النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الجنائز/ باب زيارة القبور
وإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ بِكمْ لَلاحِقونَ)). رواه مسلم.
':٣٩٠
١٧٦٨ - (٧) وعن محمَّدٍ بن النُّعمانِ، يرفعُ الحديثَ إِلَى النبيّ ◌ََّ، قال: ((مَنْ زارَ قبرَ
أبوَيْهِ أو أحدِهما في كلّ جُمعةٍ، غُفرَ له وكتُبَ بَرّاً)). رواه البيهقيُّ في ((شعب الإِيمان)) مُرسلاً.
١٧٦٩ - (٨) وعن ابن مسعودٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَه قال: «كنتُ نهَيتُكمْ عنْ زِيارةِ
القُبورِ، فزُوروها، فإِنَّها تُزهّدُ في الدُّنيا، وتُذكرُ الآخرَةَ)). رواه ابنُ ماجه.
لمجرد التأكيد أي الأموات منا والأحياء وقدم الأموات ههنا لاقتضاء المقام واستنساق الكلام،
أو مراعاة ما ورد في كلام العلام وإن كان معنى الآية يراد به العام (ولقد علمنا المستقدمين
منكم ولقد علمنا المستأخرين] (وإنا إن شاء الله بكم) أي أيها السابقون (للاحقون) بلا مين
(رواه مسلم) ورواه النسائي وابن ماجه كذا في الحصن قال السيوطي: وأخرج العقيلي عن أبي
هريرة قال: قال أبو رزين: يا رسول الله إن طريقي على الموتى فهل من كلام أتكلم به إذا
مررت عليهم، قال: قل السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين، والمؤمنين أنتم لنا سلف
ونحن لكم تبع وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. قال أبو رزين: يسمعون [قال يسمعون] ولكن لا
يستطيعون أن يجيبوا قال أبا رزين: ألا ترضى أن يرد عليك بعددهم من الملائكة؟. اهـ. وقوله
لا يستطيعون أن يجيبوا أي جواباً يسمعه الحي وإلا فهم يردون حيث لا نسمع، وأخرج ابن
عبد البر في الاستذكار والتمهيد عن ابن عباس [رضي الله عنهما] قال: قال رسول الله وَله: ما
من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن، كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه ألا عرفه ورد عليه السلام
صححه عبد الحق، وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب [عن أبي هريرة] قال: إذا مر
الرجل بقبر، يعرفه فسلم عليه رد عليه السلام وعرفه وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد عليه
السلام وإن ولم يعرفه(١).
١٧٦٨ - (وعن محمد بن النعمان) تابعي (يرفع الحديث) أي باسقاط الصحابي (إلى النبي
وَ ل ﴿ قال: من زار قبر أبويه أو أحدهما) عطف على أبويه (في كل جمعة) أي كل يوم جمعة أو
في كل أسبوع (غفر له) أي في معصيته (وكتب برأ) بفتح الباء بمعنى باراً في طاعته (رواه
البيهقي في شعب الإيمان مرسلاً) وقد تقدم معناه.
١٧٦٩ - (وعن ابن مسعود [رضي الله عنه] إن رسول الله وَلايقل قال كنت نهيتكم عن زيارة
القبور) أي مطلقاً (فزوروا) وفي نسخة فزوروها (فإنها) أي زيارة القبور أو القبور أي رؤيتها
(تزهد في الدنيا) قال ذكر الموت هادم اللذات، ومهوّن الكدورات ولذا قيل إذا تحيرتم في
الأمور فاستعينوا بأهل القبور، هذا أحد معنييه. (وتذكر الآخرة) وتعين على الاستعداد لها (رواه
ابن ماجه).
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان الحديث رقم ٩٢٩٦.
الحديث رقم ١٧٦٩ : أخرجه ابن ماجه ٥٠١/١ حديث رقم ١٥٧١.
٠٫٠٠٠٠
" عبدا ١٠٦٠
٠٠٢٠
صب.

٢٢٢
كتاب الجنائز/ باب زيارة القبور
١٧٧٠ - (٩) وعن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلَ لعنَ زَوَّاراتِ القُبورِ. رواه أحمد،
والترمذيُّ، وابنُ ماجه، وقال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقال: قدْ رأى بعضُ
أهلِ العلم أنَّ هذا كانَ قبلَ أنْ يُرخِصَ النبيُّ وَ ◌ّ في زِيارةِ القُبورِ، فلمَّا رَخَّصَّ دخلَ في
رُخَصَتِهِ الرّجالُ والنساءُ. وقالَ بعضُهم: إِنما كرِهَ زِيارةَ القُبور للنساءِ لقلَّةِ صَبرهنَّ وكثرَةٍ
جزّعهنّ. تمَّ كلامُه.
١٧٧١ - (١٠) وعن عائشةَ، قالتْ: كنتُ أدخُلُ بَيتي الذي فيه رسولُ اللَّهِ وَ لَهُ وإِني
واضِحٌ ثوبي، وأقولُ: إِنما هوَ زَوجي وأبي، فلمَّا دُفنَ عمرُ [ رضي اللهُ عنه ] معهُم؛ فوَاللهِ
ما دخلتُه إِلا وأنا مشدُودةٌ عَلَيَّ ثيابي حياءً منْ عمرَ. رواه أحمدُ.
١٧٧٠ - (وعن أبي هريرة [رضي الله عنه] أن رسول الله وَ لقولعن زوارات القبور) ولعل
المراد كثيرات الزيارة (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
وقال) أي الترمذي (قد رأى) أي ذهب (بعض أهل العلم إن هذا) أي اللعن (كان قبل أن
يرخص النبي ◌َّي﴿ في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال، والنساء) وهذا هو
الظاهر (وقال بعضهم إنما كره) أي النبي وَل وروي بصيغة المجهول (زيارة القبور للنساء لقلة
صبرهن، وكثرة جزعهن) وفي نسخة وكثرة عجزهن قال الطيبي صوابه وكثرة جزعهن (تم
كلامه) أي قال المصنف: كلام الترمذي.
١٣٢
١٧٧١ - (وعن عائشة رضي الله عنها قالت كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله) أي قبره
أو دفن فيه رسول الله (مَلية) أي وأبوها (وإني واضع) بالتنوين والظاهر واضعه، فكأنه نزل منزلة
حائض أو التذكير باعتبار الشخص ويجوز إضافته إلى قولها (ثوبي) أي بعض ثيابي ولذا أفرد
هنا وجمع فيما سيأتي (وأقول) أي في نفسي لبيان عذر الوضع، وقال الطيبي: القول بمعنى
الاعتقاد، وهو كالتعليل لوضع الثوب (إنما هو) أي الكائن هنا (زوجي وأبي) أي إنما هو زوجي
والآخر أبي أو الضمير للشأن، أي إنما الشأن زوجي وأبي مدفونان فيه أو الضمير للبيت أي
إنما [هو] مدفن زوجي، وأبي على تقدير مضاف (فلما دفن عمر رضي الله عنه معهم) فيه اختيار
أن أقل الجمع اثنان (فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة على ثيابي، حياء من عمر) قال الطيبي:
فيه أن احترام الميت كاحترامه حيا. (رواه أحمد) وفي شرح الصدور(١) للسيوطي أخرج ابن أبي
شيبة عن عقبة بن عامر الصحابي قال: لأن أطأ على جمرة أو على حد سيف، حتى تخطف
رجلي أحب إلي من أن أمشي على قبر رجل وما أبالي أفي القبور قضيت حاجتي، أي من البول
والغائط أم في السوق بين ظهرانيه والناس ينظرون وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، عن
سليم بن غفرانه مر على مقبرة، وهو حاقن قد غلبه البول فقيل له لو نزلت فبلت قال سبحان
الله والله إني لاستحي من الأموات كما أستحي من الأحياء والله أعلم.
١٠
الحديث رقم ١٧٧٠: أخرجه الترمذي في السنن ٣٧١/٣ حديث رقم ١٠٥٦. والنسائي ٤ /٩٤ حديث رقم
٢٠٤٣. وابن ماجه ١/ ٥٠٢ حديث رقم ١٥٧٥. وأحمد في المسند ٤٤٢/٣.
(١) شرح الصدور ص ٢٨٥.

كتاب الزكاة
الفصل الأول
١٧٧٢ - (١) عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ الله وَّرِ وسلم بعثَ مُعاذاً إِلى اليَمنِ، فقال:
((إِنَّكَ تأتي قوماً أهلَ كتابٍ،
(كتاب الزكاة)
هي في اللغة الطهارة وقال تعالى: ﴿قد أفلح من تزكى﴾ [الأعلى - ١٤] والنما يقال
زكى الزرع إذا نمى سمى بها نفس المال، المخرج حقا لله تعالى في عرف الشارع قال تعالى:
﴿وآتوا الزكاة﴾ ومعلوم أن متعلق الإيتاء هو المال وفي عرف الفقهاء هو نفس فعل الإيتاء
لأنهم يصفونه بالوجوب ومتعلق الأحكام الشرعية هو أفعال المكلفين ومناسبة اللغوي أنه سبب
له إذ يحصل به النماء بالأخلاف منه تعالى في الدارين، قال تعالى: ﴿وما أنفقتم من شيءٍ فهو
يخلفه﴾ [سبأ - ٣٩] والطهارة للنفس، من دنس البخل، ووسخ المخالفة وللمال بإخراج حق
الغير منه إلى مستحقه أعني الفقراء ثم هي فريضة محكمة وسببها المال المخصوص، أعني
النصاب النامي تحقيقاً أو تقديراً ولذا يضاف إليه ويقال زكاة المال وشرطها الإِسلام، والحرية،
والبلوغ، والعقل، والفراغ من الدين، ثم قيل: فرضت زكاة الفطر مع فرض الصوم في السنة
الثانية من الهجرة، وفرض غيرها بعد ذلك في تلك السنة والمعتمد أن الزكاة فرضت بمكة
إجمالاً، وبينت بالمدينة تفصيلاً جمعاً بين الآيات التي تدل على فرضيتها بمكة، وغيرها من
الآيات والأدلة والله أعلم.
i
i
(الفصل الأوّل)
١٧٧٢ - (عن ابن عباس أن رسول الله وَ ل﴿ بعث معاذاً) بضم الميم أي أرسل (إلى اليمن)
[أي] أميراً أو قاضياً (فقال: إنك تأتي قوماً أهل كتاب) يريد بهم اليهود والنصارى قال الطيبي:
الحديث رقم ١٧٧٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٥٧/٣. حديث رقم ١٤٩٦. ومسلم في صحيحه ١/
٥٠ حديث رقم (٢٩ - ١٩). وأبو داود في السنن ٢٤٢/٢ حديث رقم ١٥٨٤. والترمذي في السنن
٢/ ٢٤٢ ــ
٢١/٣ حديث رقم ٦٢٥. والنسائي ٥٥/٥ حديث رقم ٢٥٢٢. وابن ماجه ٥٦٨/١ حديث رقم
١٧٨٣. والدارمي في السنن ٤٦١/١ حديث رقم ١٦١٤. وأحمد في المسند ٢٣٣/١.
٢٢٣

٢٢٤
٢٢٢ ١
١٣٠
کتاب الزكاة
//
فاذعُهم إِلى شهادةِ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ اللَّهِ. فإِنْ هُمْ أطاعُوا لذلكَ،
فأعلمْهُم أنَّ اللَّهَ قَدْ فرضَ عليهِمٍ خمسَ صلواتٍ في اليَومِ والليلةِ. فإِنْ هُم أطاعُوا لذلكَ،
فأعلمهم أنَّ اللَّهَ قدْ فرضَ عليهِم صَدَقَةً تُؤخذُ منْ أغنيائِهم فتُردُّ على فُقرائِهم.
١١٣٢/
قيد قوله قوماً بأهل الكتاب، ومنهم أهل الذمة وغيرهم من المشركين تفضيلاً لهم، أو تغليباً
على غيرهم، (فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله) لأن فيهم مشركين (وإن محمداً رسول الله)
فإن موحديهم قد يكونون لرسالته منكرين قال ابن الملك: هذا يدل على وجوب دعوة الكفار
إلى الإِسلام، قبل القتال لكن هذا إذا لم تبلغهم الدعوة أما إذا بلغتهم فغير واجبة لأنه صح أن
النبي ◌ّ شهر أغار بني المصطلق، وهم غافلون. (فإن هم أطاعوا لذلك) أي انقادوا أي للإسلام
(فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات، في اليوم والليلة) قال الأشرف: تبعاً لزين
العرب، يستدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، كما ذهب إليه بعض الأصوليين بل
بالأصول فقط وذلك لتعليقه الأعلام بالوجوب على الإطاعة للإيمان، وقبول كلمتي الشهادة
بدار(١) الجزاء ذكره الطيبي وفيه أنه لا إشعار لأن المترتب الاعلام بمعنى التكليف بالإتيان بتلك
الأعمال في الدنيا وهذا لا يخاطب به الكفار لأن القائل بتكليفهم بها إنما يقول إنه بالنسبة
للآخرة فقط حتى يعاقب عليها بخصوصها كما دل عليه قوله: ﴿فويل للمشركين الذين لا
يؤتون الزكاة﴾ [فصلت - ٦ - ٧] ﴿وقالوا لم نك من المصلين﴾ [المدثر - ٤٤] الآيتين ذكره
ابن حجر وهو كلام حسن لكن قوله فيه دليل على أن الوتر ونحوه كالعيدين ليس بواجب ليس
في محله إذ لا دلالة في الحديث نفياً وإثباتاً على ما ذكره أنه لم يقل بفرضية الوتر والعيدين،
أحد إجماعاً والمفهوم غير معتبر عندنا بل مفهوم العدد ساقط الاعتبار اتفاقاً مع أن المقام
يقتضي بيان الأحكام إجماعاً، ولهذا اقتصر من المؤمن به على الشهادتين اقتصاراً ومن
الصلوات على الخمس، مع فرضية صلاة الجنازة كفاية في صورة وعيناً في أخرى اتفاقاً وأيضاً
صلاة الوتر من توابع صلاة العشاء ملحقة بها فذكرها مشعر بذكرها ويحتمل إنها وجبت بعد
هذه القضية أو لم يذكرها كما لم يذكر الصوم مع أنه فرض قبل الزكاة والله أعلم. (فإن هم
أطاعوا لذلك) أي لوجوب الصلاة (فأعلمهم) ليكون الحكم تدريجياً على وفق ما نزل به
التكليف الإلهي، من أن العبادة البدنية أيسر من الإطاعة المالية أي فأخبرهم. (إن الله قد فرض
عليهم) أي بعد حولان الحول وشروطه المعتبرة في الوجوب (صدقة) أي زكاة الأموالهم (تؤخذ
من أغنيائهم) قال الطيبي: فيه دليل على أن الطفل يجب في ماله الزكاة. اهـ. وزاد ابن حجر
المجنون وفيه أن الضمير راجع إلى المكلفين، وهو غير داخل فيهم (فترد على فقرائهم) أي إن
وجدوا وكره النقل وسقط بالإجماع، وفيه إشارة إلى براءة ساحته، وصحابته عليه السلام من
الطمع لدفع توهم اللئام، لأنه خلاف دأب الكرام قال الطيبي: فيه دليل على أن المدفوع عين
الزكاة [وفيه أيضاً إن نقل الزكاة] عن بلد الوجوب، لا يجوز مع وجود المستحقين فيه بل
(١) في المخطوطة ((يدا)).
ن لزم ؟

٢٢٥
...... .
كتاب الزكاة
فإِنُ هُم أطاعوا لذلكَ، فإياكَ وكرائِمَ أموالِهم، واتّقِ دَعْوَةَ المظلوم، فإِنَّهُ ليسَ بينها وبينَ اللَّهِ
حجابٌ)). متفق عليه.
١٧٧٣ - (٢) وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِوَّه: ((ما مِنْ صاحبِ ذهبٍ ولا
صدقة كل ناحية لمستحقي تلك الناحية، واتفقوا على أنه إذا نقلت وأديت بسقط الفرض إلا عمر
بن عبد العزيز رحمه الله فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلى الشام، إلى مكانها من خراسان.
اهـ. وفيه أن فعله هذا لا يدل على مخالفة للاجماع بل فعله إظهاراً لكمال العدل، وقطعاً للاطماع
ثم ظاهر الحديث إن دفع المال إلى صنف واحد، جائز كما هو مذهبنا بل له أن يقتصر على
شخص واحد فالحديث محمول على مقابلة الجمع بالجمع، وفي الهداية ولولا حديث معاذ لقلنا
بجواز دفع الزكاة إلى الذمي أي كما قلنا بجواز دفع الصدقة إليهم، لما روي ابن أبي شيبة عن
سعيد بن جبير مرسلاً قال رسول الله وَالر: تصدقوا على أهل الأديان كلها (١)، قال ابن الهمام:
حديث لا تحل الصدقة لغني مع حديث معاذ يفيد منع غنى الغزاة والغارمين عنها فهو حجة على
الشافعي في تجويزه لغنى الغزاة إذا لم يكن له شيء في الديوان، ولم يأخذ من الفيء (٢) ثم المعتبر
في الزكاة مكان المال وفي صدقة الفطر، مكان الرأس المخرج عنه في الصحيح مراعاة لا يجاب
الحكم في محل وجود سببه(٣)، ويكره نقلها إلى بلد آخر إلا إلى قريبه أو إلى أحوج من أهل بلده
قال ابن الهمام: ووجهه ما قدمناه من دفع القيم من قول معاذ لأهل اليمن ائتوني بعرض ثياب
خميس، أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب رسول الله وَاليهود
بالمدينة ويجب كون محله كون من المدنية أحوج أو ذلك ما يفضل بعد اعطاء فقرائهم، وأما
النقل للقرابة فلما فيه من صلة الرحم زيادة على قربة الزكاة (٤) (فإن هم أطاعوا لذلك) أي للانفاق
(فإياك وكرائم أموالهم) جمع كريمة أي احترس زمن أخذ الأعلى من أصناف أموالهم، إلا تبرعاً
منهم ففيه أمر بالعدل الوسط المرعى فيه جانب الأغنياء، وحق الفقراء قال الطيبي [رحمه الله]:
فيه دليل على أن تلف المال يسقط الزكاة ما لم يقصر في الأداء وقت الإِمكان(٥)، أي بعد
الوجوب (واتق دعوة المظلوم) أي في هذا وغيره بأن تأخذ ما ليس بواجب عليه أو تؤذيه بلسانك.
(فإنه) أي الشأن (ليس بينها وبين الله) أي قبوله لها (حجاب) أي مانع بل هي معروضة عليه
[تعالى] وقيل: هو كناية عن سرعة القبول قال الطيبي [رحمه الله]: هذا تعليل للإتقاء وتمثيل
للدعوة، لمن يقصد إلى السلطان متظلماً فلا يحجب عنه(٦) (متفق عليه) ورواه الأربعة.
١٧٧٣ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ما من صاحب ذهب، ولا
(١) في ((غير)).
(٣) فتح القدير ٢٠٧/٢.
(٥) فتح القدير ٢١٧/٢.
(٢) الهداية ١١٣/١.
(٤) فتح القدير ٢٠٩/٢.
(٦) المصدر السابق.
الحديث رقم ١٧٧٣ : أخرجه البخاري في صحيحه ٣ حديث رقم ١٤٠٢ قسماً منه. وأخرجه مسلم كاملاً
في صحيحه ٢/ ٦٨٠ حديث رقم (٢٤ - ٩٨٧). وأبو داود في السنن ٣٠٢/٢ حديث رقم ١٦٥٨.
والدارمي في السنن ٤٦٢/١ حديث رقم ١٦١٧. وأحمد في المسند ٤٨٩/٢.

٢٢٦
کتاب الزكاة
فضَّةٍ لا يُؤَدِّي منها حقَّها، إِلاَّ إِذا كانَ يومُ القيامةُ صُفِحتْ له صفائحَ منْ نارٍ، فأخْمِيَ علَيها
في نارٍ جهنّمَ، فيُكْوى بها جنبُه وجبينُه وظهرهُ، كلَّما رُدَّتْ أُعيدَتْ له في يومٍ كانَ مقدارُه
فضة لا يؤدي منها حقها) قال التوربشتي: الضمير لمعنى الذهب، والفضة دون لفظهما إذا لم
يرد بهما الشيء الحقير بل وافية من الدنانير والدراهم، وأما على تأويل الأموال وأما عوداً إلى
الفضة فإنها أقرب ويعلم حال الذهب منها أيضاً وقيل أراد كل واحدة منهما والذهب، مؤنث
لأنه بمعنى العين وقد جاء في الحديث على وفق التنزيل ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا
ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ﴾ [التوبة - ٣٤] واكتفى ببيان صاحبها عن بيان حال
صاحب الذهب أو لأن الفضة أكثر انتفاعاً في المعاملات من الذهب، وأشهر في أثمان
الأجناس ولذا اكتفى به في قوله {وَ ل# وليس فيما دون خمس أواق، من الورق صدقة وهو معنى
قوله (إلا إذا كان يوم القيامة) استثناء من أعم الأحوال (صفحت) بتشديد الفاء أي جعلت الفضة
ونحوها (له) أي لصاحبها (صفائح) قال السيد جمال الدين: وهي ما طبع عريضاً وقرئت
مرفوعاً، على أنه مفعول ما لم يسم فاعله لقوله صفحت ومنصوباً على أنه مفعول ثان وفي
الفعل ضمير الذهب الفضة، وأنث إما بالتأويل السابق وإما على التطبيق بينه وبين المفعول
الثاني الذي هو هو انتهى وهو كلام الطيبي بعينه، (من نار) أي يجعل له صفائح من نار أو
يجعل الذهب والفضة صفائح من نار، أي يجعل صفائح كأنها ناراً وكأنها مأخوذة من نار،
يعني كأن صفائح الذهب والفضة لفرط إحمائها، وشدة حرارتها، صفائح النار فتكوى بها وهذا
التأويل يوافق ما في التنزيل حيث قال تعالى: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها
جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ [التوبة - ٣٥]
فجعل عين الذهب والفضة هي المحمى عليها في نار جهنم، وهذا هو المعنى بقوله (فأحمي
عليها) بصيغة المجهول والجار والمجرور نائب الفاعل أي أوقد عليها ذات حمى، وحرّ شديد
من قوله تعالى: ﴿نار حامية﴾ [القارعة - ١١] ففيه مبالغة ليست في فأحميت في نار قاله
الطيبي، والضمير في عليها إلى الفضة فالفاء تفسيرية وقيل الضمير إلى الصفائح النارية أي
تحمى مرة ثانية. (في نار جهنم) ليشتد حرها فالفاء تعقيبية (فيكوى بها) أي بتلك الفضة أو
بتلك الصفائح (جنبه وجبينه وظهره) قيل: لأنه أزورّ عن الفقير، وأعرض عنه وعبس له وجهه
وبشره وولاء عند الإلحاح ظهره، فيكوى بماله أعضاؤه التي آذى الفقير بها وقيل: لأنها أشرف
الأعضاء الظاهرة لاشتمالها على الأعضاء الرئيسة، التي هي الدماغ والقلب، والكبد وقيل:
المراد الجهات الأربع، التي هي من مقاديم البدن ومؤخره وجنباه. (كلما ردت) أي عن بدنه
إلى النار (أعيدت) أي أشد ما كانت قال الطيبي: أي كلما بردت ردت إلى نار جهنم، ليحمى
عليها والمراد منه الاستمرار وقال ابن الملك: يعني إذا وصل كي هذه الأعضاء من أوّلها إلى
آخرها، أعيد الكي إلى أولها حتى وصل إلى آخرها. اهـ. ويمكن أن يكون الضمير في ردت
راجعاً إلى الأعضاء أي كلما ردت الأعضاء بالتبديل بعد الاحراق، والقرب من الافناء أعيدت
الصفائح عليها فيكون موافقاً لقوله تعالى: ﴿كلما انضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها
ليذوقوا العذاب﴾ (له) أي لمانع الزكاة (في يوم) وهو يوم القيامة (كان مقداره
٠٥٥٠

٢٢٧
. " The
كتاب الزكاة
خمسين ألفَ سنةٍ، حتى يُقضى بينَ العِبادِ، فيرى سبيلَه: إِمَّا إِلى الجنَّة وإِمَّا إِلى النَّار)).
قيلَ: يا رسولَ الله! فالإِبلُ؟ قال: ((ولا صاحبُ إِبلٍ لا يُؤَدِّي منها حقٌّها، ومِنْ حقّها حَلبُها
يومَ وِرُودِها، إِلاَّ إِذا كانَ يومُ القيامةِ، بُطحَ لها
خمسين ألف سنة) أي على الكافرين ويطول على بقية العاصين، بقدر ذنوبهم وأما المؤمنون
الكاملون، فهو على بعضهم كركعتي الفجر وأشار إليه بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿يوم عسير على
الكافرين غير يسير﴾ [المدثر - ٩ - ١٠] (حتى يقضى) على بناء المفعول أي يحكم (بين
العباد) وفيه إشارة إلى أنه في العذاب وبقية الخلق في الحساب ولذا قيل: [الدنيا] حلالها
حساب وحرامها عقاب (فيرى) على صيغة المجهول من الرؤية أو الأراءة وقوله (سبيله) مرفوع
على الأوّل ومنصوب بالمفعول الثاني على الثاني وفي نسخة فيرى بالعلوم من الرؤية أي هو
سبيله قال النووي [رحمه الله]: ضبطناه بضم الياء، وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها وفيه إشارة
إلى أنه مسلوب الاختيار، يومئذ مقهور لا يقدر أن يروح إلى النار فضلاً عن الجنة، حتى يعين
له أحد السبيلين. (إما إلى الجنة) إن لم يكن له ذنب سواء وكان العذاب تكفيراً له (وإما إلى
النار) إن كان على خلاف ذلك وفيه رد على من يقول إن الآية مختصة بأهل الكتاب، ويؤيده
القاعدة الأصولية إن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب مع أنه لا دلالة في الحديث على
خلوده في النار وبهذا يعلم ضعف قول ابن حجر أيضاً إما إلى الجنة إن كان مؤمناً بأن لم
يستحل ترك الزكاة، وإما إلى النار إن كان كافراً بأن استحل تركها. (قيل: يا رسول الله فالإبل)
أي هذا حكم النقود فالإبل ما حكمها أو عرفنا حكم النقدين، فما حكم الإبل؟ فالفاء متصل
بمحذوف (قال ولا صاحب إيل) بالرفع أي يوجد ويكون وقيل بالجر عطفاً على قوله من
صاحب ذهب والحاصل أنه ليس جواباً للسؤال لفظاً لوجود الواو بل جواب له معنى فإنه من
باب تلقين العطف، لكن معنى لا لفظاً. (لا يؤدي) صفة أي لا يعطى صاحب الإِبل (منها
حقها) أي الواجب عليه فيها (ومن حقها) أي المندوب ومن تبعيضية (حلبها) قال النووي: بفتح
اللام هي اللغة المشهورة وحكى سكونها وهو غريب ضعيف، وإن كان هو القياس (يوم
ورودها) قيل: الورد الإتيان إلى الماء [ونوبة الإتيان إلى الماء] فإن الإبل تأتي الماء في كل ثلاثة
أو أربعة، وربما تأتي في ثمانية قال الطيبي: ومعنى حلبها يوم ورودها أن يسقي ألبانها المارة،
وهذا مثل نهيه عليه الصلاة والسلام عن الجذاذ بالليل أراد أن يصرم بالنهار ليحضرها الفقراء،
وقال ابن الملك: وحصر يوم الورد لاجتماعهم غالباً على المياه وهذا على سبيل الاستحباب
وقيل: معناه ومن حقها أن يحلبها في يوم شربها الماء دون غيره، لئلا يلحقها مشقة العطش
مشقة الحلب، واعلم أن ذكره وقع استطراداً وبياناً لما ينبغي أن يعتني به من له مروءة لا لكون
التعذيب يترتب عليه أيضاً، لما هو مقرر من أن العذاب لا يكون إلا على ترك واجب، أو فعل
محرم اللهم إلا أن يحمل على وقت القحط أو حالة الاضطرار أو على وجوب ضيافة المال،
وهذا معنى ما قيل: إن حقها الأوّل أعم من الثاني وقيل: يحتمل أن التعذيب عليهما معاً
تغليظ. (إلا إذا كان يوم القيامة) استثناء مفرغ من أعم الأحوال (بطح) أي ألقى ذلك الصاحب
على وجهه. (لها) أي لتلك الابل وفي نسخة له أي لابله أو لفعله أو أقيم مقام الفاعل قال

٢٢٨
١٠ الشراء عبرت:
كتاب الزكاة
بقاع قَرْقر أوْفَر ما كانتْ لا يفقِدُ منها فصيلاً واحداً، تَطؤُه بأخفافِها، وتعَضُّه بأفواهِها، كلما
مرَّ عَلَيه أُولاها رُدَّ عليه أخْراها في يوم كانَ مقداره خمسينَ ألفَ سنةٍ، حتى يُقضى بينَ
العِبادِ؛ فَيَرى سبيلَه: إِمَّا إِلى الجنَّةِ وإِمَا إِلى النار)). قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ! فالبَقرُ والغنَمُ؟
قال: ((ولا صاحبُ بقرٍ ولا غَنم لا يُؤَدِّي منها حقّها، إِلاَّ إِذا كانَ يومُ القيامة بُطحَ لها بقاعِ
قرْقٍ، لا يفقِدُ منها شيئاً، ليسَ فيها عَقصاءُ ولا جَلحاءُ ولا عَضباءُ
التوريشتي: وفي بعض النسخ له بالتذكير، وهو خطأ رواية ودراية لأن الضمير المرفوع في
الفعل لصاحب الابل، والمجرور للابل ليستقيم ولأن المبطوح المالك لا الابل قال الطيبي: أما
التمسك بالرواية فمستقيم وأما بالمعنى فلم لا يجوز أن يذكر الضمير، لارادة الجنس أو لتأويل
المذكور على أنه يجوز أن يرجع الضمير لصاحب الابل، ويكون الجار والمجرور قائماً مقام
الفاعل كما في قوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدوّ والآصال﴾ (بقاع) أي في أرض واسعة
مستوية (قرقر) أي أملس وقيل: أي مستوي فيكون صفة مؤكدة (أوفر ما كانت) أي أكثر عدداً
وأعظم سمنا وأقوى قوّة في شرح السنة يريد كمال حال الابل، التي وطئت (١) صاحبها في القوّة
والسمن، ليكون أثقل لوطئها قال الطيبي: أوفر مضاف إلى ما المصدرية، والوقت مقدر وهو
منصوب على الحال من المجرور في لها والعامل بطح وقوله. (لا يفقد) أي الصاحب (منها)
أي من الابل (فصيلاً) أي ولداً بل (واحداً) تأكيد والجملة مؤكدة لقوله أوفر (تطؤه) حال أو
استئناف بيان أي تضربه وتدوسه الابل (بأخفافها) أي بأرجلها (وتعضه) بفتح العين أي تقرضه
وتقطع جلده (بأفواهها) أي بأسنانها (كلما مر عليه أولاها) أي أولى الابل (رد عليه أخراها)
قالوا الظاهر أن يقال عكس ذلك، كما في بعض الروايات لمسلم وهو كلما مر عليه أخراها رد
عليه أولاها وتوجيه ما في الكتاب أنه مرت الأولى على التتابع، فإذا انتهى إلى الأخرى إلى
الغاية ردت من هذه الغاية، وتبعها ما كان يليها فما يليها إلى أوّلها فيحصل الغرض من
الاستمرار والتتابع على طريق الطرد، والعكس فهو أولى من العكس والحاصل أنه يحصل هذا
مرة بعد أخرى (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد) فكأنهم ليسوا
من العباد حيث لم يرحموا فقراء البلاد، من الزهاد والعباد (فيرى) أي فيعلم (سبيله إما إلى
الجنة) إن مات على الإيمان (وإما إلى النار) إن مات على الكفران (قيل: يا رسول الله فالبقر
والغنم) أي كيف حال صاحبها (قال ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها) أي من أجلها فلا
يلزم أن يكون من جنسها (حقها إلا إذا كان يوم القيامة، بطح لها) وفي نسخة له (بقاع قرقر لا
يفقد منها) أي من ذواتها وصفاتها (شيئاً) قال الطيبي أي قرونها سليمة (ليس فيها عقصاء) أي
ملتوية القرنين (ولا جلحاء) أي لا قرن لها (ولا عضباء) أي مكسورة القرن ونفي الثلاثة عبارة
عن سلامة قرونها، ليكون أجرح للمنطوح وظاهر الحديث أن هذه الصفات فيها معدومة في
العقبى، وإن كانت موجودة لها في الدنيا وظاهر البعث أن يعيد الله تعالى الأشياء على ما كانت
(١) في المخطوطة ((تطأ)).

٢٢٩
1*27
17797:
كتاب الزكاة
تنطحُه بقُرونِها، وتطؤُه بأظلافِها، كلما مرَّ عليه أولاَها رُدَّ عليهِ أخراها في يومٍ كانَ مقدارُه
خمسينَ ألفَ سنةٍ، حتى يُقضى بينَ العِبادِ؛ فيرى سبيلَه: إِما إِلى الجنةِ وإِما إِلى النارِ)).
قيل: يا رسولَ اللهِ! فالخَيلُ؟ قال: ((فالخَيلُ ثلاثةٌ: هيَ لرجلٍ وِزْرٌ، وهيَ لرجلٍ سِترٌ، وهيَ
لرجلٍ أجرٌ؛
عليه في الحالة الأولى، كما هو مفهوم من الكتاب والسنة ولعله يخلقها أوّلاً كما كانت ثم
يعطيها القرون ليكون سبباً لعذابه على وجه الشدة، والله أعلم. (تتطحه) بفتح الطاء وتكسر في
القاموس نطحه كمنعه وضربه أصابه، بقرنه فقوله (بقرونها) إما تأكيد وإما تجريد (وتطأ
بأظلافها) جمع ظلف وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس (كلما مر عليه أولاها رد عليه
أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى
الجنة، وإما إلى النار قيل يا رسول الله فالخيل، قال فالخيل) قال الطيبي: جواب على أسلوب
الحكيم وله توجيهان فعلى مذهب الشافعي معناه دع السؤال عن الوجوب، إذ ليس فيه حق
واجب ولكن اسأل عما يرجع من اقتنائها على صاحبها من المضرة والمنفعة وعلى مذهب معناه
لا تسأل عما وجب فيها من الحقوق وحده، بل اسأل عنه وعما يتصل بها من المنفعة والمضرة
إلى صاحبها فإن قيل: كيف يستدل بهذا الحديث على الوجوب؟ قلت بعطف الرقاب على
الظهور لأن المراد بالرقاب الذوات إذ ليس في الرقاب منفعة للغير كما في الظهور، وبمفهوم
الجواب الآتي في الحمر من قوله عليه الصلاة والسلام ما أنزل عليّ في الحمر شيء (١) وأجاب
القاضي عنه بأن معنى قوله ثم لم ينس حق الله في رقابها أداء زكاة تجارتها. اهـ. قال ابن
حجر: أي فالخيل ما حكمها؟ أيجب فيها زكاة فيعاقب تاركها لذلك أولاً؟ فلا قال: فالخيل
أحكامها ثلاثة أخرى، أي غير ما مر فلا زكاة فيها حتى يعاقب تاركها هذا ما يدل عليه السياق
الذي يكاد أن يقرب من الصريح عند من له أدنى مسكة من أنصاف فهو من جملة أدلة مذهبنا،
أنه لا زكاة فيها قلت: أما ما ذكره من السياق فهو من المكابرة عند الحذاق، لأن سوق الكلام
إلى هذا المقام بل محض المقصود والمرام هو وجوب الزكاة في النقود، والحيوانات ثم على
تقدير تقريره لا يكون الجواب مطابقاً، بل ولا يكون دليلاً لأحد مطلقاً فلهذا حمله المحققون
على أسلوب الحكيم، ونزلوه على كل مذهب بما يقتضيه الطبع السليم، ثم قال: وأما قول
القائلين بوجوبها فيها التقدير، وأحكامها ثلاثة غير الزكاة فهو مما ينبو عنه اللفظ فلا يسمع.
اهـ. وهل هذا مناقضة بين كلامية ومدافعة بين تقديرية؟ لأن التقدير الثاني هو عين الأوّل عند
من له سمع وقلب فتأمل وأما قوله فلا زكاة فيها فباطل، من عنده تقوية لمذهبه ثم أطال بما لا
طائل تحته مع ما فيه من أنواع الزلل وأصناف الخطل، أعرضنا عن ذكرها خوفاً من السآمة
والملل. (ثلاثة) أي ربطها على ثلاثة أنحاء (هي) أي الخيل (لرجل وزر) أي ثقل واثم (وهي
لرجل ستر) أي لحاله في معيشته لحفظه عن الاحتياج والسؤال (وهي لرجل أجر) أي ثواب
(١) يأتي آخر الحديث.
:٨٠٩

٢٣٠
كتاب الزكاة
فأمّا التي هيَ له وزرٌ: فرجلٌ ربطَها رياءً وفخراً ونِواءٌ على أهلِ الإِسلام، فهيَ لهُ وِزرٌ؛ وأمّا
التي هيّ له سِترٌ: فرجلٌ ربطَها في سبيلِ اللَّهِ، ثمَّ لم يَنسَ حقَّ اللَّهِ فيَ ظُهورِها ولا رِقابِها،
فهيَ له سِترٌ؛ وأمّا التي هيَ له أجْرٌ: فرجلٌ ربطَها في سبيلِ الله لأهل الإِسلامِ في مَرْجٍ
وروضةٍ، فما أكلتْ منْ ذلكَ المزجِ أو الرَّوضةِ منْ شيءٍ إِلاَّ كُتبَ له عدَدَ ما أكلَتْ حسنَاتٌ،
وكتبَ له عددَ أزوائِها وأبْوالِها حسنَاتٌ، ولا تقطَعُ طِوَلَها
عظيم قال الطيبي [رحمه الله]: في قوله فالخيل ثلاثة فيه جمع وتفريق وتقسيم أما الجمع فقوله
ثلاثة وأما التفريق فقوله (فأما التي هي له وزر فرجل) الظاهر أن يقال فخيل ربطها أو يقال: وأما
الذي له وزر [فرجل] والأظهر أن يكون التقدير، فخيل رجل. (ربطها رياء) بالهمز ويبدل أي
ليرى الناس عظمته في ركوبه وحشمته (وفخراً) أي يفتخر باللسان على من دونه من أفراد
الإِنسان. (ونواء) بكسر النون والمد والواو بمعنى أو أي منازعة ومعاداة (على أهل الإِسلام)
قال ابن الملك: وفي رواية ربطها تغنياً وتعففاً أي استغناء بها، وطلباً لنتاجها، وتعففاً عن
السؤال يعني ليركبها عند الحاجة ولا يسأل مركوباً من أحد. اهـ. كلامه وأنت لا يخفى عليك
ما ذكره ليس موجباً للوزر، بل للستر بلا خلاف فالصواب إن محل هذه الرواية في الرجل
الثاني كما سيأتي. (فهي) أي تلك الخيل (له وزر) أي على ذلك القصد فهي جملة مؤكدة
مشعرة بالاهتمام الشارع به، والتحذير عنه (وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله) قال
ابن الملك: ليجاهد والصواب ما قاله الطيبي، من أنه لم يرد به الجهاد بل النية الصالحة، إذ
يلزم التكرار. اهـ. وأيضاً إذا أراد به الجهاد فتكون له أجراً فكيف يقال إنها له ستر؟ وقال
الطيبي: يعضده رواية غيره ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، أي استغناء بها وتعففاً عن السؤال أو هو
أن يطلب بنتاجها العفة، والغني أو يتردد عليها متاجرة ومزارعة فتكون ستراً له يحجبه عن
الفاقة. (ثم لم ينس حق الله في ظهورها) أي بالعارية للركوب، أو الفحل (ولا رقابها) قال
الطيبي: إما تأكيد وتتمة للظهور وإما دليل على وجوب الزكاة فيها. اهـ. والثاني هو الظاهر لأن
الحمل على التأسيس أولى من التأكيد، إذ الأصل في العطف المغايرة فيكون كالابل فيها
حقان. (فهي له ستر) أي حجاب يمنعه عن الحاجة للناس (وأما التي هي له أجر فرجل ربطها
في سبيل الله، لأهل الإِسلام) فيه إشارة إلى أن المراد به الجهاد فإن نفعه متعد إلى أهل
الإِسلام. (في مرج) بفتح الميم وسكون الراء أي مرعى في النهاية هو الأرض الواسعة ذات
نبات كثير يمرج فيها الدواب أي تسرح والجار، متعلق بربط. (وروضة) عطف تفسير أو
الروضة أخص من المرعى وفي نسخة المصابيح، بلفظ أو قال ابن الملك: شك من الراوي.
(فما أكلت) أي الخيل (من ذلك المرج) بيان مقدم (أو الروضة من شيء) أي من العلف
والأزهار قل أو كثر (إلا كتب له عدد ما أكلت) أي الذي أكلته من العشب والزرع (حسنات)
[بالرفع نائب الفاعل ونصب عدد على نزع الخافض، أي بعدد مأكولاتها] (وكتب له عدد
أروائها وأبوالها حسنات) لأن بها بقاء حياتها مع أن أصلها قبل الاستحالة غالباً من مال مالكها
(ولا تقطع) أي الخيل (طولها) بكسر الطاء وفتح الواو أي حبلها الطويل الذي شد أحد طرفيه
في يد الفرس، والآخر في وتداو غيره لتدور فيه وترعى من جوانبها ولا تذهب لوجهها
٠٫٠

يص٠٠
٢٣١
كتاب الزكاة
فاسْتنّتْ شرَفاً أو شرَفَين إِلاَّ كتبَ اللَّهُ له عددَ آثارِها وأزوائِها حسنَاتٍ، ولا مرَّ بها صاحبُها
على نهرٍ فشرِبتْ منه، ولا يُريدُ أنْ يسقيَها، إِلاَّ كتبَ اللَّهُ له عددَ ما شرِبتْ حسنَاتٍ)).
قيلَ: يا رسولَ اللهِ! فالحُمُرُ؟ قال: ((ما أنزِلَ عَلَيَّ في الحُمُرِ شيءٌ إِلاَّ هذهِ الآية الفادَّةُ
الجامعَةُ: ﴿فَمِنْ يَعمِلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ ومَنْ يَعمَلُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شرّاً يَرَهُ﴾)). رواه مسلم.
(فاستنت) بتشديد النون أي عدت ومرجت ونشطت لمراحها أو نشاطها. (ولا راكب عليها
شرفاً) أي شوطاً أو ميداناً أو موضعاً عالياً من الأرض أو ذهاباً إلى إخراج المرج، أو مع العود
إلى محلها. (أو شرفين) وإنما سمي شرفاً لأن الدابة تعدو حتى تبلغ شرفاً من الأرض، أي
مرتفعاً فتقف عند ذلك وقفة ثم تعدو ما بدا لها. (إلا كتب الله له عدد آثارها) أي بعدد خطاها
(وأرواثها) أي في تلك الحالة (حسنات) ولعله أراد بالروث هنا ما يشمل البول أو أسقطه للعلم
به منه (ولا مر بها) أي جاوزها (صاحبها على نهر) بفتح الهاء وسكونها (فشربت منه) أي الخيل
(ولا يريد) أي والحال أن صاحبها لا ينوي (أن يسقيها) بفتح الياء وضمها (إلا كتب الله له عدد
ما شربت حسنات) قال الطيبي: فيه مبالغة في اعتداد الثواب، لأنه إذا اعتبر ما تستقذره النفوس
وتنفر عنه الطباع فكيف بغيرها؟ وكذا إذا احتسب ما لا نية له فيه، وقد ورد وإنما لكل امرىء
ما نوى، فما بال ما إذا قصد الاحتساب فيه قال ابن الملك: فالحاصل أنه يجعل لمالكها بجميع
حركاتها وسكناتها، وفضلاتها حسنات (قيل: يا رسول الله فالحمر) بضمتين جمع حمار أي ما
حكمها قال ابن الملك: أي هل تجب فيها الزكاة (قال ما أنزل عليّ في الحمر شيء إلا هذه
الآية) بالرفع والنصب (الفاذة) بالذال المعجمة المشددة أي المنفردة في معناها (الجامعة) لجميع
الخيرات قال ابن الملك: يعني ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ، وجمع معاني الخير
والشر قال الطيبي: سميت جامعة لاشتمال اسم الخير، على جميع أنواع الطاعات فرائضها
ونوافلها واسم الشر على ما يقابلها من الكفر والمعاصي، صغيرها وكبيرها وأما قول ابن حجر
أي الجامعة أو المنفردة، فمبنى على سهو في أصله من سقوط لفظ الجامعة من متن الحديث
وهو مخالف للأصول؟، (﴿فمن يعمل مثقال ذرة﴾) أي مقدار نملة أو ذرة من الهباء الطائر في
الهواء (﴿خيراً يره﴾) أي يرى ثوابه وجزاءه (﴿ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾)(١) فلو أعان
واحداً على برّ بركوبها يثاب ولو استعان بركوبها على فعل معصية يعاقب، فقد روي
الأصفهاني، عن ابن عباس مرفوعاً النادم ينظر من الله الرحمة، والمعجب ينظر [من الله] المقت
واعلموا يا عباد الله إن كل عامل سيندم عمله، ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله،
وسوء عمله. وإنما الأعمال بخواتيمها والليل والنهار مطيتان فاحسنوا السير عليهما إلى الآخرة،
واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة ولا يغترن أحدكم بحلم الله، فإن الجنة والنار أقرب
إلى أحدكم من شراك نعله ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾
[الزلزلة - ٧ - ٨] (رواه مسلم).
(١) سورة الزلزال - آية رقم ٧ و٨.
٠٠ ...

٢٣٢
كتاب الزكاة
١٧٧٤ - (٣) وعنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مالاً فلمْ يُؤَدِّ زكاته،
مُثَلَ له مالُه يومَ القيامةِ شُجاعاً أقرَعَ له زَبِيبَتانِ، يُطوَّقُهُ يومَ القيامةِ، ثمَّ يأخذُ بِلِهِزِ مِتَيهِ، يعني
شِذْقَيه، ثمَّ يقولُ: أنا مالُكَ، أنا كنزُكَ)) ثمَّ تَلا: ﴿وَلا يحْسَبَنَّ الذينَ يَبْخلونَ﴾ الآية. رواه
البخاري.
١٧٧٥ - (٤) وعن أبي ذَرّ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((ما مِنْ رَجُلٍ يكونُ له إِلٌ أوْ بقرٌ
أوْ غَنمْ لا يُؤَدِّي حقَّها؛ إِلاَّ أَتِيَ بها يومَ القيامة أعظمَ ما يكونُ
١٧٧٤ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَله: من آتاه الله) أي أعطاه
(مالاً فلم يؤد زكاته مثل) بالتشديد على صيغة المجهول أي صوّر وجعل (له ماله يوم القيامة
شجاعاً) بضم الشين ويكسر أي على صورة شجاع أي الحية الذكر قال الطيبي: وهو نصب
مجرى المفعول أي صوّر ماله شجاعاً أو ضمن مثل معنى التصيير، أي صير ماله على صورة
شجاع. (أقرع) أي الذي لا شعر على رأسه لكثرة سمع وطول عمره (له زبيبتان) أي نقطتان
سوداوان فوق العينين، وهو أخبث الحيات وقيل: الزبيبتان الزبدان في الشدقين (يطوقه) على
بناء المجهول أي يجعل الشجاع طوقاً في عقبه ويطوق ذلك الرجل شجاعاً وهو الموافق لقوله
تعالى: ﴿سيطوّقون ما بخلوا به﴾ [آل عمران - ١٨٠] (يوم القيامة ثم يأخذ) أي الشجاع ذلك
البخيل (بلهزميته) بكسر اللام وسكون الهاء (يعني شدقيه) تفسير من الراوي وهو بكسر الشين
وسكون الدال أي بطرفي فمه قال الطيبي: اللهزمة اللحى، وما يتصل به من الحنك وفسر
بالشدق، وهو قريب منه. اهـ. وقيل: هما عظمان ناتئان تحت الأذنين، وقيل مضغتان عليفتان
تحتهما. (ثم يقول أنا مالك أنا كنزك) أي جزاؤه أو منقلبه قال الطيبي: وفيه نوع تهكم لمزيد
غصته وهمه، لأنه شر أتاه من حيث كان يرجو خيراً. (ثم تلا) أي النبي ◌َّار (﴿ولا تحسبن
الذين يبخلون﴾)(١) بالغيبة والخطاب وكسر السين وفتحها مع الأوّل، والفتح مع الثاني (الآية)
أي ﴿بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما نحلوا به يوم القيامة ﴾
[آل عمران - ١٨٠] (رواه البخاري).
١٧٧٥ - (وعن أبي ذر عن النبي ◌َ ◌ّ قال ما من رجل يكون له إبل، أو بقر أو غنم) أو
للتقسيم (لا يؤدي حقها) أي لا يعطى زكاتها (إلا أتي بها) على صيغة المجهول (يوم القيامة)
أي حال كونها (أعظم ما تكون) بالتأنيث وقيل بالتذكير وقيل أعظم حال وما مصدرية والإِضافة
الحديث رقم ١٧٧٤ : أخرجه البخاري في صحيحه ٣/. حديث رقم ١٤٠٣. والنسائي ٣٨/٥ حديث رقم
٢٤٨١. ومالك في الموطأ ٢٥٦/١ حديث رقم ٢٢ من كتاب الزكاة وأحمد في المسند ٣٥٥/٢.
(١) سورة آل عمران - آية رقم ١٨٠.
الحديث رقم ١٧٧٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٢/٣. حديث رقم ١٤٦٠. ومسلم في صحيحه ٢/
٦٨٦ حديث رقم (٣٠ - ٩٩٠). والنسائي في السنن ٢٩/٥ حديث رقم ٢٤٥٦. وابن ماجه ١/
٥٦٩ حديث رقم ١٧٨٥. وأحمد في المسند ٣٢١/٣.

٢٣٣
كتاب الزكاة
وأسمنَه، تطوُه بأخفافِها، وتنطَحُه بقُرونِها، كلما جازَتْ أخْراها رُدَّتْ عليه أولاها، حتى
يُقضى بينَ النَّاسِ)). متفق عليه.
١٧٧٦ - (٥) وعن جرير بن عبدِ الله، قال: قال رسولُ اللهِ وَّرِ: ((إِذا أتاكمُ المصدِّقُ،
فلیضدُز عنکم وهوَ عنکم راضٍ)). رواه مسلم.
١٧٧٧ - (٦) وعن عبدِ الله بنِ أبي أوفى رضي اللهُ عنهُما قال: كانَ النبيُّ وَِّ إِذا أَتَاهُ
قومٌ بصدَقتِّهم قال: اللهُمَّ صلُ على آلٍ فُلانٍ)). فأتاهُ أبي بصدَقَتِه، فقال: ((اللهُمَّ صلِّ على
آلٍ أبي أوْفی».
غير محضة، أي أقواه (وأسمنه) والضمير راجع إلى لفظ ما وأما قول ابن حجر، عطف مرادف
أو أخص فبعيد من التحقيق فإن بينهما مباينة على التدقيق (تطؤه بأخفافها) أي تدوسه بأرجلها
جزاء لتكبره (وتنطحه) أي تضربه (بقرونها) جزاء لابائه وامتناعه فغلب الابل في الأوّل، لأنها
أشرف الثلاثة ولذا بدأ بذكرها وغلب الأخيران في الثاني لكثرتهما. (كلما جازت) أي مرت
(أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس) ثم إما مع فريق الجنة، وإما مع فريق النار ..
(متفق عليه).
١٧٧٦ - (وعن جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله وَله: إذا أتاكم المصدق) بتخفيف
الصاد أي آخذ الصدقة وهو العامل (فليصدر عنكم) بضم الدال أي يرجع (وهو عنكم راض)
الجملة حال قال الطيبي: ذكر المسبب وأراد السبب لأنه أمر للعامل، وفي الحقيقة أمر للمزكى
والمعنى تلقوه بالترحيب، وأداء زكاة أموالكم، ليرجع عنكم راضياً وإنما عدل إلى هذه الصفة
مبالغة في استرضاء المصدق، وإن ظلم كما سيجيء في الحديث (رواه مسلم) قال ميرك:
ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
١٧٧٧ - (وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ◌َّر إذا أتاه قوم بصدقتهم) ليفرقها
عنهم (قال اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى) قال
ابن الملك: الصلاة بمعنى الدعاء، والتبرك قيل: يجوز على غير النبي قال: الله تعالى في
معطي الزكاة ﴿وصل عليهم﴾ [التوبة - ١٠٣] وأما الصلاة التي لرسول الله وَّر فإنها بمعنى
التعظيم والتكريم، فهي خاصة له. اهـ. وهو مأخوذ من قول الطيبي قيل لفظ الصلاة لا يجوز
الحديث رقم ١٧٧٦ : أخرجه مسلم في صحيحه ٦٨٦/٢. حديث رقم (٢٩ - ٩٨٩). والترمذي في السنن
٣٩/٣ حديث رقم ٦٤٧. وابن ماجه ٥٧٦/١ حديث رقم ١٨٠٢. والدارمي ٤٨٤/١ حديث رقم
١٦٧٠. وأحمد في المسند ٣٦٥/٤.
الحديث رقم ١٧٧٧ : أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٢٦٨٣. حديث رقم ١٤٩٧. ومسلم في صحيحه ٢/
٧٥٦ حديث رقم (١٧٦ - ١٠٧٨). وأبو داود في السنن ٢٤٦/٢ حديث رقم ١٥٩٠ والنسائي في السنن
٣١/٥ حديث رقم ٢٤٥٩. وابن ماجه ١/ ٥٧٢ حديث رقم ١٧٩٦ وأحمد في المسند ٤/ ٣٥٥.
٠٠٠.٠
"٥٥
THIS

٢٣٤
كتاب الزكاة
متفق عليه ..
وفي رواية: إِذا أتى الرجلُ النبيِّ نَِّ بِصَدقتِهِ، قال: «اللهُمَّ صلِّ عليه)).
١٧٧٨ - (٧) وعن أبي هريرةَ، قال: بعثَ رسولُ اللهِ وَّ عمرَ على الصَّدَقةِ، فقيلَ:
مَنَع ابنُ جميل، وخالدُ بنُ الوليد، والعبَّاسُ. فقال رسولُ اللّهِ وَله: ((ما ينقِمُ ابنُ جميل إِلاَّ
أنَّه كانَ فقيراً فأغْناهُ اللَّهُ ورسولُه،
أن يدعى بها لغير النبي والر لكن يجوز أن يدعى بمعناه. اهـ. قال ابن حجر: اختلفوا في الدعاء
له ولغيره بلفظ الصلاة، فقيل يكره وإن أراد بها مطلق الرحمة، وقيل: يحرم وقيل: خلاف
الأولى، وقيل يسن وقيل يباح إن أراد بالصلاة مطلق الرحمة ويكره إن أراد بها مقرونة
بالتعظيم. اهـ. والمانعون يجعلون هذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام ثم الظاهر، أن الآل
مقحم ويدل عليه الرواية الآتية اللهم صل عليه أو المراد بآله هو وأهل بيته فيعم الدعاء لأنه إذا
دعا لآله لأجله، فهو يستحق الدعاء بطريق الأولى. كما قيل: في قوله تعالى: ﴿أدخلوا آل
فرعون أشد العذاب﴾ [غافر - ٤٦] (متفق عليه) ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ذكره
ميرك. (وفي رواية) قال ميرك: هذه الرواية من أفراد البخاري (إذا أتى الرجل النبي وَّر بصدقته
قال اللهم صل عليه) أي باللفظ المتقدم أو غيره قال ابن الملك: يدل على أن المستحب
للساعي أن يدعو لمعطي الزكاة، فيقول أجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، وجعله
لك طهوراً [وقوله آجرك الله بالمد والقصر، وهو أجود وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام دعا
لمن أتاه بصدقته فقال اللهم بارك فيه وفي أهله].
١٧٧٨ - (وعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله (وَ لقار عمر) أي أرسله عاملاً (على الصدقة
فقيل) أي فجاء واحد إلى رسول الله وَّر وقال له: (منع ابن جميل) بفتح وكسر قال المؤلف:
في فضل الصحابة ابن جميل له ذكر في كتاب الزكاة لا يعرف اسمه. اهـ. والمشهور أنه منافق
فلا يعد من الصحابة ثم التقدير منع ابن جميل الزكاة، وأما قول ابن حجر أي امتنع من
اعطائها، فحل المعنى لكنه مخل للمبنى (وخالد بن الوليد والعباس فقال: رسول الله وَ لاإله ما
ينقم) بكسر القاف ويفتح أي ما ينكر نعمة الله (ابن جميل إلا أنه) أي لأنه (كان) أو ما يكره إلا
أنه كان (فقيراً فأغناه الله ورسوله) وهذا مما لا يكره ولا يصلح أن يكون علة لكفران النعمة
فیکون المراد به المبالغة على حد:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من ضراب الكتائب
ولهذا قيل: التقدير ما ينقم شيئاً إلا أغناء الله وقيل: ما يغضب على طالب الصدقة إلا
الحديث رقم ١٧٧٨: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٣١/٣. حديث رقم ١٤٦٨. ومسلم في صحيحه ٢/
٦٧٦ حديث رقم (١١ - ٩٨٣). وأبو داود في السنن ٢٧٣/٢ حديث رقم ١٦٢٣. والنسائي ٣٣/٥
حديث رقم ٢٤٦٤. وأحمد في المسند ٢/ ٣٢٢.

٢٣٥
كتاب الزكاة
وأمّا خالدٌ فإِنَّكم تظلِمونَ خالداً، قدِ احتبَسَ أدراعَه وأعتُدَه في سبيلِ الله، وأمّا العبَّاسُ فهيَ
عليَّ ومثلُها معَها)). ثمّ قال: ((يا عمرُ! أمَا شعرْتَ أنَّ عمَّ الرَّجلِ صِنْوُ أبيه)). متفق عليه.
كفران أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأسند وه له الأغناء إلى نفسه أيضاً لأنه وي لو كان سبباً
لدخوله في الإِسلام، ووجد أن الغنيمة وقال الطيبي: قيل: معنى الحديث، إنه ما حمله على
منع الزكاة إلا الاغناء وهو كفران النعمة وقال زين العرب: يقال: نقمت على الرجل أنقم
بالكسر، إذا عبت عليه ونقمت الأمر ونقمته بالفتح والكسر إذا كرهته وفي المغرب نقم منه
وعليه كذا إذا عابه وأنكر عليه، وكرهه أقول فمعنى الحديث ما ينقم ويغضب في منع الزكاة
ويكره إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله. (وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً) وضع موضع
الضمير تأكيداً ومبالغة أي تظلمونه بطلب الزكاة منه، إذ ليس عليه زكاة لأنه، (قد احتبس) أي
وقف (أدراعه) جمع الدرع (وأعتده) بضم التاء جمع عتاد وهو ما أعده الرجل من السلاح،
والدواب وآلات الحرب. (في سبيل الله) وأنتم تظلمونه بأن تعدوها من عروض التجارة
فتطلبون الزكاة منه، وفيه دليل على جواز احتباس آلات الحرب، حتى الخيل والإبل والثياب
والبسط، وعلى جواز وقف المنقولات كما قال به محمد وعلى أنه يصح من غير إخراجه، من
يد الواقف قال الطيبي: وفيه دليل أيضاً على وجوب الزكاة في أموال التجارة، وإلا لما اعتذر
النبي وَلقر عند مطالبة زكاة مال التجارة على خالد بهذا القول وقد تعقبه ابن حجر، بما لا طائل
تحته وقيل تظلمونه بدعوى منع الزكاة منه، والحال أنه قد وقف تبرعاً سلاحه في سبيل الله أو
قصد باحتباسها اعدادها للجهاد، دون التجارة وقيل: تظلمونه بطلب ما زاد على الواجب، فإنه
قد احتبس الأدراع والأعتد في سبيل الله فكيف يمنع الزكاة التي هي من فرائض الله المؤكدة؟
وقيل بدعوى أنه غني وقد احتبس من رهن أسلحته المحتاج إليها في سبيل الله، أو لأجل
مرضاة الله ففي تعليلية (وأما العباس فهي) أي صدقة العباس للسنة الذاهبة (عليّ ومثلها معها)
أي مثل تلك الصدقة في كونها فريضة عام آخر لا في السنين والقدر قيل: أخر عنه زكاة عامين
لحاجة بالعباس وتكفل بها عنه ويعضده ما في جامع الأصول أنه عليه الصلاة والسلام أوجبها
عليه وضمنها إياه، ولم يقبضها وكانت ديناً على العباس، لأنه رأى به حاجة قال ابن حجر:
فإن قلت: هذا ممتنع على الساعي قلت: أحوال النبي ◌ّليّ في مثل ذلك كانت من خصائصه،
فلا يقاس به غيره. اهـ. ولا مانع إذا رأى الخليفة مثل هذا في بعض رعاياه رعاية لحاله مع
المحافظة على عدم فوت ماله، وقيل: تأويله أنه عليه الصلاة والسلام أخذ منه الزكاة سنتين،
تقديماً عام شكا العامل ويؤيده ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: إنا تسلفنا من العباس
صدقة عامين، وروي إنا تعجلنا والجمع بين الروايتين بالحمل على وقوع القضيتين. (ثم قال:
يا عمر أما شعرت) بفتح العين والهمزة استفهامية وما نافية أي ما علمت (إن عم الرجل صنو
أبيه) بكسر الصاد وسكون النون أي مثله ونظيره، إذ يقال لنخلتين نبتا من أصل واحد صنوان
ولأحدهما صنو والمعنى أما تنبهت أنه عمي وأبي فكيف تتهمه بما ينافي حاله؟ لعل له عذراً
وأنت تلومه وقيل: المعنى لا تؤذه رعاية لجانبي. (متفق عليه) قال ميرك: واللفظ لمسلم.

٢٣٦
کتاب الزكاة
١٧٧٩ - (٨) وعن أبي حُميدٍ الساعديّ، قال: استعملَ النبيُّ ◌َّو رجلاً من الأَزْدِ،
يُقالُ له: ابنُ اللُثبية، على الصدقةِ، فلمَّا قدم، قال: هذا لكم، وهذا أُهديّ لي. فخطبَ
النبيُّ نَّرِ فحمِدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ثمَّ قال: ((أما بعد، فإِنِي استعملُ رجالاً منكم على أمورٍ
ممَّا ولانيَ الله، فيأتيَ أحدُهم فيقول: هذا لكم، وهذهِ هديةٌ أهدِيَتْ لي، فهلاّ جلسَ في
بيتِ أبيهِ أو بيتِ أمّه، فينظُرُ أيُهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيده لا يأخذُ أَحدٌ منهُ شيئاً إِلا
جاء بهِ يومَ القيامة یحمِلهُ علی رقبتِهِ،
من ١٧٧٩ - (وعن أبي حميد) بالتصغير (الساعدي قال: استعمل النبي وَل* رجلاً من الأزد)
بفتح الهمزة قبيلة من بطون قحطان (يقال له ابن اللتبية) بضم اللام وسكون التاء فوقها نقطتان
وقد تفتح نسبة إلى بني لتب قبيلة معروفة، واسمه عبد الله قال النووي رحمه الله هو بضم
اللام، وسكون التاء، ومنهم من فتحها قالوا وهو خطأ والصواب بإسكانها وقال ابن الأثير: في
الجامع بضم اللام وفتح التاء، والمعنى جعله عاملاً. (على الصدقة) وساعياً في أخذها (فلما
قدم) أي المدينة بعد رجوعه من العمل (قال هذا) إشارة لبعض ما معه من المال (لكم وهذا)
إشارة لبعض آخر (أهدي لي فخطب النبي وَلي) أي الناس ليعلمهم وليحذرهم، من فعله (فحمد
الله) أي شكره شكراً جزيلاً (وأثنى عليه) أي ثناء جميلاً (ثم قال أما بعد) أي بعد الحمد والثناء
(فإني استعمل رجالاً منكم) أي أجعلهم عمالاً (على أمور مما ولاني الله) أي جعلني حاكماً فيه
(فيأتي أحدهم) أي من العمال وروعي فيه الإِجمال ولم يبين عينه ستراً وتكرماً عليه (فيقول هذا
لكم وهذه) أنث التأنيث الخبر وهي (هدية أهديت لي) أي أعطيت لي أو أرسلت إلي هدية.
(فهلا جلس) أي لم لم يجلس (في بيت أبيه أو بيت أمه) أو للتنويع أو للشك وهذا تغيير
لشأنه، وتحقير له في حد ذاته، يعني إنما عرض له التعظيم من حيث عمله (فينظر) بالنصب
على جواب قوله فهلا جلس أي فيرى أو ينتظر (أيهدى له) أي شيء في بيته الأصلي (أم لا)
لعدم الباعث العرضي قال ابن الملك: يعني لا يجوز للعامل، أن يقبل هدية لأنه لا يعطيه أحد
شيئاً إلا لطمع أن يترك بعض زكاته، وهذا غير جائز. اهـ. ويمكن أنه يعطى لغير هذا الغرض
أيضاً لكن حيث إنه يعطي من حيثية العمل وله أجرة العمل، من هذا المال فليس له أن يأخذ
من جهتين، فهو أحد الشركاء وما أعطي له يكون داخلاً من جملة المال (والذي نفسي) أي
ذاتي أو روحي (بيده) أي بقبضة تصرفه (لا يأخذ أحد) أي خفية أو علانية (منه) أي مال الصدقة
(شيئاً) أي إصالة أو تبعاً (إلا جاء به يوم القيامة) أي صار سبباً لمجيئه (يحمله) حال أو استئناف
بيان (على رقبته) أي تشهيراً وافتضاحاً قيل: في الآية: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم﴾
[الأنعام - ٣١] وأجيب بأن الظهور يشمل ما هو قريب منها، أو ذاك في أوزار الكفار وهذا في
الحديث رقم ١٧٧٩: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٢٠/٥. حديث رقم ٢٥٩٧. ومسلم في صحيحه ٣/
١٤٦٣ حديث رقم (٢٦ - ١٨٣٢). وأبو داود في السنن ٣٥٤/٣ حديث رقم ٢٩٤٦. وأحمد في
المسند ٤٢٣/٥.
مح

٢٣٧
كتاب الزكاة
إِن كانَ بعيراً له رغاءٌ أو بقراً له خوارٌ، أو شاةٌ تيعر)). ثمَّ رفعَ يديهِ حتى رأينا عُفرَتي إبطيه،
ثمَّ قال: ((اللهمَّ هل بلغتُ؟ اللهمَّ هل بلغتُ؟)). متفق عليه. قال الخطّابي: وفي قولِهِ: ((هلأَّ
جلسَ في بيتِ أمِّهِ أو أبيه، فينظُرَ أيُهْدى إِليهِ أم لا؟)) دليلٌ على أنَّ كلَّ أمرٍ يُتذرَّعُ به إِلى
محظورٍ فهو محظور، وكلَّ دخلٍ في العقودِ يُنظرُ هل یکون حکمُه عند الانفرادِ کحکمهِ عند
الاقترانِ أم لا؟ هكذا في ((شرح السُنَّة)).
أوزار الفجار لمزيد قبحها باعتبار أن فيها حق الله، وحق عباده (إن كان) أي المأخوذ (بعيراً له)
أي للبعير (رغاء) بضم الراء صوت للبعير قال الطيبي: أي فله رغاء فحذف الفاء من الجملة
الاسمية، وهو سائغ لكنه غير شائع. اهـ. (أو بقراً له خوار) بضم المعجمة صوت البقر (أو
شاة) بالنصب (تيعر) بفتح التاء وسكون الياء وكسر العين وفتحها أي تصيح ليعلم أهل
العرصات فيكون أشهر في فضيحته وأكثر في ملامته (ثم رفع يديه) أي وبالغ في رفعهما (حتى
رأينا عفرة ابطيه) أي بياضهما والعفرة بالضم بياض ليس بخالص، ولكن كلون العفر بالتحريك
أي التراب أراد منبت الشعر من الابطين لمخالطة بياض الجلد سواد الشعر، ولا يخفى إن ذلك
إنما يكون عند نتف الشعر أو حلقه، أو باعتبار ما يرى من البعد. (ثم قال اللهم هل بلغت) أي
الوعيد أو ما أمرتني به (اللهم هل بلغت) كرر ذلك تأكيداً للحجة عليهم، والظاهر أن الاستفهام
للتقرير وقيل: هل بمعنى قد (متفق عليه قال الخطابي: وفي قوله هلا جلس في بيت أمه، أو
أبيه) كذا في الأصل وهو إما كذا في روايته وأما نقل بالمعنى ولكن مقتضى المقام تقديم الأب،
فإنه مشعر بزيادة الإكرام، فيكون قوله في الحديث أو بيت أمه محمولاً على التنزل أو على
تقدير أن ليس له أب معروف ففيه تهجين لحاله. (فينظر أيهدى إليه) وهذا أيضاً تفسير له أو
نقل معنوي أو رواية (أم لا دليل على أن كل أمر يتذرع) بالذال المعجمة على بناء المفعول أي
يتوسل (به إلى محظور فهو محظور) أي ممنوع ومحرم ويدخل في ذلك القرض، يجر المنفعة
والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلا كراء والدابة المرهونة يركبها أو يرتفق بها، من غير عوض.
(وكل دخيل) بالرفع وقيل: بالنصب أي كل عقد يدخل (في العقود) ويضم إلى بعضها (ينظر)
أي فيه (هل يكون حكمه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا) فعلى الأوّل ويصح وعلى
الثاني لا يصح كما إذا باع من أحد متاعاً يساوي عشرة بمائة ليقرضه ألفاً مثلاً، يدفع ربحه إلى
ذلك الثمن ومن رهن دار بمبلغ كثير، وأجره(١) بشيء قليل فقد ارتكب محظوراً قال الطيبي:
ولما علم رسول الله وير أن بعض أمته يرتكبون هذا المحظور، بالغ حيث قال: اللهم هل بلغت
مرتين؟ (هكذا) أي نقله البغوي عنه (في شرح السنة) وعليه الإِمام مالك وفرع على هذا الأصل
في الموطأ أمثلة منها، أن الرجل يعطي صاحبه الذهب الجيد، ويجعل معه رديئاً ويأخذ منه ذهباً
متوسطاً مثلاً بمثل فقال: هذا لا يصلح لأنه أخذ فضل جيده من الرديء، ولولاه لم يبايعه.
اهـ. فما قاله في الكلية الأولى فهو موافق لمذهبنا ومذهب الشافعي لأن من القواعد المقررة إن
(١) في المخطوطة «أجاره)).
٦دئد

٢٣٨
كتاب الزكاة
١٧٨٠ - (٩) وعن عَديّ بنِ عَميرة، قال: قال رسولُ الله ◌َلاير: (من استعملناهُ منكُم
على عملٍ فكتَمَنا مِخيَطاً فما فوقَه؛ كانَ غُلولاً يأتي به يومَ القيامة)). رواه مسلم.
الفصل الثاني
١٧٨١ - (١٠) عن ابن عبَّاس، قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿والذين يكنزونَ الذَّهبَ
للوسائل حكم المقاصد، فوسيلة الطاعة طاعة ووسيلة المعصية معصية وأما ما قاله من الكلية
الثانية، فإنما يليق بمذهب من منع الحيل الموصلة إلى الخروج عن الربا أو غيره كمالك وأبو
حنيفة والشافعي، وغيرهما ممن يرى إباحة الحيل لا ينظرون إلى هذا الدخيل لأن النبي ◌َّو علم
عامله على خيبر وقد قال له أنه يشتري صاع تمر جيد بصاعي رديء، حيلة تخرجه عن الربا وهي
أن يبيع الرديء بدراهم ويشتري بها الجيد فافهم إن كل عقد توسط في معاملة أخرجها عن
المعاملة المؤدية إلى الربا جائز هذا وقد حكى الغزالي إن من أعطى غيره شيئاً، وليس الباعث عليه
إلا الحياء من الناس كان سئل بحضرتهم شيئاً فأعطاه إياه ولو كان وحده لم يعطه الإجماع على
حرمة أخذه مثل هذا، لأنه لم يخرج عن ملكه لأنه في الحقيقة مكره بسبب الحياء فهو كالمكره
بالسيف(١)، وقال غيره: من أعطى غيره شيئاً مداراة عن عرضه حكمه كذلك وكذا من أعطى
حاكماً أو ساعياً أو أميراً شيئاً علم المعطي من حاله، أنه لا يحكم له بالحق أولاً يأخذ منه الحق
إلا أن أخذ شيئاً ففي كل هذه الصور، وما أشبهها لا يملك الآخذ لقوله و للر هدايا العمال غلول
ولضعف دلالة الاعطاء على الملك أثر القصد المخرج له عن مقتضاه بخلاف العقد، فإنه دال
قوي على الملك فلم يؤثر فيه قصد قارئه على أن القصد ههنا صالح وهو التخلص عن الرباء،
وفي تلك الصور فاسد وهو أخذ مال الغير بغير حق .
١٧٨٠ - (وعن عدي بن عميرة) بفتح فكسر (قال: قال رسول الله وَله: من استعملناه
منكم) أي جعلناه عاملاً (على عمل فكتمنا) أي أخفى علينا (مخيطاً) بكسر الميم وسكون الخاء
أي أبرة (فما فوقه) أي فشيئاً يكون فوقه في الصغر أو الكبر قال الطيبي: الفاء في قوله فما فوقه
[للتعقيب على التوالي، وما فوقه] يحتمل أن يكون المراد به الأعلى أو الأدنى. كما في قوله
تعالى: ﴿بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة - ٢٦] وذكر هذا الحديث فى باب الزكاة استطراداً
لمناسبته للحديث السابق في ذكر العمل، والخيانة (كان) أي ذلك الكتمان (غلولاً) بضم
المعجمة أي خيانة في الغنيمة (يأتي به) أي بما غل (يوم القيامة) تفضيحاً له قال تعالى: ﴿ومن
يَغْلُلْ يأت بما غلَّ يوم القيامة﴾ [آل عمران - ١٦١] (رواه مسلم).
(الفصل الثاني)
١٧٨١ - (عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿والذين يكنزون الذهب
الحديث رقم ١٧٨٠: أخرجه مسلم في صحيحه ١٤٦٥/٣ حديث رقم (٣٠ - ١٨٣٣). وأبو داود في
السنن ٣٥٣/٣ حديث رقم ٢٩٤٣. وأحمد في المسند ١٩٢/٤.
الحديث رقم ١٧٨١ : أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٣٠٥ حديث رقم ١٦٦٤.
(١) أحمد والبيهقي.

٢٣٩
كتاب الزكاة
والفِضَّة﴾ كبُرَ ذلكَ على المسلمين. فقال عمر: أنا أفَرِّجُ عنكم، فانطلقَ فقال: يا نبيَّ الله!
إِنَّهُ كبُرَ على أصحابِكَ هذه الآية، فقال: ((إِنَّ اللَّهَ لم يفرضِ الزكاةَ إِلا ليُطيّبَ ما بقيَ من
أموالكم، وإِنما فرضَ المواريث، وذكرَ كلمةً لتكون لمن بعدكم)) فقال: فكبّر عمر، ثمَّ قال
له: ((ألا أخبرك بخيرِ ما يكنِزِ المرء؟ المرأةُ الصالحةُ: إِذا نظرَ إِليها سرَّته،
والفضة ﴾) أي يجمعونها أو يدفنونها (﴿ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ﴾
كبر)(١) بضم الباء أي شق وصعب (ذلك) أي ظاهر الآية من العموم (على المسلمين) لأنهم
حسبوا أنه يمنع جمع المال مطلقاً، وإن كل من تأثل مالاً جل أو قل فالوعيد لاحق به (فقال
عمر) رضي الله عنه (أنا أفرج) بتشديد الراء أي أزيل الغم والهم (عنكم) وأتى بالفرج لكم فإن
مع العسر يسراً وليس عليكم في الدين من حرج، وقد بعث رحمة للعالمين بالحنيفية السمحاء
المتوسطة بين طرفي الإفراط، والتفريط. (فانطلق) أي فذهب عمر إلى رسول الله وَالقر (فقال يا
نبي الله أنه) أي الشأن (كبر) أي عظم (على أصحابك هذه الآية) أي حكمها والعمل بها لما فيها
من عموم منع الجمع (فقال) أي النبي نَّر (إن الله لم يفرض الزكاة ليطيب) بالتذكير أو التأنيث
أي ليحل الله بأداء الزكاة لكم (ما بقي من أموالكم) قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة
تطهرهم وتزكيهم بها﴾ [التوبة - ١٠٣] ومعنى التطبيب أن أداء الزكاة إما أن يحل ما بقي من
ماله المخلوط بحق الفقراء، وإما أن يزكيه من تبعة ما لحق به من إثم منع حق الله تعالى
وحاصل الجواب إن المراد بالكنز، منع الزكاة لا الجمع مطلقاً (وإنما فرض المواريث) عطف
على قوله إن الله لم يفرض الزكاة قال الطيبي: رحمه الله وهذه الزيادة ليست في المصابيح لكنها
موجودة في سنن أبي داود، كأنه قيل: إن الله لم يفرض الزكاة إلا لكذا، ولم يفرض المواريث
إلا ليكون طيباً لمن يكون بعدكم والمعنى لو كان الجمع محظوراً مطلقاً، لما افترض الله الزكاة
ولا الميراث وقوله. (وذكر كلمة) من كلام الراوي يعني ابن عباس أي وذكر ◌َلل كلمة أخرى
في هذا المقام لا أضبطها والجملة معترضة بين الفعل وعلته، وهو قوله (لتكون) أي وإنما
فرض المواريث لتكون المواريث (طيبة لمن بعدكم فقال) أي ابن عباس (فكبر عمر) أي قال الله
أكبر فرحاً بكشف الحال وردفع الأشكال (ثم قال) أي النبي ◌ّ (له) أي لعمر (ألا أخبرك)
يحتمل أن تكون [إلا] للتنبيه، وأن تكون الهمزة استفهامية ولا نافية (بخير ما يكنز المرء) أي
بأفضل ما يقتنيه ويتخذه لعاقبته ولما بين أن لا وزر في جمع المال بعد أداء الزكاة، ورأى
فرحهم بذلك رغبهم عن ذلك إلى ما هو خير وأبقى، وهو التقلل والاكتفاء بالبلغة (المرأة
الصالحة) أي الجميلة ظاهراً وباطناً قال الطيبي: المرأة مبتدأ والجملة الشرطية [خبره، ويجوز
أن يكون خبر مبتدأ محذوف والجملة الشرطية] بيان قيل: فيه إشارة إلى أن هذه المرأة أنفع من
الكنز المعروف، فإنها خير ما يدخرها الرجل لأن النفع فيها أكثر لأنه. (إذا نظر) أي الرجل
(إليها سرته) أي جعلته مسروراً بجمال صورتها وحسن سيرتها وحصول حفظ الدين بها، وقد
روي مرفوعاً من تزوّج فقد حصن ثلثي دينه وقد يؤدي حسن صورتها إلى مشاهدة التجليات
(١) سورة التوبة - آية رقم ٣٤ و٣٥.

٢٤٠
كتاب الزكاة
وإِذا أمرَها أطاعتهُ، وإِذا غابَ عنها حفظَتهُ)). رواه أبو داود.
١٧٨٢ - (١١) وعن جابر بن عَتيكِ، قال: قال رسولُ الله ◌َلّل: ((سيأتيكم رُكّيْب
مُبِغَّضُون، فإِذا جاؤوكم فرحّبوا بهم، وخلُّوا بينَهُم وبين ما يبتغون،
الإلهية، التي هي من أعلى مقاصد الصوفية ومن ثمة لما قيل للجنيد في ابتداء أمره ألا
تتزوّج فقال إنما تصلح المرأة لمن ينظر إلى جمال الله فيها، (وإذا أمرها) بأمر شرعي أو
عرفي (أطاعته) وخدمته (وإذا غاب عنها حفظته) وفي رواية زيادة في نفسه أي له حق
زوجها من بضعها، وأنعامه عليها وكذا بيت زوجها وماله، وولده فهذه منافع كثيرة قال
القاضي: لما بين لهم ◌َّر أنه لا حرج عليهم في جمع المال وكنزه ما داموا يؤدون الزكاة
ورأى استبشارهم به رغبهم عنه، إلى ما هو خير وأبقى وهي المرأة الصالحة الجميلة فإن
الذهب لا ينفعك إلا بعد الذهاب عنك، وهي ما دامت معك تكون رفيقك تنظر إليها
فتسرك وتقضي عند الحاجة إليها وطرك، وتشاورها فيما يعن لك فتحفظ عليك سرك
وتستمد منها في حوائجك فتطيع أمرك، وإذا غبت عنها تحامي مالك وتراعي عيالك، ولو
لم يكن لها إلا أنها تحفظ بذرك وتربي زرعك فيحصل لك بسببها ولد يكون لك وزيراً في
حياتك، وخليفة بعد وفاتك لكان لها بذلك فضل كثيراً. اهـ. وهو كلام حسن ويمكن أن
يقال: لما بين أن جمع المال مباح لهم ذكر أن صرفه إلى ما ينفع في الدين والدنيا، خير
وأبقى ففيه إشارة خفية إلى كراهة جمع المال، ولذا قال: الدنيا دار من لا دار له،
ويجمعها من لا عقل له والحاصل أن أكثر العلماء قالوا المراد بالكنز المذموم، ما لم تؤذ
زكاته وإن لم تدفن فإن أديت فليس يكنزون دفن لما في حديث سنده حسن ما بلغ أن
تؤدي زكاته فزكى فليس بكنز وفي البخاري، عن ابن عمر بسند متصل إن الوعيد على
الكنز إنما كان قبل وجوب الزكاة (١) قال النووي: وأما قول ابن جرير أن الكنز في الآية ما
لم ينفق منه في الغزو وقول أبي داود، إنه الدفن فهو غلط والله أعلم. (رواه أبو داود)
بإسناد صحيح ولم يعترضه المنذري قاله ميرك.
١٧٨٢ - (وعن جابر بن عتيك) بفتح العين وكسر التاء الفوقية (قال: قال رسول الله ويتليفون :
سيأتيكم ركيب) تصغير ركب وهو اسم جمع للراكب، فلذا صغر على لفظه ولو كان جمعاً
لراكب كما قيل لقيل: رويكبون أي سعاة (٢) وعمال للزكاة (مبغضون) بفتح الغين المشددة أي
يبغضون طبعاً لا شرعاً لأنهم يأخذون محبوب قلوبهم، وقيل: معناه أنه [قد] يكون بعض
العمال سيىء الخلق، والأوّل أوجه. (فإذا جاؤوكم فرحبوا بهم) أي قولوا لهم مرحباً وأهلاً
وسهلاً وأظهروا الفرح بقدومهم وعظموهم (وخلوا) أي اتركوا (بينهم وبين ما يبتغون) أي ما
(١) البخاري في صحيحه ٢٧١/٣ حديث رقم ١٤٠٤.
الحديث رقم ١٧٨٢: أخرجه أبو داود في السنن ٢٤٥/٢ حديث رقم ١٥٨٨.
(٢) في المخطوطة ((سعادة)).