النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ كتاب الدعوات/ باب الاستعاذة رواه أحمد، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). ٢٤٧٥ - (١٩) وعن عائشةَ، أنَّ النبيِّ وَّ نظرَ إِلى القمر، فقال: ((يا عائشةُ! استعيذي بالله منْ شرّ هذا، فإن هذا هو الغاسقُ إِذا وقب)). يعرض السيف ثم استعمل فيما يشبه الدنس من الآثام والمعنى أعوذ بالله من طمع يسوقني إلى ما يشينني ويرزي بي من المقابح كالمذلة للسفلة والتواضع لأرباب الدنيا وإظهار السمعة والرياء وغير ذلك مما يترتب على الطمع ولذا قيل الطمع فساد الدين والورع صلاحه ولما كان الحرص منشأ الطمع ومنبع الطبع قال ابن الملك يعني من الحرص الذي يجر صاحبه إلى الذل والعيب وأغرب ابن حجر حيث قال الطمع هو أخذ المال من غير حقه أو إمساكه عن حقه بخلابة (رواه أحمد والبيهقي في الدعوات الكبيرة). ٢٤٧٥ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌َّيقر نظر إلى القمر) وهو بعد ثلاث ليال من الهلال (فقال يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق) أي إذا وقب قيل الغاسق هو الليل إذا غاب الشفق وقوي ظلامه من غسق يغسق إذا أظلم ووقو به دخول ظلامه في كل شيء قال ابن الملك أي من شر الليل يعني لأنه أدهى في الويل ولذا قيل الاستعاذة منه لما في ذلك الوقت من انبثات الشر أكثر مما في غيره من قتل النفوس واستباحة الفروج وأخذ الأموال وغير ذلك وهذا تفسير الآية وأما الحديث فمؤوّل عليه ليوافق معنى الآية على ما ذهب إليه أكثر المفسرين إذ لا يلزم من النظر إلى القمر أن يكون مراده النظر وقوله هذا هو الغاسق يحتمل الإشارة إلى الظلام حيث دخل في المغيب ولذا قيل أطلق الغاسق هنا على القمر لأنه يظلم إذا خسف ووقو به دخوله في الخسوف يعني إذا خسف استعيذى بالله من الآفات والبليات وقال الطيبي [رحمه الله] إنما استعاذ من كسوفه لأنه من آيات الله الدالة على حدوث بلية ونزول نازلة كما قال عليه الصلاة والسلام ولكن يخوّف الله به عباده ولأن اسم الإشارة في الحديث كوضع اليد في التعيين وتوسيط ضمير الفصل بينه وبين الخبر المعروف يدل على أن المشار إليه هو القمر لا غير قلت قد يرد مثل هذا ادعاؤه وإرادة للمبالغة وقصدا للتخصيصي إيماء إلى أنه أعظم أفراد نوعه وبه يجمع بين الكتاب والسنة ويدفع قوله وتفسير الغاسق بالليل يأباه سياق الحديث كل الاباء وأما قوله ولأن دخول الليل نعمة من نعم الله ومنّ الله على عباده في كثير من الآيات قال تعالى: ﴿جعل لكم الليل لتسكنوا فيه﴾ [القصص - ٧٣] ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ﴾ [الأنعام - ٧٦] فالآية الثانية ليس فيها ما يدل على الامتنان وأما الأولى فلا يشك أحداً أنه نعمة قال تعالى: ﴿وجعلنا نومكم سباتاً وجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً ﴾ [النبأ - ٩. ١٠ - ١١] لكن لا يلزم من كونه نعمة أنه لا يتضمن نقمة ولذا قال تعالى في صدر السورة: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾ [الفلق - ١ - ٢] تعميماً ثم قال: ﴿ومن شر غاسق إذا وقب ﴾ [الفلق - ٣] الخ تخصيصاً ثم ما ينسب إلى ابن عباس وجماعة من المفسرين أن معناه يومين .. 9:9 0 ميري٤١ ------------ -٣٩ -****** . حصده اجي، ٠٫٩٢١,٠٠ ١٠ ٦٠٠: عن: ٦ حديث رقم ٢٤٧٥: أخرجه أحمد في المسند ٢١٥/٦. والترمذي في السنن ٤٢١/٥ حديث رقم ٣٣٦٦. صروح ٣٨٢ كتاب الدعوات/ باب الاستعاذة ٠٠٠٣٠ رواه الترمذي. ٢٤٧٦ - (٢٠) وعن عمرانَ بنِ حُصينٍ، قال: قال النبيُّ ◌َّ لأبي: ((يا حصين! كمْ تعبدُ اليوم إِلهاً؟)) قال أبي: سبعةً: سنًَّ في الأرضِ، وواحداً في السَّماءِ. قال: ((فأيُّهُم تُعِدُ لرغبتِكَ ورهبتِكَ؟» قال: الذي في السَّماءِ. قال: ((يا حصينُ! أما إِنَّك لو أسلمتَ علمْتُكَ كلِمَتيْنِ تنفعانِكَ)) من شر الذكر إذا قام فكأنه أشار إلى الظلمة النفسانية التي قد تجر إلى ظلمة المعصية المترتب عليها سلب كمال نور الإيمان والمعرفة وتؤدي إلى ظلمة القبر بل إلى الظلمات يوم القيامة ظلمات بعضها فوق بعض وأطنب ابن حجر هنا بما لا طائل تحته بل بين كلاميه تعارض وتدافع ولذا أعرضت عن ذكره (رواه الترمذي) وكذا النسائي والحاكم (١). ٢٠٢٠/١٠ ٢٤٧٦ - (وعن عمران بن حصين) بالتصغير قال المؤلف أسلم عام خيبر سكن البصرة إلى أن مات بها وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم أسلم هو وأبوه رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله آلڼ لأبي) أي حال كفره (يا حصين كم تعبد اليوم) اللام للمعهود الحاضري نحو قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة - ٣] (إلها) مفعول تعبد وحذف مميزها استغناء عنه لأنه دال عليه واختار ابن حجر أن يكون تمييزاً لكم الاستفهامية قال ولا يضره الفصل لأنه غير أجنبي وفيه توقف (قال أبي سبعة) أي أعبد سبعة من الآلهة (ستاً في الأرض وواحداً في السماء) أي على زعمة قال الطيبي المذكور في التنزيل يغوث ويعوق ونسر واللات والمناة والعزى كلها مؤنثة وإنما قال سبعة لدخول الله فيها فغلب جانب التذكير ثم أنث ستاً وذكراً واحداً اهـ. وتبعه ابن حجر وفيه أن يغوث ويعوق ونسر من أصنام قوم نوح ولا دلالة على تأنيثها وإنما العرب كانت لهم آلهة متعددة منها ما ذكر في التنزيل ومنها لم يذكر فيه وقد ورد أن حول البيت المبارك حين فتح مكة المكرمة كان ثلثمائة وستون صنماً فكلما مر عليه الصلاة والسلام بصنم أشار إليه بقضيبه وهو يقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ﴾ [الإسراء - ٨١] فيقع الصنم لوجهه رواه البيهقي وقد رأى شخص من العرب أنه يبول على صنمه الثعلب فقلا أرب يبول الثعلبان برأسه وأسلم وروي أنه وَلير قال لبعض المجددين في الإسلام هل نفعك أصنامك يوماً قال نعم نفعني صنم عملته من الحيس فوقع القحط فنفعني أكله فتبسم وَلقر (قال فأيهم) بضم الياء (تعد) بفتح التاء وضم العين أي تعده إلها (لرغبتك ورهبتك) وفي نسخة بضم أوّله وكسر ثانيه أي تهيئه لينفعك حين ترجو وتخاف قال الطيبي الفاء جزاء شرط محذوف أي إذا كان كذلك فأيهم تخصه وتلتجىء إليه إذا نابتك نائبة (قال الذي في السماء) أي معبود فيها أو قاله على زعمه ولعل سكوته عنه وَّر كان تألفاً به (قال يا حصين أما) بالتخفيف للتنبيه (إنك) بالكسر (لو أسلمت علمتك كلمتين) أي دعوتين (تنفعانك) أي في - (١) الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٤١. حديث رقم ٢٤٧٦: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨٥/٥ حديث رقم ٣٤٨٣. ٣٨٣ كتاب الدعوات/ باب الاستعاذة قال: فلمَّا أسلمَ حُصينٌ قال: يا رسولَ الله! علمني الكلمتينِ اللَّتينِ وعدتني فقال: ((قل: اللهُمَّ ألهمني رُشْدي، وأَعِذْني من شرِّ نفسي)). رواه الترمذي. ٢٤٧٧ - (٢١) وعن عمرو بن شعيبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَر قال: ((إِذا فَزِعَ أحدُكم في النومِ، فليقُلْ: أعوذُ بكلماتِ اللَّهِ التامَّاتِ من غضبهِ وعقابهِ، وشرِّ عبادهِ، ومِنْ هَمَزاتِ الشياطينِ وأن يَحْضُرون، فإنَّها لن تَضُرَّهُ)) وكان عبدُ اللَّهِ بنُ عمروٍ يعلِّمُها من بَلغَ مِنْ وَلَدِه، ومنْ لمْ الدارين قال الطيبي وهذا من باب إرخاء العنان وكلام المنصف لأن من حق الظاهر أن يقال له بعد اقراره أسلم ولا تعاند وأغرب ابن حجر حيث قال ليس من باب الارخاء بل من باب الاغراء على الشيء بذكر ما يحمل عليه قلت: عباراتنا شتى وحسنك واحد فكل إلى ذاك الجمال بشير لأن مؤدي العبارتين واحد وهو بيان الهداية بلطف العبارة ومنه قوله تعالى: ﴿وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين﴾ [سبأ - ٢٤] (قال) أي عمران (فلما أسلم حصين قال يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني) أي بتعليمهما (فقال قل) أي ادع بهذا الدعاء متى شئت وأما تقييده بما بين السجدتين كما فعله ابن حجر فبعيد جداً (اللهم الهمني رشدي) بضم فسكون وبفتحتين أي وفقني إلى الرشد وهو الاهتداء إلى الصلاح (وأعذني) أي أجرني واحفظني (من شر نفسي) فإنها منبع الفساد قال الطيبي فيه إشارة إلى أن اتخاذ تلك الآلهة ليس إلا هوى النفس الأمارة بالسوء وأن المرشد إلى الطريق المستقيم والدين القويم هو العلي الحكيم (رواه الترمذي) وقال حسن غريب نقله ميرك. ٢٤٧٧ - (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله وَّلفي قال إذا فرغ) بكسر الزاي أي خاف (أحدكم في النوم) أي في حال النوم أو عند إرادته (فليقل أعوذ بكلمات الله التامة) أي الكاملة الشاملة الفاضلة وهي أسماؤه وصفاته وآيات كتبه (من غضبه) أي من آثاره (وعقابه) أي عذابه وحجابه (وشر عباده) من الظلم والمعصية ونحوهما (ومن همزات الشياطين) أي خطراتهم ووساوسهم وإلقائهم الفتنة والعقائد الفاسدة في القلب وهو تخصيص بعد تعميم أو إيماء إلى أنهم ليسوا بعباده المخصوصين أو على الإطلاق مبالغة للتنفير عن جنسهم كما قال تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدوّ﴾ [فاطر - ٦] (وأن يحضرون) بحذف الياء وإبقاء الكسرة ليلاً عليها أي ومن أن يحضروني في صلاتي وقراءتي وذكري ودعوتي وموتي (فإنها) أي الهمزات (لن تضره) أي ظاهراً وباطناً إذا دعا بهذا الدعاء وفيه دليل على أن الفزع إنما هو من الشيطان (وكان عبد الله بن عمرو) بالواو (يعلمها) أي الكلمات (من بلغ من ولده) أي ليتعوّذ به (ومن لم حديث رقم ٢٤٧٧: أخرجه أبو داود في السنن ٢١٩/٤ حديث رقم ٣٨٩٣. والترمذي في السنن ٥٠٦/٥ حديث رقم ٣٥٢٨. وأحمد في المسند ١٨١/٢. : ١ / ٦٠٧/٢ يجدبود : م٩۴ كتاب الدعوات/ باب الاستعاذة يبلُغ منهم كتَبَها في صكٍ ثمَّ علَّقَها في عُنُقِه. رواه أبو داود، والترمذي، وهذا لفظُه. ٢٤٧٨ - (٢٢) وعن أنس، قال: قالَ رسول الله وَلَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الجنَّةَ ثلاثَ مرَّاتٍ، قالت الجنَّةُ: اللهمَّ أدخلْهُ الجنَّةَ. ومن استَجارَ مِنَ النَّارِ ثلاثَ مرَّاتٍ؛ قالتِ النار: اللهُمَّ أجِزْهُ منَ النَّارِ)). يبلغ منهم كتبها في صك) أي كتاب على ما في النهاية والقاموس وأغرب ابن حجر لغة وعرفاً في تفسير الصك بكتف من عظم (ثم علقها) أي علق كتابها الذي هي فيه (في عنقه) أي في رقبة ولده وهذا أصل في تعليق التعويذات التي فيها أسماء الله تعالى: ([رواه أحمد] وأبو داود والترمذي وهذا) أي المذكور (لفظه) أي لفظ الترمذي فرواه أبو داود بمعناه وكذا النسائي والحاكم(١) ورواه أحمد عن محمد بن يحيى بن حبان عن الوليد بن الوليد أخي خالد بن الوليد أنه قال يا رسول الله إني أجد وحشة قال إذا أخذت مضجعك فقل فذكر مثله(٢) وفي كتاب ابن السني أن خالد بن الوليد أصابه أرق فشكا ذلك إلى النبي ◌َّلقر فأمره أن يتعوّذ عنده منامه بكلمات الله التامات الخ (٣) وروى الطبراني في الأوسط قال حدث خالد بن الوليد رسول الله وَ* عن أهاويل يراها بالليل حالت بينه وبين صلاة الليل فقال رسول الله وَّيو يا خالد بن الوليد ألا أعلمك كلمات لا تقولهن ثلاث مرات حتى يذهب الله ذلك عنك قال بلى يا رسول الله بأبي وأمي فإنما شكوت هذا إليك رجاء هذا منك قال قل أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه الخ. قالت عائشة [رضي الله عنها] فلم ألبث إلا ليالي حتى جاء خالد [رحمه الله] فقال بأبي أنت وأمي والذي بعثك بالحق ما أتممت الكلمات التي علمتني ثلاث مرات حتى أذهب الله عني ما كان بي إني لو دخلت على أسد في خيسته بليل في القاموس الخيس بالكسر الشجر الملتف موضع الأسد كالخيسة . ٢٤٧٨ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَ له من سأل الله الجنة) بأن قال اللهم إني أسألك الجنة أو قال اللهم أدخلني الجنة وهو الأظهر (ثلاث مرات) أي كرره في مجالس أو في بطريق الإلحاح على ما ثبت أنه من آداب الدعاء وهذا هو الظاهر المتبادر يحتمل أن يكون المراد به ثلاث أوقات وهي عند امتثال الطاعة وانتهاء المعصية وإصابة المصيبة أو عند التصديق والإقرار والعمل (قالت الجنة) ببيان الحال أو بلسان القال لقدرته تعالى على إنطاق الجمادات أو المراد أهل الجنة من الحور والولدان وخزنتها (اللهم أدخله الجنة) أي دخولاً أوّلياً أو لحوقاً آخرياً (ومن استجار) أي استحفظ (من النار) بأن قال اللهم أجرني من النار (ثلاث مرات قالت النار اللهم أجره) أي احفظه أو انقذه (من النار) أي من دخوله أو خلوده فيها قال الطيبي وفي (١) الحاكم في المستدرك ٥٤٨/١. (٢) أحمد في المسند ٤/ ٥٧. (٣) أخرجه ابن السني في اليوم والليلة ص ٢٤٤ حديث رقم ٧٥٥. حديث رقم ٢٤٧٨: أخرجه الترمذي في السنن ٦٠٣/٤ حديث رقم ٢٥٧٢. والنسائي في السنن ٢٧٩/٨ حدیث رقم ٥٥٢١. وأحمد في المسند ٢٠٨/٣. ٣٨٤ : ٠۴۴ ٠.٢٥ ٣٨٥ كتاب الدعوات/ باب الاستعاذة رواه الترمذي، والنسائي. الفصل الثالث ٢٤٧٩ - (٢٣) عن القعقاع: أنَّ كعب الأحبارِ قال: لولا كلماتٌ أقولُهنَّ لجعلتني يهودُ حماراً. • نيورة وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريد ونوع من الالتفات ثم قال وقول الجنة والنار يجوز أن يكون حقيقة ولا بعد فيه كما في قوله تعالى: ﴿وتقول هل من مزيد﴾ [ق - ٣٠] ويجوز أن يكون استعارة شبه استحقاق العبد بوعد الله ووعيده بالجنة والنار في تحققهما وثبوتهما بنطق الناطق كأن الجنة مشتاقة إليه سائلة داعية دخوله والنار نافرة منه داعية له بالبعد منها فأطلق القول وأراد التحقق والثبوت ويجوز أن يقدر مضاف أي قال خزنتهما فالقول إذاً حقيقي أقول لكن الإسناد مجازي قال ابن حجر الحمل على لسان الحال وتقدير المضاف مخالف للقاعدة المقررة إن كل ما ورد في الكتاب والسنة ولم يحل العقل حمله على ظاهره لم يصرف عنه إلا بدليل ونطق الجمادات بالعرف واقع كتسبيح الحصى في يده ◌َّ﴿ وحنين الجذع وغيره اهـ. أقول هذه قاعدة قريبة إلى القواعد الظواهرية فإن المفسرين أجمعوا على تأويل ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف - ٨٢] ولم يقل أحد إنه يمكن بطريق خرق العادة سؤال القرية وجوابها مع أن الأمر كذلك في نفس الأمر نظراً إلى قدرة الله تعالى بل العقل مع قطع النظر عن النقل يحيل نطق الجماد نظراً إلى المألوف المعتاد وقد قال العلماء أطوار الآخرة والأسرار الإلهية كلها الثابتة بالنقل من وراء طور العقل ولذا أنكرها الفلاسفة ومن تبعهم ممن ادعوا أنهم أعقل العقلاء وإنهم لا يحتاجون إلى الأنبياء وإنما الأنبياء مرسلون إلى الأغبياء بل كثير من الفرق الإسلامية كالمعتزلة أنكروا بعض الأمور النقلية التي ثبتت بالأحاديث المتواترة المعنوية كعذاب القبر والميزان والصراط والرؤية وأمثالها وقابلهم بعض الظاهرية فحملوا القرآن على ظاهره وأثبتوا لله الصفات الجسمانية وجعلوا له الجوارح كاليد والعين والأصابع ونحوها من المحالات العقلية والنقلية وعارضهم بعض الباطنية فأوّلوا القرآن والسنة وصرفوهما عن ظواهرهما وقالوا المراد بموسى القلب وبفرعون النفس وأمثال ذلك والحق مذهب أهل السنة والجماعة الكاملون المعطون كل ذي حق حقه والله تعالى أعلم (رواه الترمذي والنسائي) وكذا ابن ماجه وابن حبان والحاكم(١). ١ ٠ (الفصل الثالث) ٢٤٧٩ - (عن القعقاع) بالقافين والعينين أي ابن حكيم المدني سمع جابر بن عبد الله وأبا يونس مولى عائشة (أن كعب الأحبار) بالحاء المهملة وهو كان من أحبار اليهود أي علمائهم أدرك زمن النبي و لي وأسلم زمن عمر رضي الله عنه (قال لولا كلمات أقولهن) أي أدعو بهن (لجعلتني يهود) أي من السحر (حماراً) أي بليداً أو ذليلاً والمعنى أنهم سحرة وقد أغضبهم (١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٣٥/١. حديث رقم ٢٤٧٩: أخرجه مالك في الموطأ ٩٥١/٢ حديث رقم ١٢ من كتاب السفر. جود ۵٣۵٠ ٣٨٦ كتاب الدعوات/ باب الاستعاذة ٠٠٤٠ إسلامي فلولا استعاذتي بهذه الكلمات لتمكنوا مني وغلبوا عليّ وجعلوني بليداً وأذلوني كالحمار فإنه مثله في الذلة قال الطيبي لعله أراد أن اليهود سحرته ولولا استعاذتي بهذه الكلمات لتمكنوا من أن يقلبوا حقيقتي اهـ. وفيه أن قلب الحقائق ليس إلا الله كما قال تعالى: ﴿كونوا قردة﴾ [البقرة - ٦٥] وقال ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ [طه - ٦٦] فهذا يدل على غاية سحرهم الذي أجمع عليه كيد السحرة في زمان فرعون الطامعين على مال فرعون وجاهه فلو كان في قدرتهم شيء أزيد من هذا لفعلوه في حق موسى عليه الصلاة والسّلام فإذا لم يقدروا في حقه فكيف يجوز أن يقدروا على سيد الخلق ومظهر الحق أن يقلبوا حقيقته ولذا قال البيضاوي والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الانسان وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط في التضام والتعاون وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية فتسميته سحراً على التجوّز ا هـ. فإذا كان ليس للشيطان أن يجعل نفسه حماراً حقيقة فضلاً عن غيره فكيف للمتوسل إلى قربه أن يقلب الحقيقة. وأما قول صاحب المدارك وللسحر حقيقة عند أهل السنة كثرهم الله تعالى وتخييل وتمويه عند المعتزلة خذلهم الله فمعناه قوله وَل في ((السحر حق)) أي ثابت واقع لا أنه خيال فاسد كرؤية الأحوال شيئاً واحداً شيئين وكتخيل الأشياء عند خلل الدماغ وحصول الأفكار الفاسدة لما يدل عليه الكتاب والسنة من قوله تعالى: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ [البقرة - ١٠٢] وقوله ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ﴾ [البقرة - ١٠٢] أي علم السحر الذي يكون سبباً في التفريق بين الزوجين بأن يحدث الله عنده النشوز والخلاف وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ومن شر النفاثات في العقد ﴾ [الفلق - ٤] كما هو مشهور في سحر اليهود عليه الصلاة والسلام وبهذا يتبين قول البغوي والصحيح أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة وعليه أكثر الأمم حكى عن الشافعي أنه قال السحر يحبل ويمرض وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به وقيل أنه يؤثر قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار ويجعل الحمار على صورة الكلب والأصح أنه تخيل قال تعالى ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى ﴾ [طه - ٦٦] لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت والجنون اهـ. ومما يدل على بطلان قلب الحقائق بعد إجماع أهل السنة والمعتزلة على خلافه أنه لم يقع مثل هذا أبداً في الكون ويدل على بطلانه النقل والعقل فمن أعجب العجائب قول ابن حجر وكون السحر يقلب الآدمي حماراً باعتبار الصورة الحقيقية أو والحقيقة على ما في ذلك من خلاف أمر واقع شوهد في بعض النواحي كصعيد مصر كما شوهد فيه أن رجلاً سافر عن زوجته بغير علمها فطال ذكره وصار كلما مشى طال فأخذه ولف على رقبته فطال فلفه إلى أن أعجزه حمله عن المشي فوقف عياً ولم يجد له مخلصاً إلا رجوعه إليها فرجع فخف ثم لا يزال يخف حتى وصل إلى محلها وليس من ذلك شيء اهـ. ولا دلالة فيه على قلب الصورة فضلاً عن الحقيقة وإنما تخييل السحر وتمويهه الحاصل من ثبوت أثر السحر إذ رجوعه إلى حاله الأول يدل على عدم القلب صريحاً فإنه لو ٢٦٦٤٠٠٨٠ ٣٨٧ كتاب الدعوات/ باب الاستعاذة فقيل له: ما هنَّ؟ قال: أعوذُ بوجهِ الله العظيم الذي ليس شَيءٌ أعظمَ مِنْه، وبكلماتِ اللَّهِ التامَّاتِ التي لا يُجاوزُهنَّ بَرِّ ولا فاجرٌ، وبأسماءِ اللَّهِ الحُسنى ما علمتُ منها تحقق القلب لبقي ذكره في حلقه إلى يوم القيامة إذ لم يقع حينئذ سحر آخر قلبه ثانياً مع أن دعوى المشاهدة باطلة إذ هي مجرد حكاية فاسدة مما يستمرها الناس ويحكمونها في بيوت القهوة وتجوز في عقول النساء وبعض الرجال ممن سخف عقله وسخف قلبه والله المستعان وعليه المتكلان (فقيل له ما هن) أي تلك الكلمات (قال أعوذ بوجه الله العظيم) أي ذاته (الذي ليس شيء أعظم منه) ولا مساوياً لعظمته ولا قريباً منها بل ولا عظمة لغيره لأن الكل عبيده بل وليس في الكون وجود لغيره ثم يحتمل أن يكون الموصول صفة للمضاف أو المضاف إليه والمؤدي واحد (وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) إعادة لزيادة التأكيد قال الطيبي (رحمه الله تعالى] المراد علم الله الذي ينفد البحر قبل نفاده وأراد بقوله بر ولا فاجر الاستيعاب كقوله: ﴿رطب ولا يابس﴾ [الأنعام - ٥٩] فإن تكرير حرف التأكيد للاستيعاب وأراد بالكلمات التامات القرآن فيؤول البر والفاجر المؤمن والكافر والمطيع والعاصي لا يتجاوزان حالهما وما عليهما من الوعد والوعيد والثواب والعقاب وغير ذلك ويؤيده قوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً ﴾ [الأنعام - ١١٥] لأن الصدق ملائم للوعد والوعيد والخبر من القصص ونبأ الأوّلين والآخرين مما سبق ومما سيأتي والبدل موافق للأمر والنهي والثواب والعقاب وما أشبه ذلك وأما قول ابن حجر وهذا مما يوجب(١) فيه تكرير لا ومع وجوبه لا ينافي تسميتها مؤكدة كما وقع في كلام شارح هنا كما هو محرر في محله من حواشي الكشاف وغيرها في لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث لا فارض ولا بكر لا شرقية ولا غربية ١ هـ. فغير صحيح على إطلاقه فإن محل الوجب على ما ذكره أبو حيان في البحر إنما هو إذا كان الوصف نفياً بلا فإنه لزم تكراره كما في مررت برجل لا كريم ولا شجاع قال تعالى: ﴿لا بارد ولا كريم﴾ [الواقعة - ٤٤] ولا يجوز بغير تكرار لا إلا في الشعر وما نحن فيه من الحديث ليس من ذلك القبيل فتدبر ثم قوله وتفسيري المجاوزة بالإحصاء غير بعيد لأنه من أحصى الشيء فقد جاوزه إلى غيره في غاية من البعد لأنه إذا كان المراد بالكلمات علومه تعالى فلا يجاوزه أحد بمعنى أنه لا يقع من مخلوق في حركاته وسكناته المجاوزة والمخالفة لمعلوماته تعالى ومع صحة هذا المعنى لا وجه للعدول إلى معنى الإحصاء اللازم منه المجاوزة على زعمه مع أنه لا معنى لقوله لا يحصى علمه بر ولا فاجر إذ لا يفيد التأكيد حينئذ أصلاً كما لا يخفى وأيضاً تفسير المجاوزة بالإحصاء لا يصح عند إرادة المعنى الثاني بالكلمات وهو القرآن ثم من العجيب تبجحه وعلى زعمه ترجحه بقوله وهذا الذي ذكرته في شرح قوله التي الخ أحسن وأوضح مما ذكره شارح فتأمل هذا والإمام أحمد استدل بهذا الحديث ونحوه على أن القرآن غير مخلوق لأنه عليه الصلاة والسّلام استعاذ به كما استعاذ بالله وبصفاته کرب الناس بعزّته وقدرته ولم يكن يستعيذ بمخلوق (وبأسماء الله الحسنى ما علمت منها) أي من الكلمات (١) في المخطوطة ((يجب)). ٠٫٠٠ ٣٨٨ كتاب الدعوات/ باب الاستعاذة وما لم أعلم، من شرِّ ما خَلِق وذَرأ وبَرأ رواه مالك. ٢٤٨٠ - (٢٤) وعن مسلم بن أبي بَكرةَ، قال: كانَ أبي يقولُ في دُبُرِ الصلاةِ: اللهُمَّ إِني أعوذُ بك من الكفْرِ والفَقْرِ، وعذابِ القبرِ. فكنت أقولهُنَّ. فقال: أَيْ نبيّ! عمَّنْ أخذتَ هذا؟ قُلتُ: عنكَ. قال: إِنَّ رسولَ اللهِ وَ ◌ّلَ كانِ يقولهُنَّ في دُبرِ الصَّلاةِ. رواه النسائي، والترمذي، إِلا أنَّهُ لم يذكر: في دُبرِ الصلاة. وروى أحمد لفظ الحديث، وعنده: في دُبرِ كلِّ صلاةٍ. ٢٤٨١ _ (٢٥) وعن أبي سعيدٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ وَه يقول: ((أعوذُ بالله منَ والأسماء أو من الأسماء وهو الأقرب (وما لم أعلم) أي منها والمراد العموم (من شر ما خلق) أي أنشأ وقدر (وذرأ) بالهمزة أي بث ونشر (وبرأ) أي أوجد مبرأ عن التفاوت فخلق كل عضو على ما ينبغي قال تعالى: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾ [الملك - ٣] (رواه مالك). ٢٤٨٠ - (وعن مسلم بن أبي بكرة) تابعي وأبوه صحابي (قال كان أبي يقول في دبر الصلاة) أي المكتوبة أو جنس الصلاة وهو يحتمل أن يكون آخرها وعقبها قبل السلام أو بعده وهو الأظهر (اللهم إني أعوذ بك من الكفر) أي من أنواعه (والفقر) أي فتنته أو فقر القلب المؤدي إلى كفران النعمة وفى اقترانه بالكفر إشارة إلى ما ورد كاد الفقر أن يكون كفر حيث لم يكن راضياً بما قسم الله له وشاكراً لما أنعم عليه (وعذاب القبر) أي الذي منشؤه الكفر والكفران (فكنت أقولهن) أي تقليد الأبي (فقال أي نبي) بفتح الياء المشددة وكسرها والتصغير للشفقة (عمن أخذت هذا) أي هذا الدعاء وفيه إيماء إلى أن الأليق للسالك أن يدعو بالدعوات المأثورة ولم يخترع من عنده (قلت عنك) أي أخذته (قال) ترقية له من المقام الأدنى إلى المرتبة الأعلى وتنبيهاً له على تحصيل السند إلى رسول المولى (أن رسول الله يل ر كان يقولهن في دبر الصلاة) بضم الدال المهملة على اللغة المشهورة والرواية المعروفة وقال أبو عمر المطرزي دبر كل شيء بفتح الدال أي آخر أوقاته من الصلاة وغيرها قال وهذا هو المعروف في اللغة وأما الجارحة فبالضم وقال الماوردي نقلاً عن ابن الأعرابي دبر الشيء بالضم والفتح آخر أوقاته والصحيح الضم ولم يذكر الجوهري وآخرون غيره كذا نقله ميرك وفي القاموس الدبر بالضم بضمتين نقيض القبل ومن كل شيء عقبة ومؤخره (رواه النسائي والترمذي إلا أنه) أي الترمذي (لم يذكر في دبر الصلاة وروى أحمد لفظ الحديث) أي دون القصة (وعنده في دبر كل صلاة) وفي الحصن أنه روى الحاكم وابن أبي شيبة وابن السني (١) لا أنه لا يفهم منه أنهم رووا القصة أم لا. ٢٤٨١ - (وعن أبي سعيد قال سمعت رسول الله وَ # يقول أعوذ بالله من حديث رقم ٢٤٨٠: أخرجه أبو داود في المسند ٣٢٥/٥. حديث رقم ٥٠٩٠. والنسائي ٢٦٢/٨ حديث رقم ٥٤٦٥. وأحمد في المسند ٣٦/٥. (١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٥٢/١. وابن السني في عمل اليوم والليلة ص ٤٨ حديث رقم ١١٠. حديث رقم ٢٤٨١: أخرجه النسائي في السنن ٢٦٧/٨ حديث رقم ٥٤٨٥. وأحمد في المسند ٣٨/٣. /١٠٢٠/ ٣٨٩ كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء الكفْرِ والدَّيْنِ)) فقال رجلٌ: يا رسولَ الله! أتغْدِلُ الكفْرَ بالدَّين؟ قال: ((نعم)). وفي رواية: («اللهُمَّ إِني أعوذُ بكَ من الكُفْرِ والفقر)). قال رجل: ويعدلان؟ قال: ((نعم)). رواه النسائي. (٩) باب جامع الدعاء الفصل الأول ٢٤٨٢ - (١) عن أبي موسى الأشعري، عن النبيِّ وَّ: أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «اللهُمَّ اغفر لي خَطِيئَتي، وجَهْلي، وإِسْرَافي في أمري، الكفر والدين فقال رجل يا رسول الله أتعدل الكفر) أي تساويه وتقارنه (بالدين قال نعم) فإن الذي عليه الدين يخاف عليه في دينه من الشين حيث يكذب في حديثه ويخلف في وعده فيكون كالمنافق (وفي رواية اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر قال) وفي نسخة فقال (رجل ويعدلان) بصيغة المجهول وفي نسخة بصيغة المعلوم أي يعدل أحدهما بالآخر أي ويستويان (قال نعم) قال الطيبي أي نعم أساوي الدائن بالمنافق لأن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف كما في حديث عائشة والفقير الذي لم يصبر على فقره أسوء حالاً من الدائن وقد روي(١) كاد الفقر أن يكون كفراً اهـ. ولأن الدائن ربما يكون متحملاً وعلى ربه متوكلاً وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته (رواه النسائي). (باب جامع الدعاء) قال الطيبي هو من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الدعاء الجامع لمعان كثيرة في ألفاظ يسيرة وما ذكره ابن حجر رحمه الله بلفظ الدعوات مخالف للأصول وقوله ثم قوله أي الدعوات الجامعة فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف غير مطابق بين الصفة والموصوف فتأمل يظهر لك الخلاف . (الفصل الأول) ٢٤٨٢ - (عن أبي موسى الأشعري عن النبي وَلي أنه كان يدعو بهذا الدعاء اللهم اغفر لي خطيئتي) أي سيئتي (وجهلي) أي فيما يجب على علمه وعمله (وإسرافي) أي تقصيري أو تجاوزي عن حدي (في أمري) قال ميرك [رحمه الله] الخطيئة الذنب ويجوز تسهيل الهمزة فيقال خطية بالتشديد والجهل ضد العلم والإسراف مجاوزة الحد في كل شيء قال الكرماني يحتمل (١) في المخطوطة ((يروى). حديث رقم ٢٤٨٢: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩٦/١١. حديث رقم ٦٣٩٨. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٨٧ حديث رقم (٢٧١٩.٧٠). وأحمد في المسند ٤١٧/٤. ٣٩٠ كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء وما أَنْتَ أعْلَمُ بهِ مني، اللَّهُمَّ اغفِر لي جِدِي، وهزلي، وخَطَئي، وعَمْدي، وكلُّ ذلكَ عندي . ١٠٠ قوله في امري أن يتعلق بجميع ما ذكر (وما أنت أعلم به مني) تعميم بعد تخصيص واعتراف بإحاطة علمه تعالى وإقرار بعجزه عن معرفة نفسه ولذا قيل من عرف نفسه فقد عرف ربه (اللهم اغفر لي جدي) هو نقيض الهزل (وهزلي) وهو المزاح أي ما وقع مني في الحالين أو هو التكلم بالسخرية والبطلان (وخطئي) مما يقع فيه تقصير مني في الصحاح الخطأ نقيض الصواب وقد يمدوا الخطأ الذنب (وعمدي) أو وتعمدي في ذنبي (وكل ذلك) أي جميع ما ذكر من الذنوب والعيوب (عندي) أي موجود أو ممكن وهو كالتذييل للسابق قال الطيبي أي أنا متصف بجميع هذه الأشياء فاغفرها لي قاله تواضعاً وهضماً وعن علي أنه عد ترك الأولى وفوات الكمال ذنباً وقيل أراد ما كان قبل النبوة قال ابن حجر كذا ذكره النووي وحكايته هذين الأخيرين مع سكوته عليهما عجيبة فإن الأصح المختار عند المحققين أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون قبل النبوة وبعدها من كبائر الذنوب وصغائرها عمدها وسهوها ! هـ. وتعجبه من أكبر العجائب لأن النووي قدم المختار وعند المحققين بقوله قاله هضماً لنفسه وقوّاه بنقله عن علي أن المراد به خلاف الأولى ثم عبر عن غير المختار بقيل وقيل إشارة إلى ضعفهما عنده فمثل هذا لا يعد سكوناً عليه حتى يتعجب منه ثم من الغرائب قوله عند قوله وَلهيدر وكل ذلك عندي أي أنا متصف بهذه الأشياء فلا أريد بما سبق التجوّز بل ولعل ما ذكره المصنف ورد في رواية أو نسخة ولا شك أن الجميع بينهما ويجوز الاكتفاء بأحدهما الحصول المقصود بكل منهما الحقيقة أي بأحد الاعتبارات السابقة فهذا كالتذييل لما سبقه اهـ. ووجه غرابته المناقضة والمعارضة بين كلامه سابقاً وتمامه لاحقاً هذا واعلم مجملاً أن الأنبياء معصومون عن الكذب خصوصاً فيما يتعلق بأمر الشرائع أما عمداً فبالإجماع وأما سهواً فعند الأكثرين وفي عصمتهم عن سائر الذنوب تفصيل وهو أنهم معصومون من الكفر قبل الوحي وبعده بالإجماع وكذا عن تعمد الكبائر ضد الجمهور خلافاً للحشوية وإنما (١) الخلاف في أن امتناعه بدليل السمع أو العقل فعندنا بالسمع وعند المعتزلة بالعقل وأما سهواً فجوّزه الأكثرون وأما الصغائر فتجوز عمداً عند الجمهور خلافاً للجبائي وتجوز سهواً بالاتفاق إلا ما يدل على الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبه لكن المحققون اشترطوا أن ينبهوا عليه فينتهوا عن وهذا كله بعد الوحي وأما قبله فلا دليل على امتناع صدور الكبيرة وذهب المعتزلة إلى امتناعها لأنها توجب النفرة المانعة عن اتباعه فتفوت مصلحة البعثة والحق منع ما يوجب النفرة كعهر الأمهات والصغائر الدالة على الخسة ومنع الشيعة صدور الصغيرة والكبيرة قبل الوحي وبعده لكنهم جوّزوا الكفر تقية قال التفتازاني (رحمه الله] إذا تقرر هذا فما نقل عن الأنبياء عليهم [الصلاة] والسلام مما يشعر بكذب أو معصية فما كان منقولاً بطريق الآحاد فمردود وما كان بطريق التواتر فمصروف عن ظاهره إن أمكن وإلا ٩٠٠% (١) في المخطوطة ((واما)). ١٠٠ ٠ ٠٠ ٥٣,٠٠ ٣٩١ کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء اللهمَّ اغفِرْ لي ما قَدَّمتُ وما أخّرتُ، وما أسررتُ، وما أَعلنتُ، وما أنتَ أعلمُ بهِ مني. أنتَ المقدِّمُ، وأنتَ المؤخّرُ، وأنتَ على كلِّ شيءٍ قدير)). متفق عليه. ٢٤٨٣ - (٢) وعن أبي هريرة، قال: كانَ رسولُ اللَّهِوَ له يقولُ: «اللهُمَّ أَصلِح لي ديني الذي هوَ عِضْمةُ أمري. وأصلح لي دُنيايَ التي فيها معاشي، وأَصلِح لي آخرَتي التي فيها مَعادي، واجعل الحياةَ زيادةً لي في كلٌ خيرٍ، واجْعَل الموتَ راحةً لي من كلِّ شرِ)). رواه مسلم. فمحمول على ترك الأولى أو كونه قبل البعثة وتفصيل ذلك في الكتب المبسوطة وقيل تعليماً لأمته أو استغفاراً لهم (اللهم اغفر لي ما قدمت) أي من الذنوب أو من التقصير في العمل (وما أخرت) أي وما يقع مني بعد ذلك على الفرض والتقدير وعبر عنه بالماضي لأن المتوقع كالمتحقق أو معناه ما تركت من العمل أو قلت سأفعل أو سوف أترك (وما أسررت) أي أخفيت من الذنوب (وما أعلنت) أي أظهرت من العيوب (وما أنت أعلم به مني أنت المقدم) أي أنت تقدم من تشاء بتوفيقك إلى رحمتك (وأنت المؤخر وأنت على كل شيء) أي أردته من التقديم والتأخير وغيرهما وقول ابن حجر على كل شيء تريده موهم فتنبه (قدير) كامل القدرة تام الإرادة (متفق عليه) المفهوم من الحصن أن قوله اللهم اغفر لي ما قدمت إلى قوله مني من أفراد مسلم ورواه أبو داود الترمذي والنسائي أيضاً وأما ما عدا فمتفق عليه لكنه بروايات متعددة . ٢٤٨٣ - (وعن أبي هريرة قال كان رسول الله ( * يقول اللهم اصلح لي) أي عن الخطأ (ديني الذي هو عصمة أمري) أي ما يعتصم به في الصحاح العصمة المنع والحفظ قال تعالى ﴿واعتصموا بحبل الله﴾ أي بعهده وهو الدين وقيل معناه أن الدين حافظ جميع أموري فإن من فسد دينه فسد جميع أموره وخاب وخسر في غيبته وحضوره وحزنه وسروره (واصلح لي دنياي) أي ما يعيني على العبادة (التي فيها معاشي) قيل معناه حفظ من الفساد ما احتاج إليه في الدنيا (واصلح لي آخرتي التي فيها معادي) مصدر عاد إذا رجع أي وقضى للطاعة التي هي إصلاح معادي (واجعل الحياة زيادة) أي بسبب زيادة (لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر) أي بأن يكون على شهادة واعتقاد حسن وتوبة حتى يكون موتي سبب خلاصي عن مشقة الدنيا وحصول راحة في العقبى قال الطيبي رحمه الله إصلاح الدنيا عبارة عن الكفاف فيما يحتاج إليه وأنه يكون حلالاً ومعيناً على طاعة الله وإصلاح المعاد اللطف والتوفيق على عبادة الله وطاعته وطلب الراحة بالموت إشارة إلى قوله 8* إذا أردت بقوم فتنة فتوفني غيره مفتون وهذا هو النقصان الذي يقابل الزيادة في القرينة السابقة (رواه مسلم). حديث رقم ٢٤٨٣: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٨٧ حديث رقم (٢٧٢١/٧١). ٣٩٢ كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء ٢٤٨٤ _ (٣) وعن عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ، عن النبيِّ وَّرَ أنه كان يقول: («اللهُمَّ إِني أَسألكَ الهُدى، والتُّقى، والعفافَ والغنى)). رواه مسلم. ٢٤٨٥ _ (٤) وعن عليّ رضي الله عنه، قال: قالَ لي رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قل: اللّهُمَّ اهدِني، وسَدِّدني، واذكُرْ بالهُدى هِدَايَتَكَ الطَّريقَ، وبالسَّدَادِ سَدادَ السَّهم)). رواه مسلم. ٢٤٨٦ - (٥) وعن أبي مالكِ الأشجعيِّ، عن أبيهِ، قال: كانَ الرَّجلُ إِذا أسلَمَ، علَّمَه النبيُّ وَّرِ الصَّلاةَ، ثمَّ أمرَه أنْ /٠٣٠ ٢٤٨٤ - (وعن عبد الله بن مسعود عن النبي وَّر أنه كان يقول اللهم إني أسألك الهدى) أي الهداية الكاملة (والتقى) أي التقوى الشاملة (والعفاف) بالفتح أي الكفاف وقيل العفة عن المعاصي يقال عف عن الحرام يعف عفا وعفة وعفافاً أي كف كذا في الصحاح ونقل عن أبي الفتوح النيسابوري أنه قال العفاف إصلاح النفس والقلب (والغنى) أي غنى القلب أو الاستغناء عما في أيدي الناس قال الطيبي أطلق الهدى والتقى ليتناول كل ما ينبغي أن يهتدي إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق وكل ما يجب أن يتقي منه من الشرك والمعاصي ورذائل الأخلاق وطلب العفاف والغنى تخصيص بعد تعميم (رواه مسلم) وكذا الترمذي وابن ماجه. ٢٤٨٥ - (وعن علي قال: قال لي رسول الله وَلاير قل اللهم اهدني) أي ثبتني على الهدى أو دلني على الكمالات الزائدة كما قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ﴾ [العنكبوت - ٦٩] (وسددني) أي اجعلني مستقيماً قيل السداد إصابة القصد في الأمر والعدل فيه يعني أسأل غاية الهدى ونهاية السداد قال الطيبي فيه معنى قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرتَ ﴾ [هود - ١١٢] ﴿اهدنا الصراط﴾ [الفاتحة - ٦] أي اهدني هداية لا أميل بها إلى طرفي الإفراط والتفريط (واذكر) عطف على قل أي اقصد (وتذكر) يا علي (بالهدى هدايتك الطريق) أي المستقيم (وبالسداد) بفتح السين (سداد السهم) أي القويم وقيل المعنى كن في سؤالك الهداية والسداد كالسهم المسدد والراكب متن المنهج المستقيم وفيه تصوير المعقول بالمحسوس لأنه أوقع في النفوس وقال الطيبي أمره بأن يسأل الله الهدى والسداد وأن يكون في ذكره مخطراً بباله والمعنى أن يكون في سؤاله طالباً غاية العدل ونهاية السداد إذ المطلوب هداية كهداية من ركب متن الطريق وسداد السهم نحو الغرض (رواه مسلم). ٢٤٨٦ - (وعن أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال كان الرجل إذا أسلم علمه النبي ◌َّ الصلاة) أي جنس مسائل الصلاة من شروطها وأركانها أو الصلاة التي تحضره فإنه فرض عينه (ثم أمره أن حديث رقم ٢٤٨٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٨٧/٤ حديث رقم (٢٧٢١.٧٢). والترمذي في السنن ٤٨٨/٥ حديث رقم ٣٤٨٩. وابن ماجه ١٢٦٠/٢ حديث رقم ٣٨٣٢ وأحمد في المسند ٤١١/١. حديث رقم ٢٤٨٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٩٠ حديث رقم (٧٨. ٢٧٢٥). وأبو داود في السنن ٤/ ١٣٠ حديث رقم ٤٢٢٥. حديث رقم ٢٤٨٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٧٣/٤ حديث رقم (٦٩٧.٣٥). in کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء ٣٩٣ يدعُوَ بهِؤُلاءِ الكلِماتِ: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لي وارحمني، واهْدِني وعافني، وارْزُقْني)). رواه مسلم. ٢٤٨٧ - (٦) وعن أنس، قال: كانَ أكثرُ دعاءِ النَّبِيِّ نَّهِ: («اللهُمَّ آتِنا في الدُّنيا حسنَةً، وفي الآخرةِ حسنَةً، وقِنا عذابَ النَّارِ)). متفق عليه. يدعو بهؤلاء الكلمات اللهم اغفر لي) أي بمحو ذنوبي (وارحمني) أي بستر عيوبي (واهدني) أي [إلى ] سبيل السلامة أو تبنى على نهج الاستقامة (وعافني) أي من البلايا والخطايا (وارزقني) أي رزقاً حلالاً (رواه مسلم). ٢٤٨٧ - (وعن أنس) [رضي الله عنه] (قال كان أكثر دعاء النبي ◌َّ﴿) أي لكونه دعاء جامعاً ولكونه من القرآن مقتبساً وجعل الله داعية ممدوحاً (اللهم آتنا في الدنيا) أي قبل الموت (حسنة) أي كل ما يسمى نعمة ومنحة عظيمة وحالة مرضية (وفي الآخرة) أي بعد الموت (حسنة) أي مرتبة مستحسنة (وقنا عذاب النار) أي احفظنا منه وما يقرب إليه. وقيل: حسنة الدنيا اتباع الهدى وحسنة الآخرة مرافقة الرفيق الأعلى وعذاب النار حجاب المولى لعله وَّ ر كان يكثر هذا الدعاء لأنه من الجوامع التي تحوز جميع الخيرات الدنيوية والأخروية وبيانه أنه * كرر الحسنة ونكرها(١). وقد تقرر في علم المعاني أن النكرة إذا أعيدت كانت غير الأولى فالمطلوب في الأولى الحسنات الدنيوية من الاستقامة والتوفيق والوسائل إلى اكتساب الطاعات [والمبرات] بحيث تكون مقبولة عند الله. وفي الثانية ما يترتب عليها من الثواب والرضوان في العقبى اهـ. وفي تفسير الآية أقوال كثيرة كلها ترجع إلى المعنى الأعم منها قول بعضهم في الدنيا حسنة أي الطاعة والقناعة أو العافية وفي الآخرة حسنة أي تخفيف الحساب ورفع(٢) العذاب ودخول الجنة وحصول الرؤية. ولعل الاكتفاء في طلب الحفظ بعذاب النار إيماء إلى أن ما عداه أمر سهل بل يكون سبباً لمحو السيئات أو لرفع الدرجات فكأنه قال وقنا كل سيئة في الدنيا بخلاف الحسنة الشاملة في الدنيا والعقبى عبر عن السيئة بقوله عذاب النار والمراد سيئة يترتب عليها عذاب النار احترازاً من سيئة تمحوها التوبة أو الشفاعة أو المغفرة والله تعالى أعلم. وقال الطيبي: قوله وقنا عذاب النار تتميم أي أن صدر منا ما يوجبه من التقصير والعصيان فاعف عنا وقنا عذاب النار. وقال ابن حجر: عذاب النار أي الحسية والمعنوية وهي الحجاب ولشمول النار لهذا تغليباً ومجازاً مشهوراً يعلم أن هذا ليس من باب التتميم اهـ. وهو خطأ سببه عدم الفهم المستقيم في معنى التتميم لأنه لا يؤتى به إلا بعد حصول التعميم وبيانه إن بعد حصول الحسنة في الدنيا ووصول الحسنة في العقبى عذاب النار لا يبقى لا بمعنى العقاب ولا بمعنى الحجاب فما بقي الكلام إلا تتميماً يعني على الغرض والتقدير لو وقع الذنب والتقصير فلا تؤاخذنا بالتعذيب والتعزير وهذا الذي يظهر لي من التقرير (متفق عليه) ولفظ الحصن ((اللهم ربنا آتنا)) الخ. وقال: رواه البخاري * سوء Mi حديث رقم ٢٤٨٧: أخرجه البخاري في صحيحه ١٩١/١١. حديث رقم ٦٣٨٩. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٧١ حديث رقم (٢٦٩٠.٢٧). والترمذي في السنن ٤٨٧/٥ حديث رقم ٣٤٨٧. وأحمد في المسند ٢٠٨/٣. (١) فى المخطوطة ((وتكررها)). (٢) فى المخطوطة ((دفع)). د.جرام ٣٩٤ كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء الفصل الثاني ٢٤٨٨ - (٧) عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: كانَ النبيُّ وَّرِ يدْعُو يقول: ((ربِّ أَعِنِّي ولا تُعِنْ عَلَيَّ، وانصُزْني ولا تنصُرْ عَليَّ، وامكُزْ لي ولا تمكُرْ عليَّ، واهْدِني ويسِّر الهُدى لي، وانصُرْني على مَنْ بَغى عليَّ، ربِّ اجعَلني لكَ شاكراً، لكَ ذاكراً، لكَ راهِباً، لكَ ومسلم وأبو داود والنسائي كلهم عن أنس ولعل ما ذكره المصنف ورد في رواية أو نسخة ولا شك أن الجميع بينهما ويجوز الاكتفاء بأحدهما لحصول المقصود بكل منهما. (الفصل الثاني) ٢٤٨٨ - (عن ابن عباس قال النبي ◌َير يدعو يقول) بدل أو حال (رب أعني) أي وفقني لذكرك وشكرك وحسن عبادتك (ولا تعن عليّ) أي لا تغلب عليّ من يمنعني من طاعتك من شياطين الإنس والجن (وانصرني ولا تنصر عليّ) أي اغلبني على الكفار ولا تغلبهم عليّ أو انصرني على نفسي فإنها أعدى أعدائي ولا تنصر النفس الأمارة عليّ بأن أتبع الهوى وأترك الهدى (وامكر لي ولا تمكر عليّ) قال الطيبي: المكر الخداع وهو من الله إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون. وقيل: هو استدراج العبد بالطاعة فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة. وقال ابن الملك: المكر الحيلة والفكر في دفع عدوّ بحيث لا يشعر به العدو فالمعنى اللهم اهدني إلى طريق دفع أعدائي عني ولا تهد عدوّي إلى طريق دفعه إياي عن نفسه. قال بعض العارفين في قوله تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ [الأعراف - ١٨٢]: يظهر لهم الكرامات حتى يظنوا أنهم أولياء الله ثم يأخذهم على غفلة وغرة ويميئهم على غفلة (واهدني) أي دلني على الخيرات أو على عيوب نفسي (ويسر الهدى لي) أي وسهل اتباع الهداية أو طرق الدلالة [لي] حتى لا أستثقل الطاعة ولا أشتغل عن العبادة (وانصرني) أي بالخصوص (على من بغى عليّ) أي ظلمني وتعدى عليّ. قال ابن حجر: هذا تأكيد لا عني الخ. والصواب، أنه تخصيص لقوله وانصرني في الأوّل (رب اجعلني لك) قدم المتعلق للاهتمام والاختصاص أو لتحقيق مقام الاخلاص (شاكراً) أي على النعماء والآلاء (لك ذاكراً) في الأوقات والآناء (لك راهباً) أي خائفاً في السراء والضراء. وفي الحصن لك شكاراً لك رهاباً على وزن فعال بصيغة المبالغة. وقال ابن حجر: أي منقطعاً عن الخلق، وفيه هذا من لوازم معناه الأعم منه ومن غيره هو بإشارة الصوفية أشبه وأما معنى العبارة فما قدمناه مع أن الرهبانية منسوخة عن هذه الأمة ومراد الصوفية بالانقطاع إنما هو انصراف الهمة عن الخلق والتعلق بالحق وهذا تارة يصدر وينشأ من غاية الرهبة وتارة يصدر من غاية الرغبة وجمهورهم على أن العبادة والعزلة بوصف من جهة الرجاء والترغيب أفضل من حصول الخوف والترهيب ولهم مقام فوق ذلك وقد علم كل أناس مشربهم وكل قوم في منهاج مذهبهم ومرتبة الجامعية المحمدية. هي أكمل المقامات حديث رقم ٢٤٨٨: أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ١٧٥ حديث رقم ١٥١٠. والترمذي في السنن ٥/ ٥١٧ حديث رقم ٣٥٥١. وابن ماجه ١٢٥٩/٢ حديث رقم ٣٨٣٠. وأحمد في المسند ٢٢٧/١. ٩٠٠٠ ٣٩٥ كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء مِطُواعاً، لكَ مُخْبِتَاً، إِليكَ أوَّاهاً مُنيباً، ربِّ تقبَّلْ توبَتي، واغسِلْ حَوْبَتي، العلية والحالات السنية، كما تدل عليه الدعوات الإلهية والتضرعات البهية التي تنبىء عن كمال العبودية عند التجليات الربوبية (لك مطواعاً) بكسر الميم مفعال للمبالغة أي كثير الطوع وهو الانقياد والطاعة وفي رواية ابن أبي شيبة مطيعاً أي منقاداً(١) (لك مخبتاً) أي خاضعاً خاشعاً متواضعاً من الخبت وهو المطمئن من الأرض. يقال أخبت الرجل إذا نزل الخبت ثم استعمل الخبت استعمال اللين والتواضع. قال تعالى: ﴿وأخبتوا إلى ربهم﴾ [هود - ٢٣] أي اطمأنوا إلى ذكره أو سكنت نفوسهم إلى أمره وأقيم اللام مقام إلى لتفيد الاختصاص. قال تعالى: ﴿وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ [الحج - ٣٤ - ٣٥] (إليك أوّاها) أي متضرعاً فعال للمبالغة من أوّه تأويها وتأوّه تأوّها إذا قال أوّه أي قائلاً كثيراً لفظ أوّه وهو صوت الحزين أي اجعلني حزيناً ومتفجعاً على التفريط أو هو قول النادم من معصيته المقصر في طاعته وقيل الأوّاه البكاء (منيباً) أي راجعاً قيل التوبة رجوع من المعصية إلى الطاعة والإنابة من الغفلة إلى الذكر والفكرة والاوبة من الغيبة إلى الحضور والمشاهدة قال الطيبي وإنما اكتفى في قوله أوّاها منيباً بصلة(٢) واحدة لكون الإنابة لازمة للتأوّه ورد يقال له فكأنه شيء واحد ومنه قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب﴾ [هود - ٧٥] ١ هـ. وتعقبه ابن حجر بما لا يصح ذكره (رب تقبل توبتي) بجعلها صحيحة بشرائطها واستجماع آدابها فإنها لا تتخلف عن حيز القبول قال تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ [الشورى - ٢٥] وأما قول ابن حجر: حتى تكون نصوحاً فلا أنكثها أبداً فموهم أنه يلزم من النصوح عدم النكث وليس كذلك. قال تعالى: ﴿توبوا إلى الله توبة نصوحاً﴾ [التحريم - ٨] بفتح النون أي بالغة في النصح وهو في الأصل صفة التائب فإنه ينصح نفسه بالتوبة وصفت به التوبة على الاسناد المجازي مبالغة وقرأ أبو بكر بضم النون وهو مصدر بمعنى النصح وتقديره ذات نصوح أو تنصح نصحاً لأنفسكم وفسر نصوحاً بصادقة وخالصة. وأما ما اشتهر عند العامة أن المراد بالنصوح تائب مشهور فغير مراد بالآية اجماعاً للمفسرين والحاصل أن العزم على عدم العود شرط [في] صحة التوبة لا عدم النكث على الصحيح خلافاً لبعضهم وأما ما ورد مرفوعاً إن التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب حتى يعود اللبن إلى الضرع فمحمول على كماله أو المراد منه حسن خاتمته ومآله (واغسل حوبتي) بفتح الحاء وبضم أي امح ذنبي قيل هي مصدر حبت أي أثمت تحوب حوبة وحوباً وحابة والحوب بالضم والحاب الإثم سمي بذلك لكونه مزجوراً عنه إذا لحوب في الأصل لزجر الإبل وذكر المصدر دون الإثم وهو الحوب لأن الاستبراء من فعل الذنب أبلغ منه من نفس الذنب كذا قيل ويمكن أن يكون مراعاة للسجع وقد جاء في التنزيل إنه كان حوباً كبيراً ثم ذكر الغسل ليفيد إزالته بالكلية والتنزه والتفصي عنه كالتنزه عن القذر الذي يستنكف عن مجاورته. وأما قول ابن حجر: أي أزل آثامي بتبديلها حسنات فأمر خارج عن اللغة ومفهوم (١) في المخطوطة ((منقطعاً)) (٢) في المخطوطة ((إلى منيب)). مص, ٣٩٦ ١٣٠٠ کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء وأَجِبْ دَغْوَتي وثَبِّتْ حُجَّتي، وسَدِّدْ لِساني، واهْدٍ قَلبي، واسلُلْ سَخيمةً صَذْري)). رواه الترمذيُّ، وأبو داود، وابنُ ماجه. ٢٤٨٩ - (٨) وعن أبي بكرٍ، قال: قامَ رسولُ اللهِ وَِّ على المِنبرِ، ثمَّ بكى، فقالَ: ((سَلُوا اللَّهَ العَفْوَ والعافِيَةَ، الحديث (وأجب دعوتي) أي دعائي وأما قول ابن حجر ذكر لأنه من فوائد قبول التوبة فموهم أنه لا تجاب دعوة غير التائب وليس الأمر كذلك لما صح من أن دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً وفي رواية ولو كان كافراً (وثبت حجتي) أي على أعدائك في الدنيا والعقبى أو ثبت قولي وتصديقي في الدنيا وعند جواب الملكين (وسدد) أي صوّب وقوّم (لساني) حتى لا ينطق إلا بالصدق ولا يتكلم إلا بالحق (واهد قلبي) [أي] إلى معرفة ربي (واسلل) بضم اللام الأولى أي أخرج (سخيمة صدري) أي غشه وغله وحقد وحسده ونحوها مما ينشأ من الصدر ويسكن في القلب من مساوي الأخلاق وفي رواية ابن أبي شيبة قلبي بدل صدري قبل السخيمة الضغن والحقد من السخمة وهو (١) السواد منه سخام القدر وقيل السخيمة الضغينة وإضافتها إلى الصدر لأن مبدأها القوّة الغضيبة التي في القلب الذي هو في الصدر وسلها اخراجها وتنقية الصدر منها من سل السيف إذا أخرجه من الغمد. قال الطيبي: فإن قلت ما الفائدة في ترك العاطف في قوله رب اجعلني إلى منيباً وفي الإتيان به في القرائن اللاحقة قلت أما الترك فللتعداد والإحصاء ليدل على أنه ما كان لله غير معدود ولا داخل تحت محدود فينعطف بعضها على بعض ولذا قدم الصلة على متعلقاتها وأما الإتيان بالعاطف فيما كان للعبد فلإنضباطه ا هـ. وتعقبه ابن حجر بما لا طائل تحته عند تأمله وإن قال فتأمله فإنه ينبغي الاعتناء بتأمله (رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه) وقال الجزري: رواه الأربعة وابن حبان والحاكم(٢) وابن أبي شيبة. ٢٤٨٩ - (وعن أبي بكر) رضي الله عنه (قال قام رسول الله وير على المنبر ثم بكى) قيل إنما بكى لأنه علم وقوع أمته في الفتن وغلبة الشهرة والحرص على جمع المال وتحصيل الجاه فأمرهم بطلب العفو والعافية ليعصمهم من الفتن (فقال رسول الله العفو) أي محو الذنوب وستر العيوب (والعافية) قيل: هو أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم منك، وقيل: إن تعفو عنهم ويعفوا عنك والأظهر أن معناه السلامة في الدين من الفتنة وفي البدن من سيىء الأسقام وشدة المحنة وأما الذي ذكروه فإنما هو معنى المعافاة كما لا يخفى (فإن أحداً لم يعط بعد اليقين) أي علم [اليقين وهو] الإيمان والبصيرة في الدين (خيراً من العافية) قال الطيبي: وهي السلامة من الآفات فيندرج فيها العفواهـ. يعني ولعموم معنى العافية الشاملة العفو اكتفى بذكرها عنه والتنصيص عليه سابقاً للإيماء إلى أنه أهم أنواعه. وأغرب ابن حجر حيث قال: بعدما ذكر (١) في المخطوطة ((هي)). (٢) الحاكم في المستدرك ١/ ٥٢٠. حديث رقم ٢٤٨٩: أخرجه الترمذي في السنن ٥٢١/٥ حديث رقم ٣٥٥٨. وابن ماجه ١٢٦٥/٢ حديث رقم ٣٨٤٩. وأحمد في المسند ٣/١. هذة ٣٩٧ ٠٠٠٠١/٠١ كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء فإِنَّ أحداً لمْ يُعطَ بعدَ اليقينِ خيراً منَ العافيةِ)). رواه الترمذيُّ، وابنُ ماجه. وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ إِسناداً. ٢٤٩٠ - (٩) وعن أنس، أنَّ رجلاً جاءَ إِلى النبيُّ وَّه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ! أيّ الدُّعاءِ أفضلُ؟ قال: ((سَلْ ربَّكَ العافيَةَ والمعافاةَ في الدُّنيا والآخرَةِ)). ثمَّ أتاهُ في اليوم الثَّاني، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ! أيُّ الدُّعاءِ أفضلُ؟ فقالَ له مثلَ ذلك. ثمَّ أتاهُ في اليوم الثَّالثِ، فقالَ له مثلَ ذلكَ، قال: ((فإذا أُعطيتَ العافيَّةَ والمُعافاةَ في الدُّنيا والآخرةِ فقد أَفَلحْتَ)). رواه الترمذي، وابنُ ماجه. وقال الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ إِسناداً. خلاصة كلام الطيبي: فإن قلت كيف أفرد العافية بعد جمعها قلت لأن معنى العفو محو الذنوب ومعنى العافية السلامة عن الأسقام والبلايا فاستغنى عن ذكر العفو بها لشمولها له ووجه الغرابة أن أخذ الذنوب من البلايا ليس من كتاب اللغة ولا من باب التعارف وإن كانت الصوفية قد يعبرون عن المعصية بالبلية ولكنه من أصحاب العبارات لا من أرباب الإشارات (رواه الترمذي وابن ماجه. وقال: الترمذي هذا حديث حسن غريب إسناداً) أي غريب اسناده لا متنه. وفي الحصن رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث الصديق. قال ميرك: ولفظ الحاكم ((سلوا الله العفو والعافية واليقين في الأولى والآخرة(١)). ٢٤٩٠ - (وعن أنس أن رجلاً جاء إلى النبي ◌َ ﴿ فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل قال: سل ربك العافية) أي في الدين والبدن (والمعافاة) أي من الخلق وما يترتب على مخالطتهم من الفتن أو المراد من العافية المسامحة في حق الله ومن المعافاة المسامحة في حق العباد (في الدنيا والآخرة) أي فيما يتعلق بهما ويحصل الضرر فيهما (ثم أتاه في اليوم الثاني فقال له يا رسول الله أي الدعاء أفضل فقال له مثل ذلك) أي مثل ذلك القول فنصبه على المصدرية (ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك قال) أي مبيناً له أفضلية الدعاء (فإذا أعطيت العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة فقد أفلحت) أي خلصت من خوفك وظفرت بمقصودك قيل ليس في الشريعة كلمة أجمع من الفلاح إلا العافية وكذا النصيحة (رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب اسناداً) تمييز عن الثاني فإن الغرابة تارة تكون في المتن وأخرى وفي الإسناد كما هو مقرر في أصول الفقه وأما الحسن فلا يكونن إلا باعتبار اسناده فليس فيه إيهام ليحتاج إلى رفعه بالتمييز. فقول ابن حجر تمييز عن حسن وغريب وكذا في نظائرهما إنما نشأ عن كثرة غفلة أو قلة تمييز. وروى الطبراني عن العباس أنه قال قلت يا رسول الله علمني شيئاً أدعو الله به فقال سَل ربك العافية فمكثت أياما ثم جئت فقلت يا رسول الله علمني شيئاً أسأله ربي عز وجل فقال يا عم سل الله العافية في الدنيا والآخرة. وفي رواية للطبراني يا عم أكثر الدعاء بالعافية أي لأنها التحصيل المقاصد وافية ولدفع البلايا كافية. (١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٥٢٩/١. حديث رقم ٢٤٩٠: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٩/٥ حديث رقم ٣٥١٢. وابن ماجه ١٢٦٥/٢ حديث رقم ٣٨٤٨. وأحمد في المسند ١٢٧/٣. ٣٩٨ كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء ٢٤٩١ - (١٠) وعن عبدِ الله بنَ يزيد الخِطَمْيُّ، عنْ رسولِ اللهِ وَّ أنَّه كانَ يقولُ في دُعائِهِ: («اللهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ وحُبَّ مَنْ ينفَعُني حُبُّه عندَكَ، اللهُمَّ ما رزَقتني مما أحب فاجْعلْهُ قوَّةً لي فيما تُحبُّ، اللهُمَّ ما زَوَيْتَ عني مِمَّا أُحبُّ فاجْعلْهُ فراغاً لي فيما تُحبُّ)). رواه الترمذي . ٢٤٩٢ - (١١) وعن ابن عمرَ، قال: قلَّما كانَ رسولُ اللّهِ وَلَهَ يقومُ منْ مجلسٍ حتى يدعوَ بهؤُلاءِ الدَّعَواتِ لأصحابه: («اللهُمَّ اقسِمْ لنا مِنْ خشيَتكَ ما تحولُ به بيننا وبينَ ٢٤٩١ - (وعن عبد الله بن يزيد الخطمي) بفتح المعجمة وسكون المهملة قال المؤلف أنصارى شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة (عن رسول الله وَ القول أنه كان يقول في دعائه اللهم ارزقني حبك) يحتمل إضافته إلى الفاعل وإلى المفعول والأوّل أبلغ وهو الأصل مع أنهما متلازمان قال تعالى: ﴿يحبهم ويحبونه﴾ [المائدة - ٥٤] والثاني أظهر لأن الأوّل أزلي ولا يتعلق الدعاء إلا بالحادث ولمناسبة قوله (وحب من ينفعني حبه عندك) على ما هو الظاهر منه والظرف متعلق بينفعني وكلام ابن حجر وهو من يتقرب إليك بحبه من المقربين إليك موهم فتأمله (اللهم ما رزقتني) ولفظ الحصن كما رزقتني (مما أحب) أي الذي أعطيتني من الأشياء التي أحبها من صحة البدن وقوته وأمتعة الدنيا من المال والجاه والأولاد والأمنية والفراغ (فاجعله قوّة) أي عدة (لي فيما تحب) بأن أصرفه فيما تحبه وترضاه من الطاعة والعبادة (اللهم ما زويت) في الحصن اللهم وما زويت من الزي بمعنى القبض والجمع ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ((اللهم ازو لنا الأرض وهوّن علينا السفر)) أي أطوهما، كما في رواية أخرى أي ما قبضته ونحيته وبعدته (عني) بأن منعتني ولم تعطني (مما أحب) أي مما اشتهيه من المال والجاه والأولاد وأمثال ذلك (فاجعله فراغاً) أي سبب فراغ خاطري (فيما تحب) أي من الذكر والفكر والطاعة والعبادة، قال القاضي: يعني ما صرفت عني من محابي فتحه عن قلبه واجعله سبباً لفراغي لطاعتك ولا تشغل به قلبي فيشغل عن عبادتك، وقال الطيبي: أي اجعل ما نحيته عني من محابي عوناً لي على شغلي بمحابك وذلك أن الفراغ خلاف الشغل فإذا زوى عنه الدنيا ليتفرغ بمحاب ربه كان ذلك الفراغ عوناً له على الاشتغال بطاعة الله وفي الحديث قال عمر رضي الله عنه عجبت لما زوى الله عنك (رواه الترمذي). ٢٤٩٢ - (وعن ابن عمر قال: قلما كان رسول الله وَلفر يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه) أي قل تركه لهم(١) (اللهم اقسم لنا) أي اجعل لنا قسماً ونصيباً (من خشيتك) وهو خوف مع التعظيم (ما تحوّل به) أي مقداراً تحتجب أنت بسببه (بيننا وبين صوتـ حديث رقم ٢٤٩١: أخرجه الترمذي في السنن ٤٨٨/٥ حديث رقم ٣٤٩١. حديث رقم ٢٤٩٢: أخرجه الترمذي في السنن ٤٩٣/٥ حديث رقم ٣٥٠٢. (١) في المخطوطة ((لهن)). ٣٩٩ کتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء معاصيكَ، ومنْ طاعتِكَ ما تُبلّغُنا به جنّتكَ، ومنَ اليقينِ ما تُهُوِّنُ به علينا مصيباتِ الدُّنيا، ومتِّعْنا بأَسماعنا وأبصارِنا وقُوَّتِنا ما أحييتنا، معاصيك) فإنه لا أمنع لها من خشية الله تعالى وما في الحديث ((نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه)). مبالغة(١) في كماله بأن ترك عصيانه نشأ عن المحبة لا عن الرهبة مع الخشية أخص من الخوف كما أشرنا إليه وفي نسخة يحول بالتحتية وترك به أي قدراً يمنع بيننا وبينها من حال يحول حيلولة. وأما قول ابن حجر: أي بسببه أو هي باء الآلة وكلاهما مجاز. فغير صحيح، لأنه لا فرق بينهما في الحقيقة مع أن اطلاق الآلة في حق الله تعالى خطأ فاحش وإن أراد بالمجاز ضد الحقيقة باعتبار اللغة فقد صرح أربابها بأنهما حقيقتان في معنييهما ففي القاموس الباء للسببية ﴿فكلاً أخذنا بذنبه﴾ [العنكبوت - ٤٠] ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل ﴾ [البقرة - ٥٤] وللاستعانة نحو كتبت بالقلم ونجرت بالقدوم ومنه باء البسملة ا هـ. وفي إيراد الأمثلة المذكورة تنبيه وتوجيه وجيه لما قلنا من صحة إطلاق السببية في فعله تعالى وفي فعل غيره بخلاف الآلة والاستعانة فإنه منزه عز وجل عن ذلك (ومن طاعتك) بإعطاء القدرة عليها والتوفيق لها (ما تبلغنا) بالتشديد أي توصلنا أنت (به جنتك) أي درجاتها العلية وأما قول ابن حجر ما أي نصيباً وافراً يحصل لنا تبلغنا فظاهره أن تبلغنا بصيغة المصدر من باب التفعل وهو ظاهر الخطأ رواية ودراية ثم قوله بأن تدخلنا مع الناجين غير مناسب للمقام كما لا يخفى على الكرام من أرباب المفهوم على الكلام (ومن اليقين) أي اليقين بك وبأن لا مراد لقضائك وبأنه لا يصيبه إلا ما كتبته علينا وبأن ما قدرته لا يخلو عن حكمة ومصلحة مع ما فيه من مزيد المثوبة (ما تهوّن به) أي تسهل أنت بذلك اليقين (علينا مصيبات الدنيا) وفي رواية مصائب الدنيا فإن من علم يقينا أن مصيبات الدنيا مثوبات الأخرى لا يغتم بما أصابه ولا يحزن بما نابه وروي ما يهوّن علينا من غير به فيقتضي أن يكون يهوّن بالياء آخر الحروف وانبات به يقتضي أن يكون بالتاء المثناة فوق (ومتعنا) أي اجعلنا متمتعين منتفعين (باسماعنا وأبصارنا وقوّتنا) بأن نستعملها في طاعتك ليكون لنا بها نفعاً وقال ابن الملك [رحمه الله] التمتع بالسمع والبصر ابقاؤهما صحيحين إلى الموت أراد بالسمع والعمل به وبالبصر اعتبار ما يرى وهكذا في سائر القوى (ما أحييتنا) أي مدة حياتنا. قال الطيبي: وإنما خص السمع والبصرة بالتمتيع من الحواس لأن الدلائل الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده إنما تحصل من طريقهما لأن البراهين إنما تكون مأخوذة من الآيات وذلك بطريق السمع أو من الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس فذلك بطريق البصر فسأل التمتع بهما حذراً من الانخراط في سلك الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولما حصلت المعرفة بالأوّلين يترتب عليها العبادة فسأل القوّة ليتمكن بها من عبادة ربه اهـ. وبالآية والحديث في تقديم السمع على البصر إشارة إلى أفضليته خصوصاً على قول الجمهور أنه لا تكليف قبل البعثة حتى في معرفة الله بالعقل مع وجود الآيات الآفاقية والأنفسية حينئذ مع إنه إذا خلق أبكم فيبعد أن يعرف الله تعالى بمجرد (١) حديث موضوع. ٤٠٠ كتاب الدعوات/ باب جامع الدعاء واجعلْهُ الوارِثَ منَّا، واجْعلْ ثأرَنا على مَنْ ظلمنَا، عقله وكذا بعد البعثة لا شك أن الانتفاع الديني بالسمع أكثر من الانتفاع بالبصر ولذا اتفقوا على قبول إيمان المقلد بخلاف إيمان صاحب الفترة فإنه لا يمكن تحققه إلا بالتوحيد المجرد فقط على ما قاله بعض علمائنا هذا والمراد بالقوّة قوّة سائر الأعضاء والحواس أو جميعها فيكون تعميماً بعد تخصيص. وأما قول ابن حجر: بما تقرر علم وجه ذكر هذين دون بقية الحواس ثم رأيت الشارح صرح بما ذكرته فقال وإنما خص السمع والبصر فمردود لأن مراد الطيبي أنه إنما خص السمع والبصر سابقاً مع دخولهما في تعميم قوّتنا لاحقاً إنه إنما خصا بالذكر بمعنى أنه لم يذكر غيرهما من القوى الظاهرية والباطنية فقال إن الفرق دقيق وبالتأمل حقيق (واجعله) أي كل واحد منها يعني اجعل ما متعنا به (الوارث) أي الباقي منا بأن يبقى ما متعنا به إلى الموت. قال زين العرب الزمخشري: أعاد الضمير إلى المصدر المحذوف أي اجعل الجعل أو جعلا الوارث من عشيرتنا فمنا مفعول ثان لجعل وقال الطيبي: الضمير للمصدر أي اجعل الجعل والوارث هو المفعول الأوّل ومنافي موضع المفعول الثاني أي اجعل الوارث من نسلنا لا كلالة خارجة عنا. قال صاحب كشف الكشاف: وهو معنى مقصود للعقلاء حكاه تعالى عن زكريا عليه الصلاة والسلام في قوله ﴿فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ [مريم - ٥ -٦] وهذا أولى الاستحقاقه بالفائدة فإن في قولنا متعنا باسماعنا وأبصارنا ما يغني عن جعلها كالوارث ولأن الأصل عدم التأويل. ويؤيده قوله أيضاً: ﴿رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين﴾ [الأنبياء - ٨٩] وأطال ابن حجر في تعقب هذا القول بما لا طائل تحته. ولذا أعرضت عن ذكره وعن جواب اعتراضاته وقيل الضمير للتمتع وهو المفعول الأوّل والوارث وهو الثاني ومناصلته أي اجعل التمتيع باقياً منا مأثوراً فيمن بعدنا. وقيل: المعنى وفقنا لحيازة العلم لا المال حتى يكون العلم هو الذي يبقى منا وقيل الضمير للاسماع والإبصار والقوّة بتأويل المذكور أي اجعل المذكور باقياً لازماً عند الموت لزوم الوارث قال صاحب الكشف يريد اجعلها سالمة لازمة معنا إلى الموت وبولغ فيه فقيل اجعلها كأنها تبقى بعده لأن الوارث يبقى بعد الموت وقيل الضمير للتمتع الذي دل عليه التمتيع والمعنى اجعل تمتعنا باقياً منا محفوظاً لنا إلى يوم الحاجة وذكر الخطابي أنه سأل الله تعالى أن يبقى له السمع والبصر إذا أدركه الكبر وضعف منه سائر القوى ليكونا وارثي سائر القوى والباقيين بعدها اهـ. وفيه ما لا يخفى لأنه لما كان قوّة السامعة والباصرة أنفع القوى خصمها بالذكر أولاً ثم عمم وقيل الأولى أن المراد به أن لا ينقطع هذا الفيض الإلهي عنه وعن اتباعه لكونه رحمة للعالمين وهدى للمتقين (واجعل ثأرنا) بالهمز بعد المثلثة المفتوحة أي ادراك ثارنا مقصوراً (على من ظلمنا) ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب ثأره فأخذ به غير الجاني كما كان معهوداً في الجاهلية فنرجع ظالمين بعد أن كنا مظلومين وأصل الثأر الحقد والغضب يقال ثأرت القتيل وبالقتيل أي قتلت قاتلة وأما قول ابن حجر: من الثوران يقال ثار أي أهاج غضبه فخطأ من حيث اللغة فإن ما نحن فيه مهموز العين والذي قاله معتل العين فلا اتحاد بينهما في المادة كما يشهد به القاموس والنهاية ولعله قرأ ثارنا بالألف أو كان في نسخته كذلك لكنه ليس بحجة فإن الهمزة الساكنة ابدالها عند الكل أو اجعل اراك ثارنا على من ظلمنا فندرك ثارنا فيكون بمعنى قوله