النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الديات/ باب ما لا يضمن من الجنايات
الفصل الثاني
٣٥٢٦ - (١٧) عن أبي ذرِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِلِّ: ((مَنْ كشفَ سِتراً فأدخلَ بصرَه
في البيتِ قبلَ أنْ يُؤْذَنَ له، فرأى عوْرَةَ أهلِه؛ فقد أتى حدّاً لا يحِلِّ له أنْ يأتيَه، ولوْ أَنَّه
حين أدخلَ بصرَه، فاستقبلَه رجلٌ ففقَأَ عينَه، ما عيَّرتُ عليهِ، وإِنْ مرَّ الرَّجلُ على بابٍ لا
ستْرَ له غيرَ مُغلَقٍ، فنظرَ؛ فلا خَطيئةَ عليهِ، إِنَّما الخطيئةُ على أهلِ البيتِ)). رواه الترمذي،
وقال: هذا حديثٌ غريب.
(الفصل الثاني)
٣٥٢٦ - (عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلاير: من كشف) أي رفع وأزال
(ستراً) بكسر أوّله أي ستارة وحاجزاً (فأدخل بصره في البيت قبل أن يؤذن له) أي في الكشف
والدخول (فرأى عورة أهله) أي خلل أهل البيت، وما يسترونه عن أعين الناس، فإن العورة ما
يحاذر الاطلاع عليه، وسميت عورة لاختلال ستر الناس، وتحفظهم عنها. والعورة الخلل (فقد
أتى حداً) أي فعل شيئاً يوجب الحد أي التعزير (لا يحل له أن يأتيه) استئناف متضمن للعلة، أو
معناه أتى أمراً لا يحل له أن يأتيه وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾
[الطلاق - ١] ويؤيده قوله: (ولو أنه حين أدخل بصره، فاستقبله رجل) أي من أهل البيت
(ففقاً) أي قلع (عينه ما عيرت عليه) أي ما نسبته إلى العيب. قال الطيبي: يحتمل أن يراد به
العقوبة المانعة عن إعادة الجاني، فالمعنى فقد أتى موجب حد على خذف المضاف وإقامة
المضاف إليه مقامه، كما ذهب إليه الأشرف، والمظهر وأن يراد به الحاجز بين الموضعين،
كالحمى فقوله: ((لا يحل)) صفة فارقة تخصص الاحتمال الثاني بالمراد، ويدل عليه إيقاع قوله:
(وإن مر الرجل على باب لا ستر له) مقابلاً لقوله: ((من كشف ستراً)) الخ (غير معلق) بفتح
اللام، وقيل: بكسرها أي غير مردود، وغير منصوب على الحالية، وقيل: مجرور على أنه
صفة باب (فنظر) من غير قصد (فلا خطيئة عليه، وانما الخطيئة على أهل البيت) فيه أن أحد
الأمرين واجب أما الستر وإما الغلق (رواه أبو داود(١)، وقال هذا حديث غريب.)، ورواه أحمد
والترمذي عنه بلفظ أيما رجل كشف ستراً فأدخل بصره من قبل أن يؤذن له فقد أتى حداً لا
الحديث رقم ٣٥٢٦: أخرجه الترمذي في السنن ٦٠/٥ الحديث رقم ٢٧٠٧. وأحمد في المسند ١٨١/٥.
٢٠٠٦
(١) في المخطوطة ((الترمذي)) وهو الصواب كذا في ((المشكاة)) ولم يخرجه أبو داود والعزو إليه خطأ. وقد
سهى الإمام القاري وقال ورواه أحمد والترمذي. إذ إن عبارة وقال حديث غريب هي من قول
الترمذي. (راجع تخريج الحديث).

٨٢
كتاب الديات/ باب ما لا يضمن من الجنايات
٣٥٢٧ - (١٨) وعن جابرٍ، قال: نَهى رسولُ اللهِ وَ لِّ أَنْ يُتعاطى السَّيفُ مسلولاً.
رواه الترمذي، وأبو داود.
٣٥٢٨ - (١٩) وعن الحسن، عن سَمُرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّهِ نهى أنْ يُقَدَّ السَّيرُ بين
اُصبعینِ. رواه أبو داود.
٣٥٢٩ - (٢٠) وعن سعيدِ بنِ زيدٍ، أنَّ رسولَ الله وَ لّ قال: «مَنْ قُتلَ دونَ دِينِه فهوَ
شهيدٌ، ومنْ قُتلَ دونَ دمِه فهوَ شهيدٌ ومنْ قُتلَ دونَ مالِه فهوَ شهيدٌ، ومنْ قتِلَ دونَ أهلِه
يحل له أن يأتيه: ولو أن رجلاً فقأ عينه لهدرت، ولو أن رجلاً مر على باب لا سترة عليه،
فرأى عورة أهله فلا خطيئة عليه إنما الخطيئة على أهل الباب)).
٣٥٢٧ - (وعن جابر قال: نهى رسول الله وَلفر أن يتعاطى) بصيغة المجهول أي يتناول
(السيف مسلولاً) أي خارجاً عن غمده حذراً من أن يقع خطأ، أو يحصل روع (رواه الترمذي،
وأبو داود)، وكذا أحمد والحاكم(١).
٣٥٢٨ - (وعن الحسن) أي البصري (عن سمرة) أي ابن جندب (أن رسول الله وَلقر نهى
أن يقد) بتشديد الدال على صيغة المجهول أي يقطع طولاً، أو مطلقاً (السير) أي دوال النعل
(بين أصبعين) لئلا تعقر الحديدة(٢). قال ابن الملك: النهي في هذين الحديثين نهي تنزيه
وشفقة (رواه أبو داود).
٣٥٢٩ - (وعن سعيد بن زيد) أحد العشرة المبشرة (أن رسول الله وس فير قال: من قتل)
بصيغة المجهول (دون دينه) أي قدام دينه قال الشاعر:
تريك القذى دونها وهي دونه
أو عند حفظ دينه (فهو شهيد)، وهذا إنما يتصور إذا قصد المخالف من الكافر، أو
المبتدع خذلانه في دينه، أو توهينه وهو يذب عنه، ويحجز بينه وبين ما أراد كالحامي يذب عن
حقيقته (ومن قتل دون دمه، فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله) أي
الحديث رقم ٣٥٢٧: أخرجه أبو داود في السنن ٧٠/٣ الحديث رقم ٢٥٨٨. والترمذي في ٤٠٣/٤
الحديث رقم ٢١٦٣. وأحمد في المسند ٣/ ٣٠٠.
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٩٠.
الحديث رقم ٣٥٢٨: أخرجه أبو داود في السنن ٧١/٣ الحديث رقم ٢٥٨٩.
(٢) في المخطوطة ((يعقر الحديد)).
الحديث رقم ٣٥٢٩: أخرجه أبو داود في السنن ١٢٨/٥ الحديث رقم ٤٧٧٢. والترمذي في ٤/ ٢٢
الحديث رقم ١٤٢١. والنسائي في ١١٥/٧ الحديث رقم ٤٠٩٠ وابن ماجه في ٢/ ٨٦١ الحديث
رقم ٢٥٨٠. وأحمد في المسند ١٩٠/١.

٨٣
كتاب الديات/ باب القسامة
فهوَ شهيدٌ)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي.
٣٥٣٠ _ (٢١) وعن ابنِ عُمَرَ [رضي الله عنهما]، عن النبيِّ وَِّ قال: ((لجهنّمَ سبعةُ
أبوابٍ: بابٌ منها لمنْ سلَّ السيفَ على أُمَّتي - أو قال: على أُمَّةِ محمَّدٍ )). رواه الترمذي،
وقال: هذا حديث غريب.
وحديثُ أبي هريرةَ: ((الرَّجلُ جُبَارٌ)) ذُكر في ((باب الغصب)).
[وهذا الباب خالٍ عن الفصل الثالث].
(٣) باب القسامة
عند محافظة محارمه (فهو شهيد) قال ابن الملك: وعامة العلماء على أن الرجل إذا قصد ماله،
أو دمه أو أهله فله دفع القاصد بالأحسن. فإن لم يمتنع إلا بالمقاتلة فقتله، فلا شيء عليه (رواه
الترمذي، وأبو داود والنسائي)، وفي الجامع الصغير رواه أحمد، والثلاثة وابن حبان في
صحيحه عنه، ولفظه ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل
دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد)) ورواه النسائي، والضياء عن سويد بن مقرن
بلفظ جامع، وهو ((من قتل دون مظلمته فهو شهيد))(١).
٣٥٣٠ - (وعن ابن عمر عن النبي ◌َّر قال: لجهنم سبعة أبواب باب منها لمن سل
السيف) أي بالباطل (على أمتي، أو قال على أمة محمد رواه الترمذي، وقال هذا حديث
غريب.) ورواه أحمد من غير شك باللفظ الأوّل (وحديث أبي هريرة الرجل) أي رجل الدابة
(جبار) أي هدر (ذكر في باب الغصب)، فإسقاطه عن تكرير مع أن عكسه هو الأنسب بالباب،
والله تعالى أعلم بالصواب. (وهذا الباب خال عن الفصل الثالث].
باب القسامة
بفتح أوله، وهي إيمان تقسم على أهل المحلة التي وجد القتيل فيها. وعند الشافعي
تقسم على أولياء المقتول المدعين لدمه عند جهالة القاتل، كذا ذكره بعض الشراح من علمائنا.
وفي المغرب القسم: اليمين يقال أقسم بالله أقساماً، والقسامة اسم منه وضع موضع الأقسام،
ثم قيل: للذين يقسمون قسامة، وقيل: هي الإيمان تقسم [بين] أولياء الدم. قال الشمني:
القسامة في اللغة مصدر لأقسم، أو اسم لمصدره، وقيل: أهل اللغة يذهبون إلى أنها القوم
الذين يحلفون سموا باسم المصدر، كما يقال: رجل عدل وسببها وجود القتل في المحلة، أو
(١) الجامع الصغير ٢/ ٥٣٧ الحديث رقم ٨٩١٧ و٨٩١٨.
الحديث رقم ٣٥٣٠: أخرجه الترمذي في ٢٧٧/٥ الحديث رقم ٣١٢٣. وأحمد في المسند ٩٤/٢.
مر

٨٤
كتاب الديات/ باب القسامة
الفصل الأول
٣٥٣١ - (١) عن رافع بنِ خَديج، وسهلٍ بنِ أبي حَثْمة أنَّهما حدَّثا أنَّ عبدَ اللهِ بنَ سهل
ما يقوم مقامها. وركنها قولهم: بالله ما قتلناه، ولا علمنا له قاتلاً. وشرطها أن يكون المقسم
رجلاً حراً عاقلاً. وقال مالك: يدخل النساء في قسامة الخطأ دون العمد، وحكمها القضاء
بوجوب الدية بعد الحلف، سواء كانت الدعوى في القتل العمد، أو الخطأ. في شرح السنة
صورة قتيل القسامة أن يوجد قتيل، وادعى وليه على رجل، أو على جماعة قتله، وكان عليهم
لوث ظاهر، وهو ما يغلب على الظن صدق المدعي، كان وجد في محلتهم وكان بين القتيل
وبينهم عداوة. وفي شرح مسلم للنووي قال القاضي عياض: حديث [القسامة] أصل من أصول
الشرع، وقاعدة من أحكام الدين، وركن من أركان مصالح العباد وبه أخذ العلماء كافة من
الصحابة، والتابعين ومن بعدهم، وإن اختلفوا في كيفية الأخذ به. وروي عن جماعة إبطال
القسامة. واختلف القائلون بها فيما إذا كان القتل عمداً هل يجب القصاص بها؟ أم لا؟ فقال
جماعة من العلماء: يجب، وهو قول مالك، وأحمد وإسحاق، وقول الشافعي في القديم.
وقال الكوفيون والشافعي في أصح قوليه: لا يجب بل تجب الدية، واختلفوا فيمن يحلف في
القسامة، فقال مالك والشافعي، والجمهور: يحلف الورثة، ويجب الحق بحلفهم. وقال
أصحاب أبي حنيفة: يستحلف خمسون من أهل المدينة، ويتحراهم الولي يحلفون بالله ما
قتلناه، وما علمناه قاتله فإذا خلفوا، قضى عليهم وعلى أهل المحلة، وعلى عاقلتهم بالدية.
(الفصل الأوّل)
٣٥٣١ - (عن رافع بن خديج) بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة، والجيم قال
المؤلف: يكنى أبا عبد الله الحارثي الأنصاري أصابه سهم يوم أحد، فقال رسول الله وَالآتى: أنا
شهيد لك يوم القيامة، وانفضت جراحته زمن عبد الملك بن مروان، فمات سنة ثلاث وسبعين
بالمدينة، وله ست وثمانون سنة روى عنه، خلق كثير (وسهل بن أبي حثمة) بفتح مهملة،
وسكون مثلثة. قال المؤلف: في فضل الصحابة: يكنى أبا محمد، ويقال أبا عمارة الأنصاري
الأوسي، ولد سنة ثلاث من الهجرة، روى عنه جماعة (أنهما حدثا أن عبد الله بن سهل) قال
) المؤلف: وهو الأنصاري الحارثي أخو عبد الرحمن، وابن أخي محميصة، وهو المقتول بخيير
الحديث رقم ٣٥٣١: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٣٥/١٠ الحديث رقم ٦١٤٢ - ٦١٤٣ ومسلم في ٣/
١٢٩٢ الحديث رقم (٢ - ١٦٦٩). والترمذي في السنن ٤/ ٢٢ الحديث رقم ١٤٢٢. والنسائي في
٨/ ٧ الحديث رقم ٤٧١٢. وأخرجه مالك في الموطأ ٨٧٧/٢ الحديث رقم ١ من كتاب القسامة
وأحمد في ١٤٢/٤.

٨٥
كتاب الديات/ باب القسامة
ومُحيِّصَةَ بنَ مسعودٍ أتَيا خيبرَ، فتفرَّقا في النخلِ، فقُتِلَ عبدُ اللَّهِ بنُ سهلٍ، فجاءَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ
سهلِ وحُوَيصةُ ومُحيِّصةُ ابنا مسعودٍ إلى النبيَّ ◌َ ﴿، فتكلمُوا في أمرِ صاحبِهم، فبدأ عبدُ الرحمن،
وكانَ أصغرَ القومِ، فقال له النبيُّ ◌َِّ: ((كَبِّرِ الْكُبْرَ - قال يحيى بن سعيدٍ: يعني ليليَ الكلامَ الأكبرُ -
فتكلَّموا فقالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((استَحِقُوا قتيلَكُم - أو قال صاحبكم - بأيمانِ خمسينَ منكم))
وذكره في القسامة (ومحيصة بن مسعود) بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر الياء
المشددة، وفتح الصاد المهملة ذكره المصنف، وقال: إنه أنصاري حارثي يعد في أهل المدينة
شهد أحداً والخندق، وما بعدهما من المشاهد. روى عنه ابنه سعد. وقال في القاموس:
حويصة، ومحيصة ابنا مسعود مشددتى الصاد صحابيان. وقال الحافظ السيوطي في حاشية
الموطأ: إن تشديد الياء أشهر اللغتين، وفي التقريب يجوز فيهما تشديد الياء مكسورة، ويجوز
تخفيفها ساكنة، والأشهر التشديد. قلت: وعليه النسخ المصححة، والأصول المعتمدة (أتيا
خيبر، فتفرقا في النخل) اسم جنس بمعنى النخيل (فقُتِلَ عبد الله بن سهل) بصيغة المجهول
(فجاء عبد الرحمن بن سهل) أي أخو القتيل (وحويصة ومحيصة ابنا مسعود)، وهما من أولاد
أعمام المقتول (إلى النبي ◌َّر فتكلموا) أي أرادوا التكلم (في أمر صاحبهم) [أي] قتيلهم (فبدأ)
أي بالكلام (عبد الرحمن وكان أصغر القوم) أي من الثلاثة (فقال له النبي ◌َّقر: كبر الكبر) بضم
فسكون. قال ابن الملك: أي عظم من هو أكبر منك يعني قدمه بالكلام، وقال بعضهم: أي
عظمهم بتفويض الكلام إليهم، وفي رواية ((الكبر الكبر)) أي كبر الكبر. قال الطيبي: وفي أكثر
الروايات: ((الكبر الكبر)) في النهاية يقال: فلان كبر قومه إذا كان أقعدهم في النسب، وهو أن
ينسب إلى جده الأكبر [إرشاداً إلى الأدب] في تقديم الأسن(١). ويروى كبر الكبر أي قدم
الأكبر (قال يحيى بن سعيد:) أي الراوي (يعني) أي يريد النبي وَّل بقوله: ((كبر الكبر» (ليلي
الكلام) بالنصب (الأكبر) بالرفع من ولي الأمر، وتولاه إذا فعل كذا في المغرب هذا، وفي
النسخ ليلي بكسر اللامين، وفتح الياءين، والظاهر سكون الياء الأخيرة، ومع [هذا] يحمل على
لغة من لم يحذف حرف العلة في المجزوم. وهذا إذا كانت الجملة معنى كبر الكبر، واللام
للأمر ويحتمل أن تكون اللام للعلة، والتقدير: إنما قال ◌َّار: كبر الكبر ليلي الكلام الأكبر،
فحينئذ لا إشكال والله أعلم بالحال. قال ابن الملك: فيه إن الأكبر أحق بالإكرام، وبالبداءة
بالكلام، وجواز الوكالة في المطالبة بالحدود، وجواز وكالة الحاضر لأن ولي الدم هو عبد
الرحمن بن سهل أخو القتيل، وحويصة ومحيصة ابنا عمه (فتكلموا)، أي فتكلم كبيرهم في
قتيلهم (فقال النبي وَلثر: استحقوا) بصيغة الأمر تغليباً للوارث على غيره (قتيلكم) أي ديته، أو
قصاصه. والأوّل مذهب أئمتنا ومن تبعهم، والشافعي في الجديد. والثاني قول مالك، وأحمد
والشافعي في القديم [والله تعالى أعلم] (أو قال: صاحبكم) شك الراوي (بإيمان خمسين)
بالإضافة، وفي نسخة بالتنوين (منكم) فيه أن ابتداء اليمين في القسامة بالمدعي، وبه قال مالك
-ـ
(١) في المخطوطة (السن).
? .٠٤

٨٦
/٦جمبو
كتاب الديات/ باب القسامة
قالوا: يا رسولَ اللهِ! أمرٌ لم نرَهُ. قال: فتُبرّئُكُم يهودُ في أيمانِ خمسينَ منهم))؟.
دجيين
والشافعي، وهذا حكم خاص بها لا يقاس عليها سائر الأحكام، وللشارع أن يخص. وعندنا
يبدأ بالمدعى عليه على قضية سائر الدواعي، كذا ذكره بعض علمائنا، وفيه أن هذا إنما كان
بطريق الإفتاء في المسألة، لا بطريق الحكم لعدم حضور الخصم حينئذ، ولذا قال النووي:
المقتول عبد الله، وله أخ اسمه عبد الرحمن، ولهما ابنا عم وهما محيصة وحويصة، وهما أكبر
سناً من عبد الرحمن فلما أراد عبد الرحمن أخو القتيل أن يتكلم قيل له: كبر الكبر أي ليتكلم
من هو، أكبر منك، وحقيقة الدعوى إنما هي لعبد الرحمن لا حق فيها لابن عمه. وإنما أمر
النبي ◌َّر أن يتكلم الأكبر، وهو حويصة؛ لأنه لم يكن المراد بكلامه حقيقة الدعوى بل سماع
صورة القضية، فإذا أريد حقيقة الدعوى تكلم صاحبه، ويحتمل أن عبد الرحمن وكل حويصة
في الدعوى. فإن قيل: كيف عرضت اليمين على الثلاثة؟ والوارث هو عبد الرحمن خاصة،.
واليمين عليه. والجواب أطلق الجواب لأنه غير ملتبس أن المراد به الوارث، كما سمع كلام
الجمع في صورة القتل، وكيفية ما جرى له وإن كانت حقيقة الدعوى وقت الحاجة مختصة
بالوارث، وفيه فضيلة السن عند التساوي في الفضائل كالإمامة وولاية النكاح وغير ذلك (قالوا:
يا رسول الله أمر) أي صدور القتل أمر (لم نره) أي لم نبصره، أو لم نعلمه (قال: فتبریكم)
بتشديد الراء، وتخفيفها (يهود) أي فيحلف اليهود لتبريكم من أن تحلفوا (في إيمان خمسين
منهم) بالإضافة، وتركها. قال ابن الملك: قيل: هذا يدل على ثبوت تلك اليمين إذا نكل من
توجهت عليه، ولا يقضى عليه بالمنكول، بل ترد على الآخر، وعلى أن الحكم بين أهل
الذمة، كيهود بين المسلمين في تحليفهم عند توجه اليمين عليهم وبراءتهم. وقال مالك: لا
تقبل إيمانهم على المسلمين، کشهادتهم. قال القاضي: یرید باستحقاق الیمین استحقاق دیته،
ويدل عليه ما روى مالك بإسناده عن سهل بن حثمة أنه وَ ◌ّر قال: ((إما أن تدوا صاحبكم، وإما
أن تؤذنوا بحرب من الله ورسوله(١)، فيحلف المدعي، ويستحق دية قتيله دون القصاص
لضعف الحجة، فإن اليمين ابتداء دخيل في الإثبات. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يبدأ بيمين
المدعي بل يختار الإمام خمسين رجلاً من صلحاء أهل المحلة التي وجد فيها القتيل، وحصل
اللوث في حقهم. ويحلفهم على أنهم ما قتلوه، ولا عرفوا له قتيلاً، ثم يأخذ الدية من أرباب
الخطة. فإن لم يعرف فمن سكانها، وهو يخالف الحديث من وجهين: الأول الروايات
الصحيحة كلها متطابقة على أنه ® بدأ بالمدعين، وجعل يمين الرد على يهود. والثاني أنه
قال: فتبريكم يهود في إيمان خمسين، فإيجاب الدية معها يخالف النص، والقياس أيضاً إذ
ليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، بل إنما شرعت للبراءة والاستحقاق. وفيه إن من
توجه عليه الحلف أوّلاً، فلم يحلف رد الحلف على الآخر. وإن من توجه عليه اليمين
[حلف]، وإن كان كافراً. وقال مالك: لا تقبل إيمان الكفرة على المسلمين، كما لا تقبل
(١) من حديث أخرجه مالك في الموطأ راجع التخريج.
! -٠٤ ..
٠٫٠٠

٨٧
كتاب الديات/ باب القسامة
قالوا: يا رسول اللَّهِ! قومٌ كفَّارٌ. ففداهم رسولُ اللَّهِ وَ لَهَ من قِبَله. وفي روايةٍ: «تحْلِفُونَ
خمسينَ يميناً، وتستحِقُون قاتِلَكُم - أو صاحبكم )) فوَداه رسول اللَّهِ وَ لَرَ من عنده بمائةٍ
ناقةٍ. متفق عليه.
وهذا الباب خالٍ عن الفصل الثاني.
الفصل الثالث
٣٥٣٢ _ (٢) عن رافع بن خديج، قال: أصبحَ رجلٌ من الأنصارِ مقتولاً بخيبرَ،
فانطلقَ أولياؤُهُ إلى النبيِّ نَِّ فذكرُوا ذلكٌّ لهُ
شهادتهم (قالوا: يا رسول الله قوم كفار) أي هم قوم كفرة لا تقبل إيمانهم، أو كيف نعتبر
إيمانهم (ففداهم رسول الله وَّلي) أي أعطاهم الفداء (من قبله) بكسر ففتح أي من عنده لدفع
الفتنة، ذكره ابن الملك. قال القاضي: وإنما ودى رسول الله وَ ل ﴿ من قبله أي من عند نفسه،
لأنه كره إبطال الدم، وإهداره ولم ير غير اليمين على اليهود، ولم يكن القوم راضين بإيمانهم
واثقين عليها (وفي رواية تحلفون خمسين يميناً، وتستحقون قاتلكم، أو صاحبكم) قال النووي:
أي ويثبت حقكم على من حلفتم عليه (فوداه رسول الله وَه) أي أعطى ديته (من عنده بمائة ناقة
متفق عليه.) قال الشمني: أخرج أصحاب الكتب الستة عن سهل بن أبي حيثمة قال: خرج عبد
الله بن سهل بن أبي زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما
هنالك، ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلاً فدفنه، ثم أقبل إلى رسول الله وَل هو
وحويصة بن مسعود، وعبد الرحمن بن سهل وكان أصغر القوم. فذهب عبد الرحمن ليتكلم
قبل صاحبه، فقال له رسول الله وَر: ((الكبر الكبر)) يريد السن وفي لفظ ((كبر كبر)) فصمت
وتكلم صاحباه وتكلم معهما فذكروا لرسول الله مقتل عبد الله بن سهل، فقال لهم: ((أتحلفون
خمسين يميناً، وتستحقون دم صاحبكم))؟ قالوا: كيف نحلف ولم نشهد. وفي لفظ ((يقسم
خمسون منكم على رجل متهم فيدفع برمته)) قالوا: لم نشهده كيف نحلف؟ قال: ((تحلف لكم
يهود)). قالوا: ليسوا مسلمين، وفي لفظ ((كيف تقبل أيمان قوم كفار؟ فوداه رسول الله وَله بمائة
من إبل الصدقة. قال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء (وهذا الباب خال عن الفصل الثاني)
أي لخلو المصابيح هنا عن ذكر الحسان.
(الفصل الثالث)
٣٥٣٢ - (عن رافع بن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار)، وهو عبد الله بن سهل
(مقتولاً بخيبر فانطلق أولياؤه) أي ولده، وابنا عمه (إلى النبي ◌َّ ﴿ فذكروا ذلك له) أي للنبي وَّل
الحديث رقم ٣٥٣٢: أخرجه أبو داود في السنن ٦٦١/٤ الحديث رقم ٤٥٢٤.

٨٨
کتاب الديات/ باب القسامة
فقال: ((ألْكُمْ شاهدانِ يَشْهَدانِ على قاتِلِ صاحبكم))؟ قالوا: يا رسولَ اللهِ! لم يكُنْ ثَمَّ أحدٌ
من المسلمينَ، وإِنما هم يهودُ، وقد يجْتَرؤُونَ على أعظمَ منْ هذا، قال: ((فاختارُوا منهم
خمسينَ فاستحلِفُوهم)) فأَبُوا
(فقال: ألكم شاهدان) أي عدلان (يشهدان على قاتل صاحبكم؟ قالوا: يا رسول الله لم يكن ثمة)
بفتح المثلثة أي هناك، وهو موضع القتل (أحد من المسلمين، وإنما هم يهود) قال الطيبي:
تعريف المبتدأ والخبر. وإتيان إنما المفيد للحصر مع من يعرفهم حق المعرفة، إيذان بأن المراد
به الوصف الذي اشتهر وتعورف منهم من المكر، والخديعة والنفاق على نحو قول الشاعر:
أنا أبو النجم وشعري شعري
يعني ليس لنا شاهدان. وهم أدهى، وأنكر من أن يباشروا قتل المسلمين بما يؤاخذون به
(وقد يجترؤون على أعظم من هذا) أي من النفاق(١)، ومخادعة الله ورسوله، وقتل الأنبياء بغير
حق، وتحريف الكلم عن مواضعه (قال:) أي النبي ◌َّر (فاختاروا منهم خمسين، فاستحلفوهم)
بكسر اللام، وهو وما قبله أمران (فأبوا) أي أولياء المقتول عن استخلاف اليهود (فوداه رسول
الله ◌َ﴿ من عنده رواه أبو داود.) أقول: ظاهر هذا الحديث صريح في مأخذ مذهبنا. قال
علماؤنا: القسامة في ميت به جرح، أو أثر ضرب، أو خنق، أو خروج دم من إذنه، أو عينه
قيد الميت بذلك لأن الخالي منه لا قسامة فيه عندنا ولا دية. وهو قول أحمد، وفي رواية حماد
والثوري. وقال مالك، والشافعي، وأحمد: ليس الأثر بشرط بل الشرط اللوث، وهو ما يوقع
في القلب صدق المدعي من أثر دم على ثيابه، أو عداوة ظاهرة، أو شهادة عدل أو جماعة غير
عدول إن أهل المحلة قتلوه، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر؟
أم لا ولأن القتل يحصل بما لا أثر له، كعصر الخصيتين، وضرب الفؤاد، فأشبه من به أثر.
ولنا إن القسامة في الدية لتعظيم الدم، وصيانته عن الهدر، وذلك في القتل دون الموت حتف
الأنف. والقتل يعرف بالأثر، ولا يلزم من عدم ذكره في الحديث عدم ذكره مطلقاً، ثم شرط
أنه وجد في محلة لا يعلم قاتله، فحينئذ حلف خمسون رجلاً حراً مكافئاً منهم يختارهم الولي
بالله ما قتلنا، ولا علمنا له قاتلاً، وهذا حكاية قول الجمع لأن الواحد منهم إذا حلف يقول ما
قتلت، ولا علمت قاتله، ولا يحلف الولي، ثم قضى على أهلها الدية. وهذا قول عمر رضي
الله عنه، والشعبي والنخعي، والثوري. وقال مالك والشافعي وأحمد: يبدأ بالمدعين في
الإيمان، فإن حلفوا استحقوا، وإن نكلوا حلف المدعي عليهم خمسين يميناً، فإن حلفوا
ابرئوا، وهو مذهب يحيى بن سعيد، وربيعة وأبي الزناد، والليث بن سعد لقوله عليه الصلاة
والسلام، لأولياء عبد الله بن سهل ابتداء: ((وتحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم))(٢)
وقوله فيما رواه البيهقي: ((أفتبريكم يهود بخمسين رجلاً)). ولنا ما في الكتب الستة من حديث
(١) في المخطوطة ((دين النفاق)).
(٢) راجع الحديث رقم (٣٥٣١).

٨٩
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
فوَداه رسولُ الله ◌َلِّ من عندِه. رواه أبو داود.
(٤) باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد
الفصل الأول
٣٥٣٣ - (١) عن عكرمةً
ابن عباس أن النبي ◌َّر قال: ((اليمين على المدعى عليه)»(١). وما روى ابن أبي شيبة في مصنفه
عن وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث بن الأزمع قال: وجد قتيل باليمن بين وادعة
وأرحب. فكتب عامل عمر بن الخطاب [إليه، فكتب إليه] عمران قس ما بين الحيين، فإلى أيهما
كان أقرب، فخذهم به. قال: فقاسوه فوجوده أقرب إلى وادعة. فآخذنا، وأغرمنا وأحلفنا فقلنا:
يا أمير المؤمنين أتحلفنا، وتغرمنا؟ قال: نعم. فاحلف خمسين رجلاً بالله ما قتلت، ولا علمت
قاتلاً له. وبه أخذ علماؤنا إن في قتيل وجد على دابة بين قريتين تجب القسامة، والدية على
أقربهما، ولما روى أبو داود الطيالسي، وإسحاق بن راهويه والبزار في مسانيدهم، والبيهقي في
سننه عن أبي سعيد الخدري إن قتيلاً وجد بين حيين، فأمر النبي وَلّر أن يقاس إلى أيهما أقرب،
فوجد أقرب إلى أحد الحيين بشبر قال الخدري: كأني أنظر إلى شبر رسول الله وَيهر، فألقى ديته
عليهم، ثم القسامة والدية على أهل الخطة. ولو بقي منهم واحد وهم الذين خط لهم الإمام،
وقسم الأراضي بخطه حين فتحها دون السكان أي وليست القسامة على السكان، والمشترين وهذا
عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف الكل مشتركون، وهو قول مالك والشافعي، وأحمد
وابن أبي ليلى وأهل السجن بمنزلة السكان، فيتفرع عليه خلافهم والله تعالى أعلم.
باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
والسعاة بضم أوله جمع الساعي.
(الفصل الأوّل)
٣٥٣٣ - (عن عكرمة) بكسر فسكون، فكسره مولى ابن عباس أصله من البربر، وهو أحد
(١) أخرجه البخاري في الصحيح ١٤٥/٥ الحديث رقم ٢٥١٤، ومسلم في ١٣٣٦/٣ الحديث رقم (٢ -
١٧١١). وأبو داوود في السنن ٤٠/٤ الحديث رقم ٣٦١٩ والترمذي في السنن ٦٢٦/٣ الحديث
رقم ١٣٤٢. وابن ماجه في ٧٧٨/٢ الحديث رقم ٢٣٢١.
الحديث رقم ٣٥٣٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٦٧/١٢ الحديث رقم ٦٩٢٢. وأبو داود في السنن
٥٢٠/٤ الحديث رقم ٤٣٥١. والترمذي في ٤٨/٤ الحديث رقم ١٤٥٨. والنسائي في ٧/ ١٠٤
الحدیث رقم ٤٠٥٩. وابن ماجه في ٨٤٨/٢ الحدیث رقم ٢٥٣٥.

٩٠
٠٫٠
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
قال: أُتيَ عليٍّ بزنادقةٍ، فأحرقَهُم فبلغَ ذلكَ ابنَ عبَّاسٍ، فقال: لو كنتُ أنا لم أُخْرِقْهُمْ لنهي
رسولِ اللهِ وَلَرَ: ((لا تُعَذِّبوا بعذابِ الله)) ولقَتَلْتُهم لقولِ رسولِ الله ◌ِوَّرَ: ((مَنْ بَدَّلَ دينَهُ
فاقْتُلُوهُ» رواه البخاري.
فقهاء مكة وتابعيها، سمع ابن عباس وغيره من الصحابة، وروى عنه خلق كثير (قال: أتي) أي
جيء (علي) كرم الله وجهه (بزنادقة) أي بقوم مرتدين، أو بجمع ملحدين. في القاموس الزنديق
بالكسر من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة بالربوبية، أو من يبطن
الكفر ويظهر الإيمان، أو هو معرب زن دين أي دين المرأة اهـ. وسئل عن الزنديق من هو؟
فأجاب الزنديق هو من يقول ببقاء الدهر أي لا يؤمن بالآخرة، ولا بالخالق ويعتقد أن الأموال
والحرم مشتركة. وقال في مكان آخر: هو أن لا يعتقد الها، ولا حرمة شيء من الأشياء. وفي
قبول توبته روايتان، والذي يرجح عدم قبول توبته، كذا في الفتاوى القارىء الهداية. وقال
الليث: زنديق معروف، وزندقته أنه لا يؤمن بالآخرة، ووحدانية الخالق. وعن ثعلب ليس
زنديق، ولا فرزين من كلام العرب، ومعناه على ما يقول العامة: ملحد دهري (فأحرقهم) أي
أمر علي بإحراقهم، فأحرقوهم (فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا) [أنا تأكيد للضمير
المتصل والخبر محذوف أي لو كنت أنا بدله] (لم أحرقهم لنهى رسول الله وَلّ لا تعذبوا بعذاب
الله) قال القاضي: الزنديق قوم من المجوس، [وآيقال لهم: الثنوية يقولون بمبدأين: أحدهما
النور وهو مبدأ الخيرات. والثاني الظلمة، وهو مبدأ الشرور. ويقال: إنه معرب مأخوذ من
الزند، وهو كتاب بالفهلوية كان لزرادشت المجوسي، ثم استعمل لكل ملحد في الدين،
وجمعه الزنادقة والهاء فيه بدل من الياء المحذوفة، فإن أصله زناديق، والمراد به قوم ارتدوا عن
الإسلام لما أورد أبو داود في كتابه إن علياً رضي الله عنه أحرق ناساً ارتدوا عن الإسلام، وقيل
قوم من السابئة أصحاب عبد الله بن سبا أظهر الإسلام ابتغاء الفتنة، وتضليلاً للأمة فسعى أوّلاً
في إثارة الفتنة على عثمان حتى جرى عليه ما جرى، ثم انضوى إلى الشيعة فأخذ في تضليل.
جهالهم، حتى اعتقدوا أن علياً (رضي الله عنه] هو المعبود، فعلم بذلك علي فأخذهم،
واستتابهم فلم يتوبوا فحفر لهم حفراً، وأشعل النار ثم أقر بأن يرمي بهم فيها والإحراق بالنار
وإن نهى عنه، كما ذكره ابن عباس لكن جوّز [للتشديد] بالكفار، والمبالغة في النكاية والنكال
كالمثلة (ولقتلتهم لقول رسول الله في: من بدل دينه فاقتلوه) قال الطيبي: ولقتلتهم عطف على
جواب، ولم يؤت باللام في الثاني، وعزل عن الأوّل لما أن الجواب منفي بلم، وهي مانعة
لدخولها، أو لأن هذه اللام تفيد معنى التوكيد لا محالة، فادخل في الثاني لأن القتل أهم،
وأحرى من غيره لورود النص أنّ النار لا يعذب بها إلا الله؛ لأنه أشد العذاب. ولذلك أوعد
بها الكفار، والاجتهاد يضمحل عنده ولعل علياً (رضي الله عنه] لم يقف عليه، واجتهد حينئذ.
قال التوربشتي: كان ذلك منه عن رأي واجتهاد لا عن توقيف، ولهذا لما بلغه قول ابن عباس:
لو كنت أنا لم أحرقهم الحديث (قال: ويح أم ابن عباس)، وأكثر أهل العلم على أن هذا القول
ورد مورد المدح، والإعجاب بقوله. وينصره ما جاء في رواية أخرى عن شرح السنة فبلغ ذلك
علياً، فقال: صدق ابن عباس (رواه البخاري.) وكذا أحمد، والأربعة في الهداية. وإذا ارتد

٩١
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
المسلم عن الإسلام والعياذ بالله عرض عليه الإسلام، فإن كانت له شبهة أبداها كشفت عنه لأنه
عساه اعترته أي عرضت له شبهة فتزاح عنه ودفع شره بأحسن الأمرين: وهما القتل،
والإسلام، وأحسنهما الإسلام. قال ابن الهمام: ولما كان ظاهر كلام القدوري وجوب العرض
قال: إلا أن العرض على ما قالوا أي المشايخ غير واجب، بل مستحب لأن الدعوة قد بلغته،
وعرض الإسلام هو الدعوة إليه، ودعوة من بلغته الدعوة غير واجبة بل مستحبة. قال صاحب
الهداية: ويحبس ثلاثة أيام فإن أسلم فيها، وإلا فيقتل. قال ابن الهمام: وهذا اللفظ أيضاً من
القدوري يوجب وجوب الانتظار ثلاثة أيام. وفي الجامع الصغير المرتد يعرض عليه الإسلام،
فإن أبى قتل أي مكانه فإنه يفيد أنّ أنظاره الأيام الثلاثة ليس واجباً، ولا استحباباً. وإنما تعينت
الثلاثة لأنها مدة ضربت لإبراء العذر بدليل حديث حيان بن منقذ ((في الخيار ثلاثة أيام)) ضربت
للتأمل بدفع الفتن، وقصة موسى مع العبد الصالح ﴿إن سألتك عن شيء بعدها﴾ [الكهف -
٧٦] وهي الثالثة إلى قوله: ﴿قد بلغت من لدني عذراً﴾ [الكهف - ٧٦]، وعن عمران رجلاً أتاه
من قبل [أبي] موسى فقال له: هل من مغربة خبر؟ فقال: نعم رجل ارتد عن الإسلام، فقتلناه.
فقال: هلا حبستموه في بيت ثلاثة أيام، وأطعمتموه في كل يوم رغيفاً لعله يتوب، ثم قال:
اللهم إني لم أحضر، ولم آمر ولم أرض. أخرجه مالك في الموطأ. لكن ظاهر تبري عمر
يقتضي الوجوب، وتأويله أنه لعله طلب التأجيل. وعن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يستحب أن
يؤجله ثلاثة أيام طلب ذلك، أو لم يطلب. وعن الشافعي أن على الإمام أن يؤجل ثلاثة أيام،
ولا يحل قتله قبلها. والصحيح من قول الشافعي أنه إن تاب وإلا قتل الحدیث معاذ وقوله پته :
((من بدل دينه فاقتلوه)) من غير تقييد بإنظار، وهو اختيار ابن المنذر، وهذا إن أريد به عدم
وجوب الإنظار، فهو مذهبنا، والاستدلال مشترك ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: ﴿فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة - ٥] وهذا كافر حربي وإن كان أريد به نفي استحباب
الإمهال. فنقول هذه الأوامر مطلقة، وهي لا تقتضي الفور، فيجوز التأخير على ما عرف ولا
فرق في وجوب قتل المرتد بين كون المرتد حراً، أو عبداً، وإن كان يتضمن قتله إبطال حق
المولي بالإجماع. وإطلاق الدلائل التي ذكرناها، وكيفية توبته أن يتبرأ عن الأديان كلها سوى
دين الإسلام؛ لأنه لا دين له. ولو تبرأ عما انتقل إليه كفاه لحصول المقصود. والإقرار بالبعث
والنشور مستحب، وبه قال الأئمة الثلاثة. وفي شرح الطحاوي سئل أبو يوسف عن الرجل
كيف يسلم؟ فقال: يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويقر بما جاء [به]
من عند الله، ويتبرأ عن الدين الذي انتحله، ثم لو ارتد بعد إسلامه ثانياً قبلنا توبته أيضاً وكذا
ثالثاً ورابعاً إلا أن الكرخي قال: فإن عاد بعد الثالثة يقتل إن لم يتب في الحال، ولا يؤجل قال
ابن الهمام: قول أصحابنا جميعاً إن المرتد يستتاب أبداً. وأما ما ذكره الكرخي فروى في
النوادر، وذلك لإطلاق قوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ [التوبة -
٥] وعن ابن عمر وعلي لا تقبل توبة من كرّر ردّته، كالزنديق وهو قول مالك، وأحمد والليث
لقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا﴾ [البقرة - ١٣٧] الآية، قلنا رتب عدم المغفرة على

٩٢
5%:
# راج-
yove
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد
٣٥٣٤ - (٢) وعن عبدِ اللَّهِ بن عبَّاسٍ، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ النَّارَ لا يُعَذَّبُ
شرط قوله: ﴿ثم ازدادوا كفراً﴾ [البقرة - ١٣٧] وفي الدراية قال: في الزنديق لنا روايتان: في
رواية لا تقبل توبته، كقول مالك وأحمد. وفي رواية تقبل، كقول الشافعي، وهذا في حق أحكام
الدنيا. أما فيما بينه وبين الله جل ذكره إذا صدق قبله سبحانه وتعالى بلا خلاف. وأما المرتدة فلا
تقتل، ولكن يحبس أبداً حتى تسلم، أو تموت وتضرب خمسة وسبعين سوطاً. واختاره قاضیخان
للفتوى. وعند الأئمة الثلاثة تقتل المرتدة، لما روينا من قوله عليه الصلاة والسلام: ((من بدل دينه
فاقتلوه))(١). وهو حديث في صحيح البخاري. وغيره. ولنا أن النبي وَّ نهى عن قتل النساء
والصبيان، كما في الصحيحين(٢). وهذا مطلق يعم الكافر أصلياً وعارضياً، فكان مخصصاً لعموم
ما رواه بعد أن عمومه مخصوص بمن بدل من الكفر إلى الإسلام نعم لو كانت المرتدة ذات رأي،
وتبع تقتل لا لردّتها بل لأنها حينئذ تسعى في الأرض بالفساد. وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة
عن عاصم بن أبي النجود عن أبي رزين عن ابن عباس قال: لا تقتل النساء إذا هن ارتددن عن
الإسلام، ولكن يحبسن ويدعين إلى الإسلام، ويجبرن عليه. وأما ما روى الدار قطني عن جابر أن
امرأة يقال لها أم مروان ارتدت عن الإسلام، فأمر النبي ◌َّلتر أن يعرض عليها الإسلام، فإن رجعت
وإلا قتلت(٣)، فضعف بعمر بن بكار، ومعارض بآخر مثله. وأخرج الطبراني بسند حسن عن
معاذ بن جبل أن رسول الله وَ ﴿ قال له حين بعثه إلى اليمن: ((أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه،
فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه. وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن تابت
فاقبل منها، وإن أبت فاستتبها)). وأما ما روي عن ابن معين أنه قال: كان الثوري يعيب على أبي
حنيفة حديثاً كان يرويه عن عاصم عن أبي رزين لم يروه غير أبي حنيفة عن عاصم عن أبي رزين،
فمدفوع بأنه أخرجه الدارقطني عن أبي مالك النخعي عن عاصم به، فزال انفراد أبي حنيفة الذي
ادعاه الثوري، وأخرج الدارقطني عن علي المرتدة تستتاب، ولا تقتل. وضعف بخلاس. وفي
شرح مسلم للنووي اختلف أصحابنا في قبول توبة الزنديق، وهو الذي ينكر الشرع، فذكروا فيه
خمسة أوجه، أصحها والأصوب منها قبولها مطلقاً الأحاديث الصحيحة المطلقة. والثاني لا
يقبل، ويتحتم قتله لكنه إن صدق في توبته نفعه ذلك في الدار الآخرة، فكان من أهل الجنة.
والثالث إن تاب مرة واحدة، قبلت توبته فإن تكرر منه ذلك، لم تقبل. والرابع إن أسلم ابتداء من
غير طلب قبل منه، وإن كان تحت السيف، فلا. والخامس إن كان داعياً إلى الضلال لم يقبل
منه، وإلا قبل منه، والله تعالى أعلم.
٣٥٣٤ - (وعن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله وَلخير: إن النار لا يعذب
(١) البخاري في صحيحه راجع التخريج.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه الحديث رقم (٣٠١٥) ومسلم الحديث رقم (٢٦ - ١٧٤٥) وسيأتي في
کتاب الجهاد الحديث رقم (٣٩٤٢).
(٣) أخرجه الدارقطني في السنن ١١٨/٣ الحديث رقم ١٢٢، وحديث ابن عباس ١١٩ بنحوه.
الحديث رقم ٣٥٣٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١١٥/٦ الحديث رقم ٢٩٥٤.

٩٣
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
بها إِلا اللَّهُ)). رواه البخاري.
٣٥٣٥ - (٣) وعن عليٍّ [رضي الله عنه] قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَلَّ يقول: سيخرجُ
قومٌ في آخرِ الزمانُ حدَّاثُ الأسنانِ، سُفَهاءُ الأحلام، يقولونَ مِنْ خيرِ قولِ البريَّةِ، لا يُجاوزُ
إِيمانُهم حناجِرَهُم يمرُقونَ من الدِّينِ كما يمرُق السهمُ من الرَمِيَّةِ
٦ جدة
بها إلا الله رواه البخاري).
١/٠:
١
٣٥٣٥ - (وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وهو يقول: سيخرج قوم في
آخر الزمان) تأكيد في معنى الاستقبال المفاد بالسنين (حُدّاث الأسنان) بضم الحاء، وتشديد
الدال المهملتين جمع حديث على غير قياس. وفي النهاية: حداثة السن كناية عن الشباب وأوّل
العمر. قال ابن الملك: وفي رواية حدثاء الأسنان جمع حديث هو نقيض القديم، كما يجمع
صغير على صغراء (سفهاء الأحلام) أي ضعفاء العقول، والسفه في الأصل الخفة والطيش،
وسفه فلان رأيه إذا كان مضطرباً لا استقامة فيه. والأحلام العقول وأحدها حلم بالكسر (يقولون
من خير قول البرية) بالهمز وبالتشديد، وهو أكثر بمعنى الخليقة أي ينقلون من خير ما يتكلم به
الخلائق، ويدّعون التخلص من العلائق والعوائق. واعلم أن متن المشكاة من خير قول البرية
بتقديم الخير على القول. وفي المصابيح من قول خير البرية قال الأشرف: المراد بخير البرية
النبي ◌َ له، وقال المظهر: أراد بخير قول البرية القرآن. قال الطيبي: وهذا الوجه أولى لأن
يقولون بمعنى يحدثون، أو يأخذون أي يأخذون من خير ما يتكلم به البرية، وينصره ما روي
في شرح السنة، وكان ابن عمر يروي الخوارج شرار خلق الله، وقال إنهم انطلقوا إلى آيات
نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين. وما ورد في حديث أبي سعيد يدعون إلى كتاب
الله، وليسوا منا في شيء (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) أي حلوقهم. في النهاية الحنجرة: رأس
الغلصمة(١)، حيث تراه ناتئاً من خارج الحلق، والجمع الحناجر. وقال ابن الملك: جمع
حنجرة وهي الحلقوم أي لا يتعدى منها إلى الخارج (يمرقون من الدين) أي يخرجون من طاعة
الإمام (كما يمرق السهم من الرمية) بفتح الراء، وكسر الميم، وتشديد التحتية أي الدابة المرمية
التي لم يتعلق به شيء منها في الفائق المروق الخروج. ومنه المرق، وهو الماء الذي يستخرج
من اللحم عند الطبخ للائتدام به. قال المظهر: أراد بالدين الطاعة أي أنهم يخرجون من طاعة
الإمام المفترض الطاعة، وينسخلون منها. قال الطيبي: الرمية فعلية بمعنى مفعول، والتاء فيه
لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية. وفي النهاية: الرمية الصيد الذي ترميه، وتقصده يريد أن
دخولهم في الدين، وخروجهم منه، ولم يتمسكوا بشيء منه، كالسهم الذي دخل في الرمية،
الحديث رقم ٣٥٣٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٥/١٢ الحديث رقم ٦٩٣٠. ومسلم في ٧٤٦/٢
الحديث رقم (١٥٤ - ١٠٦٦) وأبو داود في السنن ١٢٤/٥ الحديث رقم ٤٧٦٧. وأحمد في
المسند ٠١٣١/١
(١) في المخطوطة ((التلصمة)) والصواب ما أثبت.
/

٩٤
١٠٠٠
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
فأينَما لَقِيتُموهم فاقْتُلُوهُمْ، فإِنَّ في قتلِهم أَجْراً لمن قتَلهم يومَ القيامة)). متفق عليه.
٣٥٣٦ _ (٤) وعن أبي سعيد الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يكونُ أُمتِي
فِرقتينٍ، فيخرُج من بينهما مارقةٌ يلي قَتْلَهُم أولاهُم بالحقِّ)) رواه مسلم.
٣٥٣٧ - (٥) وعن جريرٍ
ثم يقدها يوم ويخرج منها، ولم يعلق(١) به منها شيء (فأينما ألقيتموهم، فاقتلوهم فإن في
قتلهم أجراً) أي عظيماً (لمن قتلهم يوم القيامة) ظرف لأجراً، أو منصوب بنزع الخافض أي إلى
يوم القيامة. وهذا نعت الخوارج الذي لا يدينون للأئمة، ويتعرضون للناس بالسيف. وأوّل
ظهورهم كان في زمن عليّ رضي الله عنه، حتى قتل كثيراً منهم. قال الخطابي: أجمع علماء
المسلمين على أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحتهم وأكل
ذبائحهم وقبول شهاداتهم. وسئل علي رضي الله عنه فقيل: أكفارهم؟ قال: من الكفر فرّوا:
فقيل: أمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء يذكرون الله بكرة
وأصيلا. قيل: من هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا، وصموا (متفق عليه).
٣٥٣٦ - (وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَ لقر: يكون) بالتذكير، وفي نسخة
تكون (أمتي فرقتين) إشارة إلى فرقة علي ومعاوية رضي الله عنهما (فيخرج من بينهما مارقة) أي
جماعة خارجة (يلي) أي يتولى، ويباشر (قتلهم) قال الأشرف: قوله: ((يلي قتلهم)) الخ صفة
للمارقة أي يلي قتل المارقة، وهي الخوارج (أولاهم) أي أولي أمتي، وأقربهم (بالحق) يعني
الصواب قيل: هو إشارة إلى عليّ كرم الله وجهه، فإنه الذي قتلهم حتى تفرقوا ببلاد حضرموت
والبحرين، ذكره ابن الملك. قال الطيبي: ويحتمل أن يراد بالحق هو الله تعالى بدلالة قوله في
الحديث الآتي: ((كان أولى بالله منهم)) فإن قلت قوله: ((فرقتين)» يقتضي أن تكون المارقة خارجة
منهما معاً! قلت: هو كقوله تعالى: ﴿يخرج منهم اللؤلؤ والمرجان﴾ [الرحمن - ٢٢] الكشاف
لما التقيا، وصارا كالشيء الواحد جاز أن يقال: يخرجان منهما، كما يقال: سيخرجان من جميع
البحر، ولا يخرجان من جميع البحر، ولكن من بعضه. وتقول: خرجت من البلدة، وإنما
خرجت من محلة من محاله بل من دار واحدة من دوره، ولهذا يحسن أن يرجع أحداً
الضميرين في الصفة إلى المارقة، والآخر إلى قوله أمتي. ويحتمل أن يقال: لهم شبه بأهل
الحق لغلوّهم في تكفير أهل المعصية، ولكنهم أهل الباطل لمخالفتهم الإجماع، ولذا قال
فيخرج من بينهما (رواه مسلم).
٣٥٣٧ - (وعن جرير) أي ابن عبد الله أسلم في السنة التي توفي فيها رسول الله
(١) في المخطوطة ((يتعلق)).
الحديث رقم ٣٥٣٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٧٤٦/٢ الحديث رقم (١٥١ - ١٠٦٤). وأحمد في
المسند ٣٢/٣.
الحديث رقم ٣٥٣٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٦/١٣ الحديث رقم ٧٠٨٠ ومسلم في ١/ ٨١ =

٩٥
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
قال: قالَ رسولُ اللهِ وَ له في حجة الوداع: ((لا ترجِعُنَّ بعدي كُفَّاراً، يضرِبُ بعضُكم رقابَ
بعضٍ)). متفق عليه.
٣٥٣٨ _ (٦) وعن أبي بكرةً، عن النبيّ وَل
وَ ل قال جرير: أسلمت قبل موت النبي وَ ل بأربعين يوماً روى عنه خلق كثير (قال: قال
رسول الله ◌َ﴿ في حجة الوداع:) بفتح الواو، ويكسر (لا ترجعن) بضم العين، وتشديد
النون (بعدي) أي بعد صحبتي، أو بعد موتي (كفاراً) قال النووي: فيه سبعة أقوال:
أحدها أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق، وثانيها: أن المراد كفر إن النعمة.
وثالثها: إنه يقرب من الكفر، ويؤدي إليه. ورابعها: أنه فعل فعل الكفار. وخامسها:
حقيقة الكفر أي لا تكفروا بل دوموا مسلمين. وسادسها: عن الخطابي معناه المتكفر
بالسلاح يقال: تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه. وسابعها عنه أيضاً: معناه لا يكفر بعضكم
بعضاً، فتستحلوا قتال بعضكم بعضاً. وأظهر الأقوال: الرابع وهو اختيار القاضي عياض
اهـ. وعندي أن الأظهر هو الثالث، وهو في الحقيقة معنيان، أو يقال: محمول على
الزجر، والتهديد والتغليظ الشديد وقوله: (يضرب بعضكم رقاب بعض) بسكون الباء
ضبطه بعض العلماء قال أبو البقاء: هو جواب النهي على تقدير الشرط، أي أن ترجعوا
يضرب بعضكم بعضاً. قال الطيبي: وعلى الرواية المشهورة استئناف وارد على بيان النهي
كان سائلاً قال: كيف نرجع كفاراً؟ فقيل: يضرب بعضكم رقاب بعض، وهو فعل
الكفار، أو يقال: لم نرجع كفاراً بعد كوننا مسلمين؟ قيل: يضرب بعضكم رقاب بعض،
وهو يؤدي إلى الكفر (متفق عليه.) في الجامع الصغير: ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب
بعضكم رقاب بعض رواه أحمد، والشيخان والنسائي، وابن ماجه عن جرير وأحمد،
والبخاري، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر. والبخاري. والترمذي عن أبي
بكرة، وكلاهما أيضاً عن ابن عباس(١).
٣٥٣٨ - (وعن أبي بكرة) بالتاء هو نفيع بن الحارث. يقال: إنه تدلى يوم الطائف ببكرة
وأسلم، فكناه النبي وير بأبي بكرة، وأعتقه فهو من مواليه. روى عنه خلق كثير (عن النبي ◌َل
الحديث رقم (١١٨ - ٦٥). وأبو داود في السنن ٦٣/٥ الحديث رقم ٤٦٨٦ والترمذي في السنن ٤/
٤٢١ الحديث رقم ٢١٩٣. والنسائي في ٧/ ١٢٧ الحديث رقم ٤١٣١. وابن ماجه في ١٣٠٠/٢
الحديث رقم ٣٩٤٢. والدارمي في ٩٥/٢ الحديث رقم ١٩٢١. وأحمد في المسند ٣٦٦/٤.
(١) الجامع الصغير ٢/ ٥٧٩ الحديث رقم ٩٧٦٧.
الحديث رقم ٣٥٣٨: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩٢/١٢ الحديث رقم ٦٨٧٥. ومسلم في صحيحه
٢٢١٤/٤ الحديث رقم (١٦ - ٢٨٨٨) وأخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٤٦٢ الحديث رقم ٤٢٦٨
وأخرجه النسائي في ٧/ ١٢٥ الحديث رقم ٤١٢٠ وابن ماجه في ١٣١١/٢ الحديث رقم ٣٩٦٥
وأحمد في المسند ٤١/٥.

٩٦
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
قال: ((إِذا التقى المسلمانِ حَمَلَ أحدُهما على أخيهِ السلاحَ؛ فهما في جُرُفٍ جهنّم، فإِذا قتَلَ
أحدُهما صاحبَهُ، دخلاها جميعاً)). وفي روايةٍ عنه: قال: ((إِذا التقى المسلمانِ بسيفيهما،
أُفِالقاتِلُ والمقتولُ في النارِ)) قلتُ: هذا القاتلُ، فما بالُ المقتولِ؟ قال: ((إِنَّه كانَ حريصاً على
قتل صاحبه)). متفق عليه.
٣٥٣٩ - (٧) وعن أنس، قال: قَدِمَ على النبيِّ وَّرَ نَفَرٌ من عُكْلٍ فأسلموا، فاجتَوَوا
المدينةً
قال: إذا التقى المسلمان حمل أحدهما) أي سل (على أخيه السلاح) الجملة بدل من الشرط،
أوقال الطيبي: حال، وقد مقدرة، والمعنى إذا التقى المسلمان حاملاً كل واحد منهما على
الآخر السلاح، ولا بد من هذا التقدير ليطابق الشرط الجزاء، وهو قوله: (فهما في جرف
أجهنم)، والجرف ما تجرفه(١) السيول من الأودية اهـ. وهو بضمتين، وسكون الثاني جانبها،
أوطرفها إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾ [آل عمران -
(١٠٣] (فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها) أي جهنم (جميعاً) هذا الشرط مع جوابه عطف على
الشرط الأوّل (وفي رواية عنه) أي عن أبي بكرة قال: (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) بالتثنية أي
وأراد كل قتل الآخر بغير حق، وفي رواية بسيفهما، فقتل أحدهما صاحبه (فالقاتل والمقتول في
النار قلت:) وفي رواية قيل (هذا القاتل) أي حكمه ظاهر لأنه ظالم (فما بال المقتول) أي
أشأنه، فإنه مظلوم (قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه) قال ابن الملك: فيه أن الحرص
على الفعل المحرم مما يؤاخذ به، وإن قصد كل منهما كان قتل الآخر لا الدفع عن نفسه، حتى
إلو كان قصد أحدهما [الدفع] ولم يجد منه بداً إلا بقتله، فقتله لم يؤاخذ به، لكونه مأذوناً فيه
شرعاً (متفق عليه)، ورواه أحمد وأبو داود والنسائي عنه. وابن ماجه عن أبي موسى.
٣٥٣٩ - (وعن أنس قال: قدم) بكسر الدال أي نزل (على النبي ◌َّر نفر) بفتحتين قوم من
ثلاثة إلى عشرة، وقد قيل إنهم كانوا ثمانية أنفس (من عكل) بضم فسكون اسم قبيلة ذكر
العسقلاني في كتاب الوضوء، أنه اختلفت الروايات عن البخاري، ففي بعضها عن عكل، أو
أعرينة على الشك، وفي بعضها من عكل، وفي بعضها من عرينة، وفي بعضها من [عكل](٢)
وعرينة بواو العطف، وهو الصواب. روى أبو عوانة والطبراني عن أنس أنهم كانوا أربعة من
عرينة، وثلاثة من عكل (فأسلموا فاجتووا المدينة) من الاجتواء أي كرهوا هواء المدينة وماءها،
(١) في المخطوطة ((يجرفه)).
الحديث رقم ٣٥٣٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١١١/١٢ الحديث رقم ٦٨٠٤ ومسلم في ١٢٩٦/٣
الحديث رقم (١٦٧١/٩). وأبو داود في السنن ٥٣١/٤ الحديث رقم ٤٣٦٤ والترمذي في ١/
١٠٦ الحديث رقم ٧٢. والنسائي في ٢/ ٨٦١ الحديث رقم ٢٥٧٨ وابن ماجه في ٢/ ٨٦١
الحديث رقم ٢٥٧٨. وأحمد في المسند ١٦٣/٣.
(١) في المخطوطة ((عمل)).

٩٧
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد
فأمرَهُم أن يأتُوا إِلَ الصدقةِ، فيشربُوا من أبوالِها وألبانِها، ففعلُوا فصَحُوا، فارتدُوا، وقتَلُوا
رُعاتَها، واستاقُوا الإِبلَ، فبعثَ في آثارِهمْ، فأُتي بهم فقطعَ أيديهم، وأرجُلَهُم، وسَمَلَ
أعينَهُمْ، ثمَّ لم يحسمْهم حتى ماتُوا)) وفي رواية: فسُمِرُوا أعينَهم، وفي رواية: أمرَ
واستوخموها ولم يوافقهم المقام بها، وأصابهم الجواء وهو المرض (فأمرهم أن يأتوا إبل
الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها) قال ابن الملك: فيه أن ابل الصدقة يجوز لأبناء السبيل
الشرب من ألبانها، وجواز التداوي بالمحرم عند الضرورة. وقاس بعض التداوي بالخمر عليه،
ومنعه الأكثر لميل الطباع إليها دون غيرها من النجاسات اهـ. وهو قول أبي يوسف من أئمتنا.
وأما [على] قول أبي حنيفة فنجس، لا يجوز التداوي به. وأما على قول محمد فبول مأكول
اللحم طاهر. قال النووي: واستدل أصحاب مالك وأحمد بهذا الحديث أن بول ما يؤكل وروثه
طاهران. وأجاب أصحابنا وغيرهم من القائلين بنجاستهما بأن شربهم الأبوال كان للتداوي،
وهو جائز بكل النجاسات سوى المسكرات. وإنما أجاز شربهم ألبان إبل الصدقة؛ لأنها
للمحتاجين من المسلمين وهم منهم (ففعلوا) أي ما ذكر (فصحوا) بتشديد الحاء أي فرجعوا إلى
صحتهم (فارتدوا)، وكأنهم تشاءموا بالإسلام (وقتلوا رعاتها) أي رعاة الإبل بضم الراء جمع
الراعي أي طمعاً للمال (واستاقوا الإبل) أي ساقوها بمبالغة بليغة، واهتمام تام (فبعث) أي النبي
* علياً وغيره (في آثارهم) أي عقبهم (فأتى بهم) أي جيء بهم (فقطع أيديهم، وأرجلهم) أي
أمر بقطعهما. قال العسقلاني: قيل: يعني قطع يدي كل واحد ورجليه، لكن يرده رواية
الترمذي من خلاف (وسمل) باللام أي فقأ (أعينهم) قال العسقلاني في شرح البخاري في باب
أحكام المحاربين: قوله: ((وسمر أعينهم)) وقع في رواية ((وسمل)) باللام، وهما بمعنى قاله ابن
التين وغيره وفيه نظر. لكن قال القاضي عياض: سمر العين بالتخفيف، كحلها بالمسمار
المحماة، فيطابق السمل، فإنه فسر بأن يدني من العين حديدة محماة، حتى يذهب نظرها
فيطابق الأوّل بأن تكون الحديدة مسماراً. قال: وضبطنا بالتشديد في بعض النسخ، والأول
أوجه. وفسروا السمل بأنه فقء العين بالشوك، وليس بمراد هنا (ثم لم يحسمهم) بكسر السين
أي لم يقطع دماءهم بالكي من الحسم الكي أي كي العروق بالنار لينقطع الدم (حتى ماتوا) قال
ابن الملك: إنما فعل بهم وَ ل هذا مع نهيه عن المثلثة(١)، إما لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة، وإما
لعظم جريمتهم فإنهم ارتدوا، وسفكوا الدماء، وقطعوا الطريق وأخذوا الأموال وللإمام أن
يجمع بين العقوبات في سياسته. قال النووي: اختلفوا في معنى الحديث، فقيل: كان هذا قبل
نزول الحدود، وآية المحاربة مع قطع الطريق والنهي عن المثلة، فهو منسوخ، وقيل ليس
بمنسوخ، وفيه نزلت الآية. وإنما فعل ذلك ◌َّ﴿ قصاصاً. وقيل النهي عن المثلثة نهي تنزيه
(وفي رواية فسمروا) بالتشديد، والتخفيف أي كحلوا أعينهم بمسامير حديد. والمعنى أن
النفر فعلوا بالرعاة، أو الصحابة بالنفر بأمره وَلته، وهو الأظهر ويؤيده قوله: (وفي رواية أمر
(١) هكذا في المخطوطة ولعل الصواب ((المثلة)). والله تعالى أعلم.

٩٨
٢/٠
= ٢١٧٢
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
بمساميرَ فأُحمِيتْ فَكَحَلهم بها، وطَرَحَهُمْ بالحرَّةِ يستسقونَ فما يُسْقَوْنَ حتى ماتُوا. متفق
عليه .
الفصل الثاني
٣٥٤٠ _ (٨) عن عمران بن حصينٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ وَّهِ يَحُثُنا على الصدقةِ،
وينهانا عن المُثْلةِ. رواه أبو داود.
٣٥٤١ - (٩) ورواه النسائيُّ عن أنسٍ.
٣٥٤٢ - (١٠) وعن عبدِ الرَّحمنِ بن عبدِ الله
بمسامير فأحميت فكحلهم) بالتشديد، والتخفيف (وطرحهم) أي رماهم (بالحرة) بفتح
فتشديد أرض ذات حجارة سود (يستسقون) أي يطلبون الماء من شدة العطش الناشىء من
حرارة الشمس (فما يسقون) بصيغة المجهول (حتى ماتوا) قال النووي: وأما قوله: ((فما
يسقون)) فليس فيه أن النبي ◌َّلر أمر بذلك، ولا نهى عن السقي وقد أجمعوا على أن من
وجب عليه القتل واستسقى لا يمنع الماء قصداً، فيجتمع عليه عذابان، وقيل: كان [منع]
الماء هنا قصاصاً. وقال أصحابنا: لا يجوز لمن معه من الماء ما يحتاج إليه للطهارة أن
يسقيه مرتداً يخاف الموت من العطش. ولو كان ذمياً، أو بهيمة وجب سقيه ولم يجز
الوضوء به حينئذ (متفق عليه.).
(الفصل الثاني)
٣٥٤٠ - (عن عمران بن حصين قال: كان رسول الله وَ لا يحثنا) بضم المهملة وتشديد
المثلثة أي يحرضنا، ويرغبنا (على الصدقة، وينهانا عن المثلثة) بضم فسكون قطع الأطراف.
في النهاية مثلت بالقتيل جدعت أنفه، أو أذنه، أو مذاكيره، أو شيئاً من أطرافه والاسم المثلة
(رواه أبو داود) أي عن عمران.
٣٥٤١ - (ورواه النسائي عن أنس).
٣٥٤٢ - (وعن عبد الرحمن بن عبد الله) أي ابن عمار المكي روى عن جابر، وسمع
الحديث رقم ٣٥٤٠: أخرجه أبو داود في السنن ٣/ ١٢٠ الحديث رقم ٢٦٦٧ وأخرجه الدارمي في ١/
٤٧٨ الحديث رقم ١٦٥٦. وأحمد في المسند ٤/ ٤٤٠.
الحديث رقم ٣٥٤١: أخرجه النسائي في السنن ١٠١/٧ الحديث رقم ٤٠٤٧.
الحديث رقم ٣٥٤٢: أخرجه أبو داود في السنن ١٢٥/٣ الحديث رقم ٢٦٧٥. وأحمد في المسند ١/ ٤٠٤.

٩٩
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
عنْ أبيهِ، قال: كنّا معَ رسولِ اللهِ وََّ فِي سَفَرٍ، فانطلَقَ لحاجتِهِ، فرأينا حُمَّرةً معَها فرْخانِ،
فأخذْنا فرخَيها. فجاءَتِ الحُمَّرةُ، فجعلتْ تُفَرَّشُ، فجاءَ النبيُّ وَِّ، فقالَ: ((مَنْ فَجَّعَ هذِه
بوَلِدِها؟ رُدُّوا ولدَها إِليها)). ورأى قريةَ نمْلٍ قد حرَّقْناها، قال: ((مَنْ حرَّقَ هذِه؟)) فقُلنا:
نحنُ. قال: ((إِنَّه لا ينبغي أنْ يُعذّبَ بالنَّارِ إِلاَّ ربُّ النَّارِ)). رواه أبو داود.
معاذاً وروى عنه جماعة، ذكره المصنف في فصل التابعين (عن أبيه) لم يذكره المصنف في
أسمائه (قال: كنا)، وفي نسخة كان أي هو (مع رسول الله في سفر فانطلق لحاجته) أيّ فذهب
رسول الله ولو لقضاء حاجته إلى البراز (فرأينا حمرة) بضم فتشديد ميم، وقد يخفف طائر صغير
كالعصفور، كذا في النهاية (معها فرخان) أي فروجتان (فأخذنا فرخيها) أي في غيبتها، أو في
حضرتها (فجاءت الحمرة فجعلت) أي شرعت (تفرش) بحذف إحدى التاءين، وتشديد الراء.
وفي نسخة صحيحة بضم التاء، وكسر الراء المشددة، وفي أخرى بفتح التاء وسكون الفاء وضم
الراء في النهاية: هو أن تفرش جناحها، وتقرب من الأرض، وترفرف. والتفريش أن تفترش
وتظلل بجناحيها على من تحتها. قال التوربشتي في كتاب أبي داود: فجعلت تفرش، أو تفرش
بضم حرف المضارعة من التفريش، والتفرش. ذكر الخطابي في المعالم أن التفرش من فرش
الجناح بسطه، والتفريش أن يرتفع فوقهما فيظلل عليهما يعني على الفرخين، ولا أرى الصواب
فيه إلا أن تفرش على بناء المضارع حذف تاؤه لاجتماع التاءين (فجاء النبي ◌َّر) أي فرجع
فرأى تفرشها (فقال: من نجع) بتشديد الجيم أي فزع (هذه) أي الحمرة (بولدها) أي بسبب
أخذ أولادها (ردوا ولدها إليها) الأمر للندب، لأن اصطياد فرخ الطائر جائز (ورأى) عطف على
فانطلق أي أبصر رسول الله وَ له (قرية نمل) أي بيت نمل أو موضع نمل (قد حرقناها) بتشديد
الراء أي أحرقنا نملها (قال: من حرق هذه) أي النمل، والتأنيث باعتبار الجنس (فقلنا نحن
قال: إنه) أي الشأن (لا ينبغي) أي لا يصح، ولا يجوز (أن يعذب بالنار إلا رب النار)، وهذا
يرشدك إلى فائدة صحبة المرشد، فإنه في ساعة من غيبته مع بركة حضوره وقع من الأصحاب
أمران على خلاف الصواب. قال القاضي: إنما منع التعذيب بالنار، لأنه أشد العذاب، ولذلك
أوعد بها الكفار. قال الطيبي [رحمه الله]: لعل المنع من التعذيب بها في الدنيا إن الله جعل
النار فيها لمنافع الناس وارتفاقهم، فلا يصح منهم أن يستعملوها في الأضرار، ولكن له أن
يستعملها فيه لأنه ربها ومالكها يفعل ما يشاء من التعذيب بها، والمنع منه وإليه أشار بقوله :
(رب النار)). وقد جمع الله تعالى الاستعمالين في قوله: ﴿نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين﴾
[الواقعة - ٧٣] أي تذكيراً لنار جهنم لتكون حاضرة للناس يذكرون ما أوعدوا به، وعلقنا بها
أسباب المعايش كلها (رواه أبو داود)، وفي الجامع الصغير روى أحمد وأبو داود وابن ماجه
عن ابن عباس مرفوعاً ((نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد))(١) وهو
بضم الصاد المهملة، وفتح الراء طائر معروف ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه
(١) الجامع الصغير ٢/ ٥٦٤ الحديث رقم ٩٤٨٩.
١
٨٨ ١
i
. 04
د اسير
....

١٠٠
كتاب الديات/ باب قتل أهل الردّة والسعاة بالفساد
٣٥٤٣ _ (١١) وعن أبي سعيد الخدريِّ، وأنس بن مالكِ، عن رسولِ الله وَ لَه قال:
((سيكونُ في أُمَّتي اختلافُ وفُرقةَ، قومٌ يُحسِنونَ القيلَ ويُسيئونَ الفِعلَ، يقرؤون القرآنَ لا
يُجَاوِزُ تراقِيَهم يَمْرُقونَ منَ الدِّينِ مُروقَ السَّهمِ مِنَ الرَّميَّةِ
أسود، ونصفه أبيض: وروى أحمد، وأبو داود والنسائي والحاكم عن عبد الرحمن بن عثمان
التيمي ((نهى عن قتل الضفدع للدواء)(١) وروى ابن ماجه عن أبي هريرة ((نهى عن قتل الصرد
والضفدع، والنملة، والهدهد))(٢) قال الخطابي: أما نهيه عن قتل النحل، فلما فيه من المنفعة.
وأما الهدهد والصرد، فإنما نهى عن قتلهما لتحريم لحمهما، وذلك أن الحيوان إذا نهى عن
قتله ولم يكن ذلك لحرمته ولا لضرر فيه، كان ذلك لتحريم لحمه .
٣٥٤٣ - (وعن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك عن رسول الله وَ القر قال: سيكون في
أمتي اختلاف وفرقة) بضم الفاء أي أهل اختلاف، وافتراق وقوله: (قوم يحسنون القيل) أي
القول يقال: قلت قولاً وقالا وقيلا قال تعالى: ﴿ومن أصدق من الله قيلاً﴾ [النساء - ١٢٢]
(ويسيئون الفعل) بدل منه، وموضح له وقوله: (يقرؤون القرآن) استئناف بيان، أو بدل على
مذهب الشاطبي، ومن يجوّزه، أو المراد به نفس الاختلاف أي سيحدث فيهم اختلاف، وتفرق
فيفترقون فرقتين: فرقة حق، وفرقة باطل. قال الطيبي: ويؤيد هذا التأويل قوله وَ لّر في الفصل
الأول: ((تكون أمتي فرقتين، فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق)) فقوم مبتدأ
موصوف بما بعده، والخبر قوله: ((يقرؤون القرآن))، وهو بيان لإحد الفرقتين، وتركت الثانية
للظهور اهـ. وأما ما وقع في بعض النسخ ((ويقرؤون)) بواو العاطفة، فهو خطأ (لا يجاوز) أي
قرآنهم، أو قراءتهم (تراقيهم) بفتح أوله، وكسر القاف ونصب الياء على المفعولية. في النهاية،
وهي جمع الترقوة. وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين،
ووزنها فعلوة [بالفتح] اهـ. كلامه. وفي المغرب يقال لها بالفارسية: جنبر كردن. قال الطيبي:
وفيه وجوه: أحدها أنه لا يتجاوز أثر قراءتهم عن مخارج الحروف والأصوات، ولا يتعدى إلى
القلوب والجوارح، فلا يعتقدون وفق ما يقتضي اعتقاداً، ولا يعملون بما يوجب عملاً. وثانيها
إن قراءتهم لا يرفعها الله، ولا يقبلها فكأنها لم تتجاوز حلوقهم. وثالثها لأنهم لا يعملون
بالقرآن، فلا يثابون على قراءته ولا يحصل لهم غير القراءة (يمرقون) بضم الراء أي يخرجون
(من الدين) أي من طاعة الإمام (مروق السهم) بالنصب أي كمروقه (من الرمية) قال الطيبي:
مروق السهم مصدر أي مثل مروق السهم ضرب مثلهم في دخولهم في الدين، وخروجهم منه
بالسهم الذي لا يكاد يلاقيه شيء من الدم لسرعة نفوذه تنبيهاً على أنهم لا يتمسكون من الدين
(١) الحاكم في المستدرك ٤١١/٤. وأبو داود في ٢٠٣/٤ الحديث رقم ٣٨٧١. والنسائي في ٧/ ٢١٠
الحديث رقم ٤٣٥٥. وأحمد في المسند ٤٥٣/٣.
(٢) أخرجه ابن ماجه في ١٠٧٤/٢ الحديث رقم ٣٢٢٣.
الحديث رقم ٣٥٤٣: أخرجه أبو داود في السنن ٥/ ١٢٣ الحديث رقم ٤٧٦٥. وأحمد في المسند ٢٢٤/٣.