النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
كان زلَّفها، وكانَ بعد القِصاصُ: الحسنةُ بعشْرٍ أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ إلى أضعاف
كثيرةٍ، والسيئةُ بمثلها إِلا أن يتجاوزَ الله عنها)). رواه البخاري.
٢٣٧٤. (١١) وعن بنِ عبَّاس [رضي الله عنه]، قال: قال رسول الله وَ له : ((إِنَّ اللَّهَ
كتبَ الحسناتِ والسيِّئاتِ :
كان زلفها) بتشديد اللام أي قدمها على الإسلام والأصل فيه القرب والتقدم (وكان بعد) بضم
الدال أي بعد الإسلام أو بعد التفكير به (القصاص) بالرفع أي المجازاة على الأعمال التي
يفعلها بعد إسلامه أو اتباع كل عمله بمثله واختصاص الحسنة بالزيادة من فضله وأخذ القصاص
من القصص الذي هو تتبع الأثر وهو ورجوع الرجل من حيث جاء ومنه قوله تعالى: ﴿فارتدا
على آثارهما قصصاً﴾ [الكهف. ٦٤] وسمي القود قصاصاً لمجازاة الجاني وفي بعض النسخ
بإضافة بعد إلى القصاص وسيأتي وجهه (الحسنة بعشر أمثالها) الجملة بيان وتفسير للقصاص
قال ابن الملك وفي بعض النسخ والحسنة بواو العطف يعني وكانت الحسنة لعشر أمثالها الخ
بخلاف ما قبل الإسلام فإنه إذا عمل حسنة في الكفر ثم أسلم يعطي لكل حسنة ثواب حسنة
واحدة اهـ. وهو يحتاج إلى بيان وبرهان لأن الكافر حال كفره لم يصدر عنه حسنة إلا صورة
(إلى سبعمائة ضعف) أي تنتهي إلى ذلك وتمتد (إلى أضعاف) أي أمثال (كثيرة) فضلاً من الله
ونعمة (والسيئة بمثلها) عدلا ورحمة ولو بالحرم خلافاً لمجاهدو وغيره (إلا أن يتجاوز الله عنها)
أي بقبول التوبة أو بالعفو عن الجريمة قال زين العرب [رحمه الله] في بعض النسخ بعد بالبناء
والقصاص بالرفع وفي بعضها بالإضافة وفي بعضها والحسنة بعشر أمثالها بواو العطف وفي بعضها
بدونها فمعنى الأوّل مع العطف وكان بعد الإسلام أي يثبت عليه بعده القصاص إن جنى على أحد
أو وكان بعد القصاص إن كان عليه لاحد حق مالي ويثبت له الحسنة لعشر أمثالها والسيئة بمثلها
ومعناه بدون العطف ظاهر لأن الحسنة الخ يكون بيانا للقصاص أي المجازاة والتتبع الذي يفعل
معه في حسناته وسيئاته ومعنى الثاني مع العطف وكأن أي المذكور من تكفير الله عنه كل سيئة كان
زلفها بعد القصاص أي الإسلام وعقيبه دون التمهل والتراخي إلى ظهور حسن وكان له أيضاً
عقيب إسلامه الحسنة بعشر أمثالها فالحسنة على هذا عطف على الضمير المستتر في كان وجاز
بدون توكيده بمنفصل للفصل بالظرف ومعناه بدون العاطف ظاهر لأن الحسنة فاعل كان
والقصاص بمعنى الإسلام كما مر ويجوز أن يراد به القود أيضاً (رواه البخاري).
٢٣٧٤. (وعن أبن عباس قال: قال رسول الله وَ ﴿ إن الله كتب الحسنات والسيئات) أي
أثبتهما في سابق علمه وأمر الملائكة بكتبهما في اللوح أو بينهما وعينهما في كتاب أو قضاهما
وقدرهما أو أمر الحفظة بكتابتهما ليوازنهما أو صحفهما يوم القيامة والمراد بالحسنات ما يتعلق
به الثواب بالسيئات ما يستحق فاعله العقاب وفي رواية الاربعين ثم بين ذلك أي مقدارهما
وعين مبلغهما للسفر والكرام بات بعضها يجازي بعشر أو سبعين أو سبعمائة إلى غير ذلك أو
حديث رقم ٢٣٧٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٢٣/١١. حديث رقم ٦٤٩١. ومسلم في صحيحه.

٢٨٢
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
فمن همَّ بحسَنَةٍ فَلَم يعْمَلْها؛ كتبها الله لهُ عندَهُ حَسَنةً كاملةً. فإِنْ همَّ بها فعملها؛ كتبها اللَّهُ له
عنده عَشْرَ حسنَاتٍ إِلى سبعمائةٍ ضعفٍ إِلى أضعافٍ كثيرةٍ. ومن همَّ بسيّئةٍ فلم يعمَلْها؛ كتبها
! الله له عنده حَسَنَةٌ كاملةً. فإِنْ هو همَّ بها فعملها؛ كتبها الله له سيئةً واحدةً)). متفق عليه.
بينه في التنزيل أو فصل النبي والقر ذلك الإجمال بما بعده فيكون من كلام الراوي ويدل عليه
تركه في هذا الكتاب وذكر اسم الإشارة بإعتبار المذكور (فمن هم) قال الطيبي الفاء للتفصيل
لأن قوله كتب الحسنات يحمل لم يعرف منه كيفية الكتابة (١) أي فمن قصد (بحسنة) وصمم
على فعلها (فلم يعملها) أي لم يتيسر له عملها العذر (كتبها الله له عنده حسنة كاملة) مفعول ثان
بإعتبار تضمين معنى التصيير أو حال موطئة وذلك لأن العمل بالنية ونية المؤمن خير من عمله
فإنه يثاب على النية بدون العمل ولا يثاب على العمل بدون النية لكن لا يضاعف ثواب الحسنة
بالنية المجردة (فأن هم بها فعملها) بأن جمع بين النية والعمل (كتبها الله له عنده عشر حسنات
إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة) أي لمن شاء من عباده تفضلا وإحسانا وهذه المراتب
بحسب التفاوت في العمل إخلاصا ومراعاة بشرائطه وآدابه قال السيد إن هذا التضعيف لا يعلم
أحدكم هو وما هو وإنما أبهمه الله تعالى لأن ذكر المبهم من باب الترغيب أقوى من ذكر
المحدود ولذا قال تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [السجدة. ١٧] وفي
الحديث القدسي ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على
قلب بشر (٢)) (ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة) جوزي بحسنة كامله
لأنه ممن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإنه إنما تركها بعد أن هم بها مراقبة الله وحذرا
منه مع القدرة عليها لا إن هم فلم يعمل للعجز (فإن هو) أي الشأن أو مريد العمل (هم بها
فعملها) أي جمع بين القصد والعمل إحترازا من الخطأ والزلل وليس لفظ هو في الأربعين بل
لفظه وإن هم بها فعملها (كتبها الله له سيئة واحدة) قال ابن الملك وإنما كان كذلك لأن رحمته
أكثر من غضبه قال ابن حجر فيه دليل على إن لا مؤاخذة بالهم وهو الأصح خلافاً لمن زعم
المؤاخذة به والكلام كما علمت من الحديث في الهم الذي لم ينضم إليه تصميم أما المنضم
إليه ذلك فهو سيئة على الأصح أيضاً اهـ. وليس على إطلاقه بل التحقيق عدم المؤاخذة فيما لا
اختيار له لقوله تعالى: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً ﴾ [الأسراء. ٣٦]
ولقوله ري ((إنما يحشر الناس على نياتهم)) (٣) وللإجماع على المؤاخذة بالكبر والعجب والرياء
إلا أن يمتنع لأجله تعالى فيمحوه أو يباشره فيكتب له سيئة واحدة فضلا منه تعالى (متفق عليه)
قال النووي فأنظر يا أخي وفقني الله وإياك إلى عظم لطف الله وتأمل هذه الإلفاظ وقوله عنده
إشارة إلى الاعتناء بها وقوله كاملة للتوكيد وشدة الاعتناء بها وقال في السيئة التي هم بها ثم
تركها كتبها الله عنده حسنة كاملة فاكدها بكاملة وإن عملها كتبها سيئة واحدة فأكد تقليلها
بواحدة فلله الحمد والمنة.
٣٤/٣ ->>***** ٢٤*٠٠٠٠
(١) في المخطوطة ((الكتبة)).
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه ابن ماجه في السنن الحديث رقم ٤٢٣٠.
Blesc

100
٢٨٣
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
الفصل الثاني
٢٣٧٥. (١٢) عن عقبة بن عامرٍ، قال: قال رسول الله وَّ: «إِنَّ مثلَ الذي يعملُ السيِّئَاتِ
ثُمَّ يعملُ الحسَنَاتِ، كمثلِ رجلٍ كانتْ عليه درعٌ ضيّقةٌ، قد خَقَتْهُ ثمَّ عمِلَ حسنةً فانفكتْ حَلْقَةٌ
ثمّ عمِل أُخرى فانْفَكَّتْ أُخرى، حتى تخرُجَ إلى الأرضِ)) رواه في ((شرح السنة)).
٢٣٧٦. (١٣) وعن أبي الدرداءِ: أنَّهُ سمعَ النبيَّ ◌َّهَ يَقُصُّ على المنبرِ وهو يقول:
﴿وَلِمِنْ خافَ مِقَامَ رَبِّهِ
(الفصل الثاني)
٢٣٧٥. (عن عقبة بن عامر قال رسول الله ﴿ إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل
الحسنات) أي صفته (كمثل رجل) قيد به لمناسبته بالدرع (كانت عليه درع ضيقة قد خنقته) أي
عصرت حلقه فإنه بعمل السيئات يضيق صدره ويحيره في الامور ويبغضه إلى الناس وبعمل
الحسنات ينشرح صدره وتتيسر أموره ويصير محبوباً في قلوب الناس وهذا معنى قوله (ثم عمل
حسنة) أي أيَّ حسنة كانت والتنوين للتنكير وأما قول ابن حجر أي أوصل نعمة لمن له قدرة
على فك حلق تلك الدرع فجازاه بفك واحدة منها فموهم للتخصيص ومخرج للحديث من
التمثيل المعنوي إلى الأمر الحسي والعجب من إنه قال وما قررته في عمل حسنة هو الذي
يصح به ترتيب الحديث ويتضح به التمثيل بخلاف ما أوهم كلام شارح من بقاء الحسنة على
معناها من مجرد عمل العبادة لأنه لا مناسبة بين عملها وفك تلك الحلق فتأمله ا هـ. فتأملنا
فوجدنا كلامه غير معقول والمعنى لأن الإحسان إلى شخص مرة بعد أخرى بإن يفك في كل
مرة حلقة واحدة من حلق الدرع متعسر بل متعذر عادة وأيضاً الذي لبس درعاً ضيقة تخنقت
يقدر على خلعها ولا يحتاج إلى إنه بفعل أنواعا من الإحسان في كثير من الأزمان حتى يخلصه
من اختناق درعه (فانفكت) أي انحلت (حلقة) بسكون اللام وبفتح (ثم عمل أخرى) أي حسنة
(فانفكت أخرى) أي حلقة وهكذا تنفك واحدة بعد واحدة بعد أخرى (حتى تخرج إلى الأرض)
أي حتى تسقط الدرع قال الطيبي أي حتى تنحل وتنفك بالكلية ويخرج صاحبها من ضيقها
فقوله تخرج إلى الأرض كناية عن سقوطها اهـ. والحديث تمثيل وبيان لقوله تعالى ﴿إن
الحسنات يذهبن السيئات﴾ (رواه) أي البغوي (في شرح السنة) أي بإسناده.
٢٣٧٦. (وعن أبي الدرداء إنه سمع النبي ◌َّلير يقص) أي يحدث الناس ويعظمهم (على
المنبر وهو) أي والحال إنه (يقول ﴿ولمن خاف مقام ربه﴾) أي موقفه الذي يقف فيه العباد
للحساب يوم القيامة وقيل أي ولمن خاف من القيام بحضرة ربه يوم القيامة قال تعالى ﴿يوم يقوم
الناس لرب العالمين ﴾ [المطففين - ٦] ويجوز أن يراد به إن الله تعالى قائم عليه أي حافظ مهيمن
حديث رقم ٢٣٧٥: أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٤٥.
حديث رقم ٢٣٧٦: أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٤٢.

٢٨٤
١٣٠/٠
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
جئّتانِ﴾ قلت: وإِنْ زنى وإِنْ سرقَ؟ يا رسول الله! فقال الثانية: ﴿ولمن خاف مقامَ ربِّهِ
جئّتان﴾ فقلتُ الثانيةَ: وإِنْ زنى وإِنْ سرقَ؟ يا رسول الله! فقال الثالثة: ﴿ولمن خاف مقام
أَربِّه حثّتان﴾ فقلتُ الثالثة: وإِنْ زنى وإِنْ سرَقَ؟ يا رسول الله! قال: ((وإِنْ رغم أَنفُ أبي
الدرداء)). رواه أحمد.
١١٢٢
٢٣٧٧ . (١٤) وعن عامرِ الرَّامِ، قال: بينا نحنُ عندَه، يعني عندَ النبي ◌َّله
من قوله: ﴿أفمن هو قائم﴾ [الرعد. ٣٣] الآية فهو يراقب ذلك ولا يجرأ على معصيته
وقال الطيبي يعني موقف عرض الأعمال على الله تعالى: ((جنتان﴾) (١) أي جنتان ذوتا
أفنان إلى آخر صفاتهما المذكورة في القرآن المبينة أنهما أعلى من الجنتين المذكورتين
بعدهما. من الجنان ومن ثم قال ومن دونهما أي في المرتبة والنعيم والشرف وذلك لأن
خوفه يحمله على دوام مراقبة الحق وادمان الأعمال الصالحة الموصلة له مقامين عاليين قبل
جنة لعمل الطاعة وجنة الترك السيئة وقيل جنة للثواب بطريق العدل وجنة للاقتراب بطريق
الفضل وقال بعض الصوفية جنة معجلة في الدنيا بالحضور مع المولى وجنة مؤجلة في
الآخرة بلقاء المولى والدرجات العلى والاظهر أن يقال جنة من الذهب آنيتها وقصورها
وحليها وغيرها وجنة من الفضة كذلك على ما ورد في بعض الأحاديث يمكن أن يقال جنة
للسابقين وجنة لأصحاب اليمين أو جنة عن يمينهم وجنة عن يسارهم (قلت وإن زنى وإن
سرق يا رسول الله) أن وصلية أي ولو زنى وسرقّ الخائف له جنتان قال ابن حجر وإن
سبق منه قبل هذا الخوف نحو الزنا والسرقة ويصح على بعد وإن فعلها مع هذا الخوف
ووجه بعده اجتماع هذا الخوف وفعل ذينك وأمثالهما اهـ. والثاني هو الظاهر المفيد
للمبالغة فإن ما سبق من الخوف الباعث على الرجوع والتوبة لا يسئل عنه ولا يستغرب منه
(فقال الثانية) أي في المراة الثانية زيادة في التأكيد (﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت
الثانية وإن زنى وإن سرق يا رسول الله فقال الثالثة ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ فقلت
الثالثة وإن زنى وإن سرق يا رسول الله قال وإن رغم) بكسر الغين أي لصق بالتراب ذلاً
وهواناً (أنف أبي الدرداء) وضبط بفتحها فقيل معناه ذل وقيل اضطرب وقيل غضب وظاهر
الحديث إن من على عمومه والمراد بالخائف المؤمن فيكون نظير حديث رواه الشيخان عن
أبي ذر مرفوعاً ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة قلت وإن
٤) زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق ثم قال في الثالثة أو الرابعة على رغم أنف أبي ذر)»
٤ الحديث(٢) . كما سبق في أوّل الكتاب وأغرب ابن الملك حيث قال هنا يعني من خاف
الله في معصيته فتركها يعطيه الله أجر أغفر تلك الزنية والسرقة (رواه أحمد).
٢٣٧٧ . (وعن عامر الرام) أي الرامي (قال بينا نحن عنده يعني عند النبي ◌ٌَّ) تفسير من
(١) سورة الرحمن . آية ٤٦.
(٢) راجع الحديث رقم (٢٦).
حديث رقم ٢٣٧٧: أخرجه أبو داود في السنن ١٨٢/٣ حديث رقم ٣٠٨٩.

/١٠٠
٢٨٥
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
إِذْ أقبلَ رجلٌ عليهِ كساءٌ وفي يده شيءٌ قد التفَّ عليه، فقال: يا رسول الله! مَرَرْتُ
بِغَيْضَة شجرٍ، فَسَمِعْتُ فيها أصوات فِراخِ طائرٍ، فأخذتُهنَّ، فوضعتُهنَّ في كسائي،
فجاءت أُمُهنَّ، فاستدارَتْ على رأسي، فكشفتُ لها عنهنَّ، فوقَعَتْ عليهنَّ فلففَتُهنَّ
بكسائي، فهُنَّ أولاءِ معي. قال: ((ضَعْهنَّ)). فوضعتُهنَّ وأَبَتْ أمُهنَّ إِلا لزومَهنَّ. فقال
رسول الله وَّ: ((أتعجبون لِرُحمِ أمّ الأفراخِ
الراوي عن الرامي (إذ أقبل) أي توجه (رجل عليه كساء) بكسر الكاف أي خرقة (وفي يده شيء قد
التف) بكساء أو نحوه وقال ابن حجر أي ذلك الكساء ولا وجه للجزم به (عليه) أي على ذلك
الشيء (فقال) جواب عن سؤال مقدر تقديره ما هذا الشيء فالفاء فصيحة فقال (يا رسول الله مررت
بغيضة شجر) الغيضة الغابة وهو مجتمع الأشجار أضافها إلى الشجر أما لمزيد البيان أو يراد
بالشجر المرعى كما جاء في الحديث (ونأى بي الشجر) أي بعد بي المرعى والشجر وأما قول ابن
حجر الإضافة بيانية أي بغيضة هي شجر ملتف بعضه على بعض لكثرته فمبني على ظاهر ما ذكره
في النهاية من إن الغيضة هي الشجر الملتف ولما كانت البيانية غير صحيحة على هذا المعنى فإن
الأوّل خاص والثاني عام أورد سؤالاً وجواباً فقال فإن قلت ليست الغيضة اسماً لمطلق الشجر بل
الشجر الملتف فلا تكون الإضافة بيانية قلت تنوينها للتنكير فكأنه قال بغيضة وهي شجر كبير ومن
لازمه الإلتفات غالباً اهـ. وقوله للتنكير صوابه للتعظيم على ما ادعى كما لا يخفى ومع هذا قيد
الغالبية لا يصحح البيانية بل بدونها أيضاً كما حقق في خاتم فضة أن النسبة بينهما عموم
وخصوص من وجه فالصواب ما اخترناه مطابقاً للقاموس من أن الغيضة بالفتح الأجمة ومجتمع
الشجر بل يتعين حمل كلام النهاية على هذا المعنى وهو أن المراد بالشجر الجنس وبالملتف أن
يلتف بعض الأشجار إلى بعضها لا المفرد المعين الملتف بعض أغصانه إلى بعض فإن الغيضة
تطلق على موضع تكثر فيه (١) السباع والطيور (فسمعت فيها) أي في الغيضة (أصوات فراخ طائر)
بكسر الفاء جمع كثرة للفرخ وهو ولد الطير وجمعه للقلة الفراخ وجمع بينهما في الحديث إما
اتساعاً أو استعمالاً لكل من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية كما في قوله تعالى:
﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة. ٢٢٨] وأما إشعاراً بأن تلك القلة كانت خارجة
عن العادة وبالغة إلى حد الكثرة ويشهد له الضمائر المتعاقبة في قوله: ﴿فأخذتهن فوضعتهن في
كسائي فجاءت أمهن) كذا حققه الطيبي (فاستدارت) أي دارت (على رأسي فكشفت لها عنهن) أي
فرفعت الكساء عن وجه الفراخ لأجل أمهن حتى رأتهن (فوقعت) أي نزلت وسقطت (عليهن
فلففتهن) أي جميعهن (بكسائي فهن) أي هن وأمهن (أولاء) اسم إشارة (معي) أي تحت كسائي
(قال) أي النبي ◌َّلر (ضعهن فوضعتهن) أي وكشفت عنهن وعن أمهن (وأبت أمهن) أي امتنعت (إلا
لزومهن) أي عدم مفارقتهن استثناء مفرغ لما في أبت من معنى النفي أي ما فارقتهن بعد كشف
الكساء بل ثبتت معهن من غاية رحمتها بهن (فقال رسول الله و ﴿ أتعجبون لرحم أم الأفراخ) أي
(١) في المخطوطة ((فيها)).
-
" what-

٢٨٦
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
فراخهَا؟ فوالذي بعثني بالحق: للَّهُ أرحمُ بعبادِهِ من أمِّ الأفراخِ بفراخِها. إِرجعْ بهنَّ حتى
تضَعَهنَّ من حيث أخذتَهنَّ وأمُّهُنَّ معهنَّ)» فرجع بهنَّ. رواه أبو داود.
الفصل الثالث
٢٣٧٨. (١٥) عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ، قال: كثَّا مع النبيِّ وَّه في بعضٍ غَزَواتِه، فمرَّ
بقوم، فقال: ((من القومُ؟)). قالوا. نحن المسلمونَ وامرأةٌ تحضِب بِقِدْرها، ومعها ابنّ لها،
فإِذا ارتفعَ وهجْ تنخَّتْ به، فأتتِ النبيَّ وَّ فقالت: أنتَ رسولُ الله؟ قال: (نعم)) قالت:
بأبي أنتَ وأمّي، أليسَ اللَّهُ أرحم الراحمين؟ قال: ((بلى))
لشفقتها والرحم بالضم مصدر كالرحمة ويجوز تحريك الحاء بالضم مثل عسر وعسر وقوله :
(فراخها) منصوب على المفعولية أو بنزع الخافض ويؤيده ما في نسخة بفراخها (فوالذي بعثني
بالحق لله أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها) لأن رحمته حقيقية دائمة باقية لا تنقطع ورحمتها
ليست كذلك (ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن) من بمعنى في نحو قوله تعالى: ﴿إذا
نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة. ٩] وقيل إنها للابتداء أي حتى تجعل ابتداء وضعهن
مكاناً أخذتهن منه بأن لا تضعهن مكاناً آخر وقيل إنها زائدة على مذهب الأخفش (وأمهن معهن)
جملة حالية (فرجع بهن) أي ووضعهن حيث أخذهن مع أمهن لا لغتهن بمكانهن (رواه أبو داود).
(الفصل الثالث)
٢٣٧٨ . (عن ابن عمر قال كنا مع النبي ◌َّ في بعض غزواته فمر بقوم فقال من القوم)
أي أنتم أو هم من الأعداء الكافرين أو الأحباء المسلمين (قالوا نحن المسلمون) وتكلف الطيبي
وتبعه ابن حجر وقال كان من الظاهر أن يقال في الجواب نحن مضربون أو قرشيون أو طائبون
فعدلوا عن الظاهر وعرفوا الخبر حصراً أي نحن قوم لا نتجاوز الإسلام توهماً أن رسول الله (وَ له
ظن أنهم غير مسلمين (وامرأة) أي والحال أن امرأة معهم (تحضب) بالحاء المهملة والضاد
المعجمة المكسورة أي توقد (بقدرها ومعها ابن لها) أي صغير (فإذا ارتفع وهج) بفتح الهاء حر
النار وبالسكون مصدر والمراد هنا الأول وفي نسخة ارتفعت باكتساب التأنيث من المضاف إليه
(تنحت به) أي تبعدت الأم بالولد عن النار (فأتت النبي ◌َّه) ولعل وجه التفريع أنها لما رأت ما
عنده من مزيد الرحمة لولدها خصوصاً وللعالمين عموماً تذكرت رحمة الله لعباده خصوصاً
لعباده فسألت عنها (فقالت أنت رسول الله) استفهام بحذف أداته وهو يحتمل أنه حقيقي ولا
ينافي إسلامها قبل ذلك لعلمها به إجمالاً وإن لم تعلم ذاته بعينها ويحتمل أنه للتقرير والاستلذاذ
بخطابه بكونه رسول الله وخليفته على خليقته ويؤيد الأوّل قوله: (قال نعم قالت بأبي أنت
وأمي) أي فداك أبي وأمي (أليس الله أرحم الراحمين) أي عموماً (قال بلى) على وزان ﴿ألست
حديث رقم ٢٣٧٨: أخرجه ابن ماجه في السنن ١٤٣٦/٢ حديث رقم ٤٢٩٧.

٢٨٧
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
قالتْ: أليسَ اللَّهُ أرحمَ بعباده من الأمّ بولدها؟ قال: ((بلى)) قالتْ: إِنَّ الأُمَّ لا تُلْقي ولدَها في
النَّارِ، فَأَكَبَّ رسولُ اللهِ وَ له يبكي، ثمَّ رفعَ رأسَهُ إِليها، فقال: ((إِنَّ اللَّهَ لا يعذِّبُ من عباده إِلا
المارِدَ المتمرّدَ الذي يتمرَّدُ على اللَّهِ، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله)). رواه ابن ماجه .
٢٣٧٩. (١٦) وعن ثوبان، عن النبيِّ وَّ قال: ((إِنَّ العبدَ ليلتمسُ مرضاةَ اللَّهِ، فلا
يزالُ بذلك؛ فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ لجبريل: إِن فلاناً عبدي يلتمسُ أن يُرضِيَني، ألا وإِن
رحمتي عليه. فيقولُ جبريلُ: رحمةُ اللَّهِ على فلانٍ، ويقولُها حملةُ العرشِ، ويقولُها مَن
حولهم، حتى يقولَها أهلُ السماواتِ السبع، ثمّ تَهِطُ له إِلى الأرض)).
بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف. ١٧٢] (قالت أليس الله أرحم بعباده من الأم بولدها) أي خصوصاً
(قال بلى قالت إن الأم لا تلقى ولدها في النار فأكب) أي شرع (رسول الله وَلي) أي طأطأ رأسه
(يبكي ثم رفع رأسه إليها فقال إن الله لا يعذب) أي عذاباً مخلداً أو التعذيب للكافرين والتهذيب
العاصين (من عباده) أي من جميع عباده فالإضافة للاستغراق بدليل الاستثناء وغفل ابن حجر
حيث قال من عباده المؤمنين (إلا المارد) أي العاري من الخيرات (المتمرد) مبالغة له (الذي يتمرد
على الله) أي يتجرأ على مخالفته (وأبى) عطف على يتمرد أو عطف تفسير التقدير وقد أبى أي
امتنع (أن يقول لا إله إلا الله) فيكون بمنزلة ولد يقول لأمه لست أمي وأمي غيرك ويعصيها وتتصوّر
له بصورة كلب أو خنزير بلا شك أنها حينئذ تتبرأ عنه وتعذبه إن قدرت عليه (رواه ابن ماجه).
٢٣٧٩. (وعن ثوبان عن النبي ◌َّير قال إن العبد) أي الصالح (ليلتمس) أي يطلب (مرضاة
الله) أي بأصناف الطاعات (فلا يزال بذلك) أي ملتبساً أي بذلك الالتماس (فيقول الله عزَّ وجل
لجبريل أن فلاناً) كناية عن اسمه ووصفه (عبدي) أي المؤمن إضافة تشريف (يلتمس أن
يرضيني) أي لأن أرحمه (ألا) للتنبيه (وإن رحمتي) أي الكاملة عليه (عليه) أي واقعة عليه
ونازلة إليه (فيقول جبريل رحمة الله على فلان) خبرا أو دعاء وهو الأظهر (ويقولها) أي هذه
الجملة (حملة العرش ويقولها من حولهم) أي جميعاً (حتى بقولها أهل السموات السبع ثم
تهبط) على بناء الفاعل وروي مجهولاً أي تنزل الرحمة (له) أي لأجله (إلى الأرض) أي إلى
أهل الأرض يعني محبة الله إياه ثم يوضع له القبول فيها قال الطيبي هذا الحديث وحديث
المحبة متقاربان اهـ. ويريد بحديث المحبة ما ورد في مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً ((إن الله
تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريل فقال إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء
فيقول إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض إذا أبغض
عبداً دعا جبريل فيقول إني أبغض فلاناً فأبغضه فيبغضه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله
تعالى يبغض فلاناً فأبغضوه فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض)»(١). والحديث يدل على
حديث رقم ٢٣٧٩: أخرجه أحمد في المسند ٢٧٩/٥.
(١) أخرجه في صحيحه ٤/ ٢٠٣٠ حديث رقم ٢٦٣٧.

٢٨٨
كتاب الدعوات/ باب سعة رحمة الله
رواه أحمد.
٢٣٨٠. (١٧) وعن أسامةَ بن زيدٍ، عن النبيِّ وَ ل﴿ في قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فمنهم
ظالمٌ لنفسِهِ ومنهم مقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيراتَ﴾ قال: ((كلهم في الجنَّةِ)). رواه البيهقي
في كتاب ((البعث والنشور)).
أن جبريل أفضل من حملة العرش وغيرهم من الملائكة المقربين ثم ما ذكره ابن حجر من أن
قول الشارح ثم تهبط له أي الرحمة لأجله إلى الأرض إنما يصار إليه لو صح أن تهبط بالمثناة
الفوقية وإلا فالسياق والمعنى معاً قاضيان بأنه بالمثنا التحتية وإن ضميره لجبريل غير موجه فإن
النسخ المصححة والأصول المعتمدة اتفقت على المثناة الفوقية على خلاف تقدم(١) في ضبطها
ولا يجوز الإقدام على معنى الحديث إلا بعد تصحيح لفظه وروايته وأما ما ذكر مبناه على زعمه
أن جبريل ينزل بين ملائكة أهل الأرض فيقول رحمة الله على فلان على الأرض الأولى ويقولها
ملائكتها ثم يقولها في الثانية وهكذا حتى ينتهي إلى الأرض السابعة هذا ما دل عليه السياق
ويحتمل أنه إنما يقول ذلك في الأرض العليا فقط فمبني على الظن والتخمين ومثل هذا
التصرف لا يجوز في الأحاديث النبوية إلا إذا ثبت من طريق آخر كذلك ولو كان لا ظهره وما
بناه على دلالة السياق مع أن حديث مسلم الذي قدمناه مطابق في الإجمال لرواية هذا الكتاب
والله أعلم بالصواب (رواه أحمد).
٢٣٨٠ . (وعن أسامة بن زيد عن النبي ◌َّر في قول الله عزَّ وجلّ ﴿فمنهم﴾) الفاء تفصيل
لقوله: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم﴾ [فاطر. ٣٢] وقيل من العباد
(﴿ظالم لنفسه)) (٢) أي بارتكاب المنهيات (﴿ومنهم مقتصد﴾) أي يخلط الحسنات بالسيئات
(﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾) أي بالطاعات والعبادات (قال) أي النبي ◌َّر (كلهم في الجنة)
إيذان بأن قوله: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾ [فاطر. ٣٣] مبتدأ وخبر والضمير للثلاثة أو للمقتصد
والسابق فإن المراد بهما الجنس وقوله تعالى: ﴿ذلك هو الفضل الكبير﴾ [فاطر.٣٢] إشارة
إلى الإيراث أو الاصطفاء أو السبق على ما قرره القاضي وليس كما قال الكشاف من أن جنات
يدل من الفضل الكبير المعنيّ به السبق وأخرج الظالم والمقتصد من هذا العام ومن الفضل
الكبير والجنات ويطابق التفسير الأوّل قولهم أن ربنا الغفور شكور أي كثير الغفران للظالم وكثير
الشكر أي الإثابة للسابق فالتأم السابق واللاحق (رواه البيهقي في كتاب البعث والنشور) وروى
ابن مردويه والبيهقي أيضاً في البعث عن عمر مرفوعاً ولفظه ((سابقنا سابق ومقتصدنا ناج
وظالمنا مغفور له))(٣) وعن عائشة رضي الله عنها (الصهبان أما السابق فمن مضى على عهد
رسول الله ﴿ وشهد له بالجنة وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به وأما الظالم
.....
١/ ٢٥٦٠
في المخطوطة ((فتقدم)).
(١)
(٢) سورة فاطر. آية ٣٢.
(٣) ذكره في كنز العمال ١٠/٢ حديث رقم ٢٩٢٥.

٢٨٩
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
(٦) باب ما يقول
عند الصباح والمساء والمنام
ـيي ديوليس لأنها - الأب طحات اتهاوم عام١ ٨٨٠٨٠٦٥٢ ١٥٠٠٠١٨٣٠١.
الفصل الأول
٢٣٨١. (١) عن عبد الله، قال: كان رسولُ اللهِ وَلَّ إِذا أمسى قال: ((أمسَينا وأمسى
الملكُ للهِ،
فمثلي ومثلك)). وعن علي كرم الله وجهه: ((الظالم أنا والمقتصد أنا والسابق أنا فقيل له فكيف
ذلك قال أنا الظالم بمعصيتي ومقتصد بتوبتي وسابق بمحبتي)) وقال الحسن البصري: ((السابق
من رجحت حسناته على سيئاته والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته والظالم الذي ترجحت
سيئاته على حسناته)). وقال جعفر الصادق فرق [الله تعالى] المؤمنين ثلاث فرق [ثم] سماهم
عبادنا أضافهم إلى نفسه تفضلاً منه وكرماً وجعلهم أصفياء مع علمه بتفاوت معاملاتهم ثم
جمعهم في آخر الآية فقال ﴿جنات عدن يدخلونها ﴾ وبدأ بالظالمين أخباراً بأنه لا يتقرب إليه إلا
بمحض كرمه وإن الظلم لا يؤثر في الاصطفائية ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء
ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره ولا يقنط أحد من كرمه وكلهم في الجنة بحرمة كلمة
الإخلاص. وقال الجنيد لما ذكر الميراث دل على أن الخلق فيه خاص وعام وأن الميراث لمن
هو أقرب نسباً وأصح أدباً فتصحيح النسبة هو الأصل فالظالم الذي يحبه لنفسه والمقتصد الذي
يحبه له والسابق الذي أسقط عنه مراده بمراد الحق فيه فلا يرى لنفسه طلباً ولا مراد الغلبة
سلطان الحق عليه وقيل الظالم الذي يجزع عند البلاء والمقتصد الذي يصبر على البلاء والسابق
الذي یشکر علی البلاء وقيل غير ذلك.
(باب ما يقول عند الصباح والمساء)
يمكن أن يراد بهما طرفا النهار وأن يقصد بهما النهار والليل والثاني أظهر لقوله أسألك
خير هذه الليلة (والمنام) أي في مكان النوم أو زمانه أو المنام مصدر ميمي أي عند إرادة النوم
أي دخل في المساء وهو أوّل الليل.
(الفصل الأول)
٢٣٨١. (عن عبد الله قال كان رسول الله و لي﴿ إذا أمسى قال أمسينا وأمسى الملك الله) أي
الفرد
الأشبه
حديث رقم ٢٣٨١: أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ حديث رقم ٦٣٦٥. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٠٨٨ حديث رقم (٢٧٢٣.٧٤).

٢٩٠
٦٠٠١٥
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
والحمدُ للَّهِ، ولا إِله إِلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، لهُ الملكُ، ولهُ الحمدُ وهوَ على كلِّ شيءٍ
قديرٌ، اللهمَّ إِني أسألكَ من خيرِ هذه الليلةِ وخيرٍ ما فيها، وأعوذُ بكَ من شرَّها وشرّ ما
فيها، اللهُمَّ إِني أعوذُ بك من الكسلِ، والهَرِمِ، وسوءِ الكِبَرِ، وفتنةِ الدُّنيا،
دخلنا في المساء ودخل فيه الملك كائناً لله ومختصاً به أو الجملة حالية بتقدير قد أو بدونه أي
أمسينا وقد صار بمعنى كان ودام الملك لله (والحمد لله) قال الطيبي عطف على أمسينا وأمسى
الملك أي صرنا نحن وجميع الملك وجميع الحمد لله اهـ. أي عرفنا فيه أن الملك لله وأن
الحمد لله لا لغيره ويمكن أن يكون جملة الحمد لله مستقلة والتقدير والحمد لله على ذلك (ولا
إله إلا الله) قال الطيبي عطف على الحمد لله على تأويل وأمسى الفردانية والوحدانية مختصين
بالله (وحده) حال مؤكدة أي منفرد بالألوهية (لا شريك له) أي في صفات الربوبية ولذا أكده
بقوله (له الملك) أي جنسه مختص له (وله الحمد) أي بجميع أفراده (وهو على كل شيء) أي
مشيء أو على كل شيء شاءه (قدير) كامل القدرة تام الإرادة (اللهم إني أسألك) أي نصيباً وافراً
وحظاً وافياً (من خير هذه الليلة) أي ذاتها وعينها (وخير ما فيها) قال الطيبي أي من خير ما ينشأ
فيها وخير ما يسكن فيها قال تعالى: ﴿وله ما سكن في الليل﴾ [الأنعام. ١٣] وقال ابن حجر
أي مما أردت وقوعه فيها لخواص خلقك من الكمالات الظاهرة والباطنة وخير ما يقع فيها من
العبادات التي أمرنا بها فيها أو المراد خير الموجودات التي قارن وجودها هذه الليلة وخير كل
موجود الآن (وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها) في الحديث إظهار العبودية والافتقار إلى
تصرفات الربوبية وأن الأمر كله خيره وشره بيد الله وأن العبد ليس له من الأمر شيء وفيه تعليم
للأمة ليتعلموا آداب الدعوة وقال ابن الملك مسألته وم لو خير هذه الأزمنة مجاز عن قبول طاعاته
قدمها فيها واستعاذ به من شرها مجاز عن طلب العفو عن ذنب قارفه فيها (اللهم إني أعوذ بك
من الكسل) بفتحتين أي التثاقل في الطاعة مع الاستطاعة قال الطيبي الكسل التثاقل عما لا ينبغي
التثاقل عنه ويكون ذلك لعدم انبعاث النفس للخير مع ظهور الاستطاعة (والهرم) بفتحتين أي
كبر السن المؤدي إلى تساقط بعض القوى وضعفها وهو الرد إلى أرذل العمر لأنه يفوت فيه
المقصود بالحياة من العلم والعمل ولذا قال تعالى: ﴿لكيلا يعلم بعد علم شيئاً﴾ [النحل. ٧٠]
فاندفع به ما جزم به ابن حجر من أن سبب الاستعاذة منه كونه داء لا دوّاء له كما في الحديث
(وسوء الكبر) بفتح الباء وهو الأصح رواية ودراية أي مما يورثه الكبر من ذهاب العقل واختلاط
الرأي وغير ذلك مما يسوء به الحال وروى بسكون الموحدة والمراد به البطر قال الطيبي
والدراية تساعد الرواية الأولى لأن الجمع بين البطر والهرم بالعطف كالجمع بين الضب والنون
ونازعه ابن حجر وقال الأوّل أصح أي أشهر رواية وأما دراية فالثاني يفيد ما لا يفيده ما قبله
وهو الهرم فهو تأسيس محض بخلاف الأوّل فإنه إنما يفيد ضرباً من التأكيد والتأسيس خير من
التأكيد اهـ. وهو عجيب منه فإن المغايرة بينهما ظاهرة غاية الظهور على الطيبي وغيره كما بين
الضب والنون وإنما الكلام في المناسبة والملاءمة بين المتعاطفين كما اعتبره علماء المعاني مع
أن الطيبي لم يقل بالتأكيد بل فسر سوء الكبر بما ينشأ من الهرم فالتغاير ظاهر ويدل عليه لفظ
سوء المناسب للكبر بفتح الباء فإن الكبر بسكون الباء يذم مطلقاً (وفتنة الدنيا) أي من الافتتان
ے

٢٩١
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
وعذاب القبرِ)). وإِذا أصبحَ قال ذلك أيضاً ((أصبحنا، وأصبحّ الملكُ للهِ)). وفي روايةٍ: ((ربِّ
إني أعوذُ بك من عذابٍ في النَّار وعذابٍ في القبر)). رواه مسلم.
٢٣٨٢. (٢) وعن حذيفةَ، قال: كانَ النبيُّ ◌َلِّ اذا أخذَ مَضْجَعَهُ من الليلِ وضعَ يدهُ
تحتَ خدِه، ثم يقول: ((اللهمَّ باسمِكَ أموتُ وأحيا)). وإذا استيقظَ قال: ((الحمدُ للَّهِ الذي
أحياناً بعدما أماتنا وإليه النشور)».
بها ومحبتها أو الابتلاء بفتنة فيها (وعذاب القبر) أي من نفس عذابه أو مما يوجبه (وإذا أصبح)
أي دخل عليه الصلاة والسلام في الصباح (قال ذلك) أي ما يقول في المساء (أيضاً) أي لكن
يقول بدل أمسينا وأمسى الملك لله (أصبحنا وأصبح الملك لله) ويبدل اليوم بالليلة فيقول اللهم
إني أسألك من خير هذا اليوم ويذكر الضمائر بعده (وفي رواية) أي لمسلم وغيره يقول بعد قوله
سوء الكبر (رب إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر) والتنكير فيهما للتقليل لأ
للتفخيم كما وهم ابن حجر (رواه مسلم) وكذا أبوه داود والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة.
٢٣٨٢. (وعن حذيفة قال كان النبي وَل﴿ إذا أخذ مضجعه) بفتح الجيم أي أتى فراشه
ومرقده (من الليل) أي في بعض أجزاء الليل وتكلف الطيبي وتبعه ابن حجر وقال كأنه قيل أخذ
حظه من الليل إذ لكل أحد منه حظ بالسكون والنوم والراحة قال تعالى: ﴿جعل لكم الليل
والنهار لتسكنوا فيه ﴾ [القصص - ٧٣] والمضجع مصدرا هـ. ففي القاموس ضجع كمنع
ضجعاً وضجوعاً وضع جنبه بالأرض والمضجع كمقعد موضعه (وضع يده) أي كفه اليمنى
(تحت خده) وفي رواية تحت رأسه إشعاراً بوضعه في قبره ومن تذكر ذلك خف نومه وطاب
يومه (ثم يقول اللهم باسمك) قيل المراد به المسمى وقيل الاسم زائد كما في قول الشاعر:
* إلى الحول ثم اسم السلام عليكما *
أي بك (أموت وأحيا) أي أنام وأستيقظ وقيل معناه باسمك المميت أموت وباسمك
المحيي أحيا أو بذكر اسمك أحيا ما أحييت وعليه أموت وقال القرطبي قوله باسمك أموت يدل
على أن الاسم هو المسمى أي أنت تميتني وأنت تحييني وهو كقوله تعالى: ﴿سبح باسم ربك
الأعلى﴾ [الأعلى - ١] أي سبح ربك هكذا قال جل الشارحين نقله ميرك (وإذا استيقظ قال
الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا) أي رد علينا القوّة والحركة بعدما أزالهما منا بالنوم (وإليه
النشور) أي الرجوع بعد الممات للحساب والجزاء يوم القيامة يقال نشر الميت نشوراً إذا عاش
بعد الموت وأنشره الله كذا قيل والظاهر أن المراد بالنشور هو التفرق في طلب المعاش وغيره
بعد الهدوّ والسكون بالنوم وهما المشبهان بالموت والبعث بعده وقال النووي المراد بأماتنا النوم
حديث رقم ٢٣٨٢: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ حديث رقم ٧٣٩٤. وأبو داود في السنن ٣١١/٤
حديث رقم ٥٠٤٩. والترمذي في السنن ١٤٦/٥ حديث رقم ٣٤٧٧. وابن ماجه في ٢/ ١٢٧٧
حدیث رقم ٣٨٨٠. وأحمد في المسند ١٥٤/٥.

١٣٢
ـ فيوقات لهم لهما ليميين
٢٩٢
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
رواه البخاري.
٢٣٨٣ . (٣) ومسلم عن البراء.
٢٣٨٤ . (٤) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِذا أوى أحدكم إِلى فراشهِ
فلْيَنْفُض فراشه بداخلةِ إِزاره؛
وأما النشر فهو الإحياء للبعث بعد الموت فنبه وَ الر بإعادة اليقظة بعد النوم الذي هو كالموت
على إثبات البعث بعد الموت وقال أبو اسحق الزجاج النفس التي تفارق الإنسان عند النوم هي
التي للتمييز والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة وهي التي يزول معها التنفس وسمي النوم
موتاً لأنه يزول معه العقل والحركة تمثيلاً وتشبيهاً وقد يستعار الموت للأحوال الشاقة كالفقر
والذل والسؤال والهرم والمعصية والجهل وقال القرطبي النوم والموت يجمعهما انقطاع تعلق
الروح بالبدن وذلك قد يكون ظاهراً وهو النوم ولذا قيل النوم أخو الموت وباطناً وهو الموت
فإطلاق الموت على النوم يكون مجازاً لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن وقال الطيبي
الحكمة في إطلاق الموت على النوم أن انتفاع الإنسان بالحياة إنما هو بتحري رضا الله عنه
وقصد طاعته واجتناب سخطه وعقابه فمن زال عنه هذا الانتفاع بالكلية فكان كالميت فحمد الله
على هذه النعمة وزوال ذلك المانع وهذا التأويل يطابق السابق من قوله أمسينا وأمسى الملك لله
والحمد لله ويوافق اللاحق من قوله وإن أرسلتها فاحفظها الخ وعلى هذا ينتظم قوله وإليه
النشور أي وإليه المرجع والمآب في نيل الثواب بما يكتسب في الحياة قال العلماء وحكمة
الذكر والدعاء عند النوم واليقظة أن تكون خاتمة أعماله على الطاعة وأوّل أفعاله على العبادة
(رواه البخاري) أي عن حذيفة .
٢٣٨٣ . (ومسلم عن البراء) فالحديث متفق عليه والخلاف في الصحابي وكذا روي عن
حذيفة أبو داود والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة.
٢٣٨٤ . (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ويؤلتر: وسلم إذا آوى) بالقصر ويمد أي نزل
(أحدكم إلى فراشه) أي مرقده وتفسير ابن حجر آوى بجاء لا يلائمه [إلى] (فلينفض) بضم الفاء
أي فليحرك (فراشه بداخله إزاره) وهي حاشيته التي تلي الجسد وتماسه وقيل هي طرفه مطلقاً
وقيل مما يلي طوقه وفي القاموس طرفه الذي على الجسد الأيمن قيد النفض بإزاره لأن الغالب
في العرب أنه لم يكن لهم ثوب غير ما هو عليهم من إزار ورداء وقيد بداخل الإزار ليبقى
الخارج نظيفاً ولأن هذا أيسر ولكشف العورة أقل وأستر وإنما قال هذا لأن رسم العرب ترك
+ هم+
حديث رقم ٢٣٨٣: أخرجه مسلم في صحيحه.
حديث رقم ٢٣٨٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١١٥/١١. حديث رقم ٦٣٢٠. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٠٨٤ حديث رقم (٢٧١٤.٦٤). وأبو داود في السنن ٣١١/٤. والترمذي في السنن ١٣٩/٥
حديث رقم ٣٤٦١. وابن ماجه ١٢٧٥/٢ حديث رقم ٣٨٧٤ والدارمي ٢/ ٣٧٦ حديث رقم
٢٦٨٤. وأحمد في المسند ٢٩٥/٢.
من۔۔
جلتر *
ر صو *

٢٩٣
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
فإِنَّهُ لا يدري ما خَلفهُ عليه، ثمَّ يقول: باسمِكَ ربِّي وضعتُ جنبي وبكَ أرفعُهُ، إِنْ أمسَكتَ
نفسي فارْحَمْها، وإنْ أرسلتها فاحفظُها بما تحفظُ به عبادك الصالحينَ)) وفي رواية: ((ثُمَّ
ليضْطَجِعْ على شِقِّهِ الأيمَنِ ثمَّ لَيَقُلْ: باسمك)) متفق عليه.
الفراش في موضعه ليلاً ونهاراً ولذا علله وقال (فإنه) أي الشأن أو المريد للنوم (لا يدري ما خلفه)
بالفتحات والتخفيف أي من الهوام والحشرات المؤذيات أو من الأوساخ والعظام والنجاسات
وقال الطيبي أي قام مقامه بعده من تراب أو قذاة أو هامة ثم ما يحتمل أن تكون استفهامية معلقة
بيدري أو موصولة (عليه) أي على الفراش وقيل أمره بداخله الإزار دون خارجته لأن ذلك أبلغ
وأجدى وأجدر وإنما ذلك على جهة الخبر عن فعل الفاعل لأن المؤتزر إذا انتزر يأخذ أحد طرفي
إزاره بيمينه والأخر بشماله فيرد ما أمسكه بشماله على جسده وذلك داخله الإزار فإذا صار إلى
فراشه فحل بيمينه خارجة الإزار وتبقى الداخلة معلقة وبها يقع النفض فإن قيل فلم لا يقدر الأمر
فيه على العكس قلنا لأن تلك الهيئة هي صنيع ذوي الآداب في عقد الإزار وروي بصنفه إزاره
بكسر النون وهي جانبه الذي لا هدب له وهذا موافق لما ذكر لأن ذلك الجانب يجعل داخلة
الإزار (ثم يقول) أي بعد النفض ووضع الجنب كما يدل عليه الرواية الآتية ثم ليضطجع ثم ليقل
(باسمك ربي) أي باسمك القوي والقادر وفي رواية باسم الله (وضعت جنبي وبك) أي باسمك أو
بمعونتك بحولك وقوّتك وإرادتك وقدرتك (أرفعه) أي حين أرفعه فلا أستغني عنك بحال (إن
أمسكت نفسي) أي قبضت روحي في النوم وفي رواية إن أمتها (فارحمها) أي بالمغفرة والتجاوز
عنها وفي رواية فاغفر لها (وإن أرسلتها) بأن رددت الحياة إليّ وأيقظتني من النوم وفي رواية وإن
رددتها أي روحي المميزة برد تمييزها الزائل عنها بنومها (فاحفظها) أي من المعصية والمخالفة
(بما تحفظ به) أي من التوفيق والعصمة والإعانة (عبادك الصالحين) أي القائمين بحقوق الله
وعباده ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في
منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ﴾ [الزمر. ٤٢] جمع
النفسين في حكم التوفي ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك وهو قبض الروح وبالإرسال
وهو رد الحياة أي الله تعالى يتوفى الأنفس التي تقبض والتي لا تقبض فيمسك الأولى ويرسل
الأخرى والباء في بما تحفظ مثلها في كتبت بالقلم وما موصولة مبهمة وبيانها ما دل عليه صلتها
لأن الله تعالى إنما يحفظ عباده الصالحين من المعاصي ومن أن لا يتهاونوا في طاعته وعبادته
بتوفيقه ولطفه ورعايته وحمايته (وفي رواية ثم ليضطجع على شقه الأيمن) قيل أنفع هيآت النوم
الابتداء بالأيمن ثم الانقلاب إلى اليسار ثم إلى اليمين وفيه ندب اليمين في النوم لأنه أسرع إلى
الانتباه لعدم استقرار القلب حينئذ لأنه معلق بالجانب الأيسر فيعلق فلا يستغرق في النوم بخلاف
النوم على الأيسر فإن القلب يستقر فتكون الاستراحة له بطأ للانتباه ثم هذا إنما هو بالنسبة إلينا
دونه وَل# لأنه لا ينام قلبه فلا فرق في حقه عليه الصلاة والسلام بين النوم على شقه الأيمن
والأيسر وإنما كان يؤثر الأيمن لأنه كان يحب التيامن في شأنه كله ولتعليم أمته ولمشابهته بحال
الموت ووضعه في القبر (ثم ليقل باسمك الخ متفق عليه) ورواه الأربعة (وفي رواية) أي للجماعة
(فلينفضه بصنفة ثوبه) بفتح الصاد وكسر النون على ما في النسخ المصححة والأصول المعتمدة
جوم

٢٩٤
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
وفي رواية: «فلْيَنْفُضُه بِصَنِفَةٍ ثوبه ثلاثَ مرَّاتٍ، وإِن أمسكَتَ نفسي فاغفِرْ لها)).
٢٣٨٥. (٥) وعن البراءِ بن عازبٍ، قال: كانَ رسولُ اللَّهِ وَ لَهَ إِذا أوى إلى فراشِهِ نامَ
على شِقهِ الأيمنِ ثمَّ قال: ((اللهمَّ أسلمتُ نفسي إِليكَ، ووجَّهتُ وجهي إِليكَ، وفوَّضتُ
أمري إِليكَ، وألجأتُ ظهري إليكَ رَغبةً ورهبةً
أي بطرفه وقال الطيبي [رحمه الله] أي بحاشية إزاره التي تلي الجسد فكأنه أراد الجمع بين
الروايتين وإلا ففي مختصر النهاية صنفة إزاره بكسر النون طرفه مما يلي طرته قلت زاد الفارسي
وقيل جانبه الذي لا هدب له. اهـ. وفي القاموس صنفة الثوب كفرحة [وصنفة] وصنفته بكسرهما
حاشيته أي جانب كان أو جانبه الذي لا هدب له أو الذي فيه الهدب. اهـ. وفي المشارق فلينفضه
بصنفة ثوبه بفتح الصاد وكسر النون فقيل طرفه وقيل حاشيته وقيل هي الناحية التي عليها الهدب
وقيل الطرة والمراد هنا طرفه فما ذكره ابن حجر بفتح المهملة والنون والفاء مخالف لما في كتب
اللغة والرواية (ثلاث مرات) مبالغة في النظافة (وإن أمسكت نفسي فاغفر لها) أي بدل قوله
فارحمها .
٢٣٨٥. (وعن البراء بن عازب قال كان رسول الله ◌َ﴿ إذا أوى إلى فراشه نام على شقه)
بكسر الشين أي جانبه (الأيمن ثم قال اللهم أسلمت) أي أخلصت (نفسي) بسكون الياء وفتحها
أي ذاتي (إليك) أي مائلة إلى حكمك (ووجهت وجهي) أي وجهتي وتوجهي وقصد قلبي
(إليك) وجعلت وجهي إلى قبلتك وقيل النفس والوجه هنا بمعنى الذات يعني جعلت ذاتي
طائعة لحكمك ومنقادة لك وقول الطيبي إن أسلمت إشارة إلى أن جوارحه منقادة لله تعالى في
أوامره ونواهيه مستقيم غاية الاستقامة وأما اعتراض ابن حجر بأن المقام مقام نوم وهو لا
تكليف فيه مدفوع بأن الطيبي رحمه الله لا يريد حين تحقق النوم كما لا يخفى على أحد بل
مراده أما قبل النوم مطلقاً أو حين إرادة النوم وفيه إشارة لطيفة إلى أن الشخص ينبغي أن يتوب
إلى الله تعالى ذلك الوقت لينام مطيعاً ويؤيد ما ذكرنا قول الطيبي في قوله عليه الصلاة والسلام
(وفوضت أمري إليك) فيه إشارة إلى أن أموره الخارجة والداخلة مفوّضة إليه لا مدبر لها غيره.
اهـ. والمعنى توكلت في أمري كله عليك (وألجأت) أي أسندت (ظهري إليك) أي إلى حفظك
لما علمت أنه لا سند يتقوّى به سواك ولا ينفع أحد إلا حماك قال الطيبي رحمه الله فيه إشارة
إلى أنه بعد تفويض أموره التي هو مفتقر إليها وبها معاشه وعليها مدار أمره ملتجىء إليه بما
يضره ويؤذيه من الأسباب الداخلة والخارجة (رغبة ورهبة) قيل مفعول لهما لا لجأت وقال
الطيبي رحمه الله منصوبان على العلة بطريق اللف والنشر أي فوّضت أموري طمعاً في ثوابك
وألجأت ظهري من المكاره إليك مخافة من عذابك. اهـ. وهو معنى صحيح بل صنعة بديع
حديث رقم ٢٣٨٥: أخرجه البخاري في صحيحه ١٣/ ٤٦٢. حديث رقم ٧٤٨٨. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٠٨١ حديث رقم (٢٧١٠.٥٦). والترمذي في السنن ١٣٥/٥ حديث رقم ٢٣٤٥٤. وابن ماجه
١٢٧٥/٢ حديث رقم ٣٨٧٦. والدارمي ٣٧٦/٢ حديث رقم ٢٦٨٣. وأحمد في المسند ٢٨٥/٤.

٢٩٥
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
إليكَ، لا ملجأ ولا منجا منكَ إِلا إِليكَ، آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، ونبيّكَ الذي
أرسلتَ)). وقال رسولُ اللَّهِ وَ له: ((من قالَهنُّ ثمَّ ماتَ تحتَ ليلتهِ
وأبدع ابن حجر بالتعرض عليه بأن هذا تحكم والوجه بل الصواب ما ذكرته من أن كل ما ذكر
معلل بالرغبة والرهبة. اهـ. والأظهر أن نصبهما على الحالية أي راغباً وراهباً أو الظرفية أي في
حال الطمع والخوف يتنازع فيهما الأفعال المتقدمة كلها وقوله (إليك) أما متعلق برغبة وهي
السعة في الإرادة ومتعلق رهبة محذوف أي منك وهي المخافة مع التحرز والاضطراب وأما
بمحذوف تقديره متوجهاً بهما إليك قال العلامة الكرماني أي طمعاً في ثوابك وخوفاً من عقابك
وإليك متعلق برغبة كقولهم :
* علفتها تبناً وماءً بارداً *
اهـ. وما يبعد أن يتنازعا في إليك أي رغبتي إليك وهو ظاهر ورهبتي إليك بمعنى أني
حالة الخوف لا أرجع إلا إليك فإنه (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) ملجأ مهموز ومنجا
مقصور وقد يهمز منجاً للازدواج وقد يعكس أيضاً لذلك والمعنى لا مهرب ولا ملاذ ولا
مخلص من عقوبتك إلا إلى رحمتك وهذا معنى ما ورد أعوذ بك منك وقال الكرماني لا منجا
مقصور وإعرابه كإعراب عصا فإن قلت فهو يقرأ بالتنوين أو بغيره قلت في هذا التركيب خمسة
أوجه لأنه مثل لا حول ولا قوّة لا بالله والفرق بين نصبه وفتحه بالتنوين وعدمه وعند التنوين
تسقط الألق قال ولا ملجأ ولا منجا إن كانا مصدرين يتنازعان في منك وإن كانا مكانين فلا إذ
اسم المكان لا يعمل وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد إلا إليك ولا منجا إلا إليك (آمنت)
استئناف فيه معنى التعليل تعليل (بكتابك الذي أنزلت) أي عليّ وهو القرآن الكريم الحاث على
التخلق بهذه الأخلاق البهية وسائر المقامات العلية والحالات السنية ولذا قال الطيبي آمنت
بكتابك تخصيص بعد تعميم ولما غفل ابن حجر عن المعنى العام اعترض على الطيبي بقوله لا
تعميم فيما ذكره لأن الفعل في حيز الإثبات لا عموم فيه كالنكرة التي هي كذلك فتأمل يظهر
لك وجه الخلل (ونبيك الذي أرسلت) وفي نسخة بنبيك وإنما آمن بنفسه لأنه كان رسولاً حقاً
فكان يجب عليه أن يصدق الله في ذلك وهو تعليم لأمته ولهذا كان يقول وأشهد أني رسول الله
ولما تضمن الإيمان به وي لر العلوم الخاصة المتعلقة بالأحاديث النبوية قال الطيبي تخصيص من
التخصيص وأغرب ابن حجر بالاعتراض عليه لأنه لا يلائم ما قرره من الوجه الأوضح عنده
وقال كما يعلم من تأمل ما قاله وما قلته قلت لو تأمل ما احتاج إلى الأمر بالتأمل فتأمل وعلى
الله فتوكل (وقال رسول الله وَلافي من قالهن) أي الكلمات المذكورة (ثم مات تحت ليلته) أي
تحت حادثة فيها ومن أعجب العجاب أن ابن حجر قال أي عقب طلوع فجرها وهو مع مخالفته
نص الحديث الآتي فإن مت من ليلتك أو في ليلتك مت على الفطرة وإن أصبحت أصبت خيراً
اعترض على الطيبي في قوله ومعنى تحت ليلته أنه لم يتجاوز عنه إلى النهار لأن الليل يسلخ
منه النهار فهو تحته أو يكون بمعنى إن مت تحت نازلة عليك من ليلتك أي من أجل ما يحدث
من ليلتك بقوله وفي جميعه نظر وكون الليل يسلخ منه النهار لا يؤيد ما ذكره أوّلاً في معنى
التحت كما هو واضح أو يكون الخ في غاية البعد والتكلف والأحسن عندي أن سبب التعبير
۴بود
أ علوم
:Tجـ،د

١٦٠٠
٢٩٦
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
ماتَ على الفطرةٍ)).
وفي روايةٍ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ بِ ◌ّهِ لرجلٍ: ((يا فلانُ! إِذا أويتَ إِلى فراشِكَ فتوضَّأَ
وُضُوءَكَ للصلاة، ثمَّ اضطجعْ على شقِكَ الأيمنِ، ثمَّ قل: اللهمَّ أسلمتُ نفسي إليكَ، إِلى
قوله: أرسلت)). وقال:
بالتحت أن الله جعل الليل لباساً فالناس مغمورون ومستورون تحته كالمستور تحت ثيابه ولباسه
وهذا معنى واضح جداً فالعدول إلى ما ذكره الشارح من الأمرين السابقين عدول عن الجوهر إلى
الصدف قلت هذا المعنى هو بعينه المعنى الذي ذكره الطيبي أوّلاً وهو معنى يسلخ منه النهار
فالجلد هو المشبه باللباس فمؤدي معنى الآيتين واحد مع أن كلام ابن حجر آخراً يناقض تفسيره
أوّلاً وكان سبب الاعتراضات عجبه وغروره بالفقهيات وجهله بدقائق الصناعات البديعية وعدم
فهمه بحقائق الاعتبارات العربية ثم مع هذا كله قال في حق الطيبي وكان سبب وقوعه فيما علمت
من المواضع التي رددتها عليه قوله أول شرح هذا الحديث أن فيه غرائب وعجائب لا يعرفها إلا
الثقات من أهل البيان فكان ذلك وقع منه تبجحاً فلم يصب الجادة الواضحة في أكثر شرحه كما
يعلم بتأمل ما ذكره وما ذكرته. اهـ. وبتأمل كلاميهما ظهر تفاوت ما بينهما كما بين السماء
والأرض حيث ما بلغ فهم المتعقب وهم عقبة من تحقيق أربه وتدقيق أدبه لولا شرحه شرح الله
صدره وفتح قبره لما فهم أحد من بعده ما قبله والفضل للمتقدم والأجر الكامل له وما وقع منه
كان تحدثاً لا تصحيحاً وعلامة صدقه ما قدره الله ممن زين كلامه وبين مرامه راجياً أن يكون
داخلاً في سلك من قال ◌َله في حقه ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها
دينها)) أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي كما ذكره شيخ مشايخنا الحافظ الجلال السيوطي في
جامعه الصغير(١) هذا ولو تتبع شرح ابن حجر وتفحص منه العجر والبجر لم يبق له إلا فروع
فقهية أو كلمات اعتراضية وليس من الإنصاف نسبة الحلويات إلى نفسه واسناد المريات على
زعمه لأخيه بل لنفسه ومع هذا نرجو من الله أن لا يؤاخذه في رمسه(٢) (مات على الفطرة) أي
الإسلام (وفي رواية قال) أي البراء (قال رسول الله وَلي لرجل) قال الطيبي هو أسيد بن حضير (يا
فلان إذا أويت) أي قصدت المأوى (إلى فراشك) أي للنوم ولهذا قال أي إذا أردت أن تجعل
فراشك مكان نومك (فتوضأ) أمر ندب (وضوءك) أي وضوءاً كاملاً مثل وضوئك (للصلاة ثم
اضطجع على شقك الأيمن) فإنه من السنن (ثم قل اللهم أسلمت نفسي إليك إلى قوله أرسلت.
وقال:) أي النبي. وَّل﴿. فيكون من جملة كلام البراء عطف على قال. رسول الله. أو قال البراء
أيضاً، عن النبي وَ ل هـ فيكون عطفاً على قال، لكنه موهم للوقف وإن كان مثله(٣) ما يقال من قبل
الرأي. ويؤيد الرفع أن الخطاب للصحابي، وليس للصحابي أن يخاطب مثله بمثل قوله (فإن مت)
الجامع الصغير ١١٥/١ حديث رقم ١٨٤٥.
(١)
(٢) الرمس: الصوت الخفي. ورمس الشيء طمس أثره.
١
(٣) في المخطوطة ((مثل)).
صوت
: وجبقاء

٢٩٧
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
((فإِن مِتَّ من ليلتِك متَّ على الفطرةِ، وإِن أصبحتَ أصبتَ خيراً)). متفق عليه.
٢٣٨٦. (٦) وعن أنس، أنَّ رسول اللَّهِ وَ لَّ كان إذا أوى إلى فراشِهِ قال: «الحمدُ للهِ
الذي أطعمنَا، وسقانا، وكفانا، وآوانا،
١
فود
بضم الميم وكسرها (من ليلتك) وفي نسخة في ليلتك(١) (مت على الفطرة) أي على التوحيد (وإن
أصبحت أصبت خيراً) أي خيراً كثيراً أو خيراً في الدارين ( متفق عليه) وقال ابن حجر: في بعض
طرقه عن البراء، قال: قلت: ورسولك الذي أرسلت فقال ونبيك. وإنما رد عليه لأنه إذا قال
ورسولك لم يبق يفيد قوله الذي أرسلت إلا محض(٢) التأكيد وهذا معنى قول بعضهم لأن البيان
صار مكرراً من غير إفادة زيادة في المعنى وذلك مما يأباه التبليغ. اهـ. ويمكن أن يحصل له فائدة
مقدرة، بأن يقال الذي أرسلته إلينا، أو أرسلته إلى الخلق كافة، مع أن التأكيد يقع في كلام البلغاء
كما في قوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه﴾ [الأنعام. ٣٨] ﴿فخر
عليهم السقف من فوقهم﴾ [النحل - ٢٦] وأما قوله وَلير: ((ما من صباح يصبح العباد فيه))(٣) فليس
من هذا القبيل. خلافاً لما وهمه ابن حجر. والأظهر والله أعلم في وجه الرد أن الأدعية الواردة لا
تغير عن ألفاظها. وكذا الأحاديث وفي معناها التصانيف. وإنما جاز نقل الحديث بالمعنى إذا
اضطر إليه بنسيان لفظه. فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله. وأما نقله بالمعنى مع حفظه لفظه
فيخاف عليه أن يدخل تحت قوله وَله: ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))(٤). ولذا
قال بعض المحققين: ولا بد أيضاً من مراعاة القواعد النحوية ومحافظة المخارج والصفات
الحرفية. وقال الطيبي: النبي فعيل بمعنى فاعل للمبالغة من النبأ بمعنى الخبر، لأنه أنبأ عن الله .
ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه النبي مشتق من النباوة وهي الشيء المرتفع ورد النبي وَّ على
البراء حين قال: ورسولك الذي أرسلت بما رد عليه ليختلف اللفظان، ويجتمع الثناء بين معنى
الارتفاع والإرسال، ويكون تعديداً للنعمة في الحالين وتعظيماً للمنة على الوجهين. اهـ. وعلل
النهي أيضاً بأنه كان نبياً قبل أن كان رسولاً. ثم رأيت أن النووي استحسن قول الماوردي وغيره.
سبب النهي أن الاذكار تعبدية يقتصر فيها على اللفظ الوارد بحروفه، وبه يتعلق الجزاء. ولعله
أوحى إليه. وَل﴿. بهذه الكلمات فتعين أداؤها كما هي. اهـ. فالحمد لله على التوارد في المحافظة
على الوارد ورواه الأربعة. وفي رواية وليجعلهن آخر ما يتكلم به.
٢٣٨٦ . (وعن أنس أن رسول الله و لو كان إذا أوى إلى فراشه قال: الحمد لله الذي
أطعمنا وسقانا وكفانا) أي دفع عنا شر المؤذيات، أو كفى مهماتنا وقضى حاجاتنا (وآوانا) قال
النووي [رحمه الله]: إذا أوى إلى فراشه، وأويت مقصور وأما آوانا فمدود هذا هو الفصيح
(١) وهي نسخة المتن.
(٣) راجع الحديث رقم (٢٣٠٥).
(٢) في المخطوطة ((بمحض)).
(٤) متفق عليه.
حديث رقم ٢٣٨٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٨٥ حديث رقم (٧١٥.٦٤). وأبو داود في السنن
٣١٢/٣ حديث رقم ٥٠٥٣. والترمذي ١٣٦/٥ حديث رقم ٣٤٥٦.
جد.
i.
٧٠٪

٢٩٨
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
فکم ممَّن لا كافيَ له ولا مُؤْوِيَ)). رواه مسلم.
٢٣٨٧. (٧) وعن علي: أن فاطمة أتتْ النبيَّ وَّ تشكو إليه ما تَلقى في يدِها منّ
الرَّحى، وبلغهَا أنَّهُ جاءه رقيقٌ، فلم تصادِفْه، فذكرَتْ ذلكَ لعائشةَ، فلمَّا جاءَ أخبرَتْهُ
عائشةُ .
المشهور. وحكى القصر فيهما وحكى المد فيهما. اهـ. أي رزقنا مساكن وهيأ لنا المأوى. وزاد
ابن حجر مع تيسير الخدم وتوفر المؤن والسلامة خاليا من الأمراض والمحن. اهـ. وهو غير
مفهوم من الحديث كما لا يخفى (فكم ممن لا كافي له) بفتح الياء. وما وقع في بعض النسخ
بالهمز فهو سهو (ولا مؤوي) بصيغة الفاعل وله مقدر أي فكم شخص لا يكفيهم الله شر الأشرار
بل تركهم [وشرهم] حتى غلب عليهم أعداؤهم، ولا يهيىء لهم مأوى، بل تركهم يهيمون في
البوادي ويتأذون بالحر والبرد. قال الطيبي: ذلك قليل نادر فلا يناسب كم المقتضى للكثرة على
أنه افتتح بقوله أطعمنا وسقانا. ويمكن أن ينزل هذا على معنى قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله مولى
الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ [محمد - ١١] فالمعنى أنا نحمد الله على أن عرفنا نعمه
ووفقنا لأداء شكره فكم من منعم عليه لا يعرفون ذلك ولا يشكرون. وكذلك الله مولى الخلق
كلهم بمعنى أنه ربهم ومالكهم، لكنه ناصر للمؤمنين ومحب لهم. فالفاء في فكم للتعليل. وقال
مولانا عصام الدين [رحمه الله]: قوله فكم ممن لا كافي له من قبيل قوله تعالى: ﴿لا مولى
لهم﴾ مع أن الله تعالى مولى كل أحد أي لا يعرفون مولى لهم فلم لم يتفرع على كفانا، بل على
معرفة الكافي التي يستفاد من الاعتراف. وإنما حمد الله تعالى على الطعام والسقي وكفاية
المهمات في وقت الاضطجاع، لأن النوم فرع الشبع والري، وفراغ الخاطر عن المهمات،
والأمن من الشرور. وقال النووي: معنى آوانا هنا رحمنا فقوله كم ممن لا مؤوي له أي لا راحم
وعاطف عليه (رواه مسلم) ورواه أبو داود والترمذي والنسائي.
٢٣٨٧ . (وعن علي - رضي الله عنه. أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي . وَّر.) قال ابن
حجر: أي بيته وهو غير مفهوم من الحديث (تشكو إليه) أما مفعول له بحذف أن تخفيفاً أي
أتت إليه إرادة أن تشكو أو حال مقدرة من فاعل أتت أي مقدرة الشكوى (ما تلقى) أي من
المشقة الكائنة (في يدها) وفي نسخة في يديها (من الرحى) أي من أثر إدارة الرحى (وبلغها)
حال من ضمير أتت أي وقد بلغ فاطمة (أنه) أي الشأن (جاءه) أي النبي وَّر (رقيق) من السبي
والرقيق المملوك وقد يطلق على الجماعة (فلم تصادفه) أي لم تجد فاطمة النبي . وَلّ. في بيته
(فذكرت) عطف على أتت (ذلك لعائشة [فلما جاء أخبرته عائشة) كذا نسخ المتون خلاف نسخ
الشرح] (قال:) أي عليّ رضي الله عنه، (فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا) أي جاءنا النبي وَّل
رقم ٢٣٨٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٠٦/٩١. حديث رقم ٥٣٦١ ومسلم ٢٠٩١/٤
حدیث
حديث رقم (٢٧٢٧.٨٠) وأبو داود في السنن ٣١٥/٤ حديث رقم ٥٠٦٢. والترمذي ١٤٢/٥
حديث رقم ٣٤٦٩ وأحمد ١/ ٨٠.

٢٩٩
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
قال: فجاءَنا وقد أخذنا مضاجِعنَا، فذهبنا نقومُ، فقال: على مكانِكُما، فجاءَ فقعدَ بيني
وبينَها، حتى وجدتُ بردَ قدمِهِ على بطني. فقال: ((ألا أدُلْكما على خيرِ ممَّا سألتُما؟ إِذا
أخذتُما مضجعَكما؛ فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واخْمَدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا أربعاً وثلاثين؛ فهو
خير لكما من خادم)). متفق عليه.
حال كوننا مضطجعين. وأما قول ابن حجر، بعد فجاانا: أي هو وهي غير مطابق لظاهر
العربية (فذهبنا نقوم) أي شرعنا وقصدنا لنقوم له (فقال: على مكانكما) أي اثبتا على ما
أنتما عليه من الاضطجاع وأما قول ابن حجر: أي الزماه، ولا تقوما منه، والمراد دوماً،
واثبتا على ما أنتما عليه. فانعكاس لأن الأوّل هو حاصل المعنى (فجاء فقعد بيني وبينها
حتى وجدت برد قدمه) وفي نسخة قدميه (على بطني) يدل على أن فاطمة وعلياً كانا تحت
لحاف واحد. وعلى أن علياً كان عرياناً ما عدا العورة. وأما ما ذكره ابن حجر، من أنه
وضع قدميه الكريمتين فلا دليل عليه. وكذا قوله من أنه وضع قدميه على بطنهما ليسري
إليهما الخ (فقال ألا أدلكما على خير مما سألتما) أي طلبتما من الرقيق. يحتمل أن يكون
على طلب بلسان القال أو الحال، أو نزل رضاه منزلة السؤال، أو لكون حاجة النساء
حاجة الرجال. وأما قول ابن حجر: فيه أنه لم تأت للسؤال إلا بإذن علي. فيحتمل لا
يجزم به ولا يحتاج الكلام إلى تقدير قالا نعم كما ذكره ابن حجر. فإن ألا تحتمل أن
يكون للتنبيه. وعلى تقدير أن الهمزة للاستفهام، لما كان من المعلوم ميل الدلالة على
الخبر فقال قبل الجواب (إذا أخذتما مضجعكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين وأحمدا ثلاثاً وثلاثين
وكبرا أربعاً وثلاثين) قال الجزري : . في شرحه للمصابيح .: في بعض الروايات الصحيحة
التكبير أوّلاً. وكان شيخنا الحافظ ابن كثير يرجحه ويقول تقديم التسبيح يكون عقيب
الصلاة وتقديم التكبير عند النوم. أقول الأظهر أنه يقدم تارة ويؤخر أخرى عملاً بالروايتين.
وهو أولى، وأحرى من ترجيح الصحيح على الأصح، مع أن الظاهر أن المراد تحصيل
هذا العدد وبأيهن بدىء لا يضر كما ورد في ((سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله
أكبر لا يضرك بأيهن بدأت)). وفي تخصيص الزيادة بالتكبير إيماء إلى المبالغة في اثبات
العظمة والكبرياء، فإنه يستلزم الصفات التنزيهية والثبوتية المستفادة من التسبيح والحمد والله
أعلم (فهو) أي ما ذكر من الذكر (خير) أي أفضل (لكما) أي خاصة لأنكما من أرباب
الكمال وكذا لاتباعكما من أصحاب الحال (من خادم) الخادم واحد الخدم يقع على الذكر
والأنثى. وهذا تحريض على الصبر على مشقة الدنيا ومكارهها، من الفقر والمرض وغير
ذلك. وفيه إشارة إلى أفضلية الفقير الصابر على الغنى الشاكر فهو على بابه خلافاً لابن
حجر مع أنه لا يصح قوله مع وجود من التفضيلية (متفق عليه) ورواه أبو داود والترمذي
والنسائي وابن حبان.

.44.
٣٠٠
كتاب الدعوات/ باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام
٢٣٨٨. (٨) وعن أبي هريرة، قال: جاءَتْ فاطمةُ إِلى النبيِّ نَّهِ تسأَلُهُ خادماً. فقال:
((ألا أدُلُّكِ على ما هو خيرٌ من خادم؟ تسبُحينَ اللَّهَ ثلاثاً وثلاثين، وتحمّدينَ اللَّهَ ثلاثاً
وثلاثين، وتكبِّرينَ اللَّهَ أربعاً وثلاثينَ عَندَ كلِّ صلاةٍ، وعندَ منامِكِ)) رواه مسلم.
١٢٣٠/١٠٠
الفصل الثاني
٢٣٨٩ . (٩) عن أبي هريرة، قال: كان رسولُ اللهِ وَلَّ إِذا أصبح قال: ((اللهمَّ بك
أصبحنا، وبكَ أمسينا، وبكَ نحيا، وبكَ نموتُ، وإِليكَ المصير)). وإِذا أمسَى قال: ((اللهمَّ
بكَ أمسينا، وبكَ أصبحنا، وبكَ نحيا، وبكَ نموتُ، وإِلِيكَ النشورُ)). رواه الترمذي، وأبو
داود، وابن ماجه.
٢٣٨٨. (وعن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى النبي وَار تسأله خادماً) أي رقيقاً ولم
تصادفه فلما علم بها جاءها (فقال ألا أدلك على ما هو خير من خادم تسبحين الله تعالى ثلاثاً
وثلاثين وتحمدين الله ثلاثاً وثلاثين وتكبرين الله أربعاً وثلاثين) تكملة للمائة (عند كل صلاة) أي
بعد كل مفروضة كما ورد في الأحاديث (وعند منامك) ولعل تخصيصها بالخطاب في هذا
الحديث لأنها الباعث الأصلي في طلب الخادم أو هذا الحديث نقل بالمعنى أو بالاختصار والله
أعلم وكأن قراءة هذه الأذكار عند المنام تزيل تعب خدمة النهار والآلام (رواه مسلم).
(الفصل الثاني)
٢٣٨٩ - (عن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا إصبح) أي دخل في الصباح (قال
اللهم بك أصبحنا) الباء متعلق بمحذوف وهو خبر أصبحنا ولا بد من تقدير مضاف أي أصبحنا
ملتبسين بحفظك، أو مغمورين بنعمتك، أو مشتغلين بذكرك، أو مستعينين باسمك، أو
مشمولين بتوفيقك، أو متحركين بحولك وقوتك، ومتقلبين بإرادتك وقدرتك. (وبك أمسينا
وبك) أي باسمك المحيي (نحيا وبك) أي باسمك المميت (نموت) قيل: هو حكاية الحال
الآتية. يعني يستمر حالنا على هذا في جميع الأوقات وسائر الحالات. ومثله حديث حذيفة
مرفوعاً ((اللهم باسمك أموت وأحيا)) أي لا أنفك عنه ولا أهجره قال النووي: معناه أنت تحييني
وأنت تميتني (وإليك) أي إلى حكمك (المصير) أي المرجع في الدنيا والمآب في العقبى (وإذا
أمسى) عطف على إذا أصبح (قال: اللهم بك أمسينا وبك أصبحنا) بتقديم أمسينا (وبك نحيا
وبك نموت وإليك النشور) أي البعث(١) بعد الموت والتفرق بعد الجمع (رواه الترمذي وأبو
داود وابن ماجه) قال الجزري: رواه الأربعة، وأحمد، وابن حبان في صحيحه، وأبو عوانة.
رقم ٢٣٨٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٩٢/٤ حديث رقم (٢٧٢٨.٨١).
حدیث
رقم ٢٣٨٩: أخرجه أبو داود في السنن ٣١٧/٤ حديث رقم ٥٠٦٨. والترمذي ١٣٤/٥ حديث
حدیث
رقم ٣٤٥١. وابن ماجه ٢/ ١٢٧٣ حديث رقم ٣٨٦٨.
(١). في المخطوطة ((للحشر)).
2524
٠ زيم
746