكره الغُلَّ ... )) إِلى تمامِ الكلامِ. اسم كان ضمير ابن سيرين، وأن يكون مقولاً لابن سيرين فاسمه ضمير الرسول وَّر أو إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقول مسلم: لا أدري، هو في الحديث أو قاله ابن سيرين معناه لا أدري إن قال مقول لراوي ابن سيرين فيكون قولاً لابن سيرين أو يكون مقولاً لابن سيرين، فيكون من الحديث إما عن الرسول و # أو عن أبي هريرة، واختار يونس أن يكون مقولاً لابن سيرين واسم كان لرسول الله والفر لقوله: ((لا أحسبه)) أي قال يونس في شأن القيد: لا أحسبه إلا عن النبي ◌ّير، وقوله: وأنا أقول: يشعر بالاختصاص ورفع التوهم إن هذا الخلال الثلاث من متن الحديث الذي أدرج فيه هذه الخلال من غير فصل، قلت: فيه بحث ظاهر؛ (وفي رواية) أي وفي رواية أخرى لهما أو لمسلم (نحوه) أي نحو الحديث المذكور في المعنى، (وأدرج) أي أدخل وأدمج (في الحديث) أي في هذه الرواية الأخرى (قوله: ((وأكره الغل)) إلى تمام الكلام)، فيكون أكره عطفاً على أقول، فيصير نصاً على أنه من جملة كلام ابن سيرين، وهذا هو الظاهر الصحيح، وبهذا التبيين يتضح ما في شرح السنة من رواية مسلم ورواه قتادة أيضاً عن ابن سيرين، وأدرج الكل في الحديث وقوله: ويقال القيد من أقوال المعبرين اهـ. وفي الجامع الصغير برواية الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً ولفظه ((الرؤيا ثلاث فبشرى من الله، وحديث النفس، وتخويف من الشيطان، فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها إن شاء، وإن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم يصلي))، وأكره الغل وأحب القيد والقيد ثبات في الدين(١). اهـ فتأمل، فإن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً، ولم يتضح حديث إلا بجمع ألفاظه ورواياته والله أعلم. وفي شرح مسلم للنووي قال العلماء: إنما أحب القيد لأنه في الرجلين وهو كف من المعاصي والشرور وأنواع الباطل قلت: وفيه إيماء أيضاً إلى اختيار الخلوة وترك الجلوة كما هو شأن أرباب العزلة من ترك الأقدام على الخروج بالأقدام، [وهو المعنى بقولهم: القيد ثبات في الدين]. قال: وأبغض الغل لأن موضعه العنق وهو صفة أهل النار، قال تعالى: ﴿إِذ الأغلال في أعناقهم﴾ [غافر - ٧١] قلت: وفيه إشارة أيضاً إلى أن الرقبة. مستثقلة بالذمة من حقوق الله وغيره، فهذا الاستثقال في الدنيا يورث الأغلال في الأخرى، ثم. رأيت بعض الشراح من علمائنا قال: وإنما يكره الغل في النوم لأن الغل تقييد العنق وتثقيله بتحمل الدين أو المظالم أو كونه محكوماً ورقيقاً متعلقاً بشيء، أو لأنه حق الكفار في النار. قال النووي: وأما أهل التعبير فقالوا: إذا رأى القيد في الرجلين وهو في مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة، فهو دليل لثباته في ذلك، ولو رآه مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروب كان دليلاً على ثباته فيه، قلت: بل هو إشارة إلى صبره وثبات قدمه بعدم الجزع والفزع والتردد إلى مخلوق مثله وبالقيام بما يجب عليه من حقوق الله وغيره؛ قال: وإذا انضم معه الغل دل على زيادة ما هو فيه من المكروه، قلت: بل له إشارة إلى وجوب تخليص ما في رقبته من قضاء الصلاة والتوبة عن السيئات وأداء ديون العباد واستحلال ما صدر منه في البلاد، (١) الجامع الصغير ٢/ ٢٧٥ الحديث رقم ٤٤٩٥. ٫٦٤٠ ٤٣٤ کتاب الرؤيا /٦/٣٠/١٢ ٤٦١٦ - (١١) وعن جابرٍ، قال: جاءَ رجلٌ إِلى النبيِّ وَّرِ فقال: رأيتُ في المنام كأنَّ رأسي قُطعَ. قال: فضحكَ النبيُّ وَِّ وقال: ((إِذا لعبَ الشيطانُ بأحدِكم في منامِه فلا يُحدِّثْ بهِ الناس)). رواه مسلم. والحاصل أن الرؤيا مختلفة باختلاف الرائى، فإنه قد يكون سالكاً من مسالك طريق الدنيا، وقد يكون سائراً في مسائر صراط العقبى، فلكل تأويل يليق به ويناسب بحاله ومقامه، وهذا أمر غير منضبط، ولذا لم يجعل السلف فيه تأليفاً مستقلاً جامعاً شاملاً كافلاً لأنواع الرؤيا، وإنما تكلموا في بعض ما وقع لهم من القضايا، ولذا لم تلق معبرين يكونان في تعبيرهما لشيء متفقين، قال: وأما إذا كانت اليدان مغلولتين في العنق فهو حسن، ودليل على فكهما من الشر، قلت: وما أبعد هذا التأويل، نعم قوله: وقد يدل على البخل هو الصواب لقوله تعالى: ﴿ولا تجعل إيدك مغلولة إلى عنقك﴾ [الإسراء - ٢٩] وهو يشمل الإمساك المالي والبخل الفعالي، فقوله: وقد يدل على منع ما نواه من الأفعال مستدرك في المآل، وله وجه آخر أن يؤوّل له بالعقوبة إن لم ينته عما فيه من المعصية كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم﴾ [المائدة - ٦٤] بناء على أنه إخبار عما سيقع لهم من الأغلال في الآخرة، ويدل على هذا القول قوله: وكان يكره الغل لأنه بعمومه يشمل ما إذا كانت اليدان معه أو بدونه(١) بل كونهما معه ينبغي أن يكون أشد كراهة، فكيف يكون حسناً. ٤٦١٦ - (وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّر فقال: رأيت في المنام كأن رأسي قطع، قال:) أي جابر؛ وهذا في نسخة، وفي أكثر النسخ بدون قال (فضحك النبي بَّ وقال: ((إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يحدث به الناس))) أي لأنه ربما يصير ضحكة فيحصل له الخجالة، قال النووي: يحتمل أنه وهو علم أن منامه هذا من الأضغاث بوحي أو بدلالة دلته على ذلك أو على أنه من المكروه الذي هو من تحريش الشيطان، قلت: الظاهر هو الأخير كما يدل عليه نفس الحديث، وأما المعبرون فإنهم يؤوّلون قطع الرأس بمفارقة ما هو فيه من النعم أي الدنيوية أو الأخروية، فلا شك أنه من الأمور المهولة، قال: أو مفارقة قومه وزوال سلطانه وتغيير حاله في جميع أموره، قلت: وهذا أيضاً زيادة تهويل لا سيما بالنسبة إلى الصحابي الذي رأسه ورئيسه سيد الخلق وَ لّ، قال: إلا أن يكون عبداً، فيدل على عتقه، أو مريضاً فعلى شفائه، أو مديوناً فعلى قضاء دينه، قلت: لا يخفى بعد دلالته على ما ذكر من الأشياء، وأبعد منه قوله: ((ومن لم يحج فعلى أنه يحج أو مغموماً فرجه أو خائفاً فعلى (أمنه)). (رواه مسلم)، وكذا ابن ماجه. (١) في المخطوطة ((لدونه)). الحديث رقم ٤٦١٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٧٧/٤ الحديث رقم (١٦ - ٢٢٦٨)، وابن ماجه في السنن ١٢٨٧/٢ الحديث رقم ٣٩١٢، وأحمد في المسند ٣/ ٣٥٠. ،٠۵۵ کتاب الرؤيا ٤٣٥ ٤٦١٧ - (١٢) وعن أنس، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((رأيتُ ذاتَ ليلةٍ فيما يرى النائِمُ كأنَّ في دارِ عُقبةَ بن رافع، فأوتِينا برُطَبٍ من رُطَب ابن طابٍ، فَأَوَّلتُ أنَّ الرِّفعةَ لنا في الدنيا، والعاقبةَ في الآخرةِ، وأنَّ ديننا قدْ طابَ)) رواه مسلم. ٤٦١٨ - (١٣) وعن أبي موسى، عن النبيِّ ◌َّر، قال: ((رأيتُ في المنامِ أني ٤٦١٧ - (وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم)») أي في جملة ما يراه النائم الصالح الرؤيا ((كأنا))) بتشديد النون يعني أنا وأصحابي ((في دار عقبة بن رافع فأوتينا))) أي جئنا ((برطب من رطب ابن طاب))) بالتنوين بناء على أن الطاب بمعنى الطيب على ما في القاموس، وفي نسخة بفتح الباء على عدم صرفه، ولعله رعاية لأصله، فإنه ماض مبني على الفتح، قيل: هو رجل من أهل البادية ينسب إليه نوع من التمر، وقال النووي: هو رجل من أهل المدينة؛ وفي القاموس وطيبة المدينة النبوية كطابه وعذق بن طاب نخل بها أو ابن طاب ضرب من الرطب ((فأوّلت أن الرفعة))) أي التي هي أصل رافع ((لنا في الدنيا») لقوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم﴾ [المجادلة - ١١] («والعاقبة))) أي المأخوذة من عقبة ((في الآخرة))) أي لنا لقوله تعالى: ﴿والعاقبة للتقوى﴾ [طه - ١٣٢] أي العاقبة الحسنة لاشتهارها فيها ((وأن ديننا)) أي مذوقنا المعنوي الذي يقال له: حلاوة الإيمان المشبه بالرطب (قد طاب))) أي كمل أحكامه وحسن زمانه وأيامه، قال المظهر: تأويله هكذا قانون قياس التعبير على ما يرى في المنام بالأسماء الحسنة كما أخذ العاقبة من لفظ عقبة، والرفعة من رافع، وطيب الدين من طاب اهـ. وحاصله أنه ◌َ ليو كان يحب الفأل الحسن ويكره التطير وإلا فالأسماء والألفاظ ذوات جهات من المعاني المختلفة، فبالنسبة إلى الأعداء يمكن أخذ العقوبة من عقبة، ورفعهم من رافع، وطاب موتهم من طاب، وجملة الأمر أن مسلك الرؤيا دقيق يحتاج إلى نوع توفيق، قال النووي(١): العقب والعقبى يختصان بالثواب نحو ﴿هو خير ثواباً وخير عقباً﴾ [الكهف - ٤٤] والعاقبة إطلاقها يختص بالثواب نحو ﴿والعاقبة للمتقين﴾ [الأعراف - ١٢٨] وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة نحو ﴿ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوء﴾ [الروم - ١٠] أي قلت: العاقبة في الآية ليست بمعنى العقوبة بل بمعنى عاقبة أمرهم ونهاية قولهم وفعلهم إن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون، نعم في قوله تعالى: ﴿فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل - ٥١] له وجه أن يكون بمعنى العقوبة والله أعلم. (رواه مسلم). ٤٦١٨ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي ◌ِّر، قال: ((رأيت في المنام أني الحديث رقم ٤٦١٧: أخرجه مسلم في صحيحه ١٧٧٩/٤ الحديث رقم (١٨ - ٢٢٧٠). (١) في المخطوطة ((الراغب)). الحديث رقم ٤٦١٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٦٢٧/٦ الحديث رقم ٣٦٢٢، ومسلم في ١٧٧٩/٢ الحديث رقم ١٧٧٩/٤٠، وابن ماجه في السنن ١٢٩٢/٢ الحديث رقم ٣٩٢١، والدارمي ٢/ ١٧٣ الحدیث رقم ٢١٥٨. ٤٣٦ کتاب الرؤيا أُهاجِرُ من مكةَ إِلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهبَ وهلي إِلى أنَّها اليمامةُ أو هجَر، فإِذا هيَ المدينةُ يثربُ. ورأيتُ في رُؤيايَ هذهِ: أني هززتُ سيفاً فانقطعَ صدرَه، فإذا هوَ ما أُصيبَ من المؤمنينَ يومَ أُحُدٍ . أهاجر من مكة إلى أرض بها))) أي في تلك الأرض ((نخل))) اسم جنس بمعنى نخيل ((فذهب وهلي))) بسكون الهاء ويفتح أي وهمي؛ قال شارح: هو بسكون الهاء، يقال: وهلت إليه بالفتح أهل بالكسر، وهلا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، والوهل بالتحريك الفزع؛ وفي القاموس وهل كفرح ضعف وفزع فهو وهل ككتف وعنه غلط فيه ونسيه، ووهل إلى الشيء يوهل بفتحهما، ويهل وهلا إذا ذهب وهمه إليه، والوهل الفزع، ولقيته أول وهلة ويحرك أول شيء، وقال العسقلاني: قال ابن التين: رويناه بفتح الهاء، والذي ذكره أهل اللغة سكونها، وضبطه الجزري بالتحريك بمعنى الوهم، وأما صاحب النهاية فجزم بالتسكين، والمعنى فمال خاطري أول وهلة ((إلى أنها اليمامة)))، ففي القاموس أن اليمامة القصد كاليمام وجارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، وبلاد الجو منسوبة إليها وسميت باسمها، وهي أكثر نخيلاً من سائر الحجاز وبها تنبأ مسيلمة الكذاب، وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ستة عشر مرحلة من البصرة، وعن الكوفة نحوها، والنسبة يمامي ((أو هجر))) بفتح الهاء والجيم وهو غير منصرف وقد ينصرف باعتبار البقعة والمكان والعلمية، ففي القاموس هجر محركة بلد باليمن مذكر مصروف وقد يؤنث ويمنع، واسم لجميع أرض البحرين، ومنه المثل كبضع ثمر إلى هجر، وقول عمر رضي الله تعالى عنه ((عجبت لتاجر هجر)) كأنه أراد لكثرة وبائه أو لركوب البحر، قال: وقرية كانت قرب المدينة ينسب إليها القلال ((فإذا هي))) أي تلك الأرض ((المدينة))) أي طيبة السكينة ((يثرب))) بدل أو عطف بيان. قال النووي: يثرب اسمها في الجاهلية، فسماها الله تعالى المدينة ورسول الله وَلخير طيبة وطابة، فقد جاء في الحديث النهي عن تسميتها بيثرب لكراهة لفظ التثريب، وسماها به في هذا الحديث، فقيل: يحتمل أن هذا قبل النهي، وقيل: إنه لبيان الجواز وأن النهي للتنزيه، وقيل: خوطب بها من يعرفها به ولهذا جمع بينه وبين اسمها الشرعي، قلت: وهذا هو الأظهر كما يدل عليه عطف البيان، فتدبر. وفي الجامع الصغير ناقلاً عن مسند الإمام أحمد بروايته عن البراء مرفوعاً من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله، هي طابة هي طابة)) (١) قلت: في تكراره مبالغة للرد عن النهي لكونه من شعار اليهود والمنافقين حيث قالوا في الأحزاب: يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا؛ وفي الحديث دلالة على أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام أيضاً قد تحتاج إلى التأويل، ((ورأيت في رؤياي هذه أني هززت))) بالزاءين أي حركت («سيفاً فانقطع صدره))) أي وسط السيف ((فإذا هو))) أي تأويله ((ما أصيب من المؤمنين))) أي بعضهم وهم من أوساطهم أو لكون المؤمنين أمة وسطاً، قال الطيبي: قوله: فإذا هو أصله، فإذا تأويله، فحذف المضاف الذي هو التأويل وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب الضمير المجرور مرفوعاً ((يوم أحد)) م٣٠٠ ٠١ (١) أحمد في المسند ٢٨٥/٤. ٤٣٧ کتاب الرؤيا ثمَّ هززتُه أخرى فعادَ أحسنَ ما كانَ، فإذا هوَ ما جاءَ اللَّهُ به من الفتحِ واجتماعِ المؤمنينَ)). متفق عليه . ٤٦١٩ - (١٤) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((بينا أنا نائمٌ أُتيت بخزائن الأرض، فوُضعَ في كفي سواران من ذهبٍ، فكُبرا عَليَّ، فأوحيَ إِليَّ أنِ انفخْهما، فنفختهما، فذهبا، فأوَّلتُهما ظرف أصيب ((ثم هززته أخرى فعاد))) أي السيف حال كونه ((أحسن ما كان))) بنزع الخافض أي مما كان، وما موصولة أو مصدرية، فالتقدير رجع إلى أحسن أكوانه ((فإذا هو))) أي تعبيره ((ما جاء به من الفتح))) أي فتح مكة أو صلح الحديبية لأنها مفتاح الفتح وهو أنسب لعطف قوله: ((واجتماع المؤمنين)))، فإنه وقع حين فتح مكة كما أشار إليه سبحانه بقوله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً﴾ [النصر - ١، ٢) قال النووي: وأما تفسيره * السيف فمطابق لما فسروا أن سيف الرجل أنصاره الذين يصول بهم كما يصول بسيفه، وقد يفسر في غير هذا بالولد أو بالعم أو الأخ أو الزوج، قلت: كل واحد منهم داخل تحت الأنصار، قال: وقد يدل على الولاية والوديعة وعلى يسار الرجل وصحته، قلت: هذه كلها من النصرة المعنوية، قال: وقد يدل على سلطان جائر وكل ذلك بحسب القرائن، قلت: وقد يدل على سلطان عادل لأن السيف ذو جهتين، ولذا قال الغزالي: القلم كالسيف يمكن أن يستعان به على الدين وعلى الدنيا، كما يقتل بالسيف المؤمن والكافر. (متفق عليه). ٤٦١٩ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلقال: بينا أنا نائم أتيت بخزائن الأرض) أي أتاني ملك بمفاتيح خزائن الأرض، وقال بعض الشراح: أي عرض عليّ الكنوز وأنواع الأموال، وقيل: أتى بالخزائن حقيقة إشارة إلى تملكه عليها بفتح البلاد عنوة ودعوة، قال النووي: أي ملكها وفتح بلادها وأخذ خزائن أموالها، وقد وقع ذلك كله ولله الحمد، (فوضع في كفي) بتشديد الفاء والياء المفتوحتين، وفي نسخة بكسر الفاء وسكون الياء، قال الطيبي: الظاهر التثنية ويدل عليه الرواية الأخرى في يدي، قال الشيخ محيي الدين: بتشديد الياء على التثنية (سواران) بكسر السين أي قلبان (من ذهب، فكبرا) بضم الموحدة أي ثقلاً (عليّ) أي لكراهة نفسي إليهما (فأوحي إليّ) بصيغة المجهول أي فألهمني الله في النوم (أن أنفخهما) بضم الفاء وسكون الخاء المعجمة، وأن هي مفسرة لما في الوحي من معنى القول، وعليه كلام القاضي وغيره، وجوّز الطيبي أن تكون ناصبة والجار محذوف، والنفخ بالخاء المعجمة على ما صححه النووي، يقال: نفخته ونفخت فيه، (فنفختهما، فذهبا، فأوّلتهما الحديث رقم ٤٦١٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٨٩/٨ الحديث رقم ٤٣٧٥، ومسلم في ٤ / ١٧٨١ الحديث رقم (٢٢ - ٢٢٧٤)، والترمذي في ٤/ ٤٧٠ الحديث رقم ٢٢٩٢، وابن ماجه في ٢/ ١٢٩٣ الحديث رقم ٣٩٢٢ وأحمد فى المسند ٣١٩/٢. .: "2 ٠٠٠ ٢٠٠,٠٠٠ جميع کتاب الرؤيا ٤٣٨ الكذَّابيْنِ اللذَيْن أنا بينَهما: صاحبَ صنعاءَ وصاحبَ اليمامةِ)). متفق عليه. وفي رواية: (يُقال لأحدِهما مسيلمة صاحبُ اليمامةِ، والعَنَسيّ صاحبُ صنعاءَ)) لم أجدْ هذهِ الرواية في ((الصَّحيحينِ))، وذكرها صاحبُ ((الجامع)) عن الترمذي. ٤٦٢٠ - (١٥) وعن أُمّ العلاءِ الأنصاريَّةِ، قالت: رأيتُ لعثمانَ بن الكذابين للذين أنا بينهما) يعني باعتبار المكان (صاحب صنعاء وصاحب اليمامة) بنصبهما على البدلية أو بتقدير أعنى، وجوّز رفعهما على أنهما خبر مبتدأ محذوف هو هما. قال التوربشتي: نبه بالنفخ على استحقار شأن الكذابين وعلى أنهما يمحقان بأدنى ما يصيبهما من بأس الله حتى يصيرا كالشيء الذي ينفخ فيطير في الهواء قال: ألم يجر التفرق آل كسرى ونفخوا في مدائنهم فطاروا أراد نفخوا فخفف، وفي شرح السنة: ((من رأى عليه سوارين من ذهب أصابه ضيق في ذات يده، فإن كان من فضة فهو خير من الذهب، وليس يصلح للرجال في المنام من الحلي شيء إلا القلادة والتاج والعقد والقرط والخاتم، وأما النساء فالحلي كله زينة لهن، والدراهم خير في الجملة من الدنانير أي لأن الفضة بعضها حلال على الرجال بخلاف الذهب، قال القاضي: وجه تأويل السوارين بالكذابين المذكورين، والعلم عند الله تعالى ((إن السوار يشبه قيد اليد، والقيد فيها يمنعها عن البطش ويكفها عن الاعتمال، والتصرف على ما ينبغي، فيشابه من يقوم بمعارضته ويأخذ بيده، فيصده عن أمره))، وصنعاء بلدة باليمن وصاحبها الأسود العنسي تنبأ بها في آخر عهد الرسول وَل فقتله فيروز الديلمي في مرض وفاة الرسول عليه السلام، فقال صلوات الله عليه وسلم: ((فاز فيروز))، واليمامة تقدمت، وصاحبها مسيلمة قتله الوحشي قاتل حمزة في خلافة الصديق رضي الله عنه اهـ. وقيل: لما قتله وحشي قال: ((قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام)). (وفي رواية) أي للترمذي (يقال: أحدهما مسيلمة صاحب اليمامة والعنسي) أي وثانيهما الأسود العنسي (صاحب صنعاء)، وفي القاموس عنس لقب زيد ابن مالك بن داود أبو قبيلة من اليمن اهـ؛ هكذا ذكره صاحب المصابيح بإطلاق رواية، وهي موهمة أنها من رواية الشيخين أو أحدهما، والحال أنها ليست كذلك، ولذا قال المصنف معترضاً عليه: (لم أجد هذه الرواية في الصحيحين، وذكرها صاحب الجامع) أي جامع الأصول (عن الترمذي)، وقد تقدم الاعتذار عن هذا الاعتراض بأن التزامه في الصحاح أن يكون حديث الشيخين أو أحدهما إنما هو في أصول الباب لا فيما يعتضد به من رواية الكتاب والله أعلم بالصواب(١). ٤٦٢٠ - (وعن أم العلاء الأنصارية) قال المؤلف: من المبايعات، روى عنها خارجة بن زيد بن ثابت وهي أمه، وكان رسول الله وَ لقر يعودها في مرضها (قالت: رأيت لعثمان بن (١) في الصحيحين نحوه عند ابن عباس راجع التخريج. الحديث رقم ٤٦٢٠: أخرجه البخاري فى صحيحه ٤١٠/١٢ الحديث رقم ٧٠١٨. ٤٣٩ کتاب الرؤيا مظعون في النوم عِيناً تجري، فقصصتُها على رسولِ الله وَلّ، فقال: ((ذلكَ عملُه يجري له». رواه البخاري. ٤٦٢١ - (١٦) وعن سُمرةً بنِ جُندب، قال: كانَ النبيُّ وَلَهَ إِذا صلَّى أقبلَ علينا بوجهِه، فقال: ((مَن رأى منكم الليلةَ رؤيا؟)) قال: فإِنْ رأى أحدٌ قصَّها، فيقولُ ما شاءَ الله. فسألَنا يوماً فقال: ((هلْ رأى منكم أحدٌ رؤياً؟)) قلنا: لا. قال: ((لكني رأيتُ الليلةَ مظعون) الحديث مختصر، وصدره أنها قالت: هاجر عثمان إلى المدينة فنزل في مسكن لنا ثم مرض ومات، فقلت: رحمك الله أبا السائب شهادتي أن قد أكرمك الله، فقال رسول الله والر : ((وما يدريك بإكرامه؟ فإني والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم؟ ثم قالت: رأيت لعثمان بن مظعون وهو من أولاد كعب بن لؤي الجمحي القرشي أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً وهاجر الهجرتين وشهد بدراً ومات بعد ثلاثين شهراً من الهجرة، وقبل النبي وَّر وجهه بعد موته، وهو أوّل من مات من المهاجرين بالمدينة، ولما دفن قال ◌َّر: نعم السلف وهو لنا، ودفن بالبقيع، وكان عابداً مجتهداً من فضلاء الصحابة، روى عنه ابنه السائب وأخوه قدامة بن مظعون (في النوم) أي في المنام (عيناً) أي عين ماء (تجري) أي يجري ماؤها، ونسبة الجري إلى العين مجاز فيه مبالغة، (فقصصتها على رسول الله ◌َله فقال: ذلك) بكسر الكاف (عمله) أي ثواب عمله وجزاء أمله (يجري له) بصيغة المجهول، وفي نسخة على بناء الفاعل أي يصل إليه ثواب عمله الصالح بعد موته إلى يوم القيامة لأنه كان مرابطاً مهاجراً، ومن مات مرابطاً ينمي له عمله إلى يوم القيامة، ففي حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن فضالة ابن عبيد مرفوعاً: ((كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة)). قال الطيبي: وإنما كان الماء معبراً بالعمل، وجريانه بجريانه لأن العمل مسبب عن العلم. (رواه البخاري). ٤٦٢١ - (وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه) مر ذكره. (قال: كان النبي وَلو إذا صلى) أي صلاة الصبح وفرغ من أوراده (أقبل علينا بوجهه فقال: ((من رأى منكم الليلة رؤيا)))؟ على وزن فعلى بلا تنوين، ويجوز تنوينه كما قرىء به في الشاذة أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله، وكذا روي منوناً قوله في الحديث: ومن كانت هجرته لدنيا (١) (قال:) أي الراوي (فإن رأى أحد) أي رؤيا صالحة (قصها فيقول:) أي النبي ◌َ ﴿ في تعبيرها (ما شاء الله) أي مما يلهمه في جنانه ويجريه على لسانه، (فسألنا) أي هو (يوماً) أي صباح يوم (فقال: ((هل رأى أحد منكم رؤيا))) يعني على عادته ◌َّ في هذا السؤال (قلنا: لا) أما صريحاً أو سكوتاً (قال: لكني رأيت الليلة)؛ قال الطيبي: الحديث رقم ٤٦٢١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٥١/٣ الحديث رقم ١٣٨٦ وأحمد في المسند ١٤/٥. (١) أخرجه البخاري في صحيحه ٤٤٦/٦ الحديث رقم ٣٤١١، ومسلم في ١٨٨٦/٤ الحديث رقم (٧٠. - ٢٤٣١). RPOY ٤٤٠ کتاب الرؤيا رجلينٍ أتيَاني، فأخذ بيديّ، فأخْرَجاني إِلى أرضٍ مقدَّسةٍ، فإِذا رجلٌ جالسٌ ورجلٌ قائمٌ بيده كلُّوبٌ منْ حديدٍ، يدخلُه في شدقه، فيشقه حتى يبلغَ قفاهُ، ثمَّ يفعلُ بشدقِهِ الآخرِ مثلَ ذلكَ، ويلتمُ شدقه هذا، فيعودُ فيصنع مثله. قلتُ: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا، حتى أتينا على رجلٍ مضطجعٍ على قفاه، ورجلٌ قائمٌ على رأسه بفهرٍ أو صخرة يشدخُ بها رأسَه، فإِذا ضربَه تَدهدَه الحجرُ، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجعُ إِلى هذا حتى يلتئمّ رأسُه، وعادَ رأسُه كما كانَ، فعاد إِليهِ فضربه، فقلتُ: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا، حتى أتينا إِلى ثقب فإن قلت ما معنى الاستدراك قلت: كان رسول الله و # يهمه أن يرى أحد رؤيا يقصها، فلما سألهم ولم يحصل منهم تلك قال: أنتم ما رأيتم ما يهمني، لكني رأيت الليلة (رجلين) أي شخصين على صورة رجلين (إتياني فأخذا بيدي) بتشديد الياء (فأخرجاني إلى أرض) بالتنوين (مقدسة) أي مطهرة مطيبة، قيل: هي أرض الشام، (فإذا رجل جالس ورجل) أي وهناك رجل (قائم بيده كلوب) بفتح الكاف وتشديد اللام المضمومة، وقد يقال له: الكلاب أيضاً حديدة معوجة الرأس يتعلق بالشيء مع شدة، فيجذب به. فقوله: (من حديد) للتجريد، وقيل: للتأكيد (يدخله) أي الرجل القائم ذلك الكلوب (في شدقه) أي في جانب فم الرجل الجالس، قال شارح: هو بكسر الشين المعجمة وسكون الدال المهملة طرف شفته من جانب الاذن، (فيشقه) أي يقطعه (حتى يبلغ) أي يصل قطعه (قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم) أي يبرأ (شدقه هذا) أي المشقوق، والظاهر أن يقال: هذاك، ولعله أراد هذا الثاني أي يلتئم شدقه هذا، أو وقع هذا مقام ذلك في أن المراد به المذكور من الشدقين، (فيعود) أي الرجل القائم (فيصنع مثله) أي فيصنع بالرجل الجالس مثل صنعه الأوّل (قلت: ما هذا) أي الذي رأيناه (قال: انطلق) أي اذهب ولا تسأل (فانطلقنا) أي جميعنا (حتى أتينا) أي مررنا (على رجل مضطجع على قفاه ورجل) بالرفع أي وهناك رجل (قائم)، وفي نسخة السيد بجرهما، وكذا في نسخة مقروءة على الجزري عطفاً على رجل أي وعلى رجل قائم (على رأسه) أي رأس الرجل المضطجع (بفهر) بكسر الفاء وسكون الهاء أي آخذ بحجر ملء الكف على ما في النهاية، وقيل: هو الحجر مطلقاً (أو صخرة) وهي الحجر العظيم، قيل: أو للشك، ويحتمل التنويع أي تارة وتارة (يشدخ) بفتح الدال المهملة أي يكسر ويدق (به) أي بذلك الحجر، والباء للاستعانة (رأسه فإذا ضربه) أي بالحجر على رأسه (تدهده الحجر) أي تدحرج، (فانطلق إليه) أي فذهب الرجل إلى ذلك الحجر ليأخذه (فلا يرجع إلی هذا) أي المضطجع (حتی یلتثم رأسه) أي شدخه (وعاد رأسه کما کان) أي رجع مثل ما کان أوّلاً، وهذه الجملة تأكيد لما قبلها، (فعاد إليه) أي فرجع متوجهاً إليه، (فضربه) أي فشدخه ثانياً (فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق فانطلقنا حتى أتينا) أي جئنا (إلى ثقب) بفتح مثلثة وسكون قاف، وفي نسخة بنون مفتوحة في أوّله، وهو الموافق لما في المصابيح، ومؤادهما واحد، ففي القاموس الثقب النقب، وقال صاحب المغرب: الثقب الخرق النافذ، والثقبة بالضم مثله، وإنما يقال: هذا فيما يقل ويصغر، وأما نقب الحائط ونحوه بالنون، فذلك فيما يعظم هذا، وفي نسخة ٧٤٠ ٩:٠ / ٧٥٠٠ /١٥٠٠١