النص المفهرس

صفحات 121-140

٠٠٠
١٢١
كتاب الحدود
عني، قدْ جعلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلاً البِكرُ بالبِكرِ جَلدُ مائةٍ وتغْريبُ عام والثَِّبُ بالثّيب جَلدُ مائةٍ
والرَّجمُ)).
عني) كرره للتأكيد (قد جعل الله لهن سبيلاً) أي حداً واضحاً، وطريقاً ناصحاً في حق المحصن
وغيره. وهو بيان لقوله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ إلى قوله: ﴿أو يجعل الله لهن
سبيلاً﴾ [النساء - ١٥] ولم يقل رَّير: ((لكم)) ليوافق نظم القرآن. ومع هذا فيه تغليب للنساء،
لأنهن مبدأ للشهوة ومنتهى الفتنة. قال التوربشتي: كان هذا القول حين شرع الحد في الزاني
والزانية، والسبيل ههنا الحد؛ لأنه لم يكن مشروعاً ذلك الوقت، وكان الحكم [فيه] ما ذكر في
كتاب الله ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا
فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ [النساء - ١٥] (البكر
بالبكر) أي حد زنا البكر بالبكر (جلد مائة) أي ضرب مائة جلدة لكل واحد منهما (وغريب عام)
أي نفي سنة، كما في رواية. والمعنى أن اقتضت المصلحة (والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)
الجلد منسوخ في حقهما بالآية التي نسخت تلاوتها، وبقي حكمها. ولأنه ◌َّر اقتصر على رجم
ماعز وغيره، ولو كان الجمع حداً لما تركه. وقتل: معناه الثيب بالثيب جلد مائة إن كانا غير
محصنين، والرجم إن كانا محصنين. قال الطيبي: التكرير في قوله: ((خذوا عني)) يدل على
ظهور أمر قد خفي شأنه، واهتم ببيانه فإن قوله: ((قد جعل الله لهن سبيلاً) مبهم في التنزيل،
ولم يعلم ما تلك السبيل أي الحد الثابت في حق المحصن وغيره. فقوله: ((البكر بالبكر)) الخ
بيان للمبهم، وتفصيل للمجمل على طريقة الاستئناف، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك
الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل - ٤٤] والتقسيم حاصر من حيث
المفهوم؛ لأن اللاتي يأتين الفاحشة لا تخلوا ما أن تكون بكراً، أو ثيباً. والأولى أما زنت
بالبكر، أو بالثيب؛ والثانية أيضاً كذلك. فبين في الحديث ما حد البكر بالبكر والثيب بالثيب،
وترك ذكر الثيب مع البكر لظهوره، ولحديث عسيف على ما سبق. قال النووي: اختلفوا في
هذه الآية فقيل: هي محكمة وهذا الحديث مفسر لها، وقيل: منسوخة بالآية التي في أول
سورة النور، وقيل: إن آية النور في البكرين، وهذه الآية في الثيبين. قال الطيبي: البكر بالبكر
مبتدأ، وجلد مائة خبره أي حذرنا البكر بالبكر جلد مائة. قال النووي: هو ليس على سبيل
الاشتراط بل حد البكر الجلد والتغريب. سواء زنى ببكر أم ثيب. وحد الثيب الرجم. سواء
زنى بثيب أو ببكر، فهو شبيه بالتقييد الذي يخرج على الغالب. واعلم أن المراد بالبكر من
الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل سواء جامع بوطء شبهة،
أو نكاح فاسد أو غيرهما. والمراد بالثيب عكس ذلك سواء في كل ذلك المسلم والكافر،
والرشيد والمحجور عليه بسفه. قلت: في الكافر خلاف لنا سيأتي في محله. قال: وأجمعوا
على وجوب جلد الزاني، البكر مائة، ورجم المحصن وهو الثيب. واختلفوا في جلد الثيب مع
الرجم، فقالت طائفة: يجلد ثم يرجم، وبه قال علي رضي الله عنه والحسن وإسحاق وداود
الحديث رقم ٢٥٥٠. والدارمي في ٢٣٦/٢ الحديث رقم ٢٣٢٧ وأحمد في المسند ٣١٣/٥.
=

١٢٢
كتاب الحدود
رواه مسلم.
وأهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي. وقال الجمهور: الواجب الرجم وحده، واحتجوا بأن
النبي ◌ّله اقتصر على رجم الثيب في أحاديث كثيرة منها: قضية ماعز وقضية المرأة الغامدية،
وقضية المرأة مع العسيف، وحديث الجمع بين الجلد والرجم منسوخ؛ لأنه كان في بدء الأمر.
وأما تغريب عام ففيه حجة للشافعي والجمهور بأنه يجب نفي سنة رجلاً كان أو امرأة. وقال
الحسن: لا يجب النفي. وقال مالك، والأوزاعي: لا نفي على النساء، وروي مثله عن علي
قالوا: لأنها عورة وفي نفيها، تضييع لها وتعريض للفتنة. وأما العبد والأمة ففيهما أقوال
للشافعي أصحها تغريب نصف سنة (رواه مسلم)، وكذا أحمد والأربعة. قال ابن الهمام: لا
يجمع في المحصن بين الجلد والرجم، وهو قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد، ويجمع
في رواية أخرى عنه، وعن أهل الظاهر لذلك. وللجمهور أنه عليه الصلاة والسلام [لم يجمع
وهذا على وجه القطع في ماعز والغامدية وصاحبة العسيف. وتظاهرت الطرق عنه عليه الصلاة
والسلام]. أنه بعد سؤاله عن الإحصان، وتلقينه الرجوع لم يزد على الأمر بالرجم، فقال:
((اذهبوا به فارجموه)) وقال اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، ولم يقل فاجلدها
ثم ارجمها. وقال في باقي الحديث فاعترفت فأمر بها رسول الله يؤ لّ فرجمت، وكذا في
الغامدية، والجهينية إن كانت غيرها لم يزد على [الأمر برجمها، وتكرار ولم يزد أحد على]
ذلك، فقطعنا بأنه لم يكن غير الرجم. فقوله عليه الصلاة والسلام: ((خذوا عني)) إلى قوله:
((الثيب بالثيب جلد مائة ورجم أو رمي بالحجارة يجب قطعاً كونه منسوخاً وإن لم يعلم
خصوص الناسخ. وأما جلد على شراحة في رجمها، فأما لأنه لم يثبت عنده إحصانها إلا بعد
جلدها، أو هو رأي لا يقاوم إجماع الصحابة. وما ذكر من القطع عن رسول الله وَلّ، ثم لا
يجمع في البكر بين الحد والنفي، والشافعي يجمع بينهما، وكذا أحمد والثوري والأوزاعي
والحسن بن صالح، وله في العبد تغريب نصف سنة، [ولنا] لا يغرب أصلاً. وأما تغريب
المرأة فمع محرم، وأجرته عليها في قول وفي بيت المال في قول. ولو امتنع في قول يجبره
الإمام، وفي قول: لا. ولو كانت الطريق آمنة، ففي تغريبها بلا محرم قولان، لقوله عليه
الصلاة والسلام: ((البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)) أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من
رواية عبادة بن الصامت مرفوعاً ((خذوا عني)) الحديث. ولأن فيه حسم مادة الزنا لقلة
المعارف؛ لأنه هو الداعية إلى ذلك، ولذا قيل لامرأة من العرب: ما حملك على الزنا مع
فضل عقلك؟ قالت: طول السواد، وقرب الوساد والسواد المسارة من ساوده إذا ساره. ولنا
قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ [النور - ٢] شارعاً في بيان حكم الزنا، فكان المذكور
تمام حكمه، وإلا كان تجهيلاً إذ يفهم منه [أنه] تمام الحكم، وليس تمامه في الواقع، فكان
نفي الشروع في البيان أبعد من ترك البيان؛ لأنه يوقع في الجهل المركب، وذاك في البسيط.
ولأنه هو المفهوم جعل جزاء الشرط، فيفيدان الواقع هذا فقط. ولو ثبت معه شيء آخر كان
مثبته معارضاً، أو مبيناً لما سكت عنه الكتاب، وهو الزيادة الممنوعة. نعم يرد عليه إن هذا
الخبر مشهور تلقته الأمة بالقبول، فتجوز به الزيادة اتفاقاً. والمصنف يعني صاحب الهداية عدل
٠٫٨٢

١٢٣
كتاب الحدود
عن هذه الطريقة إلى ادعاء نسخ هذا الخبر، مستأنساً له بنسخ شطره الثاني، وهو الدال على
الجمع بين الرجم والجلد، فكذا نصفه الآخر. وأنت تعلم أن هذا ليس بلازم، بل يجوز أن
يروى جمل بعضها نسخ، وبعضها لا. ولو سلك الطريق الأول، وادعى أنه آحاد لا مشهور،
وتلقى الأمة بالقبول أن كان لإجماعهم على العمل به، فممنوع لظهور الخلاف. وإن كان
لإجماعهم على صحته بمعنى صحة سنده، فكثير من أخبار الأحاد كذلك، فلم تخرج عن
كونها آحاد. أو قد خطىء من ظنه أنه يصير قطعياً، وادعى فيما رواه البخاري ذلك. وغلط
على ما يعرف في موضعه وإذا كان آحاداً، وقد تطرق إليه احتمال النسخ بقرينة نسخ شطره، فلا
شك أن ينزل عن الآحاد التي لم يتطرق ذلك إليها، فأحرى أن لا ينسخ به. ما أفاده الكتاب من
أن جميع الموجب الجلد، فإنه يعارضه فيه لا أن الكتاب ساكت عن نفي التغريب، فكيف
وليس فيه ما يدل على أن الواجب منه التغريب بطريق الحد، فإن أقصى ما فيه دلالة قوله:
البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)) فهو عطف واجب على واجب، وهو لا يقتضيه بل ما في
البخاري من قول أبي هريرة أن رسول الله وَ ل﴿ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام، وإقامة
الحد ظاهر في أن النفي ليس من الحد لعطفه عليه، فجاز كونه تغريباً لمصلحة. وأما مالك
فرأى أن الحديث إنما دل على الرجل بقوله: ((البكر بالبكر)) فلم تدخل المرأة. ولا شك أنه
كغيره من المواضع التي تثبت الأحكام في النساء بالنصوص المفيدة إياها للرجال بتنقيح
المناط، وأيضاً فإن نفس الحديث يجب أن يشملهن. فإنه قال: ((خذوا عني قد جعل الله لهن
سبيلاً البكر البكر)) الحديث. فنص على أن النقي والجلد سبيل لهن. والبكر يقال على الأنثى
ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: ((البكر تستأذن)) ثم عارض ما ذكر الشافعي من المعنى،
بأن في النفي فتح باب الفتنة لانفرادها عن العشيرة، وعمن تستحي منهم، إن كان لها شهوة
قوية فتفعله، وقد تفعل لحامل آخر. وهو حاجتها إلى ما يقوم أودها. ولا شك أن هذا المعنى
في إفضائه إلى الفساد أرجح مما ذكره من إفضاء قلة المعارف إلى عدم الإفساد. خصوصاً في
مثل هذا الزمان لمن شاهد أحوال النساء والرجال، فيترجح عليه، ويؤيده ما روى عبد الرزاق،
ومحمد بن الحسن في كتاب الآثار أخبرنا أبو حنيفة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم
النخعي قال: قال عبد الله بن مسعود: في البكر يزني بالبكر يجلدان مائة، وينفيان سنة قال:
قال علي بن أبي طالب حسبهما من الفتنة أن ينفيا. وروى محمد بن الحسن أخبرنا أبو حنيفة
عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي قال: كفى بالنفي فتنة. وروى عبد الرزاق أخبرنا
معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: غرب عمر ربيعة بن أمية بن خلف في الشراب إلى
خيبر، فلحق بهرقل، فتنصر. فقال عمر: لا أغرب بعده مسلماً. نعم لو غلب على ظن الإمام
مصلحة في التغريب تعزير، أله أن يفعله وهو محل التغريب الواقع للنبي وَّ، والصحابة عن
أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم. فهذا التغريب كما غرب عمر نصر بن الحجاج وغيره
بسبب أنه بجماله افتتن به بعض النساء حتى سمع قول قائلة :
١
أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
هل من سبيل إلى خمر فأشربها

١٢٤
کتاب الحدود
٣٥٥٩ _ (٥) وعن عبدِ الله بنِ عُمرَ: أنَّ اليهودَ جاؤوا إِلى رسولِ اللهِ بَّهَ، فذكروا لهُ
أنَّ رجلاً منهم وامرأةً زَنَيا، فقال لهم رسولُ الله ◌ِّ: ((ما تجدونَ في الثَّوراةِ في شأنٍ
الرَّجم)»؟ قالوا: نَفضَحُهم ويُجْلدونَ. قال عبدُ اللَّهِ بنُ سلام: كذَبتُم، إِنَّ فيها الرَّجمَ. فأتَوا
بالتوراةِ فنشروها، فوضعَ أحدُهم يدَه على آيةِ الرَّجم، فقرأَ ما قبلَها وما بعدَها، فقال عبدُ
الله بنُ سلام: ارفع يدَكَ فرفعَ، فإذا فيها آيَةُ الرَّجم. فقالوا: صدقَ يا محمَّدُ! فيها آيةُ
الرَّجمِ. فأمَرَ بِهِما النبيُّ نَّرِ فُرُجِما.
سهل المحيا كريم غير ملجاج
إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل
وذلك لا يوجب نفياً، وعلى هذا كثير من مشايخ السلوك المحققين رضي الله [تعالى]
عنهم، وعنا بهم وحشرنا معهم، يغربون المريد إذا بدا منه قوّة نفس ولجاج، لتنكسر نفسه
وتلين. ومثل هذا المريد، أو من هو قريب منه ينبغي أن يقع عليه رأي القاضي في التغريب؛
لأن مثله في ندم وشدة، وإنما زل زلة الغلبة النفس. إما من لم يستحي وله حال يشهد عليه
بغلبة النفس، فنفيه لا شك أنه يوسع طريق الفساد ويسهلها عليه(١).
٣٥٥٩ - (وعن عبد الله بن عمر إن اليهود) أي طائفة منهم (جاؤوا إلى رسول الله وَله،
فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة)، وفي رواية امرأة ورجلاً (زنيا) أي وكانا محصنين (فقال: لهم
رسول الله ◌َلي: ما تجدون) استفهام أي شيء تجدونه مذكوراً (في التوراة في شأن الرجم؟
قالوا: نفضحهم) بفتح الضاد أي نعزرهم (ويجلدون) بصيغة المجهول أي يضربون على
جلودهم. قال الطيبي: أي لا نجد في التوراة حكم الرجم، بل نجد أن نفضحهم ويجلدون،
وإنما أتى أحد الفعلين مجهولاً والآخر معروفاً ليشعر بأن الفضيحة موكولة إليهم، وإلى
اجتهادهم إن شاؤوا سخموا وجه الزاني بالفحم، أو عزروه. والجلد لم يكن كذلك (قال عبد
الله بن سلام:). وهو من علماء اليهود، وكان قد أسلم (كذبتم أن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة)
بصيغة الأمر، وفي نسخة بفتحتين على الماضي. ويؤيد الأول ما في رواية مسلم قال أمير:
((فأتوا بالتوراة، فاتلوها إن كنت صادقين. فجاؤوا بها)). (فنشروها فوضع أحدهم يده على آية
الرجم)، وفي رواية والذي وضع يده على آية الرجم عبد الله بن صوريا (فقرأ ما قبلها وما
بعدها، قال عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع) أي فرفع يده، كما في رواية (فإذا فيها) أي في
التوراة (آية الرجم فقالوا: صدق) أي ابن سلام (فيها آية الرجم، فأمر بهما النبي ◌َّرِ فرجما) به
(١) فتح القدير ٢٦/٥ - ٢٩.
الحديث رقم ٣٥٥٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٦٦/١٢ الحديث رقم ٦٨٤١ ومسلم في ١٣٢٦/٣
الحديث رقم (٢٦ - ١٦٩٩) وأبو داود في السنن ٥٩٣/٤ الحديث رقم ٤٤٤٦. والدارمي في ٢/
٢٣٣ الحديث رقم ٢٣٢١. ومالك في الموطأ ٨١٩/٢ الحديث (١) من كتاب الحدود. وأحمد
في المسند ٥/٢.

١٢٥
كتاب الحدود
أخذ الشافعي في عدم اشتراط الإسلام في الإحصان. وأجيب بأن رجم اليهوديين إنما كان
بحكم التوراة. والإحصان لم يكن شرطاً في دينهم. وكان ◌َّ ه يعمل بحكم التوراة قبل أن ينزل
حكم القرآن، فلما نزل حكم القرآن نسخ ذلك. قال النووي: فيه دليل لوجوب حد الزنا على
الكافر، وأنه يصح نكاحهم وعلى المحصن الرجم، ولا يجلد مع الرجم إذ لو لم يصح نكاحه
لم يثبت إحصانه. ولم يرجم. وفيه إن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، وأن الكفار إذا
تحاكموا إلينا يحكم القاضي بينهم [بحكم شرعنا. قالوا: وسؤاله ويّة ((ما تجدون في التوراة؟))
فليس لتقليدهم، ولا لمعرفة الحكم بينهم، وإنما] هو لإلزامهم ما يعتقدون في كتابهم،
ولإظهار ما كتموه من حكم التوراة وأرادوا تعطيل نصها، ففضحهم بذلك. ولعله وَ * قد أوحى
إليه أن الرجم في التوراة موجود في أيديهم لم يغيروه، كما لم يغيروا أشياء، أو أخبره بذلك
من أسلم منهم. فإن قيل كيف رجمهما بما ذكرت اليهود من قولهم: إن رجلاً منهم وامرأة
زنيا، إذ لا اعتبار بشهادتهم؟ قلنا: الظاهر أنهما أقرأ بذلك، أو شهد عليهما أربعة من
المسلمين، لاحتمال ما جاء في سنن أبي داود وغيره أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذكره في
فرجها. قال ابن الهمام، والشافعي: يخالفنا في اشتراط الإسلام في الإحصان، وكذا أبو
يوسف في رواية وبه قال أحمد. وقول مالك كقولنا. فلو زنى الذمي الثيب الحر یجلد عندنا،
ويرجم عندهم. لهم هذا الحديث. وأجاب صاحب الهداية بأنه إنما رجمهما بحكم التوراة،
فإنه سألهم عن ذلك أو لا، وإن ذلك إنما كان عندما قدم المدينة، ثم نزلت آية حد الزنا،
وليس فيها اشتراط الإسلام في الرجم، ثم نزل حكم الإسلام. فالرجم باشتراط الإحصان، وإن
كان غير متلو. علم ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام: ((من أشرك بالله فليس بمحصن)) رواه
إسحاق بن راهويه في مسنده. أخبرنا عبد العزيز بن محمد حدثنا عبد الله بن نافع عن نافع عن
ابن عمر عن النبي وَلـ: ((من أشرك بالله فليس بمحصن)) قال إسحاق: رفعه مرة فقال: عن
رسول الله و98َ، ووقفه مرة. ومن طريقه رواه الدارقطني في سننه، وقال: لم يرفعه غير إسحاق
ابن راهويه، ويقال: إنه رجع عن ذلك، والصواب أنه موقوف. قال في النهاية: ولفظ إسحاق
كما تراه ليس فيه رجوع، وإنما ذكر عن الراوي أنه مرة رفعه ومرة أخرجه مخرج الفتوى، ولم
يرفعه. ولا شك أن مثله بعد صحة الطريق إليه محكوم برفعه على ما هو المختار في علم
الحديث، من أنه إذا تعارض الرفع والوقف حكم بالرفع. وبعد ذلك إذا خرج من طريق فيها
ضعف لا يضر. قال ابن الهمام: واعلم أن الأسهل مما أن يدعي أن يقال حين رجمهما: كان
الرجم ثبتت مشروعيته في الإسلام وهو الظاهر من قوله عليه الصلاة والسلام: ((ما تجدون في
التوراة؟)) في شأن الرجم، ثم الظاهر كون اشتراط الإسلام لم يكن ثابتاً، وإلا لم يرجمهم
لانتساخ شريعتهم. وإنما كان يحكم بما أنزل الله إليه، وإنما سألهم عن الرجم ليبكتهم بتركهم
ما أنزل عليهم، فحكم برجمهما بشرعه الموافق لشرعهم، وإذا لزم كون الرجم كان ثابتاً في
شرعنا حال رجمهم بلا اشتراط الإسلام. وقد ثبت الحديث المذكور المفيد لاشتراط الإسلام،
وليس تاريخ يعرف به إما تقدم الإسلام على عدم اشتراطه، أو تأخره؛ فيكون رجمه اليهوديين،

١٢٦
كتاب الحدود
وفي رواية: قال: ازفعْ يدَكَ، فرفعَ فإِذا فيها آيَةُ الرَّجمِ تلوحُ، فقال: يا محمدُ! إِنَّ فيها آيةُ
الرَّجمِ، ولكنّا نتكاتمُه بيننا، فأمرَ بهِما فرُجِما متفق عليه.
٣٥٦٠ - (٦) وعن أبي هريرةَ. قال: أتى النبيَّ وَّ رجلٌ وهو في المسجدِ، فناداه:
يا رسولَ اللَّهِ! إِنِي زَنَيْتُ، فَأعرَضَ عنهُ النبيُّ ◌ََّ، فتنخَّى لِشقُ وجهِه الذي أعرض قِبَلَهُ،
فقالَ: إِني زنيتُ، فأعرَضَ عنه النبيُّ وَِّ، فلما شَهِدَ أربعَ شهاداتٍ دَعاهُ النبيُّ وَّرِ فقال:
(«أبِكَ جُنونٌ))؟ قال: لا.
وقوله المذكور متعارضين فيطلب الترجيح، والقول مقدم على الفعل. وفيه وجه آخر وهو أن
تقديم هذا القول يوجب درء الحدود. وتقديم ذلك الفعل يوجب الاحتياط في إيجاب الحد،
والأولى في الحدود ترجيح الدافع عند التعارض (١) (وفي رواية قال: ارفع يدك فرفع) أي
الواضع يده (فإذا فيها آية الرجم تلوح) أي تظهر غاية الوضوح (فقال:) وفي نسخة فقالوا: (يا
محمد) وَلّ (إن فيها آية الرجم لكنا نتكاتمه) أي حكم الرجم (بيننا) أي لنخص به الضعيف دون
الشريف (فأمر) أي النبي وَالقر (بهما) أي برجمهما، أو بإحضارهما (فرجمهما متفق عليه).
٣٥٦٠ - (وعن أبي هريرة قال: أتى النبي) أي جاء (48* رجل، وهو في المسجد) حال
من المفعول (فناداه يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه النبي ◌َّر فتنحى) أي الرجل، وهو
تفعل من النحو بمعنى الجهة (لشق وجهه) بكسر الشين، وضمير وجهه راجع إلى النبي وَلـ
في شرح السنة أي قصد الجهة التي إليها وجهه. ونحا نحوها من قولك: نحوت الشيء أنحوه
(الذي) صفة وجهه (أعرض) أي عنه، كما في نسخة [صحيحة] (قبله) بكسر ففتح أي مقابل
شق وجهه (فقال: إن زنيت، فأعرض عنه) أي النبي ◌َّر، كما في نسخة صحيحة (فلما شهد)
أي أقر على نفسه، كأنه شهد عليها بإقراره بما يوجب الحد (أربع شهادات) أي مرات في أربعة
مجالس بشرط غيبوبته في كل مرة على ما سبق، وبالدليل تحقق فكان الشهادات الأربع بمنزلة
الشهود الأربعة. في شرح السنة يحتج بهذا الحديث من يشترط التكرار في الإقرار بالزنا، حتى
يقام عليه الحد. ويحتج أبو حنيفة بمجيئه من الجوانب الأربعة على أنه يشترط أن يقر أربع
مرات في أربعة مجالس. ومن لم يشترط التكرار قال: إنما رده مرة بعد أخرى لشبهة داخلته في
أمره ولذلك (دعاه النبي ◌َ) أي سأله (فقال: أبك جنون؟ قال: لا)، وفي رواية فقال:
((أشربت خمراً؟)) فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح الخمر فقال: أزنيت؟ قال: نعم فأمر
به فرجم. فرد مرة بعد أخرى للكشف عن حاله، لا أن التكرار فيه شرط اهـ. وفيه إن هذا
التأويل إنما يتم لو كان المأخذ منحصراً في هذا الدليل، ولم يوجد التكرار في غير هذا
الشخص المتوهم بالتعليل. قال النووي [رحمه الله]: إنما قال: ((أبك جنون؟)) لتحقق حاله،
(١) فتح القدير ٢٤/٥ - ٢٥.
الحديث رقم ٣٥٦٠: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣٦/١٢ الحديث رقم ٨١٢٥. ومسلم في ٣١٨/٣
الحديث رقم ١٦ - ١٦٩٢).
--

773
١٣٦/١٠/١٢٠٠
١٢٧
كتاب الحدود
فقال: ((أحصنتَ؟)) قالَ: نَعَمْ يا رسولَ اللَّهِ! قال: ((اذهبُوا بِهِ فَارْجُموهُ)) قال ابنُ شهابٍ:
فأخبرَني منْ سمِعَ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقول: فرجمناهُ بالمدينةِ، فلما أذْلَقَتْه الحجارةُ هرَبَ
فإن الغالب أن الإنسان لا يصر على إقرار ما يقتضي هلاكه مع أن له طريقاً إلى سقوط الإثم
بالتوبة، وهذا مبالغة في تحقيق حال المسلم، وصيانة دمه. وفيه إشارة إلى أن إقرار المجنون
باطل، وأن الحدود لا تجري عليه (فقال:) وفي نسخة قال: (أحصنت؟) أي أأحصنت (قال:
نعم يا رسول الله) قال النووي: وفيه إشارة إلى أن على الإمام أن يسأل عن شروط الرجم من
الإحصان وغيره. سواء ثبت بالإقرار أم بالبيئة. وفيه مؤاخذة الإنسان بإقراره وفيه تعريض بالعفو
عن حد الزاني إذا رجع عن الإقرار (قال: اذهبوا به فارجموه) فيه دليل على أن الرجم كاف ولا
يجلد (قال ابن شهاب:) أي الزهري (فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله) أي من الصحابة أو
التابعين (يقول:) أي جابر (فرجمناه بالمدينة، فلما أذلقته الحجارة) أي أصابته بحدها، فعقرته.
من ذَلَقَ الشيء طرقه (هرب) أي فر. في شرح السنة: فيه دليل على أن المرجوم لا يشد ولا
يربط ولا يجعل في الحفرة، لأنه لو كان شيء من ذلك لم يمكنه الفرار والهرب. قلت: فيه
بحث لا يخفى، ثم قال: فقال قوم لا يحفر مطلقاً، وقيل: يحفر للمرأة لاللرجل، قال ابن
الهمام: ويضرب الرجل في الحدود كلها، وكذا التعزير قائماً غير ممدود، وتضرب المرأة
جالسة لما روى عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم عن يحيى بن
الجزار عن علي قال: يضرب الرجل قائماً، والمرأة قاعدة في الحد. ولأن مبنى الحد على
التشهير زجراً للعامة عن مثله، والقيام أبلغ فيه. والمرأة مبني أمرها على الستر، فيكتفي بتشهير
الحد فقط بلا زيادة(١). وإن حفر لها في الرجم جاز؛ لأنه أستر، ولذلك حفر عليه الصلاة
والسلام للغامدية إلى ثندوتها. والثندوة والهمزة مكان الواو وفتحها مع الواو مفتوحة ثدي
الرجل، أو لحم الثديين، والدال مضمومة في الوجهين. وما قيل الثدي للمرأة، والثندوة
للرجل غير صحيح، لحديث الذي وضع سيفه بين ثدييه، وكذا حفر علي لشراحة الهمدانية
بسكون الميم، وهي قبيلة كانت عيبة علي، وقد مدحهم وقال في مدحه لهم:
ولو كنت بواباً على باب الجنة
لقلت لهمدان ادخلن بسلام
وتقدم حديث شراجة، وفيه من رواية أحمد عن الشعبي أنه حفر لها إلى السرة، ولا
يحفر للرجل؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يحفر لماعز، وتقدم من رواية مسلم، وتقدم من
روايته أيضاً من حديث بريدة (٢) الأسلمي أنه حفر له. وهو منكر لمخالفته الروايات الصحيحة
المشهورة، والروايات الكثيرة المتظافرة، ولأن مبنى الحد على التشهير فيزاد في شهرة الرجل
لأنه لا يضره ذلك. ويكتفي في المرأة بالإخراج والإتيان بها إلى مجتمع الإمام، والناس
خصوصاً في الرجم. وأما في الجلد فقد قال تعالى: ﴿وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾
[النور - ٢٢] أي الزانية والزاني، واستحب أن يأمر الإمام طائفة أي جماعة أن يحضروا إقامة
(١) فتح القدير ١٩/٥.
(٢) في المخطوطة أبو هريرة والصواب بريدة كما في الفتح.

١٢٨
كتاب الحدود
حتى أدركناهُ بالحرَّةِ، فرجمناهُ حتى ماتَ. متفق عليه. وفي رواية للبخاري: عن جابرٍ بعدَ
قولِه: قالَ: نعمْ فَأَمَرَ بهِ فرُجِمَ بالمُصلَّى فلما أذلقتْهُ الحجارةُ فرَّ فأُذْرِكَ، فرُجمَ حتى مات.
فقال له النبيُّ وَلّهِ خَيْراً وصلَّى عليه.
الحد. وقد اختلف في هذه الطائفة فعن ابن عباس واحد، وبه قال أحمد. وقال عطاء
وإسحاق: اثنان. وقال الزهري: ثلاثة. وقال الحسن البصري: عشرة. وعن الشافعي ومالك
أربعة. والربط والإمساك غير مشروع لقول ابن مسعود: ليس في هذه الأمة تجريد ولا مد ولأن
ماعزاً انتصب لهم قائماً لم يمسك، ولم يربط إلا أن لا يصبر وأعياهم، فحينئذ يمسك فيربط(١)
(حتى إذا أدركناه بالحرة) وهي أرض ذات حجارة سود بين جبلي المدينة (فرجمناه حتى مات)
قال ابن الهمام: فإذا هرب في الرجم، فإن كان مقر ألا يتبع ويترك وإن كان مشهوداً عليه اتبع
ورجم حتى يموت لأن هربه رجوع ظاهراً ورجوعه يعمل في إقراره لا في رجوع الشهود،
وذكر الطحاوي في صفة الرجل أن يصفوا ثلاثة صفوف، كصفوف الصلاة. كلما رجمه صف
تنحو، لم يذكره في الأصل في حديث علي في قصة شراجة على ما قدمناه من رواية البيهقي
عن الأجلح عن الشعبي، وفيه إحاطة الناس بها، وأخذوا الحجارة قال: ليس هذا الرجم إذا
يصيب بعضكم بعضاً صفواً كصف الصلاة صفاً خلف صف إلى أن قال: ثم رجمها فرجها
صف ثم صف(٢) (متفق عليه. وفي رواية للبخاري عن جابر بعد قوله: قال: نعم فأمر به فرجم
بالمصلى) قال النووي: قالوا: المراد به مصلى الجنائز، وتشهد له الرواية الأخرى في بقيع
الغرقد، وهو موضع الجنائز بالمدينة. قال البخاري وغيره: فيه دليل على أن مصلى الجنائز
والأعياد إذ لم يجعل مسجداً لم يثبت له حكم المسجد، إذ لو كان له حكمه لاجتنب الرجم فيه
لتلطخه بالدماء. وقال الدارمي من أصحابنا: إن مصلى العيد وغيره إذا لم يكن مسجداً هل
يثبت له حكم المسجد؟ فيه وجهان: أصحهما [له] حكم المسجد. قال ابن الهمام: ولا يقام
حد في مسجد بإجماع الفقهاء، ولا تعزير إلا ما روي عن مالك أنه لا بأس بالتأديب في
المسجد خمسة أسواط. قال أبو يوسف: أقام ابن أبي ليلى الحد في المسجد، فخطأه أبو
حنيفة. وفي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم
ورفع أصواتكم وشراءكم وبيعكم وإقامة حدودكم، وجمروها في جمعكم وضعوا على أبوابها
المطاهر))(٣) ولأنه لا يؤمن خروج النجاسة من الحد، فيجب نفيه عن المسجد (فلما أذلقته) أي
مسته وأصابته وأقلقته (الحجارة) أي طرفها الحاد (فرّ، فأدرك) بصيغة المجهول من الإدراك
بمعنى اللحوق (فرجم، حتى مات فقال له النبي يتلقى:) أي أثنى عليه بعد موته (خيراً وصلى
عليه) قال النووي: اختلفوا في المحصن إذا أقر بالزنا وشرعوا في رجمه فهرب هل يترك أم
يتبع ليقام عليه الحد؟ قال الشافعي وأحمد وغيرهما: يترك، ولكن يستقال له فإن رجع عن
(١) فتح القدير ٢٠/٥ - ٢١.
(٣) أخرجه ابن عدي وابن عساكر وعبد الرزاق.
(٢) فتح القدير ٢١/٥.

١٢٩
كتاب الحدود
٣٥٦١ - (٧) وعن ابنِ عبَّاسٍ، قال: لما أتى ماعزُ بنُ مالكِ النبيِّ وَّ فقالَ لهُ:
(لعلَّكَ قبَّلتَ أو غمزتَ أو نظرتَ؟)) قال: لا يا رسولَ اللَّهِ! قال: ((أنِكْتَها؟)) لا يَكْني قال:
نعم، فعند ذلك أمرَ برجمِه. رواه البخاري.
الإقرار ترك، وإن أعاده رجم. واحتجوا بما جاء في رواية أبي داود أن النبي وَ الر قال: ((هلا
تركتموه، ولعله يتوب فيتوب الله عليه)) قلت: الحديث دل على أنه يترك مطلقاً. قال: وقال
مالك وغيره: أنه يتبع ويرجم؛ لأن النبي ◌َّير لم يلزمهم ديته مع أنهم قتلوه بعد هربه. وأجيب
عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع وقد ثبت عليه الحد. قلت: الظاهر أنهم لم يعرفوا الحكم قبل
ذلك، والجهل به عذر .
٣٥٦١ - (وعن ابن عباس لما أتى) أي جاء (ماعز بن مالك النبي)، وفي نسخة إلى النبي
(وَ* فقال له: لعلك قبلت) بتشديد الباء أي فعلت القبلة بالضم (أو غمزت) أي لمست، كما
في رواية من غمزت الشيء بيدي أي لمست بها، أو أشرت إليه بها (أو نظرت) أي قصدت
النظر إليها، فإن كلا يسمى زنا (قال: لا يا رسول الله قال: أنكتها) بكسر النون وسكون الكاف
أي أجامعتها، وهو مقول القول وقوله: (لا يكنى) حال مأخوذ من الكناية ضد التصريح، وهو
قول الراوي أي قال عليه الصلاة والسلام ذلك مصرحاً غير مكن عنه. وهذا التصريح تصريح
في استحباب التعريض بالعفو إذا كنى الجاني ولم يصرح (قال:) أي ابن عباس (فعند ذلك)،
وفي نسخة قال: أي ماعز نعم فعند ذلك (أمر) أي النبي ◌َّر (برجمه) أي فرجم. قال النووي:
فيه استحباب تلقين المقر بالزنا والسرقة وغيرهما بالرجوع، وبما يعتذر به من شبهة، فيقبل
رجوعه. لأن الحدود مبنية على المساهلة والدرء، بخلاف حقوق الآدميين وحقوق الله تعالى
المالية، كالزكاة والكفارة وغيرهما، فإنه لا يجوز التلقين فيها (رواه البخاري.) قال ابن الهمام:
وأخرج أبو داود والنسائي وعبد الرزاق في مصنفه ((فأعرض عنه فأقبل في الخامسة فقال:
أنكتها؟ قال: نعم. قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم. قال كما يغيب
المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم. قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت
منها حراماً، كما يأتي الرجل من امرأته حلالاً. قال: فما تريد بهذا. القول؟ قال: أريد أن
تطهرني، فأمر به فرجم فسمع النبي وَلّ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى
هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب. فسكت عنهما ثم سار ساعة
حتى مر بجيفة حمار شائل برجليه، فقال: أين فلان وفلان فقالا : نحن ذان يا رسول الله،
فقال: انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار. فقالا: ومن يأكل من هذا يا رسول الله؟ قال: فما نلتما
من عرض أخيكما آنفاً أشد من الأكل منه، والذي نفسي بيده أنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس
فیها)) .
الحديث رقم ٣٥٦١: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣٥/١٢ الحديث رقم ٦٨٢٤. وأبو داود في ٤/ ٥٧٩
الحديث رقم ٤٤٢٧.

١٣٠
كتاب الحدود
٣٥٦٢ - (٨) وعن بُريدةَ، قال: جاءَ ماعِزُ بنُ مالكِ إِلى النبيَّ وَّ فقال: يا رسولَ
اللَّهِ! طَهِّرْني فقالَ: ((ويحكَ ارِجعْ فاستغفرِ اللَّهَ وتُبْ إِليهِ)). قال: فرجع غيرَ بعيدٍ، ثمَّ جاء
فقال: يا رسولَ اللهِ! طهّرني. فقال النبيُّ نَ ◌ّهِ مثلَ ذلك، حتى إِذا كانتِ الرابعةُ قالَ لهُ
رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟)) قال: مِنَ الزّنا. قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أبهِ جُنونٌ؟)) فأُخْبِرَ أَنَّهُ
ليسَ بمجنونٍ. فقال: ((أشَرِبَ خمراً؟)) فقامَ رجُلٌ فاستَنْكَهَهُ فلم يَجِدْ منهُ ريحَ خمرٍ. فقال:
(أزنيتَ؟)) قالَ: نعمْ فأمرَ بهِ فرُجِمَ، فلبثوا يومينٍ، أو ثلاثةً، ثمّ جاءَ رسولُ اللَّهِ وَلِّ فقال:
(استغفِرِوا لماعزِ بنِ مالك، لقد تابَ توبةً لو قُسمتْ بين أُمَّةٍ
٣٥٦٢ - (وعن بريدة قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ◌َّر فقال: يا رسول الله طهرني)
أي كن سبب تطهيري من الذنب بإجراء الحد عليّ (فقال: ويحك) في النهاية ويح، كلمة ترحم
وتوجع. يقال: لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وهي
منصوبة على المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا يضاف. يقال: ويح زيد وويحاً له وويح له
(ارجع) أي عن هذا المقال وعن هذا الكلام (فاستغفر الله) أي باللسان (وتب إليه) أي بالجنان.
والمراد بالاستغفار التوبة، وبالتوبة المداومة والاستقامة عليها (قال: فرجع غير بعيد) أي غير
زمان بعيد [كقوله تعالى]: ﴿فمكث غير بعيد﴾ [النحل - ٢٢] ذكره الطيبي، والأظهر غير مكان
بعيد، أو رجوعاً غير بعيد] بمعنى غيبة غير بعيدة، (ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني)، ولعله
لم يقدر على تطهير نفسه بالتوبة الصحيحة والرجعة النصيحة (فقال النبي وقلقه: مثل ذلك) أي
ويحك الخ (حتى إذا كانت الرابعة) أي، وقال: طهرني (فقال له رسول الله وَلاقى: فيم أطهرك؟)
قال الطيبي: وفي نسخ المصابيح ((مم أطهرك؟)) وفي نسخة ((بم أطهرك؟)) والرواية وفيه معنى
التسبب (قال: من الزنا) أي من ذنبه بإقامة الحد. قال الطيبي: ما يسأل بها عن عموم الأحوال
ومن ابتدائية في الجواب مضمنة معنى السبب؛ لأنها لإنشاء الابتداء فخصت ما به ليطابقها،
كأنه قيل: في أي سبب أطهرك، وأجاب بسبب الزنا. ونظيره في المعنى قوله تعالى: ﴿قل من
رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله﴾ [المؤمنون - ٧٦] لأن قوله: ﴿من رب
السموات) معنى المالكية، كأنه قيل: لمن السموات والأرض (قال رسول الله وَالنور:) أي
لأصحابه (أبه جنون؟ فأخبر) بصيغة المجهول أي فأخبروه (أنه ليس بمجنون، فقال: أشرب
خمراً؟ فقام رجل فاستنكهه) أي طلب نكهته أي رائحة فمه، ليعلم أشارب هو، أم غير شارب
(فلم يجد منه ريح خمر، فقال: أزنيت؟ قال: نعم. فأمر به) أي برجمه (فرجم فلبثوا يومين)
أي بعد رجمه (أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله وَ﴿ فقال: استغفروا لماعز بن مالك) أي اطلبوا له
مزيد المغفرة، وترقي الدرجة (لقد تاب توبة) أي من ذنبه هذا (لو قسمت) أي ثوابها (بين أمة)
الحديث رقم ٣٥٦٢: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣٢٢/٣ الحديث رقم (٢٢ - ٢٣/ ١٦٩٥) وأبو داود في
السنن ٥٨٨/٤ الحديث رقم ٤٤٤٢. والدارمي في السنن ٢٣٥/٢ الحديث رقم ٢٣٢٤. وأحمد
في المسند ٣٤٨/٥.
/ :٠١
١٤٫٧٤٠
١٩٫٠

١٣١
كتاب الحدود
لوَسَعَتْهُم)) ثمَّ جاءتْهُ امرأةٌ من غامِدٍ من الأزدِ، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ! طهِّزْني. فقالَ:
((ويحَكِ ارجعي فاستغفري اللَّهَ وتوبي إِليه)) فقالتْ: تريدُ أن ترُدِّدَني كما رَدَدْتَ ماعزَ بنَ
مالكِ: إِنَّها حُبْلى من الزنا. فقال: ((أنتِ؟)) قالتْ: نعم. قالَ لها: ((حتَّى تضعَي ما في
بطنِك)) قالَ: فَكَفَلَها رجلٌ من الأنصارِ حتى وضَعَتْ، فأتى النبيِّ وََّ، فقال: قدْ وضَعتِ
الغامديَّةُ فقال: ((إِذاً لا نرجُمها وندعُ ولدَها صغيراً، ليسَ لهُ مَنْ يُرضِعُهُ))
أي جماعة من الناس (لوسعتهم) بكسر السين قال الطيبي: أي لكفتهم سعة يعني توبة تستوجب
مغفرة ورحمة تستوعبان جماعة كثيرة من الخلق يدل عليه قوله في الغامدية: ((لقد تابت توبة لو
تابها صاحب مكس لغفر له)) فإن قلت: فإذاً ما فائدة قوله استغفروا لماعز؟ قلت: فائدة قوله
﴿إذا جاء نصر الله﴾ إلى قوله: ﴿واستغفره﴾ [النصر - ١] وقوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً
مبيناً ليغفر لك الله﴾ [الفتح - ١] فإن الثاني طلب مزيد الغفران، وما يستدعيه من الترقي في
المقامات والثبات عليها. ومنه قوله تعالى: ﴿واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود - ٩٠] (ثم
جاءته امرأة من غامد) بغين معجمة قبيلة من اليمن (من الأزد) قبيلة كبيرة. قال ابن الهمام:
الغامدية من بني غامد حي من الأزد، قاله المبرد في الكامل. وفي كتاب أنساب العرب: غامد
بطن من خزاعة وفي حديث عمران بن حصين أتت امرأة من جهينة (فقالت: يا رسول الله
طهرني. فقال: ويحك ارجعي فاستغفري الله، وتوبي إليه. فقالت: تريد أن ترددني) أي
ترجعني (كما رددت ماعز بن مالك أنها حبلى من الزنا) قال ابن الهمام: الزنا مقصور في اللغة
الفصحى، لغة أهل الحجاز التي جاء بها القرآن قال تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء - ٣٢]
ويمد في لغة نجد وعليها قال الفرزدق
أبا طاهر من يزن يعرف زناؤه
ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكراً
بفتح الكاف، وتشديدها من السكر والخرطوم من أسماء الخمر. قال الطيبي قوله: إنها
حبلى: جملة مستأنفة بيان لموجب قياس حالها على حال ماعز، والعلة غير جامعة، فكأنها
قالت: إني غير متمكنة من الإنكار بعد الإقرار لظهور الحبل بخلافه. وقوله: إنها حبلى على
الغيبة حكاية معنى قولها إني حبلى يدل على الجواب (فقال: أنت!) وفي نسخة بالمد على
الاستفهام، لأنه تقرير لما تكلمت به (قالت: نعم. قال لها: حتى) أي اصبري إلى أن
(تضعي)، وقال الطيبي: غاية لجواب قولها: طهرني أي لم أطهرك حتى تضعي (ما في بطنك)
قال ابن الملك: فيه أن الحامل لا يقام عليها الحد ما لم تضع الحمل، لئلا يلزم إهلاك البريء
بسبب المذنب. سواء كانت العقوبة لله تعالى أو للعباد (قال:) أي الراوي (فكفلها) بالتخفيف
أي قام؟ بمؤنتها ومصالحها (رجل من الأنصار حتى وضعت) قال النووي: وليس هو من
الكفالة التي بمعنى الضمان؛ لأنها غير جائزة في حدود الله (فأتى) أي الرجل (النبي وَلير) أي
بعد مدة (فقال: قد وضعت الغامدية) أي فما الحكم فيها (فقال إذاً) بالتنوين (لا نرجمها)
بالنصب، وفي نسخة بالرفع (وندع ولدها) بالوجهين. قال الطيبي: إذا هو جواب وجزاء يعني
إذا وضعت الغامدية، فلا نرجمها وتترك ولدها (صغيراً ليس له من يرضعه) بضم الياء، وكسر
جهود
.Mi

١٣٢
كتاب الحدود
فقامَ رجُلٌ من الأنصارِ، فقال: إِليَّ رضَاعُهُ يا نبيَّ الله! قالَ: فرجمَها. وفي روايةٍ: أنَّهُ قال
لها: ((اذهبي حتى تلدي)) فلما ولَدَتْ قال: ((اذهبي فارِضعيهِ حتى تَفْطميه)). فلمَّا فطَمَتْهُ أَتَتْهُ
بالصبيِّ في يدِهِ كِسرةُ خُبزٍ. فقالت: هذا يا نبيَّ الله قد فطَمْتُه، وقدْ أكلَ الطعامَ، فَدَفعَ
الصبيَّ إِلى رجُلٍ من المسلمينَ ثمَّ أمرَ بها فحُفِرَ لها إِلى صَدْرِها، وأمرَ الناسَ فرجمُوها.
الضاد (فقام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعه) بفتح الراء ویکسر أي رضاعه موکول إلي (يا
نبي الله قال:) أي الراوي (فرجمها) أي فأمر النبي وَّر برجمها، فرجمت. (وفي رواية أنه قال
لها: اذهبي حتى تلدي، فلما ولدت قال: اذهبي فارضعيه حتى تفطميه) بفتح التاء، وكسر الطاء
وسكون الياء أي تفصلينه من الرضاع (فلما فطمته أتته بالصبي) حال من فاعل. أتته، وضمير
المفعول راجع إليه وَّر (في يده)، وفي نسخة ((وفي يده)) (كسرة خبز) الجملة حال من الصبي،
فإنه مفعول (فقالت: هذا) أي ولدي (يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام) فيه أن رجم
الحامل يؤخر إلى أن يستغني عنها ولدها إذا لم يوجد من يقوم بتربيته، وبه قال أبو حنيفة في
رواية (فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين) قال النووي: الرواية الأخيرة مخالفة للأولى، فإن
الثانية صريحة في أن رجمها كان بعد الفطام، وأكل الخبز. والأولى ظاهرة في أن رجمها عقيب
الولادة، فوجب تأويل الأولى لصراحة الثانية لتتفقا؛ لأنهما في قضية واحدة، والروايتان
صحيحتان. فقوله في الأولى: ((فقام رجل من الأنصار، فقال: إلي رضاعه)) إنما قاله بعد
الفطام، وأراد بالرضاعة، كفالته وتربيته، سماها رضاعاً مجازاً قال ابن الهمام: والطريقان في
مسلم، وهذا يقتضي أنه رجمها حين فطمت بخلاف الأوّل، فإنه يوجب أنه رجمها حين
وضعت، وهذا أصح طريقاً؛ لأن في الأوّل بشير بن المهاجر وفيه مقاتل. وقيل: يحتمل أن
يكونا امرأتين ووقع في الحديث الأوّل نسبتها إلى الأزد، وفي حديث عمران بن حصين جاءت
امرأة من جهينة، وفيه رجمها بعد أن وضعت(١). قال الطيبي: ويحتمل أن يقال: معنى قوله:
إلي رضاعه أي أني أتكفل مؤنة المرضعة لترضع ولدها، كما كفل الرجل مؤنتها حين كانت
حاملاً، فإذا الفاء في قوله: ((فرجمها)) وصحيحه أي سلمها رسول الله وَلير مع ولدها، فأرضعته
حتى فطمته، وأتته به في يده كسرة خبز فدفع الصبي إلى غيرها (ثم أمر بها) أي برجمها (فحفر
لها إلى صدرها) بصيغة المجهول، وهو يحتمل أن يكون بأمر منه ◌َ ﴿، ولهذا قال صاحب
الهداية: إن ترك الحفر لم يضر؛ لأن النبي وَل ولم يأمر بذلك اهـ. والظاهر أنه بأمره، أو بتقريره
فيستحب الحفر لها على ما سبق. ولذا قال ابن الهمام: يعني لم يوجبه بناء على أن حقيقة الأمر
هو الإيجاب، وقال إنه عليه الصلاة والسلام حفر للغامدية، ومعلوم أنه ليس المراد إلا أنه
بذلك، فيكون مجازاً عن أمر (وأمر الناس، فرجموها) ولا يلزم منه عدم حضوره في رجمها،
بل الظاهر وجوده حينئذ، لما سيأتي من قوله عليه الصلاة والسلام لخالد بعد سبه إياها، ولما
رواه أبو داود عن زكريا بن عمران قال: سمعت شيخاً يحدث عن ابن أبي بكرة عن أبيه عن
(١) فتح القدير ٣٠/٥.
/٢٢

١٣٣
كتاب الحدود
فيُقبلُ خالدُ بنُ الوليدِ بحجرٍ فَرَمی رأسها، فتنضّحَ الدمُ على وجه
النبي وَلّ رجم الغامدية، فحفر لها إلى الثندوة، ثم ذكر إسناداً آخر وزاد ثم رماها بحصاة مثل
الحمصة، وقال: ارموا واتقوا الوجه، فلما طفئت أخرجها وصلى عليها. رواه النسائي
والطبراني والبزار، وفيهم مجهول. قال ابن الهمام: وأنت تعلم أنه لو تم أمر هذا الحديث
بالصحة لم يكن فيه دليل على اشتراط على ما هو المذهب. فالمعوّل عليه ما روى ابن أبي
شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن علياً كان إذا شهد عنده
الشهود على الزنا أمر الشهود أن يرجموا، ثم يرجم هو، ثم يرجم الناس. فإن كان بإقرار بدأ
هو فرجم، ثم رجم الناس. قال: وحدثنا أبو خالد الأحمري عن الحجاج عن الحسن بن سعد
عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن علي قال: أيها الناس إن الزنا زنا آن زنا السر، وزنا
العلانية. فزنا السر أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، ثم الإمام ثم الناس. وزنا
العلانية أن يظهر الحبل والاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي قال: وفي يده ثلاثة أحجار،
فرماها بحجر، فأصاب صدغها فاستدارت، ورمى الناس. وروى الإمام أحمد في مسنده عن
الشعبي قال: كان لشراجة زوج غائب بالشام، وأنها حملت فجاء بها مولاها فقال: إن هذه
زنت فاعترفت فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وحفر لها إلى السرة، وأنا شاهد،
ثم قال: إن الرجم سنة سنها رسول الله وَ *. ولو كان شهد على هذه أحد لكان أوّل من يرمي
الشاهد يشهد، ثم يتبع شهادته حجره. ولكنها أقرت، فأنا أول من يرميها فرماها بحجر فرماها
الناس. ورواه البيهقي عن الأجلح عن الشعبي عن علي، وفيه أنه قال لها: لعله وقع عليك
وأنت نائمة! قالت: لا. قال: لعله استكرهك، قالت: لا [قال]: فأمر بها فحبست، فلما
وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس، فضربها مائة وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة،
وأحاط الناس بها الحديث. وفيه أيضاً أنه صفهم ثلاثة صفوف، ثم رجمها، ثم أمرهم فرجم
صف، ثم صف، ثم صف(١) (فيقبل) من الإقبال، والمضارع لحكاية الحال (خالد بن الوليد
بحجر) قال التوربشتي: يروى هذا اللفظ بالياء ذات النقطتين من تحت بين يدي القاف، واللام
على زنة الماضي من التقبيل، وليس بشيء معنى أو رواية. وإنما أتاهم الغلط من حيث أن
الراوي أتى به على بناء المضارع من الإقبال، كأنه يريد حكاية الحال الماضية. وروى أنه لو
كان من الإقبال، لأتى به على زنة الماضي لكونه أشبه بنسق الكلام. وصحح القاضي هذه
الرواية، وقال: وفي بعض النسخ ((فتقيل)) بالياء على صيغة الماضي من التقيل، وهو التبع أي
تبعها بحجر (فرمى رأسها) قال الطيبي: قد تقرر في علم المعاني أن القصة إذا كانت عجيبة
الشأن، يعدل من الماضي إلى المضارع، لتصوير تلك الحالة مشاهدة واستحضاراً، ليتعجب
السامع منها. ولا ارتياب أن قصة خالد، وما قاله النبي ◌َّلتر من قوله: ((مهلاً)) ومن تمثيل توبتها
بتوبة العشار، مما يتعجب منها ويستغرب فيها. قلت: فعلى هذا كان ينبغي أن تكون الأفعال
المذكورة كلها بالصيغة المضارعية فتأمل. (فتنضح) بتشديد الضاد المعجمة (الدم على وجه
(١) فتح القدير ١٥/٥ - ١٦.

١٣٤
٠٠ ٢٠١٩/٢
كتاب الحدود
خالدٍ، فسبَّها، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((مهلاً يا خالدُ! فوَالذي نفْسي بيدِه لقدْ تابتْ توبةً لو تابَها
صاحبُ مَكْسٍ لِغُفِرَ له)) ثمَّ أمرَ بها فصلَّى عليها ودُفنتْ.
خالد) قال النووي: روي بالحاء المهملة وبالمعجمة. والأكثرون على المهملة، والمعنى ترشش
وانصب. وفي النهاية النضح قريب من النضخ، وقيل: بالمعجمة الأثر يبقى في الثوب
والجسد، وبالمهملة الفعل نفسه. وقيل: هو بالمعجمة ما فعل تعمداً، وبالمهملة من غير تعمد
(فسبها) أي فشتمها (خالد فقال النبي ◌ٍَّ: مهلاً) أي امهل مهلاً أي ارفق رفقاً، فإنها مغفورة
فلا تسبها (فهو الذي نفسي بيده لقد تابت توبة) أي ندمت ندامة، أو رجعت إلى حكم الله رجعة
(لو تابها) أي لو تاب توبتها (صاحب مكس) بفتح الميم، وأصله الجناية، ويطلق على الضريبة
التي يأخذها الماكس، وهو العشار (لغفر له) قال النووي: فيه إن المكس من أعظم الذنوب،
والمعاصي الموبقات، وذلك لكثرة مطالبة الناس ومظلماتهم عنده، لتكرر ذلك منه وأخذ أموال
الناس بغير حقها، وصرفها في غير وجهها. قلت: ومن هو أقبح أنواع الظلم، فإنه يأخذ المال
الذي شقيق الروح في وقت ضيق قهراً من غير وجه شرعي، ولا طريق عرفي بل يتعدى على
المسلمين زيادة على مصطلح الكافرين. والعجب كل العجب من علماء زماننا، ومشايخ أواننا
إنهم يقبلون منهم هذا المال، ويصرفونه في تحصيل المنال، ولا يتأملون في المآل. نسأل الله
تعالى العافية والرزق الحلال وحسن الأعمال (ثم أمر) أي الناس (بها) أي بالصلاة عليها
(فصلى) بصيغة المجهول ونائبه قوله (عليها)، وفي نسخة بصيغة الفاعل، وهو النبي ◌َّ، أو
المأمور بالصلاة عليها. قال القاضي عياض: هي بفتح الصاد واللام عند جماهير رواه صحيح
مسلم. وعند الصبري بضم الصاد قال: وكذا هو في [رواية] ابن أبي شيبة وأبي داود، كذا نقله
النووي. فينبغي أن يجعل [فصلى] بصيغة الفاعل أصلاً، ويكون المراد بقوله: ثم أمر بها أي
بتجهيزها من غسلها، وتكفينها وإحضارها. ويؤيده ما في رواية مسلم ((أمر بها النبي مقلية
فرجمت، ثم صلى عليها فقال له عمر: تصلي عليها يا نبي الله، وقد زنت)) فهذه الرواية
صريحة في أن النبي ◌َّ صلى عليها. وفي رواية لأبي داود ((ثم أمرهم أن يصلوا عليها)) وهذه
الرواية لا تنافي الأولى، فتحمل على الجمع بينهما. قال القاضي عياض: ولم يذكر مسلم
صلاته ولو على ماعز، وقد ذكرها البخاري اهـ. ولا شك أن المثبت مقدم على النافي، وزيادة
الثقة مقبولة ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وكان أرباب النسخ المعتمدة في المشكاة لما
رأوا أن الروايات اختلفت في أنه « صلى عليها أم لا؟ اختاروا ضبط لفظة صلى بصيغة
المجهول، ليشمل الاحتمالين لكنه موهم فالأولى متابعة الجمهور وموافقة النقل المشهور
(ودفنت) قال النووي: اختلفوا في الصلاة على المرجوم، وكرهها مالك وأحمد للإمام ولأهل
الفضل دون باقي الناس، وقال الشافعي وآخرون يصلي عليه الإمام وأهل الفضل في غيرهم.
واتفقوا على الصلاة على الفساق والمقتولين في المحاربة والحدود وأولاد الزنا سوى قتادة،
فإنه منع من أن يصلي على أولاد الزنا. وفي الحديث دليل على أن الحد يكفر ذنب المعصية
التي حد لها. فإن قيل: ما بال ماعز والغامدية لم يقنعا بالتوبة، وهي محصلة لغرضهما من
ـما
سقوط الإثم، فأصرا على الإقرار فرجما؟ فالجواب أن تحصيل البراءة بالحد متيقن، لا

١٣٥
كتاب الحدود
رواه مسلم .
٣٥٦٣ - (٩) وعن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ النبيَّ وََّ يقولُ: ((إِذا زنَتْ أَمَةُ أحدِكم،
فتبيّنَ زِناها، فلْيجلدها الحدَّ
٠٠
بمشاهدة الرسول صلوات الله وسلامه عليه. وأما التوبة فيخاف أن لا تكون نصوحاً، وأن
يخل بشيء من شروطها. وفيه احتجاج لأصحاب مالك، وجمهور الحجازيين أنه يحد من
وجد فيه ريح الخمر، وإن لم تقم عليه بينة ولم يقر. ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا
يحد بمجرد الريح، بل لا بد من بينة وإفراز، وفيه أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع سواء كان
حملها من زنا، أو غيره لئلا يقتل البريء من الذنب، وكذا لا تجلد وأنه إن وجب عليها
قصاص وهي حامل لا يقتص منها، حتى تضع حملها، وترضع ولدها (رواه مسلم) قال ابن
الهمام: وروى ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن أبي حنيفة عن علقمة بن مرثد عن ابن أبي
بريدة عن أبيه بردة قال: رجم ماعز. قالوا: يا رسول الله ما تصنع به؟ قال: اصنعوا به ما
تصنعون بموتاكم من الغسل والحنوط والكفن، والصلاة عليه. وأما صلاته عليه الصلاة
والسلام على الغامدية، فأخرجه الستة إلا البخاري عن عمران بن حصين أن امرأة من جهينة
أتت النبي ◌َّ، وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبي الله أصبت حداً، فأقمه عليّ الحديث
بطوله إلى أن قال: ثم أمر برجمها فرجمت، ثم صلى عليها فقال له عمر: أتصلي عليها يا
نبي الله وقد زنت؟ فقال: ((لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم،
وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله)). وفي صحيح البخاري من حديث جابر
في أمر ماعز قال: ثم أمر به، فرجم. فقال له النبي وَلقر: ((خيراً وصلى عليه)). ورواه
الترمذي، وقال حسن صحيح ورواه غير واحد منهم أبو داود، وصححوه. وأما ما رواه أبو
داود من حديث أبي برزة الأسلمي أنه عليه الصلاة والسلام لم يصل على ماعز، ولم ينه عن
الصلاة عليه، ففيه مجاهيل فإن فيه عن أبي بسر حدثني نفر من أهل البصرة عن أبي برزة،
نعم حديث جابر في الصحيحين في ماعز، وقال له: خيراً ولم يصل عليه معارض صريح في
صلاته عليه لكن المثبت أولى من النافي(١).
٣٥٦٣ - (وعن أبي هريرة قال: سمعت النبي ◌َّو إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها) أي
ظهر (فليجلدها) أي أحدكم (الحد) أي الجلد، كما أشار إليه بقوله: ((فليجلدها)) قال الطيبي:
قارن،
(١) فتح القدير ١٦/٥
الحديث رقم ٣٥٦٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٤٢١/٤ الحديث رقم ٢٢٣٤. ومسلم في ١٣٢٨/٣
الحديث رقم ١٧٠٣/٣. وأبو داود في السنن ٦١٤/٤ الحديث رقم ٤٤٧٠، والترمذي في ٣٠/٤
الحديث رقم ١٤٣٣،. وابن ماجه في ٨٥٧/٢ الحديث رقم ٢٥٦٥. والدارمي في ٢٣٦/٢
الحديث رقم ٢٣٢٦. ومالك في الموطأ ٨٢٦/٢ الحديث رقم ١٤ من كتاب الحدود وأحمد في
المسند ١١٦/٤.
--

١٣٦
1Be!
کتاب الحدود
ولا يُثَرِّب
الحد مفعول مطلق [أي] فليجلدها الحد المشروع، وقال بعض علمائنا، وفي ذكر الأمة إشعار
بأن حدها منكوحة كانت أو غيرها الجلد إلا أنه نصف جلد الحرائر، لقوله تعالى: ﴿فإن أتين
بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء - ٢٥] وأريد بالعذاب الجلد،
لا الرجم، لأنه لا ينصف. واستدل الشافعي بالحديث على أن للمولى إقامة الحد على
مملوكه. وعلماؤنا حملوا قوله: ((فليجلدها)) على التسبب أي ليكن سبباً لجلدها بالمرافعة إلى
الإمام. وفي الهداية لا يقيم المولى الحد على عبده إلا بإذن الإمام. وقال الشافعي ومالك
وأحمد يقيم بلا إذن. وعن مالك إلا في الأمة المزوّجة. واستثنى الشافعي من المولى أن يكون
ذمياً، أو مكاتباً أو امرأة، وهل يجري ذلك على العموم حتى لو كان قتلا بسبب الردة أو قطع
الطريق أو قطعاً للسرقة؟ ففيه خلاف عندهم قال النووي: الأصح المنصوص نعم. لإطلاق
الخبر. وفي التهذيب الأصح: إن القتل والقطع إلى الإمام. قال ابن الهمام: لهم ما في
الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: سئل رسول الله وَّر عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟
قال: ((إن زنت فاجلدوها، وإن زنت فاجلدوها، وإن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير))
قال ابن شهاب: ما أدري أبعد الثالثة أو الرابعة، والضفير الحبل. وفي السنن قال عليه الصلاة
والسلام: ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)) ولأنه يملك تعزيره صيانة لملكه عن
الفساد،. فكذا الحد، ولأن له ولاية مطلقة عليه حتى ملك منه ما لا يملك الإمام من
التصرف، فملكه الإقامة عليه أولى من الإمام. ولنا ما روى الأصحاب في كتبهم عن ابن
مسعود وعن ابن عباس وابن الزبير موقوفاً ومرفوعاً ((أربع إلى الولاة الحدود والصدقات
والجمعات والفيء)). ولأن الحد خالص حق الله، فلا يستوفيه إلا نائبه وهو الإمام. وهذا
الاستدلال يتوقف على صحة هذا الحديث، وكونه حق الله وإنما يستوفيه نائبه مسلم. لكن
الاستنابة تعرف بالسمع، وقد دل على أنه استناب في حقه المتوجه منه على الأرقاء مواليهم
بالحديث السابق. ودلالته على الإقامة بنفسه، ظاهرة وإن كنا نعلم أنه ليس المراد الإقامة
بنفسه، فإنه لو أمر به غيره كان ممتثلاً، فجاز كون المراد كره للإمام ليأمر بإقامته. لكن لما لم
يثبت المعارض المذكور لا يجب الحمل على ذلك، بل على الظاهر المتبادر من كون القائل
أقام فلان، أو جلد فلان أنه باشره أو أمر به على أن المتبادر أحد دائر فيهما لا في ثلاثة، وهما
هذان مع رفعه إلى الحاكم، ليحده. نعم من استقر اعتقاده على أن إقامة الحدود إلى الإمام
فالمتبادر إليه من ذلك اللفظ الأخير بخصوصه(١) اهـ. كلام المنصف المحقق والله الموفق (ولا
يثرب) بتشديد الراء أي لا يعيب عليها أي على الأمة، ولا يعيرها أحد بعد إقامة الحد؛ لأنه
كفارة لذنبها، قال القاضي: التثريب التأنيب والتعبير. وكان تأديب الزناة قبل شرع الحد هو
التثريب وحده، فأمرهم بالجلد ونهى عن الاقتصار بالتثريب. ولعله إنما أسقط التغريب عن
المماليك نظراً للسادة وصيانة لحقوقهم. قال النووي: فيه دليل على وجوب حد الزنا على
٤٠٠٠
(١) فتح القدير ٢٢/٥.

١٣٧
كتاب الحدود
عليها، ثمَّ إِنْ زنَتْ فليجلدها الحدَّ ولا يُثَرِّبْ ثمَّ إِنْ زَنَتِ الثالثَةَ فتبيَّنَ زِناها فلْيَيِغْها ولوْ بحبْلٍ
منْ شعرٍ)) متفق عليه.
٣٥٦٤ - (١٠) وعن عليٍّ [رضي الله عنه]، قال: يا أيُّها النَّاسُ! أقيموا على
الإماء والعبيد، وأن السيد يقيم الحد عليهما، وله أن يتفحص عن جرمهما ويسمع البينة
عليهما، وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين، فمن
بعدهم. وقال أبو حنيفة وطائفة: ليس له ذلك، وهذا الحديث صريح في الدلالة للجمهور.
قلت: الصراحة ممنوعة؛ لأن الخطاب عام لهذه الأمة، وكذا لفظ ((أحدكم)) فيشمل الإمام
وغيره، ولا شك أنه الفرد الأكمل، فينصرف المطلق إليه، ولأنه العالم بما يتعلق، بالحد من
الشروط، وليس كل واحد من المالكين له أهلية ذلك، مع أن المالك متهم في ضربه وقتله أنه
لذلك أو لغيره. ولا شك أنه لو جوز له على إطلاقه؛ لترتب عليه فساد كثير، وعلى هذا
التأويل رواية ((إن زنت فاجلدوها)) ورواية ((أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)) ولعل وجه
التخصيص أن الزنا لم يكن عيباً في الجواري والعبيد أيام الجاهلية، فنبه على أنهم متساوون في
الحد مع الأحرار، لكن بطريق التنصيص، كما دل عليه الآية (ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا
يثرب) فيه أنه لا يجمع بين الحد والتثريب. قال النووي: وفيه أن الزاني إذا تكرر منه الزنا تكرر
عليه الحد، فأما إذا زنا مرات ولم يحد، فيكفي حد واحد للجميع (ثم إن زنت الثالثة، فتبين
زناها فليبعها) أي بعد إقامة الحد أو قبلها، وهو الظاهر، وفيه إشارة إلى أن المراد بقوله:
فليجلدها ليكن سبب جلدها بالمرافعة ليحصل تأديبها، ولما تكرر منها وعلم عدم النفع فيها،
فأمره ببيعها من غير إقامة حدها (ولو بحبل من شعر) بفتح العين ويسكن أي وإن كان ثمنها
قليلاً. قال النووي: فيه ترك مخالطة الفساق، وأهل المعاصي. وهذا البيع المأمور به
مستحب، وقال أهل الظاهر: هو واجب. وفيه جواز بيع الشيء الثمين بثمن حقير إذا كان البائع
عالماً، وإن كان جاهلاً، ففيه خلاف لأصحاب مالك، فإنهم لا يجوّزونه خلافاً للجمهور،
وعلى البائع بيان حال السلعة، وعيبها للمشتري. قلت: هذا كلام برأسه مستفاد من قواعد
الشرع، إذ ليس في الحديث دلالة عليه، ثم قال: إن قيل: كيف يكره شيئاً لنفسه ويرتضيه
لأخيه المسلم؟ فالجواب لعل الزانية تستعف عند المشتري بنفسها، أو بصونها أو بالإحسان
إليها والتوسعة عليها، أو تزويجها. قلت: إذا ظهر العيب، فلا محذور في ذلك فالسؤال ساقط
من أصله. نعم يحتاج الجواب عمن يشتريها، وهو عالم بها. والأظهر أن بيعها بمنزلة التغريب
زجراً وسياسة، ودلالة إلى أنها غير قابلة للتربية عنده (متفق عليه).
٣٥٦٤ - (وعن علي رضي الله عنه قال: يا أيها الناس) أي المؤمنون (أقيموا على
الحديث رقم ٣٥٦٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٣٣٠ الحديث رقم (٣٤ _ ١٧٠٥). وأبو داود في السنن
٦١٧/٤ الحديث رقم ٤٤٧٣ والترمذي في ٤ /٣٧ الحديث رقم ١٤٤١ وأحمد في المسند ١٥٦/١.

وجيه
١٣٨
كتاب الحدود
أَرِقَائِكُم الحدَّ مَنْ أَخْصَنَ منهم ومنْ لم يُحصِنْ؛ فإِنَّ أَمَةٌ لرَسُولِ اللهِوَ ◌َّ زنتْ فأمرَني أنْ
أجلِدَها، فإِذا هيَ حديثُ عهدٍ بنفاسٍ، فخشيتُ إِنْ أنا جلَدتُها أنْ أقتُلَها فذكرتُ ذلكَ للنبيّ
وَلَه، فقال: ((أحسنتَ)). رواه مسلم. وفي رواية أبي داود: قال: ((دَعْها حتى ينقطِعَ دمُها،
ثمَّ أقِمْ عليها الحدَّ؛ وأقيموا الحُدودَ على ما ملَكتْ أنْمانُكم)).
أرقائكم) بتشديد القاف جمع رقيق أي من عبيدكم وإمائكم (الحد) أي ضرب جلد (من أحصن)
أي تزوّج (منهم)، أي ومنهن، ففيه حذف أو تغليب (ومن لم يحصن) قال الطيبي: وتقييد
الأرقاء بالإحصان مع أن الحرية شرط الإحصان يراد به كونهن مزوّجات لقوله تعالى: ﴿فإذا
أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء - ٢٥] حيث
وصفهن بالإحصان، فقال: فإذا أحصن وحكم (فإن أمة لرسول الله وَ لفر زنت، فأمرني أن
أجلدها)، وهذا التعليل يؤيد ما قدمناه من التأويل (فإذا هي حديث عهد) أي جديد زمان
(بنفاس فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها) قال الطيبي: هو مفعول فخشيت، وجلدتها مفسر
لعامل أنا المقدر بعد أن الشرطية، كقول الحماسي:
وإن هي لم تحمل عن النفس ضيمها.
فليس إلى حسن (١) الثناء سبيل
وجواب الشرط محذوف دل عليه الكلام المعترض فيه بين الفعل ومفعوله (فذكرت ذلك
وَ له فقال: أحسنت) فيه إن جلد ذات النفاس يؤخر، حتى تخرج من نفاسها؛ لأن نفاسها
نوع مرض فتؤخر إلى زمان البرء. قال ابن الهمام: وإذا زنى المريض وحده، الرجم بأن كان
محصناً حُدَّ؛ لأن المستحق قتله ورجمه في هذه الحالة أقرب إليه، وإن كان حده الجلد لا
يجلد حتى يبرأ، لأن جلده في هذه الحالة قد يؤدي إلى هلاكه وهو غير المستحق عليه. ولو
كان المرض لا يرجى زواله، كالسل أو كان خداجاً ضعيف الخلقة، فعندنا وعند الشافعي
يضرب بعثكال فيه مائة شمراخ، فيضرب به دفعة ولا بد من وصول كل شمراخ إلى بدنه. ولذا
قيل: لا بد حينئذ أن تكون مبسوطة، ولخوف التلف لا يقام الحد في البرد الشديد والحر
الشديد، بل يؤخر إلى اعتدال الزمان. وإذا زنت الحامل لا تحد، حتى تضع حملها ولو جلدا،
كيلا يؤدي إلى هلاك الولد؛ لأنه نفس محترمة لأنه مسلم لا جريمة منه (رواه مسلم، وفي رواية
أبي داود قال: دعها) أي اتركها (حتى ينقطع دمها) أي دم نفاسها (ثم أقم عليها الحد، وأقيموا
الحدود على ما ملكت أيمانكم) أي لا تتركوا الحدود عليهم، فإن منفعتها واصلة إليكم وإليهم.
وليس فيه صراحة دلالة على أن للموالي إقامة حدود مواليهم، ونظيره ما ورد من قوله وَله:
((أقيموا حدود الله تعالى في البعيد والقريب، ولا تأخذكم في الله لومة لائم)) رواه ابن ماجه عن
عبادة بن الصامت(٢)، ويدل عليه اتفاق أصحابنا في كتبهم نقلاً عن الصحابة، موقوفاً ومرفوعاً
أن ولاية الحد إلى الولاة والله تعالى أعلم.
(١) في المخطوطة ((حمل)).
(٢) أخرجه ابن ماجه في السنن ٨٤٩/٢ الحديث رقم ٢٥٤٠.

١٣٩
كتاب الحدود
الفصل الثاني
٣٥٦٥ _ (١١) عن أبي هريرةَ، قال: جاءّ ماعزّ الأسلمِيُّ إِلى رسولِ الله وَله فقال: إِنَّه
قدْ زَنى، فأعرضَ عنه، ثمَّ جاء منْ شِقْهِ الآخرِ، فقال: إِنَّه قدْ زَنى فأعرضَ عنه، ثمَّ جاءَ منْ
شِقّهِ الآخرِ فقال: يا رسولَ الله! إِنَّه قدْ زَنى، فأمرَ به في الرَّابعةِ، فأخرِجَ إِلى الحرَّةِ، فرُجمَ
بالحِجارةِ، فلمَّا وجدَ مسَّ الحجارةِ، فرَّ يشتدُ، حتى مرَّ برجُلٍ معَه لخيُ جملٍ فضربَه به،
وضربَهُ النَّاسُ حتى ماتَ. فذكروا ذلكَ لرسولِ اللهِ وَِّ أَنَّه فرَّ حينَ وجدَ مسَّ الحجارةِ ومسَّ
الموتِ، فقال رسولُ اللهِ وَلَ: ((هَلاَّ تركتُموهُ)). رواه الترمذي، وابنُ ماجه. وفي رواية:
(الفصل الثاني)
٣٥٦٥ - (عن أبي هريرة قال: جاء ماعز الأسلمي إلى رسول الله وَل﴾ [فقال]: أنه قد زنى)
هذا نقل بالمعنى كما لا يخفى إذ لفظه أني قد زنيت، أو المراد أن ماعزاً قد زنى (فأعرض عنه
ثم جاءه من شقه الآخر) أي بعد غيبته عن المجلس (فقال: إنه قد زنى فأعرض عنه ثم جاءه من
شقه الآخر فقال: يا رسول الله أنه قد زنى فأمر به) أي برجمه (في الرابعة) أي في المرة الرابعة
من مجالس الاعتراف (فأخْرِج) بصيغة المجهول أي أمر بإخراجه (إلى الحرة)، وهي بقعة ذات
حجارة سود خارج المدينة (فرجم بالحجارة فلما وجد مس الحجارة) أي ألم إصابتها (فر) أي
هرب (يشتد) بتشديد الدال أي يسعى، وهو حال (حتى مر برجل معه لحي جمل) بفتح اللام
وسكون الحاء المهملة أي عظم ذقنه وهو الذي ينبت عليه الأسنان (فضربه) أي الرجل (به) أي
باللحي (وضربه الناس) أي آخرون بأشياء أخر (حتى مات فذكروا) أي بعض أصحابه (ذلك
لرسول الله وَل أنه) بفتح الهمزة (فَرَّ حين وجد مس الحجارة) قال الطيبي: قوله: ذلك إذا جعل
إشارة إلى المذكور السابق من فِراره من مس الحجارة، كأن قوله: إنه فَرَّ حین وجد مس
الحجارة تكراراً لأنه بيان ذلك فيجب أن يكون ذلك بهما وقد فسر بما بعده، كقوله تعالى:
﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ [الحجر - ٦٦] ولعله كرر لزيادة
البيان، وقوله: (ومس الموت) عطف على مس الحجارة على سبيل البيان كقوله تعالى: ﴿وإن
من الحجارة لما يتفجر﴾ [البقرة - ٧٤] ولعله كرر لزيادة البيان، وقوله: (ومس الموت) عطف
على مس الحجارة على سبيل البيان كقوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر﴾ [البقرة - ٧٤]
الآية عطف على قوله: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ [البقرة - ٧٤] بياناً (فقال رسول الله
وَل: هلا تركتموه. رواه الترمذي وابن ماجه، وفي رواية) أي لابن ماجه أولهما أو لغيرهما
الحديث رقم ٣٥٦٥: أخرجه الترمذي في السنن ٢٧/٤ الحديث رقم ١٤٢٨. وابن ماجه في ٢/ ٨٥٤
الحديث رقم ٢٥٥٤ وأحمد في المسند ٢/ ٤٥٠.

.+
٦٠٩٧
١٤٠
كتاب الحدود
((هَلاَّ تركتُموه لعلَّه أن يتوبَ فيتوبَ اللَّهُ عليهِ)).
٣٥٦٦ - (١٢) وعن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ النبيِّي ◌َّ قال لماعزِ بنِ مالكِ: ((أحقُّ ما بلغني
عنكَ؟)) قالَ: وما بلغكَ عني؟ قال: ((بلغني أنّكَ قدْ وقعتَ على جارِيةِ آل فلانٍ)) قال: نعمْ،
فشهدَ أربعَ شهاداتٍ، فأمر بهِ فرُجمَ. رواه مسلم.
(هلا تركتموه لعله أن يتوب) أي عسى أن يرجع عن فعله، (فيتوب الله عليه) أي يرجع الله عليه
بقبول توبته قال ابن الملك: فيه أن المقر على نفسه بالزنا لو قال: ما زنيت أو كذبت، أو
رجعت سقط عنه الحد فإن رجع في أثناء إقامته عليه سقط الباقي، وقال جمع: لا يسقط إذ لو
سقط لصار ماعز مقتولاً خطأ، فتجب الدية على عواقل القاتلين. قلنا إنه لم يرجع صريحاً لأنه
هرب وبالهرب لا يسقط الحد، وتأويل قوله: هلا تركتموه أي لينظر في أمره أهرب من ألم
الحجارة، أو رجع عن إقراره بالزنا. قال الطيبي: فإن قلت: إذا كان رسول الله وَالر وأخذهم
بقتله حيث فر فهل يلزمهم قود؟ إذا قلت: لا. لأنه وَلقر وأخذهم بشبهة عرضت تصلح أن يدفع
بها الحد، وقد عرضت لهم شبهة أيضاً، وهي إمضاء أمر رسول الله وَّر فلا جناح عليهم اهـ.
ولا يخفى أن قوله: فهل يلزمهم قود؟ خطأ إذ لا معنى للقود في هذا المقام. في شرح السنة
فيه دليل على أن من أقر على نفسه بالزنا إذا رجع في خلال إقامة الحد، فقال: كذبت أو ما
زنيت، أو رجعت سقط ما بقي من الحد عنه، وكذلك السارق وشارب الخمر.
٣٥٦٦ - (وعن ابن عباس أن النبي ◌َ ﴿ قال لماعز بن مالك: أحق) أي أثابت (ما بلغني
عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك قد وقعت بجارية آل فلان)، وفي نسخة صحيحة
على جارية آل فلان أي على بنتهم (قال: نعم. فشهد) أي أقر أربع شهادات أي مرات في
مجالس متعددة (فأمر به) أي برجمه (فرجم رواه مسلم.) قال الطيبي: فيه تنبيه من المؤلف على
أن هذا الحديث غير مقر في مكانه، بل مكانه الفصل السابق، فإن قلت: كيف التوفيق بين هذا
الحديث وبين حديث بريدة؟ يعني على ما سبق فإن هذا يدل على أنه وَ # كان عارفاً بزنا ماعز،
فاستنطقه ليقربه ليقيم عليه الحد، وحديث بريدة وأبي هريرة أي السابق، ويزيد بن نعيم أي
اللاحق يدل على أنه وي ل# لم يكن عارفاً به، فجاء ماعز فأقر فأعرض عنه مراراً، ثم جرت بعد
ذلك أحوال جمة ثم رجم. قلت: البلغاء مقامات فمن مقام يقتضي الإيجاز فيقتصرون على
كلمات معدودة، ومن مقام يقتضي الأطناب فيظنون فيه كل الأطناب قال:
يرمون بالخطب الطوال وتارة
وحي الملاحظ خيفة الرقباء
فابن عباس سلك طريق الاختصار، فأخذ من أوّل القصة وآخرها إذ كان قصده بيان رجم
الزاني المحصن بعد إقراره، وبريدة وأبو هريرة ويزيد سلكوا سبيل الأطناب في بيان مسائل مهمة
للأمة، وذلك أنه لا یبعد أن رسول الله ێ# بلغه حدیث ماعز، فأحضره بين يديه فاستنطقه لینکر ما
الحديث رقم ٣٥٦٦: أخرجه مسلم في الصحيح ٣/ ١٣٢٠ الحديث رقم (١٩ - ١٦٩٣).