النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
١٨٦٦ - (٨) وعن حارِثةَ بنِ وهب، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: «تصدَّقوا فإِنَّه يأتي
عَلَيكم زمانٌ يمشي الرَّجلُ بصدَقتِه فلا يجدُ مَنْ يقبلُها، يقولُ الرَّجلُ: لوْ جئتَ بها بالأمسِ
لقبِلتُها،، فأمَّا اليوْمَ فلا حاجةَ لي بها)). متفق عليه.
١٨٦٧ - (٩) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله! أيُّ الصَّدَقةِ أعظمُ
أجراً؟ قال: ((أنْ تَصَّدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفَقْرَ، وتأمُلُ الغِنى،
١٨٦٦ - (وعن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله وَالر: تصدقوا) أي اغتنموا التصدق
عند وجود المال، وعند حصول من يقبله واقبلوا منه الفقير في أخذه منكم، فالمعنى تصدقوا
قبل أن لا تتصدقوا على سنن حجوا قبل أن لا تحجوا (فإنه) أي الشأن (يأتي عليكم) أي على
بعضكم (زمان يمشي الرجل بصدقته) أي يذهب بها (فلا يجد من يقبلها) قيل: هو زمان
المهدي، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام وقيل: زمان إشراط الساعة، كما ورد لا تقوم
الساعة حتى يكثر المال ويفيض حتى يخرج الرجل زكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها(١). (يقول
الرجل) أي الفقير والمعنى كل رجل عرضت عليه وكان من قبل مستحقاً لها. (لو جئت بها) أي
بالصدقة (بالأمس) أي قبل ذلك من الزمن الماضي حال فقري (لقبلتها فأما اليوم) أي الآن (فلا
حاجة لي بها) وهو إما لغناه الصوري من إصابة المال أو لغناه المعنوي من حصول الزهد في
الدنيا، ووصول الكمال قال ابن الملك: يعني يصير الناس كلهم أغنياء، في ذلك الزمان راغبين
في الآخرة وتاركين للدنيا، يقنعون بقوت يوم ولا يدخرون المال للمآل (متفق عليه).
١٨٦٧ - (وعن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله أي الصدقة) أي أنواعها (أعظم
أجراً) أي أجزل ثواباً وأجل وأكمل مآباً (قال أن تصدق) بتخفيف الصاد على حذف إحدى
التاءين، وقيل: بتشديدها على الإِبدال والإِدغام. (وأنت صحيح شحيح) والمعنى أعظمها
صدقتك والجملة حال أي وهو أن تصدق في حال صحتك واختصاص المال بك وشح نفسك،
وذلك أشد مراغمة لنفسك كذا ذكره الطيبي وقال ابن الملك: قوله شحيح تأكيد وبيان للصحيح
لأن الرجل في حال صحته، يكون شحيحاً (تخشى الفقر) خبر بعد خبر أو حال بعد حال أو
استئناف بيان أي تقول في نفسك لا تتلف مالك، كيلا تصير فقيراً فتحتاج إلى الناس (وتأمل
الغنى) بضم الميم بمعنى تطمع وترجو أي وتقول اترك مالك في بيتك، تكون غنياً ويكون لك
الحديث رقم ١٨٦٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٨١/٣ حديث رقم ١٤١١. ومسلم في صحيحه ٢/
٧٠٠ حديث رقم (٥٨ - ١٠١١). والنسائي في السنن ٧٧/٥ حديث رقم ٢٥٥٥. وأحمد في
المسند ٣٠٦/٤.
(١) متفق عليه.
الحديث رقم ١٨٦٧: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٨٤/٣. حديث رقم ١٤١٩. ومسلم في صحيحه ٢/
٧١٦ حديث رقم (٩٢ - ١٠٣٢). والنسائي في السنن ٦٨/٥. حديث رقم ٢٥٤٢. وأحمد في
المسند ٢٣١/٢.

٣٢٢
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
ولا تُمهِلْ؛ حتى إِذا بلغتِ الحُلقومَ قلتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا، وقدْ كانَ لفُلانٍ)). متفق
عليه .
١٨٦٨ - (١٠) وعن أبي ذرّ، قال: انتهيْتُ إِلى النبيِّ وَّ وهوَ جالسٌ في ظلِّ الكعبةِ،
فلمَّا رآني قال: ((هُمُ الأخسَرونَ وربِّ الكعبةِ)). فقلتُ: فِداك أبي وأمي، مَنْ هُمْ؟ قال:
((هُم الأكثرونَ أموالاً، إِلاَّ مَنْ قالَ: هكذا وهكذا وهكذا،
عز عند الناس بسبب غناك. (ولا تمهل) بالنصب عطفاً على أن تصدق ويجوز الجزم على أن لا
للنهي أي ولا تؤخر الصدقة أو ولا تمهل نفسك (حتى إذا بلغت الحلقوم) والمراد أن تقرب
لروح بلوغ الحلقوم. (قلت) لورثتك (لفلان) أي لأجل فلان وهو كناية عن الموصى له (كذا)
إشارة إلى الموصى به (ولفلان) أي لغيره (كذا) أي من المال بالوصية والتكرير، يفيد التكثير
والجملة مبتدأ وخبر وقال ابن حجر: أي أوصيت لفلان كذا فيحتاج أن يقول بكذا والمعنى إنك
حينئذ تصرف المال إلى الخيرات. (وقد كان لفلان) قيل: جملة حالية أي وقد صار المال الذي
تتصرف فيه في هذه الحالة ثلثاه حقاً للوارث، وأنت تتصدق بجميعه فكيف يقبل منك وقال
الطيبي: قيل: إشارة إلى المنع عن الوصية، لتعلق حق الوارث أي وقد كان لفلان الوارث.
اهـ. ويمكن أن يقال: معناه وكان أي عندي لفلان كذا من المال فيكون الذم على الإِمهال إلى
تلك الحال، فإن فعل الخير في حال الصحة عمل أرباب الكمال ورد الحقوق لا ينبغي فيه
الإهمال لأن الخطر كثير في المال، ويدل عليه صدر هذا الحديث والحديث الثاني في الفصل
الثاني. (متفق عليه).
١٨٦٨ - (وعن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي) أي وصلت إليه (َّ وهو جالس في ظل
الكعبة فلما رآني) وهو ممن اختار الفقر على الغنى (قال) تقوية لقلبه وتسلية لنفسه وتجلية
لروحه وتحلية لسره (هم الأخسرون) أي الأكثرون تجارة في المال هم الأكثرون خسارة في
المآل، قال ابن الملك: هم ضمير عن غير مذكور، لكن يأتي تفسيره وهو قوله هم الأكثرون،
وأغرب ابن حجر بقوله هم ضمير مبهم يفسره خبره، وهو الأخسرون (ورب الكعبة) قسم
يناسب المقام (فقلت: فداك أبي وأمي) بفتح الفاء في جميع النسخ لأنه ماض خبر بمعنى
الدعاء، ويحتمل كسر الفاء والقصر لكثرة الاستعمال أي يفديك أبي وأمي وهما أعز الأشياء
عندي. (من هم) فيه لطافة لا تخفى والمعنى من الأخسرون الذين أجملتهم (قال: هم الأكثرون
أموالاً) لعل جمع التمييز لارادة الأنواع، أو لمقابلة الجمع بالجمع أي الأخسرون مآلاهم
الأكثرون مالا قال ابن الملك: يعني من كان ماله أكثر خسرانه أكثر (إلا من قال هكذا وهكذا
[وهكذا]) هكذا في النسخ المصححة ثلاث مرات أي الأمن أشار بيده إلى الجوانب في صرف
الحديث رقم ١٨٦٨ : أخرجه البخاري في صحيحه ٥٢٤/١١. حديث رقم ٦٦٣٨. ومسلم في صحيحه
٦٨٦/٢ حديث رقم (٣٠ - ٩٩٠). الترمذي في السنن ١٢/٣ حديث رقم ٦١٧. والنسائي في
السنن ١٠/٥ حديث رقم ٢٤٤٠. وأحمد في المسند ١٥٢/٥.
ديج : ٨

٣٢٣
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
مِنْ بين يديْهِ ومِنْ خَلِفِهِ وعنْ يَمِينِهِ وعنْ شِمالِهِ، وقليلٌ ما هُمْ)). متفق عليه.
الفصل الثاني
١٨٦٩ - (١١) عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((السخِيُّ قريبٌ من اللَّهِ،
قريبٌ من الجنَّةِ، قريبٌ من النّاسِ، بعيدٌ من النّار. والبخيلُ بعيدٌ من اللَّهِ، بعيدٌ من الجنَّةِ،
بعيدٌ من النَّاسِ، قريبٌ منَ النَّار. وَلجاهِلٌ سخيٍّ
ماله إلى الخيرات، ولعل التثليث إشارة إلى اليمين واليسار، والإمام لكن قوله (من بين يديه
ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله) يأبى عن ذلك ظاهراً فإنه بيان لقوله هكذا فيكون المراد
بالثلاث الجمع، لأنه أقل مراتب الجمع ولذا قال ابن الملك: لا من تصدق به من جوانبه
الأربع على المحتاجين أي فليس من الخاسرين بل من الفائزين ويمكن أن يراد بالثلاث القدام
والخلف واحداً لجانبين وعلى نسخة التثنية فالمراد بها التكرير، والتكثير قال الطيبي: يقال قال
بيده أي أشار وقال بيده أي أخذ وقال برجله أي ضرب وقال بالماء على يده، أي صبه وقال
بثوبه أي رفعه فيطلقون القول على جميع الأفعال اتساعاً، وقال في الحديث بمعنى أشار بيده
إشارة مثل هذه الإِشارة، ومن بيان الإشارة والأظهر أن يتعلق بالفعل لمجيء عن والتقدير مبتدأ
من بين يديه ومن خلفه ومجاوزاً عن يمينه وشماله. (وقليل ما هم) هم مبتدأ أو قليل خبره وما
زائدة مؤكدة للقلة أي المستثنون قليل أو من يفعل ذلك قليل، وهو مقتبس من قوله تعالى :
﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ [ص - ٢٤] (وقليل ما هم) وإيماء إلى قوله تعالى:
﴿وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ - ١٣] وإشارة إلى أفضلية الفقر، لأنه طريق أسلم والله
أعلم. ([متفق عليه]).
(الفصل الثاني)
١٨٦٩ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: السخي) وهو الذي اختار رضا المولى
في بذله على الغني. (قريب من الله) أي رحمته كذا قيل: أو قريب منه في التخلق بصفة الكرم
(قريب من الجنة) بصرف المال فيما يجب عليه في الحال، ويوجب له حسن المآل (قريب من
الناس) بالإِحسان إلى الفقراء وفي الحقيقة هم الناس أو بالسخاوة إلى الخاص والعام، أو لأن
السخي يحبه جميع الناس ولو لم يحصل لبعضهم نفع من سخاوته، كمحبة العادل. (بعيد من
النار) لأن السخي لم يرتض بأخذ مال(١) الحرام وصرفه في غير المقاصد العظام، وإلا فيكون
مسرفاً ولذا قيل: لا خير في سرف ولا سرف في خير. (والبخيل) وهو الذي لا يؤدي الواجب
عليه (بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس، قريب من النار) وتبين الأشياء بأضدادها
(ولجاهل سخي) أراد به ضد العابد وهو من يؤدي الفرائض دون النوافل، لأن ترك الدنيا رأس
الحديث رقم ١٨٦٩ : أخرجه البخاري في صحيحه ٢٠٢/٤. حديث رقم ١٩٦١.
(١) في المخطوطةِ ((قالٍ)).
معاد ٠١:٦م
٠٨x

٣٢٤
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
أحبُّ إِلى اللَّهِ من عابدٍ بخيلٍ)). رواه الترمذي.
١٨٧٠ - (١٢) وعن أبي سعيدٍ [ الخدري رضي الله عنه ]، قال: قال رسولُ الله
وَلّهِ : ((لأَنْ يتَصدَّقَ المرءُ في حياته بدرهم خيرٌ لهُ من أن يتَصدَّقَ بمائةٍ عندَ موته)). رواه أبو
داود.
١٨٧١ - (١٣) وعن أبي الدرداءِ [رضي اللهُ عنه]، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَ: «مَثَلُ
الذي يتَصدَّقُ عندَ موته أو يُعتِقُ، كالذي يُهدي إِذا شَبع)).
كل عبادة وإنما عبر عنه بالجاهل لأنه أراد به أنه مع كونه جاهلاً غير عالم بما لم يجب عليه،
وجوب عين (أحب إلى الله من عابد) أي كثير النوافل سواء يكون عالماً أم لا (بخيل) لأن حب
الدنيا رأس كل خطيئة وأيضاً البخيل الشرعي، هو من ترك الواجب الشرعي المالي والسخي
ضده، ولا شك أن من قام بالفرائض وترك النوافل أفضل، ممن قام بالنوافل وترك الفرائض
وأكثر الناس مبتلون بهذا البلاء، ولذا قال بعض العارفين: إنما حرموا الوصول بتضييع
الأصول، وهذا الذي قررنا أولى من قول الطيبي يفهم منه أن جاهلاً غير عابد أحب من عالم
عابد رعاية لمطابقة فيا لها من حسنة غطت خصلتين ذميمتين، ويا لها من سيئة غطت حسنتين
كريمتين (رواه الترمذي) وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج، عن
أبي هريرة وإلا من حديث سعيد بن محمد هو الوراق الكوفي يكنى أبا الحسن ضعفه الأئمة
وقال الدارقطني متروك.
١٨٧٠ - (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: لأن يتصدق المرء) أي لتصدقه (في
حياته) أي صحته (بدرهم) أي مثلاً وقال الطيبي [رحمه الله]: المراد التقليل (خير له من أن
يتصدق بمائة) أي مثلاً وقال الطيبي [رحمه الله]: جاء في بعض الروايات بماله بدل بمائة
والمراد التكثير والمعنى بماله كله وهو أبلغ في مقام كماله سواء حمل الدرهم على حقيقته أو
على التمثيل في قلته، وأما ما ذكره ابن حجر من أنه جاء في بعض النسخ بماله وإنه تحريف
فليس في محله (عند موته) أي احتضار موته فكأنه ميت قاله الطيبي أو المراد أن تصدقه في
حال حياته ولو قليلاً خير من تصدق أهله عليه في وقت مماته، ولو كثيراً (رواه أبو داود).
١٨٧١ - (وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَّطاهر: مثل الذي يتصدق عند موته) أي
احتضاره (أو يعتق) أي عند موته وفي معناه عند موت مملوكه (كالذي يهدي إذا شبع) كسمن
قال الطيبي: في هذا الإِهداء نوع استخفاف بالمهدي إليه. اهـ. والأظهر أن المراد أنه مرتبة
الحديث رقم ١٨٧٠: أخرجه أبو داود في السنن ٢٨٨/٣ حديث رقم ٢٨٦٦.
الحديث رقم ١٨٧١: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧٦/٤ حديث رقم ٣٩٦٨. والترمذي ٣٧٨/٤ حديث
رقم ٢١٢٣. والنسائي ٢٣٨/٦ حديث رقم ٣٦١٤. والدارمي ٢/ ٥٠٥ حديث رقم ٣٢٢٦. وأحمد
في المسند ١٩٧/٥.

٣٢٥
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
رواه أحمد، والنسائي، والدارمي، والترمذي وصححه.
١٨٧٢ - (١٤) وعن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَ: ((خَصلتانِ لا تجتمعانِ في
مؤمنٍ: البخلُ، وسوءُ الخُلُقِ)). رواه الترمذي.
١٨٧٣ - (١٥) وعن أبي بكرٍ الصدِّيق رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((لا
يدخلُ الجنَّةَ خِبٌّ ولا بَخيلٌ ولا منَانٌ)). رواه الترمذي.
١٨٧٤ - (١٦) وعن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((شَرُّ ما في الرجلِ شُحِّ هَالعٌ،
ناقصة لأن التصدق والإعتاق حال الصحة أفضل، كما أن السخاوة عند المجاعة أكمل (رواه
أحمد والنسائي والدارمي والترمذي، وصححه).
١٨٧٢ - (وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: خصلتان لا تجتمعان في مؤمن) أي
كامل قال ابن الملك: خبر موصوف، والمبتدأ (البخل) بضم الباء وسكون الخاء وبفتحها
(وسوء الخلق) بضمهما وسكون الثاني أي لا ينبغي أن يجتمعا فيه أو المراد بلوغ النهاية فيهما،
بحيث لا ينفك عنهما ولا ينفكان عنه فأما من فيه بعض هذا أو بعض ذلك أو ينفك عنه في
بعض فإنه بمعزل عن ذلك وقال ابن حجر: خصلتان مبتدأ سوّغه إبدال المعرفة منه، في قوله
البخل وسوء الخلق، والخبر لا يجتمعان. اهـ. وإغلاقه لا يخفى والظاهر أن لا يجتمعان صفة
مخصصة، مسوّغة لكون المبتدأ نكرة والخبر قوله البخل وسوء الخلق. (رواه الترمذي) وقال:
غريب لا نعرفه إلا من حديث صدقة بن موسى. اهـ. وصدقة بن موسى ضعيف ذكره ميرك،
ويؤيده حديث النسائي لا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبداً فيمكن أن يحمل سوء
الخلق، على ما يخالف الإِيمان فإن الخلق الحسن، هو ما به امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
١٨٧٣ - (وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: لا يدخل الجنة)
أي دخولاً أوّلياً (خب) بفتح الخاء ويكسر أي خداع يفسد بين الناس بالخداع. (ولا بخيل)
يمنع الواجب من المال (ولا منان) من المنة أي يمن على الفقراء بعد العطاء، أو من المن
بمعنى القطع لما يجب أن يوصل وقيل: لا يدخل الجنة مع هذه الصفة حتى يجعل طاهراً منها
إما بالتوبة عنها في الدنيا، أو بالعقوبة بقدرها تمحيصاً في العقبى، أو بالعفو عنه تفضلاً
وإحساناً، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾ [الحجر - ٤٧] (رواه
الترمذي) .
١٨٧٤ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله لهول: شر ما في الرجل) من الخصال
الذميمة (شح هالع) أي جازع يحمل على الحرص، على تحصيل المال والجزع على ذهابه،
الحديث رقم ١٨٧٢ : أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٣٠٢ حديث رقم ١٩٦٢.
الحديث رقم ١٨٧٣: أخرجه الترمذي في السنن ٣٠٣/٤ حديث رقم ١٩٦٤. وأحمد في المسند ٧/١.
الحديث رقم ١٨٧٤: أخرجه أبو داود في السنن ٢٦/٣ حديث رقم ٢٥١١. وأحمد في المسند ٢/ ٣٠٢.

٣٢٦
التار جيلكامل
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
وجُبن خالعٌ)). رواه أبو داود.
وسنذكر حديث أبي هريرة: ((لا يجتمعُ الشخُ والإِيمان)) في ((كتابِ الجهادِ)) إِن شاء
اللهُ تعالى.
الفصل الثالث
١٨٧٥ - (١٧) عن عائشة رضي اللَّهُ عنها أَنَّ بعضَ أزواج النبيِّ وََّ قُلْنَ للنبيَّ ◌َّ:
((أَيُّنا أسرعُ بكَ لُحوقاً؟ قال: أَطولُكُنَّ يداً، فأخذوا
كما قال تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً ﴾
[المعارج - ١٩ - ٢٠ - ٢١] وقيل: الشح أبلغ من البخل لأن البخل منع ما وجب بذله من
المال، والشح منع كل واجب من المال والأفعال والأقوال. (وجبن خالع) أي شديد كأنه يخلع
قلبه من شدة خوفه من المحاربة مع الكفار، ويمنعه من الدخول في عمل الأبرار وخص الرجل
إما لأنهما ممدوحان للنساء في نوع منهما، أو لأن مذمة الرجال بهما فوق مذمة النساء بهما.
(رواه أبو داود) أي من طريق موسى بن علي بضم العين عن أبيه عن عبد العزيز بن مروان عن
أبي هريرة قال: الحافظ محمد بن طاهر، وهو إسناد متصل (وسنذكر حديث أبي هريرة لا
يجتمع الشح والإِيمان) أي الكامل أو أريد به الزجر، والتهديد (في كتاب الجهاد) لم يظهر وجه
تحويله عن محله الأليق الأسبق. (إن شاء الله تعالى).
(الفصل الثالث)
١٨٧٥ - (عن عائشة رضي الله عنها أن بعض أزواج النبي ◌َّر) ورضي عنهن (قلن للنبي
وَسلر أينا أسرع بك لحوقاً؟) أي بالموت بعدك ومنه قوله وَ لهو لفاطمة إنك أوّل أهلي لحوقاً بي،
فضحكت (قال أطولكن يداً) أي أكثركن صدقة، وأعظمكن إحساناً فإن اليد تطلق ويراد بها
المنة والنعمة والإِحسان، ومنه قوله وَل# اللهم لا تجعل لفاجر عليّ يداً يحبه قلبي، وكذا قول
الشاطبي :
إليك يدي منك الأيادي تمدها
(فأخذوا) الظاهر فأخذن وعدل إلى أخذوا تعظيماً، كما في قوله تعالى: ﴿وكانت من
القانتين ﴾ [التحريم - ١٢] وقول الشاعر:
٠٢٥٥
وإن شئت حرمت النساء سواكم
ذكره الطيبي والشاهد الثاني أظهر كما لا يخفى لأن مسوّغ ذلك التغليب للجنس
الحديث رقم ١٨٧٥ : أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٢٨٥ حديث رقم ١٤٢٠ ، ومسلم في صحيحه ٤/ ١٩٠٧
حديث رقم (١٠١ - ٢٤٥٢). والنسائي ٦٦/٥ حديث رقم ٢٥٤١. وأحمد في المسند ٦/ ١٢١.
ربها.

٣٢٧
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
قصبةً يذرعونها، وكانت سودةُ أَطْوَلهُنَّ يداً، فعلمنا بعدُ أنما كانَ طولُ يدِها الصدقةَ، وكانت
أسرَعَنا لحوقاً بهِ زينبُ، وكانت تحبُّ الصدقةَ. رواه البخاري. وفي رواية مسلم، قالت:
قال رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أسرعُكُنَّ لحوقاً بي أطولُكنَّ يدا)). قالت: وكانت يتطاولْنَ أيَّتُهنَّ أطولُ
يداً؟ قالت: فكانت أطولنا يداً زینبُ؛
الأشرف، ولا تغليب هنا لأن الكل نسوة (قصبة يذرعونها) أي ويقيسون أيديهن بها بناء على
فهمهن أن المراد باليد الجارحة. (وكانت سودة أطولهن يداً) أي في الحس (فعلمنا بعد) أي
بعد هذا حين ماتت زينب أوّلاً وكانت أكثرهن صدقة (إنما كان) بالفتح (طول يدها) بالرفعِ
(الصدقة) بالنصب كذا في النسخ المصححة وعكس العسقلاني، قال الطيبي: أي فهمنا أولاً
ظاهرة ولما فطنا بمحبتها الصدقة علمنا أنه وَ لو لم يرد باليد إلا العطاء. اهـ. وفيه تأمل (وكانت)
الواو للحال (أسرعنا لحوقاً به زينب) كذا في نسخة قال ميرك: وقع في بعض نسخ المشكاة هنا
بعد قوله لحوقاً به زيادة لفظ زينب ملحقاً وليس بصحيح لأن في عامة نسخ البخاري، وقع
بحذفها كما صرح به الشيخ ابن حجر في شرحه. اهـ. وهو يوهم أن سودة كانت أسرع لحوقاً
بالنبي ◌َّلر، وهذا وهم باطل بالإِجماع وإن كانت سودة أطولهن جارحة والصواب ما ذكره
مسلم في صحيحه وهو المعروف عند أهل الحديث إنها زينب(١) فالصحيح تقدير زينب أو
وجوده، قال الكرماني: يحتمل أن يقال إن في الحديث اختصاراً أو اكتفاء لشهرة القصة لزينب
أو يؤوّل الكلام، بأن الضمير راجع إلى المرأة التي علم رسول الله وَله إنها أوّل من يلحق به
وكانت كثيرة الصدقة قلت: الأوّل هو المعتمد كذا في فتح الباري، وأنت عرفت أن هذا
اختصار مخل فالأولى أن الأخيرين أحق والثالث أدق. (وكانت) أي زينب (تحب الصدقة) أي
اعطاءها وكانت لها صناعة واكتساب معيشة باليد، وهذا معنى آخر لليد فأطولكن يداً بمعنى
أفضلكن يداً، حيث إنها تأكل من كسب يدها وتتصدق بيدها من كدّ يدها. (رواه البخاري وفي
رواية مسلم) أي عن عائشة (قالت: قال رسول الله وَله: أسرعكن لحوقاً بي، أطولكن يداً) وفيه
إشارة إلى أن طول الحياة، كان في حياته أفضل وأما بعد موته فالموت أكمل ولهذا قال بلال:
غداً نلقى الأحبة.
محمداً وحز به (قالت) أي عائشة (وكانت) أي جماعة النساء من أمهات المؤمنين
(يتطاولن) أي يتقايسن طول أيديهن (أيتهن) بالضم (أطول يداً) قال الطيبي [رحمه الله]: محله
النصب على أنه حال أو مفعول به، أي يتطاولن ناظرات أيتهن قيل وجه رواية البخاري أن
الحاضرات كانت بعض أزواجه وإن سودة توفيت قبل عائشة في سنة أربع وخمسين وعائشة في
سنة ثمان أو سبع وخمسين، ووجه رواية مسلم أن الحاضرات جميعهن وإن زينب توفيت في
سنة عشرين قبل جميع الأزواج. اهـ. وفيه مناقشة لا تخفى (قالت) أي عائشة (فكانت) وفي
نسخة بالواو أي ظهرت (أطولنا يداً) أي بالصدقة (زينب) وكانت امرأة قصيرة ذكره العسقلاني
(١) وهي الرواية الآتية.
M.

٣٢٨
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
لأَنَّها كانت تعملُ بيدِها وتتصدَّقُ.
١٨٧٦ - (١٨) وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّلِهِ، قال: «قال رجل: لأَتَصَدَّقَنَّ
بصدقَةٍ، فخرجَ بصدقتِه فوضعَها في يدِ سارقٍ، فأصبحوا يَتحدَّثون: تُصُدَّقَ الليلةَ على
سارقٍ، فقال: اللهمَّ لك الحمدُ، على سارقٍ؟ لأتصَدَّقَنَّ بصدقةٍ، فخرجَ بصدقتهِ فوضعَها
في يدِ زانيةٍ، فأصبحوا يَتحدَّثون: تُصُدَّقَ الليلةَ على زانيةٍ. فقال: اللهمَّ لكَ الحمدُ، على
زانيةٍ؟! لأتصدقنَّ بصدقةٍ، فخرَجَ بصدقةٍ فوضعَها في يدِ غَنِيّ، فأصبحوا يَتحدَّقون: تُصُدَّقِ
الليلةَ على غنيّ. قال: اللهمَّ لكَ الحمدُ، على سارقٍ وزانيةٍ وغنيّ؟ فأُتَيَ، فقيل له: أمَّا
صَدَقَتُكَ على سارقٍ فلعلَّهُ أن
(لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق) أي تدبغ الجلود بيدها ثم تبيعها وتتصدق بثمنها، وفيه إيماء
إلى أن طول اليد كناية عن قصر الطمع وكف النفس المتعدي، قال الطيبي: تعليل بمنزلة البيان
لقولها، يتطاولن وإن المراد المعنوي لا الصوري.
١٨٧٦ - (وعن أبي هريرة أن رسول الله وَّه قال: قال رجل) أي ممن كان قبلكم في نفسه
أو لبعض أصحابه، أو في ندائه حال دعائه (لأتصدقن) أي الليلة (بصدقة) أي عظيمة واقعة
موقعها ليتعلق بها قبول عظيم (فخرج) أي من بيته (بصدقته) أي التي نوى بها ليعطيها مستحقها
(فوضعها في يد سارق) من غير أن يعلم به أنه سارق غير مستحق لها فأذاع السارق بأنه تصدق
عليه الليلة. (فأصبحوا) أي الناس (يتحدثون) بعضهم من السارق أو بالهام الخالق، والمعنى
فصار الناس متحدثين أو معناه دخلوا في الصباح حال كونهم قائلين تعجباً أو إنكاراً (تصدق
الليلة) ظرف (على سارق) نائب الفاعل أو هو (بصدقة فقال اللهم لك الحمد على سارق) أي
على تصدقي على سارق قال الطيبي: لما جزم بوضعها في موضعها كما دل عليه تنكير بصدقة
جوزي بوضعها في يد سارق، فحمد الله وشكره على أنه لم يتصدق على من هو أسوأ حالاً منه
وقيل: هو تعجب من فعل نفسه كما تعجبوا من فعله فذكر الحمد في موضع التعجب، كما
يذكر التسبيح في موضعه (لا تصدقن بصدقة) أي أخرى لعلها تقع في محلها (فخرج بصدقته
فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون) أي تعجباً أو إنكاراً (تصدق الليلة على زانية فقال:
اللهم لك الحمد على زانية، لا تصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا
يتحدثون تصدق) أي الليلة كما في نسخة (على غني قال: اللهم لك الحمد على سارق وزانية
وغني) فذلك(١) فذلكة وفيه إشارة إلى حمده تعالى وثنائه تفويضاً وتسليماً لقضائه، فجوزي على
ذلك المقام بتمام نظام المرام. (فأتي) فأري في المنام (فقيل له) أي صدقاتك مقبولة وكلها في
موضعها موضوعة (أما صدقتك على سارق) فلا تخلو عن مثوبة متضمنة لحكمة (فلعله أن
٠٫٠٠
717
الحديث رقم ١٨٧٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٣٤٠ حديث رقم ١٤٢١. ومسلم في صحيحه ٢/
بـ 7.
٧٠٩ حديث رقم (٧٨ - ١٠٢٢). والنسائي ٥/ ٥٥ حديث رقم ٢٥٢٣. وأحمد في المسند ٣٢٢/٢.
(١) الفذلك إذا فرغ من الحساب. وهي منعوتة من قول الحاسب فذلك كذا ...

٣٢٩
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
يستعِفَّ عن سرقتِهِ، وأمَّا الزانيةُ فلعلَّها أن تَستَعِفَّ عن زِناها، وأما الغَنيُّ فلعلَّهُ يعتبرُ فينفقُ
ممَّا أعطاهُ اللَّهُ)). متفق عليه، ولفظه للبخاري.
١٨٧٧ - (١٩) وعنه، عن النبيِّ وََّ، قال: ((بينا رجلٌ بفلاةٍ من الأرضِ فسمعَ صوتاً
في سَحابةٍ: اسقِ حديقةَ فُلانٍ؛ فتنحَّى ذلكَ السَّحابُ فأفرِغَ ماءَهُ في حَرَّة، فإِذا شرْجةٌ من
تلكَ الشّراجِ قد استوعبَتْ ذلكَ الماءَ كلَّه، فتبَّعَ الماءَ فإِذا رَجلٌ قائمٌ في حديقتِهِ، يُحوِّلُ
الماءَ
يستعف عن سرقته) إما مطلقاً أو مدة الاكتفاء (وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها)
وفيه إيماء إلى أن الغالب في السارق والزانية أنهما يرتكبان المعصية للحاجة، وهو أحد
معاني ما ورد كاد الفقر أن يكون كفراً (وأما الغني فلعله يعتبر) أي يتعظ ويتذكر (فينفق
مما أعطاه الله) اعلم أنه إذا دفع الزكاة إلى من ظنه فقيراً ثم ظهر أنه غني لا يعيدها
خلافاً لأبي يوسف، ولكن لا يسترد ما أداه وهل يطيب للقابض إذا ظهر الحال لا رواية
فيه واختلف فيه وعلى القول بأن لا يطيب يتصدق، وقيل: يرده للمعطي على وجه
التمليك، ليعيد الأداء لأبي يوسف أنه ظهر خطؤه بيقين مع إمكان الوقوف على الصواب
فصار كما لو توضأ بماء أو صلى في ثوب ثم تبين أنه نجس ولهما ما روي البخاري،
عن معن بن يزيد قال: بايعت رسول الله * أنا وأبي وجدي، وخطب علي [فانكحني]
وخاصمت إليه وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد
فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله وَله فقال:
يا يزيد لك ما نويت ولك ما أخذت يا معن (١). اهـ. وهو وإن كان واقعة حال يجوز
فيها كون تلك الصدقة كانت نقلاً لكن عموم لفظ ما في قوله عليه الصلاة والسلام لك
ما نويت يفيد المطلوب كذا حققه ابن الهمام (متفق عليه ولفظه للبخاري) أي ولمسلم
معناه .
١٨٧٧ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (عن النبي وَّر قال: بينا) بأشباع الفتحة ألفاً أي بين
أوقات (رجل بفلاة) أي بصحراء واسعة (من الأرض فسمع صوتاً في سحابة اسق) بقطع همز
ووصله (حديقة فلان) وهي بستان يدور عليه حائط، وفلان كناية منه عليه الصلاة والسلام عن
اسم صاحب الحديقة، كما سيأتي بيانه صريحاً (فتنحى ذلك السحاب) أي تبعد عن مقصده
(فافرغ ماءه في حرة) وهي أرض ذات حجارة سود (فإذا شرجة) بسكون الراء مسيل الماء إلى
السهل، من الأرض. (من تلك الشراج) بكسر الشين أي الواقعة في تلك الحرة (قد استوعبت)
أي بالأخذ (ذلك الماء) أي النازل من السحاب الواقع في الحرة (كله) تأكيد (فتتبع) أي ذلك
الرجل (الماء) أي أثره (فإذا رجل قائم في حديقته يحوّل الماء) أي من مكان إلى مكان من
(١) البخاري في صحيحه ٢٩١/٣ حديث رقم ١٤٢٢.
الحديث رقم ١٨٧٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٨٨/٤ حديث رقم (٤٥ - ١٩٨٤). وأحمد في المسند
٢٩٦/٢.

٣٣٠
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
بِمسحاتهِ، فقالَ له: يا عبدَ اللَّهِ ما اسمُك؟ قال: فُلانٌ؛ الاسمُ الذي سَمعَ في السَّحابةِ،
فقال له: يا عبدَ اللهِ! لمَ تسألُني عن اسمي؟ فقال: إني سمعتُ صوتاً في السَّحابِ الذي
هذا ماؤُهُ، ويقول: اسقِ حديقةَ فُلانٍ لاسمِكَ، فما تصنَعُ فيها؟ قال: أمَّا إِذا قُلتَ هذا؛
فإني أنظُرُ إِلى ما يخرُجُ منها فأتصدَّقُ بثلُثِه وآكلُ أنا وعِيالي ثُلُثاً، وأَرُدُّ فيها ثُلُثَه)). رواه
مسلم .
١٨٧٨ - (٢٠) وعنه، أنَّهُ سمعَ النبيَّ وَلَّ يقول: ((إِنَّ ثلاثةً من بني إِسرائيل: أبرَص،
وأقرَعَ، وأعمى. فأَرادَ اللَّهُ أن يبتَلِيَهُمْ؛ فبعثَ إِليهم مَلَكاً، فأتى الأبرصَ فقال: أيُّ شيءٍ
أحبُّ إِليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسنٌ، ويَذِهَبُ عني الذي قد
حديقته (بمسحاته) بكسر الميم وهي المجرفة من الحديد أو غيره. (فقال) أي الرجل (له) أي
لصاحب الحديقة (يا عبد الله ما اسمك) أي المخصوص (قال فلان الاسم) بالرفع وقيل:
بالنصب قال الطيبي: هو صرح باسمه لكن رسول الله وَّر كنى عنه بفلان، ثم فسر بقوله الاسم
(الذي سمع في السحابة) ولعل العدول عن التصريح إلى الكناية للاشارة إلى أن معرفة الأسماء
المبهمة في بعض المواضع، ليست من الأمور المهمة. (فقال له) أي للرجل (يا عبد الله لم
تسألني عن اسمي؟ فقال إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه، يقول) أي ذلك الصوت
يعني صاحبه للسحاب، وفي نسخة ويقول (اسق حديقة فلان لاسمك) قال الطيبي: أي قلت:
أنا فلان لاسمك المخصوص ويدله فإن الهاتف صرح بالاسم، والكناية من السامع. (فما تصنع
فيها) أي في حديقتك من الخير، حتى تستحق هذه الكرامة (قال أما) بتشديد الميم (إذ قلت:)
وفي نسخة إذا قلت (هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها) أي من زرع الحديقة وثمرها (فأتصدق
بثلثه) بضمتين وسكون الثاني (وآكل أنا وعيالي ثلثاً وأرد فيها) أي وأصرف في الحديقة للزراعة
والعمارة (ثلثه رواه مسلم).
١٨٧٨ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (أنه سمع النبي نَّه يقول: إن ثلاثة من بني إسرائيل
أبرص وأقرع وأعمى) منصوبات على البدلية من ثلاثة (فأراد الله أن يبتليهم) أي يمتحنهم ليعرفوا
أنفسهم، أي ليعرفهم الناس أو ليعلم تعالى أحوالهم علم ظهور، كما يعلمها علم بطون قال
الطيبي: هو خبر أن عند من يجوّز دخول الفاء في خبرها ومن لم يجوّز قدر الخبر أي فيما
أقص عليكم فقوله فأراد تفسير للمجمل ولو رفع أبرص وما عطف عليه بالخبرية تعين للتفسير.
اهـ. يعني أن رفعها بتقدير أحدهم أبرص أو منهم أبرص (فبعث إليهم ملكاً) أي في صورة رجل
مسكين كما دل عليه قوله الآتي في صورته وهيئته (فأتى الأبرص فقال) أي الملك (أي شيء
أحب إليك) أي من الأحوال (قال لون حسن) كالبياض (وجلد حسن) أي ناعم طري (ويذهب
عني) بالرفع كقوله أحضر الوغى وفي نسخة على صيغة المجهول، أي يزول عني (الذي قد
الحديث رقم ١٨٧٨ : أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ٥٠٠ حديث رقم ٣٤٦٤. ومسلم في صحيحه ٤/
٢٢٧٥ حدیث رقم (١٠ - ٢٩٦٤).

٣٣١
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
ق ◌َذَّرَني النَّاسُ)) قال: ((فمسحَه فذهبُ عنهُ قذَرُهُ، وأُعطيَ لوناً حسناً وجدداً حسناً.
قال: فأيُّ المالِ أحَبُّ إِليك؟ قالَ: الإِبلُ - أو قالَ: البقرُ)) شكّ إِسحاق ((إِلاَّ أنَّ
الأبرصَ والأقرعَ، قال أحدهما: الإِبِلُ، وقال الآخرُ: البقرُ. قال: فأعطِيَ ناقةً
عشراءَ، فقالَ: باركَ اللَّهُ لكَ فيها)). قال: ((فأتى الأقرعَ، فقال: أيُّ شيءٍ أحبُ
إِليكَ؟ قال: شعرٌ حسنٌ، ويَذهبُ عني هذا الذي قدْ قذَرني الناسُ)). قال: ((فمسحَه؛
فذهبَ عنه))، قال: ((وأُعطِيَ شَعْراً حسناً. قال: فأيُّ المالِ أحبُ إِليكَ؟ قال: البقرُ.
فَأُعطِيَ بقرةً حاملاً، قال: باركَ اللَّهُ لكَ فيها)). قال: ((فأَتى الأعمى، فقال: أيُّ شيءٍ
أحبُّ إِليكَ؟ قال: أنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِليَّ بصري، فأبصِرُ به الناسَ))، قال: ((فمسحّه؛ فرَذَّ
اللَّهُ إِليه بَصرَه. قال: فأيُّ المال أحبُّ إِليكَ؟ قال: الغنمُ. فَأُعطيَ شاةً والِداً. فأنتجَ
هذانٍ، وولُدَ هذا؛ فكانَ لهذا وادٍ منَ الإِبلِ، ولهذا وادٍ منَ البقرِ، ولهذا واد منّ
الغنم)). قال: ((ثُمَّ إِنَّه أتى الأبرصَ في صورتِه وهَئِه،
قذرني الناس) بكسر المعجمة أي كرهوا مخالطتي من أجله وهو البرص (قال) أي النبي
(فمسحه) أي الملك (فذهب عنه قذره) بفتحتين (وأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً قال) أي
الملك (فأي المال أحب إليك؟ قال الإبل أو قال البقر شك إسحاق) قال الطيبي: هو
إسحاق بن عبد الله أحد رواة هذا الحديث أقول والإِبل أرجح بقرينة قوله الآتي فاعطني
ناقة بصيغة الجزم (إلا أن الأبرص أو الأقرع) استثناء من الشك (قال أحدهما: الإبل وقال
الآخر البقر) أي لم يشك إسحاق في هذا بل في التعيين قاله في الطيبي (قال) أي النبي
(فأعطي) أي طالب الإِبل لا الأبرص كما جزم به ابن حجر (ناقة عشراء) بضم العين
وفتح الشين والمد التي أتى على حملها عشرة أشهر، ثم أطلق على الحامل مطلقاً (فقال)
أي الملك (بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك قال شعر
حسن) بفتح العين وتسكن (ويذهب عني هذا الذي قد قذرني الناس، قال: فمسحه
فذهب عنه قال وأعطي شعراً حسناً فقال فأيّ المال أحب إليك قال البقر فاعطي بقرة
حاملاً، قال بارك الله لك فيها قال فأتى الأعمى، فقال أي شيء أحب إليك قال أن يرد
الله إلي بصري فابصر) بالنصب والرفع (به الناس قال فمسحه فرد الله إليه بصره قال فأي
المال أحب إليك؟ قال الغنم فاعطي شاة والداً) قيل: هي التي عرف منها كثرة النتاج
وقيل: الحامل (فانتج) بصيغة الفاعل من الإنتاج قال الطيبي: هكذا الرواية، ومعناه تولى
الولادة والمشهور نتج والناتج للابل كالقابلة للنساء وقال ابن حجر: أي استولد الناقة
والبقرة. (هذان) أي الأبرص والأقرع (وولد) فعل ماض معلوم من التوليد بمعنى الإنتاج
(هذا) أي الأعمى (فكان لهذا) أي للأبرص (واد من الإِبل ولهذا) أي للأقرع (واد من
البقر ولهذا) أي للأعمى (واد من الغنم قال) أي النبي ◌َّ (ثم إنه) أي الملك (أتى
الأبرص في صورته) أي التي جاء الأبرص عليها أوّل مرة (وهيئته) قال الطيبي: ولا يبعد
أن يكون الضمير راجعاً إلى الأبرص، لعله يتذكر حاله ويرحم عليه بماله والأوّل أظهر
١
ھ

٣٣٢
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
فقال: رجلٌ مسكينٌ قد انقطعتْ بيَ الحِبالُ في سفَري، فلا بَلاغَ لي اليومَ إِلاَّ باللَّهِ ثمَّ بكَ.
أسألُكَ بالذي أعطاكَ اللونَ الحسنَ والجِلدَ الحسنَ والمالَ، بعيراً أتبلَّغُ بهِ في سفَري. فقال:
الحقوقُ كثيرةٌ. فقال: إِنَّه كأني أعرِفُكَ، ألمْ تكنْ أبرصَ يقذَرُكَ الناسُ، فقيراً فأعطاكَ اللَّهُ
مالاً؟ فقال: إِنَّما ورِثتُ هذا المالَ كابراً عن كابرٍ، فقال: إِنْ كنتَ كاذِباً،
في الحجة عليه حيث جاءه في صورته التي تسبب في جماله، وحصول كثرة ماله. (فقال) أي
له (رجل مسكين) أي أنا (قد انقطعت بي الحبال) أي الأسباب (في سفري) قال الطيبي: الباء
للتعدية قال: السيد جمال الدين: فيه تأمل لأن المعنى لا يساعد التعدية، والأصوب أن يقال
الباء بمعنى من كما في قوله تعالى: ﴿شرب بها عباد الله﴾ [الإنسان - ٦]. اهـ. والأظهر أن
الباء للسببية والملابسة. كما في قوله تعالى: ﴿وتقطعت بهم الأسباب﴾ [البقرة - ١٦٦]
والحبال بكسر المهملة بعدها موحدة جمع الحبل وهو العهد والزمان والوسيلة، وكل ما ترجو
فيه خيراً أو فرجاً أو تستدفع به ضرراً والحبل ههنا السبب فكأنه قال: (انقطعت بي الأسباب)
وفي شرح الشيخ ابن حجر العسقلاني، أي الأسباب التي يقطعها في طلب الرزق ولبعض رواه
مسلم الحيال بالمهملة، والتحتانية جمع حيلة أي لم تبق لي حيلة ذكره السيد جمال الدين.
وقال ابن الملك: وفي بعض نسخ البخاري الجبال بالجيم، وهو جمع جبل أي طال سفري
وقعدت عن بلوغ حاجتي. (فلا بلاغ) أي كفاية (لي اليوم إلا بالله) أي إيجاداً وإمداداً (ثم بك)
أي سبباً وإسعاداً وفيه من حسن الأدب، ما لا يخفى حيث لم يقل وبك وثم التراخي الرتبة
والتنزل في المرتبة قال الطيبي: أمثال ذلك من الملائكة ليست أخباراً بل من معاريض الكلام،
كقول إبراهيم [إني سقيم]. اهـ. وكقولهم ﴿إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة﴾ [ص - ٢٣]
الآية (أسألك) أي مقسماً عليك أو متوسلاً إليك. (بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن
والمال) أي الإِبل (بعيراً) مفعول أسألك أي أطلب منك بعيراً (أتبلغ به في سفري) أي إلى
مقصودي أو وطني (فقال الحقوق كثيرة) أي حقوق المال كثيرة عليّ، ولم أقدر على أدائها أو
حقوق المستحقين كثيرة فلم يحصل لك البعير، وقد أراد به دفعة وهو غير صادق فيه. (فقال
إنه) أي الشأن (كأني أعرفك) ونكتة التشبيه المغالطة لتمكنه المكابرة (ألم تكن أبرص) أي قد كنت
أبرص (يقذرك الناس) بفتح الذال أي يكرهونك ويستقذرونك وهو حال كقوله (فقيراً) أو هذا خبر
ثان وهو الأظهر لقوله (فأعطاك الله) أي مالاً أو جمالاً ومالاً (فقال إنما ورثت هذا المال كابراً)
حال (عن كابر) أي كبيراً آخذاً عن كبير أو كبيراً بعد كبير والمعنى حال كوني أكبر قومي سناً،
ورياسة ونسباً وآخذاً عن آبائي الذين هم كذلك حسا ونعم من قال من أرباب الحال:
كان الفتى لم يعر يوماً إذا اكتسى * ولم يك صعلوكاً إذا ما تموّلا
وهذا من باب الاكتفاء في الجواب، فإنه يلزم عرفاً من التكذيب في شيء تكذيبه في
آخر. (فقال) أي الملك (له إن كنت كاذباً) أو رد بصيغة الماضي لأنه أراد المبالغة في الدعاء
عليه كذا في فتح الباري، ووجهه غير ظاهر وقيل: ذكر أن دون إذا مع أن كذبه كان مقطوعاً
به، عند الملك لقصد التوبيخ وتصوير أن الكذب في مثل هذا المقام يجب أن يكون إلا على
٠٩٣٠

٣٣٣
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
فصيَّكَ اللَّهُ إِلى ما كنت)). قال: ((وأتى الأقرعَ في صورتِه وهيئته، فقال له مثلَ ما قال لهذا،
وردَّ عليه مثلَ ما ردّ على هذا، فقال: إِنْ كنتَ كاذِباً فصَيَّركَ اللَّهُ إِلى ما كنتَ)). قال: ((وأتى
الأعمى في صورتِه وهيئتِه، فقال: رجلٌ مسكينٌ وابنُ سبيلٍ، انقطعتْ بي الحِبالُ في
سفَري؛ فلا بَلاغَ ليَ اليومَ إِلاَّ باللَّهِ ثمَّ بِك. أسألُكَ بالذي ردَّ عليكَ بصرَكَ، شاةٌ أتبلّغُ بها
في سفَري. فقال: قد كنتُ أعمى فردَّ اللَّهُ إِليَّ بصَري، فخُذْ ما شئتَ ودعْ ما شئتَ؛ فوَاللَّهِ
لا أَجهدُكَ اليومَ بشيءٍ أَخذتَه للَّهِ. فقال: أمسِكْ مالَكَ، فإِنَّما ابتُليتُمْ؛ فقدْ رِضيَ عنكَ،
وسُخِطَ على صاحِبِيَكَ)). متفق عليه.
١٨٧٩ - (٢١) وعن أمِّ بُجَيدٍ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ! إِنَّ المسكينَ ليَقفُ على
مجرد الغرض والتقدير. اهـ. وفيه ما فيه والأظهر أنه عدل عن إذا كذبت إلى قوله إن كنت كاذباً
بصيغة الماضي، وبالوصف الدال على المتصف بالكذب غالباً للاشارة إلى أن مثل هذا يستحق
الدعاء عليه، ولا يبعد أن تكون إن بمعنى إذ كما قيل: في قوله تعالى: ﴿وخافون إن كنتم
مؤمنين﴾ [آل عمران - ١٧٥] (فصيرك الله إلى ما كنت) من البرص والفاقة أي جعلك حقيراً
فقيراً. (قال وأتى الأقرع في صورته) لم يقل هنا وهيئته اختصاراً أو اكتفاء (فقال له مثل ما قال
لهذا) أي لهذاك (ورد عليه مثل ما رد على هذا فقال إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت) قال
ميرك: فإن قلت: لم دخل الفاء في الجزاء وهو فعل ماض؟ قلت هو دعاء. اهـ. أي هذا في
معنى الدعاء فلذا جاز دخول الفاء، وإن جعل خبراً يكون التقدير فقد صيرك الله. (قال وأتى
الأعمى في صورته وهيئته، فقال رجل مسكين، وابن سبيل) أي مسافر (انقطعت بي الحبال في
سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك أسألك بالذي رد عليك بصرك، شاة أتبلغ بها في سفري
فقال) اعترافاً وتحدثاً بنعمة الله (قد كنت أعمى، فرد الله إلي بصري فخذ ما شئت ودع ما
شئت، فوالله لا أجهدك) بفتح الهمزة والهاء وفي نسخة بضم الهمزة وكسر الهاء أي لا أستفرغ
طاقتي (اليوم بشيء) أي بمنع شيء (أخذته الله تعالى) كذا قاله الطيبي ولا يخفى أن هذا المعنى
لا يناسب المقام بل الأولى، أن يقال معناه لا أشق عليك في رد شيء تطلبه مني، أو تأخذه من
مالي كما نقله الشيخ ابن حجر العسقلاني عن القاضي عياض، والله أعلم ذكره السيد جمال
الدين. (فقال أمسك مالك فإنما ابتليتم) أي أنت ورفيقاك والمعنى اختبرتم هل تذكرون سوء
حالتكم، وشدة خدمتكم أوّلاً وتشكرون نعمة ربكم عليكم آخراً. (فقد رضي عنك وسخط على
صاحبيك) بصيغة المجهول فيهما (متفق عليه).
١٨٧٩ - (وعن أم بجيد) بضم الموحدة وفتح الجيم، اسمها حواء بنت يزيد بن السكن
(قالت: قلت: يا رسول الله إن المسكين) أي جنسه ويحتمل العهد (ليقف على
الحديث رقم ١٨٧٩: أخرجه أبو داود في السنن ٣٠٧/٢ حديث رقم ١٦٦٧. والترمذي في السنن ٥٢/٣
حديث رقم ٦٦٥. والنسائي ٨٦/٥ حديث رقم ٢٥٧٤. وأحمد فى المسند ٣٨٣/٦.

٣٣٤
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
بابي حتى أستخييَ، فلا أجدُ في بَيتي ما أدفعُ في يدِهِ. فقال رسولُ اللَّهِ وَلّر: (ادفعي في
يدِهِ ولوْ ظِلْفاً مُحرَّقا)). رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيُّ، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ
صحیح .
١٨٨٠ - (٢٢) وعن مولىّ لعثمانَ [ رضي الله عنه ]، قال: أُهدِيَ لأمّ سلمةَ بَضعةٌ
مِنْ لحم، وكانَ النبيُّ ◌َّه يُعجبُه اللحمُ، فقالتْ للخادِمِ: ضَعيهِ في البيتِ لعلَّ النبيَّ ◌َّ
يأكلهُ، فَوَضعَتْهُ في كُوَّةِ البيتِ. وجاءَ سائلٌ فقامَ على البابِ، فقال: تصدَّقوا، باركَ اللَّهُ
فيكم. فقالوا: باركَ اللَّهُ فيكَ. فذهبَ السَّائلُ، فدخلَ النبيُّ وََّ فقال: ((يا أمَّ سلَمَةَ! هلْ
عندكم شيءٌ أطْعَمُه؟)) فقالتْ: نعم، قالتْ للخادم: اذهبي فَأَتي رسولَ الله وَّل بذلكَ
اللحم. فذهبتْ، فلم تجدْ في الكُوَّةِ إِلاَّ قِطعةَ مَرْوةٍ، فَقال النبيُّ وََّ: ((فإِنَّ ذلكَ اللحمَ عادَ
مَروةٌ لمَّا لمْ تُعطوهُ السائلَ)). رواه البيهقيُّ في ((دلائل النبوَّة).
بابي) أي ويسأل شيئاً مني، ويكرر سؤاله عني (حتى أستحيي) ولأجل أن الوقوف على الباب
يفتح باب الحياء، وبسيف الحياء يحرم أخذ العطاء كان بعض أصحابنا من الفقراء يسأل على
الأبواب، ويقول يا فتاح يا رزاق من غير أن يقف على الباب. (فلا أجد في بيتي ما ادفع) أي
شيئاً أضع (في يده فقال رسول الله وَ لير: ادفعي في يده) أي لا ترديه خائباً (ولو ظلفاً) أي ولو
كان ما يدفع به ظلفاً، وهو البقر والشاة والظبي وشبهه بمنزلة القدم منا، يعني شيئاً يسيراً وقوله
(محرقاً) مبالغة (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح).
١٨٨٠ - (وعن مولى لعثمان قال: أهدي لأم سلمة بضعة) بضم الباء وتكسر أي قطعة
(من لحم) وهي مطبوخة (وكان النبي ◌َّ يعجبه اللحم) جملة معترضة (فقالت للخادم) وهو
واحد الخدم يقع على الذكر والأنثى لجريه مجرى الأسماء وهو هنا أنثى لقوله (ضعيه) أي
اللحم (في البيت لعل النبي ◌َّ ر يأكله فوضعته) أي الخادم (في كوّة البيت) بفتح الكاف وتضم
أي في نقبه، وطاقة (وجاء سائل فقام على الباب فقال) أي السائل (تصدقوا) أي يا أهل البيت
(بارك الله فيكم، فقالوا بارك الله فيك) فيه تعريض بالسؤال بلفظ الدعاء من السائل، والتعريض
بهما من المسؤول (فذهب السائل فدخل النبي ﴿ فقال يا أم سلمة عندكم) فيه تعظيم أو
تغليب، أو التفات والاستفهام مقدر أي أعندكم (شيء أطعمه) أي آكله (فقالت نعم قالت
للخادم اذهبي فأتي) أي فهاتي (رسول الله {وَلير بذلك اللحم) بكسر الكاف ويفتح (فذهبت فلم
تجد في الكوة إلا قطعة مروة) بسكون الراء أي حجر أبيض براق، وقيل: هي ما يقدح منه النار
(فقال النبي ◌ِّر فإن ذلك اللحم) بكسر الكاف وفتحها (عاد) أي صار (مروة لما) بكسر اللام
وتخفيف الميم، وبفتح اللام وتشديد الميم. (لم تعطوه) أي منه (السائل رواه البيهقي في دلائل
النبوة).
الحديث رقم ١٨٨٠ : البيهقى فى دلائل النبوة.

٣٣٥
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
١٨٨١ - (٢٣) وعن ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهُما، قال: قال النبيُّ ◌َّ: ((أَلا أُخبرُكم
بشرِّ النَّاسِ مَنزِلاً؟)) قيلَ: نعم، قال: ((الذي يُسأَلُ باللَّهِ ولا يُعطي به)). رواه أحمد.
١٨٨٢ - (٢٤) وعن أبي ذَرّ، أنَّه استأذنَ على عُثمانَ، فأذِنَ له وبيدِه عصاهُ، فقالَ
عُثمانُ: يا كعبُ! إِنَّ عبدَ الرَّحمنِ توْفّيَ وتركَ مالاً، فما ترى فيه؟ فقال: إِنْ كانَ يصلُ فيه
حقَّ اللَّهِ، فلا بأسَ عليه. فرفعَ أبو ذرّ عصاهُ فضربَ كعباً،
١٨٨١ - (وعن ابن عباس قال: قال رسول الله بَّ ر: ألا أخبركم بشر الناس منزلاً؟) أي
مرتبة عند الله (قيل: نعم) أي قالوا بلى (قال الذي يسأل بالله) على بناء المجهول (ولا يعطي)
بصيغة المعلوم (به) أي بالله أو بهذا السؤال قال الطيبي: الباء كالباء في كتبت بالقلم، أي يسئل
بواسطة ذكر الله أو للقسم والاستعطاف، أي بقول السائل أعطوني شيئاً بحق الله، وهذا مشكل
إلا أن يكون السائل متهماً بحق الله ويظن أنه غير مستحق وقال ابن حجر: أي مقسماً عليه بالله
استعطافاً إليه، وحملا له على الإِعطاء بأن يقال له بحق الله اعطني، كذا الله ولا يعطي مع ذلك
شيئاً أي والصورة أنه مع قدرة علم اضطرار السائل إلى ما سأله وعلى هذا حمل قول الحليمي،
أخذاً من هذا الحديث وغيره أن رد السائل بوجه الله كبيرة. اهـ. وفي نسخة يسأل بصيغة
المعلوم فيقدر الذي في قوله ولا يعطي به (رواه أحمد).
١٨٨٢ - (وعن أبي ذر أنه استأذن على عثمان) أي للدخول (فأذن له وبيده عصاه) الواو
للحال والضمير لأبي ذر (فقال عثمان: يا كعب) أي كعب الأحبار (إن عبد الرحمن) أي ابن
عوف (توفي وترك مالاً) أي كثيراً بحيث جاء ربع ثمنه ثمانين ألف دينار (فما ترى فيه) أي فما
تقول في حق المال أو صاحبه، وهو الأظهر والمعنى هل تضر كثرة ماله في نقص كماله (فقال)
أي كعب (إن كان) شرطية ويحتمل أن تكون مخففة (يصل فيه) أي ماله ووقع فيه أصل ابن
حجر [فيها] فقال: أي في الأموال التي تركها. (حق الله فلا بأس عليه) أي لا كراهة فيه ولا
نقص له (فرفع أبو ذر عصاه فضرب) أي بها (كعباً) ضرب تأديب حملاً على التهذيب قال
الطيبي: فإن قيل: كيف يضربه وقد علم أنه ليس بكنز بعد إخراج حق الله منه؟ أجيب بأنه إنما
ضربه لأنه نفى البأس بالكلية، وليس كذلك فإنه يحاسب ويدخل الجنة بعد فقراء المهاجرين أي
بخمسمائة سنة وحاصلة أن المقام الأعلى هو صرف المال في مرضاة المولى، كما هو طريق
أكثر الأنبياء، والأصفياء إلا أن فيه إشكالاً وهو أن كعباً أشار إلى هذا المعنى إجمالا بقوله لا
بأس فإنه لا يستعمل إلا في الرخصة دون العزيمة، ومع هذا لا يظهر وجه الإهانة لا سيما في
حضرة الخليفة ولعل أبا ذر غلت عليه الجذبة المؤدية إلى الضربة، وقد يجاب بأنه أراد بلا بأس
نفي الحرمة أو الكراهة كما هو اصطلاح الشافعية، والأوّل أظهر ولعل هذا الفعل وأمثاله مما
الحديث رقم ١٨٨١ : أخرجه النسائي في السنن ٨٣/٥ حديث رقم ٢٥٦٩. والدارمي ٢٦٥/٢ حديث رقم
٢٣٩٥.
الحديث رقم ١٨٨٢: أخرجه أحمد فى المسند ٦٣/١.
....
٠٠٢٠١٠

٣٣٦
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
وقال: سمعتُ رسولَ الله وَّه يقولُ: ((ما أُحبُّ لو أنَّ لي هذا الجبلَ ذهباً أُنفِقُه ويُتقبَّلُ مني أَذَرُ
خَلْفي منه سِتّ أَواقِيَّ))، أنشدُكَ باللَّهِ يا عثمانُ! أسمعتَه؟! ثلاثَ مرَّاتٍ، قال: نعم. رواه أحمد.
١٨٨٣ - (٢٥) وعن عُقبةَ بنِ الحارثِ، قال: صلّيتُ وراءَ النبيِّ وَّهِ بِالمدينةِ العصرَ،
فسلّم، ثمَّ قامَ مُسرِعاً، فتخطّى رِقَابَ النَّاسِ إِلى بعضِ حُجَرٍ نسائِه، فَفرِعَ الناسُ منْ
سُرعتِه، فخرجَ عليهِمْ، فرأى أنَّهم قد عجِبوا منْ سُرعتِهِ؛ قال: ((ذَكَرْتُ شيئاً منْ تِيرِ عندِنا
فكرهتُ أنْ يحبِسَني، فأمرتُ بقِسمتِهِ)). رواه البخاريُّ. وفي روايةٍ له، قال: «كنتُ خَلّفتُ
في البيتِ تِبراً منَ الصَّدَقةِ، فكرِهتُ أنْ أُبَيْتَه)).
١٨٨٤ - (٢٦) وعن عائشةَ [رضي اللَّهُ عنها]، أنَّها قالتْ: كانَ لرسولِ اللَّهِ وَه
عندي في مرضهِ ستَّةُ دنانيرَ أوْ
صدر عنه في جذبة حاله أمر عثمان، بعد ذلك بإخراجه من المدينة إلى ربزة(١) حتى توفي بها
رضي الله عنهما. (وقال) أي أبو ذر (سمعت رسول الله وَ له يقول ما أحب لو أن لي هذا الجبل)
لعله جبل أحد أو غيره أو أراد الجنس (ذهباً أنفقه) حال (ويتقبل مني أذر) مفعول أحب على حذف
إن ورفع الفعل قاله الطيبي، أي أحب أن أترك. (خلفي منه ست أواقي) بتشديد الياء ويجوز
تخفيفها وحذفها ولعله أحب ترك أقل من هذا المقدار للتجهيز والتكفين، أو لدين غائب (أنشدك
بالله) أي أقسم به عليك (يا عثمان أسمعته) أي هذا الحديث (ثلاث مرات) ظرف لأنشدك أولا
سمعته (قال نعم) وحاصله أن أبا ذر كان قائلاً بأن الفقير الصابر، وأفضل على ما عليه الجمهور
خلافاً لمن قال إن الغني الشاكر هو الأفضل، وأدلة الأوّلين أظهر، والتسليم أسلم والله أعلم.
(رواه أحمد) وكان قياس دأب المصنف، أن يجمع بين الحديثين بقوله رواهما أحمد.
١٨٨٣ - (وعن عقبة بن الحارث قال: صليت وراء النبي وَّر بالمدينة العصر، فسلم ثم
قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس) أي متوجهاً (إلى بعض حجر نسائه) بضم الحاء وفتح الجيم
جمع حجرة (ففزع الناس من سرعته) أي من أجل اسراعه (فخرج عليهم) أي فرجع عليهم
واطلع على ما لديهم (فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته) يعني وفزعوا من حالته (قال: ذكرت
شيئاً من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني) أي بمعنى تأخير قسمته عن مقام الزلفى، ويلهيني عن
الحضور عند المولى كما في حديث البجانية أبي جهم. (فأمرت) أي أهل البيت (بقسمته رواه
البخاري وفي رواية له قال كنت خلفت) بتشديد اللام أي تركت خلفي (في البيت تبرأ من
الصدقة فكرهت أن أبیته) بتشديد الياء أي أتركه حتى يدخل عليه الليل.
١٨٨٤ - (وعن عائشة إنها قالت: كان لرسول الله وَلقر عندي في مرضه ستة دنانير، أو
(١) في المخطوطة ((ربده)).
الحديث رقم ١٨٨٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٩/٣ حديث رقم ١٤٣٠. والنسائي في السنن ٣/
٨٤ حديث رقم ١٣٦٥. وأحمد في المسند ٧/٤.
الحديث رقم ١٨٨٤: أخرجه أحمد في المسند ٦/ ١٠٤.
: :

٣٣٧
كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك
سَبعةٌ، فأمرني رسولُ اللهِ وَّرَ أنْ أُفرِّقَها، فشغلَني وجَعُ نبيِّ اللَّهِ وَّل، ثمَّ سألني عنها ((ما
فَعَلتِ السّنَّةُ أو السَّبعةُ؟)) قالت: لا واللَّهِ، لقدْ كانَ شغلَني وجعُكَ. فَدَعا بها، ثمَّ وضعَها
في كفّه، فقال: ((ما ظن نبيِّ اللَّهِ لو لقيَ اللَّهَ عزَّ وجلَّ وهذهِ عندَهُ؟!)). رواه أحمد.
١٨٨٥ - (٢٧) وعن أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ وَِّ دخلَ على بِلالٍ، وعندَهُ صُبْرةٌ منْ
تمر، فقال: ((ما هذا يا بلالٌ؟)) قال: شيءٌ أَدَّخرْتُه لِغَدٍ. فقال: «أَما تخشى أنْ ترى له غداً
بُخاراً في نارِ جهنّمَ يومَ القيامةِ؛ أَنفِقْ بلالُ! ولا تَخْشَ منْ ذِي العَرْشِ إِقْلالاً».
١٨٨٦ - (٢٨) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((السَّخاءُ شَجرةٌ في الجنَّةِ،
سبعة) بالتنوين وتركه (فأمرني رسول الله وَالقر أن أفرقها) بالتشديد (فشغلني وجع رسول الله (وَلات)
أي عن تفريقها (ثم سألني عنها) أي قائلاً (ما فعلت الستة أو السبعة) بالرفع قال الطيبي: وإذا
روي بالنصب كان فعلت على خطاب عائشة. اهـ. والتقدير ما فعلت بالستة أو السبعة يعني هل
فرقتها أو ما فرقتها؟ (قالت لا والله) أي ما فرقتها ولعل وجه القسم تحقيق التقصير، ليكون سبباً
لقبول العذر. (لقد كان شغلني وجعك) أي عن تفريقها فدعا بها (ثم وضعها في كفه، فقال ما
ظن نبي الله) وفي نسخة بالإِضافة (لو لقي الله عزَّ وجلَّ وهذه) أي الدنانير (عنده) أي ثابتة وباقية
قال الطيبي: أي هذه منافية لحال النبوّة. اهـ. يعني لكمالها (رواه أحمد).
١٨٨٥ - (وعن أبي هريرة إن النبي ◌َّر دخل على بلال وعنده صبرة) بضم الصاد وسكون
الموحدة أي كومة (من تمر فقال ما هذا) أي التمر (يا بلال قال شيء ادخرته لغد) أي لحاجتي
في مستقبل من الزمان (فقال أما تخشى أن ترى له) أي لهذا الشيء أو التمر (غداً) أي يوم
القيامة (بخاراً في نار جهنم) أي أثراً يصل إليك، فهو كناية عن قربه منها. (يوم القيامة) أي
جميع زمانها أو هو تأكيد لغد (انفق بلال) أي يا بلال (ولا تخش من ذي العرش إقلالاً) أي فقراً
وإعداماً، وهذا أمر إلى تحصيل مقام الكمال وإلا فقد جوّز إدخار المال سنة للعيال، وكذا
الضعفاء الأحوال قيل: وما أحسن موقع ذي العرش في هذا المقام، أي أتخشى أن يضيع مثلك
من هو يدبر الأمر من السماء إلى الأرض؟. اهـ. أو ذو العرش كناية عن الرحمن كقوله تعالى:
﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه - ٥] أي أتخاف أن يخيب أملك ويقلل رزقك؟ من
رحمته عمت أهل السماء والأرض والمؤمن والكافر والطيور، والدواب قال الطيبي: الذي
يقتضيه مراعاة السجع أن يوقف على إقلالاً بالإِسكان، أو يقال يا بلالاً للازدواج كما قيل
الغدايا والعشايا، أقول هذا من التكلف في السجع المنهي [عنه] في الشرع.
١٨٨٦ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلقول: السخاء شجرة) أي كشجرة
(في الجنة) لعل شبهه بها في عظمها وكونها ذات أغصان، وشعب كثيرة. اهـ. ويمكن أن يكون
صفة السخاء مصوّرة شجرة في الجنة، وقيل: جنس الشجرة الدنيوية نوعان، متعارف وهي شجرة
الحديث رقم ١٨٨٥ : أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ١١٨/٢ حديث رقم ١٣٤٦.
الحديث رقم ١٨٨٦: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٤٣٥ حديث رقم ١٠٨٧٦.

٣٣٨
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
٠٠" ?
فمنْ كانَ سَخيّاً أخذَ بغُصْنٍ منها فلمْ يتركْهُ الغُصْنُ حتى يُدِخْلَهُ الجنَّةَ. والشُّحُ شجرةٌ في
النَّارِ، فَمَنْ كان شحيحاً أخذَ بغُصْنٍ منها، فلم يتركُهُ الغُصْنُ حتى يُدخِلَهُ النارَ)). رواهما
البيهقي في ((شعب الإِيمان)).
١٨٨٧ - (٢٩) وعن عليّ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّل: ((بادروا
بالصدقةِ، فإِنَّ البلاءَ لا یتخطّاها)). رواه رزین.
(٦) باب فضل الصدقة
الفصل الأول
١٨٨٨ - (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((من تصدَّقَ بعدل تَمرةٍ
السخاء الثابت أصلها في الجنة وفرعها في الدنيا، فمن أخذ بغصن منها في الدنيا أوصله إلى أصل
الجنة في العقبى كما أشار إليه بقوله، (فمن كان سخياً) أي في علم الله أو في الدنيا (أخذ بغصن
منها) أي بنوع من أنواع السخاء (فلم يتركه الغصن) أي ولو آخر الأمر (حتى يدخله الجنة والشح)
أي البخل (شجرة في النار فمن كان شحيحاً أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار)
أي أوّلاً (رواهما) أي هذا الحديث والذي قبله (البيهقي في شعب الإيمان).
١٨٨٧ - (وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالقر: بادروا) أي الموت أو
المرض أو غيركم (بالصدقة) أي باعطائها للمستحقة، (فإن البلاء لا يتخطاها) أي لا يتجاوزها
بل يقف دونها أو يرجع عنها قال الطيبي: تعليل للأمر بالمبادرة، وهو تمثيل قيل جعلت
الصدقة والبلاء كفرسي رهان، فأيهما سبق لم يلحقه الآخر ولم يخطه والتخطي تفعل من
الخطو. اهـ. وفيه أنه يلزم منه أنه لا تدفع الصدقة البلاء الواقع وهو خلاف إطلاق ما ورد من
أن الصدقة تدفع البلاء، ولذا قال الطيبي: والأولى أنه جعل الصدقة ستراً وحجاباً بين يدي
المتصدق ولا يتخطاها البلاء حتى يصل إليه. (رواه رزين).
(باب فضل الصدقة)
هي ما يخرجه الإِنسان من ماله، على وجه القربة واجباً كان أو تطوّعاً سميت بذلك لأنها تنبىء
عن صدق رغبة [صاحبها] في مراتب الجنات، أو تدل على تحقيق تصديق صاحبها في إظهار الإِيمان.
(الفصل الأوّل)
١٨٨٨ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل *: من تصدق بعدل تمرة) بفتح العين
الحديث رقم ١٨٨٧: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان بلفظ باكروا حديث رقم ٣٣٥٣.
الحديث رقم ١٨٨٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٧٨/٣ حديث رقم ١٤١٠. ومسلم فى صحيحه =.

كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
٣٣٩
من كَسبٍ طَيِّبٍ، ولا يقبلُ اللَّهُ إِلا الطَّيّبَ، فإِنَّ اللَّهَ يتَقَبَّلُها بيمينهِ، ثمَّ يرِّبيها لصاحبها كما
يرَّبي أحدُكم فَلُوَّهُ، حتى تكونَ مثلَ الجبلِ)). متفق عليه.
ويكسر أي بمثلها صورة أو قيمة (من كسب) أي صناعة أو تجارة أو زراعة، أو غيرها ولوارثا
وهبة. (طيب) أي حلال (ولا يقبل الله إلا الطيب) جملة معترضة بين الشرط والجزاء وفيه
إشارة إلى أن غير الحلال غير مقبول وإن الحلال المكتسب يقع بمحل عظيم، وكان شيخنا
العارف بالله الولي الشيخ علي المتقي (رحمه الله] يحكي أن أحداً من الصالحين كان يكتسب
ويتصدق بالثلث، وينفق الثلث ويصرف الثلث في المكتسب، فجاءه أحد من أرباب الدنيا
وقال: يا شيخ أريد أن أتصدق فدلني على المستحق، فقال: حصل المال من الحلال، ثم انفق
فإنه يقع في يد المستحق فألح عليه الغني فقال اخرج فإذا لقيت أحداً حن عليه قلبك فاعطه،
فخرج فرأى شيخاً كبيراً أعمى فقيراً فاعطاه ثم مر عليه يوماً آخر فسمع أن الأعمى يحكي [إلى]
من بجنبه أنه مر عليّ شخص بالأمس فاعطاني كذا وكذا فانبسطت وصرفت البارحة في الشرب
مع فلانة المغنية، فجاء إلى الشيخ وحكى له بالواقعة فأعطاه الشيخ من دراهم كسبه درهماً،
وقال له إذا خرجت من البيت فأوّل من يقع نظرك عليه فادفع الدرهم إليه، فخرج فرأى شخصاً
من ذوي الهيئات يظهر منه آثار الغني فخاف منه أن يعطيه لكن لما كان بأمر الشيخ عرض عليه
ودفع إليه فلما أخذه رجع من طريقه وتبعه الغني إلى أن رآه دخل في خرابة وخرج من باب
آخر، ورجع إلى البلد فدخل وراءه في تلك الخرابة فلم ير فيها إلا حمامة ميتة فتبعه وأقسم
عليه أن يخبره بما وقع له من الحال، فذكر أن معه أولاداً صغاراً وكانوا في غاية من المجاعة،
فحصل له اضطراب فخرج دائراً فرأى الحمامة فأخذها لهم فلما حصل له من الفتوح رد
الحمامة إلى مكانها، فعرف تحقيق معنى كلام الشيخ. (فإن الله يتقبلها بيمينه) يدل على حسن
القبول ووقوع الصدقة منه، موقع الرضا على أكمل الحصول لأن الشيء المرضي، يتلقى
باليمين في العادة (ثم يربيها لصاحبها) التربية كناية عن الزيادة أي يزيدها ويعظمها حتى تثقل في
الميزان (كما يربي أحدكم فَلْوَّهُ) بفتح الفاء وضم اللام، وتشديد الواو أي المهر وهو ولد
الفرس، وفي نسخة صحيحة بكسر الفاء وسكون اللام وهو لغة ففي القاموس، الفلو بالكسر
وكعدوّ وسمو الجحش والمهر إذا فطما أو بلغا السنة. (حتى تكون) بالتأنيث أي الصدقة أو
ثوابها أو تلك التمرة (مثل الجبل) أي في الثقل قيل: هذا تمثيل لزيادة التفهيم وخصه بالفلو لأن
زيادته بينه وفي الحديث اقتباس، من قوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ [البقرة -
٢٧٦] المراد بالربا جميع الأموال المحرمات، والصدقات تقيد بالحلالات (متفق عليه) وفي
رواية النسائي إلا أخذها الرحمن عزَّ وجلَّ بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن، ولعل
ذكر الرحمن للاشعار بأن هذا من فضل رحمته، وسعة كرمه وقال القاضي عياض: لما كان
جمون
٧٠٢/٢ حديث رقم (٦٣ - ١٠١٤). والترمذي في السنن ٤٩/٣ حديث رقم ٦٦١. والنسائي ٥٪
=
٥٧ حديث رقم ٢٥٢٥. وابن ماجه ١/ ٥٩٠ حديث رقم ٢٥٢٥ والدارمي ٤٨٥/١ حديث رقم
١٦٧٥. ومالك في الموطأ ٩٩٥/٢ حديث رقم ١ من كتاب الصدقة. وأحمد في المسند ٣٣١/٢.
٠

٣٤٠
كتاب الزكاة/ باب فضل الصدقة
١٨٨٩ - (٢) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((ما نقصَتْ صدقةٌ من مالٍ، وما زادَ
اللَّهُ عبداً بعفوِ إِلا عِزَّاً، وما تواضعَ أحدٌ لله إلا رفعَهُ اللَّهُ)). رواه مسلم.
١٨٩٠ - (٣) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَ ل: ((من أنفق زوجينٍ من شيءٍ من الأشياءِ
الشيء الذي يرتضى يتلقى باليمين استعملت اليمين في مثل هذا أقول: وهذا الحديث عند
السلف من المتشابهات والله أعلم بحقيقة الحالات مع اعتقادنا التنزيه عن جميع أنواع التشبيه.
١٨٨٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَله: ما نقصت صدقة) ما
نافية ومن في قوله (من مال) زائدة أو تبعيضية أو بيانية أي ما نقصت صدقة مالاً أو بعض
مال أو شيئاً من مال، بل تزيد أضعاف ما يعطى منه بأن ينجبر بالبركة الخفية، أو بالعطية
الجلية، أو بالمثوبة العلية. (وما زاد الله عبداً يعفو) أي بسبب عفوه عن شيء مع قدرته
على الانتقام (إلا عزا) قال الطيبي: فإنه إذا عرف بالعفو ساد، وعظم في القلوب وزاد عزه
أو المراد عز الثواب، وكذا المراد من الرفع في قوله (وما تواضع أحد لله) بأن أنزل نفسه
عن مرتبة يستحقها لرجاء التقرب إلى الله دون غرض غيره (إلا رفعة الله) إما رفعة في الدنيا
وإما رفعه في الأخرى قلت ولا منع من الجمع كما نقله النووي عن العلماء. (رواه
مسلم).
١٨٩٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله (وَلقال: من أنفق زوجين) أي شفعاً
من جنس قال ابن الملك: الزوج يطلق على الاثنين وعلى الواحد منهما لأنه زوج من آخر وهو
المراد هنا. اهـ. فالمراد من الزوجين الاثنان، من جنس واحد لا الصنفان كما توهم ابن حجر
فتدبر قال الطيبي: كدرهمين أو دينارين أو مدين من الطعام، وما أشبه ذلك وسئل أبو ذر في
بعض الروايات ما الزوجان قال فرسان أو عبدان، أو بعيران ويحتمل أن يراد التكرير والمداومة
على الصدقة، وهو الأولى والمعنى أنه يشفع صدقته بأخرى. اهـ. ويمكن أن يراد بهما صدقتان
إحداهما سر، والأخرى علانية لقوله تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية
فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [البقرة - ٢٧٤] قيل أي صلاتين أو
صومين حملا للحديث على جميع أعمال البر، وهو بعيد جداً إلا أن يحمل على أن الصلاة
والصوم النافلة للفقراء بمنزلة الصدقة للأغنياء (من شيء من الأشياء) أي الزوجان غير مقيد
الحديث رقم ١٨٨٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٠٠١/٤ حديث رقم (٦٩ - ٢٥٨٨). والترمذي في
السنن ٣٣٠/٤ حديث رقم ٢٠٢٩. والدارمي ٤٨٦/١ حديث رقم ١٦٧٦. ومالك في الموطأ ٢/
١٠٠٠ حديث رقم ١٢ من كتاب الصدقة. وأحمد في المسند ٢٣٥/٢.
الحديث رقم ١٨٩٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٤/ حديث رقم ١٨٩٧. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧١١
حديث رقم (٨٥ - ١٠٢٧). والنسائي في السنن ٩/٥ حديث رقم ٢٤٣٩. والدارمي ٢٦٨/٢
حديث رقم ٢٤٠٣. ومالك في الموطأ ٤٦٩/٢ حديث رقم ٤٩ من كتاب الجهاد. وأحمد في
المسند ٣٦٦/٢.