النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد لا يرجعونَ حتى يرتدَّ السَّهمُ على فُوقِه، هُم شرُّ الخَلقِ والخَليقةِ، طُوبى لمنْ قَتَلهم وقتلوهُ، يَدْعونَ إِلى كتابِ الله وليسُوا منَّا في شيءٍ مَنْ قاتلَهم كانَ أَوْلى باللّهِ منهم)). بشيء، ولا يلوون عليه، وقد أشار إلى هذا المعنى في غير هذه الرواية بقوله: ((سبق الفرث والدم)) (لا يرجعون) أي إلى الدين لإصرارهم على بطلانهم (حتى يرتد السهم على فوقه) بضم أوله قال الطيبي: كقوله تعالى: ﴿وإن الذين وارتدوا على أدبارهم﴾ [محمد - ٢٥] والفوق موضع الوتر من السهم، وهو من التعليق بالمحال علق رجوعهم إلى الدين، كما قال تعالى: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف - ٤٠] وفيه من اللطف أنه راعى بين التمثيلين المناسبة في أمر واحد مثل أوّلاً: خروجهم من الدين بخروج السهم من الرمية. وثانياً: فرض دخولهم فيه، ورجوعهم إليه برجوع السهم على فوقه أي ما خرج منه من الوتر (هم شر الخلق، والخليقة) في النهاية الخلق: الناس، والخليقة البهائم. وقيل هما بمعنى واحد ويريد بهما جميع الخلائق. قال التوربشتي: الخليقة في الأصل مصدر، وإنما جاء باللفظين تأكيداً للمعنى الذي أراده، وهو استيعاب أصناف الخلائق، ويحتمل أنه أراد بالخليقة من خلق وبالخلق من سيخلق(١)، قال القاضي: هم شر الخلق، لأنهم جمعوا بين الكفر والمراآة، فاستبطنوا الكفر وزعموا أنهم أعرف الناس في الإيمان، وأشدهم تمسكاً بالقرآن فضلوا وأضلوا (طوبى) أي حالة طيبة حسنة وصفة مستحسنة. وقيل طوبى شجرة في الجنة أي هي حاصلة (لمن قتلهم)، فإنه يصير غازياً (وقتلوه) أي ولمن قتلوه فإنه يصير شهيداً. وفيه دليل على جواز حذف الموصوف، أو الواو لمجرد التشريك، وتحصيل الجمع والتقدير: طوبى لمن جمع بين الأمرين قتله إياهم، وقتلهم إياه نحو قوله تعالى: ﴿قاتلوا وقتلوا﴾ [آل عمران - ١٩٥] قال الطيبي: طوبى فعلى من الطيب، فلما ضمت الطاء انقلبت الواو ياء، والمعنى أصاب خيراً من قتلهم وقتلوه (يدعون) أي الناس (إلى كتاب الله) [أي] إلى ظاهره (ويتركون سنة رسول الله وَل ** ) وأحاديثه المبينة بقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل - ٤٤] وبقوله عزَّ وجلّ: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله﴾ [الحشر: ٧] أي في مخالفته كتابه ورسوله. وقد قال علي كرم الله وجهه عنه لابن عباس جادلهم بالحديث. وفي المثل: صاحب البيت أدرى بما فيه [ولذا قال] (وليسوا منا في شيء) أي في شيء معتد من طريقتنا، وهدينا. الجامع بين الكتاب والسنة. قال الأشرف: هذا القول بعد قوله يدعون إلى كتاب الله إرشاداً إلى شدة العلاقة بين النبي وَله، وبين كتاب الله، وإلا فمقتضى التركيب: وليسوا من كتاب الله في شيء. قال الطيبي: لو قيل وليسوا من كتاب الله في شيء، لا وهم أن يكونوا جهالاً ليس لهم نصيب من كتاب الله قط. كأكثر العوام، وقوله: ليسوا منا في شيء يدل على أنهم ليسوا من عداد المسلمين، ولا لهم نصيب من الإسلام، وهو ينظر إلى معنى قوله: (يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية)) (من قاتلهم) أي من أمتي (كان أولى بالله منهم) أي من باقي أمتي، ويحتمل أن تكون من تعليلية أي من أجل قتالهم. قال الأشرف: الضمير فيه (١) في المخطوطة ((يتخلق)). ٠٫٠٠ ٠٠٠ ١٠٢ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد قالوا: يا رسولَ الله! ما سماهُم؟ قال: ((التَّحلیقُ)). رواه أبو داود. ٣٥٤٤ _ (١٢) وعن عائشةَ [رضي الله عنها]، قالتْ: قال رسولُ اللهِ وَل ◌َى: ((لا يحِلُ دمُ امرىءٍ مسلم يشهدُ أنْ لا إِلَه إِلاَّ اللَّهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ، إِلاَّ بإِحدى ثلاثِ، زِنا بعدَ إِخْصانٍ فإِنَّهُ يُرَجَمُ، ورجلٌ خرَجَ مُحارِباً للَّهِ ورسولِه فإِنَّه يُقتلُ أوْ يُصلَّبُ أوْ يُنفى من راجع إلى الأمة أي من قاتلهم من أمتي أولى بالله من باقي أمتي. قال الطيبي: هذا على تأويل الوجه الأول في قوله: ((في أمتي اختلاف وفرقة)) أي أهل اختلاف. وأما على الوجه الثاني، فالضمير راجع إلى الفرقة الباطلة، ويكون أفعل كما في قوله تعالى: ﴿أي الفريقين خير مقاماً﴾ [مريم - ٧٣] وقولهم العسل أحلى من الخل، فمعناه أن المقاتل أبلغ في الولاية منهم في العدوان (قالوا: يا رسول الله ما سيماهم) أي علامتهم التي يتميزون بها عن غيرهم (قال: التحليق) أي علامتهم التحليق، وهو استئصال الشعر، والمبالغة في الحلق كما هو مستفاد من صيغة التفعيل التي للتكرير والتكثير. قال الطيبي: وإنما أتى بهذا البناء، إما لتفريق متابعتهم في الحلق، أو لإكثارهم منه، وفيه وجهان: أحدهما استئصال الشعر من الرأس، وهو لا يدل على أن الحلق مذموم، فإن الشيم والحلي المحمودة قد يتزيا بها الخبيث ترويجاً لخبثه، وإفساده على الناس، وهو كوصفهم بالصلاة والقيام. وثانيهما أن يراد به تحليق القوم واجلاسهم حلقاً حلقاً (رواه أبو داود). ٣٥٤٤ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله وَلاقى: لا يحل دم امرىء) أي إراقة دم شخص (مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) الظاهر أنه صفة كاشفة، وقال الطيبي: صفة مميزة لمسلم، لا كاشفة يعني إظهاره الشهادتين كاف في حقن دمه (إلا بإحدى ثلاث) أي خصال (زنا بعد إحصان، فإنه يرجم) أي يقتل برجم الحجارة (ورجل) أي وخروج رجل (خرج) أي على المسلمين حال كونه (محاربا لله ولرسوله) اللام صلة؛ لأن اسم الفاعل عمله ضعيف فيؤتى بها تأكيداً. وفي رواية المصابيح محارباً بالله، فالباء زائدة في المفعول، كقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة - ١٩٥] والمراد به قاطع الطريق، أو الباغي (فإنه يقتل) أي إن قتل نفساً بلا أخذ مال (أو يصلب) أي حياً، ويطعن حياً حتى يموت، وبه قال مالك. وقال الشافعي: ومن تبعه أنه يقتل، ويصلب نكالاً لغيره إن قتل، وأخذ المال (أو ينفى من الأرض) أي يخرج من البلد إلى البلد لا يزال يطالب، وهو هارب وعليه، الشافعي. وقيل: ينفى من بلده ويحبس، حتى تظهر توبته وهذا مختار ابن جرير. والصحيح من مذهبنا أنه يحبس إن لم يزد على الإخافة، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾ [المائدة - ٣٣] وكان الظاهر أن يقال: أو تقطع يده، ورجله من خلاف قبل قوله: أو ينفى من الأرض؛ ليكون الحديث على طبق الآية مستوعباً. ولعل الحديث رقم ٣٥٤٤: أخرجه أبو داود في السنن ٥٢٢/٤ الحديث رقم ٤٣٥٣. والنسائي في ٧/ ١٠١ الحدیث رقم ٤٠٤٨. وأحمد في المسند ٦/ ٢٠٥. / ٣/3 V'S ١٠٣ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد الأرضِ أو يقتُلُ نفساً فيُقتَلُ بها)). رواه أبو داود. ٣٥٤٥ - (١٣) وعن ابن أبي ليلى، قال: حدَّثنا أصحابُ محمَّدٍ وَلَّ أنَّهم كانوا يسيرونَ معَ رسوله الله وََّ، فنامَ رجلٌ منهم، فانطلَقَ بعضُهم إِلى حَبْلِ معَه، فأخذَهُ، ففزعَ، فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((لا يحِلُّ لمسلمٍ أنْ يُروِّعَ مسلماً)). رواه أبو داود. ٣٥٤٦ - (١٤) وعن أبي الدَّرداءِ، عن رسولِ اللهِ وَّرَ، قال: ((مَنْ أخذَ أرضاً بجِزْيتِها فقدِ استَقالَ هِجرتَه حذفه وقع من الراوي نسياناً، أو اختصاراً والله تعالى أعلم وأوفى الآية. والحديث على ما قررناه للتفصيل، وقيل: إنه للتخيير، والإمام مخير بين هذه العقوبات الأربعة في كل قاطع، وروى ابن جرير هذا القول عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء، والحسن البصري والنخعي والضحاك (أو يقتل نفساً) بصيغة الفاعل وأو بمعنى الواو عطفاً على رجل خرج والتقدير قتل رجل نفساً. (فيقتل بها) بصيغة المجهول. (رواه أبو داود). ٣٥٤٥ - (وعن ابن أبي ليلى) قال المؤلف: اسمه عبد الرحمن بن قاسم بن أبي ليلى يسار الأنصاري، ولد لست سنين من خلافة عمر، وقتل برخيال وقيل: غرق بنهر البصرة سنة ثلاث وثلاثين، حديثه في الكوفة، سمع خلقاً كثيراً من الصحابة، وعنه جماعة كثيرة وهو من الطبقة الأولى من تابعي الكوفة، وقد يقال ابن أبي ليلى أيضاً لولده محمد، وهو قاضي الكوفة إمام مشهور في الفقه، صاحب مذهب. وقول: وإذا أطلق المحدثون ابن أبي ليلى، فإنما يعنون أباه، وإذا أطلق الفقهاء ابن أبي ليلى فإنما يعنون محمداً (قال: حدثنا أصحاب محمد وَلجد) [أي] وهم كلهم عدول، فلا يحتاج إلى ذكرهم (أنهم كانوا يسيرون) من السير، وفي نسخة يسرون من السرى، وهو سير الليل (مع رسول الله وَ ل﴿ فقام رجل منهم، فانطلق بعضهم) أي شرع وذهب (إلى حبل معه) أي مع الرجل، أو مع المنطلق (فأخذه) أي ربط الرجل أو أراد أخذه (ففزع) بكسر الزاي أي خاف الرجل وارتاع وكان النبي ◌َليو رآه، أو سمعه (فقال رسول الله ◌َله: لا يحل لمسلم أن يروّع) بتشديد الواو أي يخوف (مسلماً رواه أبو داود)، وكذا أحمد . ٣٥٤٦ - (وعن أبي الدرداء عن رسول الله وَ ل قال: من أخذ أرضاً بجزيتها) بكسر الجيم، وسكون الزاي قال الطيبي: يحتمل أن يكون صفة الأرض أي ملتبسة بجزيتها، ويحتمل أن يكون حالاً من الفاعل أي حال كونه ملتزماً بجزيتها يعني بخراجها؛ [لأنه لازم] لصاحب الأرض لزوم الجزية للذمي (فقد استقال هجرته) أي نقض عزته، والمعنى من اشترى أرضاً خراجية لزمه الخراج الذي هو جزية على الذمي في أرضه، فكأنه خرج عن الهجرة إلى الحديث رقم ٣٥٤٥: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧٣/٥ الحديث رقم ٥٠٠٤ وأحمد في المسند ٣٦٢/٥. الحديث رقم ٣٥٤٦: أخرجه أبو داود في السنن ٤٥٩/٣ الحديث رقم ٣٠٨٢. ٫٠٠٠٠ ١٠٤ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد ومَنْ نَزَعَ صَغارَ كافرٍ مِنْ عُنُقِه فجعلَهُ في عنقهِ فقدْ وَلَى الإِسلامَ ظهرَه)). رواه أبو داود. ٣٥٤٧ _ (١٥) وعن جرير بن عبد الله، قال: بعثَ رسولُ اللهِ وََّ سرِيَّةً إِلى خَعمَ، فاعتصَمَ ناسٌ منهم بالسُّجودِ، فأسرعَ الإسلام، وداره، وجعل صغار الكفر في عنقه، فإن المسلم إذا أقام نفسه مقام الذمي في أداء ما يلزمه من الخراج صار كالمستقيل؛ أي طالب الإقالة لهجرته (ومن نزع صغار كافر) بفتح الصاد أي ذله من عنقه (فجعله في عنقه) بأن تكفل جزية كافر، وتحمل عنه صغاره (فقد ولى الإسلام ظهره) أي جعل الإسلام في جانب ظهره. وهذا كالمبين لما قبله أي من تكفل بجزية كافر، وتحمل عنه ذله فكأنه بدل الإسلام بالكفر؛ لأنه بدل عزه بذله. قال الخطابي: معنى الجزية هنا الخراج يعني المسلم إذا اشترى أرضاً خراجية من كافر، فإن الخراج لا يسقط عنه، وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة. والخراج عند الشافعي على وجهين: أحدهما جزية، والآخر بمعنى الكراء والأجرة، فإذا فتحت الأرض صلحاً على أن أرضها لأهلها، فما وضع عليها من خراج فمجراه الجزية التي تؤخذ من رؤوسهم. فمن أسلم منهم سقط ما عليه من الخراج، كما يسقط [ما] على رقبته من الجزية، ولزمه العشر فيما أخرجت أرضه. وقال التوربشتي: أريد بالجزية في الحديث الخراج الذي يوضع على الأرض التي تركت في يد الذمي، فيأخذ المسلم عنه متكفلاً بما يلزمه من ذلك. وتسميته بالجزية؛ لأنه يجزي في الموضوع على الأراضي المتروكة في أيدي أهل الذمة مجراها، فيما يؤخذ من رؤوسهم. وإنما قال: فقد استقال هجرته لأن المهاجر له الحظ الأوفر، والقدح المصلى في مال الفيء يؤخذ من أهل الذمة، ويرد عليه فإذا أقام نفسه مقام الذمي في أداء ما يلزمه من الخراج، فقد أحل نفسه في ذلك محل من عليه ذلك بعد أن كان له، فصار كالمستقيل عن هجرته ببخس حق نفسه. قال القاضي: ومن تكفل جزية كافر، وتحمل صغاره فكأنه ولى الإسلام من حيث إنه بدل إعزاز الدين بالتزام ذل الكفر، وتحمل صغاره. وللعلماء في صحة ضمان المسلم عن الذمي بالجزية خلاف، ولمن منع أن يتمسك بهذا الحديث. قال الطيبي: فإن قلت قد تعورف، واشتهر أن ضرب الجزية كناية عن الذل والصغار، فما بال الهجرة كنى بها عن العزة؟ قلت: لأنها مبدأ عزة الإسلام، ومنشؤ رفعته حيث نصر الله صاحبها بالأنصار، وأعز الدين بهم وقل شوكة المشركين، وقطع شأفتهم، واستأصلها (رواه أبو داود). ٣٥٤٧ - (وعن جرير بن عبد الله قال: بعث) أي أرسل (رسول الله وَللر سرية)، وهي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة (إلى خثعم) بفتح الخاء المعجمة، وسكون المثلثة قبيلة من اليمن، وفي القاموس [خثعم] كجعفر جبل (فاعتصم) أي تمسك، وشرع (ناس منهم بالسجود) أي بالصلاة، وكانوا مسلمين. ولما رأوا الجيش أسرعوا بالسجود (فأسرع) بصيغة الحديث رقم ٣٥٤٧: أخرجه أبو داود في السنن ١٠٤/٣ الحديث رقم ٢٦٤٥. والترمذي في ٤/ ١٣٢ الحديث رقم ١٦٠٤. ١٠٥ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد فيهمُ القتلُ، فبلغ ذلك النبيَّ نَّهِ فأمرَ لهُم بنصفِ العَقْلِ، وقال: ((أنا بريءٌ منْ كلِّ مسلمٍ مُقيم بينَ أظهُرِ المشركينَ)) قالوا: يا رسولَ الله! لِمَ؟ قال: ((لا تتراءَى ناراهما)) رواه أبو داود. المجهول (فيهم القتل) أي قتلهم الجيش، ولم يبالوا بسجودهم ظانين أنهم يستعيذون من القتل بالسجود (فبلغ ذلك) أي خبر قتلهم (النبي ◌َّلر فأمر لهم بنصف العقل) قال الخطابي: إنما لم يكمل لهم الدية بعد علمه عليه الصلاة والسلام بإسلامهم؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين ظهراني الكفار، وكانوا كمن هلك بجناية نفسه وجناية غيره، فتسقط حصة جنايته من الدية (وقال: أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين) أي بينهم وأظهر مقحم قال التوربشتي: يحتمل أن يكون المراد منه البراءة من دمه، وأن يكون البراء من موالاته (قالوا: يا رسول الله لم) بحذف ألف ما الاستفهامية؛ أي لأي شيء تكون بريئاً، أو أمرت بنصف العقل (قال: لا تتراءى ناراهما) استئناف فيه تعليل. وإسناد الترائي مجاز، والنفي معناه النهي أي يتباعد منزلاهما، حتى لا تتراءى ناراهما. قال الطيبي: هو علة لبراءته وَّر يعني لا يصح، ولا يستقيم للمسلم أن يساكن الكافر ويقرب منه، ولكن يبعد بحيث لا تتراءى ناراهما، فهو كناية عن البعد البعيد. وذكروا فيه وجوهاً: أولها قال أبو عبيدة: أي لا ينزل المسلم بالموضع الذي يرى ناره المشرك إذا أوقد، ولكن ينزل مع المسلمين في دارهم، لأن المشرك لا عهد له، ولا أمان. وثانيهما قال أبو الهيثم: أي لا يستسم المسلم بسمة المشرك، ولا يشبه به في هديه وشكله، ولا يتخلق بأخلاقه من قولك: ما نار نعمك أي ما سمتها؟ وثالثها قال أبو حمزة: أي لا يجتمعان في الآخرة، لبعد كل منهما عن صاحبه. ورابعها قال الفائق: معناه يجب عليهما أن يتباعد منزلاهما بحيث إذا أوقدت فيهما نار إن لم تلح(١) إحداهما الأخرى. وإسناد الترائي إلى النار، كقولهم دور بني فلان متناظرة. والترائي تفاعل من الرؤية يقال: تراءى القوم إذا رأى بعضهم بعضاً. قلت: ومنه قوله تعالى: ﴿فلما تراءى الجمعان﴾ [الشعراء - ٦١] و﴿تراءت الفئتان﴾ [الأنفال ـ ٤٨] وخامسها قال القاضي: أي ينبغي أن لا یسکن مسلم حیث سكن كافر، ولا يدنو منه بحيث تتقابل ناراهما، وتقرب(٢) إحداهما من الأخرى، حتى يرى كل منهما نار الآخر، فنزل رؤية الموقد منزلة رؤيتها إن كان لها، وهو من قول أبي عبيدة. وسادسها قال التوربشتي: أراد نار الحرب أي هما على طرفين متباعدين، فإن المسلم يحارب لله ولرسوله مع الشيطان وحزبه، ويدعو إلى الله بحزبه. والكافر يحارب الله ورسوله، ويدعوا إلى الشيطان. فكيف يتفقا ويصلح أن يجتمعا؟ قال الخطيب: فيه دليل على أن المسلم إن كان أسيراً في أيدي الكفار، وأمكنه الخلاص والانفلات منهم، لم يحل له المقام معهم. وإن حلفوه أن لا يخرج، كان الواجب أن يخرج إلا أنه إن كان مكرهاً على اليمين، لم تلزمه الكفارة. قلت: وعندنا تلزمه الكفارة (رواه أبو داود). (١) في المخطوطة ((يلج)). (٢) في المخطوطة ((يتقابل)) و((يقرب)). الحديث رقم ٣٥٤٨: أخرجه أبو داود في السنن ٢١٢/٣ الحديث رقم ٢٧٦٩. ٥٣٠" ١٠٦ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد ٣٥٤٨ - (١٦) وعن أبي هريرةً، عن النبيِّ وََّ، قال: ((الإِيمانُ قيدُ الفَتْكِ، لا يفتِكُ مُؤمن)) . -. ٣٥٤٨ - (وعن أبي هريرة عن النبي ولقد قال: الإيمان قيد) بتشديد التحتية أي منع (الفتك) بفتح الفاء، وسكون الفوقية، وهو أن يأتي الرجل صاحبه على غفلة، فيقتله أي الإيمان يمنع صاحبه عن قتل أحد بغتة، حتى يسأل عن إيمانه كما يمنع القيد المقيد عن التصرف. فهو من باب ذكر الملزوم. وإرادة اللازم، فإن القيد يمنع صاحبه عن التصرف، وفي النهاية أي إن الإيمان يمنع عن الفتك، كما يمنع القيد عن التصرف. فكأنه جعل الفتك مقيداً (لا يفتك) بكسر التاء، وفي نسخة بضمها، ففي القاموس: الفتك مثلثة ركوب ما هم من الأمور، ودعت إليه النفس [فتك] يفتك ويفتك، فهو فاتك جريء شجاع وقوله: (مؤمن) أي كامل الإيمان، فإن الصحابة إذا مروا بكافر غافل نبهوه، فإن أبى بعد الدعاء إلى الإسلام، قتلوه. قال التوربشتي: هو خبر معناه النهي أي لا يفعل ذلك، لأنه محرم عليه، وهو ممنوع منه. ويجوز فيه الجزم على النهي، ومن الناس من يتوهم أنه على بناء المفعول، فيرويه كذلك وليس بقويم رواية ومعنى. فإن قيل قد بعث رسول الله ويقول محمد بن سلمة الخزرجي في نفر إلى كعب بن الأشرف، فقتلوه. وبعث عبد الله بن عتيك الأوسي في نفر إلى رافع، وعبد الله بن أنيس الجهني إلى سفيان بن خالد فكيف التوفيق بين هذا الحديث وبين تلك القضايا التي أمر بها؟ قلنا: يحتمل أن النهي عن الفتك كان بعدها، وهو الأظهر لأن أولاها. كانت في السنة الثالثة، والثانية في الرابعة، والثالثة بعد الخندق في الخامسة. وإسلام أبي هريرة كان عام خيبر في السابعة، ويحتمل أن يكون ذلك خصيصي لرسول الله وَ ل في لما أيد به من العصمة، ويحتمل إن تلك القضايا كانت بأمر سماوي(١)، لما ظهر من المقتولين من الغدر برسول الله ◌َليل والتعرض، له بما لا يجوز ذكره من القول والمبالغة في الأذية، والتحريش عليه. قال الطيبي: واختار القاضي هذا الوجه، ولخصه وقال: المعنى أن الإيمان منع ذلك وحرمه، فلا ينبغي للمؤمن أن يفعله؛ لأن المقصود إن كان مسلماً فظاهر وإن كان كافراً، فلا بد من تقديم نذير واستتابة، إذ .ليس المقصود بالذات قتله بل الاستكمال، والحمل على الإسلام على ما يمكن هذا إذا لم يدع إليه داع ديني، فإن كان كما إذا علم أنه مصر على كفره، حريص على قتل المسلمين منتهز للفرصة منهم، وإن دفعه لا يتيسر إلا بهذا، فلا حرج فيه. قال الطيبي: الظاهر يقتضي أن تذكر الجملة الأولى بعد الأخرى، فإن التعليل مؤخر عن المعلل، لكن قدمت اعتباراً للرتبة، وبياناً الشرف الإيمان. وإن من خصائصه، وخصائل أهله النصيحة لكل أحد، حتى الكفار، كما ورد ((الدين النصيحة))(٢)، فعلى من اتصف بصفة الإيمان أن يتحلى بها، ويجتنب عن صفة العتاة، والمردة من الفتك. فإذا الكلام جار أصالة على الإيمان. وذكر المؤمن تابع له، فلو أخر كان بالعكس، فعلى هذا لا يفتقر في الحديث إلى التزام النسخ والتكلف فيه اهـ، وفيه بحث لا (١) في المخطوطة ((بأمور سموية)). (٢) أخرجه مسلم في ١/ ٧٤ الحديث رقم (٩٥ - ٥٥). ١٣٢ ١/ ٢/١٢٢٧٤ ١٠٧ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد رواه أبو داود. ٣٥٤٩ - (١٧) وعن جريرٍ، عن النبي ◌ِّ، قال: ((إِذا أَبَقَ العبدُ إِلى الشِّركِ فقد حلَّ دَمُه)). رواه أبو داود. ٣٥٥٠ _ (١٨) وعن عليٍّ رضي اللهُ عنه، أنَّ يهودِيَّةً كانتْ تشتِمُ النبيَّ ◌َِّ وتقعُ فيهِ، فخنقَها رجلٌ حتى ماتتْ، فأبطلَ النبيُّ وَّرِ دمَها رواه أبو داود. ٣٥٥١ _ (١٩) وعن جُندُبِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((حدُّ السَّاحرِ ضربةٌ بالسیف». يخفى (رواه أبو داود)، وكذا البخاري في تاريخه، والحاكم. ورواه أحمد عن الزبير، وعن معاوية(١) ٣٥٤٩ - (وعن جرير عن النبي ◌َّر [قال:] إذا أبق العبد) بفتح الموحدة، وفي المصباح أبق، كفرح(٢) وضرب ونصر، فماضيه مثنى، ومضارعه مثلث. والمعنى إذا هرب مملوك (إلى الشرك) أي دار الحرب (فقد حل دمه) أي لا شيء على قاتله، وإن ارتد مع ذلك، كان أولى بذلك. قال الطيبي: وهذا وإن لم يرتد عن دينه، فقد فعل ما يهدر به دمه من جوار المشركين، وترك دار الإسلام، وقد سبق أنه لا يتراءى ناراهما (رواه أبو داود). ٣٥٥٠ - (وعن علي رضي الله عنه أن يهودية كانت تشتم) بكسر التاء، وفي نسخة بضمها، وهما لغتان على ما في القاموس أي تسب (النبي ◌َّ وتقع فيه) عطف تفسيري، وعداه بفي لتضمنه معنى الطعن. في النهاية بقال: وقعت فيه إذا عبته، وذممته (فخنقها رجل، حتى ماتت. فأبطل النبي وفي دمها) قال المظهر: وفيه أن الذمي إذا لم يكف لسانه عن الله، ورسوله، ودينه؛ فهو حربي مباح الدم. قال بعض علمائنا: وبه أخذ الشافعي. وعند أصحاب أبي حنيفة: لا ينقض عهده به، كما هو المذكور في آخر كتاب الجزية من كتب الفقه (رواه أبو داود). ٣٥٥١ - (وعن جندب) تقدم ضبطه (قال: قال رسول الله يقول: حد الساحر ضربه بالسيف) بإضافة ضرب إلى هذا الضمير، وفي نسخة بصيغة المرة. قال الطيبي: روي بالتاء، وبالهاء والثاني أولى. وكان الظاهر أن يقال: حد الساحر القتل. فعدل إلى ما هو عليه تصويراً له، وإن لا يتجاوز منه إلى أمر آخر. في شرح السنة. اختلفوا في قتله، فذهب جماعة من (١) أخرجه الحاكم في المستدرك عن معاوية ٣٥٣/٤. وأحمد عن الزبير ١٦٦/١ وعن معاوية ٤/ ٩٢. الحديث رقم ٣٥٤٩: أخرجه أبو داود في السنن ٥٢٨/٤ الحديث رقم ٤٣٦٠. وأحمد في المسند ٣٦٢/٤. (٢) في المخطوطة ((كفرع)). الحديث رقم ٣٥٥٠: أخرجه أبو داود في ٥٢٩/٤ الحديث رقم ٤٣٦٢. الحديث رقم ٣٥٥١: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩/٤ الحديث رقم ١٤٦٠. ١٠٨ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد رواه الترمذي. الفصل الثالث ٣٥٥٢ - (٢٠) عن أُسامةَ بنِ شريكِ. الصحابة، وغيرهم إلى أنه يقتل، وروي عن حفصة أن جارية لها سحرتها، فأمرت بها فقتلتها(١). وروي أن عمر رضي الله عنه كتب اقتلوا كل ساحر وساحرة قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر(٢). وعند الشافعي: يقتل إن كان ما يسحر به كفراً إن لم يتب، فإن لم يبلغ عمله الكفر، فلا يقتل، وتعليم السحر ليس كفراً عنده إلا أن يعتقد قلب الأعيان. قال القاضي: الساحر إذا لم يتم سحره إلا بدعوة كوكب، أو شيء يوجب كفراً يجب قتله؛ لأنه استعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان، مما لا يستقل به الإنسان. وذلك لا يتسبب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون. وبهذا يتميز الساحر عن النبي والولي؛ وأما ما يتعجب منه، كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية، أو يريه صاحب خفة اليد، فغير حرام. وتسميته سحراً على التجوّز لما فيه من الدقة؛ لأنه في الأصل لما خفي سببه. وقال النووي: يحرم فعل السحر بالإجماع، وأما تعليمه وتعلمه ففيه ثلاثة أوجه: الصحيح الذي قطع به الجمهور أنهما حرامان. والثاني مكروهان. والثالث مباجان. وقال أيضاً: اعلم أن التكهن وإتيان الكهانة، والتنجيم والضرب بالرمل وبالشعير بالحصى وتعليمها حرام، وأخذ العوض عليها حرام بالنص الصحيح في حلوان الكاهن. واعلم أن وراء العلوم الشرعية علوماً، منها محرم ومكروه ومباح. فالمحرم كالفلسفة والشعبذة والرمل وعلوم الطبيعيين، وكذا السحر على الصحيح. وتتفاوت درجات تحريمه. والمكروه، كإشعار المولدين المشتملة على الغزل، والبطالة والمباح، كإشعارهم التي ليس فيها سخف، ولا ما ينشط إلى الشر ويثبط من الخير. وفي تفسير المدارك قال الشيخ أبو منصور: القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ بل يجب البحث عن حقيقته، فإن كان ذلك رد ما لزم في شرط الإيمان، فهو كفر وإلا فلا. ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور والإناث، وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس، ففيه حكم قطاع الطريق، ويستوي فيه الذكور والإناث، وتقبل توبته إذا تاب. ومن قال لا تقبل، فقد غلط فإن سحرة فرعون قبلت توبتهم (رواه الترمذي)، وكذا الحاكم في مستدركه(٣). (الفصل الثالث) ٣٥٥٢ - (عن أسامة بن شريك) أي الذبياني الثعلبي روى عنه زياد بن علاقة، وغيره. (١) مالك في الموطأ ٨٧١/٢ الحديث رقم ١٤ من كتاب العقول. (٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٩٠ وأخرجه أيضاً أبو داود. (٣) وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٦٠. الحديث رقم ٣٥٥٢: أخرجه النسائي في السنن ٩٣/٧ الحديث رقم ٤٠٢٣. ١٠٩ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد قال: قال رسولُ اللهِ وَرَ: ((أَيُّما رجلٍ خرجَ يُفرّقُ بِينَ أُمَّتي فاضرِبوا عنْقَه)). رواه النسائيُّ. ٣٥٥٣ _ (٢١) وعن شريكِ بنِ شهابٍ، قال: كنتُ أتَمَنَّى أن ألقى رجُلاً من أصحاب النبيِّ وَّرِ أسألُه عنِ الخَوارِجِ، فلقيتُ أبا برْزَةَ في يومِ عيدٍ في نفَرِ منْ أصحابِهِ، فقلتُ له: هلْ سمِعتَ رسولَ اللهِوَّهَ يَذْكرُ الخَوارِجَ؟ قال: نعمْ، سمعتُ رسولَ الله ◌َّهِ بِأُذُنَيَّ، ورأيتُه بعينَيَّ: أَتَيَ رسولُ اللّهِ وَهَ بمالٍ فقسَمه، فأعطى مَنْ عنْ يمينِهِ ومَنْ عنْ شِمالِه، ولم يُعطِ مَنْ وراءَه شيئاً. فقامَ رجلٌ منْ ورائِه فقال: يا محمَّدُ! ما عدَلتَ في ذكره المصنف في الصحابة (قال: قال رسول الله رَله: أيما رجل خرج) أي على الإمام (يفرق بين أمتي) حال، أو استئناف بيان قال الطيبي: فيه شائبة من أفعال المقاربة أي جعل يفرق، أو هو مطاوع خرجته فخرج أي مهر في صيغة التفريق بين المسلمين، فعلى هذا يفرق حال (فاضربوا عنقه) أي فاقتلوه. قال النووي: فيه الأمر بقتال من خرج على الإمام إذا أراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك. فينبغي أن ينهى أوّلاً، وإن لم ينته قوتل. فإن لم يندفع شره إلا بقتله، فقتله كان هدراً (رواه النسائي). ٣٥٥٣ - (وعن شريك بن شهاب) بكسر أوّله قال المؤلف: هو الحرثي البصري يعد في التابعين، روى عن أبي برزة الأسلمي، وعنه الأزرق بن قيس، وليس بذلك مشهوراً (قال: كنت أتمنى أن ألقى أحداً من أصحاب النبي ويتر أسأله عن الخوارج) أما صفة أحداً، أو حال منه لوصفه (فلقيت أبا برزة رضي الله عنه) بفتح الموحدة، وسكون الراء بالزاي. قال المؤلف: هو نصلة بن عبيد الأسلمي أسلم قديماً، وهو الذي قتل عبد الله بن خطل، ولم يزل يغزو مع رسول الله وَّر، حتى قبض فتحوّل ونزل البصرة، ثم غزا خراسان ومات بمرو سنة ستين (في يوم عيد في نفر) أي كائناً في جماعة (من أصحابه) أي من التابعين (فقلت له: هل سمعت رسول الله لو يذكر الخوارج؟) قال الطيبي: حال من زال عن كونه مضافاً إلى رسول الله وَله تقديره: سمعت ذكر رسول الله ﴿ الخوارج. فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم جيء بعده بيذكر جملة حالية دلالة على المحذوف (قال: نعم سمعت رسول الله وَّر بإذني) بضم الذال، ويسكن وبتشديد التحتية على التثنية، لإفادة التأكيد. وبتخفيفها على الأفراد الإرادة الجنس، وكذا قوله: (ورأيته بعيني)، ولا يخفى ما في قوله: بإذني وبعيني من التأكيد إذ السماع، والرؤية لا يكون إلا بالإذن والعين، فهو من باب قوله تعالى: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ [الأنعام - ٣٨] قال الطيبي: قوله: (أتى رسول الله ولاير بمال الخ) حال من مفعول رأيته أي رأيته حال كونه ما أتيا بمال وكل من ذكر قوله: بإذني، وبعيني وتكرير رسول الله وَلقر إيذان بتحقيق الأمر، وتثبيته في الرواية، وأنه مما لا يستراب فيه (فقسمه) أي ذلك المال (فأعطى من عن يمينه، ومن عن شماله، ولم يعط من وراءه شيئاً) بفتح الميم، ولعل عدم إعطائهم ليظهر ما ظهر منهم (فقام رجل من ورائه) بكسر الميم (فقال: يا محمد ما عدلت في الحديث رقم ٣٥٥٣: أخرجه النسائي في السنن ١١٩/٧ الحديث رقم ٤١٠٣. ١١٠ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد القِسمةِ. رجلٌ أسوَدُ مطمومُ الشّعرِ، عليهِ ثوبانِ أبيضانٍ، فغضِبَ رسولُ اللهِ وَليهِ غضباً شديداً وقال: ((واللَّهِ لا تجِدونَ بعدي رجلاً هو أعدَلُ مني)) ثمَّ قال: ((يخرُجُ في آخرِ الزَّمانِ قومٌ كأنَّ هذا منهم، يقرؤون القرآنَ لا يُجاوِزُ تراقِيَهم، يمرُقونَ منَ الإِسلامِ كما يمرُقُ السَّهمُ منَ الرَّميَّةِ، سيماهُمُ التَّحليقُ لا يزالونَ يخرجونَ، حتى يخرُجَ آخرهُم معَ المسيحِ الدَّجالِ، فإِذا لقيتُموهُم، هُم شرُّ الخَلقِ والخَليقةِ)). رواه النسائي. ٣٥٥٤ - (٢٢) وعن أبي غالبٍ، رأى أبو أمامةً القسمة رجل أسود) خبر مبتدأ محذوف، وارد على الذم والشتم؛ لأن دمامة الصورة تدل على خباثة السريرة (مطموم الشعر) في النهاية يقال: طم شعره وجزه استأصله اهـ. وكأنه إشارة إلى تجرده للفساد، وليس فيه شعر من الشعور والأدب في الحضور (عليه ثوبان أبيضان) إيماء إلى نفاقه من نظافة ظاهره، وكثافة باطنه وبياض كسوته وسواد(١) جثته (فغضب رسول الله وَالقول غضباً شديداً) أي ثم حلم حلماً عظيماً (وقال: والله لا تجدون بعدي) أي غيري، وقال الطيبي: أي متجاوزاً عني (رجلاً هو أعدل مني) أي عادل مثلي (ثم قال: يخرج في آخر الزمان قوم كأن) بتشديد النون (هذا) أي هذا الرجل (منهم) أي من رؤسائهم، وأئمتهم وقال الطيبي: أي من شيعتهم ومقتفي سيرتهم، كقوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾ [التوبة - ٦٧] (يقرؤون القرآن) استئناف بيان لسوء حالهم، وفعالهم ومآلهم (لا يجاوز) أي قرآنهم، أو قراءتهم (تراقيهم) أي حلوقهم (يمرقون) أي يخرجون (من الإسلام) أي من الانقياد التام بخروجهم عن طاعة الإمام (كما يخرج السهم من الرمية) أي الصيد (سيماهم) [أي علامتهم] (التحليق) أي علامتهم تنظيف الظاهر، وتجريده على وجه المبالغة الدالة على كثافة باطنهم، وتعليقه بحب المال والجاه (لا يزالون يخرجون) أي يظهرون الفساد بين العباد في كل البلاد (حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال. فإذا لقيتموهم هم شر الخلق والخليقة) جزاء الشرط، وإنما لم يؤت بالفاء لأن الشرط ماض، كذا قال أبو البقاء في قوله تعالى: ﴿وإن أطعتموهم أنكم لمشركون﴾ [الأنعام - ١٢١] قال الطيبي: ومع هذا لا بد من التأويل؛ أي فإذا لقيتموهم، فاعلموا أنهم شرار خلق الله فاقتلوهم، كما قال: ((طوبى لمن قتلهم وقتلوه))(٢). ووجه آخر، وهو أن يكون الجزاء محذوفاً يعني: فاقتلوهم. والجملة بعده استئنافية لبيان الموجب، ثم إنه عطف الخليقة على الخلق، فلا بد من المغايرة فلا يحمل الشر على التفصيل مبالغة، أي هم شر خلقاً وشر سجية. وفي عكسه ((اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي)) (رواه النسائي). ٠٫٠٫٠٥ ٣٥٥٤ - (وعن أبي غالب) قال المؤلف: اسمه خزور الباهلي البصري أعتقه عبد الرحمن الحضرمي روى عن بكر بن عبد الله، وروى عنه ضَمرة بن ربيعة (رأى أبو أمامة) أي الباهلي (١) في المخطوطة ((بياض)). (٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٥٧. الحديث رقم ٣٥٥٤: أخرجه الترمذي في ٢١٠/٥ الحديث رقم ٣٠٠٠. وابن ماجه في السنن ١/ ٦٢ الحديث رقم ١٧٦. وأحمد في المسند ٢٥٦/٥. ٦/٢ /١ ١١١ كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد رؤوساً منصوبةٌ على دَرَج دمشق، فقال أبو أُمامةِ: ((كلابُ النَّار، شرٌّ قتلى تحتَ أديم السَّماءِ، خيرُ قتلى مَنْ قَتَلوَهُ» ثمَّ قرأ ﴿يومَ تبيَضُ وُجوهُ وتَسوَدُّ وُجوهٌ﴾ الآية. قيلَ لأبي أمامةً: أنتَ سمِعتَ منْ رسولِ الله وَّهَ؟ قال: لو لم أسمعْهُ إِلاَّ مرةً أو مرَّتينِ أوْ ثلاثاً حتى عدَّ سبعاً ما حدَّ ثتُكموهُ. رواه الترمذي، وابنُ ماجه، وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسن . سكن مصر، ثم انتقل إلى حمص، ومات بها. وكان من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه عند الشاميين. روى عنه خلق كثير، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام أي أبصر (رؤوساً) أي للخوارج (منصوبة) أي واقفة، أو مصلوبة (على درج دمشق) بكسر الدال، وفتح الميم، ويكسر أي طريقه. قال الجوهري: الدرجة المرقاة، والجمع الدرج. قال الطيبي: ولعل المراد في الحديث هذا لقوله منصوبة ([فقال أبو أمامة]: كلاب النار) خبر مبتدأ محذوف أي هم كلاب أهلها، أو على صورة كلاب فيها وقوله: (شر قتلى) جمع قتيل بمعنى مقتول، يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو خبراً بعد خبر، أو بدلاً وقوله: (تحت أديم السماء) أي وجهها ظرف، وقوله: (خير قتلى) مبتدأ، وقوله: (من قتلوه) خبره، وكان من الظاهر العكس فنقل اهتماماً، كقول الشاعر : ألا إن خير الناس حياً وميتاً أسير سقيف عندها في السلاسل (ثم قرأ ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾)(١) الآية قال الطيبي: لمح به إلى التفصيل في قوله تعالى: (﴿فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم﴾) أي فيقال)) لهم: أكفرتم؟ والهمزة للتوبيخ، والتعجيب من حالهم قيل: هم المرتدون، وقيل هم أهل البدع، والأهواء. وعن أبي أمامة هم الخوارج (قال) أي أبو غالب (لأبي أمامة: أنت سمعت) أي هذا الكلام (من رسول الله وَلفي قال:) أي أبو أمامة (لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين أو ثلاثاً حتى عد سبعاً)، والتقدير: لو لم أسمعه مكرراً حداً؛ لكثرة ما حدثتكموه. (رواه الترمذي [وابن ماجه]، وقال الترمذي هذا حديث حسن). (١) سورة آل عمران، الآية: ١٠٦. ٥٢٠٨ 1 كتاب الحدود (كتاب الحدود) قال الراغب: الحد الحاجز بين شيئين الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. وحد الزنى والخمر سمي به لكونه مانعاً لمتعاطيه عن معاودة مثله، ومانعاً لغيره أن يسلك مسلكه [و] قال ابن الهمام: محاسن الحدود أظهر من أن يذكره البيان، أو يكتبه البنان لأن الفقيه، وغيره يستوي في معرفة أنها للامتناع عن الأفعال الموجبة للفساد. ففي الزنا ضياع الذرية وإماتتها معنى، بسبب اشتباه النسب. وفي باقي الحدود زوال العقل، وإفساد الأعراض وأخذ أموال الناس. وقبح هذه الأمور مركوز في العقول، ولذا لم تبح الأموال والأعراض، والزنا والسكر في ملة من الملل، وإن أبيح الشرب. والمقصود من شرعية الحد الانزجار عما يتضرر به العباد، والتحقيق ما قال بعض المشايخ: أنها موانع قبل الفعل زواجر بعده أي العلم بشرعيتها يمنع الإقدام على الفعل، وإيقاعها بعده يمنع من العود إليه (١). قال: وأما قول صاحب الهداية: والطهرة ليست بأصلية؛ أي الطهرة من ذنب. فسبب الحد يفيد أنه مقصود أيضاً من شرعيتها، لكنه ليس مقصوداً أصلياً، بل تبع لما هو الأصل من الانزجار، وهو خلاف المذهب. فإن المذهب إن الحد لا يعمل في سقوط اثم فعل بسببه أصلاً، بل لم يشرع إلا لحكمة الانزجار. وأما ذلك فقول طائفة كثيرة من أهل العلم، واستدلوا عليه بقوله بصير، فيما [روي] في البخاري وغيره. ((إن من أصاب من هذه المعاصي شيئاً، فعوقب به في الدنيا، فهو كفارة له. ومن أصاب منها شيئاً فستره الله، فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه))(٢). واستدل الأصحاب بقوله تعالى في قطاع الطريق: (ذلك التقتيل والتصليب والنفي ﴿لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا﴾﴾ [المائدة - ٣٣] فأخبر أن جزاء فعلهم عقوبة دنيوية، وعقوبة أخروية إلا من تاب، فإنها حينئذ تسقط عنه الأخروية بالإجماع؛ للإجماع على أن التوبة لا تسقط الحد في الدنيا، ويجب أن يحمل الحديث على ما إذا تاب في العقوبة؛ لأنه هو الظاهر لأن الظاهر أن ضربه، أو رجمه يكون معه توبة منه (١) فتح القدير ٢/٥. (٢) أخرجه البخاري في ٦٤/١ الحديث رقم ١٨. ١١٣ ١١٤ كتاب الحدود الفصل الأول ٣٥٥٥ _ (١) عن أبي هريرة، وزيد بنٍ خالدٍ: أنَّ رجلَينِ اختصَما إلى رسولِ الله ◌َّهُ. فقال أحدُهما: اقْضٍ بينَنا بكتابِ اللَّهِ وقال الآخرُ: أجَلْ يا رسولَ اللَّهِ! فاقْضٍ بيننا بكتاب الله لذوقه بسبب فعله، فيقيد به جمعاً بين الأدلة. وتقييد الظن عند معارضة القطعي له متعينة بخلاف العكس(١). أقول: التحقيق وبالله التوفيق إن الأحسن في الجمع أن الحد مطهر له بخصوص ذلك الفعل، فإن الله أرحم من أن يثني على عباده العقوبة، ويؤيده قول الصحابي؛ طهرني يا رسول الله على ما سيأتي في الحديث، ثم إن انضم معه التوبة فيها ونعمت، وإن دام على إصراره فيعذب بمقداره، ويتفرع عليه ما لو تعدد منه ما يوجب الحد، ثم حد فإن تاب حين الحد كفر عنه الجميع، وإلا فكفر عنه ما حد به وحدَه، والباقي تحت مشيئته تعالى. وبهذا يحصل الجمع بين الآية، والحديث. وتبين إن خلاف العلماء لفظي والله تعالى أعلم. ثم الحد يثبت بالبينة والإقرار لا بعلم الإمام وعليه جماهير العلماء. وقال أبو ثور: ونقل قولاً عن الشافعي: إنه يثبت به، وهو القياس لأن الحاصل بالبينة والإقرار دون الحاصل بمشاهدة الإمام. قلنا: نعم لكن الشرع اهدر اعتباره بقوله تعالى: ﴿فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور - ١٣] ونقل فيه إجماع الصحابة، كذا حققه ابن الهمام. (الفصل الأوّل) ٣٥٥٥ - (عن أبي هريرة، وزيد بن خالد) لم يذكره المؤلف في أسمائه (إن رجلين اختصما) أي ترافعا للخصومة (إلى رسول الله وَلاغير، فقال: أحدهما اقضّ) أي احكم (بيننا بكتاب الله) قال الطيبي: أي بحكمه إذ ليس في القرآن الرجم قال تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم﴾ [الأنفال ــ ٦٨] أي الحكم بأن لا يؤاخذ على جهالة، ويحتمل على أن يراد به القرآن، وكان ذلك قبل أن تنسخ(٢) آية الرجم لفظاً (وقال الآخر: أجل) بفتحتين، وسكون اللام أي نعم (يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله) الفاء فيه جواب شرط محذوف، يعني إذا اتفقت (١) فتح القدير ٢/٥ - ٣. الحديث رقم ٣٥٥٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٣/١١. الحديث رقم ٦٦٣٣. ومسلم في ١٣٢٤/٣. الحديث رقم (٢٥ - ١٦٩٧). وأبو داود في السنن ٥٩١/٤ الحديث رقم ٤٤٤٥. والترمذي ٣٠/٤ الحديث رقم ١٤٣٣. والنسائي ٨/ ٢٤٠ الحديث رقم ٥٤١٠ وابن ماجه في ٨٥٢/٢ الحديث رقم ٢٥٤٩. والدارمي في ٢٣٢/٢ الحديث رقم ٢٣١٧ ومالك في الموطأ ٨٢٢/٢ رقم ٦ من كتاب الحدود - وأحمد في المسند ١١٥/٤. (٢) فى المخطوطة ((ينسخ). 2 ** ..... ٥- ١١٥ ٠٠٤/١٣٩/١١٢٠ كتاب الحدود وائذَنْ لي أن أتكلَّمَ. قال: (تكلمْ)) قال: إِنَّ ابْني كانَ عسيفاً على هذا، فزَنى بامرأتِه، فأخبروني أنَّ على ابني الرَّجَمَ، فاقتدَيتُ منه بمائةٍ شاةٍ وبجارِيةٍ لي، ثمَّ إِني سألتُ أهلَ العلم، فأخبروني أنَّ على ابني جلْدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ، وإِنَّما الرَّجْمُ على امرأتِه. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أَمَا والذي نفسي بيده، لأقضِيَنَّ بينكُما بكتابِ الله، أمَّا غنمُكَ وجارِيتُكَ فرَدِّ عليكَ، وأمَّا ابنُكَ؛ فعليهِ جَلْدُ مائةٍ، وتغْرِيبُ عام وأمَّا أنتَ يا أُنْيسُ! فاغْدُ معه بما عرض على جنابك، فاقض فوضع كلمة التصديق موضع الشرط. ذكره الطيبي، وقال: [و]إنما سأل المترافعان أن یحکم بينهما بحكم الله، وهما یعلمان أنه لا یحکم إلا بحكم الله، ليفصل ما بينهم بالحكم الصرف لا بالتصالح، والترغيب فيما هو الأرفق بهما، إذ للحاكم أن يفعل ذلك، ولكن برضا الخصمين (وائذن لي أن أتكلم قال: تكلم قال: إن ابني كان عسيفاً) أي أجيراً ثابت الأجرة (على هذا) قال التوربشتي: وإنما قال: على هذا، لما يتوجه للأجير على المستأجر من الأجرة بخلاف ما لو قال: عسيفاً لهذا، لما يتوجه للمستأجر عليه من الخدمة، والعمل. قال الطيبي(١): يريد أن قوله: على هذا صفة مميزة للأجير أي أجيراً ثابت الأجرة عليه وإنما يكون كذلك، إذا لابس العمل وأتمه ولو قيل لهذا لم يكن كذلك (فزنى) أي الأجير (بامرأته) أي المستأجر (فأخبروني) أي بعض العلماء (إن على ابني الرجم)، وفيه أنه يجوز السؤال من المفضول [مع] وجود الفاضل (فاقتديت منه) أي ولدي (بمائة شاة، وبجارية [لي]) أي أعطيتهما فداء وبدلاً عن رجم ولدي (ثم إني سألت أهل العلم) أي كبراءهم، وفضلاءهم (فأخبروني أن على ابني جلد مائة) بفتح الجيم أي ضرب مائة جلدة؛ لكونه غير محصن (وتغريب عام) أي إخراجه عن البلد سنة (وإنما الرجم على امرأته) أي لأنها محصنة (فقال رسول الله ويتلقى: أما) بتخفيف الميم بمعنى ألا للتنبيه (والذي نفسي) أي ذاتي أو روحي (بيده) أي بقبضة قدرته، وحيز إرادته (لأقضين بينكما بكتاب الله)، وقيل: الرجم، وإن لم يكن منصوصاً عليه صريحاً لنسخ آية الرجم لفظاً، لكنه مذكور في الكتاب على سبيل الإجمال، وهو قوله تعالى: ﴿اللذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾ [النساء - ١٦] والأذى يطلق على الرجم وغيره من العقوبات، هذا وقد فصل الحكم المجمل في قوله: ((لأقضين)) بقوله: (أما غنمك وجاريتك، فرد عليك) أي مردود إليك (وأما ابنك فعليه جلد مائة) بالإضافة، وفي نسخة بتنوين جلد ونصب مائة على التمييز، ولا بد من تقدير فعليه ذلك على تقدير ثبوته بإقرار، أو شهادة أربعة (وتغريب عام) هذا عند الشافعي، ومن تبعه. ومن لم يره من العلماء، كأئمتنا يحمل الأمر فيه على المصلحة، ويقول: ليس التغريب بطريق الحد بل بطريق المصلحة التي رآها الإمام من السياسة. وقيل: إنه كان في صدر الإسلام، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور - ٢] (وأما أنت يا أنيس) تصغير أنس وهو ابن الضحاك الأسلمي ولم يذكره المؤلف في أسمائه (فاغد) بضم الدال وهو أمر بالذهاب في الغدوة، كما أن راح أمر (١) في المخطوطة الخطابي. ١١٦ كتاب الحدود إِلى امرأةِ هذا، فإِنِ اعترفَتْ فارجُمْها» فاعترفَتْ، فرجمَها. بالذهاب في الرواح، ثم استعمل كل في معنى الآخر أي فاذهب (على امرأة هذا) أي إليها، وفيه تضمين أي حاكماً عليها (فإن اعترفت فارجمها) به أخذ مالك، والشافعي في أنه يكفي في الإقرار مرة واحدة، فإنه ◌َّ علق رجمها باعترافها، ولم يشترط الأربع، كما هو مذهبنا. وأجيب بأن المعنى فإن اعترفت الاعتراف المعهود، وهو أربع مرات فارجمها (فاعترفت فرجمها) قال الطيبي: الحديث يدل على جواز الإفتاء في زمانه، فإن أبا الزاني قال: سألت أهل العلم فأخبروني الخ والرسول و ير لم ينكر عليه، وإن حد البكر جلد مائة، وتغريب عام. وأن حضور الإمام ليس بشرط في إقامتها، فإنه وَ لقر بعث أنيساً لها (١)، وأن الاستنابة فيها جائزة. قلت: فحضوره حضوره فلم يتم الاستدلال به قال النووي: إن بعث أنيس إليها محمول على إعلامها بأن أبا العسيف قذفها بابنه، فيعرفها بأن لها عنده حد القذف هل هي طالبة به أم تعفو عنه أو تعترف بالزنا؟ فإن اعترفت فلا يحد القاذف، وعليها الرجم لأنها كانت محصنة ولا بد من هذا التأويل؛ لأن ظاهره أنه بعث لطلب إقامة حد الزنا وتجسسه. وهذا غير مراد؛ لأن حد الزنا لا يتجسس، ولا ينقر عنه بل لو أقر به الزاني استحب أن يلقن الرجوع، كما سيجيء. وفيه أنه يستحب للقاضي أن يصبر على قول أحد الخصمين اقض بالحق ونحو ذلك، إذا تعدى عليه خصمه. في شرح السنة: إن للحاكم أن يبدأ باستماع كلام أي الخصمين شاء، وفي قوله: فرد عليك دليل على أن المأخوذ بحكم البيع الفاسد، والصلح الفاسد مستحق الرد على صاحبه غير مملوك للآخذ. وفيه أن من أقر بالزنى على نفسه مرة يقام الحد عليه، ولا يشترط فيه التكرار، كما لو أقر بالسرقة مرة واحدة يقطع، ولو أقر بالقتل مرة واحدة يقتص منه، وإليه ذهب الشافعي. وقال أصحاب أبي حنيفة: ينبغي أن يقر أربع مرات في أربع مجالس، فإذا أقر أربع مرات في مجلس واحد، فهو كإقرار واحد. قال المحقق ابن الهمام: اختلف الحكم في اشتراط تعدد الإقرار، فنفاه الحسن وحماد بن أبي سليمان ومالك والشافعي وأبو ثور، واستدلوا بحديث العسيف، ولأن الغامدية لم تقر أربعاً وإنما رد ماعزاً لأنه شك في أمره، فقال: أبك جنون؟ وذهب كثير من العلماء إلى اشتراط الأربع، واختلفوا في اشتراط كونها في أربعة مجالس، وقال به علماؤنا. ونفاه ابن أبي ليلى وأحمد، فيما ذكر عنه، واكتفوا بالأربع في مجلس واحد. وما في الصحيحين ظاهر فيه، وهو عن أبي هريرة قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله ◌َ ﴾ وهو في المسجد، فقال: يا رسول الله إني زنيت فاعرض عنه حتى بين ذلك أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعا رسول الله وَّ﴿ فقال: ((أبك جنون؟)) فقال: لا. قال: ((هل أحصنت))؟ قال: نعم. فقال رسول الله وَل ور: ((اذهبوا به فارجموه))، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه. فهذا ظاهر في أنه كان في مجلس واحد. قلنا: نعم هو ظاهر فيه لكن أظهر منه في إفادة أنها مجالس ما في صحيح مسلم عن بريدة أن ماعزاً أتى النبي وَ لّ فرده، ثم أتاه الثانية من الغد فرده، ثم أرسل إلى قومه هل (١) في المخطوطة ((له)). ١١٧ كتاب الحدود متفق عليه . ٣٥٥٦ - (٢) وعن زيدِ بنِ خالدٍ، قال: سمِعتُ النبيَّ وَّ يأمرُ فيمنْ زَنى ولمْ يُحصِنْ، جلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍ. رواه البخاري. تعلمون بعقله بأساً؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي الفعل من صالحينا، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضاً فسألوه فأخبروه أنه لا بأس به، ولا بعقله. فلما كان الرابعة حفر له حفيرة فرجمه، وأخرج أحمد وإسحاق بن راهويه في مسنديهما وابن أبي شيبة في مصنفه حدثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبي بكر رضي الله (تعالى] عنه قال: أتى ماعز بن مالك النبي وَّر، فاعترف وأنا عنده مرة فرده، ثم جاء فاعترف وأنا عنده الثانية فرده، ثم جاء فاعترف وأنا عنده الثالثة فرده، فقلت له: إن اعترفت الرابعة رجمك. قال: فاعترف الرابعة فحبسه ثم سأل عنه، فقالوا لا نعلم إلا خيرا فأمر به، فرجم. فصرح بتعداد المجيء، وهو يستلزم غيبته، ونحن إنما قلنا إنه إذا تغيب، ثم عاد فهو مجلس آخر. وروى ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي وَ ل# فقال: إن الأبعد زنى فقال له: ويلك وما يدريك الزنا؟ فأمر به فطرد فأخرج، ثم أتاه الثانية فقال له: مثل ذلك فأمر به فطرد فأخرج، ثم أتاه الثالثة فقال له: مثل ذلك فأمر به فطرد فأخرج، ثم أتاه الرابعة فقال: مثل ذلك. فقال أدخلت، وأخرجت؟ قال: نعم. فأمر به أن يرجم. فهذا وغيره مما يطول ذكره ظاهر في تعدد المجالس، فوجب أن يحمل الحديث الأوّل عليها(١). (متفق عليه). ٣٥٥٦ - (وعن زيد بن خالد قال: سمعت النبي (وَلٌ) [وفي نسخة صحيحة رسول الله ﴿ *] (يأمر فيمن زنى ولم يحصن) بكسر الصاد، وفي نسخة بفتحها. في النهاية الإحصان: المنع، والمرأة تكون محصنة بالإسلام والعفاف والحرية والتزويج. يقال: أحصنت المرأة، فهي محصنة ومحصنة، وكذلك الرجل. والمحصن بالفتح بمعنى الفاعل والمفعول، وهو أحد الثلاثة التي جئن نوادر. يقال: أحصن فهو محصن، وأسهب فهو مسهب، وألفح فهو ملفح. في شرح السنة: هو الذي اجتمع فيه أربع شرائط: العقل والبلوغ والحرية والإصابة في النكاح الصحيح (جلد مائة) مفعول يأمر (وتغريب عام رواه البخاري.) قال ابن الهمام: وروى عبد الرزاق عن يحيى بن أبي كثير أن رجلاً أتى النبي و ل﴿ فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً،. فأقمه عليّ فدعا عليه الصلاة والسلام بسوط، فأتى بسوط شديد له ثمرة فقال: سوط دون هذا فأتى بسوط مكسور لين، فقال: سوط فوق هذا، فأتى بسوط دون سوطين. فقال: هذا، فأمر به فجلدوه. ورواه ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم أن النبي ◌َ ◌ّ ر أتى برجل، فذكره. وذكره مالك في الموطأ. والحال أنه يجتنب كل ما يطلق عليه الثمرة من العقدة، والفرع الذي يصير به ذنبين. وروى ابن أبي شيبة حدثنا عيسى بن يونس عن حنظلة السدوسي عن أنس بن مالك (١) فتح القدير ٨/٥ -١٠. الحديث رقم ٣٥٥٦: أخرجه البخاري في صحيحه ١٥٦/١٢ الحديث رقم ٦٨٣١. ١١٨ كتاب الحدود ٣٥٥٧ _ (٣) وعن عُمَرَ [رضي الله عنه]، قال: إِنَّ الله بعثَ محمَّداً بالحقِّ، وأنزلَ قال: كان يؤمر بالسوط فيقطع ثمرته، ثم يدق بين حجرين حتى يلين، ثم يضرب به. قلنا له: في زمن من كان هذا؟ قال: في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. والحاصل أن المراد: أن لا يضرب، وفي طرفه يبس لأنه حينئذ يجرح، أو يبرز فكيف إذا كان فيه عقدة! وذكر الطحاوي أن علياً رضي الله عنه جلد الوليد بسوط له طرفان أربعين جلدة الضربة ضربتين(١). وفي الهداية ويفرق الضرب على أعضائه؛ لأن جمعه في عضو قد يفسده واستثنى الرأس والوجه والفرج. وذكر عن النبي ولو أنه قال للذي أمره بضرب الحد: ((اتق الوجه والمذاكير)) قال ابن الهمام: ولم يحفظه المخرجون مرفوعاً، بل موقوفاً عن علي أنه أتي برجل سكران، أو في حد فقال: (اضرب واعط كل عضو حقه، واتق الوجه والمذاكير)). رواه ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق في مصنفيهما، وسعيد بن منصور. وقال ابن المنذر: وثبت عن عمر بن الخطاب أنه قال وقد أتى برجل: اضرب واعط كل ذي عضو حقه. قال وروينا هذا القول عن علي وابن مسعود والنخعي. ولا شك أن معنى ما ذكره المصنف في الصحيحين عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه والمذاكير)). ولا شك أن هذا ليس مراداً على الإطلاق، لأنا نقطع إن حال قيام الحرب مع الكفار لو توجه لأحد ضرب وجه من يبارزه(٢)، أو هو في مقابلته حالة الحملة لا يكف عنه، إذ يمتنع عليه بعد ذلك ويقتله. فليس المراد إلا من يضرب صبراً في حد قتل، أو غير قتل. وما قيل في المنظومة والكافي: أن الشافعي يخص الظهر الاستدلال الشارحين عليه بقوله عليه الصلاة والسلام: (البينة وإلا فحد في ظهرك) غير ثابت في كتبهم بل الذي فيها، كقولنا: وإنما يذكر رواية عن مالك أنه خص الظهر وما يليه. وأجيب بأن المراد بالظهر نفسه أي حد عليك، بدليل ما ثبت من كبار الصحابة عن عمر وعلي وابن مسعود، ثم خص منه الفرج بدليل الإجماع. وقال أبو يوسف يضرب الرأس ضربة واحدة، رجع إليه بعد أن كان أوّلاً يقول: لا يضرب لما روى ابن أبي شيبة حدثنا وكيع عن المسعودي عن القاسم إن أبا بكر أتى برجل انتفي من أبيه، فقال: اضرب في رأسه فإن فيه شيطاناً. والمسعودي مضعف، ولكن روى الدارمي في مسنده عن سليمان بن يسار إن رجلاً يقال له صبيغ قدم المدينة، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر وأعد له عراجين النخل، فلما جاء قال له: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ، فأخذ عمر (رضي الله عنه] عرجوناً من تلك العراجين، فضربه على رأسه، وقال: أنا عبد الله عمر، وجعل يضربه حتى دمى رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين حسبك، فقد ذهب الذي كنت أجد في رأسي(٣). ٣٥٥٧ - (وعن عمر رضي الله عنه قال: إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل (١) فتح القدير ١٧/٥ . (٢) في المخطوطة لم يبادره والتصويب في فتح القدير. (٣) فتح القدير ٥، ١٨ - ١٩. الحديث رقم ٣٥٥٧: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣٧/١٢ الحديث رقم ٦٨٢٩ ومسلم في ١٣١٧/٣ الحديث رقم (١٥ - ١٦٩١). وأبو داود في السنن ٤/ ٥٧٢ الحديث رقم ٤٤١٨. والترمذي في ٤/ ٣٠ = San ١١٩ كتاب الحدود عليهِ الكتابَ، فكانَ ممَّا أنزلَ اللهُ تعالى آيةَ الرَّجم، رجمَ رسولُ اللهِ وَّه ورجمْنا بعدَه، والرَّجمُ في كتابِ الله حقٍّ على من زَنى إِذا أَحْصنَ منَ الرِّجالِ والنساءِ، إِذا قامتِ البَيِّنَةُ، أوْ كانَ الحَبَلُ، أو الاغترافُ. متفق عليه. عليه الكتاب) أي بالصدق، وهذا مقدمة للكلام، وتوطئة للمرام رفعاً للريبة ودفعاً للتهمة الناشئة، من فقدان تلاوة آية الرجم بنسخها مع بقاء حكمها (فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم) بالرفع على أنها اسم كان. ومن التبعيضية في مما أنزل خبره، وفي نسخة بالنصب، فالتقدير: فكان بعض ما أنزل الله آية الرجم، ((وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)) أي الثيب والثيبة، كذا فسره مالك في الموطأ. والأظهر تفسيرهما بالمحصن والمحصنة (رجم رسول الله وَ*) استئناف بيان لبقاء حكمها (ورجمنا بعده) أي تبعاً له، وفيه دلالة على وقوع الإجماع بعده (والرجم في كتاب الله حق) أي ثابت، أو واجب (على من زنى إذا أحصن من الرجال، والنساء) ظرف للزنا (إذا قامت البينة) أي المعروفة في الزنا (أو كان) أي أو إذا وقع (الحبل) بفتحتين أي الحمل من غير ذات الزوج (أو الاعتراف) أي إذا وقع الإقرار بالزنا، أو بالحبل ظرف للرجم (متفق عليه،) قال الطيبي [رحمه الله]: وإنما جعل قوله: إن الله بعث محمداً بالحق الخ مقدمة للكلام، دفعاً للريبة والاتهام، ويدل عليه قوله في تمام هذا الحديث بعد قوله: ورجمنا بعده. فأخشى إن طال بالناس زمان من أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله في كتابه، فإن الرجم في كتاب الله حق، وفي آخره ((وأيم الله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله لكتبتها أخرجه الأئمة إلا النسائي، وفي رواية ابن ماجه، وقد قرأ بها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة. قال ابن الهمام: الرجم عليه إجماع الصحابة، ومن تقدم من علماء المسلمين. وإنكار الخوارج للرجم باطل؛ لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة، فجهل مركب بالدليل بل هو إجماعي قطعي، وإن أنكروا وقوعه عن رسول الله وَير، فهو متواتر المعنى كشجاعة عليّ وجود حاتم، والآحاد في تفاصيل صوره وخصوصياته، وأما أصل الرجم فلا شك فيه، ولقد كوشف بهم عمر [وكاشف بهم] حيث قال: خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف رواه البخاري. وروى أبو داود أنه خطب، وقال: إن الله تعالى بعث ومحمداً وَ ل﴿ بالحق، وأنزل عليه الكتاب وكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ورجم رسول الله ◌َطر، ورجمنا من بعده. وإني خشيت أن يطول بالناس زمان، فيقول قائل: لا نجد الرجم، الحديث. وقال: لولا أن يقال إن عمر زاد في كتاب الله لكتبتها على حاشية المصحف. وفي الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود («لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب -------- ٠ ٠٠ الإناء ------------ ------ --- ------- ٣ 27٧٨٢٠ --- - الحديث رقم ١٤٣٢. وابن ماجه في ٨٥٣/٢ الحديث رقم ٢٥٥٣. والدارمي في ٢٣٤/٢ الحديث = رقم ٢٣٢٢. ومالك في الموطأ ٨٢٤/٢ الحديث رقم ١٠ في كتاب الحدود وأحمد في المسند ٤٠/١. ٠٣٠١٦ ---- -- ------- ١٢٠ ٠٠٠٥٣ ١٥٦٦٣ كتاب الحدود ٣٥٥٨ _ (٤) وعن عُبادةَ بنِ الصَّامتِ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ قال: ((خُذوا عني خُذُوا الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) وروى الترمذي عن عثمان أنه أشرف عليهم يوم الدار، وقال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله وَ لو قال: ((لا يحل دم امرىء مسلم إلا من إحدى ثلاث كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس)) ورواه البزار والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي وأبو داود والدارمي، وأخرجه البخاري عن فعله عليه الصلاة والسلام من قول أبي قلابة حيث قال: والله ما قتل رسول الله وَ الر أحداً قط إلا في ثلاث خصال رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله، وارتد عن الإسلام. ولا شك في رجم عمر وعلي ولا يخفى أن قول المخرج: حسن أو صحيح في هذا الحديث، يراد به المتن من حيث هو واقع في خصوص ذلك السند، وذلك لا ينافي الشهرة، وقطعية الثبوت بالتظافر والقبول. والحاصل إن إنكاره إنكار دليل قطعي بالاتفاق، فإن الخوارج يوجبون العمل بالمتواتر لفظاً ومعنى، كسائر المسلمين إلا أن انحرافهم عن الاختلاط بالصحابة والتابعين، وترك التردد إلى علماء المسلمين ورواتهم، أوقعهم في جهالات كثيرة لخفاء السمع عنهم والشهرة. ولذا حين عابوا على عمر بن عبد العزيز القول بالرجم؛ لأنه ليس في كتاب الله ألزمهم بإعداد الركعات، ومقادير الزكوات فقالوا: ذلك لأنه فعله رسول الله وَّل﴿ والمسلمون، فقال لهم: وهذا أيضاً فعله هو والمسلمون(١). قال صاحب الهداية: وإن لم يكن محصناً وكان حراً، فحده مائة جلدة لقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور - ٢] وإنما قدم الزانية مع أن العادة عكسه؛ لأنها هي الأصل إذ الداعية منها أكثر، ولولا تمكينها لم يزن. قال ابن الهمام: وهذا عام في المحصن وغيره نسخ في حق المحصن قطعاً، ويكفينا في تعيين الناسخ، القطع برجم النبي وَلقر، فيكون من نسخ الكتاب بالسنة القطعية، وهو أولى من إدعاء كون الناسخ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم؛ لعدم القطع بكونها قرآناً، ثم انتساخ تلاوتها وإن ذكرها عمر وسكت الناس، فإن كون الإجماع السكوتي حجة مختلف فيه، وبتقدير حجيته لا يقطع بأن جميع المجتهدين من الصحابة كانوا إذ ذاك حضروا ثم لا شك أن الطريق في ذلك إلى عمر ظني، ولهذا والله تعالى أعلم قال: على أن الرجم سنة سنها رسول الله وَلقوله فقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله وَلتر، ولم ينسبه للقرآن المنسوخ تلاوة. وعرف من قوله ذلك: إنه قائل بعدم نسخ عموم الآية، فيكون رأيه أن الرجم حكم زائد في حق المحصن ثبت بالسنة، وهو قول قيل به، ويستدل له بقوله عليه الصلاة والسلام: ((الثيب بالثيب جلد مائة والرجم بالحجارة)) وفي رواية أبي داود ((ورمي بالحجارة))(٢). ٣٥٥٨ - (وعن عبادة بن الصامت أن النبي وَّر قال: خذوا عني) أي حكم حد الزنا (خذوا (١) فتح القدير ١٣/٥ - ١٤. (٢) فتح القدير ١٧/٥. الحديث رقم ٣٥٥٨: أخرجه مسلم في صحيحه ١٣١٦/٣ الحديث رقم (١٢ - ١٦٩٠) وأبو داود في السنن ٥٦٩/٤ الحديث رقم ٤٤١٥. والترمذي في ٤/ ٣٢ الحديث رقم ١٤٣٤،. وابن ماجه في ٢/ ٨٥٢ = ٠٢٤٠٠