النص المفهرس
صفحات 301-320
- بها : بوبمز : ٣٠١ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له لقد أصابَتْ فُلاناً فاقةٌ فحلَّتْ لهُ المسألةُ، حتى يُصيبَ قِواماً من عيش، أو قال: سِداداً من عَيشٍ. فما سِواهُنَّ من المسألةِ يا قبيصةُ. سحتٌ يأكلُها صاحبُها سُحتاً)). رواه مسلم. ١٨٣٨ - (٢) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((مَنْ سألَ النَّاسَ أموالَهُمْ تكثّراً، فإِنَّما يسألُ جَمْراً، فليستَقِلَّ أو ليستكثِرْ)). رواه مسلم. ١٨٣٩ - (٣) وعن عبد اللَّهِ بن عمر، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ما يزالُ الرجلُ يسألُ والتعريف، إذ لا مدخل لعدد الثلاث من الرجال في شيء من الشهادات، عند أحد من الأئمة وقيل: إن الاعسار لا يثبت عند البعض إلا بثلاثة لأنها شهادة على النفي فثلثت على خلاف ما اعتيد في الإِثبات للحاجة وقال السيد جمال الدين: نقلاً عن التخريج أخذ بهذا الحديث بعض أصحابنا وقال الجمهور: يقبل من عدلين، وحملوا الحديث على الاستحباب وهذا محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يعرف له مال، فالقول قوله في عدم المال. (فحلت له المسألة) أي فيسبب هذه القرائن الدالة على صدقة في المسألة صارت حلالاً له. (حتى يصيب قواماً من عيش أو قال: سداداً من عيش) ويختلف فاعل قال: باختلاف من وقع له الشك، فتأمل. (فما سواهن) أي هذه الأقسام الثلاثة من المسألة يا قبيصة. (سحت) بضمتين وبسكون الثاني وهو الأكثر هو الحرام الذي لا يحل كسبه، لأنه يسحت البركة أي يذهبها. (يأكلها) أي يأكل ما يحصل له بالمسألة قاله الطيبي: والحاصل يأكل حاصلها. (صاحبها سحتا) نصب على التمييز أو بدل من الضمير في يأكلها وجعله ابن حجر قال ابن الملك: وتأنيث الضمير بمعنى الصدقة والمسألة. (رواه مسلم). ١٨٣٨ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاتر: من سأل الناس أموالهم) أي شيئاً من أموالهم، يقال سألته الشيء وعن الشيء قاله الطيبي، فنصبه لنزع الخافض أو على أنه مفعول به وقيل: بدل اشتمال (تكثراً) مفعول له أي ليكثر ماله للاحتياج (فإنما يسأل جمراً) أي قطعة من نار جهنم، يعني ما أخذ سبب للعقاب بالنار، وجعله جمراً للمبالغة فهذا، كقوله: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ [النساء - ١٠] وما يوجب ناراً في العقبى وعاراً في الدنيا، ويجوز أن يكون جمراً حقيقة يعذب به كما ثبت لمانعي الزكاة. (فليستقل) [أي] من السؤال أو الجمر (أو ليستكثر) أي ليطلب قليلاً أو كثيراً وهذا توبيخ له أو تهديد، والمعنى سواء استكثر منه أو استقل. (رواه مسلم). ١٨٣٩ - (وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَلهو: ما يزال الرجل، يسأل الحديث رقم ١٨٣٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٧٢٠ حديث رقم (١٠٥ - ١٠٤١). وابن ماجه في السنن ٥٨٩/١ حديث رقم ١٨٣٨. الحديث رقم ١٨٣٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٨/٣. حديث رقم ١٤٧٤. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٢٠ حديث رقم (١٠٤ - ١٠٤٠). والنسائي في السنن ٩٤/٥ حديث رقم ٢٥٨٥. وأحمد في المسند ١٥/٢. أ جورج ٩.سو: ٣٠٢ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له النَّاسَ حتى يأتيَ يومَ القيامةِ ليس في وجهِهِ مُزعةُ لحم)). متفق عليه. ١٨٤٠ - (٤) وعن معاويةً، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تُلحِفوا في المسألةِ، فواللَّهِ لا يسألُني أحدٌ منكم شيئاً فتُخرجُ لهُ مسألتهُ مني شيئاً وأنا له كارهً؛ فيُبارَكُ لهُ فيما أعطيتُه)). رواه مسلم. الناس) أي من غير استحقاق بلسان القال أو بيان الحال. (حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم) بضم الميم وكسرها مع سكون الزاي بعدها عين مهملة وحكي فتح الميم أيضاً والضم هو المحفوظ عند المحدثين، أي قطعة يسيرة من اللحم قال الطيبي: أي يأتي يوم القيامة، ولا جاه له ولا قدر من قولهم لفلان وجه في الناس، أي قدر ومنزلة أو يأتي فيه وليس على وجهه لحم أصلاً أما عقوبة له وأما اعلاماً بعمله. اهـ. وذلك بأن يكون علامة له يعرفه الناس بتلك العلامة، أنه كان يسأل الناس في الدنيا فيكون تفضيحاً لحاله وتشهيراً لمآله وإذلالاً له، كما أذل نفسه في الدنيا وأراق ماء وجهه بالسؤال ومن دعاء الإمام أحمد اللهم كما صنت وجهي، عن سجود غيرك فصن وجهي عن مسألة غيرك. (متفق عليه). ١٨٤٠ - (وعن معاوية قال: قال رسول الله وَلجر: لا تلحفوا في المسألة) مصدر بمعنى السؤال أي لا تبالغوا ولا تلحوا من ألحف في المسألة إذا ألح فيها. (فوالله لا يسألني) أي بالإِلحاف (أحد منكم شيئاً فتخرج) بالتأنيث والتذكير منصوباً ومرفوعاً وبالنسبة مجازية، سيبية في الإِخراج. (له مسألته مني شيئاً وأنا له) أي لذلك الشيء يعني لاعطائه أو لذلك الإِخراج الدال عليه يخرج. (كاره) والجملة حالية (فيبارك) بالنصب مجهولاً لا أي فإن يبارك (له فيما أعطيته) أي على تقدير الإلحاف قال الطيبي: نصبه على معنى الجمعية أي لا يجتمع اعطائي، كارهاً مع البركة. اهـ. وفي نسخة بالرفع فيقدر هو فيكون كقوله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون ﴾ [المرسلات - ٣٦] قال الغزالي من أخذ شيئاً مع العلم بأن باعث المعطى الحياء منه أو من الحاضرين، ولولا ذلك لما أعطاه فهو حرام إجماعاً، ويلزمه رده أورد بدله إليه أو إلى ورثته. (رواه مسلم) قال النووي في شرحه: اتفق العلماء على النهي عن السؤال لغير ضرورة، واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين أصحهما أنها حرام لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثة شروط أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال ولا يكلف بالمسؤول فإن فقد أحد الشروط، فحرام بالاتفاق. ... الحديث رقم ١٨٤٠: أخرجه مسلم في صحيحه ٧١٨/٢ حديث رقم (٩٩ - ١٠٣٨). والنسائي في السنن ٩٧/٥ حديث رقم ٢٥٩٣. والدارمي في السنن ٤٧٤/١ حديث رقم ١٦٤٤. وأحمد في المسند ٤/ ٩٨. محمد ٣٠٣ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له ١٨٤١ - (٥) وعن الزُّبيرِ بنِ العوَّام، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّ: ((لأَنْ يأخُذَ أحدُكم حبلهُ فيأتيَ بحُزمةِ حطبٍ على ظهرهِ، فيبيعَها، فيكفَّ اللَّهُ بها وجهَه، خيرٌ لهُ من أن يسألَ النَّاسَ أعطوهُ أو منعوه)). رواه البخاري. ١٨٤٢ - (٦) وعن حكيم بن حزام، قال: سألتُ رسولَ اللهِ وَ لّهِ فأعطاني، ثمَّ سألتُهُ فأعطاني، ثمَّ قالَ لي: ((يا حكيمُ! إِنَّ هذا المالَ خَضِرٌ حلوٌ، فمَنْ أخذَهُ بسخاوةِ نفسٍ بورِكَ لهُ فيه، ومن أخذَهُ بإِشرافِ نفسٍ لم يُبارَكْ لهُ فيه. ١٨٤١ - (وعن الزبير بن العوام) بفتح العين وتشديد الواو وهو أحد العشرة المبشرة (قال: قال رسول الله ويلقى: لأن يأخذ أحدكم حبله) أي فيجمع حطباً ثم يربط به (فيأتي بحزمة حطب على ظهره) قال ابن الملك: الحزمة بضم الحاء قدر ما يحمل بين العضدين والصدر، ويستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب. (فيبيعها) قيل: منصوب على تقدير أن أي فإن يبيع تلك الحزمة أي بسبب الحزمة وثمنها. (فيكف الله بها وجهه) أي يمنع عن إراقة ماء وجهه بالسؤال، (خير له من أن يسأل الناس اعطوه أو منعوه) أي يستوي الأمران في أنه خير [له] منه (رواه البخاري) وأبلغ من هذا حديث من تواضع لغني لأجل غناه، ذهب ثلثا دينه. ١٨٤٢ - (وعن حكيم بن حزام) بكسر الحاء بعده زاي (وأبلغ من هذا رسول الله وَلي) أي شيئاً (فأعطاني ثم سألته فأعطاني ثم قال لي) أي بعد السؤال الثالث أو بعد ما فني المال أو من غير سؤال (يا حكيم إن هذا المال) أي المال الذي بأيدي الناس أو جنسه، أو نوعه الحاصل من غير كد وتعب (خضر) بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، أي طري ناعم مرغوب فيه غاية الرغبة. (حلو) أي لذيذ عند النفس تميل إليه بالطبع غاية الميل، وقيل: الخضر في العين طيب والحلو يكون في الفم طيباً إذ لا تمل العين من النظر إلى الخضر، بل يقوّي النظر إليه قوة البصر ولا يمل الفم من أكل الحلو وكذلك النفس حريصة بجمع المال لا تمل عنه فقيل: إنه تشبيه بليغ من حيث زهرتها وبهجتها وبهائها، ثم شرعة فنائها مع ما في الأموال من زيادة عنائها وخسة شركائها. (فمن أخذه) أي المال أخذاً ملتبساً (بسخاوة نفس) أي من الآخذ يعني بلا سؤال ولا إشراف، ولا طمع أو بسخاوة نفس وانشراح صدر من المعطي، (بورك له فيه) لأنه ناظر في أخذه إلى ربه ممتثل لأمره ثم بشكره متقوّ به على طاعته، لاحظ له في قبوله إلا رضا الله ورسوله كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾ [الطلاق - ٢ - ٣] يحمل على هذا الحال حديث نعم المال الصالح للرجل الصالح، الحديث رقم ١٨٤١: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٥/٣. حديث رقم ١٤٧١. والنسائي في السنن ٥٪ ٩٣ حديث رقم ٢٥٨٤. وابن ماجه ٥٨٨/١ حديث رقم ١٨٣٦. الحديث رقم ١٨٤٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٥/٣. حديث رقم ١٤٧٢. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧١٧ حديث رقم (٥٦ - ١٠٣٥). والترمذي في السنن ٥٥٣/٤ حديث رقم ٢٤٦٣. والنسائي ٥٪ ١٠٠ حديث رقم ٢٦٠١. والدارمي ٤٧٥/١ حديث رقم ١٤٧٢ وأحمد في المسند ٤٣٤/٣. ٣٠٤ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له وكانَ كالَّذي يأكلُ ولا يشبَعُ، واليَد العُليا خيرٌ من اليَدِ السُّفلى)). قال حكيمٌ: فقلتُ: یا رسولَ اللَّهِ! والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أرْزَأُ أحداً بعدكَ شيئاً حتى أُفارقَ الدنيا. متفق عليه. ١٨٤٣ - (٧) وعن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَ قال وهو على المنبرِ وهو يذكر الصدقة والتعفُّفَ عن المسألةِ: ((اليدُ العليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى، واليدُ العُليا هيَ المُنفقَة وخبر ذهب أهل الدثور بالأجور. (ومن أخذه بإشراف نفس) يحتمل الوجهين أي بطمع أو حرص أو تطلع (لم يبارك فيه) قيل: الإشراف النظر إلى شيء يعني بكراهيته، من غير طيب نفس بالإِعطاء وقال ابن الملك: أي نفس المعطي واختياره من غير تعريض من السائل، بحيث لو لم يعطه لتركه ولم يسأله أو المراد نفس السائل بأن يكون ذلك كناية عن عدم الإعطاء أو عن إنفاق الصدقة، وعدم إمساكها. (وكان) أي السائل الآخذ الصدقة في هذه الصورة لما يسلط عليه من عدم البركة، وكثرة الشره والنهمة (كالذي يأكل ولا يشبع) أي كذي آفة يزداد سقماً بالأكل، وهو معبر عنه بجوع البقر وفي معناه مرض الاستسقاء. (واليد العليا) أي المعطية أو المتعففة (خير من اليد السفلى) وهي الآخذة أو السائلة وقيل: السفلى المانعة (قال حكيم) أي بعد ما سمع في السؤال من نقص الحال، وعدم بركة المال في المآل. (فقلت: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لا ارزا) بسكون الراء قبل الزاي أي لا أنقص (أحداً) أي مال أحد بالسؤال عنه والأخذ منه (بعدك) أي بعد سؤالك هذا أو بعد قولك هذا (شيئاً) مفعول ثان لارزاً بمعنى أنقص (حتى أفارق الدنيا) أي إلى أن أموت (متفق عليه). ١٨٤٣ - (وعن ابن عمر أن رسول الله و ير قال: وهو على المنبر وهو) أي والحال أنه (يذكر الصدقة) أي فضلها والحث عليها أو حكم أخذها أو سؤالها (والتعفف عن المسألة) قال الطيبي: هو الكف عن الحرام، وعن السؤال عن الناس، (اليد العليا، خير من اليد السفلى واليد العليا هي المنفقة) أي المعطية قال الطيبي: هكذا وقع في صحيح مسلم، والبخاري وكذا ذكره أبو داود أكثر الروايات وفي رواية له وقال ابن عمر: المتعففة من العفة ورجح هذه الرواية بأن الكلام في التعفف والسؤال والمعنى صحيح على الروايتين، فإن المنفقة أعلى من الآخذة والمتعففة أعلى من السائلة قيل: الإنفاق يدل على التعفف مع زيادة ويناسب التحريض على الصدقة، فرواية الشيخين أولى وأصح رواية ودراية. اهـ. والتفسير يحتمل أن يكون مرفوعاً وموقوفاً، ويؤيد الثاني قول ابن حجر وروي أبو داود هذا التفسير عن أكثر الرواة فقال الخطابي: الأرجح ما في أبي داود عن ابن عمر أن العليا هي المتعففة والسفلى هي السائلة لأن السياق في ذكر المسألة والتعفف عنها، وأغرب ابن حجر في قوله مردود بل الراجح الذي عليه الحديث رقم ١٨٤٣: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٤/٣. حديث رقم ١٤٢٩. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧١٧ حديث رقم (٩٤ - ١٠٣٣). وأبو داود في السنن ٢٩٧/٢ حديث رقم ١٦٤٨. والنسائي ٥٪ ٦١ حديث رقم ٢٥٣٣. ومالك في الموطأ ٩٩٨/٢. حديث رقم ٨ من كتاب الصدقة وأحمد في المسند ٦٧/٢. **** ٣٠٥ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له و [اليد ] السُّفلى هيَ السَّائلةُ)). متفق عليه. ١٨٤٤ - (٨) وعن أبي سعيد الخدري، قال: إِنَّ أُناساً من الأنصارِ سألوا رسولَ اللَّهِ وَلِّرِ فأعطاهُمْ، ثم سألوه فأعطاهُمْ حتى نِفِد ما عندَه. فقال: ((ما يكونُ عندي من خيرٍ فَلَنْ أدَّخِرَهُ عنكم، ومنْ يستَعِفَّ يُعِفَّهُ الله، الجمهور وهو الرواية الأولى كما قاله النووي لأنه لا منافاة بينهما حيث يمكن جمعهما باعتبار الحالتين لأصحابهما، مع أنه إنما أراد الترجيح لرواية المتعففة على المنفقة في هذا المقام لنظام المرام لا لما يترتب عليه أحكام أئمة الأنام. (والسفلى هي السائلة) قال الشيخ أبو النجيب السهروردي في آداب المريدين: وأجمعوا أي الصوفية على أن الفقر أفضل من الغنى، إذا كان مقروناً بالرضا فإن احتج محتج بقول النبي والقر اليد العليا خير من اليد السفلى، وقال اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي السائلة قيل له اليد العليا، تنالها الفضيلة بإخراج ما فيها واليد السفلى تنالها المنقصة بحصول الشيء فيها. اهـ. وتوضيحه إن الغنى بإعطاء بعض المال تقرب إلى الله تعالى باختيار الفقر، والفقير يأخذ بعض المال مال إلى الغني فتنقص حاله، ويخشى مآله وفي هذا مبالغة عظيمة ودلالة جسيمة على أفضلية الفقير الصابر، على الغني الشاكر لأنه إذا كان حال السائل بهذه المثابة فكيف حال المتعفف والآخذ عند الحاجة والفاقة؟ والظاهر أن المراد بالسائل إذا لم يكن مضطر وأما إذا وجب عليه السؤال وغلب عليه الحال فانقلب المثال. ولهذا قال بعض العارفين: أعني خواجه عبيد الله السمرقندي قدس الله سره، لما سئل الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر؟ فقال بل الفقير الشاكي، وهو إما أراد المبالغة أو الشكاية الضرورية أو الإِشارة إلى قوله تعالى حكاية: ﴿إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله ﴾ [يوسف - ٨٦] والله أعلم. (متفق عليه). ان ١٨٤٤ - (وعن أبي سعيد الخدري قال: إن أناساً) وفي نسخة بترك الهمزة أي جماعة (من الأنصار سألوا رسول الله ( #) أي شيئاً (فأعطاهم) أي إياه (ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد) بكسر الفاء والدال المهملة أي فنى (ما عنده فقال ما يكون عندي من خير) أي مال ومن بيان لما وما خبرية متضمنة للشرط أي كل شيء من المال موجود عندي أعطيكم (فلن أدخره عنكم) ولم أمنعه منكم (ومن يستعف) وفي بعض النسخ بالفك أي من يطلب من نفسه العفة عن السؤال قال الطيبي: أو يطلب العفة من الله تعالى فليس السين لمجرد التأكيد كما اختاره ابن حجر. (يعفه الله) أي يجعله عفيفاً من الإِعفاف، وهو إعطاء العفة وهي الحفظ عن المناهي الحديث رقم ١٨٤٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٥/٣. حديث رقم ١٤٦٩. ومسلم في صحيحه ٧٢٩/٢ حديث رقم (١٢٤ - ١٠٥٣). وأبو داود في السنن ٢٩٥/٢ حديث رقم ١٦٤٤. والترمذي ٣٢٨/٤ حديث رقم ٢٠٢٤. والنسائي ٩٥/٥ حديث رقم ٢٥٨٨. والدارمي ٤٧٤/١ حديث رقم ١٦٤٦. ومالك في الموطأ ٩٩٧/٢ حديث رقم ٧ من كتاب الصدقة. وأحمد في المسند ٣/ ١٢. . '- -. ٣٠٦ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له ومن يَستَغْنِ يُغنِهِ اللَّهُ، ومنْ يتصبَّرْ يُصبّره الله، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسعُ من الصبر)). متفق عليه. ١٨٤٥ - (٩) وعن عمرَ بنِ الخطّاب، قال: كانَ النبيُّ وَهِ يُعطِيني العطاءَ، فأقولُ: أَعطِهِ أفقرَ إِليهِ مني. فقال: ((خذهُ فتموَّلْهُ، يعني من قنع بأدنى قوت وترك السؤال تسهل عليه القناعة، وهي كنز لا يفنى. (ومن يستغن) أي يظهر الغني بالاستغناء عن أموال الناس، والتعفف عن السؤال حتى يحسبه الجاهل غنياً من التعفف (يغنه الله) أي يجعله غنياً [أي] بالقلب ففي الحديث ليس الغني عن كثرة العرض، إنما الغني غني النفس (ومن يتصبر) أي يطلب توفيق الصبر من الله لأنه قال تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ [النحل - ١٢٧] أو يأمر نفسه بالصبر ويتكلف في التحمل عن مشاقة، وهو تعميم بعد تخصيص لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة والمعصية والبلية أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس، بأن يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو حاله لغير ربه (يصبره الله) بالتشديد أي يسهل عليه الصبر فتكون الجمل مؤكدات، ويؤيد إرادة معنى العموم قوله (وما أعطي أحد عطاء) أي معطى أو شيئاً (هو خير) أي أفضل لاحتياج السالك إليه في جميع المقامات (وأوسع) أي أشرح للصدر (من الصبر) وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات، ولذا قدم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ [البقرة - ٤٥] ومعنى كونه أوسع أنه تتسع به المعارف والمشاهد والأعمال والمقاصد فإن قيل: الرضا أفضل منه، كما صرحوا به أجيب بأنه غايته التي لا يعتد به إلا معها فليس أجنبياً عنه كما يرشد إليه قوله: ﴿إنا وجدناه صابراً﴾ [ص - ٤٤] إذ المراد به في حقه ونحوه ما يكون معه رضا وإلا فهو مقام ناقص جداً، وفي هذا المعنى قال تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾ [الأحقاف - ٣٥] ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ [الطور - ٤٨] ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ [النحل - ١٢٧] قال الطيبي: في رواية عطاء خير أي هو خير كما في رواية البخاري وفي رواية خيراً [بالنصب] على أنه صفة عطاء وقال ميرك كذا في جميع نسخ المشكاة الحاضرة، ووقع في نسخ مسلم ما أعطي أحد عطاء خير بلا لفظ هو وهو مقدر وفي رواية خيراً بالنصب كما يفهم من شرح مسلم للإمام النووي، ففي قول صاحب المشكاة في آخر الحديث متفق عليه تساهل والله أعلم. ١٨٤٥ - (وعن عمر بن الخطاب قال: كان النبي ◌َّير يعطيني العطاء) قيل: كان ذلك أجر عمله في الصدقة كما يدل عليه حديث ابن الساعدي في الفصل الثالث. (فأقول أعطه) الضمير للعطاء أو للسكت (أفقر إليه مني) أي أحوج (فقال خذه فتموّله) أي اقبله وادخله في مالك أي الحديث رقم ١٨٤٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣٧/٣. حديث رقم ١٤٧٣. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٢٣ حديث رقم (١١٠ - ١٠٤٥). والنسائي في السنن ١٠٥/٥ حديث رقم ٢٦٠٨. وأحمد في المسند ١٧/١. ٣٠٧ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له وتصدَّق به، فما جاءكَ من هذا المالِ وأنتَ غيرُ مشرفٍ ولا سائِلٍ؛ فخذهُ. ومالا؛ فلا تُتبعْه نفسك)». متفق عليه. الفصل الثاني ١٨٤٦ - (١٠) عن سُمرَةَ بن جندب، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّل: ((المسائلُ كُدوحٌ يكدّحُ بها الرجلُ وجهَه، فمَنْ شاءَ أبقى على وجهِهِ، إن كنت محتاجاً (وتصدق به) أي على أفقر منك إن كان فاضلاً عنك عما لا بد لك منه (فما جاءك من هذا المال) إشارة إلى جنس المال أو المال الذي أعطاه (وأنت غير مشرف) قال الطيبي: الإِشراف الإطلاع على شيء والتعرض له، والمقصود منه الطمع أي والحال إنك غير طامع له. (ولا سائل فخذه) أي فاقبله وتصدق به إن لم تكن محتاجاً (ومالاً) أي وما لا يكون كذلك بأن لا يجيئك هنالك إلا بتطلع إليه واستشراف عليه (فلا تتبعه نفسك) من الإتباع بالتخفيف أي فلا تجعل نفسك تابعة له، ولا توصل المشقة إليها في طلبه حكي أن الإِمام أحمد ابن حنبل اشترى شيئاً من السوق، فحمله بنان الحمال فلما دخل البيت وكان الخبز منشوراً ليبرد أمر ولده أن يعطى قرصاً لبنان فعرض عليه، فامتنع ولم يأخذه فلما خرج أمره أن يلحقه ويعطيه فأخذه فتعجب الولد من امتناعه أوّلاً وأخذه ثانياً فسأل الإِمام فقال نعم لما دخل، ورأى العيش وقع منه إشراف على مقتضى الطبع البشري فامتنع لذلك ولما خرج وجاءه الخبز من غير إشراف في تلك الحالة أخذه. (متفق عليه) وفي حديث من أتاه من هذا المال شيء من غير سؤال، ولا إشراف نفس فرده فكأنما رده على الله ومن ثم قيل بوجوب قبوله. (الفصل الثاني) ١٨٤٦ - (عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله وتلقى: المسائل) جمع المسألة وجمعت لاختلاف أنواعها والمراد هنا سؤال أموال الناس. (كدوح) مثل صبور للمبالغة من الكدح، بمعنى الجرح فالأخبار به عن المسائل باعتبار من قامت به أي سائل الناس أموالهم، جارح لهم بمعنى مؤذيهم على ما ذكره ابن حجر أو جارح وجهه وهو الأظهر فتدبر وبضم الكاف جمع كدح وهو أثر مستنكر من خدش أو عض والجمع هنا أنسب ليناسب المسائل (يكدح بها الرجل) أي يجرح ويشين بالمسائل (وجهه) ويسعى في ذهاب عرضه بالسؤال بريق ماء وجهه، فهي كالجراحة له والكدح قد يطلق على غير الجرح ومنه قوله تعالى: ﴿إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ [الانشقاق - ٦] (فمن شاء) أي الإبقاء (أبقى على وجهه) أي ماء الحديث رقم ١٨٤٦: أخرجه أبو داود في السنن ٢٨٩/٢ حديث رقم ١٦٣٩. والترمذي ٦٥/٣. حديث رقم ٦٨١. والنسائي ١٠٠/٥ حديث رقم ٢٥٩٩. وأحمد في المسند ٢٢/٥. . '٠,١۴۴ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له ٣٠٨ ومن شاءَ تركه، إِلاَّ أنْ يسألَ الرَّجلُ ذا سُلطانٍ أو في أمر لا يجِدُ منهُ بُدَّا)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي. ١٨٤٧ - (١١) وعن عبد الله بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَّل: ((من سألَ النَّاسَ ولهُ ما یغنیه، جاء يومَ القيامةِ ومسألتهُ في وجهِهِ خموش أو خدوش، أو کدوخ)). قيل: يا رسولَ اللَّهِ! وما يُغنيه؟ قال: ((خمسونَ درهماً أو قيمتُها وجهه من الحياء بترك السؤال والتعفف (ومن شاء) أي عدم الإبقاء (تركه) أي ذلك الإبقاء (إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان) أي حكم وملك بيده بيت المال فيسأل حقه فيعطيه منه إن كان مستحقاً قال الطيبي: واختلف في عطية السلطان، والصحيح إن غلب في يده الحرام من ذلك الجنس لم تحل وإلا حلت يعني حرم سؤاله والأخذ منه كما اختاره الغزالي، واعتمده النووي في شرح مسلم لكنه بالغ في رده في شرح المهذب فيكره ذلك سؤالاً وأخذاً وقد اختلف السلف في قبول عطاء السلطان فمنعه قوم، وأباحه آخرون. (أو في أمر لا يجد منه) أي من أجله (بدا) أي علاجاً آخر غير السؤال أو لا يوجد من السؤال فراقاً وخلاصاً، كما في الحمالة والجائحة والفاقة بل يجب حال الاضطرار في العرى والجوع قال الغزالي: وكذا يجب السؤال على من استطاع الحج فتركه حتى أعسر قال ابن حجر: لأنه أوقع نفسه في ورطة الفسق، لو مات قبل الحج فلزمه أن يخرج عن هذه الزلة المقتضية للفسق بسؤال الأغنياء ما يؤدي به هذا الواجب، وبهذا يندفع نزاع بعضهم للغزالي في الوجوب (رواه أبو داود والترمذي والنسائي). ١٨٤٧ - (وعن عبد الله بن مسعود [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله وَليقول: من سأل الناس وله ما يغنيه) أي عن السؤال ويكفيه بقدر الحال (جاء يوم القيامة ومسألته) أي أثرها (في وجهه خموش) أي جروح (أو خدوش أو كدوح) بضم أوائلها ألفاظ متقاربة المعاني جمع خمش، وخدش وكدح فاو هنا أما لشك الراوي إذ الكل يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد، ما يقشر أو يجرح ولعل المراد بها آثار مستنكرة في وجهه حقيقة أو أمارات ليعرف ويشهر بذلك بين أهل الموقف، أو لتقسيم منازل السائل فإنه مقل أو مكثر أو مفرط في المسألة فذكر الأقسام على حسب ذلك، والخمش أبلغ في معناه من الخدش وهو أبلغ من الكدح إذ الخمش في الوجه والخدش في الجلد والكدح فوق الجلد، وقيل: الخدش قشر الجلد يعود، والخمش قشره بالاظفار والكدح العض وهي في أصلها مصادر لكنها لما جعلت أسماء للآثار جمعت (قيل: يا رسول الله وما يغنيه) أي كم هو أو أي مقدار من المال يغنيه (قال: خمسون درهماً أو قيمتها) أي قيمة الخمسين من الذهب قال الطيبي: قيل: ظاهره الحديث رقم ١٨٤٧: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧٧/٢ حديث رقم ١٦٢٦. والترمذي في السنن ٤٠/٣ حديث رقم ٦٥٠. والنسائي ٩٧/٥ حديث رقم ٢٥٩٢. وابن ماجه ٥٨٩/١ حديث رقم ١٨٤٠. والدارمي ٤٧٢/١ حديث رقم ١٦٤٠. ٣٠٩ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له من الذهبٍ)). رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي. ١٨٤٨ - (١٢) وعن سهلِ ابنِ الحنظليَّة، قال: قالَ رسولُ اللّهِ وَلِّ: ((مَنْ سأَلَ وعندَه ما يُغنِيه فإِنَّما يَستكثِرُ منَ النَّارِ)). قال النُّفَيْلِيُّ، وهوَ أحدُ رُواتِه، في موضع آخرَ: وما الغِنى الذي لا ينبغي معَه المسألَةُ؟ قال: ((قَدْرَ ما يُغْدِيهِ ويُعشّيهِ)). إن من ملك خمسين درهماً، أو قيمتها من جنس آخر فهو غني(١) يحرم عليه السؤال وأخذ الصدقة وبه قال ابن المبارك، وأحمد وإسحاق والظاهر أن من وجد قدر ما يغديه ويعشيه على دائم الأوقات، أو في أغلبها فهو غني كما ذكر في الحديث الآتي سواء حصل له ذلك بكسب يد أو تجارة لكن لما كان الغالب فيهم التجارة، وكان هذا القدر أعني خمسين درهماً كافياً لرأس المال قدر به تخميناً وبما يقرب منه في الحديث الثالث أعني الأوقية، وهي يومئذ أربعون درهماً فلا نسخ في هذه الأحاديث وقيل: حديث ما يغنيه (٢) منسوخ بحديث الأوقية(٣)، وهو بحدیث خمسین وهو منسوخ بما روي مرسلاً من سأل الناس وعنده عدل خمس أواق فقد سأل إلحافاً(٤) وعليه أبو حنيفة. اهـ. وتقدم أن في مذهبه من ملك مائتي درهم يحرم عليه أخذ الصدقة ومن ملك قوت يومه، يحرم عليه السؤال ففرق بين الأخذ والسؤال فما نسب إليه غير صحيح، والأنسب بمسألة تحريم السؤال أن يكون أمر النسخ بالعكس بأن نسخ الأكثر فالأكثر إلى أن تقرر أن من عنده ما يغديه ويعشيه يحرم عليه السؤال، فيكون الحكم تدريجياً بمقتضى الحكم كما وقع في تحريم الخمر؟ وأما في العبادات فوقع التدريج في الزيادات، لما تقتضيه الحكم الإلهيات على وفق الطباع والمألوفات (رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، والدارمي). ١٨٤٨ - (وعن سهل ابن الحنظلية قال: قال رسول الله وَالتر: من سأل وعنده، ما يغنيه) أي من السؤال وهو قوته في الحال (فإنما يستكثر من النار) يعني من جمع أموال الناس بالسؤال من غير ضرورة، فكأنه جمع لنفسه نار جهنم (قال النفيلي:) بضم النون وفتح الفاء وهو عبد الله بن محمد شيخ أبي داود السجستاني منسوب إلى أحد آبائه (وهو أحد رواته) أي الحديث (في موضع آخر) أي في رواية أخرى زيادة على الأولى (وما الغني) الظاهر قيل: وما الغني (الذي لا تنبغي) بالتأنيث والتذكير (معه المسألة قال) أي النبي ◌َ ◌ّ كما هو الظاهر (قدر ما يغديه ويعشيه) أي قدر كفايتهما بمال أو كسب لم يمنعه عن علم، أو حال التغذية إطعام طعام الغدوة (١) في المخطوطة ((عن)). (٢) والحديث هو: ((من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجه خموش. قيل يا رسول الله وما الغنى قال خمسون درهماً. أو قيمتها ذهباً)). [ رواه الأربعة وأحمد والحاكم ]. (٣) والحديث هو: ((من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل الحافا)). متفق عليه. الحديث رقم ١٨٤٨: أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٢٨٠ حديث رقم ١٦٢٩. وأحمد في المسند ٤/ ١٨٠. ١٠ ٠٠١٨ ٣١٠ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له وقال في موضعٍ آخرَ: ((أنْ يكونَ له شبْعُ يوْمٍ، أَوْ لَيلةٍ ویوم)). رواه أبو داود. ١٨٤٩ - (١٣) وعن عطاءِ بنِ يَسارٍ، عن رجلٍ منْ بني أَسَد، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَه : (مَنْ سأَلَ منكم وله أُوْقِيَّةٌ أوْ عِدْلُها؛ فقد سأَلَ إِلْحافاً)). رواه مالك، وأبو داود، والنّسائي. ٤٫٥ ١٨٥٠ - (١٤) وعن حُبشِيٍّ بنِ جُنادَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّل: ((إِنَّ المسألةَ لا تَحِلُّ لِغَنِيّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيّ؛ إِلاّ لِذِي فَقْرٍ مُذْقِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُفظِعٍ. والتعشية إطعام طعام العشاء، قال الطيبي: يعني من كان له قوت هذين الوقتين، لا يجوز له أن يسأل في ذلك اليوم صدقة التطوّع وأما في الزكاة المفروضة فيجوز للمستحق أن يسألها بقدر ما يتم به نفقة سنة له، ولعياله وكسوتهما لأن تفريقها في السنة مرة واحدة. (وقال) أي النفيلي (في موضع آخر) أي في الجواب عما يغنيه (أن يكون له شبع يوم) بكسر الشين وسكون الموحدة [وفتحها] وهو الأكثر أي ما يشبعه من الطعام أوّل يومه وآخره قال ابن الملك: بسكون الباء ما يشبع وبفتح الباء المصدر وفي القاموس الشبع بالفتح وكعنب ضد الجوع، وبالكسر وكعنب اسم ما أشبعك (أو ليلة ويوم) شك من الراوي (رواه أبو داود وعن عطاء بن يسار). ١٨٤٩ - (عن رجل من بني أسد) سبق أن إيهام الصحابي لا يضر لأن الأصح بل الصواب أن الصحابة كلهم عدول، ومن وقع له منهم زلة وفقه الله للتوبة ببركة ما حل عليه من الصحبة ولو باللحظة. (قال: قال رسول الله وَلجر: من سأل منكم، وله أوقية) بضم الهمزة وتشديد التحتية أي أربعون درهماً من الفضة (أو عدلها) بكسر العين ويفتح أي ما يساويها من ذهب ومال آخر (فقد سأل إلحافاً) أي إلحاحاً وإسرافاً من غير اضطرار (رواه مالك وأبو داود والنسائى) قال ميرك وسكت عليه أبو داود، وأقره المنذري وفى الحديث قصة وله شاهد عند النسائي من حديث أبي سعيد. ١٨٥٠ - (وعن حبشي) بضم الحاء وسكون الموحدة (ابن جنادة) بضم الجيم قال الطيبي: هو أبو الجنوب من بني بكر بن هوازن رأى النبي ◌َّ في حجة الوداع، وله صحبة وعدوه في أهل الكوفة (قال: قال رسول الله وَله: إن المسألة لا تحل لغتي) أي بما يكفيه ليومه (ولا لذي مرة) بكسر الميم أي قوّة بأن لا يكون به علة (سوى) أي صحيح سليم الأعضاء، على الكسب (إلا لذي فقر) استثناء من الأخير (مدقع) أي شديد من أدقع لصق بالدقعاء وهو التراب (أو غرم) بضم الغين أي دين (مفظع) أي شنيع مثقل قال الطيبي [رحمه الله] والمراد ما استدان لنفسه وعياله في مباح، وقال ابن حجر: أو لمعصية وصرفه في مباح أو وتاب. اهـ. الحديث رقم ١٨٤٩: أخرجه أبو داود في السنن ٢٧٨/٢ حديث رقم ١٦٢٧. والنسائي ٩٨/٥ حديث رقم ٢٥٩٦ وأحمد في المسند ٤٣٠/٥. الحديث رقم ١٨٥٠ : أخرجه الترمذي في السنن ٣/ ٤٣ حديث رقم ٦٥٣. مقيم. ٣١١ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له ومَنْ سأل النَّاسَ ليُثريَ به مالَه؛ كانَ خُموشاً في وجهِه يومَ القيامةِ، ورَضْفاً يأكلُه منْ جهنّمَ، فمنْ شاءَ فلْيُقِلَّ، ومَنْ شاءَ فَلْيُكثِرْ)). رواه الترمذيُّ. ١٨٥١ _ (١٥) وعن أنس: أنَّ رجلاً منَ الأنصارِ أتى النبيَّ نَّر يسألُهُ؛ فقال: ((أَمَا في بيتِكَ شيءٌ؟)) فقال: بَلى، حِلْسٌ نلبَسُ بعضَه ونبسطُ بعضَه، وقَعْبٌ نشربُ فيهِ منَ الماءِ. قال: ((اثْتِنِي بِهِما))، فأتاهُ بهِما، فأخذَهما رسولُ اللَّهِ وَ بِيدِه وقال: ((مَنْ يشتري هذَيْنٍ؟)) ويمكن أن يكون المراد به ما لزمه من الغرامة، بنحو دية وكفارة (ومن سأل الناس) أي واحد منهم (ليثري) من الإثراء (به) أي بسبب السؤال أو بالمأخوذ (ماله) بفتح اللام ورفعه أي ليكثر ماله من أثرى الرجل، إذا كثرت أمواله كذا قاله بعض الشراح وفي النهاية الثرى المال وأثرى القوم، كثروا وكثرت أموالهم وفي القاموس الثروة كثروة العدد من الناس والمال وثرى القوم كثروا، ونموا المال كذلك وثرى كرضى كثر ماله كاثرى إذا عرفت ذلك فاعلم أن في أكثر النسخ ماله بفتح اللام وهو خلاف ما عليه أهل اللغة من أن أثرى لازم فيتعين رفعة اللهم إلا أن يقال ما موصولة وله جار ومجرور، وفي بعض النسخ ليثري بالتشديد من باب التفعيل وهو يحتمل اللزوم كأثرى ويحتمل التعدية على القياس، وإن لم يكن مسموعاً والله أعلم. (كان) أي السؤال أو المال أو عقاب ذلك الحال (خموشاً) بالضم أي عبساً (في وجهه يوم القيامة) أي على رؤوس الأشهاد (ورضفاً) بفتح فسكون أي حجراً محمياً (يأكله من جهنم) أي فيها قيل: المراد به التحريق والتعذيب، على وجه التحقيق ولعل الخمش عذاب لوجهه لتوجهه إلى غيره تعالى بغير إذنه وأكل الحجر عذاب للسانه، وفمه في السؤال من المخلوق المتضمن للشكاية من مولاه تعالى ولذا ورد كاد الفقر أن يكون كفراً. (فمن شاء فليقل) أي هذا السؤال أو ما يترتب عليه من النكال (ومن شاء فليكثر) وهما أمر تهديد ونظيره قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر أنا أعتدنا للظالمين ﴾ [الكهف - ٢٩] (رواه الترمذي). ١٨٥١ - (وعن أنس أن رجلاً من الأنصار، أتى النبي (وَل و يسأله) حال أو استئناف بيان (فقال أما في بيتك شيء) بهمزة استفهام تقريري وما نافية وكان الهمزة سقطت من أصل ابن حجر، فقال: فيه حذف حرف الاستفهام (فقال بلى حلس) أي فيه حلس وهو بكسر مهملة وسكون لأم كساء غليظ، يلي ظهر البعير تحت القتب (نلبس) بفتح الباء (بعضه) أي بالتغطية الدفع البرد (ونبسط بعضه) أي بالفرش (وقعب) بفتح فسكون أي قدح (نشرب فيه من الماء) من تبعيضية أو زائدة على مذهب الأخفش (قال ائتني بهما) أي بالحلس والقعب (فأتاه) أي بهما كما في نسخة (فأخذهما رسول الله وَّر بيده، وقال: من يشتري هذين) أي المتاعين فيه غاية التواضع، وإظهار المرحمة للعلم بأنه إذا خرج عليهما رغب فيهما بأكثر من ثمنهما، مع ما فيه الحديث رقم ١٨٥١: أخرجه أبو داود في السنن ٢٩٢/٢ حديث رقم ١٦٤١. وابن ماجه ٢/ ٧٤٠٠. حديث رقم ٢١٩٨. وأحمد في المسند ١١٤/٣. ٣١٢ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له قال رجلٌ: أنا آخذُهما بدرهم. قال: ((مَنْ يزِيدُ على دِرهم؟)) مرَّتينٍ أوْ ثلاثاً، قال رجلٌ: أنا آخذُهما بدرهمَينٍ؛ فأعطاهُمَا إِيَّاه، فأخذَ الدِّرهَمينِ فأعطاهُما الأنصارِيَّ، وقال: (اشترِ بأحدِهما طعاماً فانْبِذْه إِلى أهلِكَ، واشترٍ بالآخَرِ قَدُوماً، فأتِني به))، فأتاهُ به. فشدَّ فيه رسولُ الله ◌َّ عوداً بيدِه، ثمَّ قال: ((اذهبْ فاحتَطِبْ وبِعْ، ولا أرَيَنَّكَ خمسةَ عشرَ يوماً)) فذهبَ الرجلُ يحتَطِبُ ويَبيعُ، فجاءَه وقدْ أصابَ عشرةَ دراهمَ، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضِها طعاماً. فقال رسولُ الله ◌َّ: «هذا خيرٌ لكَ منْ أنْ تَجيءَ المسألَةُ نُكْتَةً في وجهِكَ يومَ القيامةِ. إِنَّ المسألةَ لا تصلُحُ إِلاَّ لِثَلاثةِ: لِذِي فَقرٍ مُدِقعٍ، أو لِذِي غُزْمٍ مُفْظِعٍ، أو لذِي دمٍ مُوجعٍ)). من التأكيد في هذا الأمر الشديد. (قال رجل: أنا آخذهما) بضم الخاء ويحتمل كسرها (بدرهم قال من يزيد على درهم مرتين) ظرف لقال (أو ثلاثاً) شك من الراوي (قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه، فأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري) فيه دليل على جواز بيع المعاطاة (وقال اشتر) بكسر الراء وفي لغية بسكونها (بأحدهما) أي أحد الدرهمين (طعاماً فانبذه) بكسر الباء أي اطرحه (إلى أهلك) أي ممن يلزمك مؤنته (واشتر بالآخر قدوماً) بفتح القاف، وضم الدال أي فأساً (فائتني به فأتاه به) أي بعد ما اشتراه (فشد فيه رسول الله وَلقر عوداً) أي ممسكاً (بيده) أي الكريمة (ثم قال: اذهب فاحتطب) أي اطلب الحطب واجمع (وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً) أي لا تكن هنا هذه المدة حتى لا أراك، وهذا مما أقيم فيه المسبب مقام السبب والمراد نهي الرجل عن ترك الاكتساب في هذه المدة، لا نهي نفسه عن الرؤية (فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاءه، وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً، وببعضها طعاماً) أي حبوباً (فقال رسول الله ربَّلي: هذا خير لك من أن تجيء المسألة) أي إذا كانت على غير وجهها أو مطلقاً لأن السؤال دل في التحقيق، ولو أين الطريق (نكتة) أي حال كونها علامة قبيحة أو أثراً من العيب. (في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح) أي لا تحل ولا تجوز ولا تصح (إلا لثلاثة لذي فقر مدقع) أي شديد (أو لذي غرم) أي غرامة أو دين (مفظع) أي فظيع وثقيل وفضيح قال ابن الملك: هذا لفظ الحديث لكن الحكم جواز السؤال، لأداء الدين وإن كان قليلاً، فتحل له الصدقة فيعطى من سهم الغارمين. اهـ. وفيه ما فيه من أن لفظ الحديث مخالف للحكم أو الحكم يخالفه، وهذا خلف مع أنه خلاف المذهب إذ الحكم جواز أخذ الزكاة لأداء الدين، لا جواز السؤال كما تقدم وقوله من سهم الغارمين مبني على مذهب الشافعي خلافاً للمذهب كما هو معلوم من الخلاف المرتب. (أو لذي دم موجع) بكسر الجيم وفتحها أي مؤلم والمراد دم يوجع القاتل وأولياءه بأن تلزمه(١) الدية، وليس لهم ما يؤدي به الدية ويطلب أولياء المقتول منهم، وتنبعث الفتنة والمخاصمة بينهم. وقيل: هو الذي يوجع أولياء المقتول [فلا تكادآ ثائرة الفتنة تطفأ فيما بينهم، فيقوم له من يتحمل الحمالة وقد ذكر ذلك فيما سبق وقيل: هو أن يتحمل الدية فيسعى فيها ويسأل حتى يؤديها إلى أولياء المقتول لتنقطع الخصومة، وليس (١) في المخطوطة ((يلزمه)). ٣١٣ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له رواه أبو داود، وروى ابنُ ماجه إلى قوله: ((يومَ القيامةِ)). ١٨٥٢ - (١٦) وعن ابن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّور: «مَنْ أصابتْه فاقَةٌ فأنزلَها بالنَّاس؛ لمْ تُسدَّ فاقتُه. ومَنْ أنزلَها باللّهِ، أوْشكَ اللَّهُ له بالغِنى، إِمَّا بموتٍ عاجلٍ، أوْ غِنىّ آجِلٍ)). رواه أبو داود، والترمذي. الفصل الثالث ١٨٥٣ - (١٧) عن ابنِ الفِراسيِّ، أنَّ الفِراسيَّ له ولأوليائه مال ولا يؤدي أيضاً من بيت المال فإن لم يؤدها قتلوا المتحمل عنه وهو أخوه أو حميمه فيوجعه قتله. (رواه أبو داود) قال الشيخ الجزري: رواه الأربعة من حديث أنس مطولاً وقال الترمذي: لا يعرف إلا من حديث الأخضر بن عجلان قال ابن معين: صالح وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ذكره ميرك. (روي ابن ماجه إلى قوله يوم القيامة). ١٨٥٢ - (وعن ابن مسعود قال رسول الله وَلاغير: من أصابته فاقة) أي حاجة شديدة وأكثر استعمالها في الفقر وضيق المعيشة. (فانزلها بالناس) أي عرضها عليهم وأظهرها بطريق الشكاية لهم وطلب إزالة فاقة منهم قال الطيبي: يقال نزل بالمكان ونزل من علو ومن المجاز نزل به مكروه، وأنزلت حاجتي على كريم وخلاصته إن من اعتمد في سدها على سؤالهم. (لم تسد فاقته) أي لم تقض حاجته ولم تزل فاقته، وكلما تسد حاجة أصابته أخرى أشد منها. (ومن أنزلها بالله) بأن اعتمد على مولاه (أوشك الله) أي أسرع وعجل (له بالغناء) بفتح الغين والمد أي الكفاية وفي نسخة بالغنى قال شراح المصابيح: رواية بالغني بالكسر مقصوراً على معنى اليسار تحريف للمعنى، لأنه قال يأتيه الكفاية عما هو فيه (إما بموت عاجل) قيل بموت قريب له غني فيرثه ولعل الحديث مقتبس من قوله تعالى: ﴿من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ [الطلاق - ٣] (أو غنى) بكسر وقصر أي يسار (آجل) أي بأن يعطيه مالاً ويجعله غنياً قال الطيبي: هو هكذا أي بالغين أكثر نسخ المصابيح، وجامع الأصول وفي سنن أبي داود والترمذي أو غني آجل بهمزة ممدودة وهو أصح دراية (١) لقوله تعالى: ﴿أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور - ٣٢]. اهـ. وفيه بحث تأمل (رواه أبو داود والترمذي). (الفصل الثالث) ١٨٥٣ - (عن ابن الفراسي) بكسر الفاء (أن الفراسي) هو من بني فراس بن غنم بن مالك الحديث رقم ١٨٥٢ : أخرجه أبو داود في السنن ٢٩٦/٢ حديث رقم ١٦٤٥. والترمذي في السنن ٤/ ٤٨٧ حديث رقم ٢٣٢٦. وأحمد في المسند ١/ ٤٠٧. (١) في المخطوطة ((رواية)). الحديث رقم ١٨٥٣: أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٣٠٠ حديث رقم ١٦٤٦. والنسائي ٩٥/٥ حديث رقم ٢٥٨٧. وأحمد في المسند ٣٣٤/٤. ٣١٤ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له قال: قلتُ لرسولِ اللهِ وَله: أسألُ يا رسولَ الله؟ فقال النبيُّ وَّهَ: ((لا، وإِنْ كنتَ لا بدَّ فسَلِ الصَّالحينَ)). رواه أبو داود، والنسائي. ١٨٥٤ - (١٨) وعن ابنِ السَّاعِدِيَّ، قال: استعملَني عمرُ على الصدَقةِ، فلمَّا فِرَغتُ منها وأدَيتُها إِليه، أمرَ لي بعُمالَةٍ، فقلتُ: إِنّما عَمِلتُ للَّهِ، وأجْري على الله، قال: خُذْ ما أُعطِيتَ، فإِني قدْ عَمِلتُ على عهدِ رسولِ اللهِِّ فعمَّلَني، فقلتُ مثلَ قولِكَ، فقال لي رسولُ الله وَلّهِ: ((إِذا أُعطِيتَ شيئاً من غيرِ أنْ نسألَهُ فَكُلْ وتصدَّقْ)). رواه أبو داود. ابن كنانة وله صحبة ذكره الطيبي [رحمه الله] (قال لرسول الله) وفي نسخة قال: قلت لرسول الله (* أسأل) بحذف حرف الاستفهام أي وأطلب (يا رسول الله فقال النبي وَله لا) أي لا تسأل الناس شيئاً من المال، وتوكل على الله في كل حال. (وإن كنت) أي سائلاً (لا بد) أي لك منه ولا غنى لك عنه (فسل) بالوجهين أي اطلب (الصالحين) لأن الصالح لا يعطي إلا من الحلال، ولا يكون إلا كريماً ورحيماً ولا يهتك العرض، ولأنه يدعو لك فيستجاب ولذا كان فقراء بغداد يسألون الإمام أحمد ومن غريبه ما وقع أن أهل بيت الإِمام احتاجوا إلى الخميرة في حال العجن مرة، فطلبوا من بيت ولده وكان قد تولى القضاء ومن صلاحه وتقواه يرقد عند بابه في الليل، قائلاً لعله احتاج إلى ولما خبزوا انكشف للإمام أن فيه شبهة فسألهم فحكوا له بالقضية فامتنع من أكله وتبعوه، ثم قالوا هل نعطيه للفقراء؟ قال: نعم ولكن بشرط إظهار عيبه فلم يأخذه الفقراء فرموه في البحر من غير أمره، فلما اطلع على فعلهم امتنع من أكل الحوت مدة حياته رضي الله عنهم أجمعين. (رواه أبو داود والنسائي). ١٨٥٤ - (وعن ابن الساعدي قال استعملني عمر) أي جعلني عاملاً (على الصدقة) أي على أخذها، وجمعها وحفظها. (فلما فرغت منها) أي من أخذها (وأديتها إليه) أي إلى عمر (أمر لي بعمالة) بضم العين وفي القاموس مثلثة أجرة العمل (فقلت إنما عملت الله وأجري) بالوجهين (على الله قال خذ ما أعطيت) بصيغة المفعول (فإني قد عملت) أي على الصدقة (على عهد رسول الله وَ﴿ فعملني) بتشديد الميم أي أعطاني أجرة العمل والمعنى أراد اعطاءها أو أمر لي بالعطاء (فقلت: مثل قولك فقال لي رسول الله وَ ﴿ إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأله فكل) أي حال كونك فقيراً (أو تصدق) أي حال كونك غنياً (رواه أبو داود) وفيه جواز أخذ العوض من بيت المال، على العمل العام وإن كان فرضاً كالقضاء والحسبة والتدريس، بل يجب على الإِمام كفاية هؤلاء ومن في معناهم في مال بيت المال وظاهر هذا الحديث وغيره مما سبق وجوب قبول ما أعطيه الإنسان من غير سؤال، ولا إشراف نفس وبه قال أحمد وغيره وحمل الجمهور الأمر على الاستحباب، أو الإباحة والله أعلم. الحديث رقم ١٨٥٤ : أخرجه أبو داود في السنن ٢٩٦/٢ حديث رقم ١٦٤٧. ٣١٥ كتاب الزكاة/ باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له ١٨٥٥ - (١٩) وعن عليّ رضي اللَّهُ عنه، أنَّه سِمعَ يومَ عرَفةَ رجلاً يسألُ النَّاسَ. فقال: أَفي هذا اليوم، وفي هذا المكانِ تسألُ منْ غَيرِ اللَّهِ؟! فخفَقَه بالدُرَّةِ. رواه رزِين. ١٨٥٦ - (٢٠) وعن عمرَ رضي الله عنه، قال: تعلَمُنَّ أيُّها الناسُ! أنَّ الطمعَ فقْرٌ، وأنَّ الإِياسَ غِنىّ، وأنَّ المرءَ إِذا يَئِسَ عنْ شيءٍ استَغنى عنهُ. رواه رَزين. ١٨٥٧ _ (٢١) وعن ثَوْبانَ، ١٨٥٥ - (وعن علي أنه سمع يوم عرفة رجلاً يسأل الناس فقال) أي علي (أفي هذا اليوم وفي هذا المكان؟) أي أفي زمان إجابة الدعاء ومكان قبول الثناء وحصول الرجاء؟ (يسأل من غير الله) أي شيئاً حقيراً مثل الغداء أو العشاء قال الطيبي: أي هذا المكان وهذا اليوم ينافيان السؤال من غير الله، ويلحق بذلك السؤال في المساجد إذ لم تبن إلا للعبادة. اهـ. ونظيره ما وقع للشيخ أبي العباس المرسي قدس الله سره أنه خرج من المدينة عازماً لزيارة سيدنا حمزة، فتبعه رجل فانفتح للشيخ باب التربة من غير مفتاح فدخل، فرأى رجالاً من رجال الغيب، فسأل الله العفو و [العافية] والمعافاة في الدنيا والآخرة قال فرحمت على رفيقي فقلت: له أدركت وقت الإِجابة، فاطلب مقصودك من الله تعالى، فسأل ديناراً فرجعت فلما دخلت باب المدينة ناوله رجل ديناراً، فدخلت على شيخي السيد أبي الحسن الشاذلي فقال للرجل قبل نقل القضية يا دني الهمة أدركت وقت الإجابة، وسألت ديناراً لم لا سألت العفو والعافية مثل أبي العباس ويقرب منه ما حكي عن الشيخ بهاء الدين النقشبندي، أنه سئل ما رأيت في حجك من العجائب فقال رأيت شاباً باع واشترى في سوق منى كذا وكذا من الدراهم، والدنانير ولم يغفل عن الله ساعة ورأيت شيخاً كبيراً متعلقاً بالملتزم طالباً من الله تعالى الدنيا. وقال بعض العارفين: من طلب من الله غير الله أغلق عليه باب الإجابة. (فخفقه) أي ضربه (بالدرة) بكسر الدال وتشديد الراء في القاموس، هي التي يضرب بها وقال الطيبي: الخفق الضرب، بالشيء العريض. (رواه رزين). ١٨٥٦ - (وعن عمر قال تعلمن) خبر بمعنى الأمر وفي نسخة صحيحة تعلمن قال الطيبي: أي لتعلمن وفيه شذوذ أن إيراد اللام في أمر المخاطب، وحذفها مع كونها مرادة كما في قوله محمد تغد نفسك، وقيل: يحتمل أن يكون تعلمن جواب قسم مقدر واللام المقدرة، هي المفتوحة أي والله لتعلمن (أيها الناس أن الطمع) أي في (١) الخلق (فقر) أي حاضر أو يجر إليه (وإن الإِياس) بمعنى اليأس من الناس (غنى وإن المرء) تفسير لما تقدم (إذا يئس) وفي نسخة صحيحة إذا أيس (عن شيء استغنى عنه) ولذا قيل: اليأس إحدى الراحتين، وقال السيد أبو الحسن الشاذلي: لما طلب منه علم الكيمياء، هو في كلمتين اطرح الخلق عن نظرك واقطع طمعك عن الله، أن يعطيك غير ما قسم لك. (رواه رزين). ١٨٥٧ - (وعن ثوبان) قال الطيبي: هو أبو عبد الله ويقال أبو عبد الرحمن من السراة - (١) في المخطوطة ((من)). الحديث رقم ١٨٥٧ : أخرجه أبو داود في السنن ٢٩٥/٢ حديث رقم ١٦٤٣. وأحمد في المسند ٢٧٥/٥. ٠٢٠/٠٢ ٣١٦ ٠٠٢ -- - كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهَ: ((مَنْ يكفَلُ لي أنْ لا يسألَ النَّاسَ شيئاً، فأتكفَّلُ له بالجنَّةِ؟)) فقال ثوبانُ: أنا؛ فكانَ لا يَسألُ أحداً شيئاً. رواه أبو داود، والنسائي. ١٨٥٨ - (٢٢) وعن أبي ذرّ، قال: دَعاني رسولُ اللهِوَ ﴿ وهوَ يشترِطُ علَيَّ: ((أنْ لا تَسألُ النَّاسَ شيئاً))، قلتُ: نعم. قال: ((ولا سَوْطَكَ إِنْ سقَطَ منكَ حتى تَنزِلَ إِليه فتأخذَهُ)). رواه أحمد. ٠ ٠٫٤٢:٧ (٥) باب الإنفاق وكراهية الإمساك الفصل الأول ١٨٥٩ _ (١) عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((لوْ كانَ لي مثلُ /٢٠٢٠/١٢ موضع بين مكة واليمن، أصابَهُ سبي فاشتراه النبي و # [ولم يزل معه حضراً وسفراً حتى توفي رسول الله (*] فخرج إلى الشام ونزل الرملة ثم انتقل إلى حمص وتوفي بها سنة أربع وخمسين. (قال: قال رسول الله ويقول: من يكفل) بفتح الياء وضم الفاء مرفوعاً قال الطيبي: من استفهامية وفي نسخة بصيغة الماضي من التكفيل أي من يضمن ويلتزم (لي) ويتقبل مني (أن لا يسأل الناس شيئاً؟) أي من السؤال أو من الأشياء (فأتكفل) بالنصب والرفع أي اتضمن (له بالجنة) أي أوّلاً من غير سابقة عقوبة وفيه إشارة إلى بشارة حسن الخاتمة. (فقال ثوبان أنا) أي تضمنت أو أتضمن (فكان) أي ثوبان بعد ذلك (لا يسأل أحداً شيئاً) أي ولو كان به خصاصة واستثنى منه إذا خاف على نفسه الموت، فإن الضرورات تبيح المحظورات بل قيل: إنه لو لم يسأل حتى يموت يموت عاصياً (رواه أبو داود والنسائي). ١٨٥٨ - (وعن أبي ذر، قال: دعاني رسول الله وَل*) أي إلى المبالغة الخاصة (وهو يشترط عليَّ) أي والحال أنه يقول لي على جهة الاشتراط أبايعك على (أن لا تسأل الناس شيئاً) بفتح اللام وكسرها وعلى الأوّل أكثر النسخ قال الطيبي: إن مفسرة داخلة على النهي لما في يشترط من معنى القول قيل: ويحتمل أن تكون مصدرية. (قلت نعم) أي بايعتك على ذلك (قال) أي النبي ◌َّير للمبالغة (ولا سوطك) أي ولا تسأل أحداً أن يناوله لك (إن سقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه) أي بنفسك وفي هذا النزول حصول علو (رواه أحمد). (باب الإنفاق وكراهية الإمساك) (الفصل الأوّل) ١٨٥٩ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ فقيل: لو كان لي الحديث رقم ١٨٥٨ : أخرجه أحمد في المسند ١٨١/٥. الحديث رقم ١٨٥٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٥/ ٥٥ حديث رقم ٢٣٨٩. ومسلم في صحيحه ٢/ ١٨٧ حديث رقم (٣١ - ٩٩١). وابن ماجه ٢/ ١٣٨٢ حديث رقم ٤١٣٢. وأحمد في المسند ٢٥٦/٢. مغناة ٣١٧ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك أُحُدٍ ذهَباً، لسَرَّني أنْ لا يمُرَّ عليَّ ثلاثُ ليالٍ وعندي منه شيءٌ، إِلاَّ شيءٌ أَزْصِدُهُ لِدَيْنِ)). رواه البخاريُّ. :٠٢٩٣ ١٨٦٠ - (٢) وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((ما مِنْ يوْم يُصبحُ العبادُ فيهِ؛ إِلاَّ مَلَكَانَ يَنزِلانِ، فيقولُ أحدُهما: اللهُمَّ أَعطِ مُنفِقاً خلفاً، ويقول الاَخرُ: اللهُمَّ أَعطِ مُمْسكاً تلَفاً)). متفق عليه. ١٨٦١ - (٣) وعن أسماءَ، قالتْ: قال رسولُ الله وَلّ: ((أنْفِقي ولا تُخصي مثل أحد) بضمتين جبل معروف بالمدينة (ذهبا) تمييز (لسرني) أي أعجبني وجعلني في سرور (أن لا يمر عليه ثلاث ليال، وعندي منه شيء) قال ابن الملك: الواو فيه للحال يعني لسرني عدم مرور ثلاث ليال، والحال أن يكون فيها شيء [منه] عندي والنفي في الحقيقة راجع إلى الحال. (إلا شيء) قال الطيبي: وجه الرفع، أن قوله شيء في حيز النفي أي لسرني أن لا يبقى منه شيء إلا شيء. (أرصده) بضم الهمزة أي أحفظه وأعده (لدين) أي لإداء دين كان علي لأن أداء الدين مقدم على الصدقة وكثير من جهلة العوام، وظلمة الطغام يعملون الخيرات والمبرات والعمارات وعليهم حقوق الخلق، ولم يلتفتوا إليها وكثير من المتصوّفة غير العارفة، يجتهدون في الرياضات وتكثير الطاعات والعبادات، وما يقومون بما يجب عليهم من الديانات. (رواه البخاري). ١٨٦٠ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَليقول: ما من يوم) ما نافية ومن زائدة لتأكيد الاستغراق، والمعنى ليس يوم (يصبح العباد فيه) صفة يوم (إلا ملكان) مبتدأ خبره (ينزلان) أي فيه وهذه الجملة مع ما يتعلق بها في محل الخبر وهو مستثنى من محذوف أي على وجه إلا هذا الوجه، ذكره الطيبي. (فيقول أحدهما) أي لمن أنفق ماله في الخيرات (اللهم أعط منفقاً) أي من محله في محله وأطلق مبالغة، في مدح الإنفاق (خلفاً) أي عوضاً عظيماً وهو العوض الصالح أو عوضاً في الدنيا، وبدلاً من العقبى لقوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين﴾ [سبأ - ٣٩] (ويقول الآخر) أي للآخر الذي لم ينفق في مرضاة المولى (اللهم اعط ممسكاً) أي عن خيره لغيره (تلفاً) أي لماله حساً أو معنى وفي إيراده بلفظ الإِعطاء مشاكلة (متفق عليه). ١٨٦١ - (وعن أسماء) بنت الصديق الأكبر (قالت: قال رسول الله ويالقول: انفقي) أي في مرضاة الله [تعالى] (ولا تحصي) أي ولا تبقي شيئاً للادخار فإن من أبقى شيئاً أحصاه وقيل: معناه ولا تعدي ما أنفقتيه فتستكثريه، فيكون ذلك سبباً لانقطاع انفاقك وهو معنى قوله الحديث رقم ١٨٦٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٠٤/٣. حديث رقم ١٤٤٢. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٠٠ حديث رقم (٥٧ - ١٠١٠). وأحمد في المسند ٣٠٥/٢. الحديث رقم ١٨٦١: أخرجه البخاري في صحيحه ٢١٧/٥. حديث رقم ٢٥٩١. ومسلم في صحيحه ٢/ ٧١٣ حديث رقم (٨٨ - ١٠٢٩). وأحمد في المسند ٣٥٤/٦. 1 ٣١٨ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك فيُحصيَ اللَّهُ عَلَيكِ، ولا تُوعي فيُوعِيَ اللَّهُ عليكِ، ارْضَخي ما استَطعت)). متفق عليه. ١٨٦٢ - (٤) وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قال اللَّهُ تعالى: أَنْفِقْ يا ابنَ آدَمَ أُنفِقْ عَلَيكَ)). متفق عليه. ١٨٦٣ - (٥) وعن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يا ابنَ آدمَ! إِنْ تبذُلِ الفَضْلَ خيرٌ لكَ، (فيحصي الله عليك) بالنصب جواباً للنفي أي فيقل الرزق عليك بقطع البركة ويجعله كالشيء المعدود، أو فيحاسبك عليه في الآخرة قال الطيبي: وأصل الإحصاء الإحاطة بالشيء حصراً وعدداً والمراد هنا عد الشيء للقنية والإدخار، للاعتداد وترك الإنفاق منه في سبيل الله. اهـ. فقوله فيحصي الله عليك من باب المشاكلة أو على طريق التجريد (ولا توعي فيوعي الله عليك) الإيعاء حفظ الشيء في الوعاء أي لا تمنعي فضل المال عن الفقير فيمنع الله عنك فضله، ويسد عليك باب المزيد. (أرضخي) بفتح الضاد الرضخ العطية القليلة أي أعطي (ما استطعت) أي ما قدرت عليه وإن كان قليلاً وانفقي شيئاً، وإن كان يسيراً ولا تجعليه حقيراً فإنه ربما يكون عند الله كثيراً، وفي ميزان القبول كبيراً قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره﴾ [الزلزلة - ٧] وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين﴾ [الأنبياء - ٤٧] وقال جل عظمته: ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ [النساء - ٤٠] وقال ابن الملك: وإنما أمرها ◌َ﴿ بالرضخ لما عرف من حالها إنها لا تقدر أن تتصرف في مالها، ولا في مال زوجها بغير إذنه إلا في الشيء اليسير الذي جرت العادة فيه بالتسامح من قبل الزوج كالكسرة، والتمر وبالطعام الذي يفضل في البيت ولا يصلح للادخار لتسارع الفساد إليه. (متفق عليه). ١٨٦٢ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلاير: قال الله تعالى: انفق يا ابن آدم) أي مما ينفد (انفق عليك) مما لا ينفد إيماء إلى قوله تعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق ﴾ [النحل - ٩٦] والمعنى انفق الأموال الفانية في الدنيا لتدرك الأحوال العالية في العقبى، وقيل معناه اعط الناس ما رزقك حتى أنا أرزقك أي في الدنيا، والعقبى إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ﴾ (متفق عليه). ١٨٦٣ - (وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله وَليقول: يا ابن آدم أن تبدل الفضل) أي انفاق الزيادة على قدر الحاجة والكفاف فإن مصدرية مع مدخولها مبتدأ خبره. (خير لك) أي في الدنيا والأخرى وفي التعبير بالفضل دون مطلق المال إشعار، بأنه لا ينبغي له أن يضيع المال ففي الخبر كفى بالمرء ائماً أن يضيع من يقوت(١) وقد جاء رجل بمثل البيضة من ذهب، فقال: الحديث رقم ١٨٦٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٩/ ٤٩٧. حديث رقم ٥٣٥٢. ومسلم في صحيحه ٢/ ٦٩٠ حديث رقم (٣٦ - ٩٩٣). وأحمد في المسند ٢٤٢/٢. الحديث رقم ١٨٦٣ : أخرجه مسلم في صحيحه ٧١٨/٢ حديث رقم ٩٧ - ١٠٣٦. (١) أبو داود في السنن ٣٢١/٢ حديث رقم ١٦٩٢. ١٠٠ ٣١٩ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك وإِنْ تُمْسِكْهُ شَرِّ لكَ، ولا تُلامُ على كَفافٍ، وابدأُ بمِنْ تَعُولُ)) رواه مسلم. ١٨٦٤ - (٦) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرَ: «مَثَلُ البَخيلِ والمتصدِّقِ، كمثَلٍ رجُلينٍ عَلَيهِما جُنَّانِ منْ حديدٍ، قد اضطُرَّتْ أَيْدِيهما إِلى تُدِيِّهِما وتراقِيهما، يا رسول الله خذها فهي للصدقة وما أملك غيرها فاعرض عنه عليه الصلاة والسلام إلى أن أعاد عليه القول ثلاث مرات، ثم أخذها ورماه بها رمية لو أصابته لا وجعته ثم قال يأتي أحدكم بما يملك، فيقول هذه صدقة ثم يقعد يتكفف وجوه الناس خير الصدقة، ما كان عن ظهر غني(١) والمراد إما غني مالي فضلاً عما أعطاه، وإما غني قلبي متكل على فضل مولاه ولهذا لما تصدق أبو بكر بجميع ماله قرره ول# لما عرف من كمال حاله، وأراد عمر ذلك فأمره بإمساك بعض ماله. (وإن تمسكه) أي ذلك الفضل وتمنعه (شر لك) أي عند الله وعند الناس (ولا تلام على كفاف) بالفتح وهو من الرزق القوت وهو ما كف عن الناس وأغنى عنهم، والمعنى لا تذم على حفظه وإمساكه أو على تحصيله وكسبه، ومفهومه إنك إن حفظت أكثر من ذلك، ولم تتصدق بما فضل عنك فأنث مذموم وبخيل وملوم (وابدأ) أي ابتدىء في إعطاء الزائد على قدر الكفاف (بمن تعول) أي بمن تمونه ويلزمك نفقته (رواه مسلم) قال ميرك: ورواه الترمذي، وأخرج البخاري منه قوله وابدأ بمن تعول من حديث ابن عمر(٢) وغيره. ١٨٦٤ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَيقول: مثل البخيل والمتصدق) أي صفتهما (كمثل رجلين عليها جنتان) بضم الجيم وتشديد النون أي وقايتان (من حديد) ويروي بالباء الموحدة وكذا في شرح السنة، روي بها وقيل: الصحيح ههنا النون بلا خلاف لأن الدرع لا يسمى الجبة، بالباء كذا قاله الطيبي ويرده قول بعض المحققين إنه بالنون تصحيف وقال بعضهم: الجنة بالضم ما استترت به من سلاح والمراد هنا درعان شبه بهما صفتا البخل، والتصدق اللتان جبل الإِنسان عليهما كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ومن يوق شح نفسه ﴾ [الحشر - ٩] روي جبتان بالباء وهو تصحيف إذ لم يعهد جبة حديد ولما في بعض الروايات عليهما، درعان ولقوله كل حلقة بمكانها اللهم إلا أن يراد بالجنتان الواقيتان اللتان يشملان الدرعين (قد اضطرت أيديهما) بضم الطاء، أي شدت وعصرت وضمت والصقت وفي نسخة بفتح الطاء ونصب أيديهما على أن ضمير الفعل إلى جنس الجنة، المفهوم من التثنية (إلى ثديهما) بضم الثاء وسكون الدال جمع ثدي بفتح الثاء ویکسر وتشديد الياء، والثدي خاص بالمرأة أو عام كذا في القاموس، ويعني بهما جنبي الصدر. (وتراقيهما) بفتح التاء جمع الترقوة %، ، (١) البخاري في صحيحه ٢٩٤/٣ حديث رقم ١٤٣٦. (٢) رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة راجع المصدر السابق. الحديث رقم ١٨٦٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٠٥/٣. حديث رقم ١٤٤٣ ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٠٨ حديث رقم (٧٥ - ١٠٢١). وأحمد في المسند ٣٨٩/٢. ٣٢٠ كتاب الزكاة/ باب الإنفاق وكراهية الإمساك فجعلَ المتصدِّقُ كلما تَصدَّقَ بصدَقةِ انبسَطتْ عنه، البخيلُ كلما هَمَّ بصدَقةٍ قَلَصَتْ، وأخذتَ كلُّ حَلْقةٍ بمكانها)). متفق عليه. ١٨٦٥ - (٧) وعن جابر، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اتقوا الظُّلْمَ؛ فإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتّقوا الشُّحَّ؛ فإِنَّ الشُّحَّ أهلَكَ مَنْ كانَ قبلَكمْ: حمَلهمْ على أنْ سَفكوا دِماءَهم، واستَحلُّوا محارِمُهم)). رواه مسلم. وهو أسفل الكتف وفوق الصدر (فجعل المتصدق) أي طفق وشرع وأراد (كلما تصدق بصدقة) أي هم يتصدق (انبسطت) أي توسعت جنته (عنه) أي عن المتصدق (وجعل البخيل كلما هم بصدقة) أي قصد إليها وعزم عليها (قلصت) بفتح اللام أي انضمت والتصقت جنته عليه (وأخذت كل حلقة) بسكون اللام وفتحها (بمكانها) اشتدت والتصقت الحلق بعضها ببعض، والباء زائدة [أي] ضاقت غاية التضييق، والمعنى أن الجواد إذا هم بالصدقة اتسع لذلك صدره وطاوعته يداه فامتدتا بالعطاء والبخيل يضيق صدره، وتنقبض يداه عن الإنفاق فجعل بمعنى طفق وكلما تصدق يدل على خبره أي طفق السخيّ يتسع صدره كذا حققه الطيبي وخلاصته أن السخي، إذا هم بخير سهل عليه والبخيل عكسه. (متفق عليه). ١٨٦٥ - (وعن جابر قال: قال رسول الله وسلم: اتقوا الظلم) أي المشتمل على الشح وغيره من الأخلاق الدنية، والأفعال الردية. (فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) قال الطيبي : محمول على ظاهره فيكون الظلم ظلمات على صاحبه، لا يهتدى بسببها كما أن المؤمنين يسعى نورهم بين أيديهم أو المراد بها الشدائد كما في قوله تعالى: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر ﴾ [الأنعام - ٦٣] أي شدائدهما (واتقوا الشح) أي البخل الذي هو نوع من الظلم وقيل: الشح بخل الرجل من مال غيره، والبخل هو المنع من مال نفسه وقيل: البخل يكون في المال، والشح يكون فيه وفي غيره من معروف أو طاعة فهو أشد منعاً من البخل، وقيل: الشح بخل(١) مع الحرص وهو أنسب وأفرد الشح بالذكر تنبيهاً على أنه أعظم أنواع الظلم، فإنه منشأ المفاسد العظيمة ونتيجة محبة الدنيا الذميمة قال تعالى: ﴿من يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون ﴾ [الحشر - ٩] (فإن الشح أهلك من كان قبلكم) فداؤه قديم وبلاؤه عظيم قال ابن الملك: هلاكهم كونهم معذبين به، وهو يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في العقبى (حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) قيل: إنما كان الشح سبباً لذلك لأن في بذل المال ومواساته الاخوان التحاب والتواصل، وفي الإمساك والشح التهاجر والتقاطع، وذلك يؤدي إلى التشاجر والتعادي، من سفك الدماء واستباحة المحارم، من الفروج والأعراض والأموال، وغيرها. (رواه مسلم). الحديث رقم ١٨٦٥: أخرجه مسلم في صحيحه ١٩٩٦/٤ حديث رقم (٥٦ - ٢٥٧٨). وأحمد في المسند ٣٢٣/٣. (١) في المخطوطة ((البخل شح)).