النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير الملكُ وليَ الحمدُ، وإِذا قالَ: لا إِلهَ إِلا اللَّهُ، ولا حولَ ولا قوَّة إِلا باللَّهِ، قال: لا إِله إِلا أنا لا حولَ ولا قوةَ إِلا بي)» وكان النبي يقول: ((من قالَها في مرضِهِ ثمَّ ماتَ لم تَطعَمْهُ النار)) رواه الترمذي، وابن ماجه. ٢٣١١. (١٨) وعن سعد بن أبي وقّاصٍ، أنه دَخلَ مع النبيِّ وَّرَ على امرأةٍ وبين يَدَيْها نوىّ أو حصىّ، تسبِّحُ به فقال: ((أَلا أُخْبِرُكِ بما هو أيسرُ عليكِ من هذا أو أفضلُ؟ i i الملك ولي الحمد) أي كما قال عبدي (وإذا قال لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) بالواو في ولا حول أما للعطف، أو للحال، وهو أظهر ولذا ترك في قوله (قال لا إله إلا أنا لا حول) وفي نسخة ولا حول مطابقاً لما قبله (ولا قوّة إلا بي) أي كما أقر به عبدي (وكان أي النبي ◌َل (يقول من قالها) أي هذه الكلمات من دون الجوابات (في مرضه ثم مات أي من ذلك المرض (لم تطعمه النار) أي لم تمسه أو لم تحرقه. قال الطيبي: أي لم تأكله استعار الطعم للإحراق مبالغة (رواه الترمذي وابن ماجه). ٢٣١١. (وعن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع النبي ◌َّر على امرأة) أي محرم له. أو كان ذلك قبل نزول الحجاب. على أنه لا يلزم من الدخول الرؤية ولا من وجود الرؤية حصول الشهوة (وبين يديها) الواو للحال (نوى) جمع نواة وهي عظم التمر (أو حصى) شك من الراوي (تسبح) أي المرأة (به) أي بما ذكر من النوى أو الحصى. وهذا أصل صحيح لتجويز السبحة بتقريره وَّي فإنه في معناها إذ لا فرق بين المنظومة والمنثورة فيما يعد به ولا يعتد بقول من عدها بدعة وقد قال المشايخ أنها سوط الشيطان وروي أنه رؤى مع الجنيد سبحة في يده حال انتهائه فسئل عنه فقال شيء وصلنا به إلى الله كيف نتركه ولعل هذا أحد معاني قولهم النهاية هي الرجوع إلى البداية (فقال) أي النبي ◌َليزر (ألا أخبرك بما هو أيسر) أي أسهل وأخف (عليك من هذا) أي من هذا الجمع والتعداد (أو أفضل) قيل أو للشك من سعد أو ممن دونه. وقيل بمعنى الواو. وقيل بمعنى بل وهو الأظهر. قال ابن الملك: تبعاً للطيبي: وإنما كان أفضل لأنه اعتراف بالقصور وأنه لا يقدر أن يحصي ثناءه وفي العد بالنوى إقدام على أنه قادر على الإحصاء اهـ. وفيه أنه لا يلزم من العد هذا الإقدام ولا يقدم على هذا المعنى إلا العوام كالأنعام، بل المراد والله أعلم أنه أراد ◌َلي ترقيها من عالم كثرة الألفاظ والمباني إلى وحدة الحقائق والمعاني، وهو خارج عن الاعداد بل يتوقف على مدد الأمداد. والعد في الأذكار يجعل شأناً لها في البال ويخطر بالبال في كل حال: وهذا معاب عند أرباب الكمال. ولهذا قال بعضهم: لمن يذكر الله بالعدد تذكر الله بالحساب وتذنب بالجزاف وتعصيه بلا كتاب. أو لأن الله تعالى لما أنعم على عبده بالنعمة بلا إحصاء كما قال تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ [إبراهيم. ٣٤] فينبغي حسن المقابلة في المعاملة على وجه المماثلة أن يذكره ٠٠ ٦ i ١ ١ حديث رقم ٢٣١١: أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٨٠ حديث رقم ١٥٠٠. والترمذي في السنن ٢٢٢/٥ تحت رقم ٣٦٣٩. 1977 ٢٢٢ كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير سبحانَ الله عدَدَ ما خلَقَ في السَّماءِ. وسبحانَ اللَّهِ عددَ ما خلقَ في الأرضِ، وسبحانَ الله عددَ ما بينَ ذلك، وسبحانَ اللَّهِ عددَ ما هو خالقٌ، واللَّهُ أكبر مثلَ ذلك، والحمدُ للهِ مثلَ ذلك، ولا إِلهَ إِلا اللَّهُ مثلَ ذلك، ولا حولَ ولا قوَّةَ إِلا باللَّهِ مثلَ ذلك)). رواه الترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. ٢٣١٢. (١٩) وعن عمرو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدَّه، قال: قال رسول الله ◌َّه : ((من سبَّحَ اللّهَ مائةً بالغداةِ ومائةً بالعَشِيِّ؛ ؛ كان كمن حجَّ مائةَ حجَّةٍ، ٥٠ ٠٫٠٫٢ السالك بغير استقصاء. أو فيه إيماء إلى مقام المكاشفة بتسبيح جميع الأشياء. كما قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء. ٤٤] وقال عز من قائل ﴿يسبح لله ما في السموات وما في الأرض﴾ [الجمعة. ١] (سبحان الله عدد ما خلق) فيه تغليب لكثرة غير ذوي العقول الملحوظة في المقام (في السماء) أي في عالم العلويات جميعها (وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض) أي في عالم السفليات كلها كذا قيل. والأظهر أن المراد بهما السماء والأرض المعهودتان لقوله: (وسبحان الله عدد ما بين ذلك) أي ما بين ما ذكر من السماء والأرض والهواء والطير والسحاب وغيرها (وسبحان الله عدد ما هو خالق) أي خالقه أو خالق له فيما بعد ذلك. واختاره ابن حجر وهو الأظهر. لكن الأدق الأخفى ما قال الطيبي: أي ما هو خالق له من الأزل إلى الأبد. والمراد الاستمرار فهو إجمال بعد التفصيل لأن اسم الفاعل إذا أسند إلى الله تعالى يفيد الاستمرار من بدء الخالق إلى الأبد كما تقول الله قادر عالم فلا تقصد زماناً دون زمان (والله أكبر مثل ذلك) قال الطيبي: منصوب نصب عدد في القرائن السابقة على المصدر. وقال بعض: الشراح بنصب مثل أي الله أكبر عدد ما هو خالقه أي بعدده. فجعل مرجع الإشارة أقرب ما ذكروا الظاهر أن المشار إليه جميع ما ذكر. فيكون التقدير الله أكبره رد ما خلق في السماء والله أكبر عدد ما خلق في الأرض والله أكبر عدد ما بين ذلك والله أكبر ما هو خالق (والحمد لله مثل ذلك) أي على هذا المنوال (ولا إله إلا الله مثل ذلك﴾ أي على هذا الحال (ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك) أي كذلك والأظهر أن هذا من اختصار الراوي فنقل آخر الحديث بالمعنى خشية الملالة بالإطالة ويدل على ما قلنا بعض. الآثار أيضاً والله يعلم (رواه الترمذي وأبو داود) وكذا النسائي، وابن حبان، والحاكم (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) وفي نسخة حسن غريب. ٢٣١٢. (وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَلتر: من سبح الله مائة) أي من قال سبحان الله مائة مرة (بالغداة) بفتحتين بعدهما ألف. ويجوز ضم الأوّل وسكون الثاني بعده واو (ومائة بالعشي) أي أول النهار وأول الليل أو في الملوين (كان كمن حج مائة حجة) أي نافلة دل الحديث على أن الذكر بشرط الحضور مع الله بسهولته أفضل من العبادات الشاقة بغفلته. ويمكن أن يكون الحديث من باب الحلق الناقص بالكامل مبالغة في حديث رقم ٢٣١٢: أخرجه الترمذي في السنن ١٧٦/٥ حديث رقم ٣٥٣٨. ٢٢٣ ١,٢٣ كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ومن حَمِدَ اللَّهَ مائةً بالغداةِ ومائةً بالعَشِيِّ؛ كان كمنْ حمَلَ على مائةٍ فَرَسٍ في سبيلِ الله، ومن هلَّلَ اللَّهَ مائةً بالغداةِ ومائةً بالعَشِيِّ؛ كان كمنْ أعتقَ مائةَ رقبَةٍ من وُلْد إِسماعيل، ومَنْ كبّرِ اللَّه مائةً بالغداةِ ومائةً بالعَشِيِّ؛ لم يأتِ في ذلكَ اليومِ أحدٌ بأكثرَ مما أتى به إِلاَ مَنْ قالَ مِثْلَ ذلك، أو زادَ على ما قال)). رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسن غريب. ٢٣١٣. (٢٠) وعن عبد اللَّهِ بنِ عمروٍ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّ: ((التسبيحُ نصفُ الميزانٍ، والحمد لله يمْلَؤُهُ، ولا إِله إِلا اللَّهُ ليسَ لها حجابٌ دونَ اللَّهِ حتى تَخْلُصَ إِليه)). الترغيب أو يراد التساوي بين التسبيح المضاعف بالحجج الغير المضاعفة والله أعلم (ومن حمد الله مائة بالغدوة ومائة بالعشي كان كمن حمل) بالتخفيف أي ركب مائة نفس (على مائة فرس في سبيل الله) أي في نحو الجهاد أما صدقة أو عارية. وفيه ترغيب للذاكر في الذكر لئلاً يلتفت إلى الدنيا، ويجمع همته على الحضور مع المولى، إذا المقصود من جميع العبادات البدنية والمالية والمركب منهما إنما هو ذكر الله لا غير. ولا يشك أن المطلوب أحسن من الوسيلة (ومن هلل الله) أي قال لا إله إلا الله (مائة بالغدوة ومائة بالعشي كان كمن أعتق مائة رقبة) وفيه تسلية للذاكرين من الفقراء والعاجزين عن العبادات المالية المختصة بها الأغنياء (من ولد إسماعيل) بضم الواو وسكون اللام ويفتحهما يقع على الواحد والتثنية والجمع والمراد من أولاد إسماعيل العرب لأنهم أفضل الأصناف، لكونهم من أقارب نبينا وَ الر فهو تنميم ومبالغة في معنى العتق (ومن كبر الله مائة بالغدوة ومائة بالعشي لم يأت في ذلك اليوم أحد) أي يوم القيامة (بأكثر) أي بثواب أكثر أو المراد بعمل أفضل وإنما عبر بأكثر لأنه معنى أفضل (مما أتى به) أي جاء به أو بمثله قال ابن حجر ظاهره أن هذا أفضل من جميع ما قبله والذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة الكثيرة أن أفضل هذا التهليل فالتحميد فالتكبير فالتسبيح فحينئذ يؤول باب يقال لم يأت في ذلك اليوم أحد غير المهلل والحامد المذكورين أكثر مما أتى به (إلا من قال مثل ذلك أو زاد على ما قال رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب). ٢٣١٣. (وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله وَطاهر: التسبيح نصف الميزان) أي ثوابه بعد تجسمه يملأ نصف الميزان والمراد به إحدى كفتيه الموضوعة لوضع الحسنات فيها (والحمد لله يملؤه) أي الميزان أو نصفه وهو الأظهر لأن الاذكار تنحصر في نوعين التنزيه والتحميد. قال الطيبي: فيكون الحمد نصفه الآخر فهما متساويان. ويلائمه حديث ((ثقيلتان في الميزان)). ويحتمل تفضيل الحمد بأنه يملأ الميزان وحده لاشتماله على التنزيه ضمناً لأن الوصف بالكمال متضمن نفي النقصان ويؤيده قوله: (ولا إله إلا الله ليس لها حجاب دون الله) فإنها تتضمن التحميد والتنزيه ولذا صارت موجبة للقرب وهو معنى قوله (حتى تخلص) بضم اللام (إليه) أي تصل عنده وتنتهي إلى محل القبول. والمراد بهذا وأمثاله سرعة القبول والإجابة وكثرة الأجر والإثابة وفيه دلالة ظاهرة على أن لا إله إلا الله أفضل من سبحان الله والحمد لله i حديث رقم ٢٣١٣: أخرجه الترمذي في السنن ١٩٧/٥ حديث رقم ٣٥٨٤. ** سجد ٢٢٤ كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وليس إِسناده بالقوي. ٢٣١٤ . (٢١) وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وََّ «ما قالَ عبدٌ لا إِله إِلا اللَّهُ مخلصاً قَطُ إِلا فُتحتْ لهُ أبوابُ السَّماءِ حتى يُفضيَ إِلى العرش ما اجتنبَ الكبائرَ)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ غريب. ٢٣١٥. (٢٢) وعن ابن مسعودٍ، قال: قالَ رسولُ اللَّهِ وَلِّ: («لقيتُ إِبراهيمَ ليلةً أَسريّ بي. فقال: يا محمّد! أَقْرِى: أُمَّتَكَ مني السَّلامَ، (رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوي) أي إسناده ضعيف لكن يعمل به في فضائل الأعمال. ٢٣١٤. (وعن أبي هريرة قال قال رسول الله (وَ ل* ما قال عبد) أي مستشعراً لعبوديته وحدوث وجوده ومستذكراً لألوهية ربه وتوحيد معبوده (لا إله إلا الله مخلصاً) أي من غير رياء وسمعة أو مؤمناً غير منافق (قط إلا فتحت) بالتخفيف وتشدد (له) أي لهذا الكلام أو القول (أبواب السماء حتى يفضي) بضم الياء أي يصل (إلى العرش ما اجتنب) أو صاحبه (الكبائر) وفي نسخة بصيغة المجهول ورفع الكبائر. قال الطيبي: الحديث السابق دل على تجاوز من العرش حتى انتهى إلى الله تعالى: والمراد من ذلك سرعة القبول والاجتناب عن الكبائر شرط للسرعة لا لأجل الثواب والقبول اهـ. أو لأجل كمال الثواب وأعلى مراتب القبول لأن السيئة لا تحبط الحسنة بل الحسنة تذهب السيئة وهذا المعنى لهذا الحديث هو المطابق للحديث السابق. فقول ابن حجر إلا فتحت له أي لروحه عقب موته تقدير في غير محله من غير احتياج إليه. ثم تعليله بقوله لأنه من المؤمنين وهم يفتح لهم أبواب السماء بخلاف الكفار لا يفتح لهم أبواب السماء غير مستقيم لتقييد الحديث بقوله ما اجتنب الكبائر على ما هو الظاهر (رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب) ورواه النسائي وابن حبان. ٢٣١٥ . (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَّلته: لقيت إبراهيم) أي الخليل عليه الصلاة والسلام كما في نسخة (ليلة أسري بي) بالإضافة وفي نسختة يتنوين ليلة أي ليلة أسري فيها بي وهي ليلة المعراج (فقال) أي إبراهيم وهو في محله من السماء السابعة مسنداً أظهره إلى البيت المعمور (يا محمد أقرىء أمتك) أي أوصلهم وبلغهم (مني السلام) وفي نسخة اقرأ أمتك مني أي من جانبي ومن عندي السلام. في النهاية يقال اقرأ فلان فلاناً السلام واقرأ عليه السلام كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده. وفي المقدمة نحوه لكن في الصحاح والقاموس أن قرأه السلام وأقرأه السلام بمعنى وعلى كل فينبغي لكل من سمع ذلك أن يقول ١٠ حديث رقم ٢٣١٤: أخرجه الترمذي في السنن ٥/ ٢٣٣ حديث رقم ٣٦٦٠. حديث رقم ٢٣١٥: أخرجه الترمذي في السنن ١٧٣/٥ حديث رقم ٣٥٢٩. ٢٢٥ كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وأَخبِرْهُمْ أنَّ الجنَّةَ طيِّةُ التّربةِ، عذْبةُ الماءِ، وأنها قيعانٌ، وأنَّ غِراسَها سبحانَ الله، والحمدُ للَّهِ، ولا إِلهَ إِلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبر)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديثٌ حسن، غريب إِسناداً. وعليه السلام ورحمة الله وبركاته (وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة) وهي التراب فإن ترابها المسك والزعفران ولا أطيب منهما (عذبة الماء) أي للنموّ أو حلو لذيذ كما قال تعالى: ﴿وأنهار من ماء غير آسن﴾ [محمد. ١٥] أي غير متغير بملوحة ولا غيرها (وأنها) بالفتح ويكسر أي الجنة (قيعان) بكسر القاف جمع قاع وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر (وأن) بالوجهين (غراسها) بكسر الغين المعجمة جمع غرس بالفتح وهو ما يغرس أي يستر تراب الأرض من نحو البذر لينبت بعد ذلك وإذا كانت تلك التربة طيبة وماؤها عذباً كان الغراس أطيب لا سيما والغرس الكلمات الطيبات وهن الباقيات الصالحات (سبحان الله والحمد وَ لفيه ولا إله إلا الله والله أكبر) والمعنى أعلمهم بأن هذه الكلمات ونحوها، سبب لدخول قائلها الجنة، ولكثرة أشجار منزله فيها لأنه كلما كررها نبت له أشجار بعددها. قال ابن الملك: يعني أن هذه الكلمات تورث قائلها الجنة فأطلق السبب وأراد المسبب اهـ. وفيه بحث، وقال الطيبي: أقول في هذا الحديث إشكال لأنه يدل على أن أرض الجنة خالية عن الأشجار والقصور ويدل قوله تعالى: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [البقرة. ٢٥] وعلى أنها غير خالية عنها لأنها إنما سميت جنة لأشجارها المتكاثفة المظلة بالتفاف أغصانها. والجواب أنها كانت قيعاناً ثم أن الله تعالى أوجد بفضله فيها أشجاراً وقصوراً بحسب أعمال العاملين لكل عامل ما يختص به بسبب عمله ثم أنه تعالى لما يسره لما خلق له من العمل لينال بذلك الثواب جعله كالغارس لتلك الأشجار مجازاً إطلاقاً للسبب على المسبب. وأجيب أيضاً لا دلالة في الحديث على الخلو الكلي من الأشجار والقصور لأن معنى كونها قيعاناً أن أكثرها مغروس وما عداه منها أمكنة واسعة بلا غرس لينغرس بتلك الكلمات ويتميز غرسها الأصلي الذي بلا سبب وغرسها المسبب عن تلك الكلمات، قال ابن حجر: والحاصل أن أكثرها مغروس ليكون مقابلاً للأعمال الصالحة غير تلك الكلمات وبقيتها تغرس بتلك الكلمات ليمتاز ثواب هذه الكلمات لعظم فضلها كما علم من الأحاديث السابقة عن ثواب غيرها اهـ. وفي كون هذا حاصل الجوابين أو أحدهما نظر ظاهر فتأمل ويخطر بالبال والله أعلم أن أقل أهل الجنة من له جنتان كما قال: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان ﴾ [الرحمان . ٤٦] فيقال جنة فيها أشجار وأنهار وحور وقصور خلقت بطريق الفضل وجنة يوجد فيها ما ذكر بسبب حدوث الأعمال والأذكار من باب العدل وهذا معنى قول بعض الصوفية في تفسير الآية جنة في الدنيا وجنة في العقبى (رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب إسناداً) وروى ابن ماجه والحاكم والطبراني عن أبي هريرة مرفوعاً: ((يغرس لك بكل واحدة شجرة في الجنة))(١). i (١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥١٢. ٢٢٦ كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ٢٣١٦. (٢٣) وعن بُسيرة رضي الله عنها، وكانت من المهاجراتِ، قالت: قالَ لنا رسولُ اللَّهِ وَله: ((عليكُنَّ بالتسبيح، والتهليل، والتقديس، واعقِدْنَ بالأناملِ، ٢٣١٦ . (وعن بسيرة) بضم التحتية وفتح السين ويقال أسيرة بالهمز أم ياسر صحابية من الأنصاريات. ويقال من المهاجرات كذا في التقريب وقال المؤلف كانت من المهاجرات وهو الظاهر المطابق لقوله (وكانت من المهاجرات) وأما قول ابن الملك أنها بنت ياسر فهو سهو قلم (قالت: قال لنا) أي معشر النساء (رسول الله وَظافر: عليكن) اسم فعل بمعنى الزمن وأمسكن (بالتسبيح والتهليل والتقديس) أي قول سبحان الملك القدوس أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح. ويمكن أن يراد بالتقديس التكبير ويدل عليه ذكره في المعدودات على وفق نظائره من الروايات قال ابن حجر هذا عادة العرب أن الكلمة إذا تكررت على ألسنتهم اختصروها ليسهل تكررها بضم بعض حروف إحداها إلى الأخرى كالحوقلة والحيعلة والبسملة وكالتهليل فإنه مأخوذ من لا إله إلا الله يقال هيلل الرجل وهلل إذا قال ذلك ! هـ. وهو غير مستقيم من وجوه الأول أن البسملة ونحوها من الكلمات المصنوعة لا العربية الموضوعة. والثاني أن هذا مسلم في الحوقلة والحيعلة والبسملة وأما التسبيح والتهليل فمصدران قياسيان. وكذا التقديس ومعناها جعل الله مسبحاً ومقدساً أي منزهاً بالذكر والاعتقاد عن صفات الحدوث والحلول والاتحاد. ومهللاً أي مرفوع الصوت بذكر توحيده وإثبات تغريده نعم هيلل من قبيل بسمل وكذا سجل وكذا قدسل. لو سمع أو بنى لوجود دلالة بعض من كل منهما على كلمة في مقابلتها بخلاف ما ذكر من التسبيح والتهليل والتقديس وأيضاً فهذه مصادر باب التفعيل على طبق الموضوع والمصدر المصنوع مختص بباب الفعللة ملحق به في التصريف كما هو مقرر ومحقق. ولا يضرنا تفسيرهم التسبيح بسبحان الله والتهليل بلا إله إلا الله والتقديس بسبحان الملك القدوس فإنه تفسير معنوي مجزءاً من معنى كلي هو المفهوم المصدري (وأعقدن) بكسر القاف أي أعددن عدد مرات التسبيح وما عطف عليه (بالأنامل) أي بعقدها أو برؤوسها يقال عقد الشيء بالأنامل عده. وقول ابن حجر: أي عدهن أو التقدير أعددت لا وجه للفرق بينهما، قال الطيبي: حرضهن ◌َّله على أن يحصين تلك الكلمات بأناملهن ليحط عنها بذلك ما اجترحته من الذنوب ويدل على أنهن كن يعرفن عقد الحساب. وقال ابن حجر: الباء زائدة في الإثبات على مذهب جماعة وهو وهم وانتقال منه من الباء إلى من وإلا فزيادة الباء في المفعول كثيرة غير مقيدة بالإثبات والنفي اتفاقاً على ما في المغني كقوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ [مريم. ٢٥] ﴿فليمدد بسبب إلى السماء﴾ [الحج. ١٥] ﴿ومن يرد فيه بإلحاد﴾ [الحج . ٢٥] ﴿فطفق مسحاً بالسوق﴾ [ص.٣٣] ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة. ١٩٥] وقوله فكفى بنا فضلاً على من عيرنا حب النبي محمد إيانا. والأنامل جمع أنملة بتثليث الميم والهمز تسع لغات فيها الظفر كذا في القاموس والظاهر أن يراد بها الأصابع من باب إطلاق البعض حديث رقم ٢٣١٦: أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٨١ حديث رقم ١٥٠١٠. والترمذي في السنن ٢٣٠/٥ حديث رقم ٣٦٥٣. وأحمد في المسند ٦/ ٣٧١. / /١٣٧ ٢٢٧ كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير فإِنهنَّ مسؤولاتٌ مُسْتَنْقَطاتٌ، ولا تَغْفُلْنَ فتُنْسَيْنَ الرحمةَ)) رواه الترمذي، وأبو داود. الفصل الثالث ٢٣١٧. (٢٤) عن سعدِ بنِ أبي وقَاصٍ، قال: جاءَ أعرابيٍّ إِلى رسولِ اللَّهِ وَّل، فقال: علِّمني كلاماً أقولُه، قال: ((قُلْ: لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَحدَهُ لا شريكَ لهُ، اللَّهُ أكبرُ كبيراً، وإرادة الكل عكس ما ورد في قوله تعالى: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم﴾ [البقرة - ١٩] للمبالغة وفيه جواز عد الأذكار ومأخذ سبحة الأبرار وقد كان لأبي هريرة خيط فيه عقد كثيرة يسبح بها وزعم أنها بدعة غير صحيح لوجود أصلها في السنة ولقوله وَلير: ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم)) وإنما قيد العقد بالأنامل دلالة على الأفضل ويدل عليه تعليله بقوله (فإنهن) أي الأنامل كسائر الأعضاء (مسؤولات) أي يسألن يوم القيامة عما اكتسبن وبأي شيء استعملن (مستنطقات) بفتح الطاء أي متكلمات بخلق النطق فيها فيشهدن لصاحبهن أو عليه بما اكتسبه قال تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون﴾ [النور- ٢٤] ﴿وما كنتم تستترون أن یشهد علیکم سمعکم ولا أبصارکم ولا جلودکم ﴾ [فصلت - ٢٢] وفيه حث على استعمال الأعضاء فيما يرضى الرب تعالى وتعريض بالتحفظ عن الفواحش والآثام (ولا تغفلن) بضم الفاء والفتح لحن أي عن الذكر يعني لا تتركن الذكر (فتنسين) بفتح التاء أي فتتركن (الرحمة) بسبب الغفلة والمراد بنسيان الرحمة نسيان أسبابها أي لا تتركن الذكر فإنكن لو تركتن الذكر لحرمتن ثوابه فكأنكن تركتن الرحمة قال تعالى: ﴿فاذكروني﴾ أي بالطاعة ﴿أذكركم ﴾ [البقرة. ١٥٢] أي بالرحمة وفي نسخة صحيحة بصيغة مجهولة من الإنساء أي أنكن استحفظتن ذكر الرحمة وأمرتن بسؤالها فإذا غفلتن فقد ضيعتن ما استودعتن فتركتن سدى عن رحمة الله تعالى قال الطيبي لا تغفلن نهي لأمرين أي لا تغفلن عما ذكرت لكن من اللزوم على الذكر والمحافظة عليه والعقد بالأصابع توثيقاً وقوله فتنسين جواب لو أي أنكن لو تغفلن عما ذكرت لكن لتركتن سدى عن رحمة الله وهذا من باب قوله تعالى: ﴿ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي﴾ [طه. ٨١] أو لا يكن منكن الغفلة فيكون من الله ترك الرحمة فعبر بالنسيان عن ترك الرحمة كما في قوله تعالى: ﴿وكذلك اليوم تنسى ﴾ [طه.١٢٦] (رواه الترمذي وأبو داود). 2செ.ம், ** (الفصل الثالث) ٢٣١٧ . (عن سعد بن أبي وقاص قال: جاء أعرابي إلى رسول الله) وفي نسخة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم فقال علمني كلاماً) أي ذكراً (أقوله) أي أذكره ورداً (قال قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له) بدأ بالتوحيد على وجه التفريد، فإنه مبدأ كل عبادة، ومختم كل سعادة، للمراد والمريد (الله أكبر) أي من كل كبير أو من أن يحاط بكنه كبريائه وهو الأولى (كبيراً) قال حديث رقم ٢٣١٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٧٢/٤ حديث رقم (٢٦٩٦.٣٣). ٠٠٠ ٢٢٨ كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والحمدُ للهِ كثيراً، وسُبحانَ اللَّهِ ربِّ العالمينَ، لا حوْلَ ولا قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ العَزيزِ الحَكيم)). فقال: فهؤُلاءِ لرَبِّي، فما لي؟ فقال: ((قُلْ: اللهُمَّ اغفِرْ لي، وارحمْني، واهْدِنِي، وارْزُقُني وعافِني)). شكَّ الراوي في ((عافِني)). رواه مسلم. ٢٣١٨. (٢٥) وعن أنس، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ مَرَّ على شجرةٍ يابسةِ الوَرَقِ، فضربَها بعَصاهُ، فَتَناثرَ الورَقُ، فقال: ((إِنَّ الحَمدُ للَّهِ، وسُبحانَ اللَّهِ، ولا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، تُساقطُ ذُنوبَ العَبدِ كما يتَساقطُ ورقُ هذِهِ الشّجرةِ)). الطيبي: أي كبرت كبيراً أو يجوز أن يكون حالاً مؤكدة (والحمد لله كثيراً) أي حمداً كثيراً (سبحان الله) وفي نسخة وسبحان الله (ربت العالمين) أي جميع الخلائق وتغليب ذوي العلم لشرفهم (لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم) وجاء في رواية البزار بلفظ: العليّ العظيم. وهو المشهور على الألسنة، وإن لم يرد في الصحيح. قال الطيبي [رحمه الله]: لم يرد في أكثر الروايات إلا عن الإمام أحمد بن حنبل فإنه أردفها بقوله العلي العظيم (قال:) أي الأعرابي (فهؤلاء) أي الكلمات وفي نسخة صحيحة هؤلاء (لربي) أي موضوعة لذكره (فما لي) أي من الدعاء لنفسي (فقال قل اللهم اغفر لي) أي بمحو السيئات (وارحمني) أي بتوفيق الطاعات، في الحركات والسكنات (واهدني) أي لأحسن الأحوال (وارزقني) أي المال الحلال (وعافني) أي من الابتلاء بما يضر في المآل (شك الراوي في عافني) أي في إثباته ونفيه، والأولى الإثبات، لعدم مضرته بعد تمام دعوته. وأما قول ابن حجر: شك الراوي في لفظ عافني هل هو من كلام النبي ◌ّطاهر: أو لا فهو بظاهر مبني على أن الراوي هو الصحابي، وهو ليس بمتعين، لاحتمال أن يكون الشك من غيره من الرواة. ثم قوله فيؤتى به احتياطاً لرعاية احتمال أنه وَله قاله مسلم: أما قوله ونظيره قول النووي في ((رب إني ظلمت نفسي ظلماً كثير)) الخ. روي بالموحدة وبالمثلثة فيسن الجمع بينهما بأن يقول كبيراً كثيراً ليكون قد أتى بالوارد يقيناً. فمعترض بأن الجمع بهذا المنوال غير وارد، والصحيح في الجمع أن يقول كبيراً مرة وكثيراً أخرى والله أعلم (رواه مسلم). ٢٣١٨. (وعن أنس إن رسول الله ◌َّار مر على شجرة يابسة الورق فضربها) أي أغصان الشجرة (بعصاه فتناثر الورق) أي تساقط (فقال: إن الحمد لله) بالرفع على الحكاية، أو على الابتدائية. وفي نسخة بالنصب وهو ضعيف (وسبحان الله) ونصبه على المصدرية (ولا إله إلا الله والله أكبر) قال الطيبي: هذه الكلمات كلها بالنصب على اسم إن وخبرها (تساقط) بضم التاء (ذنوب العبد) أي المتكلم بها والمغالبة للمبالغة (كما يتساقط) قال الطيبي: أي تساقط فتساقط كما يتساقط (ورق هذه الشجرة) وقوله كما يتساقط، أن جعل صفة مصدر محذوف، لم تبق المطابقة بين المصدررين، ولو جعل حالاً من الذنوب استقام، ويكون تقديره تساقط الذنوب مشبهاً تساقطها بتساقط الورق، كذا حققه الطيبي. وأغرب ابن حجر حيث قال: الأصح إن ما حديث رقم ٢٣١٨: أخرجه الترمذي في السنن ٢٠٣/٥ حديث رقم ٣٥٩٩. TOF / ١٠٣٠ ٢٢٩ + موت كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير رواه الترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ غريب. ٢٣١٩. (٢٦) وعن مَكحولٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال لي رسولُ الله ◌ِوَالَ: («أكْثِرْ منُ قول: لا حوْلَ ولا قوَّة إِلاَّ باللَّهِ؛ فإِنَّها منْ كنزِ الجنَّةِ)). قال مكحولُ: فمنْ قال: لا حوْلَ ولا قوَّةً إِلاَّ باللَّهِ، ولا منجى من اللَّهِ إِلاَّ إِليهِ؛ كشفَ اللَّهُ عنه سبعينَ باباً منَ الضُّرِّ، أدناها الفقرُ. رواه الترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ ليسَ إِسنادُه بمتَّصلٍ، ومكحولٌ لم يسمَعْ عنْ أبي هريرةً. زائدة، والكاف بمعنى مثل، حال من الذنوب، والتقدير حال كون تساقط الذنوب مثل تساقط ورق هذه الشجرة. وهذا أولى مما سلكه الشارح كما لا يخفى ووجه غرابته أنه بعينه في التقدير (رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب). ٢٣١٩. (وعن مكحول) تابعي جليل كان من السودان. قال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة. ومكحول بالشام. كان مفتياً بالشام وكان لا يفتي حتى يقول لا حول ولا قوة إلا بالله سمع أنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع. وأبا هند الوزان، وغيرهم. وسمع منه الزهري، والأوزاعي، ويحيى بن يحيى العسال، وابن جريج، ومالك بن أنس (عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله ويتليفون: أكثر من قول لا حول) أي عن دفع الضر (ولا قوّة) أي على جلب النفع (إلا بالله) أي بحفظ وقدرته (فإنها من كنز الجنة) أي من ذخائرها ونفائسها، تنفع صاحبها يوم لا ينفع مال ولا بنون (قال مكحول:) أي موقوفاً عليه (فمن قال لا حول ولا قوة إلا بالله ولا منجاً) بالألف أي لا مهرب ولا مخلص (من الله) أي من سخطه وعقوبته (إلا إليه) أي بالرجوع إلى رضاه ورحمته (كشف الله) أي دفع (عنه سبعين باباً) أي نوعاً (من الضر) بضم الضاد وتفتح وهو يحتمل التحديد والتكثير (أدناه) أي أقل الضرر بمعنى جنسه (الفقر) أي ضرره. وفي نسخة صحيحة أدناها، أي أحط السبعين وأدنى مراتب الأنواع نوع مضرة الفقر. والمراد الفقر القلبي، الذي جاء في الحديث («كاد الفقر أن يكون كفر))(١). لأن قائلها إذا تصوّر معنى هذه الكلمة تقرر عنده وتيقن في قلبه أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا نفع ولا ضر إلا منه، ولا عطاء ولا منع الآية، فصبر على البلاء وشكر(٢) على النعماء وفوّض أمره إلى رب الأرض والسماء، ورضي بالقدر والقضاء فصار من زبدة الأولياء، وعمدة الأصفياء (رواه الترمذي وقال هذا) أي صدر الحديث (حديث ليس إسناده بمتصل) وبين عدم الاتصال بقوله (ومكحول لم يسمع عن) قال ابن حجر: كذا في النسخ، والمشهور من. قلت(٣): المشهور، تعديته بنفسه إلى واحد. وقيل إلى اثنين فينبغي أن يكون التقدير لم يسمع مكحول الحديث ناقلاً أو راوياً عن (أبي هريرة) وهذا نكتة ذكر مكحول في عنوان الحديث على خلاف جرى عادة المؤلف ليكون إشارة إلى الانقطاع. لكن يقويه أنه ورد عن أبي موسى i i i حديث رقم ٢٣١٩: أخرجه الترمذي في السنن ٢٣٨/٥ ٣٦٧١. وأحمد في المسند ٤/ ٣٣٣. (٢) في المخطوطة ((يشكر)). (١) أبو نعيم في الحلية ٥٣/٣. (٣) في المخطوطة ((قلب)). .م i ٢٣٠ كتاب الدعوات/ باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ٢٣٢٠. (٢٧) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَالَ: ((لا حولَ ولا قُوَّةَ إِلاَّ باللّهِ دَواءٌ منْ تِسعةٍ وتسعينَ داءً أيسَرُها الهَمُّ. ٢٣٢١. (٢٨) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((أَلا أدُلْكَ على كلمةٍ من تحتٍ العَرشِ منْ كنزِ الجنَّةِ: لا حوْلَ ولا قوَّةً إِلاَّ باللَّهِ، يقولُ اللَّهُ تعالى: أَسلَمَ عَبدِي، واسْتَسلَمَ)). الأشعري مرفوعاً. ((قل لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة)). رواه الجماعة الستة(١) وروى النسائي والبزار عن أبي هريرة مرفوعاً. ((لا حول ولا قوّة إلا بالله مع لا منجا من الله لا إليه كنز من كنوز الجنة)). ٢٣٢٠ . (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّو لا حول ولا قوة إلا بالله دواء) أي معنوي وتأثيره قوي (من تسعة وتسعين داء) أي من الأدواء الدنيوية والآخروية (أيسرها) أي أقلها وأسهلها (الهم) أي جنس الهم المتعلق بالدين أو الدنيا، أو هم المعاش وغم المعاد ولا شك أن الهم موجب لغم النفس، وضيق النفس، وسبب لضعف القوى، واختلال الأعضاء، ومن ثم امتن تعالى على نبيه يونس عليه السلام بمعافاته من الغم حيث قال: ﴿فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ﴾ [الأنبياء. ٨٨]. ١ /٢١١٣٢ ٢٣٢١. (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله ◌َّ ر ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة) قال الطيبي: من تحت العرش صفة كلمة ويجوز أن تكون من ابتدائية، أي تلك الكلمة ناشئة كائنة من تحته و ((من)) في من كنز الجنة، بيانية. وإذا جعل العرش سقف الجنة جاز أن يكون من كنز الجنة بدلاً من قوله من تحت العرش اهـ. والمعنى أنها من الكنوز المعنوية العرشية، وذخائر الجنة العالية العلوية، لا من الكنوز الفانية الحسية السفلية وقال ابن حجر: أي كلمة أنزلت من الكنز الذي تحت العرش. وقد سبق أن تحته كنزاً وإن أواخر البقرة نزلت من ذلك الكنز هي أيضاً من كنز الجنة، فمن تبعيضية كما صرح به حديث مكحول (لا حول ولا قوّة إلا بالله) أي في الأمور الدنيوية والآخروية (يقول الله تعالى) الظاهر أنه استئناف لبيان فضيلة تلك الكلمة وفضل قائلها. وقال الطيبي: هذا جزاء شرط محذوف أي إذا قال العبد هذه الكلمة يقول الله تعالى. قال ابن حجر: أي لملائكته معلماً لهم بكمال قائلها المتحلي بمعناها (أسلم عبدي) أي انقاد وترك العناد أو أخلص في العبودية بالتسليم لأمور الربوبية (واستسلم) أي انقاد انقياداً كاملاً أو بالغ في الانقياد، وقطع النظر عن العباد، وقال الطيبي: أي فوّض أمور الكائنات إلى الله بأسرها، وانقاد هو بنفسه لله مخلصاً له (١) البخاري حديث رقم ٤٢٠٥ ومسلم في صحيحه ٤٠٧٦/٤ حديث رقم (٤٤. ٢٧٠٤). واللفظ له. حدیث رقم ٢٣٢٠: أخرجه ابن أبي الدنيا ذكره في كنز العمال ٤٥٤/١ الحديث رقم ١٩٥٦. حديث رقم ٢٣٢١: أخرجه الحاكم في المستدرك. ars ١٣٧٢ ٢٣١ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة رواهُما البيهقيُّ في ((الدَّعوات الكبير)). ٢٣٢٢. (٢٩) وعن ابن عمر: أنَّه قال: سُبحانَ اللَّهِ هيَ صلاةُ الخَلائقِ، والحمدُ اللَّهِ كلمةُ الشُّكرِ، ولا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ كلمةُ الإِخلاصِ، واللَّهُ أكبرُ تملأُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ، وإِذا قالَ العَبدُ: لا حوْلَ ولا قوَّةً إِلاَّ باللَّهِ؛ قال اللَّهُ تعالى: أسلَمَ واستسلم. رواه رزین. (٤) باب الاستغفار والتوبة الدين (رواهما البيهقي في الدعوات الكبير) وقال الجزري: وروى الأوّل منهما الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير. ٢٣٢٢. (وعن ابن عمر أنه قال:) أي موقوفاً (سبحان الله هي صلاة الخلائق) أي عبادتها وانقيادها قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء - ٤٤] ذكره الطيبي. وقال عز وجل: ﴿كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ [النور - ٤١] والتسبيح أما بالمقال أو بالحال، حيث يدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته (والحمد لله كلمة الشكر) أي عمدته ورأسه كما سبق (ولا إله إلا الله كلمة الإخلاص) أي كلمة التوحيد الموجبة الإخلاص قائلها من النار، أو كلمة لا تنفع إلا مقرونة بالصدق والإخلاص (والله أكبر تملأ) بالتأنيث باعتبار الكلمة وتذكر باعتبار اللفظ أي يملأ ثوابها أو عظمته (ما بين السماء والأرض) إذ لا كبير فيهما إلا حقير بالإضافة إليه (وإذا قال العبد لا حول ولا قوة إلا بالله) أي تصور مبناه وتحقق بمعناه (قال الله تعالى أسلم) أي إسلاماً كاملاً (واستسلم) أي انقاذ ظاهراً وباطناً (رواه رزين). (باب الاستغفار) أي طلب المغفرة، وهو قد يتضمن التوبة وقد لا يتضمن، ولذا قال: (والتوبة) أو الاستغفار باللسان والتوبة بالجنان وهي الرجوع عن المعصية إلى الطاعة، أو من الغفلة إلى الذكر، ومن الغيبة إلى الحضور. ثم هي أهم مقاصد الشريعة، وأول مقامات سالكي الآخرة والمغفرة منه تعالى لعبده ستره لذنبه في الدنيا بأن لا يطلع [عليه أحداً وفي الآخرة بأن لا] يعاقبه عليه وقال الطيبي: والتوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة. هذا كلام الراغب، وزاد النووي وقال: إن كان الذنب متعلقاً ببني آدك فلها شرط آخر وهو رد المظلمة إلى صاحبها، أو تحصيل البراءة منه. وقال ابن حجر: ثم إن كان عليه حق كقضاء صلاة، فلا يسامح بصرف وقت في نفل وفرض كفاية، لم يتعين عليه لأن الخروج من الفسق متوقف على الخروج من ذلك، فمتى تنفل مثلاً كان باقياً في الفسق مع قدرته على الخروج منه والبقاء فيه مع ذلك فسق كما هو واضح قلت ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ومن لم يتب فأولئك هم ـتمدد ٠٠٠ i ٤٣٢٠ ٢٣٢ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة الفصل الأول ٢٣٢٣. (١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((واللَّهِ إِني لاستغفرُ اللَّهَ وأتوبُ إليهِ في اليوم أكثر من سبعينَ مرَّةً)). رواه البخاري. ٠٢٣٢٤ (٢) وعن الأغرّ المُزَني [رضي الله عنه]، الظالمون﴾ [الحجرات. ١١] [قال: يتسامح في صرف الوقت إلى كسب ما يقوم بمؤنة ومؤمن من تلزمه مؤنهم، لأن ذلك ضروري لا في أزيد من ذلك وهذا تفصيل حسن منه رضي الله عنه وكنت أعتقد بمضمونه ولم أر من صرح به]. (الفصل الأوّل) ٢٣٢٣. (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقر. والله) قسم لتأكيد الخبر (إني لاستغفر الله) أي من تقصيري في الطاعة، أو من رؤية نفسي في العبادة، ولذا كان يعقب صلاته بالاستغفار على طريق الترجيع والتكرار (وأتوب إليه) أي أرجع إلى أحكامه بعد أحكام شرائعه، وأعلامه، ويمكن أن يكون الاستغفار إيماء إلى التفرقة، والتوبة إليه إشارة إلى الجمع، أو الاستغفار اشتغال بالخلق، والتوبة إلتفات إلى الحق، وهو مرتبة لجمع الجمع، أو الاستغفار مراقبة والتوبة مشاهدة، أو الاستغفار فناء، والتوبة بقاء (في اليوم أكثر من سبعين مرة) يحتمل التحديد للرواية الآتية مائة مرة، ويحتمل أن يراد بهما جميعاً التكثير قال ابن الملك: توبته الله كل يوم سبعين مرة، واستغفاره سبعين ليس لذنب لأنه معصوم، بل لاعتقاد قصوره في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام، وحث للأمة على التوبة والاستغفار فإنه وَلا مع كونه معصوماً، وكونه خير المخلوقات إذا استغفر وتاب إلى ربه في كل يوم أكثر من سبعين مرة فكيف بالمذنبين. والاستغفار طلب المغفرة بالمقال والفعال جميعاً. والمغفرة من الله أن يصون العبد من أن يمسه عذاب. قال علي رضي الله عنه: كان في الأرض أمانان من عذاب الله فرفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسكوا به أما المرفوع فرسول الله وَل﴿ وأما الباقي منهما فالاستغفار. قال تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [الأنفال. ٣٣] أقول إذا كان الاستغفار ينفع الكفار فكيف لا يفيد المؤمنين الأبرار. وقيل: استغفاره وَله من ذنوب الأمة فهو كالشفاعة لهم (رواه البخاري). بجو٠٠ ٢٣٢٤ . (وعن الأغر) بفتح الهمزة والغين المعجمة وتشديد الراء (المزني) نسبة إلى قبيلة حديث رقم ٢٣٢٣: أخرجه البخاري في صحيحه ١٠١/١١. حديث رقم ٦٣٠٧. وابن ماجه في السنن ١٢٥٤/٢ حديث ٣٨١٦. وأحمد في المسند ٣٤١/٢. حديث رقم ٢٣٢٤: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٧٥/٤ حديث رقم ٤١. ٢٧٠٢. وأحمد في المسند ٤١١/٥. ١٠٠٠ i ٢٣٣ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((إِنه ليُغانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائةً مرَّةٍ)). مزينة مصغراً. وقيل الجهني له صحبة وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث ذكر ميرك (قال: قال رسول الله وَلافيه إنه) أي الشأن (ليغان) بضم الياء أي يطبق ويغشى أو بستر ويغطى (على قلبي) أي عند إرادة ربي (وإني لاستغفر الله) أي لذلك الغين عن نظر العين بحجاب البين فوق مرتبة الأين (في اليوم) أي الوقت الذي أراد، أو الوقت الذي يغيب المريد في المراد، وهو الذي يعبر عنه الصوفية. بقولهم: الصوفي ابن الوقت أو أبو الوقت. وقد روى ((لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل)) قيل المرد بالملك جبريل وبالنبي المرسل نفسه الجليل (مائة مرة) أريد به الكثرة، لأن في ذلك المقام بسط الزمان وطيّ اللسان. قال الطيبي: أي تطبق أطباق الغين وهو الغيم، يقال غينت السماء تغان. وقال غيره: الغين هو الغيم، يقال غين عليه كذا أي غطى عليه. وعلى قلبي مرفوع على نيابة الفاعل، يعني ليغشى على قلبه ما لا يخلو البشر عنه من سهو والتفات إلى حظوظ النفس من مأكول ومنكوح ونحوهما، فإنه كحجاب وغيم يطبق على قلبه بينه وبين الملأ إلا على حيلولة ما، فيستغفر تصفية للقلب وإزاحة للغاشية، وهو وإن لم يكن ذنباً لكنه من حيث أنه بالنسبة إلى سائر أحواله نقص وهبوط إلى حضيض البشرية يشابه الذنب فيناسبه الاستغفار، قال عياض: المراد فترات وغفلات في الذكر الذي شأنه الدوام عليه، فإذا فتر أو غفل عنه عده ذنباً واستغفر. وقيل: همه بسبب أمته وما اطلع عليه من أحوالهم فيستغفر له وقيل اشتغاله بالنظر في مصالح أمته ومحاربة أعدائه وتأليف المؤلفة ونحو ذلك من معاشرة الأزواج والأكل والشرب والنوم وذلك مما يحجبه عن عظم مقامه وهو حضوره في حظيرة القدس فيعده ذنباً ويستغفر منه وقيل كما أن أطباق الجفن على الباصرة مصقلة لها وحفظ عن الغبار والدخان وما يضرها كذلك ما كان يرد على قلبه وقاية له وحفظاً له عن غبار الأغيار وصقالة له فكان في الحقيقة كمالاً وإن كان في صورة النقصان كأطباق الجفن وبعد الصقل كان يرى قصورات لازمة للبشرية وقال ابن الملك قيل لما كان رَ لت أتم القلوب صفاء وأكثرها ضياء وكأن لم يكن له بد من النزول إلى الرخص والالتفات إلى حظوظ النفس من معاشرة الأزواج والأكل والشرب والنوم ونحوها وكان إذا يعطي شيئاً نفسه أسرع كدورته إلى القلب لكمال رقته وفرط نور أنيته فكان إذا أحس بشيء من ذلك يلوم نفسه بترك كمال الحضور ويعده تقصيراً ويستغفر منه اهـ. والحاصل أن كل أحد فسر في مقاله بمقتضى حاله وفهم مبانيه وتحقيق معانيه فكل إناء يترشح بما فيه ولكن لا يخفى على المحققين أن لا يقاس الملوك بالحدادين فكذا لا يقاس أحوال القلب السليم بما يجري على القلب السقيم فالأولى أن ينزه قلبه عن الذنوب صورة ومعنى ويؤوّل الاستغفار والتوبة في حقه بطريق الإجمال تأويلاً حسناً وتفصيل أحواله وبيان انتقاله من نقصانه إلى كماله يوكل إلى خالق القلوب وعلام الغيوب ولهذا لما سئل الأصمعي عن هذا الحديث فقال عن قلب من تروون هذا فقالوا عن قلب النبي ◌ّ له فقال لو كان عن قلب غيره لكنت أفسره لك قال الطيبي ولله دره في انتهاجه منهج الأدب وإجلال القلب الذي جعله الله موقع وحيه ومنزل تنزيله وبعد فإن قلبه مشرب سد عن أهل اللسان موارده وفتح لأهل السلوك مسالكه اهـ. فالمختار ما قال بعض الأخيار من أن ١ ٢٣٤ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة رواه مسلم. ٢٣٢٥. (٣) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((يا أيَّها النَّاسُ! توبُوا إِلى اللَّهِ، فإنّي أتوبُ إِليهِ في اليوم مائةَ مرَّةٍ)). رواه مسلم. ٢٣٢٦ . (٤) وعن أبي ذرِ [رضي الله عنه]، قال: قال رسولَ اللَّهِ وَّ فيما يَروي عن اللَّهِ تباركَ وتعالى أنه قال: ((يا عبادي إِنِي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُهُ بينَكم مُحرَّماً، المختاران هذا من المتشابه الذي لا يخاض في معناه ومجمل الكلام ما قاله القطب الإمام أبو الحسن الشاذلي رحمه الله هو غين أنوار لا غين أغيار وأقول هو غين العين لا غين الغين (رواه مسلم). ٢٣٢٥ . (وعنه) أي عن أبي هريرة (١) (قال: قال رسول الله وَله: يا أيها الناس توبوا إلى الله) الظاهر أن المراد بهم المؤمنون لقوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [النور.٣١] وفي الآية والحديث دليل وشاهد على أن كل أحد في مقامه وحاله يحتاج إلى الرجوع لترقية كماله وإن كل أحد مقصر في القيام بحق عبوديته كما قضاه وقدره قال تعالى: (كلا لما يقض ما أمر﴾ [عبس. ٢٣] ويدل عليه أيضاً قوله (فإني أتوب إليه) أي أرجع رجوعاً يليق به إلى شهوده أو سؤاله أو اظهار الافتقار بين يديه (في اليوم مائة مرة) فأنتم أولى بأن ترجعوا إليه في ساعة ألف كرة (رواه مسلم). ٢٣٢٦. (وعن أبي ذر قال: قال رسول الله وَلاتر: فيما يروى) أي بواسطة أو بغيرها يقظة أو مناماً باللفظ أو المعنى (عن الله تبارك) أي تكاثر خيره وظهر في هذا الخبر بعض أثره (وتعالى) أي عن مشابهة المخلوقين في الرواية وغيرها (أنه) ضبط بفتح الهمزة وكسرها فتأمل في الفرق بينهما (قال يا عبادي) قال الطيبي الخطاب للثقلين لتعاقب التقوى والفجور ويحتمل أن يعم الملائكة فيكون ذكرهم مدرجاً في الجن لشمول الاجتنان لهم وتوجه هذا الخطاب لا يتوقف على صدور الفجور ولا على امكانه اهـ. وكذا الجوع والعرى لكن الأولى الحمل على الإمكان العقلي أو يحمل على الخطاب التغليبي (إني حرمت الظلم على نفسي) أي تقدست عنه وتعاليت فهو في حقي كالمحرم في حق الناس إذ لا يتصوّر في حقه ظلم سواء قلنا أن الظلم وضع الشيء في غير محله أو أنه التعدي في ملك الغير وهو المحمود في كل فعاله من غير فصل لأن فعله إما عدل وإما فضل (وجعلته بينكم محرماً) قال ابن حجر أي تحريماً غليظاً جداً فهو آكد من حرمته عليكم فلذا عدل إليه اهـ. والصحيح أن العدول لئلا يتوهم المشاركة في حديث رقم ٢٣٢٥: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٧٥ حديث رقم ٢٧٠٢.٤٢. (١) بل عن الأغر لانه هو الراوي في الحديث السابق. وليس عن أبي هريرة رضي الله عنه كذا في صحيح مسلم عن الأغر. وهذا سهو من المؤلف رحمه الله. حديث رقم ٢٣٢٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٩٤/٤ حديث رقم (٢٥٧٧.٥٥). ٢٣٥ TERS ٧١٥٠ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة فلا تَظالَموا. يا عبادي! كلُّكم ضالٌّ إِلا من هَدَيْتُه؛ فاسْتَهْدوني أهْدِكمْ. يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إِلا من أَطعمتُه؛ فاستطعمُوني أُطْعِمْكم. يا عبادي! كلُكم عار إِلا من كسوتُه؛ فاستكسوني أكسُكم. معنى التحريم السابق (فلا تظالموا) بفتح التاء حذفت إحدى التاءين تخفيفاً أي لا يظلم بعضكم بعضاً فإني أنتقم للمظلوم من ظالمه كما في الحديث يقول الله تعالى جل جلاله لانتصرن للمظلوم ولو بعد حين وقال تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخيص فيه الأبصار ﴾ [إبراهيم. ٤٢] فهو يمهل ولا يهمل (يا عبادي) كرره للتنبيه على فخامته والاعتناء بشأنه قاله ابن حجر والأظهر أنه إيماء إلى مقتضى العبودية من الافتقار إلى مراعاة حق الربوبية (كلكم ضال) أي عن كل كمال وسعادة دينية ودنيوية (إلا من هديته) قيل المراد به وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبي وَلقر لا إنهم خلقوا في الضلالة والأظهر أن يراد أنهم لو تركوا بما في طباعهم لضلوا وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام ((إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره))(١) وهو لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام. ((كل مولود يولد على الفطرة))(٢) فإن المراد بالفطرة التوحيد والمراد بالضلالة جهالة تفصيل أحكام الإيمان وحدود الإسلام ومنه قوله تعالى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى ﴾ [الضحى. ٧] وقيل معناه عاشقاً (فاستهدوني) أي اطلبوا الهداية مني أي نوع منها (أهدكم) إذ لا هادي إلا الله ولولا الله ما اهتدينا ولما فرغ من الامتنان بالأمور الدينية شرع في الأمور الدنيوية تكميلاً للمرتبتين مقتصراً على الأمرين الأهمين منها وهو الأكل واللبس كقوله تعالى في وصف الجنة ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ [طه ١١٨ - ١١٩] ولعل ترك الظمأ اكتفاء بدلالة والمقابلة نحو قوله تعالى: ﴿وسرابيل تقيكم الحر﴾ [النحل ٨١] أي والبرد وترك المأوى لشمول الكسوة التي هي السترة له إيماء أو إشارة (يا عبادي كلكم جائع) أي محتاج إلى الطعام (إلا من أطعمته) أي من أطعمته وبسطت عليه الرزق وأغنيته فلا يشكل أن الإطعام عام للجميع فكيف يستثنى (فاستطعموني) أي اطلبوا الطعام من جنابي وتيسير القوت والقوّة من بابي (أطعمكم يا عبادي كلكم عار) أي محتاج إلى ستر عورته وإلى التنعم بأنواع لباسه وزينته (إلا من كسوته فاستكسوني) أي اطلبوا مني الكسوة (اكسكم) بضم السين أي أيسر لكم ستر حالاتكم وأزيل عنكم مساوي كشف سوآتكم قال الطيبي فإن قلت ما معنى الاستثناء في قوله إلا من أطعمته وكسوته إذ ليس أحد من الناس محروماً منهما قلت الإطعام والكسوة لما كانا معبرين عن النفع [التام] والبسط في الرزق وعدمهما عن التقتير والتضييق كما قال: الله تعالى ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾ [الرعد . ٢٦] سهل التفصي عن الجواب فظهر من هذا أن ليس المراد من إثبات الجوع والعرى في المستثنى منه نفي الشبع والكسوة بالكلية وليس في المستثنى اثبات الشبع والكسوة مطلقاً بل المراد بسطهما وتكثيرهما ويوضحه الحديث الرابع عشر من الفصل الثاني أنه وضع قوله وكلكم فقراء إلا من اغنيته في موضعه اهـ. وهو في غاية (١) أخرجه الترمذي. (٢) راجع الحديث رقم (٩٠) باب القدر. ٢٣٦ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة ١٠ يا عبادي! إِنكم تُخطِئونَ بالليل والنهارِ، وأنا أغفِرُ الذنوبَ جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إِنكم لنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضرُّوني، ولنْ تبلغوا نفعي فتَتْفَعُوني يا عبادي! لو أنَّ أولَكم، وآخرَكم، وإِنسَكم، وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم؛ ما زادَ ذلك في ملكي شيئاً يا عبادي! لو أنَّ أوَّلكم، وآخرَكم، وإِنِسَكم، وجنكم، كانوا على أفجرِ قلبٍ رجلٍ واحدٍ منكم؛ ما نقَصَ ذلك من البهاء وهو عين ما أخذه ابن حجر عنه ثم أغرب وقال وهذا الذي قررته أولى مما سلكه شارح فتأمله (يا عبادي إنكم تخطئون) بضمن التاء وكسر الطاء وبفتحهما وقيل يجوز ضمهما تخفيفاً بحذف الهمزة في القاموس خطأ في ذنبه وأخطأ سلك سبيل الخطأ عامداً أو غير والخاطىء متعمده وأخطيت لغة أو لثغة وهي تحوّل اللسان من حرف والمعنى تذنبون بالفعل باعتبار أكثرهم وبالقوّة باعتبار أقلهم وأما قول ابن حجر غير المعصومين إذ ليسوا مرادين بهذا فهو خطأ ظاهر لعموم عبادي الشامل لهم ولغيرهم في السابق واللاحق نعم حسنات الأبرار سيئات المقربين واستغفارهم غير استغفار المذنبين (بالليل والنهار) أي في هذين الزمانين وأما تخصيص النهار في قوله تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ﴾ [الأنعام. ٦٠] لغلبة الذنب فيه (وأنا أغفر الذنوب جميعاً) أي بالتوبة أو ما عدا الشرك إن شاء جمعاً بين آيتي الزمر والنساء أو بالاستغفار والاذكار ونحوهما (فاستغفروني) أي اطلبوا المغفرة مني (أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري) بفتح الضاد وضمه (فتصروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) حذف نون الإعراب منهما في نصبهما على جواب النفي أي لا يصح منكم ضري ولا نفعي فإنكم لو اجتمعتم على عبادتي أقصى ما يمكن ما نفعتموني في ملكي ولو اجتمعتم على عصياني أقصى ما يمكن لم تضروني بل إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها وهذا معنى قوله (یا عبادي لو إن أوّلكم) أي من الموجودين (وآخركم) ممن سيوجد وقال ابن الملك أي من الأموات والأحياء والمراد جميعكم (وانسكم وجنكم) تعميم بعد تعميم للتأكيد أو تفصيل وتبيين (كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم) أي لو كنتم على غاية التقوى بأن تكونوا جميعاً على تقوى أتقى قلب رجل واحد منكم وقال القاضي أي على تقوى أتقى أحوال قلب رجل أي كان كل واحد منكم على هذه الصفة وقال الطيبي لا بد من إحدى التقديرين ليستقيم أن يقع أتقى خبر المكان ثم إنه لم يردان كلهم بمنزلة رجل واحد هو أتقى الناس بل كل واحد من الجمع بمنزلته لأن هذا أبلغ كقولك ركبوا فرسهم وعليه قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ [البقرة. ٧] في وجه ثم إضافة أفعل إلى نكرة مفردة تدل أنك لو تقصيت قلب رجل من كل الخلائق لم تجد أتقى قلباً من هذا الرجل اهـ. ولهذا فسر بقلب نبينا وَ ر وقلب الأشقى بقلب ابليس (ما زاد ذلك) أي ما ذكر (في ملكي شيئاً) أما مفعول به أو مصدر وهذا راجع إلى قوله لن تبلغوا ففي فتنفعوني نشراً مشوّشاً اعتماداً على فهم السامع ولمقاربة المناسبة بين المتوسطين ويسمى ترقياً وتدلياً ونظيره قوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم ﴾ [آل عمران. ١٠٦] الآية (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أفجر) أي فجور أفجر أو على أفجر أحوالهم (قلب رجل واحد منكم ما نقص) بالتخفيف (ذلك) ٢٣٧ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أنَّ أولَكم وآخرَكم، وإِنِسَكم، وجِئَّكم قامُوا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني فأعطيتُ كلَّ إِنسانٍ مسألتَه؛ ما نقَصَ ذلكَ مما عندي إِلا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذا أُدخِلَ البحر. يا عبادي! إِنما هي أعمالُكم أُحصيها عَلَيْكُم، ثمَّ أُوَفِكُمْ إِيَّاها. فمنْ وجدَ خيراً فَلْيَحمدَ الله. ومن وجَدَ غيْرَ ذلك فلا يلومَنَّ إِلا نفْسَهُ)). أي ما ذكر (من مللكي شيئاً) قال الطيبي يجوز أن يكون مفعولاً به إن قلنا إن نقص متعد ومفعولاً مطلقاً إن قلنا إنه لازم أي نقص نقصاناً قليلاً والتنكير فيه للتحقير بدليل قوله في الحديث الآتي بدله جناح بعوضة وهذا راجع إلى قوله لن يبلغوا ضري فيضروني وأغرب ابن حجر بقوله نقص متعد إلى مفعولين في الأفصح وشيئاً مفعوله الثاني نحو لم ينقصوكم شيئاً اهـ. ووجه غرابته أنه ليس في الحديث مفعول آخر حتى يكون شيئاً مفعوله الثاني ولعله توهم أن ذلك هو المفعول الأوّل وهو خطأ لفساد المعنى والصواب أنه فاعل نقص فإذا كان كذلك فتعين ما قاله الطيبي مع أن استدلاله بالآية غير صحيح لأن شيئاً فيها يحتمل أن يكون منصوباً على المصدرية أي شيئاً من النقص ويحتمل أن نصبه على المعفولية أي شيئاً من شروط العهد وحيثنذ يحتمل كون ينقصوكم من باب الحذف والإيصال أي لم ينقصوا منكم أي من عهودكم شيئاً قال أبو البقاء الجمهور بالصاد وقرىء بالضاد أي عهودكم فحذف المضاف وشيئاً في موضع المصدر (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا) أي وقفوا واستمروا (في صعيد) أي مقام (واحد) قال ابن حجر الصعيد يطلق على التراب وعلى وجه الأرض وهو المراد هنا قلت فهو المراد في الآية أيضاً مطابقة لما بينهما لأن بعضهما يفسر بعضاً (فسألوني) أي كلهم أجمعون قال الطيبي [رحمه الله] قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسؤول ويهتم ويعسر عليه انجاح مآربهم واسعاف مطالبهم (فأعطيت كل انسان مسألته) أي في آن واحد وفي مكان واحد (ما نقص ذلك) أي الأعطاء (مما عندي) قال تعالى: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ﴾ [الحجر.٢١] (إلا كما ينقص) أي كالنقص أو الشيء الذي ينقصه (المخيط) بكسر الميم وسكون الخاء أي الإبرة (إذا أدخل البحر) بالنصب على أنه مفعول ثان للإدخال قال الطيبي لما لم يكن ما ينقصه المخيط محسوساً ولا معتداً به عند العقل بل كان في حكم العدم كان أقرب المحسوسات وأشبهها بإعطاء حوائج الخلق كافة فإنه لا ينقص مما عنده شيئاً وقال ابن الملك أو يقال إنه من باب الفرض والتقدير يعني لو فرض النقص في ملك الله لكان بهذا المقدار (يا عبادي إنما هي) أي القصة (أعمالكم أحصيها) أي أحفظها وأكتبها (عليكم) كذا في الأصول المعتمدة بلفظ عليكم وهو المناسب للمقام ووقع في أصل أين حجر لكم وقال وفي نسخة عليكم وقال الطيبي أي جزاء أعمالكم تفسير للضمير المبهم وقيل هو راجع إلى ما يفهم من قوله على أتقى قلب رجل وعلى أفجر قلب رجل وهو الأعمال الصالحة والطالحة أي ليس نفع أعمالكم راجعاً إلى بل إليكم (ثم أوفيكم إياها) التوفية عطاء حق واحد على التمام أي أعطيكم جزاء أعمالكم وافياً تاماً إن خير فخير وإن شر فشر (فمن وجد خيراً) أي توفيق خير من ربه وعمل خير من نفسه (فليحمد الله) أي على توفيقه إياه للخير لأنه الهادي (ومن وجد غير ذلك) أي شراً أو أعم منه (فلا يلومن إلا نفسه) لأنه صدر من نفسه أو لأنه باق على ضلالة الذي أشير ،صيف كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة ٢٣٨ رواه مسلم. ٢٣٢٧. (٥) وعن أبي سعيد الخدريِّ [رضي الله عنه]، قال: قال رسولُ الله ◌ٍِّ: ((كانَ في بَنِي إِسرائيلَ رجلٌ قتلَ تسعةً وتسعينَ إِنِساناً، ثمَّ خرَجَ يسألُ، فأتى راهباً، فسأله، فقال: أَلَهُ توبةٌ؟ قال: لا. فقَتَلَهُ؛ وجعَلَ يسألُ، فقالَ لهُ رجلٌ: انتِ قريةَ كذا وكذا، فأدْرَكَهُ الموتُ فناءً إليه بقوله كلكم ضال قال ابن الملك هذا صريح في أن الخير من الله والشر من النفس وهذا غريب وعجيب منه إذ تقرر في المعتقد وتحرر في المعتمد أن الخير والشر كله من الله خلقاً ومن العبد كسباً خلافاً للخوارج والمعتزلة من أهل البدعة نعم ينسب الشر إلى النفس أدباً مع الله تعالى كما قيل في قوله: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء. ٨٠] وهذا معنى قوله وال ((الخير بيديك والشر ليس إليك))(١) وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه تعظيماً (رواه مسلم). ٢٣٢٧ . (وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلير: كان في بني إسرائيل رجل) أي منهم أو من غيرهم (قتل تسعة وتسعين إنساناً) أي ظلماً ( ثم خرج) أي من بينهم بعد يأسه منهم متردداً (يسأل) أي يستفتي الناس عن قبول توبته (فأتى راهباً) أي عابداً زاهداً معتزلاً عن الخلق مقبلاً على الحق غالباً عليه الخوف. قال ومن لازمه عندهم أن يكون عالماً (فسأله فقال) أي القاتل (أله) أي لهذا الفعل أو لهذا الفاعل وقال ابن حجر فقال له أي بعد أن قص القصة غير مسندها لنفسه بأن قال ما تقول في رجل قتل الخ أله أي للقاتل المذكور (توبة) أي صحيحة قيل ليس في البخاري الهمزة وذكر الشيخ أن قوله له توبة حذف منه أداة الاستفهام وفيه تجريد لأن حق القياس أن يقول إلى توبة وروي هل لي توبة وفي نسخة كما في نسخة المصابيح ألي توبة (قال) أي الراهب في جوابه (لا) أي لا توبة له أو لك أما جهلاً منه بعلم التوبة وأما الغلبة الخشية عليه وأما لتصوّر عدم إمكان إرضاء خصومه عنه (فقتله) لعله لكونه أوهمه أنه لا يقبل له توبة منها وأن رضي مستحقوها قال الطيبي فيه إشكال لأنا إن قلنا لا فقد خالفنا نصوصاً أو نعم خالفنا أيضاً أصل الشرع فإن حقوق بني آدم لا تسقط بالتوبة بل توبتها أداؤها إلى مستحقيها أو الاستحلال منها فالجواب أن الله تعالى إذا رضي عنه وقبل توبته يرضي خصمه (وجعل) أي شرع (يسأل فقال: له رجل انت قرية كذا) باسمها (وكذا) بوصفها أي القرية الفلانية التي أهلها صلحاء وتب إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده فقصد تلك القرية (فأدركه الموت) أي أماراته وسكراته فالفاء عطف على محذوف أي فقصدها وسار نحوها وقرب من وسط طريقها (فناء) أي نهض ومال بصدره لأن المدار عليه في الاستقبال فجعله نحوها أي نحو القرية الفلانية (١) أخرجه مسلم في صحيحه ٥٣٤/١ حديث رقم ٧٧١. حديث رقم ٢٣٢٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٥١٢/٦ حديث رقم ٣٤٧٠. وأخرجه مسلم في صحيحه ٢١١٨/٤ حديث رقم (٤٦. ٢٧٦٦). ولدا . /١٠١٩٩٢/١٠ ٢٣٩ كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة بصدرهِ نحوَها، فاختَصَمَتْ فيهِ ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذابِ، فأوحى اللَّهُ إِلى هذه أنْ تقَرَّبي، وإِلى هذهِ أن تباعدي، فقال: قِيسُوا ما بينَهما فوُجِدَ إِلى هذه أقربَ بشبرٍ فَغُفِرَ لهُ)). متفق عليه . ٢٣٢٨. (٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((والذي نَفْسي بيدِهِ لو لم تَذْنِبوا؛ لذَهَبَ اللَّهُ بكم، ولجاءَ بقوم يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لهم)) (فاختصمت) أي تخاصمت (فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب) أي في قبض روحه من عزرائيل وقال ابن الملك يعني قالت ملائكة الرحمة [نحن] نذهب به إلى الرحمة لأنه تائب لتوجهه إلى هذه القرية للتوبة وقالت ملائكة العذاب نحن نذهب به إلى العذاب لأنه قتل مائة نفس ولم يتب بعد (فأوحى الله) أي إليهم (إلى هذه) أي القرية التي توجه إليها للتوبة وأمرها (أن تقربي) بفتح التاء ويحتمل أن تكون مفسرة لما في الوحي من معنى القول أي تقربي إلى الميت (وإلى هذه) أي القرية التي هاجر منها قاله الطيبي أو القرية التي قتل فيها الراهب وهو الظاهر (أن تباعدي) بفتح التاء أي عن الميت فهذا فضل في صورة عدل وفيه إيماء إلى أن نية المؤمن خير من عمله ومن قال هي إشارة إلى الملائكة فقد خالف الرواية والدراية (فقال:) أي الله كما في نسخة (قيسوا) الخطاب للملائكة المتخاصمين أي قدروا (ما بينهما) أي بين القريتين فإلى أي قرية أقرب فالحاقة بأهلها أوجب (فوجد) أي الميت المتنازع فيه (إلى هذا) القرية التي توجه إليها وهي قرية الصالحين (أقرب بشبر فغفر له) دل على سعة رحمة الله تعالى لطالب التوبة فضلاً عن التائب رزقنا الله تعالى توبة نصوحاً قال الطيبي إذا رضي الله عن عبده أرضى عنه خصومه ورد مظالمه ففي الحديث ترغيب في التوبة ومنع الناس عن اليأس (متفق عليه) قال البغوي وفي رواية لمسلم فدل على رجل عالم فقال أنه قتل مائة نفس هل له من توبة قال نعم ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت ملائكة الرحمة ملائكة العذاب فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما أدنى فهو له فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة اهـ. وفيه تفضيل العالم على العابد. ٢٣٢٨. (وعن أبي هريرة قال قال رسول الله وَلخير والذي نفسي بيده) أي إيجادها وإمدادها بقدرته وقوّته (لو لم تذنبوا) أي أيها المكلفون أو أيها المؤمنون (لذهب الله بكم) الباء للتعدية كما في قوله (ولجاء بقوم) أي آخرين من جنسكم أو من غيركم (يذنبون) أي يمكن وقوع الذنب منهم ويقع بالفعل عن بعضهم (فيستغفرون الله) أي فيتوبون أو يطلبون المغفرة مطلقاً (فيغفر لهم) لاقتضاء صفة الغفار والغفور ذلك قال زين العرب فيه تحريض على استيلاء الرجاء حديث رقم ٢٣٢٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١١٣/٤ حديث رقم (٢٧٤٩.١١) وأخرجه أحمد في المسند ٣٠٩/٢. , -* كتاب الدعوات/ باب الاستغفار والتوبة ٢٤٠ رواه مسلم. ٢٣٢٩. (٧) وعن أبي موسى رضي الله عنه]، قال: قال رسولَ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ اللَّهَ يبسُطُ يدَه بالليلِ ليتوبَ مسيءُ النَّهارِ ، على الخوف وقال الطيبي ليس الحديث تسلية للمنهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله فإن الأنبياء صلوات وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب بل بيان لعفو الله تعالى وتجاوز عن المذنبين ليرغبوا في التوبة والمعنى المراد من الحديث هو أن الله كما أحب أن يحسن إلى المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين وقد دل على ذلك غير واحد من أسمائه الغفار الحليم التّاب العفوّ ولم يكن ليجعل العباد شأناً واحداً كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميالاً إلى الهوى متلبساً بما يقتضيه ثم يكلفه التوقي عنه ويحذره عن مداناته ويعرفه التوبة بعد الابتلاء فإن وفى فاجره على الله وإن أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه فأراد النبي وَلقر به أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب فيتجلى عليهم بتلك الصفات على مقتضى الحكمة فإن الغفار يستدعي مغفوراً كما أن الرزاق يستدعي مرزوقاً قال الطيبي وتصدير الحديث بالقسم رد لمن ينكر صدور الذنب عن العباد ويعده نقصاً فيهم مطلقاً وإن الله لم يرد من العباد صدوره كالمعتزلة ومن سلك مسلكهم فنظروا إلى ظاهره وأنه مفسدة ولم يقفوا على سره إنه مستجاب للتوبة التي هي توقع محبة الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين وأن الله يبسط يده بالليل يتوب مسيء النهار ولله أشد فرجاً بتوبة عبده الحديث ولعل السر في هذا إظهار صفة الكرم والحلم والغفران ولو لم يوجد لانثلم طرف من ظهور صفات الألوهية والإنسان إنما هو خليفة الله في أرضه يتجلى له بصفات الجلال والإكرام والقهر واللطف والأنعام والملائكة لما نظروا إلى القهر والجلال قالوا: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة. ٣٠] والله تعالى حين نظر إلى صفة اللطف والإكرام ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ [البقرة. ٣٠] وإلى هذا المعنى يلح قوله وَل* لذهب الله بكم ولم يكتف بقوله ولم يذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون اهـ. فهو نظير ما ورد كلكم خطاؤون وخير الخطائين التوابون (رواه مسلم). ٢٣٢٩ . (وعن أبي موسى. قال: قال رسول الله رَ له: إن الله يبسط يده) قيل بسط اليد عبارة عن الطلب لأن عادة الناس إذا طلب أحدهم شيئاً من أحد بسط إليه كفه وقال النووي البسط كناية عن قبول التوبة وعرضها فلا يرد عليه ما ذكره ابن حجر من أن قوله غير مناسب للحديث فإنه ينحل إلى أنه يقبل التوبة بالليل ليتوب مسيء النهار الخ فظاهر أنه ليس مراداً إذ قبول التوبة بالليل ليس علة لتوبة النهار وعكسه لأنه لا معنى لقبوله التوبة قبل وجودها فالمعنى يدعو المذنبين إلى التوبة (بالليل ليتوب مسيء النهار) أي لا يعاجلهم بالعقوبة بل يمهلهم ليتوبوا حديث رقم ٢٣٢٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١١٣/٤ حديث رقم (٢٧٤٩.١١). وأحمد في المسند ٣٩٥/٤.