النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
٠١٠
كتاب الجهاد
الفصل الأول
٣٧٨٧ _ (١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: (مَنْ آمَنَ باللَّهِ ورسولهِ،
وأقامَ الصَّلاةَ، وصامَ رمضانَ؛ كانَ حقّاً على الله أنْ يُدْخِلَه الجنَّةَ، جاهدَ في سبيلِ الله، أوْ
جلسَ في أرضِه التي وُلدَ فيها» قالوا: أفَلا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟. قال: ((إِنَّ في الجثّةِ.
من فروض الأعيان سواء كان المستنفر عدلاً أو فاسقاً، فيجب على جميع أهل تلك البلدة
النفر، وكذا من يقرب منهم إن لم يكن بأهلها كفاية أو تكاسلوا وعصوا، وهكذا إلى أن
يجب على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً كجهاز الميت والصلاة عليه، يجب أوّلاً على
أهل محلته، فإن لم يفعلوا وعجزاً وجب على من ببلدهم على ما ذكرنا، هكذا ذكروا
وكان معناه إذا دام الحرب بقدر ما يصل الأبعدون وبلغهم الخبر وإلا [فهو] تكليف ما لا
يطاق، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ [التوبة - ٤١] قيل: المراد
به ركباناً ومشاة، وقيل: شباناً وشيوخاً، وقيل: عزاباً ومتزوّجين، وقيل: أغنياء وفقراء،
وينبغي أن يقال قول آخر، وهو كل من هذه أي انفروا مع كل من هذه الأحوال، وحاصله
إن لم يعذر أحد فأفاد العينية، وفيه نظر لأن الجهاد على كل من ذكر في التفسير المذكور
على الكفاية فلا يفيد تعيينها العينية، بل الحق أن هذه الآية وما تقدم من الآيات كلها
الإفادة الوجوب، ثم تعرف الكفاية بالآية المتقدمة، وأما العينية فالإجماع مع أنه إغاثة
الملهوف المظلوم، وقد قال محمد: ((الجهاد واجب وأنهم في سعة من تركه حتى يحتاج
إليهم)) هذا ولا بد من الاستطاعة، فلا يخرج المريض المدفف، وأما الذي يقدر على
الخروج دون الدفع فينبغي أن يخرج لتكثير السواد فإن فيه إرهاباً(١).
(الفصل الأوّل)
٣٧٨٧ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَليقول: ((من آمن بالله ورسوله)
يعني وبما جاء من عندهما مجملاً ومفصلاً (وأقام الصلاة) أي في مواقيتها (وصام رمضان)
خصهما بالذكر من بين العبادات البدنية تنبيهاً على عظم شأنهما، وتحريضاً عليهما لصعوبة
موقعهما على الطباع، ومن راعاهما مع كونهما أشق لا يترك غيرهما غالباً، ويمكن أن ورود
هذا الحديث قبل وجوب الزكاة والحج أو عدم ذكرهما لاختصاصهما بالأغنياء (كان حقاً) أي
ثابتاً بوعده الصادق (على الله أن يدخله الجنة) أي دخولاً أوّلياً، وإلا فمجرد الإيمان كاف
لمطلق الدخول، وقيل: المراد رفع الدرجات من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم لأن رفعها
(١) فتح القدير ١٨٧/٥ - ١٩٢.
الحديث رقم ٣٧٨٧: أخرجه البخاري في صحيحه ١١/٦ الحديث رقم ٢٧٩٠، وأحمد في المسند ٣٣٥/٢.
.G .

٣٢٢
کتاب الجهاد
مائةَ درجةٍ أعدَّها اللَّهُ للمجاهدينَ في سبيلِ اللهِ، ما بينَ الدَّرجتَين كما بينَ السَّماءِ والأرضِ،
فإِذا سألتُمُ اللَّهَ فاسألوهُ الفِردَوْسَ فإِنَّهُ أوْسَطُ الجنَّةِ وأعلى الجنَّةِ، وفوْقَه عرشّ الرَّحمنِ،
ومنه تفجَّرُ أنهارُ الجنَّةِ)) رواه البخاري.
يستلزم الدخول، فلا يرد أن الدخول بالفضل والرفع بالأعمال. (جاهد في سبيل الله) وروي
هاجر (أو جلس في أرضه التي ولد فيها) أي ولم يجاهد ولم يهاجر، والتسوية تدل على أن
الجهاد فرض كفاية. قال ابن الملك: هذا يدل على أن الحديث صدر يوم فتح مكة لأن الهجرة
قبله كانت فريضة لكل مؤمن في الابتداء (قالوا: أفلا نبشر) وفي نسخة به (الناس قال: إن في
الجنة): قال السيوطي: القائل في قالوا معاذ بن جبل كما في الترمذي(١) وزاد بعده قال: ذر
الناس يعملون فإن في الجنة (مائة درجة) زاد الترمذي، لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن
لوسعتهم (٢) (أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله) هم الغزاة أو الحجاج أو الذين جاهدوا
أنفسهم في مرضاة الله (ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) ورد في حديث إن ما بينهما
مسيرة خمسمائة عام(٣) (فإذا سألتم الله) أي على الجهاد درجة عالية (فسلوه) بالتخفيف والنقل
أي فاطلبوا منه (الفردوس فإنه) أي الفردوس (أوسط الجنة) أي أعدلها وأفضلها وأوسعها
وخيرها ذكره السيوطي (وأعلى الجنة) قيل فيه دلالة على أن السموات كرية، فإن الوسط لا
يكون أعلى إلا إذا كان كرياً: قال الطيبي: النكتة في الجمع بين الأعلى والأوسط أنه أراد
بأحدهما الحسي وبالآخر المعنوي، فإن وسط الشيء أفضله وخياره، وإنما كان كذلك لأن
الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأوساط محمية محفوظة. قال الطيبي: كانت هي الوسط
المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفاً (وفوقه عرش الرحمن) فهو سقف الجنة كما
ورد في الحديث، وفوق بالنصب؛ وفي نسخة بالرفع. قال التوربشتي: قيده الأصيلي بضم
القاف أي أعلاه، والجمهور بالنصب على الظرف (ومنه) أي من الفردوس (تفجر) أي تتفجر
(أنهار الجنة) أي أصول الأنهار الأربعة من الماء واللبن والخمر والعسل. قال الطيبي: فإن
قلت: كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين ما ورد في صفة أهل الجنة ((في الجنة مائة درجة ما
بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها (٤): قلتا: هو مطلق محمول على
هذا المقيد أو تفسير للمجاهدين بالعموم درجة، والدرجات بحسب مراتبهم في الجهاد، فيكون
الفردوس لمن جاهد حق جهاده. قال القاضي عياض: يحتمل أن تجري الدرجات على ظاهره
محسوساً، كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراؤون كالكوكب الدري، وأن تجري على المعنى،
والمراد كثرة النعيم وعظيم الإحسان مما لم يخطر على قلب بشر، ذكره النووي في شرح
مسلم. (رواه البخاري).
٢٠٠٦ ج١ص
(١) أخرجه الترمذي في السنن ٥٨٢/٤ الحديث رقم ٢٥٣٠.
(٢) أخرجه الترمذي في السنن ٥٨٣/٤ الحديث رقم ١٥٣٢.
(٣) الترمذي في السنن ٥٨٦/٤ الحديث رقم ٢٥٤٠.
(٤) أخرجه الترمذي في السنن ٥٨٣/٤ الحديث رقم ٢٥٣١.
٠۵٠

٣٢٣
كتاب الجهاد
٣٧٨٨ - (٢) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مثلُ المجاهدِ في سبيلِ اللَّهِ كمثَلٍ
الصَّائِمِ القائِمِ القانتِ بآيَاتِ اللَّهِ، لا يفتُرُ منْ صيامٍ ولا صلاةٍ حتى يرجِعَ المجاهدُ في سبيلِ
الله)). متفق عليه.
٣٧٨٨ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَليقول: ((مثل
المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم))) أي بالصلاة والطاعة والعبادة، أو المراد به الواقف
في الصلاة دون القاعد (القانت بآيات الله) أي القارىء بها. وقال شارح: المراد به القارىء
للقرآن في الصلاة؛ قال صاحب النهاية: القنوت في الحديث يرد لمعانٍ متعددة كالطاعة،
والخشوع، والصلاة، والدعاء، والعبادة. والقيام، وطول القيام، والسكوت. قال الطيبي:
يحتمل أن يراد هنا بالقانت القائم، فيكون تعلق الباء به كتعلقه في قولك: قام بالأمر إذا جد فيه
وتجلد له، فالمعنى القائم بما يجب عليه من استفراغ الجهد في معرفة كتاب الله والامتثال بما
أمر به، والانتهاء عما نهى عنه، وأن يراد به طول القيام فيكون تابعاً للقائم أي المصلي الذي
يطول قيامه في الصلاة فتكثر قراءته فيها، ويؤيد الوجه الثاني قوله (لا يفتر من صيام ولا صلاة)
ويفتر كينصر أي لا يسأم ولا يمل من العبادة (حتى يرجع المجاهد في سبيل الله) أي إلى بيته أو
حتى ينصرف عن جهاده. قال الطيبي: فإن قلت فيما شبهت حال المجاهد بحال الصائم القائم
قلت: في نيل الثواب الجزيل بكل حركة وسكون في كل [حين] وأوان، لأن المراد من الصائم
القائم من لا يفتر ساعة من ساعاته آناء الليل وأطراف النهار من صيامه وصلاته شبه المجاهد
الذي لا يضيع لمحة من لمحاته من أجر وثواب سواء كان قائماً أو نائماً يقاتل العدوّ أم لا
بالصائم القائم الذي لا يفتر عما هو فيه، فهو من التشبيه الذي المشبه به مفروض غير محقق،
وهو من قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل﴾ [التوبة -
١٢٠] الآيتين. (متفق عليه.) قال ابن الهمام: عن أبي هريرة قيل: يا رسول الله ما يعدل
الجهاد في سبيل الله، قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا
تستطيعونه، ثم قال: ((مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر
عن صلاته ولا صيامه حتى يرجع المجاهد في سبيل الله)). وفي الجامع الصغير مثل المجاهد
في سبيل الله، والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم الدائم الذي لا يفتر من
صيام ولا صدقة حتى يرجع وتوكل الله [تعالى] للمجاهد في سبيل إن توفاه أن يدخله الجنة، أو
يرجعه سالماً مع أجر أو غنيمة)) رواه الشيخان والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله
عنه(١).
الحديث رقم ٣٧٨٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٦ الحديث رقم ٢٧٨٧. ومسلم في ١٤٩٨/٣
الحديث رقم (١١٠ - ١٨٧٨) ومالك في الموطأ ٤٤٣/٢ الحديث رقم ١ من كتاب الجهاد.
(١) الجامع الصغير ٤٩٩/٢ الحديث رقم ٨١٥٦.

٣٢٤
کتاب الجهاد
٣٧٨٩ _ (٣) وعنه، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((انتدَبَ اللَّهُ لمنْ خرَجَ في سبيلِه لا
يُخرِجُهُ إِلاَّ إِيمانٌ بي وتصديقَ برسُلي؛ أنْ أُرِجِعَه بما نالَ منْ أجرٍ وغَنيمةٍ، أوْ أُدْخِلَه
الجنَّةَ)) .
٦٢٠
7612r
٣٧٨٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَله: انتدب الله)
أي ضمن (لمن خرج في سبيله) أي الجهاد (لا يخرجه) أي حال كونه لا يكون باعث خروجه
(إلا الإيمان بي وتصديق برسلي) فيه التفات، وفي جمع الرسل إشارة إلى أن تصديق واحد
تصديق للكل أو إيماء إلى تعظيمه، فإنه قام مقام الكل (إن أرجعه) أي بفتح همزة وكسر جيم
أي أرده (بما نال) أي أدرك (من أجر) أي فقط إن لم يغنم شيئاً (أو غنيمة) أي معها أجر فأو
للتنويع وكذا في قوله (أو أدخله الجنة) عطفاً على أرجعه أي دخولاً أوّلياً. وفي النهاية: انتدب
الله، أي أجابه إلى غفرانه يقال: ندبته فانتدب أي بغيته ودعوته فأجاب. وقال التوربشتي: وفي
بعض طرقه تضمن الله، وفي بعضها تكفل الله وكلاهما أشبه بنسق الكلام من قوله: انتدب الله،
وكل ذلك صحاح. قال الطيبي: قوله إن أرجعه متعلق بانتدب بحرف الجار على تضمين تكفل
أي تكفل الله بأن يرجعه فأرجعه؛ حكاية قول الله تعالى ولعل انتدب أشبه وأبلغ لأنه مسبوق
بدعوة الداعي مثل صورة خروج المجاهد في سبيل الله بالداعي الذي يدعو الله، ويندبه لنصرته
على أعداء الدين، وقهره أحزاب الشياطين، ونيل أجوره، والفوز بالغنيمة على الاستعارة
التمثيلية، وكان المجاهد في سبيل الله الذي لا غرض له في جهاده سوى التقرب إلى الله تعالى
ووصلة ينال بها الدرجات العلى تعرض بجهاده لطلب النصر والمغفرة، فأجابه الله تعالى لبغيته
ووعد له إحدى الحسنيين أما السلامة والرجوع بالأجر والغنيمة، وأما الوصول إلى الجنة والفوز
بمرتبة الشهادة. وقوله بما نال على لفظ الماضي وارد على تحقق وعد الله تعالى وحصوله،
وقوله: إلا إيمان بي بالرفع. وقال النووي: إيماناً وتصديقاً بالنصب في جميع نسخ مسلم على
أنه مفعول له أي لا يخرجه مخرج، ولا يحركه محرك إلا إيماناً وتصديق [قال الطيبي على
رواية الرفع: المستثنى منه أعم عام الفاعل أي لا يخرجه مخرج ولا يحركه محرك إلا إيمان
وتصديق]. وعلى رواية النصب المستثنى منه أعم عام المفعول له أي لا يخرجه المخرج [ولا
يحركه] المحرك لشيء من الأشياء إلا للإيمان والتصديق. وقال الأشرف: في الكلام إضمار
أي انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلاً: لا يخرجه إلا إيمان بي، قلت: فالجملة مقول القول
وهو حال عن الله، والأظهر أنه وَ﴿ نقل كلامه تعالى أوّلاً بالمعنى، ثم عاد إلى نقل نظمه،
فكأنه قال: انتدبت لمن خرج في سبيلي الخ. وقال الطيبي: والأوفق أن يكون التفاتاً، إذ لو
قيل: لا إيمان به لكان مجرى على الظاهر، ولم يفتقر إلى الإضمار، فعدل تفخيماً لشأن
الحديث رقم ٣٧٨٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩٢/١ الحديث رقم ٣٦، ومسلم في ١٤٩٥/٣
الحديث رقم (١٠٣ - ١٨٧٦) والنسائي في السنن ١١٩/٨ الحديث رقم ٥٠٢٩ والدارمي في ٢/
٢٦٣ الحديث رقم ٢٣٩١، ومالك في الموطأ ٤٤٣/٢ الحديث رقم ٢ من كتاب الجهاد، وأحمد
في المسند ١١٧/٢.
xcir

٣٢٥
كتاب الجهاد
متفق عليه .
٣٧٩٠ - (٤) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((والذي نفْسي بيدِه لولا أنَّ رجالاً منَ
المؤمنين لا تطيبُ أنفسُهم أن يتخلَّفوا عني، ولا أجِدُ ما أحملُهم عليهِ؛ ما تخلّفتُ عنْ سريَّةٍ
تَغْزُو في سبيلِ الله. والذي نفْسي بيدِهِ، لوَدِدْتُ أنْ أُقتَلَ في سبيل الله، ثمَّ أُخيى، ثمَّ أُقتَلُ،
ثمَّ أُخْيِى، ثمَّ ◌ُقتَلُ، ثمّ
المخرج ومزيد الاختصاص وقربه، والجار من أن أرجعه محذوف أي أجاب الله دعاءه بأن
قال: إما أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة؛ قال التوربشتي: يروي أو غنيمة، وهو لفظ
الكتاب ويروي بالواو، وهو أوجه الروايتين وأسدهما معنى، قلت: فيه بحث إذ يلزم أن لا
يرجع المجاهد إلا بالجمع بين الأجر والغنيمة، وهي قد تحصل وقد لا تحصل. فالرواية بأو
هي الأصل، والأولى وتحمل الواو على معناها ليتم المعنى على المبنى، وفي شرح مسلم
للنووي قالوا: معناه أرجعه إلى مسكنه مع ما حصل له من الأجر بلا غنيمة إن لم يغنموا، أو
مع الأجر؛ والغنيمة معاً إن غنموا وقيل [إن أو هنا] بمعنى الواو أي من أجر وغنيمة، إذ وقع
بالواو في رواية أبي داود، وكذا في صحيح مسلم. في رواية يحيى بن يحيى، قال الطيبي: أو
بمعنى الواو ورد في التنزيل منه قوله تعالى: ﴿عذراً أو نذراً﴾ [المرسلات - ٦] كذا ذكره
القتيبي، قلت: لا مانع من ورود أو بمعنى الواو، وإنما الكلام في صحة إيراده ههنا على ما
سبق في تحقيق المعنى، مع أن المثال المذكور ليس فيه نص أن أو بمعنى الواو بل الظاهر أن
أو فيه للتنويع أيضاً أما بالنسبة إلى الملقيات أو بالإضافة إلى المكلفين قال الطيبي: قوله أو
غنيمة عطف على أجر وأدخله على أرجعه، فتكون صلة أن والتقدير أن الله تعالى أجاب
الخارج في سبيله إما بأن يرجعه إلى مسكنه مع أجر بلا غنيمة، أو أجر مع غنيمة، وإما أن
يستشهد، فيدخله الجنة؛ قال النووي: قال القاضي عياض: يحتمل أن يدخله عند موته كما قال
تعالى في الشهداء: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران - ٦٩] وأن يراد دخوله الجنة مع
السابقين المقربين بلا حساب ولا عذاب، وتكون الشهادة مكفرة لذنوبه. (متفق عليه). ورواه
النسائي وابن ماجه.
٣٧٩٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلثر: ((والذي
نفسي بيده لولا أن رجالاً) أي فقراء (من المؤمنين لا تطيب) أي لا ترضى (أنفسهم أن يتخلفوا
عني) لعدم مركوبهم (ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية) أي جماعة قليلة (تغزو في
سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت) بكسر الدال أي تمنيت (أن أقتل) بالبناء للمجهول أي
أستشهد (في سبيل الله، ثم أحيا) بصيغة المفعول من الأحياء (ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم
الحديث رقم ٣٧٩٠: أخرجه البخاري في صحيحه ١٦/٦ الحديث رقم ٢٧٩٧، ومسلم في ١٤٩٧/٣
الحديث رقم (١٠٦ - ١٨٧٦)، والنسائي في السنن ٣٢/٦ الحديث رقم ٣١٥٢، وابن ماجه في
السنن ٩٢٠/٢ الحديث رقم ٢٧٥٣، وأحمد في المسند ٢٧٣/٢.

٣٢٦
:١٢
كتاب الجهاد
أُخْيِى، ثمَّ أُقْتَلُ)). متفق عليه.
٣٧٩١ - (٥) وعن سهل بن سعدٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َِّهِ: ((رِباطُ يومٍ في سبيلِ
اللَّهِ، خيرٌ منَ الدُّنيا وما عليها)). متفق عليه.
٣٧٩٢ - (٦) وعن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: («الغَدْوَةٌ في سبيلِ الله أوْ رَوْحةٌ
خيرٌ منَ الدُّنيا
أحيا) ثلاث مرات (ثم أقتل)، وفي تركه ثم أحيا مبالغة بليغة لا تخفى. قال النووي: فيه فضيلة
الغزو والشهادة، وتمنى الشهادة والخير، وما لا يمكن في العادة من الخيرات، وفيه إن الجهاد
من فروض الكفاية لا من العين. قلت: وفيه بحث إذ قد يصير عيناً، وفيه ما كان وَ ل* من
الشفقة على المسلمين والرأفة، وأنه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين يعني الذين لا
مركوب لهم، فإنه إذا تعارضت المصالح يوثر أهمها اهـ، فإن قلت: كيف صدر منه هذا،
التمني مع علمه بأنه لا يقتل، أجيب: بأن التمني لا يستلزم الوقوع، (متفق عليه).
٣٧٩١ - (وعن سهل بن سعدي رضي الله عنه) أي الساعدي (قال: قال رسول الله وَليلٍ:
(رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها))). وفي نسخة وما فيها، أي من المال المنفق
في سبيل الله، أو جزاؤه خير من الدنيا وما فيها، والرباط بكسر أوّله هو الإقامة في مكان يتوقع
هجوم العدو فيه لقصد دفعه لله تعالى، وسيأتي زيادة في تحقيقه، (متفق عليه). وزاد البخاري
وأحمد والترمذي عنه: ((وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة أو
الغدوة يروحها العبد في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها))(١). وروى أحمد عن ابن عمرو
بلفظ رباط [يوم خير من صيام شهر وقيامه (٢)؛ وروى الترمذي والنسائي والحاكم عن عثمان
ولفظه رباط] يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل (٣). وروى الطبراني عن
أبي الدرداء: ((رباط شهر خير من صيام دهر ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر
وغدى عليه يرزقه وريح من الجنة ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله)).
٣٧٩٢ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلفي: ((لغدوة))) بفتح اللام والغين
المعجمة وسكون الدال أي ذهاب في النصف الأول من النهار (في سبيل الله أو روحة) بفتح
فسكون أي ذهاب في النصف الأخير منه، وأو للتنويع لا للشك (خير) أي كل منهما (من الدنيا
الحديث رقم ٣٧٩١: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٨٥ الحديث رقم ٢٨٩٢.
(١) أخرجه الترمذي في السنن ١٥٤/٤ الحديث رقم ١٦٤٨، وأحمد في المسند ٤٣٣/٣.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٧٧.
(٣) أخرجه الترمذي في السنن ٦٢/٤ الحديث رقم ١٦٦٧، والنسائي في ٦ / ٤٠ الحديث رقم ٣١٦٩،
والحاكم في المستدرك ٢/ ١٤٣.
الحديث رقم ٣٧٩٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٣٢/١١ الحديث رقم ٦٤١٥، ومسلم في ١٥٠٠/٣
الحديث رقم (١١٣ - ١٨٨١)، وأحمد في المسند ٣٣٩/٥.

وجيه
.39
٣٢٧
كتاب الجهاد
وما فيها)). متفق عليه.
٣٧٩٣ - (٧) وعن سلمانَ الفارسيِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((رِباطُ يوم
وليلةٍ في سبيلِ الله، خيرٌ منْ صِيامٍ شهرٍ وقِيامِهِ، وإِنْ ماتَ جَرَى عليهِ عملُه الذي كانَ يعملُهُ
وما فيها) واعلم أن اللام للابتداء أو القسم، والمعنى فضل الغدوة والروحة في سبيل الله خير
من نعم الدنيا كلها لأنها زائلة فانية، ونعم الآخرة كاملة باقية. ويحتمل أن المراد أن هذا القدر
من الثواب خير من الثواب الذي يحصل لمن لو حصلت له الدنيا وأنفقها في سبيل الله. (متفق
عليه). وزاد في الجامع الصغير ((ولقاب قوس أحدكم أو موضع قده في الجنة خير من الدنيا
وما فيها ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحاً ولأضاءت ما
بينهما، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها)). أخرجه أحمد والشيخان والترمذي وابن
ماجه عن أنس(١). والقد بالكسر وتر القوس والنصيف الخمار نصف المقنعة.
٣٧٩٣ - (وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه) بكسر الراء (قال: سمعت رسول الله وَلَد
يقول: ((رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه))) فيه لف ونشر مرتب. قال السيوطي:
الرباط بكسر الراء وبالموحدة الخفيفة، ملازمة المكان بين المسلمين والكفار لحراسة المسلمين
منهم. وقال بعض الشراح من علمائنا: الرباط المرابطة، وهو أن يربط هؤلاء خيولهم في
ثغرهم، وهؤلاء خيولهم في ثغرهم، ويكون كل منهم معداً لصاحبه مترصداً لمقصده ثم اتسع
فيها، فأطلقت على ربط الخيل، والاستعداد لغزو العدوّ، والحديث يحتمل المعنيين. اهـ وكأنه
أخذ من قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله
وعدوّكم﴾ [الأنفال - ٦٠] الآية. ويدل عليه إطلاق قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا
وصابروا ورابطوا﴾ [آل عمران - ٢٠٠] الآية. وروى البخاري عن أبي هريرة عنه وَّر: ((من
احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم
القيامة))(٢) وفي النهاية: الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدوّ بالحرب، وارتباط الخيل
وإعدادها والمرابطة، أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معداً لصاحبه، وسمي المقام
في الثغور رباطاً، فيكون الرباط مصدر رابط أي لازمة. وفي المقدمة: الرباط ملازمة الثغر
للجهاد، وأصله الحبس، كأن المرابط حبس نفسه فيه على الطاعة والثغر ما يلي دار العدوّ،
(وإن مات) أي المرابط بدلالة الرباط في ذلك المقام، أو في تلك الحالة (جرى عليه عمله) أي
ثواب عمله (الذي كان يعمله) أي في حياته، والمعنى أنه يصل إليه ثواب عمله أبداً. قال
النووي: وهذه فضيلة مختصة بالمرابط لا يشاركه فيها غيره، وقد جاء مصرحاً في غير مسلم
(١) الجامع الصغير ٤٤٧/٢ الحديث رقم ٧٢٨٦.
الحديث رقم ٣٧٩٣: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٢٠/٣ الحديث رقم (١٦٣ - ١٩١٣) والنسائي في
السنن ٣٩/٦ الحديث رقم ٣١٦٧، وأحمد في المسند ٤٤٠/٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٥٧ الحديث رقم ٢٨٥٣.

٣٢٨
:١٨
كتاب الجهاد
وأُجري علَيْهِ رِزُه، وأَمنَ الفتَّانَ)). رواه مسلم.
(كل ميت يختم على عمله، إلا المرابط فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة)) (وأجري عليه)
بصيغة المجهول أي أوصل إليه (رزقه) أي من الجنة قال الطيبي: ومعنى جرى عليه عمله
كقوله: جرى عليه القضاء أي يقدر له من العمل بعد الموت كما جرى منه قبل الممات، فجرى
هنا بمعنى قدر، ونحوه في المريض قوله ◌َ ل9: ((إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة
ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقاً))(١) قلت: وكذا ورد في
المسافر والشيخ الكبير. قال: ولما كان قوله مَالتر: ((وأجرى عليه رزقه)) تلميحاً إلى قوله تعالى:
﴿يرزقون﴾ [آل عمران - ٦٩] أجرى مجراه في البناء للمفعول (وأمن الفتان) بفتح الفاء وتشديد
التاء أي عذاب القبر وفتنته، ويؤيده الحديث الآتي في الفصل الثاني أو الذي يفتن المقبور
بالسؤال فيعذبه. وقيل: أراد الدجال، وقيل: الشيطان فإنه يفتن الناس بخدعه إياهم وبتزيين
المعاصي لهم؛ وفي نسخة بضم الفاء. وقال شارح للمصابيح من علمائنا ويروي: الفتان جمع
فاتن أي نار محرقة، أو الزبانية الذين يعذبون الكفار. قال النووي: ضبطوه من وجهين أحدهما
بفتح الهمزة وكسر الميم، والثاني أو من بضم الهمزة وإثبات الواو والفتان رواية الأكثرين بضم
الفاء جمع فاتن. ورواية الطبراني بالفتح، وفي سنن أبي داود ((وأمن من فتنة القبر))(٢)، قال
الطيبي: إذا روي بالفتح فالوجه ما قيل: من أن المراد الذي يفتن المقبور بالسؤال، فيعذبه.
وقد قال النبي ◌َّر: ((فيقيض له أعمى أصم)) وإن روي بالضم، فالأولى أن يحمل على أنواع من
الفتن بعد الإقبار من ضغطة القبر، والسؤال والتعذيب في القبر، وبعده من أهوال القيامة. (رواه
مسلم). قال ابن الهمام زاد الطبراني ((وبعث يوم القيامة شهيداً)). وروى الطبراني بسند ثقات في
حديث مرفوع ((من مات مرابطاً أمن من الفزع الأكبر)) ولفظ ابن ماجه بسند صحيح ((وبعثه الله
يوم القيامة آمناً من الفزع)) وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن [النبي] وَّر قال: ((إن صلاة المرابط
تعدل خمسمائة صلاة، ونفقته الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره
((والأحاديث في فضله كثيرة، واختلف المشايخ في المحل الذي يتحقق فيه الرباط، فإنه لا
يتحقق في كل مكان، ففي النوازل أن يكون في موضع لا يكون وراءه إسلام، لأن ما دونه لو
كان رباطاً فكل المسلمين في بلادهم مرابطون، ويؤيده ما في حديث معاذ بن أنس رضي الله
عنه عليه الصلاة والسلام: ((من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله تبارك وتعالى متطوّعاً لا
يأخذه سلطان لم ير النار بعينه ألا تحلة القسم)) فإن الله تعالى يقول: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾
[مريم - ٧١]. رواه أبو يعلى، لكن ليس يستلزم كون ذلك باعتبار المكان. فقد وردت أحاديث
كثيرة ليس فيها سوى الحراسة في سبيل الله، ولنختم هذه المقدمة بحديث البخاري عن أبي
هريرة عنه وَّل قال: ((تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة)) زاد في رواية وعبد
(١) البيهقي في السنن.
(٢) أخرجه أبو داود في السنن ٢٠/٣ الحديث رقم ٢٥٠٠ ولفظه (( ... ويؤمَّن فتَّان القبر)). وأخرجه
الترمذي في السنن ١٤٢/٤ الحديث رقم ١٦٢١ ولفظه (( ... ويأمنُ من فتنة القبر ... )).
جے ہ

٣٢٩
كتاب الجهاد
٣٧٩٤ _ (٨) وعن أبي عَبْسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((ما أغبرَّتْ قدَما عبدٍ في
سبيلِ الله؛ فتمَسَّه النارُ)). رواه البخاري.
٣٧٩٥ - (٩) وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِِّ قال: ((لا يجتمِعُ كافرٌ وقاتلُه في
القطيفة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتعش طوبى لعبد أخذ
بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة،
وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع)»(١).
٣٧٩٤ - (وعن أبي عبس رضي الله عنه) بفتح فسكون موحدة قال المؤلف: هو عبد
الرحمن بن جبير الأنصاري الحارثي، غلبت عليه كنيته، شهد بدراً ومات بالمدينة سنة أربع
وثلاثين، ودفن بالبقيع، وله سبعون سنة، (قال: قال رسول الله وَلتر: ((ما أغبرت قدما عبد)))
وفي رواية المستملي أغبرتا، ذكره السيوطي، فيكون من قبيل أكلوني البراغيث، والمعنى صارتا
ذاتي غبار (في سبيل الله) هو في الحقيقة كل سبيل يطلب فيه رضاه، فيتناول سبيل طلب العلم،
وحضور صلاة جماعة، وعيادة مريض، وشهود جنازة ونحوها، لكنه عند الإطلاق يحمل على
سبيل الجهاد؛ وقيل: يحمل على سبيل الحج لخبر أن رجلاً جعل بعيراً له في سبيل الله فأمره
◌َ* أن يحمل عليه الحاج، ومن هنا وقع الاختلاف في مصرف الزكاة عند قوله تعالى: ﴿وفي
سبيل الله﴾ [سورة النور: ٢٢] هل هو منقطع الغزاة، وهو قول أبي يوسف، أو منقطع الحاج
وهو قول محمد (فتمسه النار) بنصب تمسه على ما صرح به السيوطي وغيره [أي] أن المس
منتف بوجود الغبار المذكور قبل عدم الاغبرار أي عدم الجهاد فيما إذا كان فرض عين سبب
للمس لأن سببية الكل تستلزم سببية الجزء، وقيل: هو من باب التعليق بالمحال أي ليس في
شأن المجاهد سبب للمس إلا أن يفرض أن جهاده سبب له، وهو ليس بسبب له، فالاغبرار
ليس سبباً له، قال البرماوي: أي إن الاغبرار المترتب عليه المس منتف بانتفاء المس فقط؛ قال
الطيبي: قوله: فتمسه النار مسبب عن قوله: اغبرت، والنفي منصب على القبيلين معاً، وفائدته
أن غير المذكور محال حصوله، فإذا كان مس الغبار قدميه دافعاً (٢) لمس النار إياه، فكيف إذا
سعى فيها، واستفرغ جهده، وألقى النفس النفيس عليها بشراً شره فقتل وقتل. (رواه البخاري)،
وكذا الترمذي والنسائي.
٣٧٩٥ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَّر قال: ((لا يجتمع كافر وقاتله في
(١) فتح القدير ١٩٠/٥.
الحديث رقم ٣٧٩٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩/٦ الحديث رقم ٢٨١١. والترمذي في السنن ٤/
١٤٦ الحديث رقم ١٦٣٢، والنسائي في ١٤/٦ الحديث رقم ٣١١٦.
(٢) في المخطوطة ((واقع)).
الحديث رقم ٣٧٩٥: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٠٥/٣ الحديث رقم (١٣٠ - ١٨٩١)، وأبو داود في
السنن ١٧/٣ الحديث رقم ٢٤٩٥.

٣٣٠
7٥٥٠٠ 574
کتاب الجهاد
الثَّارِ أبداً». رواه مسلم.
٣٧٩٦ - (١٠) وعنه، قال: قال رسولُ الله ◌ِّرَ: (مِنْ خيرِ معاشِ النَّاسِ لهم، رجلٌ
مُمسكٌ عنانَ فرسهِ في سبيلِ الله، يطيرُ على مثْنِهِ، كلما سمِعَ هَيْعةً أوْ فزْعةً، طارَ عليهِ يبتَغي
القتْلَ والموْتَ مظَانّهُ
/١٣٠
النار))) في شرح مسلم، قال القاضي: يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافراً في الجهاد، فيكون
ذلك مكفراً لذنوبه حتى لا يعاقب عليها، وأن يكون عقابه بغير النار أو يعاقب في غير مكان
عقاب الكفار، ولا يجتمعان في إدراكها. قال الطيبي والأوّل هو الوجه، وهو من الكناية
التلويحية نفي الاجتماع، فيلزم منه نفي المساواة بينهما، فيلزم أن لا يدخل المجاهد النار أبداً،
فإنه لو دخلها لساواه. ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الفصل
الثاني: ((ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم)) وفي رواية في منخري مسلم،
وقوله: أبداً بمعنى قط في الماضي، وعوض في المستقبل تنزيلاً للمستقبل منزلة الماضي
الجوهري، يقال: لا أفعله أبد الآبد وأبد الآبدين، كما يقال: دهر الداهرين وعوض العائضين،
والمقام يقتضيه لأنه ترغيب في الجهاد وحث عليه، ونحوه قوله: ((ما اغبرت قدما عبد في سبيل
الله فتمسه النار» (رواه مسلم)؛ وکذا أبو داود.
٣٧٩٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَليقول: ((من خير
معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله))). قال القاضي: المعاش المتعیش به،
يقال: عاش الرجل معاشاً ومعيشاً وما يعاش به، فيقال له: معاش ومعيش. وفي الحديث يصح
تفسيره مبهماً أي بالمعنيين، ورجل بالابتداء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه،
أي معاش رجل هذا شأنه من خير معاش الناس، وقوله لهم: أي معاش الناس الكائن لهم لا
عليهم، أي هو من خير معاشهم النافع لهم (يطير على متنه) أي يسرع راكباً على ظهره مستعار
من طيران الطائر (كلما سمع هيعة) بفتح هاء وسكون تحتية أي صيحة يفزع منها ويجبن من
هاع يهيع إذا جبن (أو فزعة) أي مرة من الاستغاثة، واو للتنويع قال الطيبي: الفزعة فسر هنا
بالاستغاثة من فزع إذا استغاث وأصل الفزع شدة الخوف (طار عليه) أي أسرع راكباً على فرسه
طائراً إلى الهيعة أو الفزعة (يبتغي القتل والموت مظانه) بدل اشتمال من الموت، والأكثر على
أنه ظرف يبتغي، وهو استئناف مبين لحاله، أو حال من فاعل طار. قال الطيبي: أي لا يبالي
ولا يحترز منه، بل يطلبه حيث يظن أنه يكون، ومظان جمع مظنة، وهي الموضع الذي يعهد
فيه الشيء ويظن أنه فيه، ووحد الضمير في مظانه إما لأن الحاصل والمقصود منها واحد، أو
لأنه اكتفى بإعادة الضمير إلى الأقرب، كما اكتفى بها في قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب
والفضة ولا ينفقونها [في سبيل الله]﴾ [التوبة - ٣٤] قلت: وفي كثير من الروايات بأو، فإفراده
الحديث رقم ٣٧٩٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٠٣/٣ الحديث رقم (١٢٥ - ١٨٨٩)، وابن ماجه في
السنن ١٣١٦/٢ الحديث رقم ٣٩٧٧.

٣٣١
١٥٠
کتاب الجهاد
أوْ رجلٌ في غنيمةٍ في رأسٍ شَعَفَةٍ منْ هذِه الشّعَفِ، أو بطنٍ وادٍ من هذه الأودية، يُقيمُ
الصَّلاةَ ويُؤْتَي الزَّكَاةَ ويعبُدُ ربَّه حتى يأتيَه اليقينُ؛ ليسَ منَ النَّاسِ إِلاَ في خيرٍ)). رواه
مسلم.
على القياس، ويمكن جعل الواو بمعنى أو لتجتمع الروايات (أو رجل في غنيمة) أي في
معاشه، والظرف متعلق به إن جعل مصدراً، أو بمحذوف هو صفة لرجل، وغنيمة تصغير
غنم، وهو مؤنث سماعي ولذلك صغرت بالتاء، والمراد قطعة غنم (في رأس شعفة) بفتحتين
أي رأس جبل (من هذه الشعف) يريد به الجنس لا العهد، (أو بطن واد) أي في بطن واد (من
هذه الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة) أي إن كانت عليه (ويعبد ربه) تعميم بعد تخصيص (حتى
يأتيه اليقين) أي الموت سمي به لأنه لا شك في تحقيق وقوعه. وقال الغزالي: ((الموت يقين
يشبه الشك)» (ليس) أي كل واحد من الرجلين أو الثاني، وهو أقرب (من الناس) أي من
أمورهم (إلا في خير) أي في أمر خير. قال الطيبي: قوله هذه في الموضعين للتحقير نحو قوله
تعالى: ﴿وما هذه الحياة الدنيا﴾ [العنكبوت - ٦٤] ومن ثم صغر غنيمة وصفاً لقناعة هذا الرجل
بأنه يسكن في أحقر مكان، ويجزىء بأدنى قوت، ويعتزل الناس شره، ويستكفي شرهم عن
نفسه، ويشتغل بعبادة ربه حتى يجيئه الموت، وعبر عن الموت باليقين ليكون نصب عينه مزيداً
للتسلي، فإن في ذكرها ذم اللذات ما يعرضه عن أغراض الدنيا، ويشغله عن ملاذها بعبادة ربه
ألا ترى كيف سلى حبيبه صلوات الله عليه وسلامه حين لقي ما لقي من أذى الكفار بقوله:
﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون﴾ [الحجر - ٩٧] إلى قوله: ﴿((حتى يأتيك اليقين)»﴾
[الحجر - ٩٩] قال النووي: في الحديث دليل لمن قال بتفضيل العزلة على الخلطة، وفي ذلك
خلاف مشهور، فمذهب الشافعي وأكثر العلماء أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من
الفتن، ومذهب طوائف من الزهاد وأن الاعتزال أفضل، واستدلوا بالحديث. وأجاب الجمهور
بأنه محمول على زمان الفتن والحروب، أو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر على أذاهم،
وقد كانت الأنبياء صلوات الله عليهم وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين،
ويحصلون منافع الاختلاط بشهود الجمعة، والجماعة، والجنائز، وعيادة المريض، وحلق
الذكر، وغير ذلك. قال الطيبي: وفي تخصيص ذكر المعاش تلميح، فإن العيش المتعارف من
أنباء الدهر هو استيفاء اللذات والانهماك في الشهوات كما سميت البيداء المهلكة بالمفازة،
والمنجاة واللديغ بالسليم، وتلميح إلى قوله وَّه: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة)) وفيه أن لا
عيش ألذ وأمر أو أشهى وأهنأ مما يجد العبد من طاعة ربه، ويستروح إليها حتى يرفع تكاليفها
ومشاقها عنه، بل إذا فقدها كان أصعب عليه مما إذا أوتر أهله وماله، وإليه ينظر قوله وَطاهر:
((أرحمنا يا بلال)) [وقوله]: ((وجعل قرة عيني في الصلاة)) وتعريض بذم عيش الدنيا، وجماع
معنى الحديث الحث على مجاهدة أعداء الدين، وعلى مخالفة النفس، والشيطان، والإعراض
عن استيفاء اللذات العاجلة. (رواه مسلم).
CARE

٣٣٢
کتاب الجهاد
٣٧٩٧ - (١١) وعن زيد بن خالدٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ إِ لّهِ قال: ((مَنْ جهّزَ غازِياً في سبيلٍ
الله؛ فقدْ غَزا، ومَنْ خلَفَ غازِياً في أهلِه؛ فقدْ غَزا)). متفق عليه.
٣٧٩٨ - (١٢) وعن بُرِيدَةَ، قال: قال رسول الله وَّل: ((حُزْمةُ نساءِ المجاهدينَ على
القاعِدينَ كحرمةِ أُمَّهاتِهم، وما منْ رجُلٍ منَ القاعِدينَ يَخلُفُ رجلاً منَ المجاهدينَ في أهلِه
فيخونَه فيهِم؛ إِلاَّ وقفَ له يومَ القيامةِ، فيأخذُ منْ عملِه
/ ١٢٠١٧
٣٧٩٧ - (وعن زيد بن خالد رضي الله عنه) لم يذكره المؤلف في أسمائه (أن رسول الله
﴿ ﴿ قال: من جهز) بتشديد الهاء (غازياً) أي هيأ أسباب سفره (في سبيل الله) أي في الجهاد
(فقد غزا) أي حكماً، وحصل له ثواب الغزاة (ومن خلف) بفتح اللام المخففة (غازياً) أي قام
مقامه بعده، وصار خلفاً له برعاية أموره (في أهله فقد غزا). قال القاضي: يقال: خلفه في
أهله، إذا قام مقامه في إصلاح حالهم، ومحافظة أمرهم، أي من تولى أمر الغازي، وناب منابه
في مراعاة أهله زمان غيبته، شاركه في الثواب، لأن فراغ الغازي له واشتغاله به بسبب قيامه
بأمر عياله، فكأنه مسبب عن فعله. (متفق عليه). وفي رواية ابن ماجه عن عمر رضي الله عنه
مرفوعاً من جهز غازياً حتى يستقل كان له مثل أجره حتى يموت أو يرجع)).
٣٧٩٨ - (وعن بريدة رضي الله عنه) بالتصغير (قال: قال رسول الله وَلايقول: ((حرمة نساء
المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم))) مبالغة في اجتناب نسائهم، ومراعاة حقوقهن (وما
من رجل من القاعدين يخلف) بضم اللام أي يعقب (رجلاً من المجاهدين في أهله) أي امرأته
أو جاريته، أو قرابته في بيته (فيخونه فيهم) أي فيخون الرجل فيهن وأهلهن، ففيه تغليب.
وقال الطيبي: الضمير المفعول عائد إلى رجلاً، وفي فيهم إلى الأهل تعظيماً وتفخيماً لشأنهن
كقول الشاعر :
وإن شئت حرمت النساء سواكم
وإنهن ممن يجب مراعاتهن وتوقيرهن، وإلى هذا المعنى أشار ◌َ ط# بقوله: ((كحرمة
أمهاتهم)) (الأوقف) بصيغة المفعول من الوقوف أي جعل الخائن (واقفاً له) أي للرجل ولأجل
ما فعل من سوء الخلافة للغازي (في أهله يوم القيامة) وزاد في الجامع الصغير فقيل له: قد
خلفك في أهلك فخذ من حسناته ما شئت. (فيأخذ) أي الرجل (من عمله) أي من أعمال
الحديث رقم ٣٧٩٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٩/٦ الحديث رقم ٢٨٤٣، ومسلم في ١٥٠٧/٣
الحديث رقم (١٣٥ - ١٨٩٥)، وأبو داود في السنن ٢٥/٣ الحديث رقم ٢٥٠٩، والنسائي في ٦/
٤٦ الحديث رقم ٣١٨٠، وابن ماجه ٢/ ٩٢٢ الحديث رقم ٢٧٥٩، وأحمد في المسند ١١٥/٤.
الحديث رقم ٣٧٩٨: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٠٨/٣ الحديث رقم (١٣٩ - ١٨٩٧)، وأبو داود في
السنن ١٧/٣ الحديث رقم ٢٤٩٦، والنسائي في ٦/ ٥ الحديث رقم ٢٤٩٦، وأحمد في المسند
٣٥٥/٥.

٣٣٣
كتاب الجهاد
ما شاءَ، فما ظنّكم؟)). رواه مسلم.
٣٧٩٩ - (١٣) وعن أبي مسعود الأنصاريِّ، قال جاءَ رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ فقال: هذه في
سبيلِ اللَّهِ فقالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لكَ بِها يومَ القيامةِ سبعُمائةِ ناقةٍ كلُّها مخطومةٌ». رواه مسلم.
٣٨٠٠ _ (١٤) وعن أبي سعيد الخدري: أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِهِ بعثَ بعثاً إِلى بنِي لخيانَ
من هُذَيْلٍ.
الخائن (ما شاء) أي في مقابلة ما شاء من عمله بالنسبة إلى أهل الغازي (فما ظنكم). قال
النووي: معناه فما تظنون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته والاستكثار منها في ذلك المقام أي
لا يبقى منها شيء إلا أخذه. وقال المظهر: أي ما ظنكم بالله مع هذه الخيانة؟ هل تشكون في
هذه المجازاة؟ أم لا يعني فإذا علمتم صدق ما أقول، فاحذروا من الخيانة في نساء
المجاهدين. وقال التوربشتي: أي فما ظنكم بمن أحله الله بهذه المنزلة، وخصه بهذه الفضيلة،
فربما يكون وراء ذلك من الكرامة. (رواه مسلم)، وكذا أحمد والنسائي.
٣٧٩٩ - (وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه) مر ذكره (قال: جاء رجل بناقة
مخطومة) أي فيها خطام وهو قريب من الزمام، كذا في الشرح مسلم. وفي النهاية: خطام
البعير أن يؤخذ حبل من ليف أو شعر أو كتان، فيجعل في أحد طرفيه حلقة ثم يشد به الطرف
الآخر حتى يصير كالحلقة ثم يقلد البعير ثم يثني على مخطمه، وأما الذي يجعل في الأنف
دقيقاً فهو الزمام. وفي الحديث: لا زمام، أراد به ما كان عباد بني إسرائيل يفعلونه من زم
الأنوف، وهو أن يخرق الأنف ويعمل فيه زمام كزمام الناقة لتقاد به، والخطم الأنف، والخطام
ككتاب الذي يقاد به البعير، وخطم البعير وضع الخطام في رأسه (فقال هذه): أي صدقة (في
سبيل الله فقال رسول الله ويلي: ((ألك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة))). قال النووي:
قيل: يحتمل أن يكون المراد أن له أجر سبعمائة ناقة في غير سبيل الله، وأن يكون على
ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمائة ناقة يركبها حيث شاء للتنزه، كما جاء في خيل الجنة.
(رواه مسلم)، وكذا النسائي.
٣٨٠٠ - (وعن أبي سعيد) أي الخدري رضي الله عنه، كما في نسخة (١) (إن رسول
الله ◌َل﴿ بعث بعثاً) أي أراد أن يرسل جيشاً (إلى بني لحيان) بكسر اللام فصح من فتحها (من
الحديث رقم ٣٧٩٩: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٠٥/٣ الحديث رقم (١٣٢ - ١٨٩٢) والنسائي في
السنن ٤٩/٦ الحديث رقم ٣١٨٧، والدارمي في ٢٦٨/٢ الحديث رقم ٢٤٠٢، وأحمد في
المسند ٢٧٤/٥.
الحديث رقم ٣٨٠٠: أخرجه مسلم في صحيحه ٥٠٧/٣ الحديث رقم (١٣٧ - ١٨٩٦) وأحمد في المسند
٤٩/٣.
(١) وهي نسخة ((المتن)).

٣٣٤
كتاب الجهاد
فقال: ((لينبعثْ مِنْ كلِّ رجلينِ أحدُهما والأجرُ بينهما)). رواه مسلم.
٣٨٠١ - (١٥) وعن جابرِ بنِ سَمُرة، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلَّه: (لنْ يَبرِحَ هذا الدينُ
قائماً، يقاتلُ عليهِ عصابةٌ من المسلمينَ حتى تقومَ الساعةُ)). رواه مسلم.
هذيل) بالتصغير أي ليغزوهم (فقال: لينبعث) أي لينتهض إلى العدوّ (من كل رجلين أحدهما)
بأن يتخلف الآخر عن صاحبه لمصالحه (والأجر) أي ثواب الغزو (بينهما) أي بين الغازي والقاعد
المقيم القائم في أهل الغازي بأمورهم، والمعنى ليخرج من كل قبيلة نصف عددها. (رواه مسلم).
/ ٢/١٣٢*١١
٣٨٠١ - (وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه) بفتح فضم (قال: قال رسول الله وَل و ((لن
يبرح))) أي لا يزال (هذا الدين قائماً يقاتل) بالتذكير، ويجوز تأنيثه أي يجاهد (عليه) أي على
الدين (عصابة) بكسر أوّله أي جماعة (من المسلمين)، والمعنى لا يخلو وجه الأرض من
الجهاد إن لم يكن في ناحية يكون في ناحية أخرى، (حتى تقوم الساعة) أي يقرب قيامها. قال
الطيبي: جملة يقاتل، مستأنفة بيان للجملة الأولى وعداه بعلى لتضمينه معنى يظاهر أي
يظاهرون بالمقاتلة على أعداء الدين، يعني أن هذا الدين لم يزل قائماً بسبب مقاتلة هذه
الطائفة، وما أظن هذه العصابة إلا الفئة المنصورة بالشام، وفي نسخة زيادة بالمغرب، قلت:
والأغلب في هذا الزمان بالروم نصرهم الله وخذل أعدائهم. قال النووي: ورد في الحديث لا
يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة، قيل: هم أهل الشام وما وراء ذلك،
قلت: فيه بحث. فإن أهل المغرب أيضاً من الأروام، وغيرهم يحاربون الكفار أيدهم الله
تعالى. فالتحقيق أن المراد بالطائفة الجماعة المجاهدة لا على التعيين، فإن فيما وراء النهر أيضاً
طائفة يقاتلون الكفرة قوّاهم الله تعالى، وجزى المجاهدين عنا خيراً حيث قاموا بفرض الكفاية،
وأعطوا التوفيق والعناية. قال النووي: وفيه معجزة ظاهرة، فإن هذا الوصف لم يزل بحمد الله
تعالى من زمن النبي و ﴿ إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله تعالى. اهـ. وهو لا ينافي أن
يكون خبراً معناه الأمر كقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر - ٩] فإنا
مأمورون وجوباً أن تحفظ القرآن بالقراءات المتواترة على سبيل الكفاية. (رواه مسلم)، وكذا أبو
داود(١)، ((وفي معناه حديث لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون))(٢)
رواه الشيخان عن المغيرة، وحديث ولا تزال طائفة من أمتي قوّامة على أمر الله لا يضرها من
خالفها))(٣). رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ وحديث ((لا تزال طائفة من أمتي
الحديث رقم ٣٨٠١: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٢٤/٣ الحديث رقم (١٧٢ - ١٩٢٢).
(١) الحديث لم أجده عند أبي داود وكذلك لم ينسبه السيوطي في الجامع الصغير إلى أبي داود ٢/ ٤٥٣.
الحديث رقم ٧٣٨٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٣/١٣ الحديث رقم ٧٣١١، ومسلم في ١٥٢٣/٣ الحديث رقم
(١٧١ - ١٩٢١).
(٣) أخرجه ابن ماجه في السنن ٥/١ الحديث رقم ٧.
1 999
٠٫٫٩٠٠
/ ١٫٠٫٩٠
١٤٩٠

٣٣٥
مح جوب. ١٧٥١٣
کتاب الجهاد
٣٨٠٢ - (١٦) وعن أبي هريرةَ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلَ: ((لا يُكلَمُ أحدٌ في سبيلِ
اللَّهِ، واللهُ أعلمُ بمنْ يُكلَمُ في سبيلهِ، إِلا جاءَ يومَ القيامةِ وجُرْحُهُ يَثْعَبُ دماً، اللونُ لونُ
الدمِ، والريحُ ريح المسكِ».
ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة))(١) رواه الحاكم عن عمر. نعم، هذه الأحاديث شاملة
للعلماء أيضاً حتى قيل: المراد بهم علماء الحديث والله أعلم.
٣٨٠٢ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلقر لا يكلم) بصيغة المفعول
من الكلم وهو الجرح أي لا يجرح (أحد في سبيل الله). قال السيوطي: أي سواء مات صاحبه
منه أم لا، كما يؤخذ من رواية الترمذي (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة معترضة بين
المستثنى والمستثنى [منه] مؤكدة مقررة لمعنى المعترض فيه، وتفخيم شأن من يكلم في سبيله،
ومعناه والله أعلم بعظم شأن من يكلم في سبيل الله ونظيره قوله تعالى: ﴿قالت رب أني
وضعتها أنثى﴾ والله أعلم بما وضعت ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ [آل عمران - ٣٦] قوله والله
أعلم بما وضعت معترض بين كلامي أم مريم تعظيماً لموضوعها وتجهيلاً لها بقدر ما وهب لها
والمعنى والله أعلم بالشيء الذي وضعت، وما علق به من عظائم الأمور، ويجوز أن يكون
تتميماً للصيانة من الرياء والسمعة، قلت: هذا هو الظاهر، ثم الأوّل إنما يتمشى كونه تنظيراً
على قراءة من قرأ وضعت بصيغة الغائبة لا على قراءة من قرأ بصيغة المتكلم، كما لا يخفى،
وقد قال النووي: هذا تنبيه على الإخلاص في الغزو وإن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن
أخلص فيه لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا الفضل، وإن كان ظاهراً في قتال الكفار لكن
يدخل فيه من جرح في قتال البغاة وقطاع الطريق، وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ونحو ذلك، (إلا جاء يوم القيامة وجرحه) بضم أوّله (يثعب). قال السيوطي: بسكون المثلثة
وفتح العين المهملة وموحدة. وفي شرح مسلم أي يجري منفجراً أي كثيراً وهو معنى الرواية
الأخرى يتفجر (دماً اللون لون الدم). وفي نسخة لمسلم لون دم، (والريح ريح المسك). قال
النووي: الحكمة في مجيئه كذلك أن يكون معه شاهد في فضيلته وبذل نفسه في طاعة الله
تعالى. قال التوربشتي: ثعبت الماء فجرته فانشعب، إضافة الفعل إلى الجرح لأنه السبب في
فجر الدم، ودماً يكون مفعولاً؛ ولو أراد به التمييز لكان من حقه أن يقول: ينثعب دماً أو يثعب
على بناء المجهول، ولم أجده رواية. قال الطيبي: مجيئه متعدياً نقل عن الجوهري، وظاهر
كلام صاحب النهاية أنه لازم حيث فسره بقوله: يجري، ولأنه جاء في حديث آخر، وجرحه
٠۵ni
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤٤٩/٤.
الحديث رقم ٣٨٠٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٠/٦ الحديث رقم ٢٨٠٣، ومسلم في ١٤٩٦/٣
الحديث رقم (١٠٥ - ١٨٧٦)، والترمذي في السنن ١٥٨/٤ الحديث رقم ١٦٥٦، والنسائي في
٢٨/٦ الحديث رقم ٣١٤٧، وابن ماجه في ٩٣٤/٢ الحديث رقم ٢٧٩٥، والدارمي في ٢/ ٢٧٥
الحديث رقم ٢٤٠٦، ومالك في الموطأ ٢/ ٤٦١ الحديث رقم ٢٩ في كتاب الجهاد وأحمد في
المسند ٢٤٣/٢.
ترد

٣٣٦
كتاب الجهاد
متفق عليه .
٣٨٠٣ - (١٧) وعن أنس، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَله: ((ما مِنْ أحدٍ يَدْخلُ الجنَّة،
يُحبّ أن يَرجِعَ إِلى الدُّنيا ولَهُ ما في الأرضِ من شيءٍ، إِلا الشهيدُ يتمنَّى أن يرجعَ إِلى
الدّنيا، فيُقتَلَ عشْرَ مرَّاتٍ، لما يَرى من الكرامةِ)). متفق عليه.
٣٨٠٤ - (١٨) وعن مسروقٍ، قال: سألْنا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودٍ عن هذه الآية: ﴿ولا
تحسبنَّ
يشخب دماً والشخب السيلان، وقد شخب يشخب ويشخب، فحينئذ يكون من [قبيل] قوله
تعالى: ﴿وأعينهم تفيض من الدمع﴾ [المائدة - ٨٣]، فإن الظاهر أن يقال: إن الدمع يفيض من
العين، فجعل العين فائضة مبالغة، وكذلك الدم سائل من الجرح لا الجرح سائل، اهـ ويؤيد
الشيخ ما في القاموس: ثعب الماء والدم كمنع فجره فانثعب، لكن المفهوم من التاج أنه لازم
ومتعدد كذا في دستور اللغة ثَعَبَ الدم أي سال وأسال. وفي المشارق للقاضي عياض: ثعب
تفجر، وكذلك قوله: يثعب فيه ميز بأن وكان الشيخ لم يطلع على مجيئه لازماً، وأما حديث
يشخب فغير حجة عليه كما لا يخفى. (متفق عليه)، ورواه الترمذي والنسائي.
٣٨٠٣ - (وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما من أحد يدخل الجنة)))
بصيغة الفاعل، ويجوز أن يكون بصيغة المفعول (يحب أن يرجع يتمنى) أي يصير (إلى الدنيا،
وله)، في رواية مسلم وأن له (ما في الأرض من شيء)، قال ابن الملك: جاز كونه عطفاً على
أن يرجع أي ما يحب أن يرجع، ولا أن يكون له شيء في الدنيا، وكونه حالاً أي لا يحب
الرجوع حال كونه مالكاً لكثير من أمتعة الدنيا والبساتين والأملاك والرقاب اهـ، والظاهر هو
الثاني، وأن له جميع ما في الأرض لأن من شيء بيان لما فيفيد الاستغراق (إلا الشهيد) بالرفع
على أنه بدل من أحد، وفي بعض النسخ بالنصب على الاستثناء (يتمنى) أي فإنه يتمنى (أن
يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات). الظاهر أن المراد به الكثرة (لما يرى من الكرامة) أي
كرامة الشهادة وفيه إيماء إلى أنه لا يتمنى شيئاً من شهوات الدنيا إلا الشهادة، وهي ليست منها،
فيكون من قبيل، ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم. (متفق عليه)، ورواه الترمذي.
............
AL
٣٨٠٤ - (وعن مسروق رضي الله عنه) تابعي جليل وقد مر ذكره (قال: سألنا عبد الله بن
مسعود عن هذه الآية: ﴿ولا تحسبن﴾) بالخطاب وفتح السين وكسرها، وفي رواية بالغيبة وفتح
الحديث رقم ٣٨٠٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٢/٦ الحديث رقم ٢٨١٧، ومسلم في ١٤٩٨/٣
الحديث رقم (١٠٩ - ١٨٧٧)، والدارمي في السنن ١٥١/٤ الحديث رقم ١٦٤٣، والنسائي في ٦/
٣٦ الحديث رقم ٣١٦٠، والترمذي في ٢٧١/٢ الحديث رقم ٢١٠٩، وأحمد في المسند ١٣١/٣.
الحديث رقم ٣٨٠٤: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٠٢/٣ الحديث رقم (١٢١ - ١٨٨٧)، وأخرجه
الترمذي في السنن ٢١٥/٥ الحديث رقم ٣٠١١، والدارمي في ٢٧١/٢ الحديث رقم ٢٤١٠.
التجاري

٣٣٧
کتاب الجهاد
الذين قُتِلُوا في سبيلِ اللَّهِ أمواتاً بل أحياءٌ عند ربِّهم يُرزقون﴾ الآية. قال: ((إِنَّا قدْ سألْنَا عن
ذلكَ. فقال: ((أرواحُهم في أجوافٍ طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلّقةٌ بالعرش، تسرحُ من الجنَّةِ
حيثُ شاءَتْ، ثمَّ تأوي إِلى تلكَ القناديلِ، فاطَّلِعَ إِليهم ربُّهم اطلاعةً، فقال: هل تشتهونَ
شيئاً؟ قالوا: أيَّ شيء نشتهي ونحنُ نَسرحُ من الجنة حيثُ شئنا، ففعلَ ذلكَ بِهِمْ ثلاثَ
مرَّاتٍ، فلمَّا رأوا أنَّهم لنْ يُتركُوا من أن يَسأَلُوا قالوا:
السين ﴿(الذين قتلوا)﴾ بصيغة المجهول من القتل، وفي قراءة من باب التفعيل (﴿في سبيل
الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾)(١) وفي نسخة الآية. (قال) أي ابن مسعود رضي الله
عنه: (أنا قد سألنا) أي رسول الله وَ القر (عن ذلك) أي عن معنى هذه الآية، قال النووي:
الحديث مرفوع بقوله: إنا قد سألنا عن ذلك (فقال): يعني النبي ◌َّ، وقال القاضي:
المسؤول والمجيب هو الرسول صلوات الله عليه وسلامه، وفي رواية فقال: ضمير له، ويدل
عليه قرينة الحال، فإن ظاهر حال الصحابي أن يكون سؤاله واستكشافه من الرسول والقول لا
سيما في تأويل آية هي من المتشابهات، وما هو من أحوال المعاد، فإنه غيب صرف لا
يمكن معرفته إلا بالوحي، ولكونه بهذه المثابة من التعين أضمر من غير أن يسبق ذكره،
قلت: وأيضاً جلالة ابن مسعود، تأبى أن يسأل عن ذلك غيره وَلّ والله أعلم. وقوله:
(أرواحهم في أجواف طير خضر) أي يخلق لأرواحهم بعدما فارقت أبدانهم هياكل على تلك
الهيئة تتعلق بها وتكون خلفاً عن أبدانهم، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿أحياء عند ربهم)
[فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذائذ الحسية وإليه يرشد قوله تعالى] ﴿يرزقون
فرحين بما آتاهم الله من فضله﴾ [آل عمران - ٦٩] والطير جمع طائر ويطلق على الواحد،
وخضر بضم فسكون جمع أخضر (لها) أي للطير أو للأرواح (قناديل معلقة بالعرش) بمنزلة
أوكار الطير (تسرح) أي تسير وترعى وتتناول (من الجنة) أي من ثمراتها ولذاتها (حيث
شاءت ثم تأوي) أي ترجع (إلى تلك القناديل) أي فتستقر فيها ثم تسرح، وهكذا (فاطلع).
بتشديد الطاء أي نظر (إليهم) وتجلى عليهم (ربهم)، وإنما قال: (إطلاعة) ليدل على أنه ليس
من جنس إطلاعنا على الأشياء قال القاضي: وعداه بإلى، وحقه أن يعدى بعلى، لتضمنه.
معنى الانتهاء، (فقال): أي ربهم (هل تشتهون شيئاً قالوا: ((أي شيء نشتهي ونحن نسرح من(
الجنة حيث شئنا») يعني وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين (ففعل) أي ربهم (ذلك) أي ما
ذكر من الاطلاع، والقول [لهم] (ثلاث مرات)، قال القاضي: اطلاع الله عليهم واستفهامه
عما يشتهون مرة بعد أخرى مجاز عن مزيد تلطفه بهم وتضاعف تفضيله عليهم، قلت: ولا
مانع للحمل على الحقيقة، بل هي أحق عند عدم الصارف، كما هو مقرر في محله، (فلما.
رأوا أنهم لن يتركوا) بصيغة المفعول أي لن يخلوا (من أن يسألوا) بصيغة الفاعل، ومن زائدة
لوقوعها في سياق النفي، وأن يسألوا بدل من نائب فاعل يتركوا أي لن يترك سؤالهم (قالوا:
(١) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.
٢٠٠٥

:/
کتاب الجهاد
٣٣٨
يا ربّ! نريدُ أنْ تَرُدّ أرواحَنا في أجسادِنا حتى نُقتلَ في سبيلِكَ مرَّةً أُخرى، فلما رأى أنْ
ليسَ لهُمْ حاجةٌ تُرِکوا». رواه مسلم.
(يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا))) أي الأوّلية (حتى نقتل) بصيغة المجهول أي
نستشهد (في سبيلك مرة أخرى)، قال القاضي: المراد به أنه لا يبقى لهم متمني ولا مطلوب
أصلاً غير أن يرجعوا إلى الدنيا فيستشهدوا ثانياً لما رأوا بسببه من الشرف والكرامة، (فلما
رأى) أي علم الله علماً تنجيزياً مطابقاً لما علم علماً غيبياً تعليقياً (إن ليس لهم حاجة) أي
حاجة معتبرة لأنهم سألوا ما هو خلاف إرادة الله تعالى (تركوا) أي من سؤال هل تشتهون،
قال ابن الملك رؤية الله كانت أعظم النعم فلم لم يطلبوها قلت: يجوز أن تكون رؤية الله
تعالى موقوفة في ذلك على كمال استعداد [يليق بها فصرف الله قلوبهم عن طلب ذلك إلى
وقت حصول الاستعداد] فإن قلت: إعادة الروح إلى الجسد إن كان لطلب ما هم فيه، فلا
فائدة، وإن كان لغيره، فهلا اشتهوه، أو لا، قلت: يجوز أن يكون مرادهم بذلك الكلام
القيام بموجب الشكر في مقابلة النعم التي أنعم الله عليهم. قال القاضي: الحديث تمثيل
لحالهم، وما عليهم من البهجة والسعادة شبه لطافتهم ودماءهم وتمكنهم من التلذذ بأنواع
المشتهيات، والتبوّء من الجنة حيث شاؤوا، ومقربهم من الله تعالى، وانخراطهم في غار
الملأ الأعلى الذين هم حول عرش الرحمن بما إذا كانوا في أجواف طير خضر تسرح إلى
الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، وشبه حالهم في استجماع اللذائذ
وحصول جميع المطالب بحال من يبالغ، ويسرد عليه ربه المتفضل المشفق عليه غاية التفضل
والإشفاق القادر على جميع الأشياء بأن يسأل منه مطلوباً ويكرر مرة بعد أخرى بحيث لا يرى
بدأً من السؤال، فلم ير شيئاً ليس له أن يسأل إلا أن يرد إلى الدنيا فيقتل في سبيل الله مرة
بعد أخرى، والعلم عند الله تعالى. وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض: اختلفوا
فيه، قيل: ليس للأقيسة والعقول في هذا حكم، فإذا أراد الله أن يجعل الروح إذا خرجت من
المؤمن أو الشهيد في قناديل أو أجواف طير أو حيث شاء كان ذلك ووقع، ولم يبعد لا سيما
مع القول: بأن الأرواح أجسام، فغير مستحيل أن يصور جزء من الإنسان طائراً، أو يجعل
في جوف طائر في قناديل تحت العرش، وقد اختلفوا في الروح، فقال كثير من أرباب
المعاني وعلم الباطن والمتكلمين: لا يعرف حقيقته، ولا يصح وصفه، وهو مما جهل العباد
علمه، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء - ٨٥] وقال كثيرون من
شيوخنا: هو الحياة، وقال آخرون: هو أجسام لطيفة مشابكة للجسم يحيا بحياته، وأجرى الله
تعالى العادة بموت الجسم بعد فراقه، وقد تعلق بهذا الحديث وأمثاله بعض القائلين بالتناسخ
وانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة، وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة،
وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا باطل مردود لا يطابق ما جاءت به الشرائع من
إثبات الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال في حديث آخر: حتى يرجعه الله إلى جسده
يوم بعثة الأجساد قلت: قال ابن الهمام: اعلم أن القول بتجرد الروح يخالف هذا الحديث،
كما أنه يخالف قوله تعالى: ﴿فادخلي في عبادي﴾ [الفجر - ٢٩] اهـ وفي بعض حواشي شرح
/١٠/١٠

١٣٦
٣٣٩
كتاب الجهاد
٣٨٠٥ - (١٩) وعن أبي قتادةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ بَلهِ قامَ فيهم، فذكرَ لهُمْ أنَّ الجهادَ في
سبيلِ اللَّهِ، والإِيمانَ باللَّهِ أفضلُ الأعمالِ، فقامَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله! أرأيتَ إِن قتلتُ
في سبيلِ اللهِ، يُكَفّرُ عني خطايايَ؟ فقالَ لهُ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((نعم، إِنْ قُتِلْتَ في سبيلِ اللهِ
وأنتَ صابرٌ محتسبٌ، مقبلٌ غيرُ مُدبٍ)). ثمّ قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كيفَ قُلْتَ؟» فقال:
أرأيتَ إِنْ قُتِلْتُ في سبيلِ اللَّهِ، أيُكَفِّرُ عني خطايايَ؟» فقالَ رسولُ اللّهِ وَهُ: ((نعم، وأنتَ
صابرٌ محتسبٌ، مقبلٌ غير مُدبرٍ، إِلا الدينَ
العقائد: اعلم أن التناسخ عند أهله هو رد الأرواح إلى الأبدان في هذا العالم لا في الآخرة
إذ هم ينكرون الآخرة والجنة والنار، ولذا كفروا. اهـ وفيه بيان أن الجنة مخلوقة موجودة،
وهو مذهب أهل السنة، وهي التي أهبط منها آدم ويتنعم فيها المؤمنون في الآخرة، وفيه إن(
مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل يوم القيامة، وإن الأرواح باقية لا تفنى فيتنعم المحسن
ويعذب المسيء، وهو مذهب أهل السنة، وبه نطلق التنزيل، والآثار خلافاً لطائفة من
المبتدعة قال الله تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوّاً وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل
فرعون أشد العذاب﴾ [غافر - ٤٦] (رواه مسلم)، وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه.
٣٨٠٥ - (وعن أبي قتادة رضي الله عنه) صحابي مشهور (أن رسول الله(وَلأرقام) أي واعظاً
(فيهم) أي في أصحابه (فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال) الواو
المطلق الجمع، ولعل فيه الإشارة إلى أن الجهاد مع الإيمان أفضل أعمال القلبي والقالبي، ولا
٠٠٠١/٠٥/
يشكل بما عليه الجمهور من أن الصلاة أفضل الأعمال لاختلاف الحيثيتين، فالصلاة أفضل
لمداومتها، والجهاد أفضل لمشقته لا سيما الجهاد يستلزم الصلاة، وإلا فلا فضيلة له، (فقام
رجل فقال: يا رسول الله ◌َ﴿ أرأيت) أي أخبرني (إن قتلت في سبيل الله) أي إن استشهدت
(يكفر) بالتذكير على بناء المفعول، ويجوز تأنيثه؛ وفي نسخة بالتذكير على بناء الفاعل، وعلى
كل فالاستفهام مقدر أي يمحو الله عني خطاياي (فقال رسول الله وَيقول: ((نعم إن قتلت في سبيل
الله وأنت صابر))) أي غير جزع (محتسب) أي طالب للأجر والتوبة لا الرياء والسمعة (مقبل) أي
٨٠,،،
على العدوّ (غير مدبر) أي عنه، وهو تأكيد لما قبله، وقال النووي: احتراز ممن يقبل في وقت
ويدبر في وقت، والمحتسب هو المخلص الله تعالى، فإن قاتل لعصبية أو لأخذ غنيمة ونحو(!
ذلك، فليس له الثواب (ثم قال رسول الله وَ له: كيف؟ قلت: فقال: رأيت) أي قلت: أرأيت
أو معناه كيف قلت؛ أعد القول، والسؤال فقال: أرأيت (إن قتلت في سبيل الله أيكفر) بهمزة(
الاستفهام هنا أي يمحى (عني خطاياي فقال رسول الله وَلاير: نعم، وأنت صابر) أي نعم إن
قتمت، والحال أنك صابر (محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين) استثناء منقطع، ويجوز أن يكون
١
الحديث رقم ٣٨٠٥: أخرجه مسلم في صحيحه ١٥٠١/٣ الحديث رقم (١١٧ - ١٨٨٥)، والترمذي في
السنن ١٨٤/٤ الحديث رقم ١٧١٢، والنسائي في ٣٤/٦ الحديث رقم ٣١٥٦، ومالك في
الموطأ ٤٦١/٢ الحديث رقم ٣١ من كتاب الجهاد، وأحمد في المسند ٣٠٤/٥.
1445
٩٠ھ د
٠٬٥٥.٠

٣٤٠
كتاب الجهاد
فإِنَّ جبريلَ قالَ لي ذلك)). رواه مسلم.
٣٨٠٦ - (٢٠) وعن عبدِ الله بن عمرو بنِ العاص، أنَّ النبيَّ ◌َِِّ قال: ((القتلُ في
سبيلِ اللَّهِ يُكفِّرُ كلَّ شيء إلا الدَينَ)) رواه مسلم.
٣٨٠٧ _ (٢١) وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَّه قال: ((يضحكُ الله تعالى إِلى
رجلين يَقتُلُ أحدُهما الآخرَ، يَدْخُلانِ الجنَّةَ: يقاتِلُ هذا في سبيلِ اللَّهِ فيُقْتَلُ، ثمَّ يتوبُ اللَّهُ
متصلاً أي الدين الذي لا ينوي أداءه. قال التوربشتي: أراد بالدين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق
المسلمين إذ ليس الدائن أحق بالوعيد، والمطالبة منه من الجاني والغاصب والخائن والسارق.
وقال النووي: فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال
البر لا يكفر حقوق الآدميين، وإنما يكفر حقوق الله، قلت: إلا شهيد البحر، فإنه يغفر له
الذنوب كلها والدين كما ورد في حديث، وورد أيضاً أن الله تعالى يقبض أرواح شهداء البحر
لا يكل ذلك إلى ملك الموت، (فإن جبريل قال لي ذلك) أي إلا الدين، قال الطيبي: فإن
قلت: كيف؟ قال رَالحجر: كيف قلت وقد أحاط بسؤاله علماً وأجابه بذلك الجواب قلت: ليسأل
ثانياً ويجيبه بذلك الجواب، ويعلق به إلا الدين استداركاً كأبعد أعلام جبريل عليه السلام إياه
صلوات الله وسلامه عليه. (رواه مسلم).
٣٨٠٦ - (وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي وَيفر قال: القتل)
مصدر بمعنى المفعول (في سبيل الله يكفر كل شيء) أي يكون سبباً لتكفير كل شيء من
الخطايا عن المقتول؛ وفي الجامع الصغير بلفظ كل خطيئة (إلا الدين) أي وما في معناه من
حقوق العباد (رواه مسلم)، ورواه الترمذي عن أنس(١)، ورواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية
عن ابن مسعود، ولفظه ((القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة))(٢) والأمانة في
الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع. اهـ فالمراد بالدين
الواجبات الشرعية من أمور الدين.
٣٨٠٧ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه عنه أن رسول الله #* قال يضحك الله تعالى) أي
يرضى مقبلاً (إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة) أي معاً، (يقاتل) استئناف مبين أي
يجاهد (هذا) أي أحدهما (في سبيل فيقتل) أي فيرحمه لأنه قتل شهيداً (ثم يتوب الله
الحديث رقم ٣٨٠٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٥٠٢ الحديث رقم (١٢٠ - ١٨٨٦).
(١) أخرجه الترمذي في السنن ١٥٠/٤ الحديث رقم ١٦٤٠.
(٢) أبو نعيم في الحلية ٢٠١/٤.
الحديث رقم ٣٨٠٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٩/٦ الحديث رقم ٢٨٢٦، ومسلم في ٣/ ١٥٠٤
الحديث رقم (١٢٨ - ٣١٦٦)، والنسائي في السنن ٣٨/٦ الحديث رقم ٣١٦٦ ومالك في الموطأ
٤٦٠/٢ الحديث رقم ٢٨ من كتاب الجهاد، وأحمد في المسند ٤٦٤/٢.