النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
كتاب فضائل القرآن
للحصر مای ام
وعليَّ عيال، لا أعودُ، فرحِمتَهُ فخليْتُ سبيلَهُ. فأصبحتُ فقال لي رسولُ اللَّهِ وَلّى: ((يا أبا
هريرةً! ما فعَلَ أسيرُكَ؟)) قلتُ: يا رسول الله! شكا حاجةً شديدةً، وعِيالاً فرحِمتهُ، فخَلَّيتُ
سبيلَه. فقال: ((أما إِنَّه قدْ كذَبَكَ، وسَيَعُودُ)) فرَصدْتَهُ، فجاءَ يحثُو من الطّعام، فأخَذْتَهُ،
فقلتُ: لَأَزْفَعَنَّكَ إِلى رسول الله ◌ِِّ؛ وهذا آخرُ ثلاث مراتٍ إِنَّك تَزْعُمْ لا تَعُودُ ثمَّ تَعودُ.
قال: دَعني أعلمُكَ كلماتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بها: إِذا أويتَ إِلى فراشِكَ فاقرَأْ آيَةَ الكرسي: ﴿الله لا
إِله إلا هو الحيُّ القيُّومُ﴾؛ حتى تختم الآيةَ، فإِنكَ لن يزالَ عليكَ من اللَّهِ حافظٌ، ولا يقرَبُكَ
شيطانٌ حتى تصبحَ، فخلَّْتُ سَبِيلَهُ، فأصبحتُ، فقال لي رسولُ اللهِ وَلَّ: ((ما فعلَ أسيرُك؟))
وعلي عيال لا أعود فرحمته) لعله لقوله لا أعود وإلا فقد تحقق كذبه في اظهار الحاجة على
لسان الصادق المصدوق وقيل ظن أنه تاب من كذبه (وخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول
الله ◌َل* يا أبا هريرة ما فعل أسيرك قلت يا رسول الله شكا حاجة) أي شديدة كما في نسخة
صحيحة (وعيالاً فرحمته فخليت سبيله) أي لعهده بعدم العود ولعله تركه الراوي اختصاراً (فقال
أما إنه قد كذبك) أي في عدم العود (وسيعود فرصدته فجاء بحثو من الطعام فأخذته فقلت
لأرفعنك إلى رسول الله (858*) وذكر له ما يقطع طمعه في أنه يطلقه فقال (وهذا آخر ثلاث مرات
إنك) قال ابن حجر هذا المجيء الذي جئته آخر ثلاث مرات أنك تعليل لما تضمنه كلامه أنه لا
يطلقه. اهـ. والظاهر أن هذا مبتدأ أو آخر بدل منه والخير أنك (تزعم) أي تظن أو تقول (لا
تعود ثم تعود) وفي نسخة تزعم أن لا تعود أي تظن أن لا تعود ثم تعود وقال الطيبي قوله إنك
تزعم صفة ثلاث مرات على أن كل مرة موصوفة بهذا القول الباطل والضمير مقدر أي فيها.
اهـ. فقوله هذا آخر ثلاث مرات يدل على أنه في المرة الأولى أيضاً وعد بعدم العود وهو ساقط
اختصاراً وقال ابن حجر كلام الشارح بعيد لأنه لم يقل له ولا أعود إلا مرة واحدة وهي الثانية.
أهـ. ويمكن دفعه بأن التزام عدم العود محقق إما صريحاً أو ضمناً فإن من المعلوم أن المستغيث
يزعم أنه لا يعود (قال دعني) أي خلني (أعلمك) بالرفع وفي نسخة بالجزم (كلمات ينفعك الله
لها إذا أويت) بالقصر ويمد أي إذا قصدت (إلى فراشك) لأجل النوم ونزلت فيه (فاقرأ آية
الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾(١) حتى تختم الآية) أي إلى وهو العلي العظيم
وظاهره يدل على مذهب الكوفي أن القيوم ليس رأس الآية خلافاً للبصري (فإنك) أي إذا فعلت
ذلك (لن يزال عليك من الله) [أي من عنده أو أمره] (حافظ) أي من القدرة أو من الملائكة
(ولا يقربك) بفتح الراء (شيطان) لا ذي ديني ودنيوي وهو مؤكد لما قبله (حتى تصبح) أي
تدخل في الصباح غاية لما بعد لن قيل ترك الاسناد لوضوحه ويحتمل أن يقال قد كوشف له
ذلك ذكره الطيبي قلت لكن صح بتقريره عليه الصلاة والسلام كما سيأتي ولقوله عليه الصلاة
والسلام رواه البيهقي من قرأها يعني آية الكرسي حين يأخذ مضجعه أمنه الله تعالى على داره
ودار جاره وأهل دويرات حوله (فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله ويلي ما فعل أسيرك)
(١) سورة البقرة - آية رقم ٢٥٥.
دياب ح

٠٢٠/٠.
٢٢
179 :
كتاب فضائل القرآن
قلت: زعمَ أنَّهُ يُعَلِّمني كلماتٍ ينفعُني اللَّهُ بها. قال: ((أما إِنه صدَقَكَ، وهو كذُوبٌ. وتعلمُ
.* /
من تخاطبُ منذ ثلاثٍ ليالٍ؟)) قلتُ: لا. قال: ((ذاكَ شيطانٌ)). رواه البخاري.
٢١٢٤ - (١٦) وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بينما جبريلُ عليهِ السَّلامُ قاعدٌ
عندَ النبيِّ نَّهِ سمعَ نقيضاً من فوقِهِ، فرفعَ رأسَهُ، فقال:
لم يقل البارحة هنا أيضاً لما سبق (قلت زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها قال أما إنه
صدقك) أي في التعليم (وهو كذوب) أي في سائر أقواله أو في أغلب أحواله وفي الأمثال
الكذوب قد يصدق (تعلم) أي أتعلم (من تخاطب) أي بالتعيين الشخصي (منذ ثلاث) أي ليال
(قلت لا قال ذاك شيطان) بالتنوين مرفوعاً وإن كان مقتضى الظاهر أن يكون بالنصب لأن
السؤال في قوله من تخاطب عن المفعول فالعدول إلى جملة الاسمية وتشخيصه باسم الاشارة
لمزيد التعيين ودوام الاحتراز عن كيده ومكره كما ذكره الطيبي والمراد واحد من الشياطين أو
إبليس ووجه صرفه أنه مأخوذ من شطن أي بعد قال في القاموس في هذه المادة والشيطان
معروف وتشيطن فعل فعله وقال الطيبي نكر الشيطان في الموضعين ايذاناً بتغايرهما على ما هو
المشهور أن النكرة إذا أعيدت بلفظها كانت غير الأولى ووجه تغايرهما أن الأول للجنس لأن
القصد منه نفي قربان تلك الماهية له والثاني لفرد من أفراد ذلك [الجنس] أي شيطان من
الشياطين فلو عرف لا وهم خلاف المقصود لأنه إمّا أن يشار إلى السابق أو إلى المعروف
المشهور بين الناس وكلاهما غير مراد قال ابن الملك الحديث دال على أن تعلم العلم جائز
ممن لم يعمل بما يقول بشرط أن يعلم المتعلم كون ما يتعلمه حسناً وأما إذا لم يعلم حسنه
وقبحه لا يجوز أن يتعلم إلا ممن عرف ديانته وصلاحه. اهـ. وفيه أن الأحاديث الموضوعة
كثيرة في معان حسنة الظاهر كفضيلة السور والعبادات والدعوات ولا يجوز التعلم في أمثالها إلا
من التقات (رواه البخاري).
٢١٢٤ - (وعن ابن عباس قال: بينما جبريل عليه الصلاة والسلام قاعداً) وفي نسخة
بالرفع وهو الظاهر وهو كذلك في أصل الحصن ولعل نصبه على تقدير كان (عند النبي وَليّ)
قال ابن الملك: تبعاً للطيبي أي بين أوقات وحالات هو عنده وَ ل# وقال ميرك بينا وبينما وبين
معناها الوسط وبين ظرف إما للمكان كقولك جلست بين القوم وبين الدار أو للزمان كما هنا أي
الزمان الذي كان جبريل قاعداً عند النبي وَلّر (سمع) وفي نسخة إذ سمع أي جبريل (نقيضاً) أي
صوتاً شديداً كصوت نقض خشب البناء عند كسره وقيل صوتاً مثل صوت الباب (من فوقه) أي
من جهة السماء أو من قبل رأسه (فرفع) أي جبريل (رأسه فقال) أي جبريل قال [الطيبي]:
الضمائر الثلاثة في سمع ورفع وقال راجعة إلى جبريل لأنه أكثر اطلاعاً على أحوال السماء
وقيل للنبي وَّه وقيل الأوّلان راجعان للنبي وَّر والضمير في قال لجبريل عليه الصلاة والسلام
الحديث رقم ٢١٢٤: أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥٥٤ حديث رقم (٢٥٤ - ٨٠٦). والنسائي ١٣٨/٢
حديث رقم ٩١٢.

كتاب فضائل القرآن
٢٣
((هذا بابٌ من السَّماءِ فُتِحَ اليومَ، لمْ يُفتَحْ قطُ إِلاَّ اليومَ، فنزلَ منه ملَكٌ، فقالَ: هذا ملَكٌ نزلَ
إِلى الأرضِ لم ينزِلْ قطُ إِلاَّ اليومَ، فسلَّمَ، فقال: أبشِرْ بِنُورَيْنِ أوتِيتَهما لمْ يُؤْتَهما نبيٍّ قبلَكَ:
فاتحةُ الكتابِ، وخواتيمُ سورة البقرةِ، لن تقرأ بحرفٍ منهُما إِلاَّ أعطِيتَه)). رواه مسلم.
لأنه حضر عنده للاخبار عن أمر غريب ووقف عليه النبي ◌ّلو قال ابن حجر هو المختار
واختاره غير واحد (هذا) أي هذا الصوت (باب) أي صوت باب (من السماء) أي من سماء
الدنيا (فتح اليوم) أي الآن (لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك) هذا من قول الراوي في
حكايته لحال سمعه عن رسول الله وَلير أو بلغه منه (فقال) أي جبريل أو النبي وَيرِ (هذا) أي
النازل (ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم) أي الملك (على النبي ◌َّ فقال) وفي
نسخة صحيحة وقال أي الملك (أبشر) بفتح الهمزة وكسر الشين أي افرح (بنورين) سماهما(١)
نورين لأن كل واحدة منهما نور يسعى بين يدي صاحبهما(٢) أو لأنهما يرشدان إلى الصراط
المستقيم بالتأمل فيه والتفكر في معانيه أي بما في آيتين منورتين (أوتيتهما لم يؤتهما) بصيغة
المجهول أي لم يعطهما (نبي قبلك فاتحة الكتاب) بالجر وجوّز الوجهان الآخران (وخواتيم.
سورة البقرة) قال ميرك: كذا وقع في جميع النسخ الحاضرة المقروءة عند الشيخ وكذا في أصل
مسلم والنسائي والحاكم (٣) وفي نسخة وآخر سورة البقرة. اهـ. والمراد ﴿آمن الرسول﴾
[البقرة - ٢٨٥]. كذا قيل وتبعه ابن حجر والأظهر بصيغة الجمع أن يكون من قوله: ﴿لله ما
في السموات وما في الأرض ﴾ [البقرة - ٢٨٤]. ثم رأيت ابن حجر قال: فما لم تنزل على
أحد من الأنبياء آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة وأوّل تلك الخواتيم ﴿آمن الرسول ﴾ وروي
عن كعب أوّلها لله ما في السموات (لن تقرأ) الخطاب له عليه الصلاة والسلام والمراد هو
وأمته إذ الأصل مشاركتهم له في كل ما أنزل عليه إلا ما اختص به (بحرف منهما) أي بكل
حرف من الفاتحة والخواتيم قال التوريشتي: الباء زائدة يقال أخذت بزمام الناقة وأخذت زمامها
ويجوز أن يكون لإلصاق القراءة به وأراد بالحرف الطرف منها فإن حرف الشيء طرفه وكني به
عن جملة مستقلة وقوله (إلا أعطيته) حال والمستثنى منه مقدر أي مستعيناً بهما على قضاء ما
يسنح من الحوائج إلا أعطيته أي أعطيت ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة كقوله اهدنا
الصراط المستقيم وكقوله غفرانك ربنا ونظائر ذلك وفي غير المسألة فيما هو حمد وثناء أعطيت
ثوابه قال ميرك ويمكن أن يراد بالحرف حرف التهجي ومعنى قوله أعطيته حينئذ أعطيت ما
تسأل من حوائجك الدنيوية والأخروية (رواه مسلم) ورواه النسائي والحاكم وقال صحيح قال
ابن حجر والظاهر أن مستند ابن عباس في حكاية ذلك التوقيف منه عليه الصلاة والسلام
وحذفه الاسناد لوضوحه ويحتمل أن الله كشف الحال وتمثل له جبريل حتى رآه ورفع الرأس.
فرأى الملك النازل من السماء كما تمثل لرسول الله وَّلهم وسمع ذلك [النقيض] والقول. اهـ.
ولا يخفى بعد الثاني.
٠٥٨٠
(١) في المخطوطة ((سماها)).
(٣) الحاكم في المستدرك ٥٥٨/١.
(٢) في المخطوطة ((صاحبها)).
خو٠٠/

٠٠٫٠٠
كتاب فضائل القرآن
٢١٢٥ - (١٧) وعن أبي مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((الآيتانِ
منْ آخر سورة البقرةِ، مَنْ قرأَ بهِما في ليلةٍ كَفَتَاهُ)). متفق عليه.
١٠٣٠ .
٢١٢٦ - (١٨) وعن أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَنْ
حفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ منْ أوَّلِ سورةَ الكهفِ عُصِمَ منْ فتْنَةِ الدَّجَّالِ».
/١٠٠
٢١٢٥ - (وعن أبي مسعود) أي الأنصاري (قال: قال رسول الله وَل# الآيتان) أي الكائنتان
(من آخر سورة البقرة) أي آمن الرسول إلى آخره (من قرأ بهما في ليلة كفتاه) أي دفعتا عنه الشر
والمكروه وهو من كفى يكفي إذا دفع عن أحد شيئاً وأغناه وقيل كفتاه عن قيام الليل أو كفتاه
عن سائر الأوراد أو أراد أنهما أقل ما يجزىء من القراءة في قيام الليل قال ابن حجر ويحتمل
وهو الظاهر المناسب لنظمهما أنهما كفتاه عن تجديد الإيمان وبسط في توجيهه لأنه مع خفاء
ظهوره غير مناسب قطعاً فإن بهما يحصل تجديد الإيمان لا أنهما تكفيان عنه فتأمل فإنه موضع
زلل إذ التحقيق أنه أراد التجديد على اصطلاح الفقهاء فهو محمول على حالة الارتداد وإن أراد
به اصطلاح الصوفية فمرادهم بالتجديد جعله مجدداً مؤكداً ومؤيداً باستحضار معنى التوحيد في
كل لحظة ولمحة ورفع الغفلة في كل طرفة ولذا قال ابن الفارض:
ولو خطرت لي في سواك ارادة * على خاطري سهواً حكمت بردتي
وأخذ السادة هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا﴾ [النساء - ١٣٦].
أي داوموا على الإيمان ومن قوله عليه الصلاة والسلام جددوا ايمانكم قالوا يا رسول الله كيف
نجدد إيماننا قال أكثروا من قول لا إله إلا الله(١) (متفق عليه) ورواه الأربعة.
٢١٢٦ - (وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَلجر: من حفظ عشر آيات من أوّل سورة
الكهف عصم) أي حفظ (من الدجال) أي من شره وفي رواية من فتنة الدجال قال الطيبي كما
أن أولئك الفتية عصموا من ذلك الجبار كذلك يعصم الله القارىء من الجبارين وقيل سبب ذلك
ما فيها من العجائب والآيات فمن تدبرها لا يفتتن بالدجال ولا منع من الجمع وهو الأظهر
بالخصوص واللام للعهد وهو [الذي] يخرج في آخر الزمان ويدعي الألوهية لخوارق تظهر على
يديه كقوله للسماء أمطري فتمطر لوقتها وللأرض أنبتي فتنبت لوقتها زيادة في الفتنة ولذلك لم
توجد فتنة على وجه الأرض أعظم من فتنته وما أرسل الله من نبي إلا حذره قومه وكان السلف
يعلمون حديثه الأولاد في المكاتب أو للجنس فإن الدجال من يكثر منه الكذب والتلبيس ومنه
الحديث رقم ٢١٢٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٣١٧/٧. حديث رقم ٤٠٠٨. ومسلم في صحيحه ١/
٥۵۵ حدیث رقم (٢٥٥ - ٨٠٧). والترمذي في السنن ١٤٧/٥ حديث رقم ٢٨٨١. وابن ماجه ١/
٤٣٥ حديث رقم ١٣٦٨. والدارمي ٥٤٢/٢ حديث رقم ٣٣٨٨. وأحمد في المسند ١١٨/٤.
(١) الحاكم في المستدرك ٢٥٦/٤. وأحمد في المسند ٣٥٩/٢.
الحديث رقم ٢١٢٦: أخرجه مسلم في صحيحه ٥٥٥/١ حديث رقم (٢٥٧ - ٨٠٩). وأبو داود في السنن
٤٩٧/٣ حديث رقم ٤٣٢٣. والترمذي ١٤٩/٥ حديث رقم ٢٨٨٦. وأحمد في المسند ١٩٦/٥.
٠٣٠ ٩٥:٥٥٫
. ....
٢٤
:*-
٠ ٠٠٠٫٠

٢٥
كتاب فضائل القرآن
رواه مسلم.
٢١٢٧ - (١٩) وعنه، قال: قال رسولُ الله وَليهِ: «أَيَعجِزُ أحدُكم أن يقرأ في ليلةٍ ثُلُثَ
القرآنِ؟» قالوا: وكيفَ يقرأ ثُلُثَ القرآنِ؟ قال: ((﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ ﴾ يَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ)».
الحديث يكون في آخر الزمان دجالون(١) أي كذابون أي مموّهون وفي حديث لا تقوم الساعة
حتى يخرج ثلاثون دجالاً(٢) (رواه مسلم) وكذا أبو داود والنسائي والترمذي وفي رواية للترمذي
كما سيأتي من قرأ ثلاث آيات من أوّل الكهف عصم من فتنة الدجال قيل وجه الجمع بين
الثلاث وبين العشرات حديث العشر متأخر ومن عمل بالعشر فقد عمل بالثلاث وقيل حديث
الثلاث متأخر ومن عصم بثلاث فلا حاجة إلى العشر وهذا أقرب إلى أحكام النسخ قال ميرك
بمجرد الاحتمال لا يحكم بالنسخ وأنا أقول النسخ لا يدخل في الأخبار وقيل حديث العشر في
الحفظ وحديث الثلاث في القراءة فمن حفظ العشر وقرأ الثلاث كفى وعصم من فتنة الدجال
وقيل من حفظ العشر عصم أن من لقيه ومن قرأ الثلاث عصم من فتنته إن لم يلقه وقيل المراد
من الحفظ القراءة عن ظهر القلب والمراد من العصمة الحفظ من آفات الدجال.
٢١٢٧ - (وعنه) أي عن أبي الدرداء (قال: قال رسول الله وَلافيه: أيعجز أحدكم أن يقرأ في
ليلة ثلث القرآن) بضم اللام وسكونه (قالوا وكيف يقرأ) أي أحد (ثلث القرآن) لأنه يصعب على
الدوام عادة (قال ﴿قل هو الله أحد﴾) أي إلى آخره أو سورته (يعدل) بالتذكير والتأنيث أي
يساوي (ثلث القرآن) لأن معاني القرآن آيلة إلى تعليم ثلاثة علوم علم التوحيد وعلم الشرائع
وعلم تهذيب الأخلاق وتزكية النفس وسورة الأخلاص تشتمل على القسم الأشرف منها الذي
هو كالأصل للقسمين الأخيرين وهو علم التوحيد على أبين وجه وآكده وتقديسه عن مشارك في
الجنس والنوع وقال الطيبي وذلك لأن القرآن على ثلاثة أنحاء قصص وأحكام وصفات الله
و﴿قل هو الله أحد﴾ متمحضة للصفات فهي ثلث القرآن (وقيل ثوابها يضاعف] بقدر ثواب ثلث
القرآن بلا تضعيف فعلى الأوّل لا يلزم من تكررها استيعاب القرآن وختمه وعلى الثاني يلزم قال
ميرك: أخرج أبو عبيد من حديث أبي الدرداء قال جزأ [النبي وَلقر القرآن ثلاثة أجزاء فجعل
﴿قل هو الله أحد﴾ جزءاً من أجزاء القرآن قال القرطبي منهم من حمل الثلاثية على تحصيل
الثواب فقال معنى كونها ثلث القرآن ثواب قراءتها يحصل للقارىء مثل ثواب من قرأ ثلث
القرآن وقيل مثله بغير تضعيف وهي دعوى بغير دليل وإذا حمل على ظاهره فهل ذلك الثلث من
القرآن معين أي ثلث فرض منه فيه نظر يلزم من الثاني أن من قرأها ثلاثاً كان كمن قرأ ختمة
(١) مسلم في مقدمته الحديث رقم ٧.
(٢) ابن عساكر ذكره في كنز العمال ١٩٩/١٤ حديث رقم ٣٨٣٧٦.
الحديث رقم ٢١٢٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٥٥٦/١ حديث رقم (٢٥٩ - ٨١١). وأبو داود في السنن
١٥٢/٢. حديث رقم ١٤٦١. والترمذي ١٥٣/٥ حديث رقم ٢٨٩٦. والنسائي ١٧١/٢ حديث
رقم ٩٩٦. وأخرجه مالك في الموطأ.
١٣٤٤١

٢٦
كتاب فضائل القرآن
رواه مسلم.
٢١٢٨ - (٢٠) ورواه البخاريُّ عن أبي سعيدٍ.
٢١٢٩ - (٢١) وعن عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ النبيَّ وَلَّ بعثَ رجلاً على سرِيَّةٍ،
وكانَ يقرأُ لأصحابِه في صلاتِهِمْ فيختِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ ﴾ فلمَّا رِجَعُوا ذكَرُوا ذلكَ النَّبِيِّ
وَلَه، فقال: ((سَلُوهُ لأَيِّ شيءٍ يصنَعُ ذلكَ)) فسألوهُ، فقال: لأنَّها صفةُ الرَّحمنِ، وأنا أحبُّ
أنْ أقرأها،
كاملة وقيل المراد من عمل بما تضمنه من الاخلاص والتوحيد كان كمن قرأ ثلث القرآن وقال
ابن عبد البر من لم يتأول هذا الحديث أخلص ممن أجاب بالرأي وإليه ذهب أحمد وإسحاق
بن راهويه فإنهما حملا الحديث على أن معناه أن لها فضلاً في الثواب تحريضاً على تعلمها لا
أن قراءتها ثلاث مرات كقراءة القرآن فإن هذا لا يستقيم ولو قرأها مائتي مرة (رواه مسلم) أي
عن أبي الدرداء.
٢١٢٨ - (ورواه البخاري عن أبي سعيد) وكذا أبو داود والترمذي والحاكم وروى ابن
ماجه عن أبي هريرة.
٢١٢٩ - (وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ◌ّ و بعث رجلاً) أي أرسله أميراً (على
سرية) أي جيش (وكان يقرأ لأصحابه) لأنه كان إمامهم (في صلاتهم) ب﴿قل هو الله أحد﴾ كما
في المصابيح (فيختم) لهم أي قراءته (بـ﴿قل هو الله أحد﴾) تبركاً بقراءته ومحبة لتلاوته أي يقرأ
في الركعة الأخيرة بعد الفاتحة من كل صلاة هذه السورة قال ابن حجر أي يختم قراءته للفاتحة
أو لما يقرؤه بعدها من القرآن ب﴿قل هو الله أحد﴾. اهـ. ولا شك إن حملنا أولى فإنه لا يكره
بلا خلاف وعبارة الطيبي يعني كان من عادته أن يقرأها بعد الفاتحة محتملة للصور كلها وسيأتي
في صورة أخرى في الحديث الذي يليه وهو الأولى بالاعتماد لصحة الإسناد (فلما رجعوا ذكروا
ذلك) أي فعله (للنبي والخر فقال سلوه لأي شيء يصنع ذلك) أهو للاختصار أو لعدم حفظ غيرها
أو لغير ذلك (فسألوه فقال لأنها) أي إنما فعلت ذلك لأنها (صفة الرحمن) ولعله آثر ذكر
الرحمن استشعاراً بأن شهوده لذلك سبب لسعة رجائه بترادف مظاهر رحمته وآلائه (وأنا أحب
أن أقرأها) أي لذلك دائماً فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره قال ابن حجر ﴿وقل هو الله أحد ﴾
في معنى لا إله إلا الله مع أنه منزه على وجهين أحدهما أنه وحده وهو الصمد المرجوع إليه
حوائج المخلوقات ولو تصور صمد سواه لفسد نظام العالم ومن ثم كرر لفظ الله وأوقع الصمد
المعرف خبراً له وقطعه مستأنفاً على بيان الموجب وثانيهما أن هنا (١) الله هو الأحد في الألوهية
الحديث رقم ٢١٢٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٤٧/١٣. حديث رقم ٧٣٧٤.
الحديث رقم ٢١٢٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٤٧/١٣. حديث رقم ٧٣٧٥. ومسلم في صحيحه
٥٥٧/١ حديث رقم (٢٦٣ - ٨١٣). والنسائي في السنن ٢/ ١٧٠ حديث رقم ٩٩٣.
(١) في المخطوطة ((شاء)).
١٠٠/١

٢٧
كتاب فضائل القرآن
فقال النبيُّ وَّهِ: ((أخبروهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّه)). متفق عليه.
٢١٣٠ - (٢٢) وعن أنس رضي الله عنه، قال: إِنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله! إني
أحبُّ هذهِ السورةَ: ﴿قُلْ هُوَ الله أحَدٌ﴾، قال: ((إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاها أدْخَلكَ الجنَّةَ)). رواه
الترمذيُّ، وروى البخاريُّ معناه.
إذ لو تصور غيره لكان إما أن يكون فوقه فيها وهو محال وإليه الإشارة بقوله: ﴿لم يولد ﴾ أو
دونه فيها فلا يستقيم أيضاً وإليه لمح بقوله: ﴿لم يلد ﴾ أو مساوياً له وهو محال أيضاً وإليه رمز
بقوله: ﴿ولم يكن له كفواً أحد﴾ [الصمد - ٣]. (فقال النبي ◌َّ أخبروه أن الله يحبه) أي
لمحبته إياها أو لهذا يحبها قال المازري محبة الله لعباده ارادة ثوابهم وتنعيمهم وقيل نفس الإثابة
والتنعيم فعلى الأول هي من صفات الذات وعلى الثاني من صفات الفعل وأما محبة العباد له
تعالى فلا يبعد فيها الميل إليه تعالى فهو مقدس عن الميل وميل محبيهم له تعالى (١) باستقامتهم
على طاعته فإن الاستقامة ثمرة المحبة وحقيقة المحبة ميلهم إليه تعالى لاستحقاقه تعالى محبته
من جميع وجوهها قال الطيبي: وتحريره أن حقيقة المحبة ميل النفس إلى ما يلائمها من اللذات
وهي في حقه تعالى محال فيحمل محبته لهم إما على ارادة الاثابة أو على الاثابة نفسها وأما
محبة العباد له تعالى فيحتمل أن يراد بها الميل إليه تعالى وصفاته لاستحقاقه تعالى إياها من
جميع وجوهها وأن يراد بها نفس الاستقامة على طاعته تعالى فيرجع حاصل هذا الوجه إلى
الأول لأن الاستقامة ثمرة المحبة (متفق عليه) ورواه النسائي.
٢١٣٠ - (وعن أنس قال إن رجلاً) قال ميرك: اسمه كلثوم وقيل كرزم والأول أصح (قال
يا رسول الله إني أحب هذه السورة) أي قراءتها وسماعها (﴿قل هو الله أحد﴾) تفسير لها أو بدل
(قال إن حبك إياها أدخلك الجنة) أي أنالك أفاضل درجاتها قال الطيبي فإن قلت ما التوفيق بين
هذا الجواب وبين الجواب في الحديث السابق أخبروه أن الله يحبه قلت [هذا الجواب ثمرة]
ذلك الجواب لأن الله تعالى إذا أحبه أدخله الجنة وهذا من وجيز الكلام وبليغه فإنه اقتصر في
الأول على السبب عن المسبب وفي الثاني عكسه. اهـ. وهو في غاية من الحسن والبهاء
وأغرب ابن حجر حيث قال وظن شارح أن الدخول هنا على حقيقته فأجاب بأن هذا فيه ثمرة
ذاك إذ ادخال الجنة ثمرة محبة الله لعبده (رواه الترمذي وروى البخاري معناه) فيه اعتراض على
المصنف ودفع عنه وفي الحصن رمز بالخاء والتاء قال ميرك كلاهما من حديث أنس قال كان
رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء وكان كلما افتتح بسورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما
يقرأ به افتتح ب﴿قل هو الله أحد﴾ حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك
في كل ركعة فكلمه أصحابه فقالوا إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا تر أنها تجزئك حتى تقرأ أخرى
(١) في المخطوطة ((يقال)).
الحديث رقم ٢١٣٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ٢٥٣. حديث رقم ٧٧٤. والترمذي في السنن ٥٪
١٥٦ حديث رقم ٢٩٠١.
٢٩٧٢
7867

٢٨
كتاب فضائل القرآن
٢١٣١ - (٢٣) وعن عُقبةَ بنِ عامرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أنزِلتْ
الليلةَ لمْ يُرَ مثلُهُنَّ قطُ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾)».
فأما أن تقرأ بها وأما أن تدعها وتقرأ بأخرى فقال ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت
وإن كرهتم تركت وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم النبي ◌َّ
أخبروه الخبر فقال يا فلان ما منعك أن تفعل ما يأمرك أصحابك وما يحملك على لزوم هذه
السورة، في كل ركعة فقال إني أحبها فقال حبك إياها أدخلك الجنة، ثم قال: واعلم أن
البخاري رواه. معلقاً وقد وصله الترمذي، ورواه البزار والبيهقي، وقال الترمذي: صحيح
حسن .
٢١٣١ - (وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ويميته: ألم تر)، بصيغة المعلوم في أكثر
النسخ، وقال ابن الملك: على بناء المجهول من الإراءة، أي ألم تعلم، قال ابن حجر: أي
أيها الإنسان الصالح لأن يخاطب. اهـ. وظاهره أن الخطاب عام والصواب أن الخطاب خاص
للراوي والمراد عام (آيات أنزلت) صفة الآيات (الليلة) نصب على الظرفية. قال الطيبي: كلمة
تعجب وتعجيب وأشار إلى سبب التعجب بقوله، (لم ير مثلهن) أي في بابها وهو التعوذ وهو
بصيغة المفعول ورفع مثلهن، وفي نسخة بالخطاب على صيغة الفاعل ونصب مثلهن وقوله،
(قط) لتأكيد النفي في الماضي، ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾(١) و﴿قل أعوذ برب الناس﴾(٢) أي
لم توجد آيات سورة كلهن تعويذ (٣) للقارىء من شر الأشرار مثل هاتين السورتين والظاهر أن
البسملة [فيهما] ليست من آياتهما ويوافق ما عليه المحققون من أصحابنا، أنها نزلت للفصل بين
السور وورد أنه عليه الصلاة والسلام كان يتعوذ من عين الجان وعين الإنسان، فلما نزلتا أخذ
بهما وترك ما سواهما، ولما سحر عليه الصلاة والسلام استشفى بها. قال ابن الملك: وهذا
يدل على أن المعوذتين من القرآن خلافاً للبعض، أي لبعض ممن لا يعتد به ففي جواهر الفقه
يكفر من أنكر كون المعوذتين من القرآن غير مؤول. وقال بعض المتأخرين: كفر مطلقاً أول أو
لم يؤوّل وفي بعض الفتاوى في انكار المعوذتين من القرآن اختلاف المشايخ والصحيح أنه كفر
كذا في مفتاح السعادة والصحيح ما قال في الخلاصة رجل قال المعوذتان ليستا من القرآن لا
يكفر هكذا روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب أنهما قالا: ليستا من القرآن وقال بعض
المتأخرين: يكفر لانعقاد الإجماع بعد الصدر الأول على أنهما من القرآن، والصحيح القول
الأول أنه لا يكفر لأن الإجماع المتأخر لا يرفع الاختلاف في الصدر الأول. وقال ابن حجر:
وما أفاده الحديث أن المعوذتين من القرآن أجمع عليه الأمة وما نقل عن ابن مسعود مما يخالف
ذلك إما مكذوب عليه على رأي، وإما صحيح عنه كما قاله بعض الحفاظ، لكنه نفى عنه
الحديث رقم ٢١٣١: أخرجه مسلم في صحيحه ٥٥٨/١ حديث رقم (٢٦٤ - ٨١٤). والترمذي في السنن
١٥٧/٥ حديث رقم ٢٩٠٢. والنسائي ١٥٨/٢ حديث رقم ٩٥٤.
(١) سورة الفلق - آية رقم ١.
(٣) في المخطوطة ((تفديه)).
(٢) سورة الناس - آية رقم ٢.
د جنة

٧٠٠٠
.م .٦٠٦٢٦٨ ***** *** **
٢٩
كتاب فضائل القرآن
رواه مسلم.
٢١٣٢ - (٢٤) وعن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ النبيَّ وَِّ كانَ إِذا أوَى إِلى فراشِه كلَّ
ليلةٍ، جمع كفّيهِ ثمَّ نفَثَ فيهِما، فقرأ فيهِما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أعُوذُ بَرِبٌ
الفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثمَّ يمسَحُ بهِما ما اسْتطاعَ منْ جسدِهِ يَبدَأُ بهِما على
رأسِه وَوَجهِه، وما أقبلَ منْ جسدِهِ، يفعلُ ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ. متفق عليه.
وسنذكرُ حديثَ ابنِ مسعودٍ: لمَّا أُسرِيَ برسولِ اللهِ ێ في
باعتبار علمه، ثم أجمعوا على خلاف نفيه وعلى أن لفظ قل بعد البسملة في أول السورتين من
القرآن وقد أجمعت الأمة على ذلك (رواه مسلم). وكذا الترمذي والنسائي.
٢١٣٢ - (وعن عائشة أن النبي ◌َّ﴿ كان إذا أوى) بالقصر ويمد (إلى فراشه) أي أتاه
واستقر فيه (كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما) قيل النفث اخراج ريح من الفم مع شيء من
الريق. وقال الجزري: في المفتاح النفث شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل لأن التفل لا يكون
إلا ومعه شيء من الريق. اهـ. ويوافقه ما في الهداية والقاموس، (فقرأ) أي بعد النفث وعقيبه،
(فيهما) أي في الكفين (﴿قل هو الله أحد ﴾ و ﴿قل أعوذ برب الفلق ﴾ و﴿قل أعوذ برب
الناس ﴾) . قال الطيبي: دل ظاهره على أن النفث مقدم على القراءة فقيل خالف السحرة أو
المعنى، ثم أراد النفث فقرأ فنفث. قال بعض شراح المصابيح: وفي صحيح البخاري وقرأ
بالواو وهو الوجه لأن تقديم النفث على القراءة مما لم يقل به أحد وذلك لا يلزم من الواو بل
من الفاء ولعل الفاء سهو من الكاتب أو الراوي. قال ابن الملك: تخطئة الرواة العدول بما
عرض له من الرأي خطأ هلا قاسوا هذه الفاء على ما في قوله: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ
بالله﴾ [النحل - ٩٨]. وقوله: ﴿فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة - ٥٤]. على أن
التوبة مؤخرة عن القتل، فالمعنى جمع كفيه ثم عزم على النفث فيهما فقرأ فيهما. اهـ. وهو
مآل تأويل الطيبي وقوله، التوبة مؤخرة عن القتل لا وجه له لأن القتل إنما هو علامة توبتهم أو
شرطها. قال ابن حجر: عطف بثم لترتب النفث فيهما على جمعهما ثم بالفاء ليبين، أن ذلك
النفث ليس المراد به مجرد نفخ مع ريق بل مع قراءته فهي مرتبة على ابتداء النفث مقارنة
لبقيته. وقال الطيبي: وزعم أن الحديث جاء في حديث البخاري بالواو مردود لأنه فيه بالفاء.
اهـ. ويحتمل أن يكون في نسخة صحيحة والمثبت مقدم على النافي، (ثم يمسح بهما ما
استطاع من جسده يبدأ)، بيان أو بدل ليمسح (بهما) أي بمسحهما (على رأسه ووجهه وما أقبل
من جسده) أي وما أدبر منه، (يفعل ذلك ثلاث مرات متفق عليه). قال الجزري: في الحصن،
رواه البخاري والأربعة والله أعلم، (وسنذكر حديث ابن مسعود، لما أسري برسول الله وفض له في
+ جانه
جياسيد EN
الحديث رقم ٢١٣٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٩/ ٦٢. حديث رقم ٥٠١٧. والترمذي في السنن ٥٪
٤٤١ حديث ٣٤٠٢ وابن ماجه ١٢٧٥/٢ حديث رقم ٣٨٧٥. وأحمد في المسند ١١٦/٦.
٦

٣٠
كتاب فضائل القرآن
(باب المعراجِ)) إِنَّ شاءَ اللهُ تعالى.
الفصل الثاني
٢١٣٣ - (٢٥) عن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه، عن النبيِّ وَ لَّه قال: ((ثلاثةٌ
تحتَ العَرْشِ يومَ القيامةِ: القُرآنُ يُحاجُ العِبادَ، له ظَهْرٌ وبطنٌ، والأمانةُ،
باب المعراج إن شاء الله تعالى)، وهو إما لتكرره حوله إليه أو لكونه أنسب بذلك الباب والله
أعلم بالصواب، وها أنا ههنا أذكر الحديث على ما في المصابيح بشرحه لابن الملك تتميماً
الفائدة الكتاب لما أسري برسول الله وَ ل# مجهول أسري يسري، إذ أسرى ليلاً وإنما المراد هنا
ليلة المعراج انتهى به على صيغة المجهول إلى سدرة المنتهى وهي شجرة في أقصى الجنة
ينتهي إليها علم الأوّلين والآخرين. ولا يتعداها أو أعمال العباد أو نفوس السائحين في الملأ
الأعلى فيجتمعون فيه اجتماع الناس في أنديتهم، ولا يطلع على ما وراءها غير الله، فأعطي
ثلاثاً أعطي الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة وغفر بصيغة المجهول لمن لا يشرك بالله
شيئاً من أمته المقحمات بضم الميم والحاء المهملة الخفيفة المكسورة مرفوعة بغفر وهي
الذنوب التي تقحم أصحابها، أي تلقيهم في النار، ومنهم من يشددها من قحم في الأمر إذا
دخل فيه من غير روية، يعين أعطى وَلّر الشفاعة لأهل الكبائر من أمته.
(الفصل الثاني)
٢١٣٣ - (عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي وَّر قال: ثلاثة) أي أشياء أو أعمال (تحت
العرش يوم القيامة)، أي يوم يقوم الناس لرب العالمين. (القرآن) قدمه فإنه أجلها رتبة وأعظمها
حرمة، ولذا فصل بينه وبين المعطوف عليه بقوله، (يحاج العباد) أي يخاصمهم فيما ضيعوه
وأعرضوا عنه، من أحكامه وحدوده أو يحاج لهم ويخاصم عنهم بسبب محافظتهم حقوقه كما
تقدم يحاجان عن أصحابهما وكما ورد القرآن حجة لك أو عليك. فنصب العباد بنزع الخافض
(له). أي القرآن (ظهر) أي معنى ظاهر يستغني عن التأمل يفهمه أكثر الناس الذين عندهم
أدوات فهمه. (وبطن) أي معنى خفي يحتاج إلى التأويل من اشارات خفية لا يفهمها إلا
خواص المقربين من العلماء العاملين بحسب الاستعداد وحصول الأمداد وقيل ظهره تلاوته كما
أنزل وبطنه التدبر له، وقيل ظهره ما استوى فيه المكلفون من الإِيمان به والعمل بمقتضاه
وموجبه، وبطنه ما وقع فيه التفاوت في فهمه بين العباد، وإنما أردف قوله يحاج العباد بقوله:
له ظهر وبطن لينبه على أن كلاً منهم يطالب بقدر ما انتهى إليه من علم الكتاب وفهمه والجملة
حالية من الضمير في يحاج، أي فمن اتبع ظواهره وبواطنه فقد أدى بعض حقوق الربوبية وقام
بأفضل وظائف العبودية (والأمانة)، وهي كل حق لله أو الخلق لزم أداؤه وفسرت في قوله
تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات﴾ [الأحزاب - ٣٣]. بأنها الواجب من حقوق الله
الحديث رقم ٢١٣٣: أخرجه البغوي في شرح السنة ٢٢/١٣ حديث رقم ٣٤٣٣.

٣١
كتاب فضائل القرآن
والرَّحِمْ تُنادِي: أَلا مَنْ وصلَني وصلَه اللَّهُ، ومَنْ قطَعني قطعَه اللَّهُ)) رواه في ((شرحِ السُّنةِ)).
٢١٣٤ - (٢٦) وعن عبدِ الله بن عمروٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّل: ((يُقالُ لصاحبٍ
القرآنِ: اقرَأ وازْتَقٍ، ورَتِّلْ كما كنتَ ترتِّلُ في الدُّنيا، فإِنَّ منزِلَكَ عندَ آخِرِ آيةٍ تقرؤُها)».
لأنه الأعم (والرحم) استعيرت للقرابة بين الناس، (تنادي) بالتأنيث أي قرابة الرحم أو كل واحد
من الأمانة والرحم وقيل كل من الثلاثة، (ألا) حرف تنبيه، (من وصلني وصله الله)، أي
بالرحمة، (ومن قطعني قطعه الله) أي بالاعراض عنه وهو يحتمل اخباراً ودعاء. قال القاضي:
قوله ثلاثة تحت العرش أي هي بمنزلة عند الله لا يضيع أجر من حافظ عليها أو لا يهمل مجازاة
من ضيعها وأعرض عنها كما هو حال المقربين عند السلاطين الواقفين تحت عرشه، فإن
التوصل إليهم والاعراض عنهم وشكرهم وشكايتهم تكون مؤثرة تأثيراً عظيماً وإنما خص هذه
الثلاثة بالذكر لأن ما يحاوله الإنسان إما أن يكون دائراً بينه وبين الله تعالى لا يتعلق بغيره، وإما
أن يكون بينه وبين عامة الناس أو بينه وبين أقاربه وأهله. فالقرآن وصلة إلى أداء حق الربوبية
والأمانة تعم الناس فإن دماءهم وأموالهم وأعراضهم وسائر حقوقهم أمانات فيما بينهم فمن قام
بها فقد أقام العدل ومن واصل الرحم وراعى الأقارب بدفع المخاوف والإحسان إليهم إليهم في
أمور الدين والدنيا فقد أدى حقها وقدم القرآن لأن حقوق الله أعظم ولاشتماله على القيام
بالأخيرين وعقبه بالأمانة لأنها أعظم من الرحم ولاشتمالها على أداء حق الرحم وصرح بالرحم
مع اشتمال الأمرين الأوّلين على محافظتها تنبيهاً على أنها أحق حقوق العباد بالحفظ، (رواه في
شرح السنة). قال الجزري: وفي اسناده كثير بن عبد الله وهو رواه.
٢١٣٤ - (وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ◌َله: يقال:) أي عند دخول الجنة
وتوجه العاملين إلى مراتبهم على حسب مكاسبهم (لصاحب القرآن) أي من يلازمه بالتلاوة
والعمل لا من يقرؤه وهو يلعنه. (اقرأ وارتق) أي إلى درجات الجنة أو مراتب القرب.
(ورتل)، أي لا تستعجل في قراءتك في الجنة التي هي لمجرد التلذذ والشهود الأكبر كعبادة
الملائكة، (كما كنت ترتل)، أي قراءتك وفيه اشارة إلى أن الجزاء على وفق الأعمال كمية
وكيفية، (في الدنيا) من تجويد الحروف ومعرفة الوقوف الناشىء عن علوم القرآن(١) ومعارف
الفرقان، (فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها)، وقد ورد في الحديث أن درجات الجنة على عدد
آيات القرآن وجاء في حديث من أهل القرآن فليس فوقه درجة، فالقراء يتصاعدون بقدرها قال
الداني: وأجمعوا على أن عدد آي القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد فقيل ومائتا آية
وأربع آيات، وقيل وأربع عشرة، وقيل وتسع عشرة، وقيل وخمس وعشرون، وقيل وست
وثلاثون وفي حديث عند الديلمي في سنده كذاب درج الجنة على قدر آي القرآن بكل آية
الحديث رقم ٢١٣٤: أخرجه أبو داود في السنن ١٥٣/٢ حديث رقم ١٤٦٤. والترمذي ١٧٧/٥ حديث
رقم ٢٩١٤. وأحمد في المسند ٢/ ١٩٢.
(١) رواه الديلمي.
Go٨٢

٣٢
كتاب فضائل القرآن
درجة، فتلك سنة آلاف آية ومائتا آية وست عشرة آية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء
والأرض. قال الطيبي: وقيل المراد أن الترقي يكون دائماً فكما أن قراءته في حال الاختتام
استدعت الافتتاح الذي لا انقطاع له، كذلك هذه القراءة والترقي في المنازل التي لا تتناهى
وهذه القراءة لهم كالتسبيح للملائكة لا تشغلهم من مستلذلاتهم بل هي أعظم مستلذاتهم. وقال
ابن حجر: ويؤخذ من الحديث أنه لا ينال هذا الثواب الأعظم إلا من حفظ القرآن واتقن أداءه
وقراءته كما ينبغي له، فإن قلت ما الدليل على أن الصاحب هو الحافظ دون الملازم للقراءة في
المصحف قلت الأصل فيما في الجنة أنه يحكي ما في الدنيا [وقوله في الدنيا] صريح في ذلك
على أن الملازم له نظراً لا يقال له صاحب القرآن على الاطلاق، وإنما يقال ذلك لمن لا يفارق
القرآن في حالة من الحالات وأيضاً ففي رواية عند أحمد يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة
اقرأ واصعد (فيقرأ ويصعد) بكل آية درجة، حتى يقرأ شيئاً معه فقوله معه صريح في أنه حافظه،
وفي حديث عند الرامهرمزي فإذا قام صاحب القرآن بقراءته آناء الليل وآناء النهار ذكره، وإن لم
يقم به نسيه. وروى البخاري وغيره من قرأ القرآن، ثم مات قبل أن يستظهره أتاه ملك يعلمه
في قبره ويلقى الله وقد استظهره(١)، وفي حديث الطبراني والبيهقي، ومن قرأ القرآن وهو
يتفلت منه ولا يدعه فله أجره مرتين، ومن كان حريصاً عليه ولا يستطيعه ولا يدعه بعثه الله يوم
القيامة مع أشراف أهله، وأخرج الحاكم وغيره من قرأ القرآن فقد استدرج النبوّة بين جنبيه غير
أنه لا يوحي إليه لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجهل مع من يجهل، وفي جوفه كلام الله(٢)،
وقال الطيبي: والمنزلة التي في الحديث هي ما يناله العبد من الكرامة على حسب منزلته في
الحفظ والتلاوة لا غير. وذلك لما عرفنا من أصل الدين أن العامل بكتاب الله المتدبر له أفضل
من الحافظ والتالي [له] إذا لم ينل شأنه في العمل والتدبر وقد كان في الصحابة من هو أحفظ.
من الصديق وأكثر تلاوة منه، وكان هو أفضلهم على الاطلاق لسبقه عليهم في العلم بالله
وبكتابه وتدبره له، وعمله به وإن ذهبنا إلى الثاني وهو أحق الوجهين وأتمها فالمراد من
الدرجات التي يستحقها بالآيات سائرها وحينئذ تقدر التلاوة في القيامة على قدر العمل فلا
يستطيع أحد أن يتلو آية إلا وقد أقام ما يجب عليه فيها، واستكمال ذلك إنما يكون للنبي مَلآ،
ثم للأمة بعده على مراتبهم ومنازلهم في الدين ومعرفة اليقين فكل منهم يقرأ على مقدار ملازمته
إياه تدبراً، وعملاً. اهـ. وهو في غاية من الحسن والبهاء ونهاية الظهور والجلاء ولا عبرة بطعن
ابن حجر فيه وتضعيف كلامه وحمله على التكلف والمنافاة لظاهر الحديث فإن التحقيق كما
يستفاد من حديث أن من عمل بالقرآن فكأنه يقرؤه دائماً وإن لم يقرأه، ومن لم يعمل بالقرآن
فكأنه لم يقرأه وإن قرأه دائماً، وقد قال الله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته
وليتذكروا أولو الألباب ﴾ [ص - ٢٩]. فمجرد التلاوة والحفظ لا يعتبر اعتباراً يترتب عليه
(١) هذا الحديث رواه أبو الحسن بن سران في فوائده وابن النجار هكذا في كنز العمال ٢٤٤٩/٥٤٧/١.
(٢) الحاكم في المستدرك ١/ ٥٥٢.
--

٣٣
كتاب فضائل القرآن
رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي.
٢١٣٥ - (٢٧) وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((إِنَّ
الذي ليسَ في جوفِه شيءٌ منَ القرآنِ كالبيتِ الخَرِبِ)). رواه الترمذيّ، والدارميّ. وقال
الترمذيُّ: هذا حديثٌ صحيح.
٢١٣٦ - (٢٨) وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يقولُ الرَّبُّ تباركَ
وتعالى: مَنْ شغلَه القرآنُ عنْ ذكري ومسأَلَتي أعطيتُه أفضلَ ما أُعطِي السَّائِلينَ.
المراتب العلية في الجنة العالية. (رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي). قال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح ورواه الترمذي أيضاً عن أبي هريرة، وقال حسن وفيه فيقول القرآن يا رب
حله فيلبس تاج الكرامة فيقول يا رب زده فيلبس حلة الكرامة فيقول يا رب ارض عنه [فيرضى
عنه] ويقال: له اقرأ وارق.
٢١٣٥ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلّ: إن الذي ليس في جوفه) أي قلبه،
(شيء من القرآن كالبيت الخرب)، بفتح الخاء وكسر الراء [نسخة أي الخراب] لأن عمارة
القلوب بالإِيمان، وقراءة القرآن وزينة الباطن بالاعتقادات الحقة والتفكر في نعماء الله تعالى
وقال الطيبي: يطلق(١) الجوف وأريد به القلب اطلاقاً لاسم المحل على الحال وقد استعمل
على حقيقته في قوله تعالى: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ﴾ [الأحزاب - ٤].
واحتيج لذكره ليتم التشبيه له بالبيت الخرب بجامع أن القرآن إذا كان في الجوف يكون عامراً
مزيناً بحسب قلة ما فيه وكثرته وإذا خلى عما لا بد له منه من التصديق والاعتقاد الحق والتفكر
في آلاء الله ومحبته وصفاته يكون كالبيت الخرب الخالي عما يعمره من الأثاث والتجمل. اهـ.
وكأنه عدل عن ظاهر المقابلة المتبادر إلى الفهم وإذا خلي عن القرآن لعدم ظهور اطلاق
الخراب عليه، وغفل ابن حجر عن ملحظه وحمل الحديث على حفظ القرآن نفياً واثباتاً
واعترض عليه بما لا يناسبه. (رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي: هذا حديث صحيح).
٢١٣٦ - (وعن أبي سعيد [الخدري] قال: قال رسول الله وَلقوله: يقول: الرب تبارك وتعالى
من شغله القرآن)، أي حفظه وعلم مبانيه وتدبر معانيه والعمل بما فيه، (عن ذكري ومسألتي
أعطيته)، أي بسبب ذلك (أفضل ما أعطي السائلين)، بصيغة المتكلم قيل شغل القرآن القيام
بمواجبه وحقوقه مسألتي عطف تفسيري، أي لا يظن المشغول به أنه إذا لم يسأل لم يعط
الحديث رقم ٢١٣٥: أخرجه الترمذي في السنن ٧٧/٥ حديث رقم ٢٩١٣. والدارمي ٥٢١/٢ حديث
رقم ٣٣٠٦. وأحمد في المسند ٢٢٣/١.
(١) في المخطوطة ((يطلق)).
الحديث رقم ٢١٣٦: أخرجه الترمذي في السنن ١٨٤/٥ حديث رقم ٢٩٢٦. والدارمي في السنن ٢/
٥٣٣ حديث رقم ٣٣٥٦.

٣٤
كتاب فضائل القرآن
وفضْلُ كلامِ اللَّهِ على سائِرِ الكلامِ كفضْلِ اللَّهِ على خَلقِه)). رواه الترمذيُّ، والدارميّ،
والبيهقيُّ في ((شعب الإِيمان)). وقال الترمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ غريب.
٢١٣٧ - (٢٩) وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: «مَنْ قرأَ
حرفاً مِنْ كتابِ اللَّهِ فَلَه به حسنَةٌ، والحسنَةُ بعشْرَ أمثالِها، لا أقولُ: ﴿آلم﴾ حرفٌ. ألفٌ
حرفٌ، ولام حرفٌ، وميمٌ حرفٌ)).
حوائجه على أكمل العطاء فإنه من كان لله كان الله له، وعن الشيخ العارف أبي عبد الله بن
خفيف قدّس الله سره شغل القرآن، القيام بموجباته من اقامة فرائضه والاجتناب عن محارمه فإن
الرجل إذا أطاع الله ذكره وإن قلت صلاته، وصومه وإذا عصاه فقد نسيه وإن كثرت صلاته
وصومه وقيل أريد بالذكر والمسألة اللذين ليسا في القرآن، [كالدعوات] بقرينة قوله، (وفضل
كلام الله) أي الدال على الكلام النفسي فشرفه باعتبار مدلوله، (على سائر الكلام كفضل الله
على خلقه)، أي وكذلك فضل الاشتغال والمشتغل به على غيره وكان وجه الاستغناء عن ذكر
الذاكرين بذكر السائلين أنهم من جملتهم من حيث إنهم سائلون بالفعل أو القوّة إذ لسان حال
كل مخلوق ناطق بالافتقار إلى نعم الحق وامداده بعد ايجاده، ثم هذا الفضل من حيث هو وإلا
فمحله ما لم يشرع لغيره من الأذكار والأدعية المأثورة، وفي الحديث ايماء إلى قدم القرآن،
كما هو مذهب المفسرين والمحدثين رداً على المحدثين قال ميرك يحتمل أن تكون هذه الجملة
من تتمة قول الله عزَّ وجلَّ فحينئذ فيه التفات كما لا يخفى ويحتمل أن تكون من كلام النبي وَل
وهذا أظهر لئلا يحتاج إلى ارتكاب الالتفات، ونقل عن البخاري: أنه قال هذا من كلام أبي
سعيد الخدري: أدرجه في الحديث ولم يثبت رفعه، (رواه الترمذي والدارمي والبيهقي في
شعب الإيمان). قال العسقلاني رجاله ثقات إلا عطية العوفي ففيه ضعف، (وقال الترمذي هذا
حديث حسن غريب)، قال ميرك: ولفظ الدارمي من شغله ذكري عن مسألتي. اهـ. فيكون
المراد من ذكري المعنى الأعم أو الأخص وهو الأظهر الأنسب للجمع المستفاد من الاضافة
التشريفية الموافقة لقوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه﴾ [الأنبياء - ٥٠].
٢١٣٧ - (وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَلاتقول: من قرأ حرفاً) أي قابلاً للانفصال أو
المراد به مثلاً، (من كتاب الله) أي القرآن، (فله به حسنة) أي عطية، (والحسنة بعشر أمثالها)،
أي مضاعفة بالعشر وهو أقل التضاعف الموعود بقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر
أمثالها والله يضاعف لمن يشاء﴾ [الأنعام - ١٦٠]. وللحرم مزية على غيره والحرف يطلق على
حرف الهجاء والمعاني والجملة المفيدة والكلمة المختلف في قراءتها، وعلى مطلق الكلمة ولذا
قال عليه الصلاة والسلام، (لا أقول ألم حرف ألف) بالسكون على الحكاية وقيل بالتنوين،
(حرف ولام حرف وميم حرف)، قال الطيبي: مسمى ألف حرف والاسم ثلاثة أحرف وكذا
الحديث رقم ٢١٣٧: أخرجه الترمذي في السنن ١٧٥/٥ حديث رقم ٢٩١٠. والدارمي في السنن ٢/
٥٢١ حديث رقم ٣٣٠٨.
د - ...
عد سحد !

٣٥
كتاب فضائل القرآن
رواه الترمذيّ، والدارمي. وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، غريبٌ إِسناداً.
٢١٣٨ - (٣٠) وعن الحارِثِ الأغْوَرِ، قال: مرَرْتُ في المسجدِ، فإِذا النَّاسُ
يخُوضونَ في الأحاديثِ، فدخلتُ على عليّ رضي اللَّهُ عنه، فأخبرتُه، فقال:
[مسمى] ميم وهو مه حرف لما تقرر أن لفظه ميم اسم لهذا المسمى فحمل الحرف في
الحديث على المذكورات مجازاً لأن المراد منه في ضرب الله مثلاً كل واحد من ضه وره
وبه، وعلى هذا إن أريد بألم مفتتح سورة الفيل يكون عدد الحسنات ثلاثين وإن أريد به
مفتتح سورة البقرة وشبهها بلغ العدد تسعين. اهـ. ولا يخفى أن الوجه الأوّل بعيد إذ الرواية
ألم بالمد لا بفتح اللام وسكون الميم وعلى الوجه الثاني المناسب أن يقال فأحرف بدل ميم
حرف إلا أن يقال إنه عليه الصلاة والسلام ذكر من ألم من كل كلمة حرفاً وأن يلاحظ
المسميات نظراً إلى أن ألم عبارة اجمالية عن تلك المسميات وليس المقصود أداء نفس
الأسماء ويمكن أن يوجه الوجه الأوّل بأن مراده أن في فاتحة سورة البقرة يكون عدد
الحسنات تسعين، وفي فاتحة سورة الفيل يكون عددها ثلاثين، كما هو عبارة المختصر ولا
يريد، أن لفظ الحديث يحتملهما لأنه جاء صريحاً في رواية ابن أبي شيبة والطبراني من قرأ
حرفاً من القرآن كتب له به حسنة لا أقول ألم ذلك الكتاب ولكن الألف واللام والميم والذال
واللام والكاف. اهـ. وظاهره أن المعتبر في الحساب الحروف المكتوبة لا الملفوظة، وفي
رواية للبيهقي لا أقول بسم الله، ولكن باء وسين وميم ولا أقول ألم ولكن الألف واللام
والميم، (رواه الترمذي والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب اسناداً)، أي لا
متناً تمييز عن نسبة غريب، وقال ووقفه عليه بعضهم.
٢١٣٨ - (وعن الحارث الأعور)، تابعي من أصحاب علي، (قال مررت في المسجد)،
أي بناس جالسين قال الطيبي: في المسجد ظرف والمرور به محذوف يدل عليه قوله، (فإذا
الناس يخوضون)، أي يدخلون دخول مبالغة (في الأحاديث)، أي أحاديث الناس وأباطيلهم من
الأخبار والحكايات والقصص ويتركون تلاوة القرآن وما يقتضيه من الاذكار والآثار وأنوار
البرهان، وقال ابن حجر: والظاهر أن المراد أحاديث الصفات المتشابهة ولم يظهر وجه
ظهورها أو يبالغون في بحث الأحاديث النبوية ويتركون التعلق بالآيات القرآنية، قال الطيبي:
الخوض أصله الشروع في الماء والمرور فيه ويستعار في الشروع وأكثر ما ورد في القرآن فيما
يذم الشروع فيه، (فدخلت على علي رضي الله عنه)، خصه إما لكونه الخليفة إذ ذاك أو لتميزه
بقوله ◌َ ﴿ في الحديث بقوله أنا مدينة العلم وعلي بابها خلافاً(١) لمن قال [إنه] موضوع ولمن
-
قال ضعيف إلا أن يريد أنه باعتبار افراد طرقه كما ذكره ابن حجر. (فأخبرته) [أي الخبر] (فقال
الحديث رقم ٢١٣٨: أخرجه الترمذي في السنن ١٥٨/٥ حديث رقم ٢٩٠٦. والدارمي ٥٢٦/٢ حديث
رقم ٣٣٣١.
(١) الحاكم في المستدرك ٣/ ١٢٧ .

٣٦
كتاب فضائل القرآن
٤٧٧٧
٣٠٠
أَوَقَدْ فَعَلوها؟ قلتُ: نعم. قال: أَما إِنِي سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَه يقول: ((أَلاَّ إِنَّها ستكونُ
فتنَةٌ)). قلتُ: ما المخرَجُ منها يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: ((كتابُ اللَّهِ، فيهِ نبأُ ما قبلَكم، وخبرُ ما
بعدَكم، وحُكمُ ما بينَكم، هوَ الفصْلُ ليسَ بالهزْلِ، مَنْ تركَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَه اللَّهُ، ومَنِ
أوقد فعلوها)، أي اتركوا القرآن وقد فعلوها أي وخاضوا في الأحاديث أو التقدير أو قد فعلوا
المنكرات قال الطيبي: أي ارتكبوا هذه الشنيعة وخاضوا في الأباطيل فإن الهمزة والواو العاطفة
يستدعيان فعلاً منكراً معطوفاً عليه أي فعلوا هذه الفعلة الشنيعة، (قلت نعم قال أما) للتنبيه (أني
سمعت رسول الله ## يقول ألا) للتنبيه (أنها)، أي القصة وبيانها (ستكون فتنة)، أي محنة
عظيمة وبلية عميقة، قال ابن الملك: يريد بالفتنة ما وقع بين الصحابة، أو خروج التاتار أو
الدجال أو دابة الأرض. اهـ. وغير الأوّل لا يناسب المقام كما لا يخفى (قلت ما المخرج
منها)، أي ما طريق الخروج والخلاص من الفتنة يا رسول الله قال الطيبي: أي موضع(١)
الخروج أو السبب الذي يتوصل به إلى الخروج عن الفتنة، (قال كتاب الله) أي طريق الخروج
منها تمسك كتاب الله على تقدير مضاف وأغرب ابن حجر. حيث قال: التقدير غير محتاج إليه
لأن المراد من قوله وما المخرج أي السبب المانع للوقوع في الضلالات الناشئة عن الفتنة، (فيه
نبأ ما قبلكم) أي من أحوال الأمم (وخبر ما بعدكم)، وهي الأمور الآتيه من أشراط الساعة
وأحوال القيامة وفي العبارة تفنن (وحكم ما بينكم)، بضم الحاء وسكون الكاف أي حاكم ما
وقع أو يقع بينكم من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان والحلال والحرام وسائر شرائع الإسلام
ومباني الأحكام، (هو الفصل) أي الفاصل بين الحق والباطل أو المفصول والمميز فيه الخطأ
والصواب وما يترتب عليه من الثواب والعذاب، وصف بالمصدر مبالغة (ليس بالهزل)، أي جد
كله وحق جميعه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والهزل في الأصل القول المعري عن
المعنى المرضي واشتقاقه من الهزال ضد السمن والحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿إنه لقول
فصل وما هو بالهزل﴾ [الطارق - ١٣ - ١٤]. أي هو مقصور على كونه فاصلاً بين الحق
والباطل وآثر المصدر للمبالغة كرجل عدل أو معناه أنه مفصول به أو أنه قاطع في أنه حق
ويلائمه ما بعده أو ذو فصل وبيان لما يحتاج إليه في الدين لقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب
تبياناً لكل شيء﴾ [النحل - ٨٩]. (من تركه) أي القرآن ايماناً وعملاً (من جبار قصمه الله)،
أي أهلكه أو كسر عنقه وأصل القصم الكسر والابانة فالمعنى قطعه الله وأبعده عن رحمته، أو
قطع حجته بخلاف من عمل بالقرآن فإنه تعالى وصله إلى أعلى مراتب الكمال وأعلى منازل
الجمال من الوصال، وهو دعاء عليه أو اخبار كذا قاله ابن الملك: والطيبي رحمه الله وتبعهما
ابن حجر والظاهر أنهما ضدان كما في بقية الحديث من الأخبار وبين التارك بمن جبار ليدل
على أن الحامل له على الترك إنما هو التجبر والحماقة وقال الطيبي: من ترك العمل بآية أو
بكلمة من القرآن مما يجب العمل به أو ترك قراءتها من التكبر كفر ومن تركه عجزاً وكسلاً
(١) فى المخطوطة ((موضوع)).
١٣٠٠٠
....
١٩٢٠٠٠

٣٧
كتاب فضائل القرآن
ابتغى الهُدى في غيرِه أضلّه اللَّهِ، وهوَ حبلُ اللَّهِ المَتينُ، وهوَ الذكرُ الحكيمُ، وهوَ الصّراطُ
المستقيمُ؛ هوَ الذي لا يزِيغُ بهِ الأهواءُ، ولا تلبِسُ به الألسِنَةُ،
وضعفا مع اعتقاد تعظيمه فلا، فلا إثم عليه أي بترك القراءة ولكنه محروم، (ومن ابتغى الهدى)
أي طلب الهداية من الضلالة، (في غيره) من الكتب والعلوم التي غير مأخوذة منه ولا موافقة
معه، [قال ابن حجر: في للسببية ولا خفاء في أنها للظرفية أبلغ للدلالة على أن الهداية
منحصرة فيه دون غيره من أسباب الهداية]، (أضله الله) أي عن طريق الهدى، وأوقعه في سبيل
الردى، وفيه ردّ على المبتدعة الضالة، (وهو) أي القرآن (حبل الله المتين)، أي المحكم القوي
والحبل مستعار للوصل ولكل ما يتوصل به إلى شيء أي الوسيلة القوية إلى معرفة ربه وسعادة
قربه وهو مقتبس من قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ [آل عمران - ١٠٣]. (وهو
الذكر) أي ما يذكر به الحق تعالى أو ما يتذكر به الخلق أي يتعظ (الحكيم)، أي ذو الحكمة
العلمية والعملية أو الحاكم على كل كتاب أو على كل مكلف أن يعمل به أو المحكم آياته
القوى، بنيانه لا ينسخ إلى يوم القيامة ولن يقدر جميع الخلائق أن يأتوا بمثله، قال تعالى: ﴿لا
يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت - ٤٢]. أو المراد بالذكر الشرف لقوله
تعالى: ﴿إنه لذكر لك ولقومك﴾ [الزخرف - ٤٤]. وقيل إنه بمعنى المذكر فالمراد بالحكيم
ذو الحكمة وأما تفسير الذكر بالمذكور كما ذكره الطيبي فبعيد (وهو الصراط المستقيم) أي
الطريق القويم المتوسط بين طرفي الافراط والتفريط من التمثيل والتعطيل وغيرهما من أنواع
التضليل ويصلح أن يكون تفسيراً لقوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم فمن سلكه نجا، ومن
عدل عنه غوى، (هو الذي لا تزيغ)، بالتأنيث والتذكير أي لا تميل عن الحق (به)، أي باتباعه
(الأهواء)، أي الهوى إذا وافق هذا الهدي حفظ من الردى وقيل معناه لا يصير به مبتدعاً وضالاً
يعني لا يميل بسببه أهل الأهواء والآراء لا يقال قيل للشيخ أبي إسحاق الكازروني إن أهل
البدعة أيضاً يستدلون بالقرآن، كما أن أهل السنة يحتجون به عند البرهان فقال: قال تعالى:
﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً﴾ [البقرة - ٢٦]. إلاّ أنَّ نقول سبب الاضلال عدم الاستدلال
به على وجه الكمال فإن أهل الأهواء تركوا الأحاديث النبوية التي هي مبينة للمقاصد القرآنية،
وفي القرآن: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر - ٧]. فما عرفوا
القرآن حق معرفته وما قلدوا من هو كامل في معرفة أدلته فوقعوا فيما وقعوا حيث أنكروا
الحديث ودفعوا ولذا قال الجنيد من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يقتدى به، ومن
دخل في طريقنا بغير علم واستمر قانعاً بجهله فهو ضحكة للشيطان مسخرة له لأن علمنا مقيد
بالكتاب والسنة والله أعلم، وقال الطيبي: أي لا يقدر أهل الأهواء على تبديله وتغييره وامالته
وذلك اشارة إلى وقوع تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فالباء للتعدية وقيل
الرواية من الإزاغة بمعنى الامالة والباء لتأكيد التعدية أي لا يميله الأهواء المضلة عن نهج
الاستقامة إلى الاعوجاج وعدم الاقامة كفعل اليهود بالتوراة حين حرّفوا الكلم عن مواضعه لأنه
تعالى تكفل بحفظه قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر - ٩]. (ولا
تلتبس به الألسنة)، أي لا تتعسر عليه ألسنة المؤمنين، [أي] ولو كانوا من غير العرب، قال
٢١٣٩/25

٣٨
كتاب فضائل القرآن
ولا يشبَعُ منه العُلماءُ، ولا يَخلُقُ عنْ كثرةِ الرَّدَّ، ولا ينقَضي عجائبُه؛ هوَ الذي لمْ تنتَهِ الجنّ
إِذْ سمِعتْه حتى قالوا: ﴿إِنَّا سمِعنا قُرآناً عَجَبَاً يَهْدي إِلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾، مَنْ قالَ بهِ
صدَقَ، ومَنْ عَمِلَ بهِ أُجِرَ، ومَنْ حَكَم بِهِ عدَلَ، ومَنْ دَعا إِليهِ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُستَقيم)) .
تعالى: ﴿فإنما يسرناه بلسانك) و ﴿لقد يسرنا القرآن للذكر﴾ [القمر - ١٧] وقيل لا يختلط به
غيره بحيث يشتبه الأمر ويلتبس الحق بالباطل فإن الله تعالى يحفظه أو يشتبه كلام الرب بكلام
غيره لكونه كلاماً معصوماً دالاً على الاعجاز ولذا لا يجدون فيه تناقضاً يسيراً ﴿ولو كان من
عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾ [النساء - ٨٢]. (ولا يشبع منه العلماء) أي لا يصلون
إلى الاحاطة بكنهه حتى يقفوا عن طلبه وقوف من يشبع من مطعوم بل كلما اطلعوا على شيء
من حقائقه اشتاقوا إلى آخر أكثر من الأوّل وهكذا فلا شبع ولا سآمة، (ولا يخلق) بفتح الياء
وضم اللام [وبفتح الياء] وكسر اللام من خلق الثوب إذا بلي وكذلك، أخلق (عن كثرة الرد)،
أي لا تزول لذة قراءته وطراوة تلاوته، واستماع أذكاره وأخباره من كثرة تكراره وعن علي بابها
أي لا يصدر الخلق من كثرة تكراره، كما هو شأن كلام غيره تعالى المقول فيه جبلت النفوس
على معاداة المعادات بل هذا من قبيل،
أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره * هو المسك ما كررته يتضوع
ولذا كلما زاد(١) العبد من تكرار قراءته، أو سماع تلاوته، ازداد في حلاوته، وإن لم
يفهم معناه، لحصول متمناه ولذا قال الشاطبي: وترداده يزداد فيه تجملاً وهذا أولى مما قاله ابن
حجر: من أن عن بمعنى مع (ولا ينقضي عجائبه)، أي لا ينتهي غرائبه التي يتعجب منها قيل
كالعطف التفسيري للقرينتين السابقتين، ذكره الطيبي وتبعه ابن حجر، والحمل على التأسيس
أولى لأن ظهور العجائب بحيث لا يتناهى أقوى من عدم شبع، العلماء ونفي البلى بل أعلى
وأغلى كما لا يخفى، (هو الذي لم ينته الجن)، بالتذكير والتأنيث، (إذ سمعته) أي القرآن وفي
نسخة إذا سمعته، (حتى قالوا) أي لم يتوقفوا ولم يمكثوا وقت سماعهم له عنه، بل أقبلوا عليه
لما بهرهم من شأنه فبادروا إلى الإِيمان على سبيل البداهة لحصول العلم الضروري وبلغوا في
مدحه حتى قالوا، (إنا سمعنا قرآناً عجباً)، أي شأنه من حيثية جزالة المبنى وغزارة المعنى،
(يهدي إلى الرشد) أي يدل على سبيل الصواب أو يهدي الله به الناس إلى طريق الحق، (فآمنا
به) أي بأنه من عند الله ويلزم منه الإيمان برسول الله، (من قال به) من أخبر به (فصدق) أي في
خبره أو من قال قولاً ملتبساً به بأن يكون على قواعده ووفق قوانينه وضوابطه صدق، (ومن
عمل به) أي بما دل عليه (أجر) أي أثيب في عمله أجراً عظيماً وثواباً جسيماً لأنه لا يحث إلا
على مكارم الأخلاق والأعمال ومحاسن الآداب والأحوال، (ومن حكم به) أي بين الناس أو
بين خواطره (عدل)، أي في حكمه لأنه لا يكون إلا بالحق، (ومن دعا) أي الخلق (إليه) أي
إلى الإِيمان [به] والعمل بموجبه، (هدي إلى صراط مستقيم)، قال ابن الملك: أي المدعوّ
(١) في المخطوطة ((أراد)).
-

١٣٠
٠٣٤٤
٣٩
كتاب فضائل القرآن
رواه الترمذيُّ، والدارميّ. وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ إِسنادُه مجهولٌ، وفي الحارثِ مقال.
٢١٣٩ - (٣١) وعن مُعاذٍ الجُهَنيِّ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وٍَّ:
(مَنْ قرَأَ القرآنَ وعمِلَ بما فيهِ، أُلبَسَ والِداهُ تاجاً يوم القِيامةِ، ضَوؤُهُ أحسنُ مِنْ ضَوْءِ
الشَّمسِ في بُيوتِ الدُّنيا لو كانتْ فيكم؛ فما ظنّكم بالذي عمِلَ بهذا؟!)). رواه أحمد،
وأبو داود.
وفيه أنه تحصيل حاصل، وقال ابن حجر: يصح بناؤه للفاعل أو المفعول. اهـ. وهو احتمال
عقلي وإلا فالنسخ المصححة على بناء المجهول فالصواب ما قاله الطيبي: روي مجهولاً أي من
دعا إليه وفق لمزيد الاهتداء، (رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي: هذا حديث اسناده
مجهول)، الظاهر في اسناده مجهول، (وفي الحارث) أي الراوي للحديث عن علي، (مقال) أي
مطعن، قال الطيبي: روى الشعبي عن الحارث الأعور وشهد أنه كاذب. اهـ. وقال المؤلف: هو
ممن اشتهر بصحبة علي، ويقال إنه سمع منه أربعة أحاديث، وقال النسائي وغيره ليس بالقوي،
وقال ابن أبي داود: كان أفقه الناس وأفرض الناس وأحسب الناس. اهـ. فما في شرح مسلم
للنووي عن الشعبي أنه روى عن الحارث الأعور وشهد أنه كاذب محمول على أنه قد يقع منه
كذب ولذا لم يقل كذاب مع أن الكذوب قد يصدق ولذا روى عنه، فالحاصل أن حديثه ضعيف
اسناده وإن كان لا شك في صحة معناه مع أن الضعيف معمول به في الفضائل اتفاقاً .
٢١٣٩ - (وعن معاذ الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء، (قال: قال رسول الله وَالقول: من قرأ
القرآن)، أي فأحكمه كما في رواية أي فأتقنه، وقال ابن حجر: أي حفظه عن ظهر قلب،
(وعمل بما فيه ألبس والداه تاجاً يوم القيامة)، قال الطيبي: كناية عن الملك والسعادة. اهـ.
والأظهر حمله على الظاهر كما يظهر من قوله، (ضوؤه أحسن) اختاره على أنور وأشرق اعلاماً
بأن تشبيه التاج مع ما فيه من نفائس الجواهر، بالشمس ليس بمجرد الاشراق والضوء، بل مع
رعاية من الزينة والحسن، (من ضوء الشمس) حال كونها (في بيوت الدنيا)، فيه تتميم صيانة
من الاحراق وكلال النظر بسبب أشعتها كما أن قوله، (لو كانت) أي الشمس على الفرض
والتقدير، (فيكم) أي في بيوتكم تتميم للمبالغة فإن الشمس مع وضوءها وحسنها لو كانت
داخلة في بيوتنا كانت آنس، وأتم مما لو كانت خارجة عنها، وقال الطيبي: أي في داخل
بيوتكم وقال ابن الملك: أي في بيت أحدكم، وفي رواية في بيت من بيوت الدنيا لو كانت
فيه، (فما ظنكم) أي إذا كان هذا جزاء والديه لكونهما سبباً لوجوده، (بالذي عمل بهذا) وفي
رواية عمل به، قال الطيبي: استقصار للظن عن كنه معرفة ما يعطى للقارىء العامل به من
الكرامة والملك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما أفادته ما
الاستفهامية المؤكدة لمعنى تحير الظان، (رواه أحمد وأبو داود).
· جو.
الحديث رقم ٢١٣٩: أخرجه أبو داود في السنن ١٤٨/٢ حديث رقم ١٤٥٣. وأحمد في المسند ٤٤٠/٣.
الجودة الججل: ٣ % )وهو ٥'.2
:

٤
الادارة
كتاب فضائل القرآن
٢١٤٠ - (٣٢) وعن عُقبةَ بن عامِرٍ رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله وَلَهل
يقولُ: ((لوْ جُعِلَ القرآنُ في إِهابٍ ثمَّ ألقِيَ في النَّارِ ما احترَقَ)).
٢١٤٠ - (وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله وَّل﴿ يقول: لو جعل القرآن)، قال
ابن حجر: أي بفرض تجمسه إذ تجسم المعنى جائز وهو غريب منه، لأنه إن أراد به الكلام
النفسي، فهو غير صحيح وإن أراد به غيره فلا يحتاج إلى هذا التأويل لصحة فرض وضع
المصحف، (في اهاب) أي جلد لم يدبغ كذا قالوا والأظهر أن المراد به مطلق الجلد، إما على
التجريد أو على أنه يطلق عليه، وعلى ما لم يدبغ كما في القاموس وقد تكلف الطيبي: حيث
قال وإنما ضرب المثل بالاهاب وهو الجلد الذي لم يدبغ لأن الفساد إليه أسرع، ونفخ النار فيه
أنفذ ليبسه وجفافه وبخلاف المدبوغ للبنه ثم ظهر لي في وجه التشبيه بغير المدبوغ أنه لو كان
القارىء غير مرتاض نفعه القرآن، (ثم ألقي في النار)، قال الطيبي: ثم ليس لتراخي الزمان بل
لتراخي الرتبة بين الجعل في الاهاب والالقاء في النار، وأنهما أمران متنافيان لرتبة القرآن وأن
الثاني أعظم من الأوّل وأغرب، ابن حجر فقال: ثم على بابها ولا وجه له والأظهر أنها بمعنى
الفاء، (ما احترق) أي الاهاب ببركة القرآن، لما فيه من ينابيع الرحمة وأنهار الحكمة ما يخمد
تلك النار ويطفئها، كما ورد جزيا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي وإذا كان هذا شأنه مع هذا الجلد
الحقير الذي جاوره في ساعة فما ظنك يجوف الحافظ له ، وجسد العامل به الذي استقر فيه
أزمنة عديدة ومدداً مديدة فيكون حفظه لخوفه من نار البعد، والحجاب ونار جهنم أحرى،
وأولى وأبلغ وأقوى والمراد بالنار نار الله الموقدة المميزة، بين الحق والباطل ورجحه القاضي،
وقال الطيبي: لعل الجنس أقرب وأحرى وضرب المثل بالاهاب للتحقير أحرى لأن التمثيل
وارد للمبالغة والفرض والتقدير، فلو كما في قوله تعالى: ﴿قل لو كان البحر مداداً ﴾ [الكهف
- ١٠٩] الآية. قلت والأظهر في التنظير ﴿ولو إن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو
كلم به الموتى﴾ [الرعد - ٣١]. أي ينبغي ويحق أن القرآن لو كان في مثل هذا الشيء الحقير
الذي لا يؤبه به(١)، ويلقى في النار ما مسته فكيف بالمؤمن الذي هو أكرم خلق الله وأفضلهم،
وقد وعاه في صدره وتفكر في معانيه وواظب على قراءته، وعمل فيه بجوارحه فكيف تمسه
فضلاً عن أن تحرقه، قال وبهذا التأويل وقع التناسب بين هذا الحديث والذي قبله فإن المعنى
من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه تاجاً فكيف بالقارىء العامل ولو جعل [القرآن] في
اهاب وألقي في النار ما مسته النار فكيف بالتالي العامل. اهـ. وهذا تكلف مستغني عنه لأن
الجملتين ما وقعتا متواليتين في لفظ النبوّة ليطلب المناسبة بينهما والمناسبة بين الحديثين في
الكتاب يكفي كونهما في فضائل القرآن، وإن كان أحدهما في فضل صاحبه، لأن فضله بسببه
مع أن المناسبة التي ذكرها غير تامة لأن الشرطية الأولى حقيقية والثانية فرضية فقيل كان هذا
معجزة للنبي ◌َهر ذكره الطيبي، وفي المصابيح [بلفظ] لو كان القرآن في اهاب ما مسته النار
/١٠٢٠//:
١٠٠٠٠/١١٣
الحديث رقم ٢١٤٠: أخرجه الدارمي في السنن ٢/ ٥٢٢ حديث رقم ٣٣١٠. وأحمد في المسند ١٥٥/٤.
(١) في المخطوطة ((لا يؤيد)).
. ***: /