النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١
كتاب الجهاد
على القاتلِ فَيُستَشهَدُ)). متفق عليه.
٣٨٠٨ - (٢٢) وعن سهل بنِ حُنَيْفٍ، قال: قالَ رسول اللهِ وَليِ: ((من سألَ اللَّهَ
الشهادةَ بصدقٍ؛ بلَّغَهُ اللَّهُ منازلَ الشهداءِ، وإِنْ ماتَ على فراشه)). رواه مسلم.
٣٨٠٩ - (٢٣) وعن أنس، أنَّ الرُبَيِّع بنتِ البَراءِ، وهي أُمُّ حارثةَ بنِ سُراقة، أتَتِ
النبيَّ ◌ََّ، فقالت: يا رسولَ اللهِ! ألا تحدّثُني عن حارثةَ، وكانَ قُتلَ يومَ بدرٍ، أصابَه سهْمٌ
غزبٌ
على القاتل) أي الكافر بأن يوفقه للإيمان فيؤمن (فيستشهد) أي فيقتل شهيداً، فيرحمه بفضله
لأنه مات سعيداً. قال الطيبي: عدى يضحك بإلى لتضمنه معنى الانبساط والإقبال، مأخوذ من
قولهم: ضحكت إلى فلان إذا انبسطت إليه وتوجهت إليه بوجه طلق وأنت راض عنه، وقال
النووي: ويحتمل أن يراد ضحك ملائكة الله تعالى المتوجهين لقبض روحه، كما يقال: قتل
السلطان فلاناً إذا أمر بقتله، اهـ وقيل: هو من الصفات المتشابهات ينزه عن التشبيه ويوكل علمه
إليه سبحانه. (متفق عليه)، رواه النسائي.
٣٨٠٨ - (وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه) بضم حاء مهملة وفتح نون وسكون تحتية
ففاء، وتقدم ذكره (قال: قال رسول الله وَلقر: ((من سأل الله الشهادة بصدق))) أي بإخلاص (بلغه)
بتشديد اللام أي أوصله (الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) بكسر أوّله أي ولو مات غير
شهيد، فهو في حكم الشهداء، وله ثوابهم. (رواه مسلم)، وكذا الأربعة.
٣٨٠٩ - (وعن أنس رضي الله عنه أن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد التحتية
المكسورة صحابية وهي عمة أنس بن مالك (بنت البراء) أي ابن عازب صحابيان مشهوران
(وهي) أي الربيع (أم حارثة بن سراقة) بضم أوّله، قال المصنف: ((شهد بدراً، وقتل فيها
شهيداً»، وهو أول من قتل شهيداً من الأنصار يومئذ، وقد جاء في صحيح البخاري أن [اسمها]
أم الربيع، والذي في كتب أسماء الصحابة أنها الربيع وهو الصحيح. (أتت النبي ◌َّر فقالت: يا
نبي الله ألا تحدثني عن حارثة) أي عن حاله ومآله (وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب) يجوز
بالإضافة والصفة وبسكون الراء وفتحها أي لا يدري راميه، وقيل: بالسكون إذا أتاه من حيث
لا يدري راميه، وبالفتح إذا رماه فأصاب غيره كذا في النهاية. وقيل: بالوصف إذا لم يعرف
الحديث رقم ٣٨٠٨: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥١٧/٣ الحديث رقم (١٥٧ - ١٩٠٩)، وأبو داود في
السنن ١٧٩/٢ الحديث رقم ١٥٢٠، والترمذي في ١٥٧/٤ الحديث رقم ١٦٥٣، والنسائي في
٣٧/٦، الحديث رقم ٣١٦٢، وابن ماجه في ٩٣٥/٢ الحديث رقم ٢٧٩٧، والدارمي في ٢/
٢٧٠ الحديث رقم ٢٤٠٧.
الحديث رقم ٣٨٠٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٥/٦ الحديث رقم ٢٨٠٩ والترمذي في السنن ٥٪
٣٠٦ الحديث رقم ٣١٧٤، وأحمد في المسند ١٢٤/٣.
امهد
٣٤٢
٠ ٠٫٢٠
كتاب الجهاد
فإِنْ كانَ في الجنَّةِ صَبَرْتُ، وإِنْ كانَ غيرَ ذلكَ اجتهَدْتُ عليه في البُكاءِ. فقال: ((يا أُمَّ
حارِثةَ! إِنَّها جِنانٌ في الجنَّةِ، وإِنَّ ابنكِ أصابَ الفِردَوْسَ الأعْلى)). رواه البخاريُّ.
٣٨١٠ - (٢٤) وعنه، قال: انطلَقَ رسولُ اللهِ وَ لَه وأصحابُه حتى سبقوا المشركينَ إِلى
بذْرٍ، وجاءَ المشركونَ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قُوموا إِلى جَنَّةٍ عزْضُها السَّماواتُ والأرضُ)).
قال عُمَيرُ بنُ الحُمامِ : بَخٍ بَخٍ!
راميه، وبالإضافة هو المتخذ من شجر الغرب، (فإن كان) أي حارثة (في الجنة صبرت) أي عن
إظهار البكاء شكراً لما أنعم عليه (وإن كان غير ذلك) بالرفع. وفي نسخة بالنصب على أن كان
تامة أو ناقصة (اجتهدت عليه) أي على حارثة (في البكاء) أي كما هو دأب النساء (فقال: يا أم
حارثة أنها) قال الطيبي: هو ضمير مبهم يفسره ما بعده من الخير، كقولهم: هي العرب تقول
ما شاءت، أو الضمير للقصة، والجملة بعدها خبرها أو هي (جنان في الجنة)، والتنوين
للتعظيم، والمراد بها درجات فيها لما ورد: ((إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما
بين السماء والأرض والفردوس أعلاها))(١) وهذا معنى قوله: ((وإن ابنك أصاب الفردوس
الأعلى)) رواه البخاري).
٣٣٤,٢
٣٨١٠ - (وعنه) أي عن أنس رضي الله عنه (قال: انطلق رسول الله وَل﴿ وأصحابه) أي
ذهبوا من المدينة (حتى سبقوا المشركين إلى بدر) والمعنى أنهم نزلوا بدراً قبل الكفار؛ قال
الطيبي: بدر موضع يذكر ويؤنث وهو اسم ماء. قال الشعبي: بئر بدر كانت لرجل يدعى بدراً،
ومنه يوم بدر (وجاء المشركون) أي بعد المسلمين وتصافوا، (فقال رسول الله وَليقول: ((قوموا إلى
جنة))) أي إلى عمل هو سبب دخولها، أو أريد به المبالغة، كما ورد ((الجنة تحت ظلال
السيوف» رواه الحاكم عن أبي موسى، (عرضها السموات والأرض) تشبيه بليغ أي كعرض
السماء والأرض كما في آية أخرى؛ قال الطيبي؛ عدى القيام بإلى الإرادة معنى المسارعة، كما
في قوله تعالى: ﴿سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة﴾ [آل عمران - ١٣٣] ووصف الجنة
بالعرض مبالغة عرفاً، وتخصيص العرض بها دون الطول دلالة على أن العرض إذا كان كذلك
فما بال الطول. (قال عمير): بالتصغير، (ابن الحمام) بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم،
وهو ابن الأجدع الأنصاري أحد بني سلمة قيل: إنه أول من قتل من الأنصار في الإسلام قتله
خالد بن الأعلم (بخ بخ) بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة، وفي نسخة بالتنوين في
الكلمتين، وهي كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء، وتكرر للمبالغة، وهي مبنية فإن وصلت
جررت ونونت فقلت: بخ بخ، وربما شددت. وأصحاب الحديث يروونها بالسكون وقفاً
ووصلاً، كذا ذكره بعضهم: وفي القاموس: بخ أي عظم الأمر تقال وحدها ويكرر بخ بخ،
(١) أخرجه الترمذي في السنن الحديث ٢٥٣١، وقد سبق ذكره.
الحديث رقم ٣٨١٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٠٩/٣ الحديث رقم (١٤٥ - ١٩٠١) وأحمد في
المسند ١٣٧/٣.
دمظة حاجة /هـ
٣٤٣
كتاب الجهاد
فقال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((ما يُحمِلُكَ على قولِكَ: بَخْ بَخ؟)) قال: لا والله يا رسولَ اللَّهِ! إِلا
رجاءَ أنْ أكونَ منْ أهلِها. قال: ((فإِنَّكَ من أهلِها)» قال: فأخرَجَ تَمراتٍ منْ قَرَنِه، فجعلَ
يأكلُ منهُنَّ. ثمَّ قال: لئن أنا حَبِيتُ حتى آكُلَ تمراتي إِنَّها لحَياةٌ طويلَةٌ قال: فرَمى بما كانَ
معَه من الثَّمرِ، ثم قاتلَهم حتى قُتلَ رواه مسلم.
الأول منون، والثاني مسكن. ويقال: ((بخ بخ)) مسكنين ومنوّنين ومشددين، كلمة تقال: عند
الرضا والإعجاب بالشيء أو المدح أو الفخر (فقال رسول الله وي: ما يحملك) أي ما باعثك
(على قولك: ((بخ بخ) قال: لا والله يا رسول الله)، قال بعضهم: فهم عمير أنه يَّ توهم أن
ذلك صدر عنه من غير نية، ورواية شبيهاً بقول: من سلك مسلك الهزل والمزاح، فنفي عمير
عن نفسه ذلك بقوله: ((لا والله يا رسول الله)) (ما قلت: ذلك إلا رجاء) بترك التنوين، وفي
نسخة [بالتنوين، وفي نسخة] رجاءة بالتاء، قال النووي في شرح مسلم: قوله: إلا رجاءة، في
أكثر النسخ المعتمدة بالمد ونصب التاء، وفي بعضها رجاء بلا تنوين، وفي بعضها بالتنوين
ممدود أن بحذف التاء، وكلها صحيح معروف، والمعنى إلا لطمع (أن أكون من أهلها) أي من
أهل الجنة، فالاستثناء من مقدر، وقيل: الأولى أنه ﴿ لما قال: ((قوموا إلى الجنة ببذل
الأرواح)) قال عمير: ((بخ بخ)) تعظيماً للأمر وتفخيماً له. فقال عليه السلام: ((ما حملك على
هذا التعظيم أخوفاً قلت هذا أم رجاء؟ فقال: لا بل رجاء أن أكون من أهلها)» (قال): أي رسول
الله ◌َله: (فإنك من أهلها) خبر أو دعاء، (قال): أي الراوي (فاخرج تمرات) بفتحات، وفي
نسخة تميرات بالتصغير للتقليل (من قرنه) بقاف وراء مفتوحتين جعبة النشاب (فجعل) أي شرع
(يأكل منهن) تقوية للبدن على الجهاد (ثم قال): أي في أثناء أكلهن (لئن أنا حبيت) بفتح فكسر
أي عشت، واللام موطئة للقسم وأن شرطية، وأنا فاعل فعل مضمر يفسره ما بعده (حتى آكل
ثمراتي) أي جميعها (إنها لحياة طويلة) يعني والأمر أسرع من ذلك شوقاً إلى الشهادة وذوقاً إلى
الشهود، وهي جواب القسم، واكتفى به عن جواب الشرط (قال): أي الراوي (فرمى بما كان
معه) الباء زائدة لتقوية التعدية أي طرح جميع ما كان معه (من التمر ثم قاتلهم حتى قتل) قال
الطيبي: ويمكن أن يذهب إلى مذهب أصحاب المعاني فيقال إن الضمير المنفصل قدم
للاختصاص وهو على منوال قوله تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون﴾ [الإسراء - ١٠٠] فكأنه وجد
نفسه مختارة للحياة على الشهادة، فأنكر عليها ذلك الإنكار، وإنما قال ذلك: استبطاء للانتداب
بما ندب به من قوله صل9: ((قوموا إلى جنة)) أي سارعوا إليها، ومما ارتجز به عمير يومئذ قوله:
إلا التقى وعمل المعاد
ركضا إلى الله بغير زاد
فكل زاد عرضة النفاد
والصبر في الله على الجهاد
غير التقى والبر والرشاد
أي اركض ركضاً وأسرع إسراعاً مثل إسراع الخيل، وركضه خفف في القول كما خفف
في الأكل مبادرة إلى ما انتدب إليه رضي الله عنه، وأقبل عليه (رواه مسلم).
.206
لجن.
٠٠٠٠٠
٣٤٤
کتاب الجهاد
٣٨١١ - (٢٥) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((ما تَعُدُّونَ الشَّهيدَ
فيكم؟)) قالوا: يا رسولَ الله! مَنْ قُتلَ في سبيل الله فهُوَ شهيدٌ. قال: ((إِنَّ شُهداءَ أُمَّتي إِذا
لقَليلٌ: مَنْ قُتلَ في سبيلِ اللَّهِ فهوَ شهيدٌ، ومنْ ماتَ في سبيلِ اللَّهِ فهوَ شهيدٌ، ومنْ ماتَ في
الطاعونِ فهوَ شهيدٌ، ومنْ ماتَ في البَطنِ فهوَ شهيدٌ)).
٠٥٠/١١/٤/١٢٠
٣٨١١ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ما تعدون) بتشديد
الدال أي ما تحسبون (الشهيد فيكم) قيل: عد ملحق بظن معنى، وعملاً على ما قال ابن
الملك: فالشهيد مفعول أول، وما استفهامية مفعول ثان، والمراد السؤال عن الوصف أي بأي
وصف تنال مرتبة الشهادة، وقال التوربشتي: ما استفهامية، ويسأل بكلمة ما عن جنس ذات
الشيء ونوعه، وعن صفات جنس الشيء ونوعه، وقد يسأل بها عن الأشخاص الناطقين، ولما
كانت حقيقة الاستفهام هنا السؤال عن الحالة التي ينال بها المؤمن رتبة الشهادة استفهم عنها
بكلمة ما، لتكون أدل على وصفها وعلى المعنى المراد منها، ثم إنها مع ذلك لما كانت تسد
مسد من (قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد) وقال الطيبي: ما هنا سؤال عن
وصف من له كرامة وقرب عند الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم﴾ [الحديد -
١٩] فيشمل على ما ذكره صلوات الله عليه من قوله: زمن قتل في سبيل الله)) الخ فلما لم يطابق
جوابهم سؤاله عليه السلام (قال) رداً عليهم: (إن شهداء أمتي إذا لقليل)، وكان يكفي على
ظنهم أن يقولوا: من قتل في سبيل الله فاطنبوا، أو اتوا في الخبر بالفاء دلالة على أن صلة
الموصول علة للخبر، فحصوا ما أريد العموم فيه، والأظهر أنه كان السؤال عن أصناف الشهيد
الشامل للحقيقي والحكمي كما يشير إليه لفظة تعدون، فلما حصروه في الحقيقي قال: إن
شهداء أمتي إذا القليل (من قتل في سبيل الله فهو شهيد) أي حقيقة لا شبهة فيه، (ومن مات في
سبيل الله فهو شهيد) أي أيضاً لكن حكماً لقوله تعالى: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله
ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ [النساء - ١٠٠] وأيضاً ﴿إنما الأعمال
بالنيات﴾(١) ((ونية المؤمن خير من عمله))، وقد سبق حديث من سأل الله الشهادة بصدق بلغة
الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه (ومن مات في الطاعون فهو شهيد) لأنه مقتول الجن
على ما ورد به الخبر (ومن مات في البطن فهو شهيد). في شرح مسلم المبطون صاحب داء
البطن وهو الإسهال. قال القاضي عياض [رحمه الله] وقيل: هو الذي به الاستسقاء وانتفاخ
البطن، وقيل: الذي يموت بداء بطنه مطلقاً، اهـ ولعل كونه شهيداً لأن الغالب فيه أن يموت
حاضر القلب منكشفاً عند الموت. قال القاضي البيضاوي: الشهيد فعيل من الشهود بمعنى
مفعول لأن الملائكة تحضره وتبشره بالفوز والكرامة، أو بمعنى فاعل لأنه يلقى ربه ويحضر
عنده كما قال تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم﴾ [الحديد - ١٩] أو من الشهادة فإنه بين صدقه في
الحديث رقم ٣٨١١: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٢١/٣ الحديث رقم (١٦٥ - ١٩١٥).
(١) الحديث الأول من الكتاب.
جو+
.":
٣٤٥
کتاب الجهاد
رواه مسلم.
٣٨١٢ - (٢٦) وعن عبد الله بنِ عَمْرٍو، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ما مِنْ غازِيةٍ، أو
سرِيّةٍ، تَغْزِو، فتغَنمَ وتسلَمَ، إِلاَّ كانوا قدْ تعَجَّلوا ثُلثَيْ أُجورِهم. وما مِنْ غازِيَةٍ، أَوْ سرِيَّةٍ،
تُخفقُ وتُصابُ، إِلاَ تمَّ أُجورهُمْ)).
الإيمان والإخلاص في الطاعة ببذل النفس في سبيل الله، أو يكون تلو الرسل في الشهادة على
الأمم يوم القيامة، ومن مات في الطاعون أو بوجع في البطن ملحق بمن قتل في سبيل الله
لمشاركته إياه في بعض ما ينال من الكرامة بسبب ما كابده من الشدة لا في جملة الأحكام
والفضائل اهـ. وقد جمع شيخ مشايخنا الحافظ جلال الدين السيوطي ما ورد من أنواع الشهادة
الحكمية في كراسة منهم: الغريق، والحريق، والمهدوم، والغريب، والمرابط، ومن مات يوم
الجمعة أو ليلته، وغير ذلك. والمعنى أنهم يشاركون الشهداء في نوع من أنواع المئويات التي
يستحقها الشهداء لا المساواة في جميع أنواعها. (رواه مسلم)، وأخرج الطبراني في الكبير عن
سلمان أن النبي و ◌َلّ قال: ((ما تعدون الشهيد فيكم، قالوا: الذي يقتل في سبيل الله، قال: إن
شهداء أمتي إذا لقليل القتل في سبيل الله شهادة، والطاعون شهادة، والنفساء شهادة، والحرق
شهادة، والغرق شهادة، والسل شهادة، والبطن شهادة)).
٣٨١٢ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَله: ما من
غازية) أي قطعة من الجيش أو جماعة تغزوا (أو سرية) هي أربعمائة رجل؛ وفي ذكرهما إشارة
إلى أن الحكم ثابت في القليل والكثير من الغزاة، فأو للتنويع، وقيل: أو للشك من الراوي
(تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم) بضم اللام ويسكن. قال القاضي:
المعنى أن من غزا الكفار فرجع سالماً غانماً فقد تعجل فاستوفى ثلثي أجره، وهما السلامة
والغنيمة في الدنيا، وبقي له ثلث الأجر يناله في الآخرة بسبب ما قصد بغزوه محاربة أعداء الله
تعالى: (وما من غازية أو سرية تخفق) من الإخفاق أي تغزو ولا تغنم (وتصاب) أي بجرح أو
بقتل أو [تصيبه] مصيبة (إلا تم أجورهم) قال القاضي: والمعنى من غزا في نفسه بقتل أو جرح
ولم يصادف غنيمة فأجره باق بكماله لم يستوف منه شيئاً، فيوفر عليه بتمامه في الآخرة. قال
الطيبي: ولفظ تعجلوا يستدعي أن يكون لكل غازٍ في غزواته ثواب، فمن أصاب السلامة
والغنيمة استوفى ثلثي ثوابه في الدنيا بدل ما كان له في الآخرة، وإليه الإشارة بقوله: تعجل
ومن لم يغنم وقتل أتم أجره حيث لم يتعجل بشيء بقي قسمان من سلم(١) وأخفق، فقد تعجل
بثلثه، وبقي له ثلثان في الآخرة، ومن رجع مجروحاً يقسم على هذا التقسيم بحسب جرحه،
إن الله لا يضيع أجر المحسنين. اهـ ويمكن أن يكون المراد بالرجوع سالماً رجوعه حياً، فلا
الحديث رقم ٣٨١٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥١٥/٣ الحديث رقم (١٥٤ - ١٩٠٦)، وأبو داود في
السنن ١٨/٣ الحديث رقم ٢٤٩٧.
(١) في المخطوطة ((اسلم)).
٣٤٦
Sed :
کتاب الجهاد
رواه مسلم.
٣٨١٣ - (٢٧) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ََّ: «مَنْ ماتَ ولمْ يَغْزُ ولمْ
يُحدِّثْ به نفسَه؛ ماتَ على شُعبةٍ منْ نفاقٍ)).
يحتاج إذا إلى التقسيم بحسب الجراحة. قال ابن الملك: الغازي إذا أصاب غنيمة وسلم فقد
أصابه شيئان من ثمرات الغزو، وبقي له دخول الجنة، فصح أنه قد تعجل ثلثي الأجر، فعلى
هذا تكون سلامة النفس وحصول المغنم من أجزاء أجر الغزو. اهـ وفي كون السلامة من أجزاء
الثواب محل بحث اللهم إلا أن يقال: قصد الغازي في مسيره ثلاثة أشياء، إما الشهادة، وإما
الغنيمة وإما السلامة فقط فقوله: وتسلم بعد قوله: تغنم قيد واقعي يلزم من وجوده وجوده،
ولهذا ورد بحذفه في حديث رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمرو،
ولفظه: ((ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة
ويبقى لهم الثلث فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم))(١). (رواه مسلم).
٣٨١٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: من مات ولم يغز)؛
وفي نسخة بإثبات الواو، وهو لغة ضعيفة (ولم يحدث) بالتشديد أي لم يكلم (به) أي بالغزو
(نفسه) بالنصب على أنه مفعول به أو بنزع الخافض أي في نفسه. وفي نسخة بالرفع على أنه
فاعل، والمعنى لم يعزم على الجهاد، ولم يقل: يا ليتني كنت مجاهداً، وقيل: معناه ولم يرد
الخروج، وعلامته في الظاهر إعداد آلته. قال تعالى: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة﴾
ويؤيده قوله (مات على شعبة من نفاق) أي نوع من أنواع النفاق أي من مات على هذا فقد أشبه
المنافقين المتخلفين عن الجهاد، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وقيل: هذا كان مخصوصاً بزمانه
وَ لجر، والأظهر أنه عام ويجب على كل مؤمن أن ينوي الجهاد إما بطريق فرض الكفاية أو على
سبيل فرض العين، إذا كان النفير عاماً، ويستدل بظاهره لمن قال: الجهاد فرض عين مطلقاً،
وفي شرح مسلم للنووي، قال عبد الله بن المبارك: نرى أن ذلك على عهد رسول الله وَ لَره
قال: وهذا الذي قاله ابن المبارك محتمل، وقد قال غيره: إنه عام، والمراد أن من فعل فقد
أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق، وفيه
إن من نوى فعل عبادة فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه من الذم ما يتوجه على من مات ولم
ينوها، وقد اختلف أصحابنا فيمن تمكن من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية أن يفعلها
ومات، أو أخر الحج كذلك، قيل: يأثم فيهما. وقيل: لا يأثم فيهما، وقيل: يأثم في الحج
١٢/١٣٢/١/ ٠
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١٥١٤/٣ الحديث رقم (١٥٣ - ١٩٠٦) وأبو داود في السنن ١٨/٣
الحديث رقم ٢٤٩٧، والنسائي في السنن ١٧/٦ الحديث رقم ٣١٢٥، وابن ماجه في السنن ٩٣١/٢
الحديث رقم ٢٧٨٥، وأحمد في المسند ١٦٩/٢.
الحديث رقم ٣٨١٣: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥١٧/٣ الحديث رقم (١٥٨ - ١٩١٠)، وأبو داود في
السنن ٢٢/٣ الحديث رقم ٢٥٠٢، والنسائي في ٨/٦ الحديث رقم ٣٠٩٧.
٣٤٧
کتاب الجهاد
رواه مسلم.
٣٨١٤ - (٢٨) وعن أبي موسى، قال: جاءَ رجلٌ إِلى النبيَّ ◌َِّ، فقال: الرَّجلُ يُقاتِلُ
للمَغْنَم، والرَّجلُ يُقاتلُ للذِّكرِ، والرَّجلُ يُقاتلُ ليُرى مَكانُه، فمنْ في سبيلِ اللَّهِ؟ قال: ((مَنْ
قائلَ لِتَكونَ كلمةُ اللَّهِ هيَ العليا فهوَ في سبيلِ الله)).
دون الصلاة، اهـ والأخير موافق لمذهبنا (رواه مسلم).
٣٨١٤ - (وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي وَل* فقال:) أي ذلك
الرجل (الرجل) أي جنس الرجل بمعنى الشخص (يقاتل للمغنم والرجل) أي الآخر (يقاتل
للذكر) أي للصيت والشهرة والرياء والسمعية في النهاية، أي ليذكر بين الناس يوصف بالشجاعة
والذكر، والشرف والفخر والصيت، (والرجل) أي الآخر (يقاتل ليرى) بصيغة المجهول أي
ليعلم أو يبصر بين الناس (مكانه) بالرفع أي مرتبته في الشجاعة. وفي نسخة بصيغة المعلوم من
الإراءة ونصب مكانه، قال الأشرف: هو من باب الأفعال فإن قرىء معلوماً، ففاعله ضمير
الرجل والمفعول الثاني محذوف أي بقاتل ذلك الرجل ليرى هو مكانه أي منزلته ومكانته من
الشجاعة الناس. فالفرق على هذا بين قوله: يقاتل للذكر وبين هذا، إن الأول سمعة، والثاني
رياء أي من الغزاة من سمع ومنهم من رآءى وإن مجرى مجهولاً فالذي أقيم مقام الفاعل ضمير
الرجل، ومكانه نصب على أنه المفعول الثاني أي قاتل: ذلك الرجل ليبصر هو منزلته من
الجنة، وتحقيقه أنه قاتل للجنة لا لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه. وقال المظهر: أي ليرى منزلته
من الجنة أي ليحصل له الجنة، ويؤيده قوله ﴿فمن في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله)
أي كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله (هي العليا فهو في سبيل الله) أي لا غير لكن الظاهر أن
إرادة الجنة غير مزاحمة لإرادة كون كلمة الله هي العليا، ولذا قال وَلجر: ((قوموا إلى جنة)) كما
سبق، فالمراد بهما واحد والمآل متحد؛ وقال الطيبي [قوله]: فالذي أقيم مقام الفاعل ضمير
الرجل ومكانه نصب على المفعول الثاني غير صحيح، بل المفعول الثاني أقيم مقام الفاعل،
وكذا في نسخة صحيحة للبخاري وجامع الأصول مضبوط بالرفع أي ليرى الناس منزلته في
سبيل الله قلت: مبني كلام الأشرف على نصب مكانه لا على رفعه، فقوله: غير صحيح غير
صحيح، قال: وأيضاً لا فرق بين السمعة والرياء المغرب، يقال: فعل ذلك سمعة ليريه الناس
من غير أن يكون قصد به التحقيق: وسمع بكذا أشهره تسميعاً، ومنه الحديث من سمع الناس
بعمله سمع الله به أسامع خلقه وحقره وصغره، ونوه الله لريائه وبلائه لسماع خلقه، فيفتضح،
قلت: كلام الأشرف مبني على التحقيق الأصلي والتدقيق اللغوي، فإنه لا شك أن الرياء مأخوذ
من الرؤية، كما أن السمع هو مأخذ السمعة نعم اتسع فيهما، فتطلق إحداهما على الأخرى،
الحديث رقم ٣٨١٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٧/٦ الحديث رقم ٢٨١٠، ومسلم في ١٥١٢/٣
الحديث رقم (١٤٩ - ١٩٠٤)، وأبو داود في السنن ٣١/٣ الحديث رقم ٢٥١٧، والنسائي في ٦/
٢٣ الحديث رقم ٣١٣٦، وابن ماجه في ٩٣١/٢ الحديث رقم ٢٧٨٣ وأحمد في المسند ٤٥٢/٤.
محدد
٣٤٨
كتاب الجهاد
متفق عليه .
٣٨١٥ - (٢٩) وعن أنس: أنَّ رسولَ اللَّهُ وَ رَجَعَ منْ غزْوَةِ تُبُوكَ، فَدَنا مِنَ
المدينةِ، فقال: ((إِنَّ بالمدينةِ أقواماً، ما سرْتُمْ مسيراً، ولا قطعتُم وادِياً إِلاَّ كانوا معكم)).
[وفي روايةٍ: ((إِلاَّ شَرِكوكم
٢٢/٧
٥٠٠
وقد يجمع بينهما على الأصل فيقال: رياء وسمعة، قال، ولعل (١) الأظهر أن يراد بالذكر
الصيت والسمعة، وبالرؤية علم الله ونحوه قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما
يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ [آل عمران - ١٤٢] يعني المجاهدين منكم
للغنيمة والذكر، والمجاهد الصابر الذي يستفرغ جهده في سبيل الله قلت: هو غير ظاهر
فضلاً أن يكون أظهر، قال: ويجوز أن يراد بالرؤية رؤية المؤمنين في القيامة منزلته عند الله
تعالى، كما سيجيء في الفصل الثالث في حديث فضالة عن رسول الله ويالقر أن الشهداء
أربعة: رجل جيد الإيمان لقي العدوّ فصدق الله حتى قتل، فذلك الذي يرفع الناس إليه
أعينهم يوم القيامة هكذا الحديث، فيكون قد سأل الرجل عن أحوال المجاهدين بأسرها،
ومقاتلتهم إما للغنيمة أو للذكر والصيت والفخر رياء أو ليحمده الله تعالى فكنى وَلقر بقوله عن
الثالث من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا إحماداً عليه، وشكراً لصنيعه وإلا كان يكفيه في
الجواب أن يقول: من يقاتل ليرى مكانه قلت: ووجه العدول إن هذا مبهم غير دال على
المقصود صريحاً أو صحيحاً قال: والمكان ههنا بمنزلة المكانة في قوله تعالى: ﴿اعملوا على
مكانتكم﴾ الكشاف المكانة تكون مصدراً، يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن، وبمعنى
المكان يقال: مكان ومكانة ومقام ومقامة أي اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى
استطاعتكم وإمكانكم، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها، وكلمة الله عبارة عن
دين الحق لأن الله تعالى دعا إليه وأمر الناس بالاعتصام به كما قيل لعيسى: كلمة الله وهي
فصل، والخبر العليا، فأفاد الاختصاص أي لم يقاتل لغرض من الأغراض. إلا لإظهار الدين
والله أعلم. (متفق عليه).
٣٨١٥ - (وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله وَ ل﴿ رجع من غزوة تبوك). وفي نسخة:
بالتنوين وهي أرض بين الشام والمدينة (فدنا من المدينة) أي قاربها (فقال: إن بالمدينة أقواماً)
أي جماعات ممن يتمنون الغزو ويحدثون أنفسهم بالخروج ولهم مانع ضروري (ما سرتم
مسيراً) أي سيراً أو مكاناً (ولا قطعتم وادياً) تخصيص لكون قطع الوادي أشق، وليدل على
الاستيفاء (إلا كانوا معكم) أي بالقلب والهمة والدعاء والنية. (وفي رواية إلا شركوكم) بكسر
الراء. ففي القاموس شركه في البيع والميراث كعلمه يشركه بالكسر والمعنى شاركوكم
(١) في المخطوطة ((نقلاً)).
الحديث رقم ٣٨١٥: أخرجه البخاري في صحيحه ١٢٦/٨ الحديث رقم ٤٤٢٣. وابن ماجه في ٩٢٣/٢
الحدیث رقم ٢٧٦٤.
٣٤٩
٥١٥٠*
٠٥٠٣
کتاب الجهاد
في الأجر]. قالوا: يا رسولَ الله! وهُم بالمدينةِ؟ قال: ((وهُم بالمدينةِ حَبَسهُمُ العذْرُ)). رواه
البخاريّ.
٣٨١٦ - (٣٠) ورواه مسلمٌ عن جابر.
٣٨١٧ _ (٣١) وعن عبدِ الله بنِ عمْرٍو، قال: جاءَ رجلٌ إِلى رسول اللهِ وَلَّهِ، فاستأذنَه
في الجِهادِ. فقال: ((أَحَيٍّ والدِاكَ؟)) قال: نعم. قال: ((ففيهما فجاهدْ)).
(في الأجر)، وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضي زيادة الثواب (قالوا: يا رسول الله وهم
بالمدينة، قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر) قال الطيبي: يدل هذا على أن القاعدين الإضراء
يشاركون المجاهدين في الأجر، ولا يدل على استوائهما فيه، والدال على نفي الاستواء قوله
تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾ [النساء - ٩٥] وقوله
تعالى: ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً درجات﴾ [النساء - ٩٥] أي على
غير الإضراء أو فضل الله المجاهدين على القاعدين والاضراء درجة وهي الغنيمة ونصرة دين الله
تعالى في الدنيا، وفضل الله المجاهدين عليهم درجات في العقبى. قال النووي: فيه فضيلة النية
في الخير، وإن من نوى غزواً أو غيره من الطاعات فعرض له عذر منعه حصل له ثواب نيته،
وأنه كلما أكثر التأسف على فوات ذلك أو تمنى كونه من الغزاة ونحوهم كان أكثر ثواباً. (رواه
البخاري)، أي عن أنس وكذا أبو داود.
٣٨١٦ - (ورواه مسلم عن جابر) رضي الله عنهم.
٣٨١٧ - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه) بالواو (قال: جاء رجل إلى رسول
الله ◌َّ فاستأذنه في الجهاد فقال له: أحي والداك، قال: نعم. قال: ففيهما) أي ففي خدمتهما
(فجاهد)، قال الطيبي [رحمه الله]، فيهما متعلق بالأمر قدم للاختصاص والفاء الأولى جزاء
شرط محذوف والثانية جزائية لتضمن الكلام معنى الشرط أي إذا كان الأمر كما قلت: فاختص
المجاهدة في خدمة الوالدين نحو قوله تعالى: ﴿فإياي فاعبدون﴾ [العنكبوت - ٥٦] أي إذا لم
تخلصوا لي العبادة في أرض فاخلصوها في غيرها فحذف الشرط وعوّض منه تقديم المفعول
المفيد للاختصاص ضمناً، وقوله: فجاهد جيء به مشاكلة يعني حيث قال: فجاهد في موضع
فأخدمهما لأن الكلام كان في الجهاد، ويمكن أن يكون الجهاد بالمعنى الأعم الشامل للأكبر
والأصغر قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [العنكبوت - ٦٩] (متفق
الحديث رقم ٣٨١٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٥١٨/٣ الحديث رقم (١٥٩ - ١٩١١)، وابن ماجه في
٩٢٣/٢، الحديث رقم ٢٧٦٥، وأحمد في المسند ٣/ ٣٠٠.
الحديث رقم ٣٨١٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ١٤٠ الحديث رقم ٣٠٠٤، ومسلم في ٤/ ١٩٧٥
الحديث رقم ٢٥٤٦/٥، وأبو داود في السنن ٣٨/٣ الحديث رقم ٢٥٢٩، والترمذي في ٤/ ١٦٤
الحديث رقم ١٦٧١، والنسائي في ٦/ ١٠ الحديث رقم ٣١٠٣ وأحمد في المسند ١٨٨/٢.
٣٥٠
١٣٥٢
کتاب الجهاد
متفق عليه وفي روايةٍ: ((فارجِعْ إِلى والدَيْكَ فأحسنْ صُحبتَهما)).
٣٨١٨ _ (٣٢) وعن ابنِ عبَّاسٍ، أن النبيِّ وَّ، قال يومَ الفتْحِ: ((لا هِجْرةَ بعدَ الفتحِ،
٠:٠
عليه). ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، (وفي رواية) أي لمسلم (فارجع إلى والديك
فأحسن صحبتهما). في شرح السنة هذا في جهاد التطوّع لا يخرج إلا بإذن الوالدين إذا
كانا مسلمين، فإن كان الجهاد فرضاً متعيناً فلا حاجة إلى إذنهما، وإن منعاه عصاهما
وخرج وإن كانا كافرين فيخرج بدون إذنهما فرضاً كان الجهاد أو تطوّعاً، وكذلك لا يخرج
إلى شيء من التطوّعات كالحج والعمرة والزيارة ولا يصوم التطوّع إذا كره الوالدان
المسلمان أو أحدهما إلا بإذنهما. قال ابن الهمام: لأن طاعة كل منهما فرض عليه،
والجهاد لم يتعين عليه، وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص جاء رجل
إلى رسول الله وَل﴿ل فقال: ((جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان)) فقال: ((ارجع
إليهما واضحكهما كما أبكيتهما))(١) وفيه عن الخدري أن رجلاً هاجر إلى رسول الله وَطل من
اليمن فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي. قال: أذنا لك؟ قال: لا. قال: فارجع
واستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فبرهما(٢).
٣٨١٨ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي (وَّير قال: يوم الفتح) أي فتح مكة (لا
هجرة بعد الفتح) يعني الهجرة المفروضة أي بعد فتح مكة كما في رواية البخاري عن مجاشع
ابن مسعود أي من مكة إلى المدينة، وبقيت المندوبة وهي الهجرة من أرض يهجر فيه المعروف
ويشيع به المنكر، أو من أرض أصاب فيها الذنب وارتكب الأمر الفظيع. قال الخطابي: كانت
الهجرة على معنيين أحدهما الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، فأمر من أسلم منهم
بالهجرة عنهم ليسلم دينهم، وليزول أذى المشركين بهم، ولئلا يفتنوا، والمعنى الثاني الهجرة
من مكة إلى المدينة، فإن أهل الدين بالمدينة كانوا قليلين ضعيفين يومئذ فوجبت الهجرة إلى
النبي ◌َّر على كل من أسلم يومئذ في أي موضع كان ليستعين النبي بَّ بهم إن حدث حادث،
وليتفقهوا في الدين، فيعملوا أقوامهم أمر الدين وأحكامه، فلما فتحت مكة وأسلموا استغنى
النبي ◌َّ وأصحابه عن ذلك إذ كان معظم خوف المؤمنين من أهل مكة، فلما أسلموا أمكن
المسلمين أن يقروا في قعر دارهم، فقيل لهم: أقيموا في أوطانكم وقروا على نية الجهاد وهذا
معنى قوله وَّلجر: (ولكن جهاد ونية) أي قصد جهاد أو إخلاص عمل (وإذا استنفرتم) بصيغة
المجهول (فانفروا) بكسر الفاء أي إذا استخرجتم بالنفير العام فاخرجوا، فالأمر على فرض
(١) أخرجه أبو داود في السنن ٣٨/٣ الحديث رقم ٢٥٢٨.
(٢) أخرجه أبو داود في السنن ٣٩/٣ الحديث رقم ٢٥٣٠.
الحديث رقم ٣٨١٨: أخرجه في صحيحه ٣/٦ الحديث رقم ٢٧٨٣، ومسلم في ٩٨٦/٢ الحديث رقم
(٤٤٥ - ١٣٥٣)، وأبو داود في السنن ٨/٣ الحديث رقم ٢٤٨٠، والترمذي في ١٢٦/٤ الحديث
رقم ١٥٩٠، والنسائي في ١٤٦/٧ الحديث رقم ٤١٧٠، وابن ماجه في ٩٢٦/٢ الحديث رقم
٢٧٧٣، والدارمي في ٣١٢/٢ الحديث رقم ٢٥١٢، وأحمد في المسند ٣٥٥/١.
١٠
الفجـ
p.cusar
٣٥١
کتاب الجهاد
ولكنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ، وإِذا استُنفرْتُمْ فانفِروا)). متفق عليه.
العين، أو إذا دعيتم إلى قتال العدو فانطلقوا، فالأمر على فرض الكفاية، وحاصله أن الهجرة
التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة
بسبب الجهاد أو بسبب نية صالحة كالفرار من ديار الكفر أو البدعة أو الجهل أو من الفتن أو
لطلب العلم باقية غير منسوخة. قال الطيبي: لكن يقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها، فالمعنى
أن مفارقة الأوطان إلى الله ورسوله التي هي الهجرة المعتبرة الفاضلة المميزة لأهلها من سائر
الناس امتيازاً ظاهراً انقطعت، لكن المفارقة من الأوطان بسبب نية خالصة لله تعالى كطلب العلم
والفرار بدينه من دار الكفر ومما لا يقام فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزيارة بيت
الله وحرم رسول الله والمسجد الأقصى وغيرها، أو بسبب الجهاد في سبيل الله باقية مدى
الدهر. وقال النووي: معناه أن تحصيل الخير بسبب الهجرة قد انقطع بفتح مكة لكن
حصلوه(١) بالجهاد والنية الصالحة، وفيه حث على نية الخير، وأنه يثاب عليها، وإذا استنفرتم
معناه إذا طلبكم الإمام للخروج إلى الجهاد فاخرجوا، وهذا دليل على أن الجهاد ليس بفرض
عين بل هو فرض كفاية إذا فعله من يحصل بهم الكفاية سقط الحرج (٢) عن الباقين، وإن تركوه
کلهم أثموا أجمعین اهـ. وفيه أن لا دلالة له علی کون الجهاد فرض كفاية، بل ظاهره يدل على
أن الجهاد فرض عين، حيث لم يقل: فلينفر بعضكم مع أنه لو قال كذلك: لما دل صريحاً
على نفي فرض العين، إذ كان المراد أن لا يخرجوا كلهم معاً فيضيع العباد وتخرب البلاد
ويفوت علم المعاد، كما قال تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾
[التوبة - ١٢٢] الآية. وقد تقدم تحقيق هذا المبحث في كلام المحقق ابن الهمام، قال الطيبي:
وقد خص الاستنفار بالجهاد ويمكن أن يحمل على العموم أيضاً أي إذا استنفرتم إلى الجهاد
فانفروا، وإذا استنفرتم إلى طلب العلم وشبهه، فانفروا. قال تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة
منهم طائفة ليتفقهوا في الدين﴾ [التوبة - ١٢٢] أي هلا نفروا حين استنفروا قلت: وإنما أخص
الاستنفار بالجهاد لقوله: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾
[التوبة - ٤١] الآيات وأما استدلاله بالآية المذكورة فغفلة عن صدرها، ومعناها لأنه قال تعالى
بعد وصف المجاهدين: وما كان المؤمنون لينفروا كافة أي جميعاً مع النبي وَلقول حين أرادوا
ذلك، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة أي للغزو ليتفقهوا أي بقية الفرقة، أو المراد الحث
على خروج طائفة للغزو مع النبي ◌َّر ليتفقهوا في الدين أي ما يتعلق بالجهاد وغيره، ولينذروا
قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. (متفق عليه).
(١) في المخطوطة ((حصوله)).
(٢) في المخطوطة ((الخروج)).
٣٥٢
٠٠٠
کتاب الجهاد
الفصل الثاني
٣٨١٩ _ (٣٣) عن عِمْرانَ بنِ حُصَينٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّ: ((لا تزالُ طائفةٌ منْ
أُمَّتي يُقاتِلونَ على الحقِّ، ظاهِرِينَ على مَنْ ناوَأَهُم، حتى يُقاتِلَ آخرُهم المسيحَ الدَّجالَ».
رواه أبو داود.
(الفصل الثاني)
٣٨١٩ - (عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلفي: ((لا تزال طائفة
من أمتي يقاتلون على الحق))) أي على تحصيله وإظهاره (ظاهرين) أي غالبين [منصورين أو
معروفين مشهورين (على من ناواهم). قال التوربشتي: أي غالبين] على من عاداهم، والمناواة
المعاداة، والأصل فيه الهمز لأنه من النوء، وهو النهوض، وربما يترك همزة، وإنما استعمل
ذلك في المعاداة لأن كل واحد من المتعاديين ينهض إلى قتال صاحبه. وفي شرح مسلم، هو
بهمزة بعد الواو، وهو مأخوذ من ناء إليهم وناؤوا إليه أي نهضوا للقتال. وفي النهاية النواء
والمناواة المعاداة. وفي القاموس ناء نهض بجهد ومشقة، وناواه مناواة فاخره وعاداه. اهـ.
فالأولى أن يقرأ لفظ الحديث بالهمز، ولا يلتفت إلى أكثر النسخ حيث لم يضبطوا به، فإن
الرسم واحد. قال الطيبي: قد سبق في الفصل الأوّل أن تنزيل أمثال هذا الحديث على الطائفة
المنصورة من أهل الشام أولى وأحرى اهـ. والأولى أن يقال: من جهة الشام ليدخل أهل الروم
في المراد، فإنهم القائمون في هذا الزمان بهذه الوظيفة الشريفة حق القيام نصرهم الله وخذل
أعداءهم اللئام إلى يوم القيام، (حتى يقاتل آخرهم) أي المهدي وعيسى عليهم السلام وأتباعهما
(المسيح الدجال) ويقتله عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء على المنارة البيضاء شرقي
دمشق بباب له من بيت المقدس حين حاصر المسلمين، وفيهم المهدي، وبعد قتله لا يكون
الجهاد باقياً أما على يأجوج ومأجوج، فلعدم القدرة والطاقة عليهم، وبعد إهلاك الله إياهم لا
يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه السلام حياً في الأرض، وأما بعد موته عليه
السلام وكفر من كفر بعده فلموت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة، وبقاء الكفار بحيث لا
تقوم الساعة وفي الأرض من يقول: الله، فما وقع في بعض الأحاديث كما رواه الحاكم عن
عمر رضي الله عنه: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة))(١) يحمل
على قربها، فإن خروج الدجال من أشراطها، وسيجيء تفصيل هذا المبحث في حديث الدجال
إن شاء الله تعالى. (رواه أبو داود).
الحديث رقم ٣٨١٩: أخرجه أبو داود في السنن ١١/٣ الحديث رقم ٢٤٨٤، وأحمد في المسند ٤٢٩/٤.
(١) سبق ذكره.
٣٥٣
كتاب الجهاد
٣٨٢٠ - (٣٤) وعن أبي أمامةَ، عنِ النبيِّ وَِّ، قال: ((مَنْ لمْ يَغْزُ، ولمْ يُجهِّزْ غازِياً،
أوْ يَخلُفُ غازياً في أهلِه بخَيرٍ؛ أصابَه اللَّهُ بقارعةٍ قبلَ يومِ القيامة)). رواه أبو داود.
٣٨٢١ - (٣٥) وعن أنسٍ، عن النبيِّ وَّر، قال: ((جاهِدُوا المشركينَ
٣٨٢٠ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي وَلقر قال: من لم يغز) أي حقيقة (ولم
يجهز غازياً) أي لم يهيىء أسباب غاز (أو يخلف) بالجزم وضم اللام على المنفى أي لم يخلف
(غازياً في أهله) والظاهر أن وللتنويع، وللإشارة إلى أنه وما قبله في رتبة واحدة من الغزو
الحكمي، وقوله: (بخير) قيد للأخير. قال الطيبي: متعلق بيخلف حال من فاعله أتى به صيانة
عما عسى أن ينوي الخيانة فيهم. اهـ ويمكن أن يكون قيداً للكل، والمراد به نية الخير المعبر
عنه بالإخلاص. قال الطيبي: قوله: أو يخلف هو عطف على يجهز، وإنما لم يعد الجازم لئلا
يتوهم استقلاله وليؤذن بأن تجهيز الغازي وكون [تخليف] الغازي في أهله ليس بمثابة
الشخوص بنفسه إلى الغزو ثم جواب الشرط قوله: (أصابه الله بقارعة) أي بشدة من الشدائد
والباء فيه للتعدية أي بيلية تقرعه وتهلكه وتصرعه وتدقه، ولذا سميت القيامة بالقارعة (قبل يوم
القيامة. رواه أبو داود). كان الأخصر أن يجمع بينه وبين الحديث السابق ويقول: رواهما أبو
داود كما هو دأب المؤلف هذا، وروى الترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة رضي الله
عنه مرفوعاً ((من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة))(١) وهي بضم أوله النقص
والعيب.
٣٨٢١ - (وعن أنس رضي الله عنه عن النبي ويَلجر قال: جاهدوا المشركين) أي قاتلوهم
وهو بظاهره يشمل الحرم والأشهر الحرم والبدء بالقتال. قال ابن الهمام: وقتال الكفار الذين لم
يسلموا وهم من مشركي العرب، أو لم يسلموا ولم يعطوا الجزية من غيرهم واجب، وإن لم
يبدؤنا لأن الأدلة الموجبة له لم تقيد الوجوب ببدئهم خلافاً لما نقل عن الثوري، والزمان
الخاص كالأشهر الحرم وغيرها سواء خلافاً لعطاء، ولقد استبعد ما عن الثوري وتمسكه بقوله
تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم فإنه لا يخفى عليه﴾ [البقرة - ١٩١] نسخه وصريح قوله {خير في
الصحيحين: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) (٢) الحديث يوجب ابتداءهم
بأدنى تأمل وحاصر وَلقر الطائف لعشر بقين من ذي الحجة إلى آخر المحرم أو إلى شهر، وقد
الحديث رقم ٣٨٢٠: أخرجه أبو داود في السنن ٢٢/٣ الحديث رقم ٢٥٠٣، وابن ماجه في ٩٢٣/٢
الحدیث رقم ٢٧٦٢، والدارمي في ٢/ ٢٧٥ الحديث رقم ٢٤١٨.
(١) أخرجه الترمذي في السنن ١٦٢/٤ الحديث رقم ١٦٦٦، وابن ماجه في ٩٢٣/٢ الحديث رقم
٢٧٦٣. والحاكم في المستدرك ٧٩/٢.
الحديث رقم ٣٨٢١: أخرجه أبو داود في السنن ٢٢/٣ الحديث رقم ٢٥٠٤، والنسائي في السنن ٦/ ٧
الحديث رقم ٣٠٩٦، والدارمي في ٢/ ٢٨٠ الحديث رقم ٢٤٣١، وأحمد في المسند ١٢٤/٣.
(٢) سبق ذكره.
...
٠١٠٠٠٠٠
٣٥٤
1977
كتاب الجهاد
بأموالِكم، وأنفُسِكم، وألسِنَتكم)) رواه أبو داودَ، والنسائي، والدارميُّ.
٣٨٢٢ - (٣٦) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ِّرَ: ((افْشُوا السَّلامَ، وأطعِموا
الطعامَ، واضْرِبوا الهامَ؛ تُورَثوا الجِنانَ)).
استدل على نسخ الحرمة في الأشهر الحرم بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم﴾ [التوبة - ٥] وهو بناء على التجوّز بلفظ حيث في الزمان، ولا شك أنه كثير
في الاستعمال، وقوله: (بأموالكم) أي بالتجهيز (وأنفسكم) أي بالمباشرة (وألسنتكم) أي
بدعوتهم إلى الله تعالى، وقال المظهر: أي جاهدوهم بها [أي] بأن تذموهم وتعيبوهم
وتسبوا أصنامهم ودينهم الباطل، وبأن تخوّفوهم بالقتل والأخذ وما أشبه ذلك فإن قلت:
هذا يخالف قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾
[الأنعام - ١٠٨] قلت: كان المسلمون يسبون آلهتهم فنهوا لئلا يكون سبهم سبباً لسب الله
تعالى، والنهي منصب على الفعل المعلل فإذا لم يؤد السب إلى سب الله تعالى جاز اهـ،
وفيه أنه سبب غالبي وعدم كونه تسبباً أمر موهوم فيتعين النهي لا سيما مبنى الأحكام
الشرعية على الأمور الغالبية مع أن حالة الاستواء. بل وقت الاحتمال يرجح النهي، نعم
يمكن أن يكون النهي وارداً على أن يكون الابتداء من المؤمنين لأنه ربما يكون سبباً لسبهم
أما إذا كان الابتداء منهم فليس كذا لأن هذا الخوف في الذين غلب الجهل والسفه عليهم
من الكفار، أما أكثرهم فيعظمون الله، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ولئن سألتهم من
خلق السموات والأرض ليقولن الله. (رواه أبو داود والنسائي والدارمي)، وكذا أحمد وابن
حبان والحاكم.
٣٨٢٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّلقر افشوا) بفتح الهمزة أي
أشيعوا (وعمموا السلام) أي ردوه (فيما بينكم) فالأمر للوجوب في الجملة، ويمكن أن يكون
الأمر للاستحباب، فالمراد به السلام وفرضية الجواب مفهومة من قوله تعالى: ﴿وإذا حييتم
بتحية﴾ [النساء - ٨٦]. وهذه سنة فضل من الفريضة وهي من غرائب المسألة. قال القاضي:
إفشاء السلام إظهاره ورفع الصوت به أو إشاعته بأن تسلم على من تراه عرفته أو لم تعرف اهـ.
والظاهر هو الثاني لأن السلام مع عدم إظهاره ورفع الصوت به لا يسمى سلاماً فضلاً عن أن
يكون إفشاء للسلام، (وأطعموا الطعام) فإنه من شعائر الكرام لا سيما للفقراء والمساكين
والأيتام (واضربوا الهام) جمع هامة بالتخفيف وهو الرأس أي اقطعوا رؤوس الكفار، وهو كناية
عن الجهاد في الإسلام (تورثوا) بصيغة المجهول من الإيراث أي تعطوا في مقابلة ما ذكر من
الخصال العظام (الجنان) بكسر الجيم أي جنات النعيم في دار السلام. قال تعالى: ﴿تلك الجنة
التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف - ٧٢] قال القاضي: المراد بضرب الهام الجهاد،
ولما كانت أفعالهم هذه تخلف عليهم الجنان فكأنهم ورثوها منها قلت: وفيه إشارة إلى ارتكاب
الحديث رقم ٣٨٢٢: أخرجه الترمذي في السنن ٢٥٢/٤ الحديث رقم ١٨٥٤.
:٧٢٧ ١ / ٩٦٦ ٧
٠٨٤P
٣٥٥
كتاب الجهاد
رواه الترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ غريب.
٣٨٢٣ _ (٣٦) وعن فَضالَةَ بنِ عُبيدٍ، عن رسولِ اللهِوَ ◌ّه قال: ((كلُّ مَيِّتٍ يُختَمُ على
عملِهِ إِلاَّ الذي ماتَ مُرابطاً في سبيلِ الله؛ فإِنَّه يُنمى له عملُه إِلى يوم القيامةِ، ويأمَنُ فتنةً
القبر)). رواه الترمذي، وأبو داود.
المجاهدات وترك المشتهيات لكونها من التكليفات المكروهات تعد من المصيبات التي تورث
الدرجات العاليات والثمرات الطيبات تشبيهاً بمن فاته أحد من الأقارب، وحصل له من ارثه ما
لم يحصل للأجانب، ولذا ورد في صحيح مسلم وغيره عن أنس رضي الله عنه حفت الجنة
بالمكاره وحفت النار بالشهوات. (رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب). وفي رواية
((أفشوا السلام تسلموا)). رواه البخاري في تاريخه وأبو يعلى في مسنده وابن حبان والبيهقي عن
البراء، وفي رواية ((افشوا السلام بينكم تحابوا))(١). رواه الحاكم عن أبي موسى. وفي رواية
((أفشوا السلام فإن الله تعالى رضا»، رواه الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل. وفي
رواية للطبراني عن أبي الدرداء ((افشوا السلام كي تعلوا)). وفي رواية ابن ماجه عن ابن عمر
بلفظ ((افشوا السلام واطعموا الطعام وكونوا إخواناً كما أمركم الله تعالى)) (٢). وفي رواية
الطبراني عن أبي أمامة ولفظه افش السلام وابذل الطعام واستحي من الله تعالى كما تستح رجلاً
أي من رهطك ذا هيئة، ولتحسن خلقك وإذا أسأت فأحسن، فـ ﴿فإن الحسنات يذهبن
السيئات﴾ .
٣٨٢٣ - (وعن فضالة) بفتح الفاء والضاد المعجمة (ابن عبيد) بالتصغير، ومر ذكره
(عن رسول الله وَلقر قال: كل ميت يختم) بصيغة المجهول أي ينقطع عن أهله (ويطبع على
عمله) والمعنى لا يكتب له ثواب جديد (إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمى) أي
يزاد له (عمله) بأن يصل إليه كل لحظة أجر جديد (إلى يوم القيامة) فإنه فدى نفسه فيما
يعود نفعه على المسلمين، وهو إحياء الدين يدفع أعدائهم من المشركين (ويأمن فتنة القبر)
أي مع ذلك، ولعله بهذا امتاز عن غيره الوارد في حديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً ((إذا
مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد
صالح يدعو له))(٣). (رواه الترمذي وأبو داود) أي عن فضالة.
(١) الحاكم في المستدرك ٤/ ١٦٧.
(٢) أخرجه ابن ماجه في السنن ١٠٨٣/٢ الحديث رقم ٣٢٥٢.
الحديث رقم ٣٨٢٣: أخرجه أبو داود في السنن ٢٠/٣ الحديث رقم ٢٥٠٠، والترمذي في السنن ٤/
١٤٢ الحديث رقم ١٦٢١ وأحمد في المسند ٦/ ٢٠.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٢٥٥ الحديث رقم (١٤ - ١٦٣١).
٣٥٦
٠ ٠٠٣.
کتاب الجهاد
٣٨٢٤ - (٣٧) رواه الدارمي عن عُقبةَ بنِ عامٍ .
٣٨٢٥ - (٣٨) وعن معاذ بن جبلٍ، أنَّه سمِعَ رسولَ اللهِوَلَّ يقول: ((مَنْ قاتلَ في
سبيلِ الله فَواقَ ناقةٍ؛ فقدْ وجَبتْ له الجنَّةُ ومنْ جُرحَ جُرحاً في سبيلِ الله، أو نُكبَ نكبةً؛
فإِنَّها تجيءُ يومَ القيامة
١٣٠
٣٨٢٤ - (ورواه الدارمي عن عقبة بن عامر) وفي الجامع الصغير بلفظ ((ويأمن من فتان
القبر)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن فضالة والترمذي عن عمر وأحمد عن عقبة بن
عامر (١).
٣٨٢٥ - (وعن معاذ بن جبر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله وَ ير يقول: ((من قاتل في
سبيل الله فواق ناقة))) هو بالفتح والضم ما بين الحلبتين في الفائق هو في الأصل رجوع اللبن
إلى الضرع بعد الحلب، وسمي فواقاً لأنه نزل من فوق اهـ. وهذا يحتمل أن يكون ما بين
الغداة إلى العشاء لأن الناقة تحلب فيهما وأن يكون قدر مدتي الضرع من الوقت لأنها تحلب ثم
تترك سويعة يرضعها الفصيل لتدر، ثم تحلب ثانية، وهذه الأخيرة أليق بالترغيب في الجهاد أي
من قاتل في سبيل الله لحظة (فقد وجبت له الجنة) أي ابتداء أو استحقها (ومن جرح) بصيغة
المفعول (جرحاً) بضم الجيم بالفتح هو المصدر أي جراحة كائنة (في سبيل الله) بسلاح من
عدوّ (أو نكب) بصيغة المجهول أي أصيب نكبة بالفتح أي حادثة فيها جراحة من غير العدوّ،
فأو للتنويع قيل: الجرح والنكبة كلاهما واحد، وقيل: الجرح ما يكون من فعل الكفار والنكبة
الجراحة التي أصابته من وقوعه من دابته أو وقوع سلاح عليه قلت: هذا هو الصحيح وقد ثبت
عنه وَ ل أنه قال:
هل أنت إلا أصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت(٢)
وفي النهاية: نكبت أصبعه أي نالتها الحجارة والنكبة ما يصيب الإنسان من الحوادث
(فإنها) أي النكبة التي فيها الجراحة (تجيء يوم القيامة)، قال الطيبي: قد سبق شيئان الجرح
والنكبة وهي ما أصابه في سبيل الله من الحجارة، فأعاد الضمير إلى النكبة دلالة على أن حكم
النكبة إذا كان بهذه المثابة فما ظنك بالجرح بالسنان والسيف، ونظيره قوله تعالى: ﴿والذين
الحديث رقم ٣٨٢٤: أخرجه الدارمي في السنن ٢٧٨/٢ الحديث رقم ٢٤٢٥.
(١) الجامع الصغير ٣٩٦/٢ الحديث رقم ٦٣٥٧.
الحديث رقم ٣٨٢٥: أخرجه أبو داود في السنن ٤٦/٣ الحديث رقم ٢٥٤١، والترمذي في السنن ٤/
١٥٨ الحديث رقم ١٦٥٧، والنسائي في ٢٥/٦ الحديث رقم ٣١٤١، وابن ماجه في ٩٣٣/٢
الحديث رقم ٢٧٩٢، والدارمي في ٢٦٥/٢ الحديث رقم ٢٣٩٤، وأحمد في المسند ٢٣٠/٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١٩/٦ الحديث رقم ٢٨٠٢، ومسلم في ١٤٢١/٣ الحديث رقم (١١٢
- ١٧٩٦).
٣٥٧
کتاب الجهاد
كأَغْزَرِ ما كانتْ، لونُها الزَّعْفرانُ، ورِيحُها المسكُ. ومنْ خرَجَ به خُراجٌ في سبيلِ الله؛ فإِنّ
عليهِ طابَعَ الشُّهداءِ)) رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
٣٨٢٦ _ (٣٩) وعن خُرَيم بن فاتِكِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((مَنْ أنفقَ نفَقةً في
سبيلِ الله؛ كُتبَ له بسبعمائةٍ ضِعْفٍ)). رواه الترمذي، والنسائي.
٣٨٢٧ _ (٤٠) وعن أبي أمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: «أفضلُ الصَّدَقاتِ ظلّ
قُسطاطِ
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها﴾ [التوبة - ٣٤] اهـ أو يقال: افراد الضمير باعتبار أن
مؤداهما واحد وهي المصيبة الحادثة في سبيل الله فهي تظهر وتتصوّر (كأغزر ما كانت) أي
كأكثر أوقات أكوانها في الدنيا. قال الطيبي: الكاف زائدة وما مصدرية والوقت مقدر يعني
حينئذ تكون غزارة دمه أبلغ من سائر أوقاته. اهـ والأظهر أن الكاف غير زائدة، والمراد أن
الجراحة والنكبة تكون يوم القيامة مثل أكثر ما وجد في الدنيا (لونها الزعفران وريحها المسك)
كل منهما تشبيه بليغ (ومن خرج به) الباء للإلصاق أي ظهر به (خراج) وهو بضم المعجمة ما
يخرج في البدن من القروح والدماميل (في سبيل الله فإن عليه) أي على نفس الخراج أو على
صاحبه (طابع الشهداء) بفتح الموحدة وبكسر أي ختمهم يعني علامة الشهداء وأمارتهم ليعلم
أنه سعى في إعلاء الدين ويجازي جزاء المجاهدين. قال الطيبي: ونسبة هذه القرينة مع
القرينتين الأوليين الترقي في المبالغة من الإصابة بآثار ما يصيب المجاهد في سبيل الله من العدوّ
وتارة، ومن غيره أخرى، وطوراً من نفسه. (رواه الترمذي وأبو داود والنسائى)؛ ورواه أحمد
عن عمرو بن عبسة ولفظه ((من قاتل في سبيل الله فواق ناقة حرم الله على وجهه النار))(١) .
٣٨٢٦ - (وعن خريم) بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية رضي الله عنه (ابن
فاتك) بالفاء وكسر الفوقية، قال المؤلف: هو وخريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك
عداده في الشاميين، وقيل: في الكوفيين روى عنه جماعة (قال: قال رسول الله وَله: من أنفق
نفقة) أي صرف نفقة صغيرة أو كبيرة (في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف) أي مثل، وهذا
أقل الموعود والله يضاعف لمن يشاء (رواه الترمذي والنسائي) وكذا أحمد والحاكم(٢).
٣٨٢٧ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ويتليفون: ((أفضل الصدقات ظل
فسطاط))) بضم أوّله ويكسر أي خيمة كبيرة أو صغيرة؛ وفي الفائق ضرب من الأبنية في السفر
(١) أحمد في المسند ٣٨٧/٤.
الحديث رقم ٣٨٢٦: أخرجه الترمذي في السنن ١٤٣/٤ الحديث رقم ١٦٢٥، والنسائي في ٤٩/٦
الحدیث رقم ٣١٨٦، وأحمد في المسند ٣٤٥/٤.
(٢) الحاكم في المستدرك ٢/ ٨٧.
الحديث رقم ٣٨٢٧: أخرجه الترمذي في السنن ١٤٤/٤ الحديث رقم ١٦٢٧ وأحمد فى المسند ٢٧٠/٥.
٠٠- ١-
٠٦٫٠٠
٠٦٥٦٥
٣٥٨
٣٣٠:
كتاب الجهاد
١٠
في سبيلِ الله، ومنحَةُ خادم في سبيل الله، أو طروقَةُ فخلٍ في سبيل الله)). رواه الترمذي.
٣٨٢٨ _ (٤١) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ لّهِ: ((لا يلِجُ النَّارَ مَنْ بكى منْ
خشيةِ اللَّهِ حتى يعودَ اللبَنُ في الضَّرْعِ، ولا يجتمِعُ على عبْدٍ غُبَارٌ في سبيلِ الله ودُخانُ
جهنّمَ)). رواه الترمذي. وزاد النسائيّ في أخرى: ((في منْخرَيْ مسلم أبداً)). وفي أخرى:
دون السرادق؛ وفي التهذيب الفسطاط بيت من شعر وفيه ست لغات فسطاط وفستاط
وفساط بضم الفاء وكسرها فيهن والضم أجود (في سبيل الله) وهو أعم من أن يعطي
للغازي أو الحاج ونحوهما أو عارية أو استظلالاً على وجه المشاركة (ومنحة خادم) بكسر
الميم (في سبيل الله). وفي رواية الجامع أو منحة خادم أي عطية خادم ملكاً أو إعارة،
ومنه يعلم خدمته بنفسه بالأولى (أو طروقة فحل) بفتح الطاء وضم الراء أي إعطاء مركوب
كذلك (في سبيل الله) طروقة الفحل هي التي بلغت أوان ضراب الفحل والتقييد به لبيان
الأفضلية، وكذا لو قيدت المنحة بالملكية. ففي النهاية منحة [للبن] أن يعطيه ناقة أو شاة
ينتفع بلبنها(١) زماناً ويعيدها، وقد تقع المنحة على الهبة مطلقاً لا قرضاً ولا عارية. قال
الطيبي: فقوله: أو طروقة فحل عطف على منحة خادم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه
مقامه أي منحة ناقة وكان من الظاهر أن يقال منحة فسطاط كما في الغريبين، فوضع الظل
موضعها لأن غاية منفعتها الاستظلال بها. (رواه الترمذي)، وكذا أحمد، ورواه الترمذي عن
عدي بن حاتم. وفي رواية الطبراني عن ابن مسعود أفضل الصدقة المنح أن تمنح الدرهم
أو ظهر الدابة.
٤٠*٦
٣٨٢٨ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا يلج النار)))، أي لا
يدخلها (من بكى من خشية الله) فإن الغالب من الخشية امتثال الطاعة واجتناب المعصية، (حتى
يعود اللبن في الضرع) هذا من باب التعليق بالمحال كقوله تعالى: ﴿حتى يلج الجمل في سم
الخياط﴾ [الأعراف - ٤٠] (ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم) فكأنهما
ضدان لا يجتمعان، كما أن الدنيا والآخرة نقيضان. (رواه الترمذي) وكذا النسائي وابن ماجه
(وزاد النسائي في أخرى) أي في رواية أخرى (في منخري مسلم) بفتح الميم وكسر الخاء وهو
الأصح الأفصح، ففي الصحاح المنخر ثقب الأنف، وقد تكسر الميم إتباعاً لكسرة الخاء (٢)،
وفي القاموس المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما، وكمجلس خرق الأنف. وفي
الضياء حقيقته موضع النخر وهو مد النفس في الخياشيم، والمعنى لا يجتمع على عبد غبار في
سبيل الله، ودخان جهنم في خرقي أنف مسلم (أبداً) أي في زمان من الأزمان (وفي أخرى له)
(١) في المخطوطة ((بها)).
الحديث رقم ٣٨٢٨: أخرجه الترمذي في السنن ١٧٤/٤ الحديث رقم ١٦٣٣، والنسائي في ٦/ ١٢
الحديث رقم ٣١٠٧، وابن ماجه في ٩٢٧/٢ الحديث رقم ٢٧٧٤، وأحمد في المسند ٢/ ٥٠٢.
(٢) في المخطوطة ((كثرة الخطأ)).
٣٥٩
كتاب الجهاد
(في جوفِ عبدٍ أبداً، ولا يجتمِعُ الشّخُّ والإِيمانُ في قلبٍ عبدٍ أبداً».
أي في رواية أخرى للنسائي (في جوف عبد أبداً) أي حيث دخل فيه الغبار، فيمتنع دخول
الدخان عليه لأن الاجتماع في حيز الامتناع (ولا يجتمع الشح) أي البخل الذي يوجب منع
الواجب أو يجر إلى ظلم العباد (والإيمان) أي الكامل (في قلب عبد أبداً) الكشاف الشح بالضم
والكسر اللوم، وأن تكون نفس الرجل كزة حريصة على المنع، وقد أضيف إلى النفس في قوله
تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [التغابن - ١٦] لأنه غريزة فيها. ولذا قال
تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان فتوراً﴾
[الإسراء - ١٠٠] وقال ◌َله: وقد قيل: إنه من الآيات المنسوخة (١). ولو كان لابن آدم واديان
من ذهب لابتغى ثالثاً ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وأما
البخل فهو المنع نفسه. قال الطيبي: فإذا البخل أعم لأنه قد يوجد البخل ولا شح ثمة ولا
ينعكس، وعليه ما ورد في شرح السنة جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: إني أخاف أن أكون قد
هلكت فقال: ما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: ﴿ومن يوق شح نفسه﴾ أي يحفظ ﴿فأولئك هم
المفلحون﴾، وأنا رجل شحيح لا يكاد أن يخرج من يدي شيء، فقال ابن مسعود: ليس ذاك
بالشح الذي ذكر الله إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلماً، ولكن ذاك البخل وبئس الشيء
البخل. وقال ابن جبير: الشح إدخال الحرام ومنع الزكاة، وروينا عن مسلم عن جابر أن رسول
الله وَّر قال: ((اتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا
محرامهم)» (٢) واعلم أن حقيقة الإنسان على ما أشار إليه شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص
السهروردي عبارة عن روح ونفس وقلب، وإنما سمي القلب قلباً لأنه تارة يميل إلى الروح
ويتصف بصفتها فيتنوّر ويفلح، وأخرى إلى النفس فيصير مظلماً، فإذا اتصف بصفة الروح
تنوّر. وكان مقراً للإيمان والعمل الصالح، ففاز وأفلح. قال تعالى: ﴿أولئك على هدى من
ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة - ٥] وإذا اتصف بصفة النفس أظلم وكان مقراً للشح
الهالع فخاب وخسر ولم يفلح. قال تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾
[الحشر - ٩] فأنى يجتمعان في قلب واحد اهـ. والمعنى أنهما لا يجتمعان في قلب واحد على
وجه الكمال، فإن المخلط يميل قلبه إلى الروح تارة فتزول عنه الخصائل الذميمة، وقد يميل
إلى النفس فيعود إليها الأحوال الدينية، وقد يكون في آن واحد له جولان وميلان إلى الطرفين،
كجولان المرآة إلى الجانبين، فينطبع وينعكس فيها من كل من الحالين، وإليه الإشارة بما ورد
في الحديث من ((أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)» (٣) رواه الترمذي
وغيره. وفي رواية أحمد مثل القلوب كريشة بأرض فلاة يقلبها الرياح ظهر البطن وهذا أمر
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٢٥٣/١١ الحديث رقم ٦٤٣٦، ومسلم في ٧٢٥/٢ - ٧٢٦ الحديث
رقم (١١٨ - ١٠٤٦).
(٢)
أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٩٦/٤ الحديث رقم (٥٦ - ٢٥٧٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٤٥/٤ الحديث رقم (١٧ - ٢٦٥٤).
الحدصى
/ ٧٤٠١
/١٠٠
٣٦٠
كتاب الجهاد
٣٨٢٩ - (٤٢) وعن ابنِ عبَّاسِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((عَينانِ لا تَمسُّهُما النَّارُ:
عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ باتت تحرُسُ في سبيلِ الله)). رواه الترمذي.
٣٨٣٠ _ (٤٣) وعن أبي هريرةَ، قال: مرّ رجلٌ من أصحابِ رسولِ الله ◌َلّر بشِعبٍ
فيهِ عُيينةٌ
مشاهد لأرباب الشهود، ولذا كان ◌َ ل# يكثر أن يقول: ((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على
دينك))(١). وفي حديث آخر ((لا تكلني إلى نفسي طرفة فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى
ضعف وعورة وذنب وخطيئة))(٢). ومن أراد الاستقصاء فعليه بالأحياء(٣).
١٠٠٠ /
٣٨٢٩ - (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلجر: ((عينان لا تمسهما
النار))). وفي رواية أبداً أي لا يصيبهما أدنى إصابة. وفي رواية لا تريان النار، وفي رواية زيادة
أبداً (عين بكت من خشية الله) وهي مرتبة المجاهدين مع النفس التائبين عن المعصية سواء كان
عالماً أو غير عالم (وعين باتت تحرس). وفي رواية تكلأ (في سبيل الله)، وهي مرتبة
المجاهدين في العبادة وهي شاملة لأن تكون في الحج أو طلب العلم أو الجهاد أو العبادة.
والأظهر أن المراد به الحارس للمجاهدين لحفظهم عن الكفار [قال الطيبي: قوله عين بكت]
هذا كناية عن العالم العابد المجاهد مع نفسه لقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
[فاطر - ٢٨] حيث حصر الخشية فيهم غير متجاوز عنهم، فحصلت النسبة بين العينين عين
مجاهد مع النفس والشيطان، وعين مجاهد مع الكفار والخوف والخشية مترادفان. قال الشيخ
أبو حامد في الأحياء: الخوف سوط الله تعالى يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل
لينالوا بهما رتبة القرب إلى الله تعالى. اهـ فكل خوف لا يورث ما ذكر لم يكن خوفاً حقيقاً،
والتحقيق أن الخشية خوف مع التعظيم، ولذا جرد عن معنى الخوف، وأريد التعظيم في قراءة
شاذة ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)) برفع الجلالة ونصب العلماء (رواه الترمذي) أي عن
أنس، وفي الجامع الصغير لفظه عين بكت في جوف الليل من خشية الله، ورواه الضياء
والطبراني في الأوسط عن أنس بتغيير يسير كما أشرنا إليه (٤).
٣٨٣٠ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر رجل من أصحاب رسول الله واليوم
بشعب) بكسر أوّله وهو ما انفرج من الجبلين وغيره، (وفيه عيينة) تصغير عين بمعنى المنبع
(١) أخرجه ابن ماجه في سنن ٣٤/١ الحديث رقم ٨٨. وليس عند أحمد.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه الحديث (٥٦ - ٢٥٧٨).
(٣) أخرج شطره الأول البزار. عن ابن عمر، ولم أقف عليه بهذا النص.
/ ١١٣٠
(٤) أي ((إحياء علوم الدين)) للإمام الغزالي رحمه الله تعالى.
الحديث رقم ٣٨٢٩: أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ١٥٠ الحديث رقم ١٦٣٩.
(٥) الجامع الصغير ٣٤٨/٢ الحديث رقم ٥٦٤٧ والحديث رقم ٥٦٤٩.
الحديث رقم ٣٨٣٠: أخرجه الترمذي في السنن ١٥٥/٤ الحديث رقم ١٦٥٠، وأحمد فى المسند ٥٢٤/٢.
'ےے
١٢٦٠ ١/