النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن ٢٢٢٠ - (١٠) وعن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: أَرسلَ إِليَّ أبو بكرٍ [رضي اللهُ عنه ] مقتَلَ أهل اليمامَة، فإِذا عمرُ بنُ الخطابِ عندَه، قال أبو بكرٍ: إِنَّ عمرَ أتاني فقالَ: إِنَّ القَتل قد اسْتحَرَّ يومَ اليمامةِ بقرَّاءِ القرآنِ، وإني أخشى إِن اسْتحَرَّ القتْلُ بالقرَّاءِ بالمواطِنِ فيذهبَ كثيرٌ منَ القرآن، وإني أرى أنْ تأمُرَ بجمعِ القرآن. قلتُ لعُمرَ: كيفَ تفعلُ ـاجوج ٢٢٢٠ - (وعن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ) أي أحداً، (أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة)، نصب على الظرفية أي عقيب زمان قتلهم وهي بلاد. قال في القاموس: اليمامة القصد كاليمام وجارية زرقاء، كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام وبلاد الجوّ منسوبة إليها سميت باسمها لأنها أكثر نخيلاً من سائر الحجاز، وبها تنبأ مسيلمة الكذاب وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ست عشرة مرحلة من البصرة وعن الكوفة نحوها، وأغرب ابن حجر فقال: واليمامة قرية بينها وبين الطائف يومان أو يوم كذا أطبقوا عليه. قال الطيبي: بعث أبو بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد مع جيش من المسلمين إلى اليمامة فقاتلهم بنو حنيفة قتالاً لم ير المسلمون مثله، وقتل من القراء يومئذٍ سبعمائة قيل، وقتل من المسلمين ألف ومائتان، ثم إن جماعة من المسلمين، كالبراء بن مالك وغيره حملوا على أصحاب مسيلمة فانكشفوا وتبعهم المسلمون وقتلوا مسيلمة وأصحابه قتله وحشي قاتل حمزة فقالوا له هذه بتلك، (فإذا عمر) أي قال زيد: فجئته فإذا عمر (بن الخطاب عنده)، أي عند أبي بكر قيل وسبب مجيئه لطلب جمعه ما جاء بسند منقطع، أنه سأل عن آية فقيل له، كانت مع فلان قتل يوم اليمامة فقال إنا لله، وأتى بجمع القرآن فكان أوّل من جمعه في المصحف، والمراد بكونه أوّل من جمعه، أنه أول من تسبب في جمعه، (قال أبو بكر:) أي لزيد، (أن عمر أتاني فقال:) أي عمر، (أن القتل قد استحر) من الحر بمعنى الشدة أي اشتد وكثر، (يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن أستحر القتل)، بفتح همزة أن وتكسر (بالقراء) متعلق بالفعل أو القتل، (بالمواطن) ظرفية أي في المواطن الأخر من الحروب التي يحتاجون إليها لدفع أعداء الإِسلام الكثيرين. قال الطيبي: [رحمه الله]: أي أخشبي استحراره والمراد الزيادة على ما كان يوم اليمامة لأن الخشية إنما تكون مما لم يوجد من المكاره فقوله: أن استحر مفعول أخشى والفاء في فيذهب للتعقيب ويحتمل أن يكون أن بالكسر والجملة الشرطية دالة على مفعول أخشى، (فيذهب كثير من القرآن) في بعض النسخ بالنصب وهو ظاهر لفظاً ومعنى عطفاً على استحر على أنّ مصدرية، وهي الرواية الصحيحة، وفي أكثر النسخ المصححة المقروءة على المشايخ بالرفع مع فتح الهمزة في أن فقيل: رفعه على أنه جواب شرط، محذوف أي فإذا استحر فيذهب أو عطف على محل أني أخشى، أي فيذهب حينئذ كثيرٌ من القرآن بذهاب كثيرٍ من قراء الزمان. (وإني أرى أن تأمر) من الرأي أي أذهب إلى أن تأمر كتبة الوحي، (بجمع القرآن) قبل تفرق قراء الدوران (قلت:) أي قال أبو بكر قلت: (لعمر كيف تفعل). بصيغة الخطاب وقيل: الحديث رقم ٢٢٢٠ : أخرجه البخاري في صحيحه ٩/ ١٠ حديث رقم ٤٩٨٦. سه ١٠٢ ٦٥٠ ٥٥ ٢٫ .٠٦. كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن شيئاً لم يفعله رسولُ اللَّهِ وَلَهَ؟ قال عمرُ: هذا واللَّهِ خَيرٌ. فلمْ يزَلْ يُراجِعُني حتى شرحَ اللَّهُ صذري لذلكَ، ورأيتُ في ذلكَ الذي رأى عمرُ. قال زيدٌ: قال أبو بكرٍ : إِنَّك رجلٌ شابٌ عاقلٌ لا نتَّهِمُكَ، وقدْ كنتَ تكتُبُ الوَحْيَ لرَسولِ اللَّهِ وََّ، فتَبَّع القرآنَ فاجمعْه. فوَاللَّهِ لوْ كلَّفوني نقْلَ جبلٍ منَ الجِبالِ ما كانَ أثقلَ عَلَّيَّ ممَّا أمَرَني به منْ جمْعِ القرآنِ. قال: قلتُ: كيفَ تفعَلونَ شيئاً لم يفعله رسولُ الله ◌َلّ؟ بالتكلم أي أنت أو نحن، (شيئاً لم يفعله رسول الله (وَ ل#) هذا لا ينافي ما ذكره الحاكم في مستدركه جمع القرآن ثلاث مرات إحداها بحضرة النبي وه لر ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد، ((كنا عند النبيِّ وَله يؤلف القرآن في الرقاع)» (١) الحديث لأن ذلك الجمع غير الجمع الذي نحن فيه ولذا قال البيهقي: يشبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المفرق في سورة وجمعها فيها بإشارة النبيِّ وَّ. (فقال عمر: هذا والله خير)، أي هذا الجمع في مصحف واحد وإن كان بدعة لكن لأجل الحفظ خير محض، (فلم يزل عمر يراجعني)، أي يراود: في الخطاب والجواب (حتى شرح الله صدري لذلك)، أي لذلك الجمع الموجب لعدم التفرق (ورأيت في ذلك)، أي ما ذكر من الجمع أو الشرح (الذي رأى عمر قال زيد: قال أبو بكر)، أي بعد أن ذكر الأمر الذي هو توطئةٌ للأمر بالجمع (إنك رجل)، أي كاملٌ في الرجولية (شاب عاقل)، قال الطيبي: اشارةٌ إلى القوّة وحدة النظر وقوّة الضبط والحفظ والأمانة والديانة. (لا نتهمك) [أي] بتشديد التاء أي لا ندخل عليك التهمة لعدالتك في شيء مما تنقله في القاموس اتهمه بكذا اتهاماً واتهمه كافتعله أدخل عليه التهمة، كهمزة أي ما يتهم عليه فاتهم هو، (وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (َل9)، أي غالباً لأن كتابه عليه الصلاة والسلام بلغوا أربعاً وعشرين منهم الخلفاء الأربعة(٢) كما في المواهب والمعنى أنك في جمعه وكتابته مؤتمن، (فتتبع القرآن) أمر من باب التفعل أي بالغ في تحصيله من المواضع المتفرقة. (فاجمعه) أي جمعاً كلياً في مصحف واحد محافظ للمراجعة عند الحاجة (فوالله)، أي قال زيد: فوالله (لو كلفوني)، أي أبو بكر وعمر ومن تبعهما أو بناء على أن أقل الجمع اثنان أو المراد به أبو بكر والجمع للتعظيم (نقل جبل من الجبال)، أي وكان مما يمكن نقله (ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن). قال ابن حجر: لأن في ذلك تعب الجثة وهذا فيه تعب الروح. اهـ. والأظهر أن يقال لأن ذلك أمرٌ مباحٌ وكان هذا بزعمه أنه لا يجوز في الشريعة، ولهذا (قال:) أي زيدٌ (فقلت) أي لأبي بكر أو مع عمر، (كيف تفعلون)، ويمكن أن يحمل على تغليب الخطاب (شيئاً لم يفعله رسول الله ( *)، أي ولم يأمر به أيضاً فكأنه ما اكتفى بما تقدم ولم (١) الحاكم في المستدرك ٢/ ٦١١. (٢) ومن كتاب الوحي: أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعثمان بن العفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت. وأبي بن كعب ومعاوية بن أبي سفيان. وخالد بن الوليد وثابت بن قيس. رضي الله عنهم أجمعين. ١٠٣ كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن قال: هوَ واللَّهِ خَيرٌ. فلم يزَلْ أبو بكرٍ يُراجِعُني حتى شرَحَ اللَّهُ صذري للذي شَرحَ له صدْرَ أبي بكرٍ وعمرَ. فتبَّعتُ القرآنَ أجمعُه منَ العُسُبِ واللُّخاف وصُدورِ الرِّجالِ، حتى وجدتُ آخرَ سورةِ (الثَّوبْةِ) مع أبي خُزَيمةَ ينشرح صدره بعد ولم يرض بالتقليد مع استصعابه القضية لأنها تحتاج إلى اثبات القرآن بالأدلة القطعية (قال:) أي أبو بكر، (هو) أي الجمع (والله خير فلم يزل أبو بكر يراجعني)، أي يذكر أبو بكر السبب وأنا أدفع، (حتى شرح الله صدري للذي شرح)، أي الله (له صدر أبي بكر وعمر) قيل إنما لم يجمع وّل﴿ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله وَ لقول: ((لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن))(١) الحديث، فلا ينافي ذلك لأن الكلام في كتابه مخصوصة على صفة مخصوصة وقد كان القرآن كله كتب في عهد رسول الله ◌َّليل لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور، وقال الحارث: المحاسبي في كتاب فهم السنن، كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه والله كان يأمر بكتابته ولكنه كان مفرقاً في الرقاع ونحوها، وإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعاً، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله وَ لقر فيها القرآن منتشراً فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء كذا في الاتقان(٢)، (فتتبعت القرآن أجمعه)، حال من الفاعل أو المفعول (من العسب)، بضمتين جمع عسيب جريدة من النخل وهي السعفة مما لا ينبت عليه الخوص كذا في النهاية وزاد في القاموس حيث قال جريدة من النخل مستقيمة دقيقة مكشط خوصها، والذي لم ينبت عليه الخوص من السعف والسعف محركة جريد النخل، أو ورقه وأكثر ما يقال إذا يبس. (واللخاف) بكسر اللام جمع لخفة بالخاء المعجمة المكسورة وهي الحجارة البيض الرقاق التي كانت في أيدي القراء من الصحابة، وفي روايةٍ والرقاع وهي جمع رقعةٍ وقد تكون من جلدٍ أو ورق، وفي أخرى وقطع الأديم وفي أخرى والأكتاف، وفي أخرى والأضلاع وهو جمع كتف أو ضلعٌ يكون للبعير أو الشاة كانوا إذا جف كتبوا عليه، وفي أخرى والأقتاب جمع قتب وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه وإنما كانوا يكتبون في ذلك لعزة الورق عندهم يومئذ كذا ذكره ابن حجرٍ أو لأنهم جعلوها بمنزلة الألواح ليحفظوها، ثم يغسلوها ويمحوها، (وصدور الرجال) أي الحفاظ منهم فإن قيل كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال قيل لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجزة ونظم معروف، وقد شاهدوا تلاوته من النبي ◌ّ عشرين سنة فكان تزوير ما ليس منه مأموناً وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحيحه قال ابن حجر: والذين جمعوا القرآن بأن حفظوه كله في زمنه والآن أربعة كلهم من الأنصار أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت هذا ومعاذ بن جبل وأبو زيد. وفي رواية ذكر أبي الدرداء منهم، (حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة)، بضم الخاء وفتح (١) مسلم في صحيحه. (٢) الاتقان في علوم القرآن ١/ ٦٠. اليهالزيف .ب) ١٠٤ كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن الأنصاريِّ، لم أجِدْها مع أحدٍ غيرِهِ: ﴿لقد جاءَكم رسولٌ منْ أَنفُسِكم﴾ حتى خاتمةٍ (براءَةً)، فكانتِ الصُّحفُ عندَ أبي بكرٍ حتى توفَّاهُ اللَّهُ، ثمَّ عندَ عمرَ حياته، ثمَّ عندَ حفصةً بنتِ عمرَ. رواه البخاريّ. الزاي، (الأنصاري) قال الطيبي: المذكور في جامع الأصول من الصحابة خزيمة بن ثابت الأنصاري الأوسي المذكور في الحديث الآتي وأبو خيثمة الأنصاري السلمي الخزرجي فتأمل. اهـ. ولم يذكر المؤلف في أسماء رجاله إلا خزيمة ولعلَّه يقال: له خزيمة وأبو خزيمة أيضاً، (لم أجدها مع أحد غيره)، بالجر على البدلية أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة قاله الحافظ أبو شامة، وقال الطيبي: هذا لا ينافي ما روى أن جماعة حفظوا القرآن كله في حياته وَل# كأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي الدرداء لجواز النسيان بعد الحفظ فلما سمعوا المنسي من غيرهم تذكروا كما يدل عليه قوله: في الحديث الآتي فقدت آية من الأحزاب، (﴿لقد جاءكم﴾) بدل من آخر، (﴿رسول من أنفسكم﴾(١) حتى خاتمة براءة) قال في الاتقان: وأخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: قدم عمر فقال: من كان تلقى من رسول الله وَل﴿ شيئاً من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شاهدان وهذا يدل على أن زيداً كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوباً حتى يشهد به من تلقاه سماعاً مع كون زيد كان يحفظه فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط، قال السخاوي: في جمال القراء المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ويشير أو المراد يشهد أن على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي ول# لا من مجرد اللفظ قلت أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي وَلقر عام وفاته. وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصاحف عن الليث بن سعد قال: أوّل من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد. وكان الناس يأتون زيد بن ثابت فكان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل، وأن آخر سورة براءة لم يوجد إلا مع أبي خزيمة بن ثابت فقال: اكتبوها فإن رسول الله ﴿ جعل شهادته شهادة رجلين. فكتب وأن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده. اهـ. والحاصل أنهم ما جمعوا إلا بعد ما ثبت عندهم بالدليل القطعي لفظه وبالدليل الظني كتابته (فكانت الصحف)، أي بعد الجمع (عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر في حياته) أي أيامها، (ثم عند حفصة بنت عمر) أي إلى أن أخذ منها عثمان فجمع جمعاً ثانياً أو ثالثاً للقرآن وسبب وضع الصحف عندها عدم خليفة متعين في حياته وهي بنته وأم المؤمنين فخصها بها، (رواه البخاري). وجاء بسند حسن عن علي كرّم الله وجهه أنه قال: أعظم الناس في المصاحف أجراً أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله ولا يعارض هذا ما في أثر عنه قال لما مات النبي وي القر آليت أن لا آخذ على ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعه لأن هذا ضعيفٌ وعلى تقدير صحته فمراده بجمعه حفظه في دهون (١) سورة التوبة - آية رقم ١٢٨. ٠ جوة ١٠٥ كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن ٢٢٢١ - (١١) وعن أنس بن مالكِ: أنَّ حُذَيفةَ بنَ اليمانِ قدِمَ على عثمانَ، وكانَ يُغازي أهلَ الشامِ في فتحِ إزمينِيَّةَ صدره. أو المراد بجمعه جمعه بانفراده وهو يحتمل النقصان والمراد بجمع أبي بكر جمعه بالإجماع ولا شك أن العبرة بهذا الجمع لعدم احتمال الزيادة والنقص فهو أولى بأن يقال له الأوّل ويؤيده ما جاء أنه بعد بيعة أبي بكر قعد في بيته فقيل لأبي بكر قد كره بيعتك فأرسل إليه فقال: كرهت بيعتي قال لا والله قال له أبو بكر: ما أقعدك عني، قال رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة [جمعة] حتى أجمعه، قال أبو بكر نعم ما رأيت وكذا ما جاء بسند منقطع أوّل من جمع القرآن في مصحف سالم مولى أبي حذيفة أقسم لا أرتدي برداء حتى أجمعه فجمعه وفي رواية رجالها ثقاتٌ لكن في سندها انقطاع أن أبا بكر قال لعمر ولزيد اقعدا على باب المسجد فمن جاء بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه، قال العسقلاني: كان المراد بالشاهدين الحفظ والكتابة قال الحارث المحاسبي في فهم السنن كتابة القرآن ليست بمحدثة لأنه و # كان يأمر بكتابته ولكنَّه كان مفرقاً فجمعه الصديق فكان بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله وَ لّر فيها القرآن منتشراً فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء، وإنما وقعت الثقة بهذه الرقاع ونحوها وصدور الرجال لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز ونظم معروف قد شاهدوا تلاوته من النبيِّ وَّر عشرين سنة فكان تزوير ما ليس منه مأموناً. وإنما كان الخوف من ذهاب شيء منه. اهـ. ملخصاً وفي موطأ ابن وهب عن مالك بسنده إلى عبد الله بن عمر جمع أبو بكر القرآن في قراطيس وفي رواية عن زيد أمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأديم والعسب، فلما هلك أبو بكر وكان عمر كتب ذلك في صحيفة واحدةٍ فكانت عنده، قال العسقلاني: الأوّل أصح إنما كان في الأديم والعسب أوّلاً قبل أن يجمع في عهد أبي بكر ثم جمع في المصحف في عهد أبي بكر كما دلت عليه الآثار الصحيحة المترادفة، قلت يمكن الجمع بأنه كان في الأديم والعسب أولاً متفرقاً عند الناس غير مرتب فجمع جمعاً مرتباً بين الآية والسور غير أنه كتب في قطع الأديم والعسب على وجه التعقيب. وكان المجموع عند أبي بكر ثم جمع في صحيفةٍ واحدةٍ أو في صحف بالكتابة على الورق أو الرق والله أعلم. ٢٢٢١ - (وعن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان)، أي حذيفة قال ابن حجرٍ والواو للحال (يغازي) أي يحارب. (أهل الشام) بالنصب على المفعولية وفي نسخة بالرفع فيكون في كان ضمير الشأن وهو الصواب لما قال السخاوي في شرح الرائية فلما كانت خلافة عثمان رضي الله عنه. اجتمع المسلمون في غزوة أرمينية في بلاد الغرب جند العراق وجند الشام فاختلفوا في القرآن يسمع هؤلاء قراءة هؤلاء فينكرونها وكل ذلك صواب ونزل من عند الله تعالى حتى قال بعضهم قراءتي خيرٌ من قراءتك (في فتح إرمينية) بكسر الهمزة قال العسقلاني بفتح الهمزة عند ابن سمعان وبكسرها عند غيره، وقيل مثلث وبسكون الراء وكسر ١ الحديث رقم ٢٢٢١: أخرجه البخاري في صحيحه ١١/٩. حديث رقم ٤٩٨٧. وأحمد في المسند ١٨٨/٥. สสวดี /١ ١٠٦ كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن وآَذَرْبيجانَ معَ أهلِ العراقِ، فأفزَعَ حُذيفةَ اختلافُهم في القراءَةِ، فقال حُذيفةُ لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنين! أدرِكْ هذِهِ الأمَّةَ قبلَ أنْ يختلفوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنَّصارى، فأرسلَ عُثمانَ إِلى حفصَةَ: أنْ أرْسِلي إِلينا بالصّحفِ، نَنسخُها في المصاحفِ ثمَّ نردُّها إِليكِ، فأرسلتْ بها حفصةُ إِلى عثمانَ، فأمرَ زيدَ بنَ ثابتٍ، وعبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبِيرِ، وسعيدَ بنَ العاصِ، وعبدَ الرَّحمنِ بنَ الحارث بن هشامٍ، فَسخوها في المصاحفِ، وقال عثمانُ للرَّهِ القُرْشِيّينَ الثَّلاث: إِذا اختلفتُم في شيءٍ منَ القرآنِ فاكتُبوه بلِسانِ قُريشٍ، فإنَّما نَزَلَ ٠٠ الميم بعدها ياء ساكنة ثم نون مكسورة ثم ياء خفيفة وقد تثقل بلدة معروفة كبيرة كذا في المقدمة وفي القاموس بلد بأذربيجان فقوله. (وأذربيجان) تعميم بعد تخصيص وهو على ما في أكثر النسخ بهمزة ممدودة وفتح الذال وسكون الراء وكسر الباء بعدها ياء ساكنة ثم جيم لكن قال في تهذيب الأسماء هي بهمزة مفتوحة غير ممدودة ثم ذال معجمة ثم راء مفتوحة، ثم موحدة مكسورة ثم مثناة من تحت ثم جيم ثم ألف ثم نون هكذا هو الأشهر والأكثر في ضبطها. وقال العسقلاني قد تمد الهمزة. وقد تكسر وقد تحذف وقد تفتح الموحدة وقد یزاد بعدها ألف مع مد الأولى وفي المقدمة بفتحتين وسكون الراء وكسر الموحدة بعدها ياء ساكنة، ثم جيم بلدة معروفة وضبطها الأصيلي(١) بالمد وحكي أيضاً فتح الموحدة. (مع أهل العراق فافزع) عطف على كان (حذيفة) بالنصب (اختلافهم) بالرفع أي أوقع في الفزع والخوف اختلاف الناس أو أهل العراق الذين كان يغازي معهم، (في القراءة) أي قراءة القرآن حذيفة مثل أن قال بعضهم هذا اللفظ [من القرآن] أم لا ضبط في بعض النسخ برفع حذيفة ونصب اختلافهم ولم يظهر له وجه وحمله على القلب لم يقبله القلب (فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة) أمرٌّ من الادراك بمعنى التدارك (قبل أن يختلفوا في الكتاب) أي القرآن (اختلاف اليهود والنصارى) بالنصب أي كاختلافهم في التوراة والإنجيل إلى أن حرفوا وزادوا ونقصوا زاد السخاوي فما كنت صانعاً إذا قيل قراءة فلان وقراءة فلان كما صنع أهل الكتاب فاصنعه الآن فجمع عثمان رضي الله عنه الناس وعدتهم حينئذ خمسون ألفاً فقال ما تقولون وقد بلغني أن بعضهم يقول قراءتي خيرٌ من قراءتك وهذا يكاد أن يكون كفراً قالوا ما ترى قال أرى أن نجمع الناس على مصحفٍ واحدٍ فلا يكون فرقة ولا يكون اختلاف قالوا فنعم ما رأيت فعزم على ما أشار إليه حذيفة والمسلمون. (فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها) بالجزم ويرفع (في المصاحف) أي المجموعة (ثم نردها) بضم الدال وفتحها. (إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت)، أي من الأنصار (وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام) أي من قريش (فنسخوها في المصاحف)، أي المتعددة (وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاث)، أي ما عدا زيداً (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش) أي بلغاتهم (فإنما نزل) أي غالباً، (١) في المخطوطة ((الأصلي)). ١٠٧ كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن بلسانِهِمْ، ففعلوا، حتى إِذا نسَخوا الصُّحفَ في المصاحفِ، رَدَّ عثمانُ الصحُفَ إِلى حفصةَ، وأرسلَ إِلى كلٌ أُفقِ بمصحفٍ ممَّا نسَخوا، وأمرَ بما سِواهُ منَ القرآنِ في كلِّ صحيفةٍ أوْ مُصحفٍ أنْ يُحرقَ. (بلسانهم) قال الطيبي: أي نزل أولاً بلسانهم، ثم رخص أن يقرأ بسائر اللغات قال السخاوي فاختلفوا في التابوت فقال زيدٌ التابوه وقال الآخرون التابوت فرجعوا إلى عثمان فقال: اكتبواه بالتاء فإنه بلسان قريش وسألوا عثمان عن قوله لم يتسن فقال اجعلوا فيها الهاء فإن قيل فلم أضاف عثمان هؤلاء النفر إلى زيد ولم يفعل ذلك أبو بكر قلت كان غرض الصديق جمع القرآن بجميع أحرفه ووجوهه التي نزل بها وذلك على لغة قريش وغيرها، وكان غرض عثمان تجريد (١) لغة قريش من تلك القرآآت فجمع أبي بكر غير جمع عثمان فإن قيل فما قصد باحضار تلك الصحف وقد كان زيد ومن أضيف إليه حفظة قلت الغرض بذلك سد باب المقال وأن يزعم زاعم أن في المصحف قرآناً لم يكتب ولئلا يرى انسان فيما كتبوه شيئاً مما لم يقرأ به فينكره فالصحف شاهدةٌ بصحة جميع ما كتبوه (ففعلوا)، أي الجمع على هذا المنوال (حتى إذا نسخوا) أي كتبوا (الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق) بضمتين أي طرف من أطراف الآفاق (بمصحف مما نسخوا)، قال السخاوي سير منها مصحفاً إلى الكوفة ومصحفاً إلى البصرة ومصحفاً إلى الشام وأبقى في المدينة مصحفاً، ثم قال وروي أن عثمان رضي الله عنه سير أيضاً إلى البحرين مصحفاً وإلى مكة مصحفاً وإلى اليمن مصحفاً فتكون الجملة على هذه الرواية سبعة مصاحف، والرواية في ذلك تختلف فقيل إنه كتب خمس نسخ الأربعة المذكورة ومصحف مكة وأما مصحف البحرين ومصحف اليمن فلم يعلم لهما خبر قلت والتحقيق أن الأربعة من المصاحف كتبت أوّلاً على أيدي الأربعة من الكتاب فأرسل الثلاثة إلى البلدان المذكورة وترك واحداً في المدينة والظاهر أنه الذي كتبه زيد لأنه كان من أجل كتبة الوحي فخطه أولى أن يكون أصلاً محفوظاً في المدينة. ثم استكتبها عثمان رضي الله عنه مصاحف أخر فأرسل إلى سائر البلدان حتى قيل أرسل عثمان [إلى كل] جند من أجناد المسلمين مصحفاً. (وأمر بما سواه من القرآن) أي المنسوخ، (في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) بالحاء المهملة من الاحراق. وقد يروى بالمعجمة أي ينقض ويقطع ذكره الطيبي، وقال العسقلاني في رواية الأكثر أن يخرق بالخاء المعجمة وللمروزي(٢) بالمهملة ورواه الأصيلي بالوجهين وفي رواية أبي داود والطبراني وغيرهما ما يدل على المهملة قال السخاوي فلما فرغ عثمان من أمر المصاحف حرق ما سواها ورد تلك الصحف الأولى إلى حفص فكانت عندها فلما ولي مروان المدينة طلبها ليحرقها فلم تجبه حفصة إلى ذلك ولم تبعث بها إليه. فلما ماتت حضر مروان في جنازتها وطلب الصحف من أخيها عبد الله بن عمرو عزم عليه في أمرها فسيرها إليه، عند انصرافه فحرقها خشية أن تظهر فيعود الناس على الاختلاف واختلف العلماء (١) في المخطوطة ((تجريد)). (٢) في المخطوطة ((للمزويزي)). ١٠٨ كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن قال ابنُ شِهابٍ: فأخبرَني خارجةُ بنِ زيدِ بنِ ثابتٍ: أَنَّه سمِعَ زيدَ بنَ ثابتٍ قال: فقَدْتُ آيَةً منَ (الأحزابِ) حينَ نسَخنا المُصحفَ، قدْ كنتُ أسمعُ رسولَ الله وَّهِ يقرأُ بها، فالتّمسْناها، فوَجدْناها معَ خُزَيمةَ بنِ ثابتِ الأنصاريِّ: ﴿مِنَ المُؤْمنينَ رِجالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَليْهِ﴾، فألحقناها في سُورتِها في المُصحفِ. رواه البخاريُّ. 3.0 /١٣٤ /١٣/٥ ١٠ في ورق المصحف البالي إذا لم يبق فيه نفع أن الأولى هو الغسل أو الاحراق فقيل الثاني لأنه يدفع سائر صور الامتهان بخلاف الغسل فإنه تداس غسالته وقيل الغسل وتصب الغسالة في محلٍ طاهرٍ لأن الحرق فيه نوع اهانة. قال ابن حجر: وفعل عثمان يرجح الاحراق وحرقه بقصد صيانته بالكلية لا امتهان فيه بوجه وما وقع لأئمتنا في موضع من حرمة الحرق يحمل على ما إذا كان فيه اضاعة مال بأن كان المكتوب فيه له قيمة يذهبها الحرق قلت، هذا تأويلٌ غريبٌ وتفريغٌ عجيبٌ، فإن فرض المسألة فيما ليس فيه نفع والقياس على فعل عثمان لا يجوز لأن صنيعه كان بما ثبت، أنه ليس من القرآن أو مما اختلط به اختلاطاً لا يقبل الانفكاك وإنما اختار الاحراق لأنه يزيل الشك في كونه ترك بعض القرآن إذ لو كان قرآناً لم يجوّز مسلم أنه يحرقه ويدل عليه أنه لم يؤمر بحفظ رماده من الوقوع في النجاسة بناءً على عدم اعتبار الاستحالة كما قال به الشافعية، والكلام الآن فيما هو الثابت قطعاً فمع وجود الفرق وحصول ظاهر الإهانة يتعين الغسل بل ينبغي أن يشرب ماؤه فإنه دواء من كل داء وشفاء، لما في الصدور فإن قيل فهذا الاختلاف باق إلى وقتنا هذا فما دعواكم الاتفاق قلت القرآآت التي نعوّل عليها الآن لا تخرج عن المصاحف المذكورة، فيما يرجع إلى زيادة أو نقصان وما كان من الخلاف. راجع إلى شكلٍ أو نقطٍ فلا يخرج أيضاً عنها لأن خطوط المصاحف كانت [مهملةً] محتملةً لجميع ذلك. كما يقرأ فصرهن بضم الصاد وكسرها وكله لله بالرفع والنصب ويضركم ويضركم ويقض ويقص الحق، وقال الشاطبي في الرائية المعمولة في رسم المصاحف العثمانية وقال مالك القرآن يكتب بالكتاب الأوّل مستحدثاً مسطراً قال أبو عمر والداني عقيب قول مالك ولا مخالف له في ذلك (قال ابن شهاب) أي الزهري (فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال فقدت آية من الأحزاب حتى نسخنا) أي أنا والقرشيون (المصحف) أي المصاحف (قد كنت اسمع رسول الله ( 18 يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري) أي مكتوبة لما تقدم قال الطيبي: هو أبو عمارة الأوسي شهد بدراً وما بعدها وكان مع علي رضي الله عنه في صفين فلما قتل عمار جرد سيفه، وقاتل حتى قتل (﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾) [الأحزاب - ٢٣]. أي الآية (فالحقناها في سورتها في المصحف)، فيه اشكال وهو أنه بظاهره يدل على أن تلك الآية ما كانت موجودة في الصحف وإنما كتبت في المصحف، بعد ذلك وهذا مستبعد جداً فالصواب أن يراد بالمصحف الصحف الأولى التي كتبت في الجمع الأول، ويكون ضمير المتكلم بالنون تعظيماً. (رواه البخاري) قال البغوي في هذا الحديث بيان واضح أن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزل الله تعالى على رسوله وَ ل*، من غير أن زادوا أو ء قوة ١٠٩ كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن ٢٢٢٢ - (١٢) وعن ابنِ عبَّاسِ، قال: قلتُ لعُثمانَ: ما حمَلَكم على أنْ عمَدْتُمْ إِلى (الأنْفالِ)، وهيَ منَ المَثاني، وإِلى (براءَةً)، وهيَ منَ المِئِينَ، فقرَنتُم بينَهُما ولمْ تكتُبُوا سَطْرَ ﴿بسم اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيم﴾، ووَضعتُموها في السَّبعِ الطّولِ؟ ما حملَكم على ذلك؟ قالَ عثمانُ: كان رسولُ اللَّهِ وَلَّ ممَّا يأتي عليه الزمانُ، وهو تَنْزِلُ عليه السُّوَرُ ذَواتُ العددِ، وكانَ إِذا نزلَ عليه شيءٌ دَعا بعضَ من كانَ يكتبُ فيقولُ: ((ضَعُوا هؤلاءِ الآيات في السُّورةِ التي يُذكرُ فيها كذا وكذا)) فإِذا نزَلَتْ عليهِ الآيةُ فيقول: ((ضعُوا هذهِ الآيةَ في السَّورةِ التي يُذْكرُ فيها كذا وكذا)). وكانت (الأنفالُ) من أوائلِ ما نقصوا منه شيئاً باتفاق من جميعهم خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، وكتبوه كما سمعوه من رسول الله 18 من غير أن قدموا شيئاً أو أخروا أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه عن رسول الله وَ له، وكان وَلهو يلقن أصحابه ويعلمهم ما ينزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف من جبريل عليه السلام إياه على ذلك واعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا روي معنى هذا عن عثمان رضي الله عنه. ٢٢٢٢ - (وعن ابن عباس قال قلت لعثمان ما حملكم) أي ما الباعث والسبب لكم، (على أن عمدتم) بفتح الميم أي قصدتم (إلى الأنفال وهي من المثاني) أي من السبع المثاني وهي السبع الطول وقال بعضهم المثاني من القرآن ما كان أقل من المئين ويسمى جميع القرآن مثاني لاقتران آية الرحمة بآية العذاب وتسمى الفاتحة مثاني أي لأنها تثني في الصلاة أو ثنيت في النزول. (وإلى براءة) أي سورتها (وهي) لكونها مائة وثلاثين آية (من المئين) جمع المائة وأصل المائة مائي كمعي والهاء عوض عن الواو وإذا جمعت المائة قلت مئون ولو قلت مئات جاز (فقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول) بضم ففتح (ما حملكم على ذلك) وفي نسخة على ذلكم وهو تكرير للتأكيد وتوجيه السؤال أن الأنفال ليس من السبع الطول لقصرها عن المئين لأنها سبع وسبعون آية وليست غيرها لعدم الفصل بينها وبين براءة (قال عثمان كان رسول الله (وَ ﴿ مما يأتي عليه الزمان) أي الزمان الطويل ولا نزل عليه شيء وربما يأتي عليه الزمان (وهو) أي النبي عليه الصلاة والسلام والواو للحال (تنزل) بالتأنيث معلوماً وبالتذكير مجهولاً (عليه السور ذوات العدد وكان إذا نزل عليه شيء) أي من القصص (دعا بعض من كان يكتب) أي الوحي كزيد بن ثابت ومعاوية [وغيرهما] (فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) كقصة هود وحكاية يونس (فإذا نزلت عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) كالطلاق والحج وهذا زيادة جواب تبرع به رضي الله عنه للدلالة على أن ترتيب الآيات توقيفي وعليه الاجماع والنصوص المترادفة وأما ترتيب السور فمختلف فيه كما في الاتقان (وكان الأنفال من أوائل ما الحديث رقم ٢٢٢٢: أخرجه أبو داود في السنن ٤٩٨/١ حديث رقم ٧٨٦. والترمذي في السنن ٢٥٤/٥ حديث رقم ٣٠٨٦. وأحمد في المسند ٥٧/١. .... ١١٠ كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن نزلَتْ بالمدينةِ، وكانت (براءة) من آخرِ القرآنِ نزولاً، وكانت قِصَّتُها شبيهةً بقصَّتِها، فقُبِضَ رسولُ اللهِ وَ له ولم يُبيّنْ لنا أنَّها منها فمن أجلِ ذلكَ قرَنْتُ بينَهُما، ولم أكتب سطر ﴿بسم اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ ﴾ ووضعتُها في السَبْعِ الطُوَلِ. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود. ٠٠ لمصر ٠٫٢٥٠٦ د٣٤٨٠: ١٢٣٢/١ 4962 نزلت) وفي نسخة نزل (بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً) أي فهي مدنيةٌ أيضاً وبينهما النسبة الترتيبية بالأولية والآخرية فهذا أحد وجوه الجمع بينهما ويؤيده ما وقع في رواية بعد ذلك فظننت أنها منها وكان هذا مستند من قال إنهما سورةٌ واحدةٌ وهو ما أخرجه أبو الشيخ عن دوق وأبو يعلى عن مجاهد وابن أبي حاتم عن سفيان وابن لهيعة كانوا يقولون إن براءة من الأنفال ولهذا لم تكتب البسملة بينهما مع اشتباه طرقهما ورد بتسمية النبي ◌َّ لكل منهما باسم مستقل قال القشيري إن الصحيح أن التسمية لم تكن فيها لأن جبريل عليه الصلاة والسلام لم ينزل بها فيها وعن ابن عباس لم تكتب البسملة في براءة لأنها أمان وبراءة نزلت بالسيف وعن مالك أن أولها لما سقط سقطت معه البسملة فقد ثبت أنها كانت تعدل البقرة لطولها وقيل إنها ثابتة أولها في مصحف ابن مسعود ولا يعوّل على ذلك (وكانت قصتها) أي الأنفال (شبيهة بقصتها) أي براءة ويجوز العكس وهذا وجه آخر معنوي ولعل المشابهة في قضية المقاتلة بقوله في سورة براءة ﴿قاتلوهم يعذبهم الله﴾ [التوبة - ١٤]. ونحوه في نبذ العهد بقوله في الأنفال: ﴿فانبذ إليهم﴾ [الأنفال - ٥٨]. وقال ابن حجر لأن الأنفال بينت ما وقع له وَّل مع مشركي مكة وبراءة بينت ما وقع له مع منافقي أهل المدينة والحاصل أن هذا مما ظهر لي في أمر الاقتران بينهما (فقبض رسول الله وَلجر ولم يبين لنا أنها) أي التوبة (منها) أي من الأنفال أو ليست منها (فمن أجل ذلك) أي لما ذكر من عدم تبيينه ووجوه ما ظهر لنا من المناسبة بينهما (قرنت بينهما ولم أكتب سطر بسم الله الرحمن الرحيم) أي لعدم العلم بأنها سور مستقلة لأن البسملة كانت تنزل عليه وَ ﴿ للفصل ولم تنزل ولم أكتب وهذا لا ينافي ما ذكر عن علي رضي الله عنه من الحكمة في عدم نزول البسملة وهو أن ابن عباس سأل علياً رضي الله عنه لم لم تكتب قال لأن بسم الله أمان وليس فيها أمان أنزلت بالسيف وكانت العرب تكتبها أول مراسلاتهم في الصلح والأمان والهدنة فإذا نبذوا العهد ونقضوا الايمان لم يكتبوها ونزل القرآن على هذا الاصطلاح فصارت علامة الأمان وعدمها علامة نقضه فهذا معنى قوله أمان وقولهم آية رحمة وعدمها عذابٌ كذا ذكره الجعبري (ووضعتها في السبع الطول) قال الطيبي: دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطول بها ثم قيل السبع الطول هي البقرة وبراءة وما بينهما وهو المشهور لكن روى النسائي والحاكم عن ابن عباس أنها البقرة والأعراف وما بينهما قال الراوي وذكر السابعة فنسيتها وهو يحتمل أن تكون الفاتحة فإنها من السبع المثاني أو هي السبع المثاني ونزلت [سبعتها] منزلة المئين ويحتمل أن تكون الأنفال بانفرادها أو بانضمام ما بعدها إليها وصح عن ابن جبير أنها يونس وجاء مثله عن ابن عباس ولعل وجهه أن الأنفال وما بعدها مختلف في كونها من المثاني وأن كلاً منهما سورة أو هما سورة (رواه أحمد والترمذي وأبو داود) وكذا النسائي وابن حبان والحاكم وصح عن علي كرم الله وجهه أنه قال لا تقولوا عثمان إلا خيراً فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا قال أي عثمان فما تقولون في كتاب فضائل القرآن/ باب اختلاف القراءات وجمع القرآن هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد أن يكون كفراً قلت فما ترى قال أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا يكون فرقة ولا اختلاف قلنا فنعم ما رأيت قال ابن التين الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان الخشية أن يذهب من القرآن شيء لذهاب حملته لأنه لم يكن مجموعاً في موضع واحدٍ فجمعه في صحائف مرتباً لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي وَّر وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآآت حين قرأوا بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأن نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت فاقتصر على لغة واحدة، قلت هذا يوم أنه ترك ما ثبت كونه قرآناً والصواب أن يقال كان في جمع أبي بكر المنسوخات والقرآآت التي ما حصل فيها التواتر جمعاً كلياً من غير تهذيب وترتيب فترك عثمان المنسوخات، وأبقى المتواترات، وحرر رسوم الكلمات، وقرر ترتيب السور والآيات على وفق العرضة الأخيرة من العرضات المطابقة لما في اللوح المحفوظ، وإن اختلف نزولها منجماً على حسب ما تقتضي الحالات والمقامات، ولذا قال الباقلاني: لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في نفس القراءة وإنما قصد جمعهم على القراءة العامة المعروفة عن النبيِّ وَلّ والغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحفٍ لا تقديم فيه ولا تأخير إلى آخر ما ذكره والحاصل أن هذا المقدار على هذا المنوال هو كلام الله المتعال بالوجه المتواتر الذي أجمع عليه أهل المقال فمن زاد أو نقص منه شيئاً كفر في الحال ثم اتفقوا على أن ترتيب الآي توقيفي لأنه كان آخر الآيات نزولاً ﴿واتقوا يوماً ترجعون (فيه) إلى الله﴾ [البقرة - ٢٨٢]. فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والمداينة ولذا حرم عكس ترتيبها بخلاف ترتيب السور فإنه لما كان مختلفاً فيه كرهت مخالفته لغير عذر، ولما ورد أنه ﴿ قرأ النساء قبل آل عمران لبيان الجواز أو نسياناً ليعلم الصحة به، مع أن الأصح أن ترتيب السور توقيفي أيضاً وإن كانت مصاحفهم مختلفة في ذلك قبل العرض الأخيرة التي عليها مدار جمع عثمان فمنهم من رتبها على النزول وهو مصحف على أوله اقرأ فالمدثر فنون فالمزمل فتبت فالتكوير وهكذا إلى آخر المكي والمدني ومما يدل على أنه توقيفي، كون الحواميم رتبت ولاء وكذلك الطواسين ولم يرتب المسبحات ولاء بل فصل بين سورها وكذا اختلاط المكيات بالمدنيات والله أعلم. هره ك وجر : มือ 6 كتاب الدعوات الفصل الأول ٢٢٢٣ - (١) عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّ: ((لكلِّ نبيّ دعوَةٌ مُستجابةٌ، فَتَعَجَّل كلُّ نبيّ دعوَتَه، وإِني أُختَبَأْتُ دعوَتي شفاعةً لأمَّتي إِلى يومِ القِيامةِ، فهيَ نائلَةٌ إِنْ شاء اللَّهُ ١/٠ (كتاب الدعوات) جمع الدعوة بمعنى الدعاء وهو طلب الأدنى، بالقول من الأعلى شيئاً على جهة الاستكانة، قال النووي: أجمع أهل الفتاوى في الأمصار في جميع الأعصار على استحباب الدعاء، وذهب طائفةٌ من الزهاد وأهل المعارف إلى أن تركه أفضل استسلاماً وقال جماعةٌ إن دعا للمسلمين فحسنٌ وإن خص نفسه فلا وقيل إن وجد باعثاً للدعاء استحب وإلا فلا، ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة والأخبار الواردة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (الفصل الأوّل) ٢٢٢٣ - (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلقر: لكل نبي دعوة مستجابة) أي في حق مخالفي أمته جميعهم بالاستئصال (فتعجل كل نبي دعوته) أي استعجل في دعوته كما أن نوحاً دعا على أمته بالهلاك حتى غرقوا بالطوفان، وصالحاً دعا على أمته حتى هلكوا بالصيحة، وقيل معناه أن لكل نبيّ دعوةً متيقنة الاجابة بخلاف بقية دعواته فإنه على طمع الإجابة فتعجل كل نبيِّ دعوته لنفسه. (وإني اختبأت دعوتي) أي أدخرتها وجعلتها خبيئة من الاختباء وهو الاختفاء بالصبر على أذى قومه لأني بعثت رحمة للعالمين (شفاعة لأمتي) أي أمة الاجابة يعني لأجل أن أصرفها لهم خاصة بعد العامة وفي جهة الشفاعة أو حال كونها شفاعة (إلى يوم القيامة) أي مؤخرة إلى ذلك اليوم وفي نسخة يوم القيامة على أنه ظرف للشفاعة (فهي) أي الشفاعة (نائلة) أي واصلة حاصلة (إن شاء الله) قال ابن الملك: وإنما ذكر إن شاء الله مع ١ الحديث رقم ٢٢٢٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٩٩/١١ حديث رقم ٦٣٠٤. ومسلم في صحيحه ١/ ١١٤ حديث رقم (٣٣٨). والترمذي في السنن ٢٣٨/٥ حديث رقم ٣٦٧٢. وابن ماجه ١٤٤٠/٢ حديث رقم ٢٣٠٧. مع تغيير بسيط. والدارمي ٤٢٢/٢ حديث رقم ٢٨٠٥ وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٦. ١١٣ ـهود -عماد ٢ کتاب الدعوات ١١٤ مَنْ ماتَ مِنْ أمَّتي لا يشرِكُ باللَّهِ شيئا)). رواه مسلم، وللبخاريِّ أقصرُ منه. ٢٢٢٤ - (٢) وعنه، قال: قال رسولُ الله ◌ِّ: («اللهُمَّ إِني اتَّخِذْتُ عندكَ عَهْداً لنْ تُخلفَنِيهِ، فإِنَّما أنا بشرٌ، فأيُّ المؤمنينَ آذَيْتُه: شتَمتُه لعنتُه جلَدْتُه حصولها لا محالة أدباً وامتثالاً لقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك عداً إلا أن يشاء الله ﴾ [الكهف - ٢٣]. اهـ. والأظهر أنه قال للتبرك لأن المراد من الآية الأفعال الواقعة في الدنيا لا الأخبار الكائنة في العقبى ويحتمل أن يتعلق بقوله (من مات من أمتي) اعلاماً بأن الله تعالى لا يجب عليه شيء لأحد من خلقه والمحققون على أن الاستثناء في الإِيمان اختلافه لفظيّ فمن نوى التعليق في الحال كفر اتفاقاً أو التبرك المحض أو نظراً للمآل فلا اتفاقاً وإنما منعه أصحابنا في قوله: (إنا مؤمنٌ إن شاء الله ) للإيهام وهو في محل النصب على أنه مفعول به لنائلة ومن بيان من وقوله: (لا يشرك بالله) حال من فاعل مات (شيئاً) أي من الأشياء أو من الاشراك وهي أقسامٌ عدم دخول قوم النار وتخفيف لبثهم فيها وتعجيل دخولهم الجنة ورفع درجات فيها. (رواه مسلم والبخاري اقتصر منه). ٢٢٢٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلير: اللهم إني اتخذت عندك عهداً) أي أخذت منك وعداً أو أماناً، (لن تخلفنيه) من الاخلاف لأن الكريم لا يخلف وعده قيل أصل الكلام إني طلبت منك حاجةً أسعفني بها ولا تخيبني فيها فوضع العهد موضع الحاجة مبالغة في كونها مقضية ووضع لن تخلفنيه موضع لا تخيبني، وقيل وضع العهد موضع الوعد مبالغةٌ واشعاراً بأنه وعدٌ لا يتطرق إليه الخلف كالعهد ولذلك استعمل فيه الخلف لا النقض لزيادة التأكيد وقيل أراد بالعهد الأمان أي أسألك أماناً لن تجعله خلاف ما أترقبه وأرتجيه أي لا تردني به فإن دعاء الأنبياء لا يرد، ووضع الاتخاذ موضع السؤال تحقيقاً للرجاء بأنه حاصل، أو كان موعوداً باجابة الدعاء أحل المسؤول المعهود محل الشيء الموعود ثم أشار إلى أن وعد الله لا يتأتى فيه الخلف بقوله لن تخلفينه (فإنما أنا بشر) أي مثلهم وورد في رواية أغضب كما يغضب البشر، تمهيد لمعذرته فيما يندر عنه من ضرب أو شئتم، فإن الغضب المؤدي إلى ذلك من لوازم البشرية قال ابن الملك: اشارة إلى ظلومية البشر وجهوليته. اهـ. والحاصل أنه يتضرع إلى الله أنه لا يكله إلى نفسه كما ورد عنه، اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك فإنك إن تكلني إلى نفسي تكلني إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة ثم يطلب من مولاه أنه إن صدر عنه شيء مما لا يليق منه بمقتضى البشرية أن يتداركه بالعفو والمغفرة وأن يعوّض من خصمائه بأنواع القربة (فأي المؤمنين) بيان وتفصيل لما كان يلتمسه وَ له بقوله: اتخذت عندك عهداً (آذيته) أي بأي نوع من أنواع الأذى (شتمته) بيان لقوله آذيته ولذا لم يعطف (لعنته) أي سببته (جلدته) أي ضربته قال الطيبي: ذكر هذه الأمور على سبيل التعداد بلا تنسيق وقابلها ١١٣٤ /٢٣/١١٣ +٢۴۴ الحديث رقم ٢٢٢٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ١٧٠ حديث رقم ٦٣٦١. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٠٧ حديث رقم (٢٦٠٠٨٨) وأحمد في المسند ٣١٧/٢. .- ٠ ١١٥ كتاب الدعوات فاجعلْها له صلاةً وزكاةً وقُربةً تُقرِّبُه بها إِليكَ يومَ القيامةِ)). متفق عليه . ٢٢٢٥ - (٣) وعنه، قال: قال رسولُ الله وَّرَ: ((إِذا دَعا أحدُكم فلا يقُلْ: اللهُمَّ اغفِرْ لي إِنْ شِئتَ، ازحمْني إِنْ شِئتَ، [ ارْزُقني إِنْ شِئتَ]؛ ولْيَعزمُ مسألتَه، إِنَّه يفعلُ ما يشاءُ، ولا مُكرِهَ له)». رواه البخاريُّ. ٢٢٢٦ - (٤) وعنه، قال: قال رسولُ الله ◌َالَ: ((إِذا دَعا أحدُكم فلا يقُلْ: اللهُمَّ اغفِرْ لي إِنْ شِئتَ؛ ولكنْ لِيغزمْ ولْيُعظّمِ بأنواع الألطاف متناسقة ليجمعها كل واحد من تلك الأمور وليس من باب اللف، (فاجعلها) أي تلك الأذية التي صدرت بمقتضى ضعف البشرية (له) أي لمن آذيته من المؤمنين (صلاة) أي رحمة وتلطفاً واكراماً وتعظيماً وتعطفاً توصله إلى المقامات العلية، (وذكاة) أي طهارة من الذنوب والمعائب ونماء وبركة في الأعمال والمناقب، (وقربة تقربه) أي تجعل ذلك المؤمن مقرباً (بها) أي بتلك القربة أو بكل واحدة من الصلاة وأختيها، (إليك يوم القيامة). وقال ابن الملك: جملة تقربه بها صفة لكل واحدة من الصلاة وأختيه، أي تقربه بتلك الأذية روي أنه وَ لو خرج يوماً من حجرته إلى الصلاة فتعلقت به عائشة والتمست منه شيئاً وألحت عليه في ذلك وجذبت ذيله فقال لها قطع الله يدك فتركته وجلست في حجرتها مغضبةً ضيقة الصدر فلما رجع إليها ورآها كذلك قال: ((اللهم إن لي عندك عهداً) الخ تطييباً لقلبها فالسنة لمن دعا على أحد أن يدعو له جبراً لفعله (متفق عليه). ٢٢٢٥ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلقر: إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ارحمني إن شئت ارزقني إن شئت) قيل منع عن قوله: إن شئت لأنه شك في القبول والله تعالى كريم، لا بخل عنده فليستيقن بالقبول، (وليعزم مسألته) أي ليطلب جازماً من غير شك، (أنه يفعل ما شاء) استئناف فيه معنى التعليل وفي نسخة بفتح الهمزة قال ابن الملك: بفتح الهمزة في الرواية المعتبرة مفعولاً له للعزم أي لأنه يفعل ما يشاء أو مفعولاً به للمسألة أي ليجزم مسألته فعل ما شاء. اهـ. وكونه مفعولاً به غير صحيح المعنى فتأمل، (لا مكره له) أي لله على الفعل أو لا يقدر أحد أن يكرهه على فعل أراد تركه بل يفعل ما يشاء فلا معنى لقوله: إن شئت لأنه أمر معلوم من الدين بالضرورة فلا حاجة إلى التقييد به مع أنه موهم لعدم الاعتناء بوقوع ذلك الفعل أو لاستعظامه على الفاعل على المتعارف بين الناس والله أعلم. (رواه البخاري). ur !- ٢٢٢٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلجر: إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت) أي مثلاً (ولكن ليعزم) أي ليجزم على المسألة (وليعظم) بالتشديد على الحديث رقم ٢٢٢٥ : أخرجه البخاري في صحيحه ١٣٩/١١ حديث رقم ٦٣٣٨. ومسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٦٣ حديث رقم (٧ - ٦٧٨). الحديث رقم ٢٢٢٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٩٥/٤ حديث رقم (٩ - ٢٧٣٥). ١١٦ كتاب الدعوات الرَّغبةَ، فإِنَّ اللَّهَ لا يتعاظمُه شيءٌ أعطاهُ)). رواه مسلم. ٢٢٢٧ - (٥) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يُستجابُ للعبدِ ما لمْ يدعُ بِثم (الرغبة) أي الميل فيه بالإلحاح والوسائل. (فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)، يقال تعاظم زيد هذا الأمر، أي كبر عليه وعسر أي لا يعظم عليه اعطاء شيء بل جميع الموجودات في أمره يسير (وهو على كل شيء قدير) وفي الحديث لو اجتمع الأوّلون والآخرون على صعيدٍ واحدٍ فسأل كل مسألته وأعطيه إياها ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. (رواه مسلم). ٢٢٢٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلاير: يستجاب للعبد) أي بعد شروط الإِجابة. (ما) ظرف يستجاب بمعنى المدة أي مدة كونه، (لم يدع بإثم) مثل أن يقول اللهم قدرني على قتل فلان وهو مسلم، أو اللهم ارزقني الخمر أو اللهم اغفر لفلان وهو مات كافراً يقيناً أو اللهم خلد فلاناً المؤمن في النار وأمثال ذلك من المستحيلات كرؤية الله يقظة في الدنيا وأما قول ابن حجر في تخليد المؤمن والرؤية نظر ظاهر فإن الخلاف شهير في ذي الكبيرة إذا مات مصراً ورؤية الله تعالى غير مستحيلة وإلا لم يطلبها موسى عليه الصلاة والسلام فمردود إذ لا عبرة بخلاف الخوارج والمعتزلة ولأن رؤية الله مستحيلة شرعاً وطلب موسى عليه الصلاة والسلام كان مبنياً على أنها غير مستحيلة عقلاً فلما أفاق وعلم باستحالته شرعاً قال: ﴿سبحانك تبت إليك وأنا أول المسلمين﴾ [الأعراف - ١٤٣]. أي بأن لا ترى في الدنيا قيل ومنه أخف زللنا عن الكرام الكاتبين نعم إن قصد التوفيق للتوبة عقب الزلة حتى لا يكتبها الملك جاز لحديث ابن عساكر إذا تاب العبد أنسي الله تعالى الحفظة ذنوبه وأنسي ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله تعالى وليس عليه شاهد من الله بذنب ومنه ما دل السمع الآحادي على ثبوته، كاللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم لأن الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة أنه لا بد من دخول طائفة منهم النار ولا ينافيه قولهم اللهم اغفر لي ولجميع المسلمين لأن محله [إذا أراد مطلق المغفرة لهم أما] إذا أراد عموم المغفرة له ولهم في الآخرة فهو محل الحرمة لأنه حينئذ مكذب بالأحاديث الصحيحة ومنه الدعاء بلفظ أعجمي جهل معناه، ومنه الدعاء على من لم يظلمه مطلقاً أو على من ظلمه بأزيد مما ظلمه ولا ينافيه قصة سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة حيث دعا على من ظلمه بأكثر لأنه مذهب صحابي ومع حله يذهب أجره، لحديث الترمذي ((من دعا على ظالمه فقد انتصر)) (١) واختلفوا في الدعاء على الظالم بسوء الخاتمة ونحوه فقيل يباح كما قال نوح: ﴿ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً﴾ [نوح - ٢٤]. وقال موسى: ﴿واشدد على قلوبهم﴾ [يونس - ٨٨]. ودعا نبينا وال على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته وشج وجهه فقال: اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً فكان كذلك وقيل يمنع قال ابن حجر: وجمع بعضهم بحمل الأوّل على متمرد عم ظلمه والثاني على غيره وأقول الصواب أن الأوّل محمول على الكافر والثاني ٠٠٠ ١٠٠٣٠ الحديث رقم ٢٢٢٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٩٥/٤ حديث رقم (٩ - ٢٧٣٥). (١) الترمذي فى السنن حديث رقم ٣٥٥٢. ٥٠ جورة ١١٧ كتاب الدعوات أو قطيعَةِ رحِم، ما لمْ يستعجِلْ)). قيل: يا رسولَ الله! ما الاستِعجالُ؟ قال: ((يقولُ: قدْ دعوتُ، وقد دعوتُ. فلم أرَ يُستجابُ لي، فيستحسرُ عندَ ذلكَ وَيَدِعُ الدُّعاءَ)). رواه مسلم. ٢٢٢٨ - (٦) وعن أبي الدَّرداءِ [ رضي اللَّهُ عنه]، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَى: (دعوةُ المرء المسلم لأخيهِ بظُهرِ الغَيبِ مُستجابةٌ، عندَ رأسِه ملكٌ موكّلٌ، على المسلم، (أو قطيعة رحم) نحو اللهم باعد بيني وبين أبي فهو تخصيص بعد تعميم، (ما لم يستعجل) قال الطيبي: الظاهر ذكر العاطف في قوله ما لم يستعجل لكنه ترك تنبيهاً على استقلال كل من القيدين أي يستجاب ما لم يدع يستجاب ما لم يستعجل (قيل يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال يقول) أي الداعي (قد دعوت وقد دعوت) أي مرة بعد أخرى يعني مرات كثيرة أو طلبت شيئاً وطلبت آخر (فلم أر) أي فلم أعلم أو أظن دعائي وهو المفعول الأوّل والثاني محذوف كذا قاله الطيبي والأظهر أن يستجاب بتقدير أن أو بدون أن بتأويل المصدر والمعنى لم أر آثار استجابة دعائي (يستجاب لي) وهو إما استبطاء أو اظهار يأس وكلاهما مذموم أما الأوّل لأن الإجابة لها وقت معين كما ورد أن بين دعاء موسى وهارون على فرعون وبين الإِجابة أربعين سنة. وأما القنوط فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون مع أن الإِجابة على أنواع منها تحصيل عين المطلوب في الوقت المطلوب، ومنها وجوده في وقت آخر لحكمة اقتضت تأخيره، ومنها دفع شر بدله أو اعطاء خير آخر خير من مطلوبه، ومنها ادخاره ليوم يكون أحوج إلى ثوابه (فيستحسر) أي ينقطع ويمل ويفتر استفعال من حسر إذا عيي وتعب، (عند ذلك) أي عند رؤيته عدم الاستجابة في الحال (ويدع الدعاء)، أي يتركه مطلقاً أو ذلك الدعاء ولا ينبغي للعبد أن يمل من الدعاء لأنه عبادةٌ وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأت وقته لأن لكل شيء وقتاً مقدراً في الأزل أو لأنه لم يقدر في الأزل قبول دعائه في الدنيا فيعطي في الآخرة من الثواب عوضه أو يؤخر دعاءه ليلح ويبالغ في الدعاء فإن الله يحب الملحين في الدعاء، ولعل عدم قبول دعائه بالمطلوب المخصوص خير له من تحصيله والله يعلم وأنتم لا تعلمون (رواه مسلم). ٢٢٢٨ - (وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ◌َّجر: دعوة المرء المسلم) أي الشخص الشامل للرجل والمرأة (لأخيه) أي المؤمن (بظهر الغيب) الظهر مقحم للتأكيد أي في غيبة المدعوّ له عنه وإن كان حاضراً معه، بأن دعا له بقلبه حينئذ أو بلسانه ولم يسمعه (مستجابة) لخلوص دعائه من الرياء والسمعة قال الطيبي: موضع بظهر الغيب نصب على الحال من المضاف إليه لأن الدعوة مصدر أضيف إلى فاعله ويجوز أن يكون ظرفاً للمصدر، وقوله مستجابة خبر لها (عند رأسه) أي الداعى (ملك) جملة مستأنفة مبينة للاستجابة (موكل) أي الحديث رقم ٢٢٢٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٢٠٩٤. حديث رقم (٨٦ - ٢٧٣٢). وابن ماجه في السنن ٩٦٦/٢ حديث رقم ٢٨٩٥. وأحمد في المسند ١٩٥/٥. ١١٨ كتاب الدعوات كلَّما دَعا لأخيهِ بخَيرِ قال الملكُ المؤكَّلُ به: آمينَ، ولكَ بِمثلٍ)). رواه مسلم. ---- ٢٢٢٩ - (٧) وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تدعُوا على أنفُسِكم، ولا تذْعُوا على أَولادِكم، ولا تدعُوا على أموالِكم، لا تُوافِقوا منَ اللَّهِ ساعةً يُسألُ فيها عطاءً فیستجیبُ لکم)). رواه مسلم. وذُكرَ حديثُ ابنِ عبَّاسٍ: ((اتَّقِ دعوةَ المظلوم)). في كتاب الزكاةِ. بالدعاء له عند دعائه لأخيه (كلما دعا لأخيه بخير) [أي] أو دفع شر (قال الملك الموكل به آمين) أي استجب له يا رب دعاءه لأخيه فقوله: (ولك) فيه التفاتٌ أو استجاب الله دعاءك في حق أخيك ولك (بمثل) بكسر الميم وسكون المثلثة وتنوين اللام وأما قول ابن حجر وحُكي فتحهما فليس في محله أي ولك مشابه هذا الدعاء قال الطيبي: الباء زائدة في المبتدأ كما في بحسبك درهم قيل، كان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة ليدعو له الملك بمثلها فيكون أعون للاستجابة، قلت لكن هذا بظاهره مخالفٌ لما سيأتي عنه وَ﴿ إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه (رواه مسلم). ٢٢٢٩ - (وعن جابر قال: قال رسول الله وَ لقر: لا تدعوا) أي دعاء سوء (على أنفسكم) أي بالهلاك ومثله، (ولا تدعو على أولادكم) أي بالعمى ونحوه، (ولا تدعوا على أموالكم) أي من العبيد والإماء بالموت وغيره، (لا توافقوا) نهي للداعي وعلة للنهي أي لا تدعوا على من ذكر لئلا توافقوا، (من الله ساعة) أي ساعة اجابة (يسأل) أي الله (فيها عطاء)، بالنصب على أنه مفعول ثان وفي نسخة بالرفع على أنه نائب الفاعل ليسئل أي ما يعطي من خير أو شر كثر استعماله في الخير، (فيستجيب) بالرفع عطفاً على يسأل أو لتقدير فهو يستجيب (لكم) أي فتندموا بخط السيد جمال الدين أنه وقع في أصل سماعنا بالرفع، وقال بعض الشراح أي لئلا تصادفوا ساعة اجابة فتستجاب دعوتكم السوء وفي يسأل ضمير يرجع إلى الله وهو صفة ساعة وكذا فيستجيب وهو منصوب لأنه جواب لا توافقوا. وقال الطيبي: جواب النهي من قبيل لا تدن من الأسد فيأكلك على مذهب أي مذهب الكسائيِّ ويحتمل أن يكون مرفوعاً أي فهو يستجيب. (رواه مسلم وذكر حديث ابن عباس اتق) أي احذر (دعوة المظلوم) أي لا تظلم أحداً بأن تأخذ منه شيئاً ظلماً أو تمنع أحداً حقه تعدياً أو تتكلم في عرضه افتراء حتى لا يدعو عليك وتمام الحديث، (فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، أي إذا دعا على ظالمه يقرب من الإجابة (في كتاب الزكاة)، لكونه في ضمن حديث طويل هناك فأسقطه للتكرار ونبه عليه لا لكون الحديث أنسب بذلك الكتاب حتى يرد السؤال والجواب والله أعلم بالصواب. ٠١٢٧٢ استيا الحديث رقم ٢٢٢٩: أخرجه أبو داود في السنن ٨٨/٢ حديث رقم ١٥٣٢. ธัมคาร ١١٩ کتاب الدعوات الفصل الثاني ٢٢٣٠ - (٨) عن النُّعمانِ بن بشيرِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الدُّعاءُ هوَ العِبادةُ)) ثمَّ قرأَ: ﴿وقال ربكم ادعُوني أستجِبْ لَكم﴾. رواه أحمد، (الفصل الثاني) ٢٢٣٠ - (عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله وَله: الدعاء هو العبادة) أي هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة لدلالته على الاقبال على الله، والاعراض عما سواه بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا اياه، قائماً بوجوب العبودية، معترفاً بحق الربوبية، عالماً بنعمة الايجاد، طالباً لمدد الأمداد على وفق المراد، وتوفيق الاسعاد، (ثم قرأ ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾)(١) قيل استدل بالآية على أن الدعاء عبادة لأنه مأمور به والمأمور به عبادة وقال القاضي استشهد بالآية لدلالتها على أن المقصود يترتب عليه ترتيب الجزاء على الشرط والمسبب على السبب ويكون أتم العبادات ويقرب من هذا قوله مخ العبادة أي خالصها وقال الراغب لعبودية اظهار التذلل ولا عبادة أفضل منه لأنها غاية التذلل ولا يستحقها إلا من له غاية الافضال [وهو الله تعالى]. وقال الطيبي [رحمه الله]: يمكن أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي وهو غاية التذلل، والافتقار والاستكانة، وما شرعت العبادة إلا للخضوع للبارىء وإظهار الافتقار إليه وينصر هذا التأويل ما بعد الآية المتلوّة ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر - ٦٠]. حيث عبر عن عدم الافتقار والتذلل بالاستكبار، ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الهوان والصغار وقال ميرك: أتى بضمير الفصل والخبر المعرف باللام ليدل على الحصر في أن العبادة ليست غير الدعاء مبالغة، ومعناه أن الدعاء معظم العبادة كما قال ◌َله الحج عرفة أي معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، أو المعنى أن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب لأنه اظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه والاعتراف بأن الله تعالى قادر على اجابته كريمٌ لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء حتى يدّخر لنفسه ويمنعه من عباده وهذه الأشياء هي العبادة بل مخها وأغرب ابن حجر حيث قال: وقال شارح العبادة ليست غير الدعاء مقلوب وصوابه أن الدعاء ليس غير العبادة. اهـ. وهو خطأ منه والصواب الأوّل لأنه الدال على المبالغة بطريق الحصر المطلوبة المستفادة من ضمير الفصل واتيان الخبر المعرف باللام كما هو مقرر في علم المعاني والبيان. (رواه أحمد الحديث رقم ٢٢٣٠: أخرجه الترمذي في السنن ٢٧٩/٤ حديث رقم ٤٠٤٩. وابن ماجه ١٢٥٨/٢ حديث رقم ٣٨٢٨ وأحمد في المسند ٢٦٧/٤. (١) سورة غافر - آية رقم ٦٠. صين / م الس ٦ ١٢٠ كتاب الدعوات والترمذيُّ، وأبو داود، والنسائيُّ، وابنُ ماجه. ٢٢٣١ - (٩) وعن أنس، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «الدُّعاءُ مُخُ العِبادةِ)). رواه الترمذي. ٢٢٣٢ - (١٠) وعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله: ((ليسَ شيءٌ أكرمَ على اللَّهِ مِنَ الدعاءِ)). رواه الترمذيُّ، وابن ماجه. وقال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ غريب. ٢٢٣٣ - (١١) وعن سلمانَ الفارسيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((لا يَرُدُّ القضاءَ إِلاَّ الدُّعاءُ، والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه) ورواه ابن أبي شيبة والحاكم (قال الترمذي) واللفظ له (حديث حسن صحيح) وقال الحاكم صحيح الاسناد وأخرجه الطبراني في كتاب الدعاء. ٢٢٣١ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَله: الدعاء مخ العبادة) أي لبها والمقصود بالذات من وجودها قيل مخ الشيء خالصه وما يقوم به المخ الدماغ الذي هو نقيه، ومخ العين ومخ العظم شحمها والمعنى أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ. (رواه الترمذي). ٢٢٣٢ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: ليس شيء) أي من الاذكار والعبادات فلا ينافيه قوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات - ١٣]. حتى يتكلف للجواب عنه على ما ذهب إليه الطيبي وإن كان مآل جوابه إلى ما قلنا حيث قال: كل شيءٍ يتشرف في بابه وتعقبه ابن حجر بأن ما ذكره شارح هنا بعضه لا حاجة إليه وبعضه لا يطابق ما نحن فيه. اهـ. وهو مجهول وعلى عدم فهم كلامه محمول، (أكرم) خبر ليس. (على الله) أي أفضل عند الله (من الدعاء)، أي من حسن السؤال بلسان القال أو ببيان الحال لأن فيه اظهار العجز والافتقار والتذلل والانكسار والاعتراف بقوّة الله وقدرته وغناه واغنائه وكبريائه وجبر كسر خواطر أعدائه فضلاً عن فضلاء أحبابه وأوليائه. (رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي هذا حديث غريب) ورواه ابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد ٢٢٣٣ - (وعن سلمان الفارسي) بكسر الراء وتسكن (قال: قال رسول الله وَ له: لا يرد القضاء إلا الدعاء) القضاء هو الأمر المقدر وتأويل الحديث أنه إن أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به، ويتوقاه فإذا وفق للدعاء دفعه الله عنه فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقي عنه يوضحه قوله ول# في الرقي (هو من قدر الله وقد أمر بالتداوي والدعاء) مع أن المقدور كائن لخفائه على الناس وجوداً وعدماً ولما بلغ عمر الشام وقيل له إن بها طاعوناً -- رقم ٢٢٣١: أخرجه الترمذي في السنن ١٢٥/٥ حديث رقم ٣٤٣١. الحدیث رقم ٢٢٣٢: أخرجه الترمذي في السنن ٣٤٢٩/١٢٥/٥. وابن ماجه ١٢٥٨/٢ حديث رقم الحدیث ٣٨٢٩. وأحمد في المسند ٣٦٢/٢. الحديث رقم ٢٢٣٣: أخرجه الترمذي في السنن ٣٠٣/٣ حديث رقم ٢٢٢٥. وابن ماجه ٣٥/١ حديث رقم ٩٠.