النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه
٣٧٣٥ _ (٥) وعن بُريدةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلِّ: («القضاةُ ثلاثةٌ: واحدٌ في
الجنَّةِ، واثنانِ في النار. فأمَّا الذي في الجنَّةِ؛ فرجلٌ عرفَ الحقَّ فقَضى به، ورجُلٌ عرَفَ
الحقَّ فجارَ في الحكم؛ فهو في النار، ورجلٌ قضَى للنَّاسِ على جهلٍ، فهو في النار)). رواه
أبو داود، وابن ماجه.
٣٧٣٦ - (٦) وعن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللّهِ وَلَّهِ: ((من طلَبَ قضاءَ المسلمينَ
٣٧٣٥ - (وعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلهو: القضاة ثلاثة) أي ثلاثة
أنواع (واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به،
ورجل عرف الحق فجار في الحكم)، أي عالماً به متعمداً له، (فهو في النار، ورجل قضى
للناس على جهل، فهو في النار). قال الطيبي [رحمه الله]: قوله ورجل عرف الحق، قرنه
بقوله: فأما الذي في الجنة، وترك أداة التفصيل فيها ظاهراً لئلا يسلكا في سلك واحد لبعد
ما بينهما، وإنما قلنا ظاهراً لأن التقدير: فأما الذي في النار، فرجل كذا؛ ونحوه قوله تعالى:
﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منهم﴾ [آل عمران - ٧] والراسخون في العلم
يقولون: أي؛ فأما الراسخون فيقولون: وهو من فصيح الكلام وبليغه، والفاء في فرجل
جواب لما وفى، فقضى مسبب عن عرف، والمسبب صفة رجل، والفاء في فجار، مثلها في
فقضى، لكن على التعكيس، يعني عرفان الحق سبب لقضاء الحق، فعكس وجعله سبباً
للجور كقوله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة - ٨٢] أي تجعلون شكر
رزقكم التكذيب وهو موجب للتصديق وقوله: فهو في النار خبر رجل، وهو جواب أما
المقدر على أن المبتدأ نكرة موصوفة، وعلى جهل حال من فاعل قضى، أي قضى للناس
جاهلاً. (رواه أبو داود وابن ماجه)، وفي الجامع الصغير: ((القضاة ثلاثة، اثنان في النار،
وواحد في الجنة، رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل
فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار)). رواه الأربعة والحاكم عن
بريدة، ورواه الطبراني عن ابن عمر، ولفظه («القضاة ثلاثة قاضيان في النار وقاض في الجنة،
قاض قضى بالهوى فهو في النار، وقاض قضى بغير علم فهو في النار، وقاض قضى بالحق
فهو في الجنة)). وفي رواية للحاكم عن بريدة ((قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض
عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فجار متعمداً أو قضى بغير علم
فهما في النار)) (١) .
٣٧٣٦ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((من طلب قضاء المسلمين
الحديث رقم ٣٧٣٥: أخرجه أبو داود في السنن ٥/٤ الحديث رقم ٢٥٧٣، والترمذي في ٦١٣/٣
الحديث رقم ١٣٢٢، وابن ماجه في ٧٧٦/٢ الحديث رقم ٢٣١٥.
(١) الجامع الصغير ٣٨٥/٢ الحديث رقم ٦١٨٩ و٦١٩٠.
الحديث رقم ٣٧٣٦: أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٧ الحديث رقم ٣٥٧٥.
TikmE
٠٢٥٥
77772
٦٦.٠٠

٢٨٢
كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه
حتى ينالَهُ، ثمَّ غَلبَ عدْلُهُ جورَه؛ فَلَهُ الجنةُ. ومن غلَبَ جورُه عدْلَهُ؛ فلهُ النَّارُ)). رواه أبو داود.
٣٧٣٧ - (٧) وعن مُعاذٍ بنِ جبلٍ: أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَّهِ لمَّا بعثَه إِلى اليمن.
حتى يناله))) أي إلى أن يدرك القضاء («ثم غلب عدله جوره))) أي قوي عدله على جوره، بحيث
منعه عن الجور أو الظلم في الحكم، (فله الجنة) أي مع الفائزين. قال الطيبي: إن يقل قوله
حتى: غاية للطلب وحتى للتدرج، فيفهم منه أنه بالغ في الطلب، وبلغ مجهوده فيه، ثم ناله،
فمثل هذا موكول إلى نفسه، فلا ينزل عليه ملك يسدده، فكيف يغلب عدله جوره؟ وقد قال في
الحديث السابق: من ابتغى القضاء وسأل، وكل إلى نفسه، فكيف الجمع بينهما؛ يمكن أن
يقال: الطالب رجلان: رجل مؤيد بتأييد الله محدث ملهم كالصحابة ومن بعدهم من التابعين،
فإذا طلبه بحقه، فمثل هذا لا يكون موكولاً إلى نفسه، وهو يقضي بالحق وهذا هو الذي غلب
عدله جوره، ورجل ليس كذلك، وهو الذي وكل إلى نفسه، فيغلب جوره عدله، وهذا معنى
قوله: (من غلب جوره عدله فله النار). قال التوربشتي: ربما يسبق إلى فهم بعض من لا يتحقق
القول، أن المراد من الغلبة، أن يزيد ما عدل فيه على ما جار، وهذا باطل. قال الطيبي: وفي
تأويله وجوه، أحدها ما قاله التوربشتي: إن المراد من الغلبة في كلا الصيغتين، أن تمنعه
إحداهما عن الأخرى، فلا يجور في حكمه يعني في الأول، ولا يعدل يعني في الثاني، قلت:
الثاني لا يحتاج إلى تأويل، لأن من كثر ظلمه بالنسبة إلى عدله، فله النار أيضاً، ويفهم بطريق
الأولى، إن من لا يعدل أصلاً أنه في النار، [ففيه إشارة إلى قوله ◌َل جر: ((قاض في الجنة
وقاضيان في النار))] وإنما المحتاج إلى التأويل هو الأوّل، فتأمل، وثانيهما، ما قاله المظهر: أن
من قوي عدله بحيث لا يدع أن يصدر منه جور، قلت: هذا هو عين الوجه الأوّل، وثالثها ما
قاله القاضي: «إن الإنسان خلق في بدء فطرته، بحيث يقوى على الخير والشر والعدل
والجور، ثم إنه يعرض له دواع داخلية وأسباب خارجية تتعارض وتَتَصَارَعُ، فيجذبه هؤلاء
مرة، وهؤلاء أخرى، حتى يفضي التطارد بينهما إلى أن يغلب أحد الحزبين، ويقهر الآخر،
فينقاد له بالكلية، ويستقر على ما يدعوه إليه. فالحاكم إن وفق له حتى غلب له أسباب العدل،
قائماً فيه دواعيه صار بشراً شره مائلاً إلى العدل، مشغوفاً به، متحاشياً عما ينافيه، فينال به
الجنة، وإن عدل بأن كان حاله على خلاف ذلك، جار بين الناس ونال بشؤمه النار اهـ. وفيه إن
هذا تفصيل وتوجيه للقول الأوّل، فلا تغفل. نعم له معنى ثان وهو: أن يكون المراد من عدله
وجوره صوابه وخطأه في الحكم بحسب اجتهاده فيما لا يكون فيه نص من كتاب أو سنة أو
إجماع، كما قالوه في حق المفتي والمدرس، ويؤيده حديث: ((إن الله مع القاضي ما لم يحف
عمداً)). كما سيأتي. (رواه أبو داود).
٣٧٣٧ - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله وَلير لما بعثه إلى اليمن) أي والياً
الحديث رقم ٣٧٣٧: أخرجه أبو داود في السنن ١٨/٤ الحديث رقم ٣٥٩٢، والترمذي في ٦١٦/٣
الحديث رقم ١٣٢٧، والدارمي في ٧٢/١ الحديث رقم ١٦٨، وأحمد في المسند ٢٣٠/٥.

٢٨٣
كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه
قال: ((كيفَ تَقضي إِذا عرَضَ لكَ قضاءٌ؟)) قال: أقضي بكتاب الله. قالَ: «فإِنْ لم تجِدْ في
كتاب الله؟)). قال: فبسنَّةِ رسولِ اللَّهِ وَ لَّ. قال ((فإِنْ لم تجِدْ في سنَّةِ رسول الله؟)). قال:
اجتهدُ رأيي ولا آلو. قال: فضرَبَ رسولُ اللَّهِ وَلَ على صدرِهِ، وقال: ((الحمدُ للَّهِ الذي
وفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يَرضى به رسولُ الله)). رواه الترمذي، وأبو داود، والدارمي.
٣٧٣٨ - (٨) وعن عليٍّ [رضي اللَّهُ عنه]، قال: بعثَني رسولُ اللَّهِ وَّهِ إِلى اليمنِ
وقاضياً (قال): أي امتحاناً له (كيف تقضي إذا عرض لك قضاء: قال: أقضي بكتاب الله! قال:
فإن لم تجد) أي مصرحاً (في كتاب الله، قال: فبسنة رسول الله وٍَّ! قال: فإن لم تجد في سنة
رسول الله وَ﴾؟ قال: أجتهد رأيي). أي أطلب حكم تلك الواقعة بالقياس على المسائل التي
جاء فيها نص، وأحكم فيها بمثل المسألة التي جاء فيها نص لما بينهما من المشابهة؛ (ولا آلو)
بمد الهمزة متكلم من ألى، يألو، أي ما أقصر. قال الطيبي: قوله اجتهد رأيي، المبالغة قائمة
في جوهر اللفظ، وبناؤه للافتعال، للاعتمال، والسعي، وبذل الوسع، ونسبته إلى الرأي أيضاً
تربية إلى المعنى. قال الراغب: الجهد، والجهد الطاقة والمشقة، والاجتهاد [أخذ] النفس ببذل
الطاقة وتحمل المشقة؛ يقال: جهدت رأيي واجتهدت، أتعبته بالفكر. قال الخطابي: لم يرد به
الرأي الذي يسنح له من قبل نفسه، أو يخطر بباله على غير أصل من كتاب أو سنة، بل أراد رد
القضية إلى معنى الكتاب والسنة من طريق القياس، وفي هذا إثبات للحكم بالقياس. قال
المظهر: أي إذا وجدت مشابهة بين المسألة التي أنا بصددها، وبين المسألة التي جاء في نص
من الكتاب أو السنة، حكمت فيها بحكمهما، مثاله، جاء النص بتحريم الربا في البر، ولم
يجىء نص في البطيخ، قاس الشافعي البطيخ على البر لما وجد بينهما من علة المطعومية،
وقاس أبو حنيفة [رحمه الله] الجص على البر لما وجد بينهما من علة الكيلية. (قال) أي معاذ
(: فضرب رسول الله وَ﴿ على صدره)، أو قال الراوي نقلاً عن معاذ: فضرب رسول الله وَله
على صدره، ويمكن أن يكون المراد على صدري بطريق الالتفات أو على سبيل التجريد.
(وقال: ((الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله))) أي لما يحبه ويتمناه من
طلب طريق الصواب. قال الطيبي: فيه استصواب منه وَّر لرأيه في استعماله، وهذا معنى
قولهم: كل مجتهد مصيب؛ ولا ارتياب أن المجتهد إذا كدح في التحري، وأتعب القريحة في
الاستنباط، استحق أجراً لذلك، وهذا بالنظر إلى أصل الاجتهاد، فإذا نظر إلى الجزئيات فلا
يخلو من أن يصيب في مسألة من المسائل، أو يخطىء فيها، فإذا أصاب، ثبت له أجران؛
أحدهما، باعتبار أصل الرأي، والآخر باعتبار الإصابة، وإذا أخطأ، فله أجر واحد باعتبار
الأصل، ولا عليه شيء باعتبار الخطأ. (رواه الترمذي وأبو داود والدارمي).
٣٧٣٨ - (وعن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله وَ طار إلى اليمن
الحديث رقم ٣٧٣٨: أخرجه أبو داود في السنن ١١/٤ الحديث رقم :٣٥٨ والترمذي في ٦١٨/٣
الحديث رقم ١٣٣١، وابن ماجه في ٧٧٤/٢ الحديث رقم ٢٣١٠، وأحمد في المسند ٨٣/١.

٢٨٤
٠٧:٠
٤٠" .
كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه
قاضِياً، فقلتُ: يا رسولَ الله! تُرْسِلُني وأنا حديثُ السنِّ، ولا عِلمَ لي بالقَضاءِ؟. فقال: ((إِنَّ
اللَّهَ سيهدي قلبَكَ، ويثبِتُ لسانَكَ، إِذا تَقاضى إِليك رجلان؛ فلا تقْضٍ للأولِ حتى تسمعَ
كلامَ الآخَرِ، فإِنَّه أخرى أنْ يتبيَّنَ لكَ القضاءُ». قال: فما شككْتُ في قضاءٍ بعدُ رواه
الترمذيُّ، وأبو داود، وابنُ ماجه. وسنذكر حديثُ أمِّ سلمةَ: ((إنَّما أقْضي بينكم برأيي)).
قاضياً) أي أراد بعثي (فقلت: يا رسول الله ترسلني) فيه تفنن للعبارة؟ والتقدير أترسلني؟ (وأنا
حديث السن) أي والحال أني صغير العمر قليل التجارب (ولا علم لي) أي كاملاً بالقضاء،
وليس هذا تعللاً: بل المقصود منه إمداد المدد، (فقال: إن الله سيهدي قلبك) أي بالفهم
(ويثبت لسانك) أي بالحكم. ونظيره ما وقع لموسى وهارون حيث قال تعالى: ﴿اذهبا إلى
فرعون أنه طغى﴾ [طه - ٤٣] الآية. ﴿قالا: ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال: لا
تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه - ٤٥]. ويمكن أن يكون بطريق الإشارة الصوفية ترجيح
مرتبة الحضور مع الله ورسوله على جميع المناصب العلية والمراتب السنية؛ ولذا لما عرض
السلطان محمود جميع مناصبه على عبده أياز الخاص امتنع من قبولها، واختار ملازمة
الخواص على وجه الإخلاص. قال المظهر: لم يرد به نفي العلم مطلقاً وإنما أراد به أنه لم
يجرب سماع المرافعة بين الخصماء، وكيفية دفع كلام كل واحد من الخصمين ومكرهما.
وقال الطيبي: السين في قوله: سيهدي قلبك كما في قوله تعالى: ﴿إني ذاهب إلى ربي
سيهدين﴾ [الصافات - ٩٩] فإن السين فيهما صحب الفعل لتنفيس زمان وقوعه، ولا شك أنه
رضي الله عنه حين بعثه قاضياً، كان عالماً بالكتاب والسنة كمعاذ رضي الله عنه؛ وقوله: ((أنا
حديث السن))، اعتذار من استعمال الفكر واجتهاد الرأي من قلة تجاربه، ولذلك أجاب بقوله :
(سيهدي قلبك)) أي يرشدك إلى طريق استنباط القياس بالرأي الذي محله قلبك، فينشرح
صدرك، ويثبت لسانك، فلا تقضي إلا بالحق اهـ. وقول المظهر: أوفق وأظهر، بقوله (إذا
تقاضى) أي ترافع إليك (رجلان) أي متخاصمان (فلا تقض للأوّل) أي من الخصمين وهو
المدعي (حتى تسمع كلام الآخر) أي فإنك لم تتمكن من الاستنباط وتمييز الحق من الباطل
بسماع كلام أحد الخصمين؛ فقوله: إذا تقاضى الخ، مقدمة للإرشاد، وأنموذج منه. قال
الخطابي: فيه دليل على أن الحاكم لا يقضي على غائب، وذلك أنه ◌ّو إذا منعه من أن يقضي
لأحد الخصمين وهما حاضران حتى يسمع كلام الآخر، ففي الغائب أولى بالمنع، وذلك
لإسكان أن يكون مع الغائب حجة تبطل دعوى الآخر، وتدحض حجته. قال الأشرف: لعل
مراد الخطابي بهذا الغائب، الغائب عن محل الحكم، فحسب دون الغائب إلى مسافة القصر،
فإن القضاء على الغائب إلى مسافة القصر جائز عند الشافعي، (فإنه) أي ما ذكر من كيفية
القضاء أحرى أي حري وحقيق وجدير (أن يتبين لك القضاء. قال: فما شككت في قضاء
بعد،) أي بعد دعائه وتعليمه وَله: ولعل هذا وجه كونه رضي الله عنه أقضاهم على ما ذكره
الجزري بإسناده في أسنى المناقب، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه، عنه ابن عباس رضي الله
عنهما قال: قال عمر رضي الله عنه: ((علي أقضانا وأبيّ بن كعب أقرؤنا)) (رواه الترمذي وأبو
داود وابن ماجه، وسنذكر حديث أم سلمة) أي مرفوعاً (إنما أقضي بينكم برأيي) لفظ الحديث
١٠/ ١١٣٢
١٢٠٩
ج1:8

٢٨٥
كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه
في باب: ((الأقضيّةِ والشّهاداتِ)) إِن شاءَ اللَّهُ تعالى.
الفصل الثالث
٣٧٣٩ _ (٩) عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ الله ◌َّل: ((ما منْ حاكم يحكم
بينَ النَّاسِ، إِلاَّ جاءَ يومَ القيامةِ ومَلَكٌ آخذُ بقَفاهُ، ثمَّ يرفعُ رأسَه إِلى السَّماءِ، فإِنْ قالَ: أَلْقِهِ
ألْقاهُ في مَهواةِ أربعينَ خريفاً)).
الآتي بينكما بصيغة التنبيه (في باب الأقضية والشهادات) لأنه أنسب بذلك المحل، فتدبر وتأمل
(إن شاء الله تعالى)، متعلق بسنذكر.
(الفصل الثالث)
٣٧٣٩ - (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله (وَلقال: ما من حاكم)
من زائدة للاستغراق، وحاكم نكرة في سياق النفي، فيشمل كل عادل وظالم، (يحكم بين
الناس إلا جاء يوم القيامة وملك آخذ) بصيغة الفاعل (بقفاه، ثم يرفع) أي الملك (رأسه إلى
السماء) أي منتظراً لأمر الله فيه (فإن قال:) أي الله تعالى (ألقه) بسكون الهاء وكسر مع إشباعه.
وقصره أي ارمه (ألقاه في مهواة) بفتح فسكون أي مهلكة ومسقطة (أربعين خريفاً) أي سنة.
ففي النهاية: الخريف الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء، ويريد به أربعين
سنة، لأن الخريف في السنة لا يكون إلا مرة واحدة، وأربعين مجرور المحل صفة مهواة أي
مهواة عميقة، فكني عنه بأربعين، إذا لم يرد به التحديد، بل المبالغة في العمق، ذكره الطيبي.
وفي نسخة بالإضافة؛ وفي المغرب: المهواة ما بين الجبلين؛ وقيل: من الهوّة، وهي الحفرة.
وقول ابن مسعود: رفعه في مهواة أربعين خريفاً على الإضافة، يعني في غمرة عمقها مسافة
أربعين سنة. هذا، وقال الطيبي: قوله وملك آخذ بقفاه ثم يرفع رأسه، يدل على كونه مقهوراً
في يده كمن رفع رأسه الغل مقحماً. قال تعالى: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان
فهم مقمحون﴾ [يس - ٨] ثم قال: قوله فإن قال: الفاء للتفصيل، وإن الشرطية تدل على أن
غيره لا يقال في حقه ذلك، بل يكون حاله على عكس ذلك، فيقال في حقه: أدخله الجنة،
فالمعنى وإن قال: أدخله الجنة أدخلها، فهذا الحديث كحديث أبي أمامة المذكور في الفصل
الثالث من كتاب الإمارة والقضاء؛ وهو قوله: ((ما من رجل يلي أمر عشرة فما فوق ذلك إلا
أتاه الله عزَّ وجلّ مغلولاً يوم القيامة يداه إلى عنقه فكَّهُ بره أو أوبقه اثمه)) اهـ. ولا يخفى بعد
ضمير يرفع بعد، ثم إلى الحاكم، فالصواب ما قدمناه أنه راجع إلى الملك والله أعلم. ثم
الحديث رقم ٣٧٣٩: أخرجه ابن ماجه في السنن ٧٧٥/٢ الحديث رقم ٢٣١١، وأحمد في المسند ١/
٤٣٠ وأخرجه البيهقي في الشعب ٦/ ٧٤ الحديث رقم ٧٥٣٣.

٢٨٦
كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه
رواه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي في ((شعب الإِيمان)).
٣٧٤٠ - (١٠) وعن عائشةَ، عن رسولِ اللهِ وَ لَّ، قال: ((لَيَأْتِيَنَّ على القاضي العَدْلِ
يومُ القيامةِ يتمَثَّى أنَّه لم يقْضٍ بينَ اثنينٍ في تمرةٍ قطّ)). رواه أحمد.
٣٧٤١ - (١١) وعن عبد الله بن أبي أوفى، قال: قال رسولُ الله وَّرَ: «إِنَّ اللَّهَ معَ
القاضي ما لم يَجُزْ، فإِذا جارَ تخلَّى عنه ولزِمَه الشيطانُ)). رواه الترمذيُّ، وابنُ ماجه. وفي
روايةٍ: «فإِذا جارَ وکلَه إِلی نفسِه)).
رأيت الحديث في الجامع الصغير بلفظ: ((ما من حاكم يحكم بين الناس إلا يحشر يوم القيامة
وملك آخذ بقفاه حتى يقفه على جهنم ثم يرفع رأسه إلى الله فإن قال الله تعالى ألقه ألقاه في
مهواة أربعين خريفاً) اهـ. وهو صريح فيما قلنا على ما لا يخفى، (رواه أحمد وابن ماجه
والبيهقي في شعب الإيمان).
٣٧٤٠ - (وعن عائشة رضي الله عنها] عن رسول الله وَلفي قال: ليأتين على القاضي العدل)
أي العادل بناء على أن المصدر بمعنى الفاعل، أو أريد به المبالغة، أو على تقدير مضاف أي
ذي العدل (يوم القيامة) بالرفع؛ وفي نسخة بالنصب أي ليأتين إتيان، أو زمان، ويؤيده ما في
رواية الجامع (ساعة يتمنى) أي فيه (أنه لم يقض بين اثنين في تمرة قط). قال الطيبي: قيل يوم
القيامة هو فاعل ليأتين، ويتمنى حال من المجرور، والأوجه أن يكون حالاً من الفاعل والراجع
محذوف، أي يتمنى فيه، ويجوز أن يكون يوم القيامة منصوباً على الظرف، أي ليأتين عليه يوم
القيامة من البلاء ما يتمنى أنه لم يقض، فإذا الفاعل يتمنى بتقدير أن، وقد عبر عن السبب
بالمسبب، لأن البلاء سبب التمني، والتقييد بالعدل، والتمرة تتميم لمعنى المبالغة مما نزل به
من البلاء. (رواه أحمد)، وكذا الذارقطني.
٣٧٤١ - (وعن عبد الله بن أبي أوفى) رضي الله عنه قال المؤلف: هو عبد الله بن أنيس
الجهني الأنصاري شهد أحداً وما بعدها! روى عنه أبو أمامة وجابر وغيرهما رضي الله عنهم،
مات سنة أربع وخمسين بالمدينة، (قال: قال رسول الله وَّر)، وفي نسخة صحيحة أن الله (مع
القاضي ما لم يجر) بضم الجيم أي ما لم يظلم (فإذا جار تخلى عنه) أي خذله وترك عونه؛
وفي رواية الجامع تبرأ الله منه، (ولزمه الشيطان) أي ولازمه العِصْيَان؛ (رواه الترمذي وابن
ماجه)، وكذا الحاكم(١) والبيهقي. (وفي روايته) أي ابن ماجه (فإذا جار وكله) بتخفيف الكاف
(إلى نفسه) الجوهري، وكله إلى نفسه وکلا ووكولاً، وهذا الأمر موكول إلى رأيك، وفرسٌ
الحديث رقم ٣٧٤٠: أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٥٧.
الحديث رقم ٣٧٤١: أخرجه الترمذي في ٦١٨/٣ الحديث رقم ١٣٣٠، وأخرجه ابن ماجه في ٢/ ٧٧٥
الحديث رقم ٢٣١٢.
(١) الحاكم في المستدرك ٩٣/٤.

٢٨٧
" كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه
٣٧٤٢ - (١٢) وعن سعيدِ بنِ المسيِّبِ: أنَّ مُسلماً ويهودِيّاً اختصَما إِلى عُمَرَ، فرأى
الحقَّ لليهوديِّ، فقَضى له عمرُ به. فقال له اليهوديُّ: واللَّهِ لقد قضَيتَ بالحقِّ، فضربَه عمرُ
بالدُرَّةِ، وقال: وما يُذْريكَ؟ فقال اليهوديّ: واللَّهِ إِنَّا نجدُ في التَّوراةِ أنَّه ليسَ قاضٍ يقضي
بالحقِّ، إِلاَّ كانَ عنْ يمينِهِ مَلَكْ، وعنْ شِمالِهِ ملَكٌ، يسدِّدانِه ويُوَفِّقانِه للحقِّ ما دامَ معَ
الحقِّ، فإِذا تركَ الحقَّ؛ عرَجا وترَكاهُ. رواه مالك.
٣٧٤٣ - (١٣) وعن ابنِ مَوْهَبٍ: أنَّ عثمانَ بنَ عفَّانَ [رضي الله عنه]، قال لابنِ
عُمرَ: اقضٍ بينَ الناسِ. قال: أو تُعافيني؟ يا أميرَ المؤمنينَ! قال:
واكل، يتكل على صاحبه فى العدو، وواكلت فلاناً مواكلة إذا اتكلت عليه واتكل هو عليك.
هذا وفي رواية الطبراني، عن ابن مسعود، ورواية أحمد عن معقل بن يسار: إن الله تعالى مع
القاضي ما لم يحف عمداً.
٣٧٤٢ - (وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه) قيل: هو أفضل التابعين (إن مسلماً
ويهودياً) أي فرداً من اليهود (اختصما إلى عمر) أي مترافعين إليه (فرأى الحق لليهودي،
فقضى له) أي حكم لليهودي (عمر به) أي بالحق (فقال اليهودي: والله لقد قضيت بالحق).
أي بتأييد الله وتوفيقه، ولم تمل إلى من هو على دينك (فضربه عمر بالدرة) بكسر فتشديد
كذا ضبطه النووي في تهذيب الأسماء، وهي آلة للضرب، والظاهر أنه حملها عليه (وقال:
وما يدريك) أي أي شيء يعملك بهذا (فقال اليهودي: والله إنا نجد في التوراة أنه) أي الشأن
(ليس قاض يقضي بالحق إلا كان عن يمينه ملك، وعن شماله) بكسر أوّله أي يساره (ملك
يسدّدانه) بالتشديد أي يدلانه على السداد والصواب (ويوفقانه للحق ما دام مع الحق). وفي
نسخة، على الحق (فإذا ترك) أي القاضي (الحق عرجاً) أي صعدا (وتركاه)، قال الطيبي:
فإن قلت: لم ضربه وليس بمستحق به، لأنه صدقه وكيف يطابق جواب اليهودي والله أنا
نجد في التوراة، لقوله: وما يدريك، قلت: لم يضربه ضرباً مبرحاً، بل لإصابته كما يجري
بين الناس على سبيل المطايبة، وتطبيق الجواب أن عمر رضي الله عنه لو مال عن الحق
لقضى للمسلم على اليهودي، فلم يكن مسدداً، فلما قضى له عليه عرف بتسديده وثباته
وعدم ميله من غير تغيير أنه موفق مسدد. (رواه مالك)، أي في كتاب الأقضية في ترجمة
الترغيب في القضاء بالحق.
٣٧٤٣ - (وعن ابن موهب) رضي الله عنه بفتح الميم والهاء لم يذكره المؤلف (إن عثمان
ابن عفان رضي الله عنه قال لابن عمر: اقض بين الناس) أي اقبل القضاء بينهم (قال: أو
تعافيني يا أمير المؤمنين) أي أترحم عليّ وتعافيني، وهو استعطاف على سبيل الدعاء، (قال أي
الحديث رقم ٣٧٤٢: أخرجه مالك في الموطأ ٧١٩/٢ الحديث رقم ٢ من كتاب الأقضية.
الحديث رقم ٣٧٤٣: أخرجه الترمذي في السنن ٦١٢/٣ الحديث رقم ١٣٢٢.

٢٨٨
كتاب الإمارة والقضاء/ باب العمل في القضاء والخوف منه
وما تكرهُ منْ ذلكَ وقدْ كانَ أبوكَ يقْضي؟ قال: لأني سمعتُ رسولَ الله ◌ِوَلَه يقول: ((مَنْ كانَ
قاضياً فقَضى بالعدلِ؛ فبِالحَريِّ أنْ ينقلِبَ منه كفافاً». فما راجعَه بعدَ ذلكَ؟ رواه الترمذيُّ.
٣٧٤٤ - (١٤) وفي رواية رزينٍ، عن نافع، أنَّ ابنَ عُمرَ قال لعُثمانَ: يا أمير
المؤمنينَ! لا أقْضي بينَ رجُلينٍ: قال: فإِنَّ أباكَ كانَ يقضي. فقال: إِنَّ أبي لوْ أشْكلَ عليهِ
شيءٌ سألَ رسول الله ◌َّه، ولوْ أشْكلَ على رسولِ اللهِ وَلِّ شيءٌ سألَ جِبريلَ عليه السلامُ،
وإِني لا أجِدُ مَنْ أسألُه.
عثمان: وما تكره من ذلك) أي القضاء (وقد كان أبوك يقضي، قال: لأني سمعت رسول الله
وَ * يقول: ((من كان قاضياً فقضى بالعدل))) عطف على الشرط (فبالحريّ أن ينقلب منه) أي
يرجع من فعله (كفافاً) بفتح الكاف أي خلاصاً، وهو جواب الشرط؛ يقال: فلان تحرى بكذا،
وحر بكذا، فبالحرى أن يكون كذا، أي جدير وخليق، فحرى، إن كان اسم فاعل يكون مبتدأ
خبره أن ينقلب، والباء زائدة، نحو بحسبك درهم أي الخليق والجدير كونه منقلباً منه كفافاً،
وإن جعلته مصدراً فهو خبر، والمبتدأ ما بعده، والباء متعلق بمحذوف أي كونه منقلباً ثابت
بالاستحقاق. كذا حققه الطيبي: وفي نسخة أن ينفلت بالفاء والفوقية أي يتخلص منه كفافاً أي
رأساً برأس لا له ولا عليه، يعني لا يثاب ولا يعاقب. قال صاحب النهاية: وفي حديث عمر
وددت أني سلمت من الخلافة كفافاً لا عليّ ولا لي، والكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء،
ويكون بقدر الحاجة، وهو نصب على الحال، وقيل: أراد به مكفوفاً عني شرها، وقيل:
معناها أن لا ينال مني ولا أنال منه، أي يكف عني وأكف عنه. وقال الطيبي: أي يكف هو عن
القضاء ويكف القضاء عنه اهـ، ولا يخفى أن المعنى الآخر يقتضي أن يكون الكفاف بكسر
الكاف مصدر كافه كفافاً ومكاففة، قال الطيبي: يعني أن من تولى القضاء واجتهد في تحري
الحق، واستفرغ جهده فيه حقيق أن لا يثاب، ولا يعاقب، فإذا كان كذلك فأي فائدة في تولیه،
وفي معناه أنشد :
وأخلص منه لا عليّ ولاليا
على أننى راض بأن أحمل الهوى
9756
(فما راجعه) أي فما ردّ عثمان الكلام على ابن عمر ولما رجع إلى ما طلب منه، (بعد
ذلك رواه الترمذي).
٣٧٤٤ - (وفي رواية رزين عن نافع: أن ابن عمر قال لعثمان: يا أمير المؤمنين لا أقضي
بين رجلين) يعني في جواب أمره له بالقضاء على ما سبق (قال: فإن أباك كان يقضي، فقال:
إن أبي لو أشكل عليه شيء سأل رسول الله وَ ﴿)، ظاهره أن عمر كان يقضي في حياة رسول الله
وَ له، (ولو أشكل على رسول الله كلخير شيء سأل جبريل عليه السلام، وأني لا أجد من أسأله،)
أوكان مذهبه أن لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد من الخليفة وغيره على، ما ذهب إليه علي
الحديث رقم ٣٧٤٤: رواه رزين.

٢٨٩
كتاب الإمارة والقضاء/ باب رزق الولاة وهداياهم
وسمعتُ رسولَ الله ◌ِوَ له يقولُ: ((مَنْ عاذَ باللَّهِ، فقدْ عاذ بعَظيم)). وسمِعتُه يقولُ: ((مَنْ عاذَ
باللّهِ؛ فأعِيذُوهُ)). وإِني أعُوذُ باللَّهِ أنْ تجعَلَني قاضِياً فأعفاهُ، وقال: لا تُخبز أحداً.
(٣) باب رزق الولاة وهداياهم
الفصل الأول
٣٧٤٥ _ (١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرِ: ((ما أُعطيِكم ولا أمنعُكم
رضي الله عنه. (وسمعت رسول الله - * يقول: ((من عاذ بالله، فقد عاذ بعظيم))) وفي الجامع
الصغير: ((من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ)) رواه أحمد عن عثمان وابن عمر(١)؛ (وسمعته يقول: من
عاذ بالله، فأعيذوه، وأني أعوذ بالله أن تجعلني قاضياً، فأعفاه.) لغة بمعنى عفاه وسامحه
(وقال): أي عثمان (لا نجير أحداً) بصيغة المتكلم من الإجبار بمعنى الإكراه؛ وفي بعض
الأصول المصححة لا تخبر بالخاء المعجمة من الأخبار على صيغة الخطاب، أي لا تعلم أحداً
غيرك بما ذكرته، لئلا ينسد الباب، هذا ومن غريب ما ورد في ذم القضاء ما رواه تمام وابن
عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً عج حجر إلى الله تعالى فقال: ((الهي وسيدي
عبدتك كذا وكذا سنة ثم جعلتني في أس كنيف)) فقال: أو ما ترضى إن عدلت بك عن مجالس
القضاء. كذا في الجامع الصغير للسيوطي(٢).
باب رزق الولاة وهداياهم
هو من إضافة المصدر إلى الفاعل لقوله و9َ: ((من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً»
الحديث. وسيأتي! والفرق بين الرزق والعطاء: إن العطاء ما يخرج للجندي من بيت المال في
السنة مرة أو مرتين، والرزق ما يخرج له كل شهر.
(الفصل الأول)
٣٧٤٥ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّلفر حين قسم الأموال) لئلا
يقع في قلوب أصحاب من أجل التفاضل في القسمة (ما أعطيكم وما أمنعكم))) أي لا أعطي
أحداً منكم شيئاً تميل نفسي إليه، ولا أمنعه لعدم إقبال قلبي عليه، بل كل ذلك لأمر الله تعالى،
وإنما ذكر الفعلين بصيغة المضارع دون الماضي دلالة على استمرارهما في كل حال وزمان،
(١) الجامع الصغير ٢/ ٥٣٤ الحديث رقم ٨٨٤٤.
(٢) الجامع الصغير ٣٣٤/٢ الحديث رقم ٥٣٩٦، ((وعَجْ)) رفع صوته وصاحَ وقيده في التهذيب فقال
بالدعاء والاستغاثة.
الحديث رقم ٣٧٤٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٢١٧/٦ الحديث رقم ٣١١٧.

٢٩٠
كتاب الإمارة والقضاء/ باب رزق الولاة وهداياهم
أنا قاسِمْ أضَعُ حيثُ أُمِرْتُ)). رواه البخاري.
٠٥٠٠
٣٧٤٦ - (٢) وعن خَوْلةَ الأنصاريَّةِ، قالت: قال رسولُ اللهِوَلّهِ: ((إِنَّ رجالاً
يتخوَّضونَ في مالِ الله بغيرِ حِقِّ؛ فَلَهُمُ النَّارُ يومَ القيامةِ)). رواه البخاري.
٣٧٤٧ - (٣) وعن عائشةَ، قالتْ: لمَّا استُخلفَ أبو بكرٍ [رضي اللَّهُ عنه] قال: لقدْ عُلمَ
وهذا معنى قوله (أنا قاسم أضع) أي كل شيء من المنع والعطاء (حيث أمرت)؛ قال الطيبي:
قوله أنا قاسم، جملة مبينة للكلام السابق، وفيه معنى الاختصاص لتقديم الفاعل المعنوي،
كقولك أنا كفيت سهمك، ولو لم يذهب إلى الاختصاص لم يستقم أن يكون بياناً، لأن معنى
ما أعطيكم، ما أعطيتكم، وأما أمنعكم ما منعتكم، وإنما المعطي والمانع هو الله تعالى، وإنما
أنا قاسم، أقسم بينكم بأمر الله، وأضع حيث أمرت، فيكون قوله: أضع حيث أمرت، بياناً
للبيان، وفيه حجة على من قال: إن مثل ((أنا عارف)) لا يفيد الاختصاص لأنه ليس بفعلي مثل
أنا عرفت اهـ؛ وفي الحديث التفات إلى قوله تعالى: ﴿ومنهم أي من المنافقين من يلمزك في
الصدقات﴾ [التوبة - ٥٨] أي يعيبك في تقسيمها، فإن أعطوا منها أي كثيراً رضوا: وإن لم
يعطوا منها إذا هم يسخطون، ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا: حسبنا الله سيؤتينا
الله من فضله ورسوله أنا إلى الله راغبون، أي كما قاله المؤمنون المخلصون: لكان خيراً لهم،
(رواه البخاري)، وروى الحاكم عنه ولفظه أنا أبو القاسم، الله يعطي وأنا أقسم(١) .
٣٧٤٦ - (وعن خولة رضي الله عنها) بفتح فسكون (الأنصارية) قال المؤلف: هي خولة
بنت ثامر الأنصارية، حديثها عند أهل المدينة، روى عنها النعمان بن أبي عياش الزرقي،
وقيل: هي خولة بنت القيس من بني مالك بن النجار، وثامر لقب قيس، والصحيح أنهما
ثنتان، (قالت: قال رسول الله وَله: إن رجالاً) أي من العمال وغيرهم (يتخوّضون)؛ قال
الراغب: الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه، ويستعار في الأمور، وأكثر ما ورد فيما
يذم الشروع فيه نحو قوله تعالى: ﴿ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ [الأنعام - ٩١] اهـ وفي التفعل
مبالغة، والمعنى يشرعون ويدخلون ويتصرفون، (في مال الله) أي ما في بيت المال من الزكاة
والخراج والجزية والغنيمة وغيرها، (بغير حق) أي بغير إذن من الإمام، فيأخذون منه أكثر من
أجرة عملهم وقدر استحقاقهم، (فلهم النار يوم القيامة) خبر إن وأدخل الفاء لأن اسمها نكرة
موصوفة؛ (رواه البخاري).
٣٧٤٧ - (وعن عائشة رضي الله عنها] قالت: لما استخلف أبو بكر) بصيغة المجهول أي
جعل خليفة وهو ظرف لقوله: (قال) أي اعتذاراً عن إنفاقه على أهله من بيت المال (لقد علم
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٦٤/٢.
الحديث رقم ٣٧٤٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٢١٧/٦ الحديث رقم ٣١١٨.
الحديث رقم ٣٧٤٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٠٣/٤ الحديث رقم ٢٠٧٠.
«جو.

پ ز%سن ٣
uiN!
٢٩١
كتاب الإمارة والقضاء/ باب رزق الولاة وهداياهم
قومي أنَّ حِرفَتي لم تكنْ تعجِزُ عن مَؤونةِ أهلي، وشُغلْتُ بأمرِ المسلمينَ، فسيأكُلُ آلُ أبي بكرٍ
منْ هذا المالِ، ويحترِفُ للمسلمينَ فيهِ .
قومي) قيل: أراد بهم، قريشاً والأظهر أنه أراد به المسلمين (أن حرفتي) وهي ما كان يشتغل به
من التجار فقبل الخلافة. وفي النهاية: الحرفة والصناعة وجهة الكسب، (لم تكن تعجز) بكسر
الجيم ويفتح، ففي القاموس: العجز الضعف، والفعل كضرب وسمع (عن مؤنة أهلي) بفتح
ميم وضم همزة وسكون، واو أي نفقة عيالي (وشغلت) بصيغة المفعول أي وقد اشتغلت (بأمر
المسلمين)؛ وفي نسخة بأمور المسلمين أي بإصلاح أمورهم، فلا سبيل إلى التفرغ للتجارة،
(فسيأكل) أي ينتفع (آل أبي بكر) أي تبعاً له، والمراد أهله وعياله، وفيه التفات (من هذا المال)
إشارة إلى الحاضر في الذهن، وهو مال بيت المال للمسلمين (ويحترف) أي أبو بكر
(للمسلمين فيه) أي في مقابلة ما أكل من المال عوضاً له، فالضمير راجع إلى معنى قوله:
فسيأكل، وأراد لاحتراف فيه التصرف فيه، والسعي لمصالح المسلمين ونظم أحوالهم، وجيء
بالحرفة مشاكلة لوقوعه في صحبة قوله: إن حرفتي، قال الشمني: وفيه أن للحاكم أن يأخذ من
بيت المال ما يكفيه، وكان أبو بكر تاجراً في البز، وعمر في الطعام، وعثمان في التمر والبر،
وعباس في العطر: انتهى. وأفضل أنواع التجارة البز، وهو الثياب ثم العطر؛ وفي حديث أبي
سعيد بسند ضعيف لو اتجر أهل الجنة، لأتجروا في البز، ولو اتجر أهل النار، لأتجروا في
الصوف رواه أبو منصور في مسند الفردوس؛ وقال المظهر: اللام في لقد علم قسمية، أقسم
أنه كان مشتهراً بين المسلمين، في أنه كان كسوباً، ومحصلاً لمؤنة أهله وعياله بحرفة التجارة،
ولم يكن عاجزاً عن ذلك. وهذا تمهيد منه واعتذار منه في قدر ما يحتاج [إليه] أهله من بيت
المال، ومن ثم أتى بالفاء في قوله: فسيأكل، لأنها فاء النتيجة، وآل أبي بكر أهله وعياله،
ويجوز أن يراد نفسه، وفي نسق الكلام من الدليل على أنه أراد بآل أبي بكر نفسه، وهو قوله:
ويحترف للمسلمين أي يكتسب بالتصرف في أموال المسلمين يدل على ما يتناول ذلك، قال
الطيبي: أراد بنسق الكلام أن يحترف مسند إلى ضمير أبي بكر، وهو عطف على فسيأكل، فإذا
أسند إلى الأهل تنافروا نخرم النظم؛ وقال القاضي: آل أبي بكر، أهله، عدل عن التكلم إلى
الغيبة على طريق الالتفات، وقيل: نفسه، والآل مقحم لقوله: ويحترف، وليس بشيء، بل
المعنى أني كنت أكسب لهم، فيأكلونه، والآن أكسب للمسلمين بالتصرف في أموالهم، والسعي
في مصالحهم ونظم أحوالهم، فسيأكلون من مالهم المعد لمصالحهم وهو مال بيت المال. قال
الطيبي: لا بد في الانتقال من التكلم إلى الغيبة على ما سماه التفاتاً من فائدة؛ فقوله: آل أبي
بكر من باب التجريد جرد من نفسه شخصاً متصفاً بصفة أبي بكر من كونه كسوباً محصلاً لمؤنة
الأهل بالتجارة، ثم تكفل بهذا الأمر العظيم من تولى أمور المسلمين، وامتنع من الاكتساب
المؤنة أهله، وغيره، وهو هو، وفيه إشعار بالعلية، وإن من اتصف بتلك الصفة حقيق بأن يأكل
هو وأهله من بيت مال المسلمين. قال التوربشتي: فرض رضي الله عنه لنفسه مدين من طعام
واداً مازيتا أو نحوه، وإزاراً ورداء في الصيف، وفروة أو جبة في الشتاء، وظهراً معيناً لحاجته
في السفر والحضر. قال المظهر: وفيه بيان أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه
٠٤.٦٧
** لدية

٢٩٢
كتاب الإمارة والقضاء/ باب رزق الولاة وهداياهم
رواه البخاري.
الفصل الثاني
٣٧٤٨ _ (٤) عن بُريدةَ، عن النبيِّ وَّر، قال: ((مَنِ استعملناهُ على عملٍ، فرزَقناهُ
رِزقاً، فما أخذَ بعدَ ذلكَ فهوَ غُلولٌ)) رواه أبو داود.
٣٧٤٩ - (٥) وعن عُمرَ [رضي اللَّهُ عنه]، قال: عمِلتُ على عهدِ رسولِ اللهِ وَّر)
فعمَّلني .
قدر ما يستحقه لعمالته إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة؛ (رواه البخاري).
(الفصل الثاني)
٣٧٤٨ - (عن بريدة رضي الله عنه) أي ابن الحصيب الأسلمي، أسلم قبل بدر ولم
يشهدها، وبايع بيعة الرضوان، وكان من ساكني المدينة، ثم تحوّل إلى البصرة، ثم خرج منها
إلى خراسان غازياً فمات بمرو زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين وستين؛ روى عنه جماعة،
والحصيب تصغير الحصب، ذكره المؤلف؛ (عن النبي وَلفي قال: من استعملناه) أي جعلناه
عاملاً (على عمل) أي من أعمال الولاية والإمارة (فرزقناه) أي فأعطيناه (رزقاً) أي مقداراً معيناً
(فما أخذ بعد ذلك) جزاء الشرط وما موصولة، والعائد محذوف: وقوله (فهو غلول) خبره
جيء بالفاء لتضمنه معنى الشرط، ويجوز أن تكون موصوفة، والغلول بضمتين الخيانة في
الغنيمة وفي مال الفيء. (رواه أبو داود)، وكذا الحاكم(١).
٣٧٤٩ - (وعن عمر رضي الله عنه قال: عملت) أي عملاً من أعمال الإمارة (على عهد
رسول الله ( 18) أي في زمانه وبأمره (فعملني) بتشديد الميم أي أعطاني العمالة، وهي بتثليث
أوله، والضم أشهر أجرة العمل؛ قال التوربشتي: أي أعطاني عمالتي وأجرة عملي، وكذا
أعملني، وقد يكون عملني بمعنى ولاني وأمرني، قال الطيبي: الوجه هو الأوّل إذ التقدير
عملت في أمر المسلمين ومصالحهم عملاً فأعطاني عمالتي، والثاني لا يناسب الباب، واللفظ
ينبو عنه قلت: أراد الشيخ استيفاء معناه اللغوي، ولم يجعله وجهاً آخر يرد عليه الاعتراض
على أنه لو أريد معناه أيضاً لا محذور فيه إذ المعنى عملت عملاً فاستحسنه، فولاني عملاً
الحديث رقم ٣٧٤٨: أخرجه أبو داود في السنن ٣٥٣/٣ الحديث رقم ٢٩٤٣.
(١) الحاكم في المستدرك ٤٠٦/١.
الحديث رقم ٣٧٤٩: أخرجه أبو داود في السنن ٣٥٣/٣ الحديث رقم ٢٥٤٤، والنسائي في السنن ٥٪
١٠٢ الحديث رقم ٢٦٠٤، وأحمد في المسند ٥٢/١.

٢٩٣
كتاب الإمارة والقضاء/ باب رزق الولاة وهداياهم
رواه أبو داود.
٣٧٥٠ _ (٦) وعن مُعاذٍ، قال: بعثَني رسول الله وَّهِ إِلى اليمن، فلمَّا سِرْتُ، أرسلَ
في أثَري، فرُدِذْتُ. فقال: ((أَتَذْري لِمَ بعثتُ إِليكَ؟ لا تُصيبنَّ شيئاً بغيرِ إِذْني، فإِنَّه غُلولٌ،
ومَنْ يغلُلْ يأْتِ بما غَلَّ يومَ القيامةِ، لهذا دعَوتُكَ فَأَمْضٍ لعملِكَ)). رواه الترمذي.
٣٧٥١ _ (٧) وعن المستَوْرِدِ بنِ شدَّادٍ، قال: سمعتُ النبيِّ وَلَّ يقول: ((مَنْ كانَ لنا
عاملاً فليكتسبْ زوجةً، فإِنْ لم يكنْ له خادمٌ فلْيكتسبْ خادماً، فإِنْ لم يكنْ له مسكنٌ
فلیکتسِبْ مسكناً)).
آخر، غايته أن يكون الحديث سكوتاً عن إعطاء عمالته، ففي الجملة يناسب الباب، وأما نبوّ
اللفظ عنه فلا يظهر وجهه؛ وقد قال في القاموس عمل فلان عليهم بالضم تعميلاً أمر والله أعلم
بالصواب. (رواه أبو داود).
٣٧٥٠ - (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه) بضم الميم (قال: بعثني رسول الله وَلفر إلى
اليمن) أي فتوجهت إليها (فلما سرت قليلاً أرسل في أثري) بفتحتين ويكسر وسكون أي عقبي؛
قال التوربشتي: أثر الشيء حصول ما يدل على وجوده، ومن هذا يقال للطريق المستدل به على
من تقدم آثار (فرددت) بصيغة المجهول أي فرجعت إليه، ووقفت بين يديه (فقال: أتدري لم
بعثت إليك لا تصيبن) فيه إضمار تقديره بعثت إليك لأوصيك، وأقول لك لا تصيبن أي لا
تأخذن (شيئاً بغير إذني فإنه) أي ذلك الأخذ (غلول) أي خيانة (ومن يغلل يأت بما غل يوم
القيامة) قال الطيبي: أراد بما غل ما ذكره قوله وَله: ((لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على
رقبته بعير له رغاء)) (١) الحديث. (لهذا) أي لأجل هذا النصح (دعوتك) فإذا أبلغتك (فامض)
أي اذهب (لعملك) أي مقروناً بعملك (رواه الترمذي.
٣٧٥١ - (وعن المستورد رضي الله عنه) بكسر الراء (ابن شداد) بتشديد الدال الأولى أي
الفهري القرشي يقال: إنه كان غلاماً يوم قبض النبي وَّر، ولكنه سمع منه، وروى عنه جماعة.
(قال: سمعت رسول الله وهو يقول من كان لنا) أي معشر المسلمين (عاملاً فليكتسب) أي من
المال (زوجة فإن لم يكن له خادم، فليكتسب خادماً فإن لم يكن له مسكن) بفتح الكاف ويكسر
(فليكتسب مسكناً) قال المظهر: أي يحل له أن يأخذ مما في تصرفه من مال بيت المال قدر
مهر زوجة، ونفقتها، وكسوتها، وكذلك ما لا بد منه من غير إسراف وتنعم، فإن أخذ أكثر ما
يحتاج إليه ضرورة، فهو حرام عليه؛ قال الطيبي: وإنما وضع الاكتساب موضع العمالة والأجرة
الحديث رقم ٣٧٥٠: أخرجه الترمذي في السنن ٦٢١/٣ الحديث رقم ١٣٣٥.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، ١٨٥/٦ الحديث رقم ٣٠٧٣، ومسلم في صحيحه ١٤٦١/٣ الحديث
رقم (٣٤ - ١٥٣١).
الحديث رقم ٣٧٥١: أخرجه أبو داود في السنن ٣٥٤/٣ الحديث رقم ٢٩٤٥، وأحمد في المسند ٢٢٩/٤.

٢٩٤
٠٦٦٣
- الجهاز :*
كتاب الإمارة والقضاء/ باب رزق الولاة وهداياهم
(مَنِ اتُخذَ غيرَ ذلكَ فهوَ غالٍّ)). رواه أبو داود.
٣٧٥٢ - (٨) وعن عَدِيٍّ بنِ عَمِيرةَ، أنَّ رسول الله وَرَ قال: ((يا أيُّها الناسُ! مَنْ عُمِّلَ
منكم لنا على عمَلٍ، فَكتَمَنا منهِ مُخْيَطاً فما فوقَه فهوَ غالٍّ، يأتي به يومَ القيامةِ)). فقامَ رجلٌ
منَ الأنصارِ، فقال: يا رسولَ الله! أقْبَلْ عني عملَكَ. قال: ((وما ذاكَ؟)) قال: سمعتُكَ
تقولُ: كذا وكذا قال: ((وأنا أقولُ ذلكَ، مَنِ استعملناهُ على عمَلٍ؛ فلْيأْتِ بقليله وكثيرِه فما
أُوتِيَ منه أخذَه، وما نُھيَ عنه انتهى)). رواه مسلم
حسماً لطمعه، اهـ وفيه أن الأجرة إذا كانت معلومة فله أن يصرف فيما شاء، فما فائدة ذكر هذه
الأشياء، قال: ويفهم من تقييد القرينتين الأخريين بالشرط أن القرينة الأولى مطلقة، فإن كانت
له زوجات يجوز أن يضيف إليها واحدة، أو استغنى بتقييد الأخيرتين عن تقييد القرينة الأولى،
فهي مقيدة أيضاً، وفائدة ذكرها أن له مؤنة زوجة واحدة اهـ؛ والثاني هو الظاهر، والأظهر أن له
التصرف بقدر ضرورة الحال، وعدم المضرة في المآل، (وفي رواية من اتخذ غير ذلك) أي ما
ذكر وما في معناه (فهو غال) بتشديد اللام أي خائن (رواه أبو داود).
٣٧٥٢ - (وعن عدي رضي الله عنه) بفتح فكسر فتحتية مشددة (ابن عميرة) بفتح فكسر،
قال العسقلاني: ولا يعرف في الرجال أحد يقال له عميرة بالضم، بل كلهم بالفتح، ووقع في
النسائي الأمران، كذا في شرح مسلم؛ قال المؤلف: هو الكندي الحضرمي سكن الكوفة ثم
انتقل إلى الجزيرة، وسكنها ومات بها؛ روى عنه قيس بن أبي حاتم وغيره، (إن رسول الله، وكلهم
قال: يا أيها الناس من عمل) بضم فتشديد ميم أي جعل عاملاً (منكم لنا على عمل فكتمنا منه)
أي دس عنا من حاصل عمله (مخيطاً) بكسر فسكون أي ابرة (فما فوقه) أي في القلة أو
الكثرة، أو الصغر أو الكبر، قال الطيبي: الفاء للتعقيب الذي يفيد الترقي أي فما فوق المخيط
في الحقارة نحو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة
- ٢٦] (فهو) أي العامل الكاتم (غال) أي خائن (يأتي به) أي بالمخيط فما فوقه، أو بما غل به
(يوم القيامة) أي على عنقه تفضيحاً وتشهيراً له بين العباد على رؤوس الإشهاد (فقام رجل من
الأنصار) خوفاً على نفسه من الهلاك والبوار (فقال: يا رسول الله اقبل) بفتح الموحدة (عني
عملك) أي أقلني منه (قال: وما ذاك) إشارة إلى ما في الذهن، أي ما الذي حملك على هذا
القول، (قال: سمعتك تقول كذا وكذا) أي في الوعيد على العمل، وهو لا يخلو عن الزلل
(قال: وأنا أقول ذلك) أي ما سبق من القول (من استعملناه على عمل فليأتي بقليله وكثيره، فما
أوتي منه) أي أعطى من ذلك العمل (أخذه وما نهى عنه انتهى) أي وما منع من أخذه امتنع عنه،
وهو تأكيد لما قبله؛ قال الطيبي: قوله من استعملناه الخ تكرير للمعنى، ومزيد للبيان، يعني أنا
أقول ذلك ولا أرجع عنه، فمن استطاع أن يعمل فليعمل، ومن لم يستطع فليترك؛ (رواه مسلم
.....
الحديث رقم ٣٧٥٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٦٥/٣ الحديث رقم (٣٠ - ١٨٣٣)، وأبو داود في
السنن ١٠/٤ الحديث رقم ٣٥٨١، وأحمد في المسند ٤/ ١٩٢.
١٠

٢٩٥
كتاب الإمارة والقضاء/ باب رزق الولاة وهداياهم
وأبو داود، واللفظُ له.
٣٧٥٣ - (٩) وعن عبدِ الله بن عَمْرٍو، قال: لعنَ رسولُ الله ◌ِّهِ الرَّاشَيَ والمُرْتشيَ.
رواه أبو داود، وابن ماجه.
٣٧٥٤ _ (١٠) ورواه الترمذيُّ عنه وعن أبي هريرةً.
٣٧٥٥ _ (١١) ورواه أحمد، والبيهقيُّ في ((شعب الإِيمان)) عن ثوبانَ وزادَ:
(والرَّائشَ)) يعني يَمشي بينَهما.
وأبو داود واللفظ له) ولعل اختيار لفظ أبي داود لكونهه أفيد في المقصود (١).
٣٧٥٣ - (وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه) بالواو (قال: لعن رسول الله وَلخر الراشي
والمرتشي)، أي معطي الرشوة وآخذها، وهي الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة وأصله من الرشاء
الذي يتوصل به إلى الماء، قيل: الرشوة ما يعطي لإبطال حق أو لإحقاق باطل، أما إذا أعطى
ليتوصل به إلى حق، أو ليدفع به عن نفسه ظلماً فلا بأس به [وكذا الآخذ إذا أخذ ليسعى في
إصابة صاحب الحق، فلا بأس به] لكن هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة، لأن
السعي في إصابة الحق إلى مستحقه، ودفع الظالم عن المظلوم واجب عليهم، فلا يجوز لهم
الأخذ عليه؛ كذا ذكره ابن الملك، وهو مأخوذ من كلام الخطابي، إلا قوله وكذا الآخذ، وهو
بظاهره ينافيه الحديث الأوّل من الفصل الثالث الآتي؛ قال التوربشتي: وروى أن ابن مسعود
أخذ في شيء بأرض الحبشة، فأعطى دينارين حتى خلى سبيله (رواه أبو داود وابن ماجه).
٣٧٥٤ - (ورواه الترمذي عنه) أي عن ابن عمرو (وعن أبي هريرة رضي الله عنهم) وفي
الجامع الصغير: لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم رواه أحمد والترمذي والحاكم عن أبي
.(٢)
هريرة (٢) .
٣٧٥٥ - (ورواه أحمد والبيهقي في شعب الإيمان عن ثوبان وزاد) أي ثوبان أو البيهقي
(والرائش يعني الذي يمشي بينهما). وفي الجامع الصغير روى أحمد عن ثوبان ((لعن الله
الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما)) (٣) اهـ، ومعناه الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا
وينتقص لهذا، قاله ابن الأثير؛ وقيل: المصلح بينهما.
(١) كان ينبغي أن يجعل هذا الحديث في الفصل الأول والله تعالى أعلم.
الحديث رقم ٣٧٥٣: أخرجه أبو داود في السنن ٩/٤ الحديث رقم ٣٥٨٠ والترمذي في ٦٢٣/٣ الحديث
رقم ١٣٣٧، وابن ماجه في ٧٧٥/٢ الحديث رقم ٢٣١٣، وأحمد في المسند ١٦٤/٢.
الحديث رقم ٣٧٥٤: أخرجه الترمذي في السنن ٦٢٢/٣ الحديث رقم ١٣٣٦.
(٢) الجامع الصغير ٤٤٥/٢ الحديث رقم ٧٢٥٤.
الحديث رقم ٣٧٥٥: أخرجه أحمد في المسند ٢٧٩/٥ والبيهقي في شعب الإيمان ٤/ ٣٩٠ الحديث رقم ٥٥٠٣.
(٣) الجامع الصغير ٢/ ٤٤٥ الحديث رقم ٧٢٥٥.

٢٩٦
كتاب الإمارة والقضاء/ باب رزق الولاة وهداياهم
٣٧٥٦ - (١٢) وعن عَمْرٍو بن العاصِ، قال: أرسلَ إِليَّ رسولُ اللهِ وَهِ: ((أنِ اجمَعْ
عليكَ سلاحَكَ وثيابَكَ، ثمَّ اثتني)). قال: فأَتَيْتُه وهوَ يتوضَّأ. فقال: ((يا عَمْرُو! إِني أرسلتُ
إِليكَ لأبعَثَكَ في وجهٍ يُسلِّمِكَ اللَّهُ ويُغنِّمُكَ، وأَزْعَبُ لكَ زُعبةً منَ المالِ)). فقلتُ: يا
رسولَ الله! ما كانتْ هجرتي للمالِ، وما كانتْ إِلاَّ اللَّهِ ولرسولِه. قال: ((نِعمَّا بالمالِ الصالحِ
للرَّجلِ الصالح)).
٣٧٥٦ - (وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ارسل إليّ) أي رسولاً (رسول الله
وسلو أن أجمع) أن مصدرية أو تفسيرية لما في الإرسال من معنى القول أي قائلاً اجمع (عليك
سلاحك وثيابك) وتقديم السلاح يشعر بالسفر وللاهتمام بأمره (ثم ائتني، قال: فأتيته) أي
مستعداً (وهو يتوضأ، فقال: يا عمرو) فيه دلالة على جواز الكلام الديني في أثناء الوضوء (إني
أرسلت إليك لأبعثك) في كلامه تفنن أي لأجل بعثي إياك (في وجه) أي في عمل وشغلك
(يسلمك الله) بتشديد اللام [أي] يؤديك بالسلامة إليه، ويوصلك بالكرامة لديه (ويغنمك)
بتشديد النون أي يرزقك غنيمة (وأزعب) بالنصب عطفاً على أبعثك، وفي نسخة بالرفع أي،
وأنا أرغب، وهو بالزاي المعجمة والعين المهملة، أي أقطع أو أدفع (لك زعبة) بفتح أوّله
ويضم أي قطعة أو دفعة (من المال فقلت: يا رسول الله ما كانت هجرتي) أي إيماني وهجرة
أوطاني (للمال وما كانت إلا لله ولرسوله، قال: نعماً؛) بكسر النون ويفتح وكسر العين
ويختلس أي نعم شيئاً. قال الرضي: اختلف في ما هذه، فقيل: كافة، هيأت نعم للدخول على
الجملة كما في طالما وقلما قيل، وفيه بعد لأن الفعل لا يكف لقوّته وإنما ذلك في الحروف،
وما في طالما وقلما مصدرية إلا أن يقال: إن نعم لعدم تصرفها شابهت الحروف لكن يحتاج
إلى تكلف في إضمار المبتدأ والخبر في نحو فنعما هي، وقال الفراء وأبو علي: هي موصولة
بمعنى الذي فاعل لنعم ويضعفه قلة وقوع الذي مصرحاً به فاعلاً لنعم، ولزوم حذف الصلة
بأجمعها في فنعما هي، فإن هي مخصوص أي نعم الذي فعله الصدقات، وقال سيبويه
والكسائي ما، معرفة تامة بمعنى الشيء، فمعنى فنعم، هي نعم الشيء هي، فما هو الفاعل
لكونه بمعنى ذي اللام، وهو مخصوص، ويضعفه عدم مجيء ما بمعنى المعرفة التامة، أي
بمعنى الشيء في غير هذا الموضع، بل تجيء ما بمعنى شيء إما موصوفة أو غير موصوفة،
وقال الزمخشري والفارسي في أحد قوليه: ما، نكرة مميزة منصوبة المحل، إما موصوفة
بالجملة بنحو نعماً يعظكم به أو غير موصوفة نحو فنعما هي اهـ؛ (بالمال الصالح) قال ابن
جني: ما، في ((نعماً)) منصوبة لا غير والتقدير نعم شيئاً أي المال الصالح، والباء زائدة مثلها في
كفي بالله اهـ، أو نعم الشيء المال الحلال (للرجل الصالح) وهو من يراعي حق الله وحق
عباده، وقال الطيبي: ما، هذه ليست بموصولة ولا موصوفة لتعين الأولى بالصلة والثانية
بالصفة والمراد الإجمال ثم التبيين، فما هنا بمنزلة تعريف الجنس في نعم الرجل، فإنه إذا قرع
الحديث رقم ٣٧٥٦: أخرجه البغوي في شرح السنة ٩١/١٠ الحديث رقم ٢٤٩٥، وأحمد في المسند ٤/ ١٩٧.

٢٩٧
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
رواه في ((شرح السنَّةِ)). وروى أحمدُ نخوَه. وفي روايتِه: قال: ((نِعْمَ المالُ الصَّالحُ لِلرَّجُلِ
الصالح)).
الفصل الثالث
٣٧٥٧ - (١٣) عن أبي أمامةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّ قال: ((مَنْ شَفَعَ لأحدٍ شفاعةٌ،
فأهدَى له هدِيَّةً عليها، فقبلها؛ فقد أتى باباً عظيماً من أبوابِ الرِّبا)). رواه أبو داود.
(٤) باب الأقضية والشهادات
السمع أوّلاً مجملاً ذهب بالسامع كل مذهب، ثم إذا بين تمكن في ذهنه فضل تمكن، وأخذ
بمجامع القلب، وفي هذا مدح عظيم للمال الصالح، والصلاح ضد الفساد، وهما مختصان في
أكثر الاستعمال بالأفعال، وقوبل في القرآن تارة بالفساد وتارة بالسيئة قال تعالى: ((خلطوا عملاً
صالحاً وآخر سيئاً) قال: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ [الأعراف - ٦٥] وخلاصته
أن الشيء إذا كان منتفعاً به كان صالحاً، والفساد بخلافه، والرجل الصالح من علم الخير
وعمل به، والمال الصالح ما يكسب من الحلال وينفق في وجوه الخيرات. (رواه) أي صاحب
المصابيح (في شرح السنة) أي بإسناده (وروى أحمد نحوه) أي بمعناه دون لفظه (وفي روايته)
أي رواية أحمد (قال) أي النبي ◌َّل (نعم المال الصالح للرجل الصالح) قلت: فيه تأييد للقول
بأن ما زائدة كافة.
(الفصل الثالث)
٣٧٥٧ - (عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله وَلقر قال: ((من شفع لأحد شفاعة
فأهدى له هدية)))، وفي نسخة بصيغة المفعول ورفع هدية (عليها) أي على مقابلة تلك الشفاعة
ولأجلها (فقبلها) أي المهدي إليه وهو الشافع (فقد أتى) أي القابل (باباً) أي نوعاً (عظيماً من
أبواب الربا) وهو في الشرع فضل خال عن عوض شرط لأحد العاقدين في المعاوضة، وفي
نسخة الرياء بالتحتية والظاهر أنه تصحيف، (رواه أبو داود).
باب الأقضية
أي الحكومات (والشهادات) أي أنواعها، قال الطيبي: الأقضية هي ما ترفع إلى الحاكم،
وقال الأزهري: القضاء في الأصل أحكام الشيء والفراغ منه، فيكون القضاء إمضاء الحكم،
ومنه قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾ [الإسراء - ٤] وسمي الحاكم قاضياً لأنه يمضي
الحديث رقم ٣٧٥٧: أخرجه أبو داود في السنن ٣/ ٨١٠ الحديث رقم ٢٤٩٥.

، -!
٢٩٨
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
الفصل الأول
٣٧٥٨ _ (١) عن ابنِ عبَّاسٍ [رضي اللَّهُ عنهما]، عن النبيِّ وَ ◌ّر، قال: ((لوْ يُعطى
النَّاسُ بدعواهُم، لأَدَّعى ناسٌ دِماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكنَّ اليمينَ على المدَّعى عليه)). رواه
مسلم. وفي «شرحه للنّووي))
الأحكام ويحكمها، ويكون قضى بمعنى أوجب، فيجوز أن يكون سمي قاضياً لإيجابه الحكم
على من يجب عليه، ويسمى حاكماً لمنعه الظالم من الظلم، ومنه حكمة الدابة لمنعها الدابة من
ركونها رأسها، وسميت الحكمة حكمة [لمنعها] النفس من هواها، وقال الراغب الشهود
والشهادة والمشاهدة، الحضور مع المشاهدة، إما بالبصر، وإما بالبصيرة، وشهدت جار مجرى
العلم، وبلفظه تقام الشهادة، ويقال أشهد بكذا، ولا يرضى من الشاهد أن يقول أعلم بل يحتاج
أن يقول أشهد؛ وفى المغرب: الشهادة الإخبار بصحة الشيء عن مشاهدة وعيان، ويقال شهد
عند الحاكم لفلان على فلان بكذا شهادة، فهو شاهدوهم شهود وإشهاد وهو شهيد وهم
شهداء .
(الفصل الأوّل)
٣٧٥٨ - (عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي وفر قال: لو يعطى الناس) بصيغة
المجهول أي لو فرض أن يعطوا مدعاهم من مالهم ودمائهم (بدعواهم) أي بمجرد دعواهم من
غير بينة للمدعي أو تصديق من المدعى عليه (لأدعى ناس) أي قوم في الحقيقة نسناس بطريق
البطلان على ناس (دماء رجال وأموالهم) قيل أي لأخذ رجال أموال قوم وسفكوا دماءهم فوضع
الدعوى موضع الأخذ لأنها سببه، ولا شك أن أخذ مال المدعى عليه ممتنع لامتناع إعطاء
المدعى بمجرد الدعوى فصح معنى لو كما لا يخفى هذا، ولما كانت الجملة المتقدمة نفت
اعتبار الإعطاء بمجرد الدعوى وأفادت أن البينة على المدعى وكانت موهمة لعدم سماع الدعوى
من غير حجة مطلقاً استدركه بقوله (ولكن اليمين) بتشديد لكن ونصب اليمين وفي نسخة
بالتخفيف والرفع أي الحلف (المدعى عليه) أي المنكر أن طلب المدعي تحليفه، فلو حلفه
القاضي بغير طلب المدعي ثم طلب المدعي التحليف، فله أن يحلفه، كذا في الأصول
العمادية، وهذا عام، خص منه الحدود واللعان ونحوهما (رواه مسلم). وفي الجامع الصغير
رواه أحمد والشيخان وابن ماجه(١)، (وفي شرحه) أي شرح مسلم (للنووي) يجوز قصره ومده
محمرة
جر ش
الحديث رقم ٣٧٥٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٤٥٥٢ الحديث رقم ٤٥٥٢، ومسلم في ١٣٣٦/٣
الحديث رقم ١/ ١٧١١.
(١) الجامع الصغير ٤٥٩/٢ الحديث رقم ٧٤٩٥.

٢٩٩
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
أنَّه قال: وجاءَ في رواية ((البيهقيِّ)) بإِسنادٍ حسنٍ أو صحيحٍ، زيادةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعاً:
((لكنَّ البيّنةَ على المدَّعي، واليمينَ على مَنْ أنكرَ)).
المجيدر
٣٧٥٩ _ (٢) وعن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((مَنْ حلَفَ على يمينِ
صبْرٍ وهوَ فيها فاجِرٌ يقتطعُ بها مالَ امرئٍ مسلمٍ
(أنه قال: وجاء في رواية البيهقي بإسناد حسن أو صحيح زيادة عن ابن عباس مرفوعاً) الظاهر
مرفوعة (لكن البينة) بالوجهين (على المدعي). في المغرب البيئة الحجة، فيعلة من البينونة أو
البيان (واليمين) بالوجهين (على من أنكر)، قال النووي: هذا الحديث قاعدة شريفة كلية من
قواعد أحكام الشرع، ففيه أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة
أو تصديق المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك، وقد بين والقر الحكمة في كونه
لا يعطى بمجرد دعواه أنه لو أعطى بمجردها لادعى قوم دماء قوم، وأموالهم، واستبيح، ولا
يتمكن المدعى عليه من صون ماله ودمه، وفيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور على أن اليمين
متوجهة على كل مدعى عليه سواء كان بينة وبين المدعي اختلاط أم لا، وقال مالك وأصحابه
والفقهاء السبعة وفقهاء المدينة: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه، وبينه خلطة لئلا يبتذل
السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مراراً في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة دفعاً لهذه المفسدة،
واختلفوا في تفسير الخلطة فقيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد أو بشاهدين، وقيل:
تكفي الشبهة، وقيل: هي أن يليق به الدعوى بمثلها على مثله، ودليل الجمهور هذا الحديث
ولا أصل لذلك الشرط في كتاب ولا سنة ولا إجماع.
٣٧٥٩ - (وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلجر: من حلف على يمين
صبر)، في النهاية الحلف هو اليمين، فحالف بين اللفظين تأكيداً، قال النووي: يمين صبر
بالإضافة أي الزم بها وحبس عليها وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها مصبورة،
وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور لأنه إنما صبر من أجلها أي حبس، فوصفت بالصبر
وأضيف إليه مجازاً اهـ، وتوضيحه ما قاله ابن الملك: الصبر الحبس، والمراد بيمين الصبر أن
يحبس السلطان الرجل حتى يحلف بها، وهي لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وعلى بمعنى
الباء والمراد المحلوف عليه تنزيلاً للحلف منزلة المحلوف عليه، فعلى هذا قيل لها مصبورة
مجازاً، وقيل يمين الصبر هي التي يكون فيها متعمداً للكذب قاصداً لإذهاب مال المسلم، كأنه
يصبر النفس على تلك اليمين، أي يحبسها عليها وهو المراد هنا الظاهر قوله: (وهو فيها فاجر)
أي كاذب، والجملة حالية؛ وفي رواية بترك الواو (يقتطع بها مال امرىء مسلم) أي يفصل
قطولة من ماله، ويأخذها بذلك اليمين، وفي معنى مال المسلم مال الذمي فلا مفهوم معتبر له،
الحديث رقم ٣٧٥٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٢١٢/٨ الحديث رقم ٤٥٤٩، ومسلم في ١٢٢/١
الحديث رقم (٢٢٠ - ١٣٨)، والترمذي في السنن ٢١٦/٥ الحديث رقم ٣٠١٢، وابن ماجه في
٧٧٨/٢ الحديث رقم ٢٣٢٣.

٣٠٠
كتاب الإمارة والقضاء/ باب الأقضية والشهادات
لقيَ اللَّهَ يومَ القيامةِ وهوَ عليهِ غضبانُ)). فأنزلَ اللَّهُ تصْديقَ ذلكَ: ﴿إِنَّ الذينَ يشترونَ بعهدٍ
اللَّهِ وأيمانِهِمْ ثمناً قليلاً﴾ إلى آخرِ الآيةِ. متفق عليه.
٣٧٦٠ _ (٣) وعن أبي أمامةَ، قال: قال رسول الله وَّ: ((مَنِ اقتطَعَ حقَّ امرىء
مسلمٍ بَيَمينِه؛ فقدْ أوجبَّ اللَّهُ له النَّارَ، وحرَّمَ عليهِ الجنَّةَ».
قال الطيبي: فيه إن الكذب في الشهادة نوع من أنواع الفجور ويقتطع بها حال من الراجع إلى
المبتدأ في فاجر، فهي حال مؤكدة تصويراً لشناعتها، وهو المعنى باليمين الغموس، وذلك لأن
مرتكب هذه الجريمة قد بلغ في الاعتداء الغاية القصوى حيث انتهك حرمة بعد حرمة، أحداها
اقتطاع مال لم يكن له ذلك، والثانية استحقاق حرمة وجب عليه رعايتها، وهي حرمة الإسلام
وحق الآخرة، والثالثة الإقدام على اليمين الفاجرة (لقي الله يوم القيامة) وفي رواية لقي الله (وهو
عليه غضبان) أي يعرض عنه ولا ينظر إليه بعين الرحمة والعناية، وغضبان غير منصرف، وهو
صيغة مبالغة، ولذا قال الطيبي: أي ينتقم منه لأن الغضب إذا أطلق على الله كان محمولاً على
الغاية (فأنزل الله تصديق ذلك) أي موافقة لما ذكر من الحديث، فهو سبب نزول الآية (﴿إن
الذين يشترون)﴾ أي يستبدلون (﴿بعهد الله﴾) أي بما عهد إليه من أداء الأمانة وترك الخيانة
(﴿وأيمانهم)) أي الكاذبة (﴿ثمناً قليلاً﴾)(١) شيئاً يسيراً من حطام الدنيا مع أن متاعها كلها
قليل. (إلى آخر الآية)؛ يعني أولئك لا خلاق لهم أي لا نصيب لهم من الخير في الآخرة، ولا
يكلمهم الله يوم القيامة أي بما يسرهم ويفرحهم، ولا ينظر إليهم أي نظر رحمة تنفعهم، ولا
يزكيهم أي لا يطهرهم من الذّنوب بما حصل لهم من موقف الحساب، ولذا قال: ولهم عذاب
أليم؛ وفي الآية تهديد جسيم وتشديد عظيم (متفق عليه)، ورواه أحمد والأربعة عن الأشعب
ابن قیس وابن مسعود.
٣٧٦٠ - (وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلاغير: ((من اقتطع حق امرىء
مسلم بيمينه))) أي ذهب بطائفة من ماله وفصلها عنه. يقال اقتطعت من الشيء قطعة، ذكره
التوربشتي، وفيه أن الحق أعم من المال، ولذا قال النووي: يدخل في قوله حق امرىء مسلم
من حلف على غير مال كجلد الميتة والسرجين، وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها، وكذا
سائر الحقوق التي ليست بمال كحق القذف ونصيب الزوجة من القسم وغير ذلك؛ (فقد أوجب
الله له النار وحرم عليه الجنة) قال الطيبي: يدل على التأبيد بعد احتمال الخروج من قوله أوجب
الله عليه النار، وقيل في تأويله وجهان أحدهما أنه محمول على المستحل لذلك إذا مات عليه،
وثانيهما أنه قد استحق النار، ويجوز العفو عنه وقد حرم عليه دخول الجنة أوّل وهلة مع
(١) سورة آل عمران، الآية: ٧٧.
الحديث رقم ٣٧٦٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٢٢/١ الحديث رقم (٢١٨ - ١٣٧) والنسائي في السنن
٢٤٦/٨ الحديث رقم ٥٤١٩، والدارمي في ٣٤٥/٢ الحديث رقم ٢٦٠٣ ومالك في الموطأ ٢/
٧٢٧ الحديث رقم ١١ من كتاب الأقضية وأحمد في المسند ٢٦٠/٥.