النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٢٤ - (٩) وعنها قالت: إِنَّ أبا بكرٍ قَبَّلَ النبيَّ وَِّ وهوَ ميّتْ. رواهُ الترمذيُّ، وابن
ماجه .
١٦٢٥ - (١٠) وعن حصين بنٍ وَخوح، أنَّ طلحةَ بنَ البراء مرضَ، فأتاهُ النبيُّ وَه
يعودُه، فقالَ: ((إِني لا أُرى طلحةَ إِلاَّ قد حدّثَ بهِ الموت، فآذنوني بهِ وعجّلوا، فإِنَّهُ لا
ينبغي لجيفةِ مسلم أن تُخْبَسَ بينَ ظهراني أهله)).
2AM
١٦٢٤ - (وعنها) أي عن عائشة (قالت: إن أبا بكر قبل النبي ◌َّلقر وهو ميت، رواه
الترمذي وابن ماجه) وصححه الترمذي وغيره وقال ميرك: أخرج البخاري في صحيحه، عن
عائشة وابن عباس أن أبا بكر قبّل النبي وَله بعد ما مات فالأولى إيراد هذا الحديث في الفصل
الأوّل. اهـ. وفي رواية عنها عند أحمد أنه أتاه من قبل رأسه فحدر فاه، فقبل جبهته ثم قال:
وانبياه ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: واصفياه ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل
جبهته، وقال: واخليلاه(١) وعند ابن أبي شيبة عن ابن عمر فوضع فاه على جبين رسول الله وال
فجعل يقبله، ويبكي ويقول بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً كذا في المواهب(٢).
٤
١٦٢٥ - (وعن حصين بن وحوح) بفتح أوّله وسكون المهملة ففتح (إن طلحة بن البراء)
قال المؤلف هو الأنصاري: الذي قال النبي وسلم لما مات وصلى عليه اللهم الق طلحة وأنت
تضحك إليه ويضحك إليك عداده (٣) في أهل الحجاز، روي عنه حصين بن وحوح (مرض فأتاه
النبي وَلقر يعوده فقال إني لا أرى) بضم الهمز أي لا أظن (طلحة إلا قد حدث) أي ظهر به
(الموت فآذنوني) بالمد وكسر الذال وسكون الهمزة وفتح الدال أي أعلموني (به) أي بموته
حتى أصلي عليه كما في رواية (وعجلوا) أي غسله وتجهيزه وتكفينه ودفنه (فإنه) أي الشان (لا
ينبغي لجيفة مسلم) أي جثته (أن تحبس) أي تقام وتوقف قال الطيبي: وصف مناسب للحكم
بعدم الحبس، وذلك أن المؤمن عزيز مكرم فإذا استحال جيفة ونتناً، استقذره النفوس وتنبو عنه
الطباع فينبغي أن يسرع فيما يواريه فيستمر على عزته فذكر الجيفة هنا، كذكر السوأة في قوله
تعالى: ﴿كيف يواري سوأة أخيه﴾ [المائدة - ٣١] السوأة الفضيحة لقبحها قال ميرك: ليس في
قوله جيفة مسلم دليل على نجاسته كما زعم (بين ظهراني أهله) أي بين أهله والظهر مقحم،
١
الحديث رقم ١٦٢٤: أخرجه البخاري في صحيحه ٦/٣. حديث رقم ١٢٤٢. والترمذي في السنن ٣/
٣١٥ حديث رقم ٩٨٩. والنسائي ١١/٤ حديث رقم ١٨٤٠. وابن ماجه ١ /٤٦٨ حديث رقم
١٤٥٧. وأحمد في المسند ٦/ ٥٥.
(١) أحمد في المسند ٣١/٦.
(٢) ((المواهب اللدنية بالمنح المحمدية)). في السيرة النبوية للشيخ الإِمام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن
محمد القسطلاني المصري ت (٩٢٣).
الحديث رقم ١٦٢٥ : أخرجه أبو داود في السنن ٥١٠/٣ حديث رقم ٣١٥٩.
(٣) الطبراني وأبو نعيم.
تمبه
١٠
٤/١٣٠٠
موز

٨٢
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
رواه أبو داود.
الفصل الثالث
١٦٢٦ - (١١) وعن عبد الله بن جعفر، قال: قال رسول الله وَلجر: ((لقنوا موتاكمْ لا
إِله إِلا الله الحليمُ الكريمُ، سبحانَ اللَّهِ ربِّ العرشِ العظيم، الحمدُ للَّهِ ربّ العالمين)) قالوا:
يا رسولَ اللهِ! كيفَ للأحياءِ؟ قالَ: «أجودُ وأجودُ». رواه ابن ماجه.
والعرب تضع الاثنين مقام الجمع قال ميرك: نقلاً عن الأزهار يقال: (هو) بين ظهراني أهله أي
أقام بينهم على سبيل الاستظهار، أو الاستناد إليهم كأنه بين ظهريهم ظهر منهم قدامه وظهر
وراءه فهو بهم مكفوف من جانبه أو من جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم واستعمل في الاقامة بين
القوم مطلقاً والألف والنون زائدتان أي لا تتركوا الميت زماناً طويلاً، لئلا ينتن ويزيد حزن أهله
عليه. اهـ. وبهذا التحقيق المعنوي ظهر بطلان قول ابن حجر والتثنية فيه لفظية فقط (رواه أبو
داود) قال میرك: وسكت عليه.
(الفصل الثالث)
٦/١٣٠
١٦٢٦ - (عن عبد الله بن جعفر) أي ابن أبي طالب ولد بأرض الحبشة وهو أوّل مولود
ولد في الاسلام بها كان جواداً ظريفاً عفيفاً حليماً يسمى بحر الجود: وقيل: لم يكن في
الإِسلام أسخى منه، روي عنه خلق كثير ذكره المؤلف (قال: قال رسول الله رَيقول: لقنوا موتاكم)
أي المشرفين على الموت (لا إله إلا الله الحليم) أي الذي لا يعجل بالعقوبة (الكريم) أي الذي
[أعطى] قبل المسألة (سبحان الله) أي منزه عن كل ما خطر، ببالك فإنه وراء ذلك (رب العرش)
إضافة تشريف لتنزهه عن المكان (العظيم) صفة للمضاف أو المضاف إليه والثاني أبلغ ووصفه
بالعظمة لأنه أكبر المخلوقات، ومحيط بالمكوّنات، (الحمد لله) وفي نسخة والحمد لله أي على
الحياة والممات (رب العالمين) أي خالقهم ومربيهم (قالوا: يا رسول الله كيف) أي ذلك
التلقين (للاحياء) أي للاصحاء، أيحسن أم لا (قال أجود وأجود) أي أحسن وأحسن كرر
للتأكيد والمبالغة قال الطيبي: التكرار للاستمرار أي جودة مضمومة إلى جودة وهذا معنى الواو
فيه (رواه ابن ماجه) قال السيوطي: وأخرج ابن عساكر عن علي بن أبي طالب قال: سمعت من
رسول الله وَ﴿ كلمات من قالهن عند وفاته، دخل الجنة لا إله إلا الله الحليم الكريم، ثلاث
مرات الحمد لله رب العالمين، ثلاث مرات تبارك الذي بيده الملك يحيي ويميت وهو على كل
شيء قدير(١).
الحديث رقم ١٦٢٦ : أخرجه ابن ماجه في السنن ١/ ٤٦٥ حديث رقم ١٤٤٦.
(١) الجامع الصغير ٣٩٧/٢ حديث رقم ٦٣٧٤.
٢٠٠١/١٤

٨٣
دكت تـ
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٢٧ - (١٢) وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((الميّتُ تحضرهُ الملائكةُ
فإِذا كانَ الرجلُ صالحاً قالوا: اخرجي أيَّتها النفسُ الطيّبةُ، كانت في الجسدِ الطيّبِ،
اخرجي حميدةً، وأبشري بروحٍ وريحان وربّ غيرِ غضبانَ، فلا تزالُ يقالُ لها ذلك حتى
تخرُجَ، ثمَّ يُعْرج بها إِلى السَّماء فيُفتحُ لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيُقال: مرحباً
بالنَّفس الطيّبةِ كانتْ فى الجسدِ الطيّب،
١٦٢٧ - (وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقر: الميت) أي جنسه والمراد من
قرب موته (تحضره الملائكة) أي ملائكة الرحمة أو ملائكة العقوبة كذا قاله ابن حجر،
والأظهر اجتماع الطائفتين لابهام جنس الميت، ثم بعد العلم بالصلاح والفجور في آخر الأمر
كل يعمل عليه. (فإذا كان الرجل صالحاً) أي مؤمناً أو قائماً بحقوق الله [تعالى] وحقوق
عباده والفاسق مسكوت عنه كما هو دأب الكتاب والسنة، ليكون بين الرجاء والخشية وبه
يندفع ما قاله ابن حجر أن مقابلته بالكافر تؤيد الأول مع أن لفظ الكافر، ليس في هذا
الحديث وإنما هو الرجل السوء وهو المناسب أن يكون مقابلاً للصالح، ولعل ذلك وجه
العدول عن مؤمناً إلى صالحاً وإن كان المراد بالرجل السوء الكافر، لما يدل عليه سياق
الكلام ومما يؤيد ما ذكرناه من أن الفاسق مسكوت عنه قوله تعالى: ﴿فمن ثقلت موازينه
فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون ﴾
[المؤمنون - ١٠٢ - ١٠٣] وكذلك قوله تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه﴾ [الحاقة - ١٩]
الآية وكذا قوله: ﴿وأما الذين سعدوا﴾ [هود - ١٠٨] الآية ونحو ذلك من الآيات
والأحاديث (قالوا) أي ملائكة الرحمة (اخرجي) أي من جسدك الطيب فارجعي إلى ربك
راضية مرضية (أيتها النفس) أي الروح (الطيبة) أي اعتقاداً أو أخلاقاً أو المطمئنة بذكر الله
الآمنة برسول الله، وأما الفرق بين النفس والروح على ما ذكره الصوفية فإنما هو أمر
اعتباري، لأنهم يكنون بالنفس عن مظهر الشر كقوله تعالى: ﴿إن النفس لامارة بالسوء ﴾
[يوسف - ٥٣] وبالروح عن مظهر الخير كقوله تعالى: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾ [الإسراء -
٨٥] (كانت) استئناف مبين للتعليل (في الجسد الطيب) أي أعمال أو بالاستسلام لأمر الله
والانقياد لحكم الله. قال الطيبي: الظاهر كنت ليطابق النداء واخرجي لكن اعتبر اللام
الموصولة أي النفس التي طابت كائنة في الجسد ويحتمل أن يكون صفة أخرى للنفس لأن
المراد منها ليس نفساً معينة بل الجنس مطلقاً. اهـ. وتبعه ابن حجر وفي كلا الوجهين مناقشة
لأن الألف واللام في الصفة المشبهة لم تكن موصولة عند الجمهور، والنفس معينة عند
النداء وحين الخطاب وإن كان عند اخباره بت لو لم تكن معينة وأما قول ابن حجر فكانت
جواب عما يقال ما سبب طيبها فيقال [سببية] إنها لم تزل في الجسد الطيب السالم من
الوقوع في المعاصي، والمخالفات فغير صحيح بل الصواب قلبه فإن طيب الروح سبب
الحديث رقم ١٦٢٧: أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٢٣ حديث رقم ٤٢٦٢. وأحمد في المسند ٢/ ٣٦٤.

مجم
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
٨٤
١٠٥٠/١٠
ادخُلي حميدةٌ، وأبشري بروح وريحانٍ ورب غير غضبانَ، فلا تزالُ يقال لها ذلك، حتى
تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان، فيقال: مرحبا
بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير
غضبان، فلا تزال يقال لها ذلك، حتى تنتهيَ إِلى السماءِ التي فيها الله،
لطيب القالب، لا عكسه كما أشار إليه * بقوله إذا أصلح القلب صلح الجسد كله
الحديث(١) ولأنه معدن التكليف، ومنبع الخطاب في الدنيا وكذلك في الأخرى ومنه قولهم
(اخرجي) فيه دلالة على أن الروح جسم لطيف يوصف بالدخول والخروج، والصعود
والنزول، وهو خطاب ثان أو تأكيد لقوله (حميدة) أي محمودة جميلة أو حامدة شاكرة
(وأبشري بروح) بفتح الراء أي راحة (وريحان) أي رزق أو مشموم(٢) والتنوين فيها للتعظيم
والتكثير. (ورب) أي وبملاقاة رب (غير غضبان) بعدم الانصراف وفي نسخة بالانصراف قال
ابن حجر عدل إليه عن راض رعاية للفاصلة أي السجع وفيه أنه مع قطع النظر عن ذلك أبلغ
مما عدل عنه فالعدل عنه أن لا عدول فتأمل قال الطيبي: قوله روح أي استراحة ولو روي
بالضم كان بمعنى الرحمة لأنها كالروح للمرحوم، قلت: قد جاء الفتح أيضاً بمعنى الرحمة
قال تعالى: ﴿ولا تيأسوا من روح الله﴾ [يوسف - ٨٧] وقيل البقاء أي هذان له معاً وهو
الخلود والرزق وقوله ورب هذا مقرر للأوّل على الطرد والعكس كقوله تعالى: ﴿أنعمت
عليهم غير المغضوب عليهم ﴾ [الفاتحة - ٧] ونحوه في المعنى قوله تعالى: ﴿يا أيتها النفس
المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية﴾ [الفجر - ٢٧ - ٢٨] وأما ما ذكره ابن حجر من
أن الروح بضم الراء فمخالف للرواية (فلا تزال) أي النفس (يقال لها ذلك) أي ما تقدم من
أنواع البشارة زيادة في سرورها بسماعها ما تقر به عينها. (حتى تخرج) أي بطيبة (ثم يعرج)
بصيغة المجهول (بها إلى السماء) أي الدنيا (فيفتح لها) أي بعد الاستفتاح أو قبله وأما قول
ابن حجر أي تطلب الملائكة الذين معها أن يفتح لها فلا وجه له، فكأنه توهم فيستفتح مكان
يفتح (فيقال) أي يقول ملائكة السماء (من هذا فيقولون) وفي نسخة صحيحة فيقال: أي يقول
ملائكة الرحمة الذين معه (فلان) أي هذا فلان أي روحه (فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، كانت
في الجسد الطيب) وأغرب ابن حجر حيث قال: وفيه أن الملائكة مع كونهم في العالم
العلوي، يعرفون كل إنسان باسمه وعمله. اهـ. ولا يخفى خطاؤه إذ العلويون ما اطلعوا على
اسمه إلا بالسؤال من ملائكة الرحمة، وقاموا بصعود روحه وفتح باب سمائه على طيب عمله
(أدخلي) أي في السموات العلى، أو في عبادي أي محل أرواحهم (حميدة) أي محمودة أو
حامدة (وابشري بروح وريحان، ورب غير غضبان فلا تزال) أي هي (يقال لها ذلك) أي ما
ذكر من الأمر بالدخول والبشارة بالصعود من سماء إلى سماء (حتى تنتهي) أي تصل (إلى
السماء التي فيها الله) أي أمره وحكمه أي ظهور ملكه وهو العرش. وقال الطيبي: أي رحمته
(١) متفق عليه.
(٢) في المخطوطة ((شموم)).
هوم

٨٥
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
فإِذا كانَ الرَّجلُ السَّوءُ، قال: اخرجي أيتها النفسُ الخبيثةُ كانتْ في الجسدِ الخبيثِ،
اخرُجي ذميمةً، وأبشري بحميمٍ وغسَّاق، وآخرَ من شكلهِ أزواج، فما تزالُ يقالُ لها ذلك،
حتى تخرُجَ، ثمَّ يُعرَجُ [ بها ] إِلى السَّماءِ، فيفتحُ لها فيقال: من هذا؟
بمعنى الجنة وتبعه ابن حجر وزاد الطيبي فقال ونحوه قوله تعالى: ﴿وأما الذين ابيضت
وجوههم ففي رحمة الله﴾ [آل عمران - ١٠٧] فيطابق الحديث الآيتين وهماً: ﴿وادخلي
جنتي﴾ [الفجر - ٣٠]، ﴿وجنة نعيم﴾ [الواقعة - ٨٩] قلنا ما في دخولها الجنة التي هي
فوق السموات، وسقفها عرش الرحمن كما في حديث وصولها إلى الفلك الأطلس، والمقام
الأقدس، ويناسبه ما ورد من أن أرواح المؤمنين تأوى إلى قناديل تحت العرش، مع أن كون
الجنة في سماء بعينها لا يعرف له خبر ولا أثر بل قال تعالى: ﴿عرضها السموات والأرض ﴾
[آل عمران - ١٣٣] (فإذا كان الرجل) بالرفع وقيل: بالنصب على أن كان تامة أو ناقصة
(السوء) بفتح السين وضمها صفة الرجل وأما تجويز ابن حجر رفع الأوّل، ونصب الثاني
فمخالف للرواية ثم قوله بناء على إن كان تامة أي فإذا وجد أي وجده أعني الكافر أو الفاسق
غير صحيح، لأنه لا يشك أن الأوصاف الآتية إنما هي في حق الكافر، بناءً على ما سبق من
عادة الكتاب والسنة بيان حال المؤمن والكافر، والسكوت عن حال الفاجر لطفاً ورحمة
ليكون بين الخوف والرجاء. (قال) أي ملك الموت أو رئيس ملائكة العذاب، أو كل واحد
منهم فيطابق ما سبق بصيغة الجمع (اخرجي أيتها النفس الخبيثة) أي اعتقاداً أو أحوالاً (كانت
في الجسد الخبيث) أي أعمالاً (اخرجي ذميمة) أي مذمومة (وابشري) قال الطيبي: استعارة
تهكمية كقوله تعالى: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة - ٣٤] أو على المشاكلة والازدواج
وحميم وغساق مقابل لروح وريحان. (بحميم) أي ماء حار غاية الحرارة (وغساق) بتخفيف
وتشديد ما يغسق أي يسيل من صديد أهل النار، وقيل: البارد المنتن وقيل: لو قطرت في
المشرق لنتنت أهل المغرب، وعن الحسن الغساق عذاب لا يعلمه إلا الله. (وآخر) أي
وبعذاب آخر وفي نسخة بضم الهمز [أي] وبأنواع أخر من العذاب وأما قول ابن حجر أي
وضرب أخر مذوقة ويصح فتح أوّله أي ونوع آخر ففيه مسامحة لأن حقه أن يقول بمد أوّله
ثم جعله الجمع أصلاً وتجويز المفرد خلاف ما عليه الأصول المعتمدة والنسخ المصححة
(من شكله) أي مثل ما ذكر في الحرارة والمرارة (أزواج) بالجر أي أصناف قال الطيبي: قوله
وأخر أي مذوقات أخر مثل الغساق في الشدة والفظاعة أزواج أجناس. اهـ. وتبعه ابن حجر
ولا وجه لارجاعه الضمير إلى الغساق وحده وإن كان هو أقرب مذكور، فالصحيح ما ذكرناه
من أن افراد الضمير باعتبار ما ذكر قال وآخر في محل الجر عطف على حميم قلت: إنه
ليس في محل الجر بل إنه مجرور بالفتحة لأنه غير منصرف قال وأزواج: صفة لآخر وإن
كان مفرداً لأنه في تأويل الضروب والأصناف كقول الشاعر معي جياعاً. اهـ. والظاهر أنه في
تأويل النوع، والصنف وقرأ أبو عمرو في الآية أخر بصيغة الجمع (فما تزال يقال لها ذلك
حتى تخرج) بالكراهة (ثم يعرج بها إلى السماء) أي إظهاراً للمذلة والاهانة (فيفتح لها) [أي
يستفتح لها] لقوله تعالى: ﴿لا يفتح لهم أبواب السماء﴾ [الأعراف - ٤٠] (فيقال من هذا
٠

١٢٫٧٥
١٤١٠٠
٨٦
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
فيقالُ: فلان، فيقالُ: لا مرحباً بالنَّفسِ الخبيثة كانتْ في الجسدِ الخبيثِ، ارجعي ذميمةً،
فإِنَّها لا تفتحُ لك أبواب السَّماءِ، فترسلُ من السَّماءِ ثمَّ تصيرُ إِلى القبرِ)). رواه ابن ماجه.
١٦٢٨ - (١٣) وعنه، أنَّ رسول الله وَ ◌ّه قال: ((إِذا خرجتْ روحُ المؤمنِ تلقَّاها ملكانِ
يُصعِدانها)). قال حماد: فذكرَ من طيبٍ ريحِها وذكرَ المسكَ، قال: ((ويقول أهلُ السَّماءِ:
روحٌ طيّبةٌ جاءتْ من قبلِ الأرضِ، صلَّى اللَّهُ عليكِ
فيقال فلان) ظاهره إنه يعرفونهم بمجرد اسمه ويحتمل أن فلاناً كناية عما يتميز به عن غيره
ويعرف به جميع رسمه وأمره (فيقال: لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث
ارجعي ذميمة) أي مذمومة عند الله وعند الخلق (فإنها) أي القصة (لا تفتح) بالتأنيث وتذكر
وبالتخفيف وتشدد (لك أبواب السماء فترسل) أي ترد وسيأتي أنها تطرح (من السماء ثم
تصير) أي ترجع (إلى القبر) وتكون دائماً محبوسة في أسفل السافلين، بخلاف روح المؤمن
فإنها تسير في ملكوت السماء والأرض وتسرح في الجنة، حيث تشاء وتأوي إلى قناديل
تحت العرش، ولها تعلق بجسده أيضاً تعلقاً كلياً بحيث يقرأ القرآن في قبره، ويصلي ويتنعم
وينام كنوم العروس، وينظر إلى منازله في الجنة بحسب مقامه ومرتبته فأمر الروح وأحوال
البرزخ والآخرة كلها على خوارق العادات فلا يشكل شيء منها على المؤمن بالآيات. (رواه
ابن ماجه) قال ميرك: وإسناده صحيح.
١٦٢٨ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (أن رسول الله وَظهر قال: إذا خرجت روح المؤمن
تلقاها ملكان يصعدانها) هذا تفصيل للمجمل السابق، ويحتمل أنهما الكريمان الكاتبان ولا
ينافي الجمع فيما مر أما على قول من يقول أقل الجمع اثنان فظاهر، وأما على قول غيره
فلاحتمال [أن] الحاضرين جمع والمفوّض إليه منهم ذلك اثنان والبقية أو الكل يقولون لروحه
اخرجي أيتها النفس أو القائل واحد ونسب إلى الكل مجازاً كقوله تعالى: ﴿فعقروها﴾ [هود -
٦٥] وكقولهم قتله بنو فلان، ويؤيده حديث البراء الآتي (قال حماد) وهو ابن زيد أحد رواة
هذا الحديث قاله الطيبي والأظهر أن يقال: إنه راويه عن أبي هريرة (فذكر) أي رسول الله وَل
أو الصحابي وهو أبو هريرة وكان سبب ذلك نسيان راويه لفظ النبوّة في هذا دون معناه فذكره
بسياق يشعر بذلك. (من طيب ريحها) أي أوصافاً عظيمة من طيب ريحها (وذكر) أي ومن
أنواع ذلك (المسك) قال الطيبي: أي وذكر المسك لكن لم يعلم أن ذلك كان كالتشبيه أو
الاستعارة أو غير ذلك. اهـ. وقال الأبهري: الأظهر أن يقال وذكر أن طيب ريحها أطيب من
ريح المسك (قال) أي النبي وَلّ (ويقول: أهل السماء) أراد به الجنس أي كل سماء (روح
طيبة) مبتدأ أو خبر لمحذوف هو هي وقوله (جاءت) يعني الآن (من قبل الأرض) بكسر القاف
وفتح الموحدة أي من جهتها صفة ثانية (صلى الله) أي أنزل الرحمة (عليك) قال الطيبي: في
عليك التفات من الغيبة في قوله جاءت إلى الخطاب وفائدته مزيد اختصاص لها بالصلاة عليها
الحديث رقم ١٦٢٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٢٢٠٢/٤ حديث رقم (٧٥ - ٢٨٧٢).

:/
٨٧
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
وعلى جسدٍ كنتِ تعمرينه، فيُنطلقُ بهِ إِلى ربّه، ثمَّ يقولَ: انطلقوا بهِ إِلى آخرِ الأجل)».
قال: ((وإِنَّ الكافرَ إِذا خرجتْ روحُه)) قال حماد: وذكرَ من نتنِها وذكرَ لعناً ((ويقولُ أهلُ
السَّماءِ: روحٌ خبيثةٌ جاءت من قبل الأرضِ، فيُقال: انطلقوا به إِلى آخر الأجل)) قال أبو
هريرة: فردَّ رسول الله وَّ ريطةً كانتْ عليهِ على أنفهِ هكذا. رواه مسلم.
قلت: ولمزيد التلذذ بخطابهم إياها قال ابن حجر: وكراهة الصلاة استقلالاً على غير الأنبياء،
والملائكة محلها إن صدرت من غيرهم لا منهم لقول العلماء في صلاته بَّر على آل أبي أوفى
إنه من تبرع صاحب الحق به. اهـ. والأظهر أنه من خصوصياتهم لقوله تعالى: ﴿وصل عليهم
إن صلاتك سكن لهم﴾ [التوبة - ١٠٣] ولقوله عزَّ وجلَّ: ﴿هو الذي يصلي عليكم﴾
[الأحزاب - ٤٣] (وعلى جسد كنت تعمرينه) بضم الميم يعني على ظاهرك وباطنك وتقديم
الباطن لأنه أهم(١) والنظر إليه أتم قال الطيبي: استعارة شبه تدبيرها البدن بالعمل الصالح بعمارة
من يتولى مدينة، ويعمرها بالعدل والإِحسان (فينطلق) على بناء المفعول وفي رواية فينطلقون
(به إلى ربه) أي إلى موضع حكمه أو عرش ربه، ومقام قربه وفي الحديث الآتي إلى السماء
السابعة. (ثم يقول) أي الرب سبحانه (انطلقوا به) أي الآن أي ليكون مستقراً في الجنة أو
عندها (إلى آخر الأجل) ثم إلينا مرجعه بحكم الأزل والمراد بالأجل هنا، مدة البرزخ قال
الطيبي: يعلم من هذا أن لكل أحد أجلين أوّلاً وآخراً ويشهد له قوله تعالى: (ثم قضى أجلاً
﴿وأجل مسمى﴾ [الأنعام - ٢]) عند أي أجل الموت، وأجل القيامة. (قال) أي النبي ◌َّ (وإن
الكافر إذا خرجت روحه قال حماد: وذكر) أي النبي وَلّر أو الصحابي (من نتنها) بسكون التاء
أي عفنها (وذكر لعناً) أي مع النتن فإن البعد من لوازم النتن (ويقول أهل السماء) من الملائكة
وغيرهم، (روح خبيثة جاءت) أي قاربت السماء (من قبل الأرض فيقال انطلقوا به إلى آخر
الأجل) قال الطيبي: ذكر ههنا يقال: وفي الأوّل يقول رعاية لحسن الأدب حيث نسب الرحمة
إلى الله سبحانه ولم ينسب إليه الغضب كما في قوله تعالى: ﴿أنعمت عليهم غير المغضوب
عليهم﴾ (قال أبو هريرة: فرد رسول الله وَل* ريطة) وهي بفتح الراء وسكون الياء التحتانية كل
ملاءة على طاقة واحدة، ليست لفقتين أي طرف ريطة (كانت عليه) أي على بدنه عليه الصلاة
والسلام (على أنفه) متعلق برد قال الطيبي: كأنه عليه الصلاة والسلام كوشف بروح الكافر وشم
من نتن ريح روحه (هكذا) أي كفعلي هذا وكان أبو هريرة وضع ثوبه على أنفه بكيفية خاصة
صدرت منه وَ لّ قال ابن حجر: ويحتمل أنه تمثيل أي فيها من النتن والقبح ما لو ظهر لأحدكم
لغطى أنفه عنه كذلك. اهـ. وهو خروج عن ظاهر الحديث لغير باعث نقلي أو عقلي (رواه
مسلم).
(١) في المخطوطة ((اللهم)).
/٠١١
فود

٨
٦٤٥٧٣
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٢٩ - (١٤) وعنه، قال: قال رسول الله وَّى: ((إِذا حُضِرَ المؤمنُ أتتْ ملائكةٌ
الرَّحمةِ بحريرةٍ بيضاءَ، فيقولون: اخرُجي راضيةً مرضيّاً عنكٍ، إِلى روحِ اللَّهِ وريحان،
وربّ غيرِ غضبانَ، فتخرجُ كأطيبٍ ريحِ المسكِ، حتى إِنَّه ليُناولهُ بعضُهمْ بعضاً حتى يأتوا بهِ
أبوابَ السَّماء، فيقولونَ: ما أطيبَ هذهِ الريحَ التي جاءتكم من الأرضِ! فيأتونَ بهِ أرواح
المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحاً بهِ من أحدكم بغائبِهِ يَقدُم عليه، فيسألونهُ: ماذا فعلَ فلانٌ،
١٦٢٩ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَ لاتر: إذا حضر المؤمن) بصيغة
المجهول أي حضره الموت وفي رواية إذا قبض (أتت) أي جاءته (ملائكة الرحمة بحريرة
بيضاء) ولعل روحه تلف فيها وترفع إلى السماء، والكفن الدنيوي، يصحب الجسد الصوري
(فيقولون اخرجي) أي ﴿أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك﴾ (راضية) عن الله سابقاً وبثواب
الله لاحقاً (مرضياً عنك) أي أوّلاً وآخراً (إلى روح الله) بفتح الراء أي رحمته أو راحة منه وهو
تفسير لقوله تعالى: ﴿ارجعي إلى ربك﴾ [الفجر - ٢٠] (وريحان) أي رزق كريم أو مشموم
عظيم (ورب غير غضبان) أي رؤوف رحيم (فتخرج كأطيب ريح المسك) قال الطيبي: الكاف
صفة لمصدر محذوف، أي تخرج خروجاً مثل ريح مسك، یعبق فأرتها وهو قد فاق سائر
أرواح المسك وأما قول ابن حجر فتخرج حال كونها مثل أطيب ريح المسك، ودعوته أنه عند
التأمل أوضح من كلام الشارح فغير واضح فضلاً عن أن يكون أوضح (حتى أنه) أي المؤمن أو
روحه بتقدير المضاف أو بدونه فإنه يذكر ويؤنث والمعنى حتى إنه من طيب روحه، وعظمة
ريحه (ليناوله بعضهم بعضاً) أي يصعدون به من يد إلى تكريماً وتعظيماً وتشريفاً لا كسلاً
وتعباً، وتكليفاً ولذا تناوبوه وإلا فأحدهم لا يعجز عن حمله، (حتى يأتوا) وفي رواية فيشمونه
وفي رواية فيشمونه حتى يأتوا (به أبواب السماء) أي باباً بعد باب وفي رواية باب السماء وهو
منصوب بنزع الخافض، أي إلى أن يأتوا به وهو غاية للمناولة وأما قول ابن حجر غاية ليخرج
فخروج عن الظاهر بالغاية. (فيقولون) أي بعض الملائكة لبعض ملائكة السماء على جهة
التعجب، من غاية عظمة طيبه، (ما أطيب هذه الربح التي جاءتكم من الأرض) أي وصلت
إليكم الآن منها (فيأتون) وفي رواية كلما أتوا سماء قالوا ذلك حتى يأتوا أي الملائكة الأوّلون
أو المستقبلون السائلون. (به) أي بروحه (أرواح المؤمنين) منصوب بنزع الخافض، أي إلى مقر
أرواحهم في عليين أو في الجنة أو على بابها أو تحت العرش بحسب منزلته (فلهم) الفاء
للتعقيب والضمير للمؤمنين أو لأرواحهم (أشد فرحاً) وفي رواية فلهم أفرح قال الطيبي: اللام
لام الابتداء مؤكدة نحو قوله تعالى: ﴿لهو خير الصابرين﴾ [النحل - ١٢٦] وهم مبتدأ وأشد
خبره ولا يبعد أن تكون جارة أي لهم فرح أشد فرحاً، فيكون الفرح فرحاً على سبيل المبالغة.
(به) أي بقدومه (من أحدكم) أي من فرحه (بغائبه) أي المخصوص به (يقدم عليه) أي حال
قدومه (فيسألونه) أي بعض أرواح المؤمنين (ماذا فعل فلان) أي كيف حاله وشأنه؟ أي في
٠۵۵٠
/١٢/١
الحديث رقم ١٦٢٩ : أخرجه النسائي في السنن ٨/٤ حديث رقم ١٨٣٣.

٨٩
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
ماذا فعلَ فلانٌ؟ فيقولون: دعوه، فإِنَّهُ كان في غمِّ الدنيا. فيقول: قد مات، أما أتاكم؟
فيقولون: قد ذُهِبَ بهِ إِلى أُمّه الهاوية. وإِنَّ الكافرَ إِذا احتُضِرَ أتَتُهُ ملائكةُ العذابِ بمِسح،
فيقولون: اخرجي ساخطةً مسخوطاً عليكِ إِلى عذابِ اللَّهِ عزَّ وجل. فتخرجُ كأنتَنِ ريحٍ
جیفةٍ، حتى يأتونَ بهِ بابَ الأرض،
الطاعة ليفرحوا به ويدعوا له بالاستقامة، أو في المعصية ليحزنوا عليه ويستغفروا له. (ماذا فعل
فلان) تأكيد أو المراد شخص آخر وهو الأظهر (فيقولون) أي بعض آخر من الأرواح، وفي
نسخة صحيحة فيقول أي بعضهم أو أحدهم (دعوه) أي اتركوه (الآن) وفي رواية حتى يستريح
قال الطيبي: أي يقول بعضهم لبعض دعوا القادم، فإنه حديث عهد بتعب الدنيا. (فإنه) أي
القادم (كان في غم الدنيا) وفي نسخة صحيحة فإنه كان في غم الدنيا فكان زائدة أو ضمير فإنه
للشأن، وكان أي القادم في غم الدنيا إلى الآن ما استراح من همها. (فيقول) أي لقادم في
جواب السؤال الأوّل والجملة فيما بينهما معترضة (قد مات) أي فلان المسؤول أو فلان الثاني
وهو الأقرب (أما أتاكم) أي أما جاءكم (فيقولون) وفي رواية فإذا قال لهم: ما أتاكم فإنه قد
مات يقولون أي أرواح المؤمنين (قد ذهب به) على بناء المجهول وقال الطيبي لا بد من تقدير
الفاء كما في قول الشاعر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها
أي إذا كان الأمر كما قلت: إنه مات ولم يلحق بنا فقد ذهب به. اهـ. وهو تكلف
مستغنى عنه ويدل عليه ما روي بلفظ أو ما أوتي عليكم فيقولون أو قد هلك فيقول أي والله
فيقولون نراه قد ذهب به. (إلى أمه الهاوية) أي النار مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فأمه هاوية ﴾
[القارعة - ٩] لأنها مأوى المجرم، ومقره كما أن الأم للولد كذلك ويدل عليه ما زيد في رواية
فبئست الأم وبئست المربية قال الطيبي: الأم المصير أطلق على المأوى على التشبيه، لأن الأم
مأوى الولد ومقره (١) كقوله تعالى: ﴿مأواكم النار﴾ [العنكبوت - ٢٥] والهاوية بدل أو عطف
بيان، وأما في الآية فخبر لأمه وهي من أسماء النار كأنها النار العميقة تهوي أهل النار فيها
مهوى بعيداً. (وأن الكافر إذا احتضر) بصيغة المفعول (أتته ملائكة العذاب بمسح) الجوهري
المسح بالكسر البلاس (فيقولون اخرجي ساخطة) أي كارهة غير راضية عن الله، حياً وميتاً
(مسخوطاً) أي مغضوباً (عليك) أي أزلاً وأبداً (إلى عذاب الله) متعلق باخرجي (عز) أي غلب
كلمه وأمره (وجل) أي قضاؤه وقدره (فتخرج كانتن ريح جيفة، حتى يأتون) باثبات النون ورفعه
على حكاية الحال الماضية على حد وزلزلوا حتى يقول الرسول في قراءة نافع، بالرفع أي حتى
أتوا بمعنى به كما في نسخة (باب الأرض) وفي نسخة إلى باب الأرض وفي رواية فينطلقون به
إلى باب الأرض قال الطيبي: أي باب سماء الأرض ويدل عليه الحديث السابق ثم عرج بها
إلى السماء، ويحتمل أن يراد بالباب باب الأرض فيرد إلى أسفل السافلين قلت: وهذا هو
(١) في المخطوطة ((مفزعة)).
م
١

٩٠
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
فيقولون: ما أنتنَ هذه الريحَ، حتى يأتونَ بهِ أرواحَ الكفَّار)). رواه أحمدُ والنسائيُّ.
١٦٣٠ - (١٥) وعن البَراءِ بنِ عازبٍ، قال: خرجنا معَ النبيِّ وَّرَ في جنازةِ رجلٍ منَ
الأنصار، فانتهينا إلى القبرِ، ولمَّا يُلحَذْ، فجلسَ رسولُ اللهِ وَه وجلسنا حوله، كأنَّ على
رُؤُوسِنا الطيرَ، وفي يدِه عودٌ ينكتُ به في الأرضِ، فرفعَ رأسَه فقال: ((استعيذُوا باللَّهِ مِنْ
عذابِ القبرِ)) مرَّتين أو ثلاثاً، ثمَّ قال: ((إِنَّ العبدَ المؤمنَ إِذا كانَ في انقطاع من الدنيا،
وإِقْبالٍ منَ الآخرةِ، نزَلَ إِليه ملائكةٌ منَ السَّماءِ، بيضُ الوُجوهِ، كأنَّ وُجوهَهُمُ الشَّمسُ،
معهُم كفنّ منْ أكفانِ الجنَّةِ، وحَنوطٌ منْ حَنوطِ الجنَّةِ،
الصواب لما سيأتي صريحاً في هذا الباب (فيقولون) أي ملائكة الأرض (ما أنتن هذه الريح حتى)
وفي رواية كلما أتوا على أرض قالوا: ذلك فيتعين أن يكون حتى غاية لقولهم ذلك، وأما قول ابن
حجر أو لسيرهم الذي دل عليه السياق ففي غاية من البعد. (يأتون به أرواح الكفار) ومحلها
سجين وهو موضع في قعر جهنم (رواه أحمد والنسائي) قال ميرك: ورواه ابن حبان في صحيحه
بنحوه وقال السيوطي والحاكم والبيهقي. اهـ. والروايات التي ذكرناها هي لفظ الحاكم.
١٦٣٠ - (وعن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله(وَلِ ﴿ في جنازة رجل) بفتح
الجيم وتكسر (من الأنصار فانتهينا) أي وصلنا (إلى القبر ولما يلحد) بصيغة المفعول قبل أن
يلحد ولما بمعنى لم وفيه توقع (فجلس رسول الله {وَ 8# وجلسنا حوله، كان) بتشديد النون وفي
رواية وكان (على رؤوسنا الطير) قال الطيبي: كناية عن اطراقهم رؤوسهم، وسكوتهم وعدم
التفاتهم، يميناً وشمالاً قال ميرك: والطير بالنصب على أنه اسم كان أي على رأس كل واحد
الطير، يريد صيده فلا يتحرك وهذه كانت صفة مجلس رسول الله ولو إذا تكلم أطرق جلساؤه
كأنما على رؤوسهم الطير، يريد أنهم يسكتون فلا يتكلمون والطير لا يسقط إلا على ساكن
وقال الجوهري: قولهم كان على رؤوسهم الطير إذا سكنوا من هيبته، وأصله أن الغراب إذا
وقع على رأس البعير، فيلتقط منه الحلمة والحلمتين، فلا يحرك البعير رأسه لئلا ينفر عنه
الغراب. (وفي يده عود ينكت) بضم الكاف (به في الأرض) أي يؤثر بطرف العود الأرض،
فعل المتفكر المهموم ذكره الطيبي. (فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين)
ظرف لقال (أو ثلاثاً) شك من الراوي (ثم قال: إن العبد المؤمن، إذا كان في انقطاع) أي ادبار
(من الدنيا وإقبال من الآخرة) أي اتصال بها (نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه) إظهار
اللطف والعناية أو انعكاساً من أنوار صاحب الهداية (كان وجوههم الشمس) أي وجه(١) كل
واحد منهم كالشمس، وأما قول ابن حجر أخبر بها عن الجمع لأنه اسم جنس في الأصل فقول
منطقي لا حقيقة له. (معهم كفن من أكفان الجنة) أي من حريرها (وحنوط من حنوط الجنة)
أي مسكها وعنبره، وعبيرها قال الطيبي: الحنوط ما يخلط من الطيب لأكفان الموتى
الحديث رقم ١٦٣٠ : أخرجه أبو داود في السنن ١١٤/٥ حديث رقم ٤٧٥٣. وأحمد في المسند ٢٨٧/٤.
(١) في المخطوطة ((على)).
:
١٤٢١٨/١

ونمو:
٩١
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
حتى يجلسوا منهُ مدَّ البصرِ، ثمَّ يجيءُ ملكُ الموتِ عليهِ السَّلامُ، حتى يجلسَ عندَ رأسهِ،
فيقولُ: أَيَّتُها النفسُ الطيّبةُ! اخرُجي إِلى مغفرةٍ من الله ورضوانٍ)) قال: ((فتخرُجُ تسيلُ كما
تسيلُ القطرة منَ السّقاءِ، فيأخذُها، فإِذا أخذَها، لمْ يدَعوها في يده طرفةَ عينٍ حتى
يأخُذوها، فيجعَلوها في ذلكَ الكفنِ وفي ذلكَ الحَنوطِ، ويخرُجُ منها كأطيبِ نفحةِ مسئٍ
وُجدَتْ على وجهِ الأرضِ)) قال: ((فيصعَدونَ بها، فلا يمرّونَ ـ يعني بها - على مَلٍ منَ
الملائكةِ إِلاَّ قالوا: ما هذا الرُّوحُ الطيّبُ؟ فيقولونَ:
وأجسادهم (حتى يجلسوا منه مد البصر) أي قريباً منه مع كمال الأدب ينتظرون خروج الروح
منه، (ثم يجيء ملك الموت عليه السلام) كذا في النسخ المصححة (حتى يجلس عند رأسه،
فيقول) قال ابن حجر: لا ينافي ظاهره ما مر أن القائل غيره لأنه لا مانع أنه وملائكة آخرين،
يقولون ذلك. اهـ. وفيه أنه ما مر أن القائل غيره وإنما مر أن الملائكة يقولون وهو يحتمل أن
يكون كلهم يقولون والأظهر أن القائل رئيسهم كما أشرنا إليه سابقاً، ويدل عليه هذا الحديث
لاحقاً. (أيتها النفس الطيبة) (وفي رواية المطمئنة] (اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان) بكسر
الراء وضمها أي ليس أمامك إلا المغفرة والرضوان وفيهما إشارة إلى بشارة دفع العذاب وكمال
الثواب وهو معنى قوله [ارجعي إلى ربك] وأما قول ابن حجر أي إلى محلهما وهو الجنة فليس
في محله (قال) أي النبي ◌َّر (فتخرج) أي روحه (تسيل) حال (كما تسيل القطرة) أي كسيلان
القطرة في السهولة وهذا يؤيد ما عليه أكثر أهل السنة ممن تكلم على الروح إنها جسم لطيف
سار في البدن كسريان ماء الورد في الورد (من السقاء) أي القربة وزاد في رواية وإن كنتم ترون
غير ذلك أي من الشدة والحاصل أن لا منافاة بين اضطراب الجسد، وسهولة خروج الروح بل
قد يكون الأوّل سبباً للثاني، كما أن رياضة النفس، وتضعيف البدن عند السادة الصفية الصوفية
موجب لقوّة الروح، على العبادة والمعرفة وأما قول ابن حجر ولا ينافي ذلك ما مر أن المؤمن
يشدد عليه عند النزع دون غيره، لأن محله فيما قبل خروج الروح فليس في محله لأن حالة
النزع، هو وقت خروج الروح فبين كلامية تناقض بين (فيأخذها) أي ملك الموت (فإذا أخذها
لم يدعوها) بفتح الدال أي لم يتركوها (في يده طرفة عين) أدباً معه أو اشتياقاً إليها قال الطيبي :
فيه إشارة إلى أن ملك الموت إذا قبض روح العبد، سلمها إلى أعوانه الذين معهم كفن من
أكفان الجنة. (حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن) من أكفان الجنة (وفي ذلك الحنوط) أي
الجنتي (ويخرج) بالتذكير والتأنيث (منها) أي من الروح ريح أو شيء (كاطيب نفحة مسك) أي
مثل أطيبها فالكاف مثلية قال الطيبي: صفة موصوف محذوف، هو فاعل يخرج أي يخرج منها
رائحة كأطيب نفحة مسك (وجدت) أي تلك النفحة (على وجه الأرض) أي جميعها منذ خلقت
الدنيا إلى فنائها (قال) أي النبي وَلّ (فيصعدون) أي أعوان ملك الموت، أو ملائكة الرحمة
منهم أو من غيرهم (بها فلا يمرون يعني بها) هذا من كلام الصحابي أو الراوي وليس بموجود
في رواية السيوطي (على ملأ) أي جمع عظيم (من الملائكة) أي الذين بين السماء والأرض (إلا
قالوا) أي الملأ (ما هذا الروح) بفتح الراء أي الريح وضمها (الطيب فيقولون) أي ملائكة
٠٠٠٠

كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
٩٢
:٥٥:
فلانُ ابنُ فلانٍ، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمُونَه بها في الدُّنيا، حتى يَنتهوا بها إِلى السَّماءِ
الدنيا، فيستَفتحونَ له، فيُفتَحُ لهم، فيُشيِعُه منْ كلِّ سماءِ مقرَّبوها إِلى السَّماءِ التي تَليها،
حتى يُنتهى به إلى السماءِ السابعةِ، فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلّ: اكتُبُوا كتابَ عَبدي في علِّيِينَ،
وأعِیدُوه إلى الأرضِ فإِي
الرحمة (فلان ابن فلان) أي روحه أو روحه (بأحسن أسمائه) أي ألقابه وأوصافه (التي كانوا) أي
أهل الدنيا (يسمونه) أي يذكرونه (بها) أي بتلك الأسماء (في الدنيا حتى) لا يزال الملائكة
يسألون ويجابون كذلك حتى (ينتهوا بها) أي بتلك الروح (إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له)
قال ابن حجر: أنث باعتبار النسبة وذكر باعتبار الشخص. اهـ. والصحيح أنه يذكر ويؤنث ففي
القاموس الروح بالضم، ما به حياة الأنفس ويؤنث (فتفتح) بالتأنيث أي السماء ويجوز أن يذكر
فالجار نائب الفاعل (لهم) قال ابن حجر: أفرد الضمير لأنه المقصود بالاستفتاح ثم جمع إشارة
إلى أنهم لا يفارقونه بل يستمرون معه. اهـ. وهو خلاصة كلام الطيبي، والظاهر أن ضمير لهم
للمستحقين من الملائكة وإنما وقع قوله له علة وصلة للفعل ولا دخل له في المقصود،
فالمطابقة بينهما ظاهرة ولا يبعد أن يعتبر فيه التغليب فيراعى الاستخدام حينئذ في قوله،
(فيشيعه) أي يستقبله ويصحبه بعد دخوله في السماء (من كل سماء مقربوها إلى السماء التي
تليها) أي تقربها وتدنو منها وهكذا (حتى ينتهي به) بصيغة المجهول والجار نائب الفاعل وفي
نسخة لفظ به ساقط وينتهي بصيغة الفاعل. (إلى السماء السابعة) أي الجنة إذ هي مجاورة لها
والأظهر أن المراد بها نهاية السموات العلى، والاقتراب إلى عرش الرحمن أو سدرة المنتهى.
(فيقول الله عزَّ وجلَّ اكتبوا) أي اثبتوا وأما قول ابن حجر أي اكتبوا الآن وإن كتب في سابق
الزمان فمحتاج إلى دليل صحيح ونقل صريح (كتاب عبدي) الاضافة للتشريف ولذا قال في
الكافر اكتبوا كتابه، أي اجعلوا كتابه [عبدي] بكتابة اسمه (في عليين) أي في دفتر المؤمنين
وديوان المقربين، وقيل: [هو] موضع فيه كتاب الأبرار فالمراد بكتاب العبد صحيفة أعماله،
وقال الأبهري: أي في كتاب عبدي يعني أنه في عليين أو في عوال أو غرف، من الجنة مآلاً
قال العسقلاني في فتاويه أرواح المؤمنين في عليين وأرواح الكفار في سجين ولكل روح
بجسدها اتصال معنوي لا يشبه الاتصال في الحياة الدنيا بل أشبه به حال النائم، وإن كان هو
أشد من حال النائم اتصالاً وبهذا يجمع بين ما ورد أن مقرها في عليين أو سجين، وبين ما نقله
ابن عبد البر عن الجمهور إنها عند أفنية قبورها قال: ومع ذلك فهي مأذون لها في التصرف،
وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين قال: وإذا نقل الميت من قبر إلى قبر فالاتصال المذكور
مستمر وكذا لو تفرقت الأجزاء. اهـ. وقال ابن القيم: الروح من سرعة الحركة، والانتقال الذي
كلمح البصر ما يقتضي عروجها من القبر إلى السماء في أدنى لحظة وشاهد ذلك روح النائم
فقد ثبت أن روح النائم تصعد حتى تخترق السبع الطباق، وتسجد لله بين يدي العرش، ثم ترد
إلى جسده في أيسر زمان انتهى فعلي هذا يكون التقدير اكتبوا كتاب مقر عبدي في عليين
(وأعيدوه) الآن (إلى الأرض) أي ليتعلق بالبدن على وجه الكمال ويتهيأ لجواب السؤال (فإني

٩٣
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
منها خلَقتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرِجُهم تارةً أخرى)) قال: ((فتُعادُ رُوحهُ في جسدِهِ،
فيأتيهِ ملَكانٍ، فيُجلسانهِ، فيقولان له: مَنْ ربُّكَ؟ فيقولُ: ربِّيَ اللَّهُ. فيقولان له: ما دينُكَ؟
فيقولُ: دِيني الإِسلامُ. فيقولان له: ما هذا الرَّجلُ الذي بُعثَ فيكم؟ فيقولُ: هوَ رسولُ اللَّهِ
وَّ. فيقولان له: وما علمُكَ؟ فيقولُ: قرأتُ كتابَ اللَّهِ فآمنتُ به وصدَّقتُ. فيُنادي مُنادٍ منَ
السماءِ: أنْ [ قذ] صدَقَ عبدِي؛ فأفرشوهُ منّ الجنَّةِ، وألبِسوهُ منَ الجنَّةِ، وافتَحوا له باباً
إِلى الجنَّةِ)) قال: ((فيأتيهِ منْ رَوحِها وطِيبِها، فيُفسحُ
منها خلقتهم) أي أجساد بني آدم (وفيها أعبدهم) أي أجسادهم وأرواحهم (ومنها أخرجهم) أي
كملا (تارة) أي مرة (أخرى قال) أي النبي وَ لّه ولعل إعادة قال: لطول الكلام أو لفصله بكلام
غيره، وهو غير موجود فيما نقله السيوطي في المواضع في هذا الحديث. (فتعاد روحه في
جسده) ظاهر الحديث أن عود الروح إلى جميع أجزاء بدنه فلا التفات إلى قول البعض، بأن
العود إنما يكون إلى البعض، ولا إلى قول ابن حجر إلى نصفه فإنه لا يصح أن يقال: من قبل
العقل بل يحتاج إلى صحة النقل (فيأتيه ملكان) أي المنكر والنكير لكن في صورة مبشر وبشير.
(فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول ربي الله، فيقولان له ما دينك، فيقول ديني الإسلام،
فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم) أي أرسل إليكم يعنون محمداً وَّر وفي العبارة فتنة
للمؤمن، وامتحان للموقن حيث أتيا بصيغة الجهالة ولم يذكراه بصفة النبوة والرسالة، ولعل هذا
بالنسبة إلى بعض الناس إذ ورد في بعض الأحاديث أنهما قالا له ومن نبيك (فيقول هو رسول
الله) وفي رواية محمد نبي (فيقولان له وما علمك) أي بما قلت: أو ما سبب علمك برسالته أو
ما سبب اقرارك أمجرد التقليد في التصديق، أو البرهان والتحقيق. (فيقول قرأت كتاب الله
فآمنت به) أي بالكتاب أو بالرسول أو بما فيه وعلمت، جميع ما ذكرت من معانيه (وصدقت)
أي تصديقاً قلبياً وما اكتفيت بالإِيمان اللساني، وهو أولى من قول ابن حجر أو تأكيد لما تقرر
في محله أن التأسيس أولى من التأكيد [عند أرباب التأييد]. (فينادي مناد من السماء) أي على
لسان الحق (أن صدق عبدي) أن تفسيرية لأن في النداء معنى القول وجعلها مصدرية، يخل
بالمعنى لأنه يخل بأنه ينادي مناد بصدق عبدي (فافرشوه) بقطع الهمزة أي أعطوه فراشاً أو
افرشوا له فراشاً فالهمزة لتأكيد التعدية، ففي القاموس أفرش فلاناً بساطاً بسطه له كفرشه فرشاً
وفرشه تفريشاً، وأما قول ابن حجر أي افرشوا قبره فغير صحيح لما ذكرناه ولما في القاموس
أيضاً فرشه فرشاً وفراشاً أي بسطه وتوضيحه أن المفروش لا يكون إلا البساط والقبر ليس إلا
مفروشاً فيه، وأما المستعمل في لسان أهل الزمان من العرب، أفرشوا البيت فاتساع في الكلام
وقولهم البيت مفروش أي مفروش فيه (من الجنة) أي من فرشها (والبسوه) بهمزة القطع أي
اكسوه (من الجنة) أي من ثيابها (وافتحوا له) أي لأجله (باباً) أي من القبر (إلى الجنة) أي
جهتها وأما ما وقع في أصل ابن حجر من الجنة فمن سهو القلم (قال: فيأتيه من روحها) بفتح
الراء أي نسيمها (وطيبها) أي رائحتها وأما قول ابن حجر روحها مر بيانه فموهم جواز ضم الراء
وليس كذلك وقوله وطيبها تأكيد فغفلة عن التحقيق الثابت بالتأييد (فيفسح) بالتخفيف

٩٤
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
/ ٦٠١٠
له في قبره مدَّ بصرِه)) قال: ((ويأتيهِ رجلٌ حسنُ الوَجِهِ، حسَنُ الثيابِ، طيّبُ الرِّيحِ، فيقولُ:
أبشرْ بالذي يسرُّكَ، هذا يومُكَ الذي كنتَ تُوعدُ. فيقولُ له: مَنْ أنتَ؟ فَوَجهُكَ الوجْهُ يجيءُ
بالخيرِ. فيقولُ: أنا عملُكَ الصَّالِحُ. فيقولُ: ربِّ أقِمِ الساعةَ! ربِّ أقم الساعةَ! حتى أرجِعَ
إِلى أهلي ومالي)). قال:
وتشدد (١) أي يوسع (له في قبره مد بصره) وهو مختلف باختلاف البصر المرتب على اختلاف
البصيرة (قال) أي النبي وَ لّ (ويأتيه) أي المؤمن (رجل) أي شيء على صورة رجل (حسن
الوجه حسن الثياب طيب الريح) كناية عن حسن عمله وخلقه (فيقول ابشر بالذي يسرك) أي بما
يجعلك مسروراً يعني مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر ببال بشر، قال تعالى: ﴿وإذا
رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيراً﴾ [الإِنسان - ٢٠] وأما تقدير ابن حجر أي يسرك ربك فغفلة
عن مرجع الضمير كما هو ظاهر أنه محتاج إلى تقدير به أيضاً، وإذا صح الكلام بلا تقدير فلا
يقدر والنسبة المجازية غير عزيزة في الكتاب والسنة، واللغة العربية ومنه قوله تعالى: ﴿بقرة
صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ﴾ [البقرة - ٦٩] (هذا) [أي] الوقت (يومك) أي زمانك
المحمود (الذي كنت توعد) أي به في الدنيا قال تعالى: ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق
المرسلون ﴾ [يس - ٥٢] (فيقول) أي المؤمن (له من أنت) حيث آنست الغريب وبشرت بالخير
العجيب قال الطيبي لما سره بالبشارة قال له إني لا أعرفك من أنت حتى أجازيك بالثناء
والمدح، ثم قال وقوله من أنت متضمن معنى المدح مجملاً وفيه نظر إلا أن يقال إنه بمعونة
المقام وقرينة الحال ثم قال والفاء (في فوجهك) لتعقيب البيان بالمجمل على عكس قول
الشقي، للملك من أنت (الوجه) أي وجهك هو الكامل في الحسن والجمال والنهاية في الكمال
وحق لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير ويبشر بمثل هذه البشارة وقوله (يجيء بالخير) جملة
استئنافية وقيل الموصول(٢) مقدر أي وجهك الوجه الذي يجيء بالخير (فيقول) أي المصوّر
بصورة الرجل (أنا عملك الصالح فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة) التكرار للالحاح
في الدعاء (حتى أرجع إلى أهلي) أي من الحور العين والخدم (ومالي) يحتمل أن تكون ما
موصولة أي مالي من القصور والبساتين، وغيرهما من حسن المآل ومما يطلق عليه اسم المال
أو المراد بالأهل(٣) أقاربه من المؤمنين، وبما لي ما يشمل الحور والقصور قال الفقيه أبو الليث
يعني إلى الجنة وقال الطيبي: لعله عبارة عن طلب احيائه لكي يرجع إلى الدنيا، ويزيد في
العمل الصالح والانفاق في سبيل الله، حتى يزيد ثواباً ويرفع في درجاته. اهـ. وتبعه ابن حجر
وفيه أن حمل الساعة على غير القيامة في غاية من الغرابة وقال ميرك: الأصوب أن يقال طلب
إقامة القيامة لكي يصل إلى ما أعد له من الثواب، والدرجات ويؤيده ما ذكر في الكافر حكاية
عنه رب لا تقم الساعة لكي يهرب به عما يعد له من العقاب، (قال) يعني النبي ◌َّر وهذا
١٩/١/١٠٧
(١) في المخطوطة ((يشرو)).
(٣) في المخطوطة ((أهلية)).
(٢) في المخطوطة ((الوصول)).
٠٠٠
محمـ

٩٥
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
((وإِنَّ العَبدَ الكافرَ إِذا كانَ في انقطاع من الدنيا، وإقبالٍ منَ الآخرةِ، نزلَ إِليهِ منَ السماءِ
ملائكةٌ سُودٌ الوُجوهِ، معهُم المُسوحُ، فيجلسونَ منه مدَّ البَصرِ، ثمَّ يجيءُ ملكُ الموتِ،
حتى يجلسَ عندَ رأسِه، فيقولُ أيَّتُها النَّفسُ الخَبيثة! اخرُجي إِلى سُخطٍ منَ اللَّهِ)) قال:
((فتفرَّقُ في جسدِه، فينتزِعُها كما يُنزَعُ السَّفُودُ منَ الصُّوف المبلولِ، فيأخُذُها. فإِذا أخذَها لمْ
يَدعُوها في يده طرفةَ عينٍ، حتى يجعَلوها في تلكَ المسوحِ، وتخرُجُ منها كأنْتنِ ريحٍ جِيفَةٍ
وُجِدتْ على وجهِ الأرضِ، فيصعدُونَ بها، فلا يُمرّونَ بها على مَلاٍ منَ الملائكةِ، إِلاَّ قالوا:
ما هذا الرُّوحُ الخَبِيثُ؟ فيقولونَ: فُلانُ ابنُ فلانٍ، بأقبح أسمائِه التي كانَ يسمَّى بها
موجود في النسخ كلها وفي الروايات جميعها، لأنه أول القصة الثانية، (وإن العبد الكافر إذا
كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة) أي من ملائكة العذاب
(سود الوجوه) إظهاراً للغضب بما يناسب عمله، أو انعكاساً من قبله (معهم المسوح) جمع
المسح بالكسر وهو اللباس الخشن (فيجلسون منه مد البصر) انتظار الخروج روحه (ثم يجيء
ملك الموت، حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة) أي خبيثة الخصال غير مرضية
الأعمال (اخرجي إلى سخط من الله) أي إلى آثار غضب الله، من أنواع عقابه (قال) أي النبي
وَ لّ (فتفرق) بحذف إحدى التاءين أي الروح (في جسده) قال الطيبي: أي كراهة الخروج إلى ما
يتسخن عينه من العذاب الأليم، كما أن روح المؤمن تخرج وتسيل كما تسيل القطرة من السقاء
فرحاً إلى ما تقر (١) به عينه من الكرامة. اهـ. وتسخين العين كناية عن الخوف كما أن قرة العين
عبارة عن السرور، ولذا قالوا دمع الحزن حار ودمع الفرح بارد (فينتزعها) أي ملك الموت
يستخرج روحه بعنف وشدة ومعالجة (كما ينزع) بالبناء للمجهول في رواية كما ينتزع (السفود)
كتنور أي الشوك أو الحديدة، التي يشوى بها اللحم. (من الصوف المبلول) قال الطيبي: شبه
نزع روح الكافر من أقصى عروقه بحيث يصحبه العروق كما قال في الرواية الأخرى: وتنزع
نفسه مع العروق بنزع السفود وهو الحديدة التي يشوى بها اللحم، فيبقى معها بقية من
المحروق فيستصحب عند الجذب شيئاً من ذلك الصوف مع قوّة وشدة وبعكسه شبه خروج
روح المؤمن من جسده، بترشح الماء وسيلانه من القربة المملوءة ماء مع سهولة ولطف.
(فيأخذها) أي ملك الموت (فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين) أي مبادرة إلى الأمر.
(حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج) بالتذكير والتأنيث (منها) أي من روح الكافر عند
خروجها من جسده (كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها) افتضاحاً لها
وإظهاراً لرداءتها (فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيث فيقولون
فلان [ابن فلان] بأقبح أسمائه) أي يذكرونه بأشنع أوصافه (التي كان يسمى) وفي نسخة كانوا أي
أهل السماء يسمون أي يسمونه وفي نسخة السيد بفتح الميم فالضمير أن لي الكافر (بها) أي
(١) في المخطوطة ((بقر)).

٩٦
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
في الدنيا، حتى يُنتهى به إلى السماءِ الدنيا، فيستفتحُ له، فلا يُفتَحُ له))، ثمَّ قرأ رسول اللَّهِ
وَلَى: ﴿لَا تُفْتَّحُ لَهُمْ أبوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلونَ الجنَّةَ حتى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ ﴾
((فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: اكتبوا كتابَه في سجِينٍ، في الأرضِ السُّفلى، فتُطرَحُ رُوحُه طرحاً» ثمَّ
قرأ: ﴿ومَنْ يُشْرِكْ باللَّهِ فَكأَنَّما خَرَّ منَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهوي بهِ الرِّيحُ في مَكانٍ
سَحِيقٍ﴾ ((فتُعادُ روحُه في جسدِه، ويأتيهِ ملَكانٍ، فيُجلِسانه، فيقولان له: مَنْ رِبُّكَ؟
بتلك الأسماء (في الدنیا حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا) أي القربی (فیستفتح له فلا يفتح له،
ثم قرأ رسول الله وَ﴾) أي استشهاداً على ذلك (قوله تعالى) ﴿الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا
عنها﴾ ﴿لا تفتح﴾ بالتأنيث مع التشديد قراءة الجمهور، ومع التخفيف قراءة البصري وبالتذكير
والتخفيف قراءة حمزة والكسائي (لهم) أي للكفار ﴿أبواب السماء﴾ أي شيء منها ﴿ولا
يدخلون الجنة حتى يلج ﴾ أي يدخل ﴿الجمل في سم الخياط﴾(١) أي خرقه وثقبه قال
الطيبي: سم الأبرة مثل في ضيق المسلك والجمل مثل في عظم الجرم فهو تعليق بالمحال.
اهـ. وذلك بأن دخول ذلك الجرم العظيم مع بقائه على عظمته في ذلك الخرق الضيق جداً مع
بقائه على ضيقه محال عقلاً قال ابن حجر: فكذلك دخولهم الجنة محال لذلك. اهـ. وهو غير
صحيح لأن دخولهم الجنة ليس محالاً لذاته إنما هو محال لغيره وهو أن الله تعالى أخبر أنه (أنه
لا يغفر أن يشرك به) ولا يدخل الكافر الجنة أبداً وأما العقل فيجوّزه لولا النقل نعم العقل
الكامل أيضاً، لا يجوّز التسوية بين المؤمن، والكافر ولذا ذم الله تعالى الكفار بقوله تعالى: ﴿أم
حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ [الجاثية - ٢١]
الآية وبقوله عزَّ وجلَّ: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم
نجعل المتقين كالفجار﴾ [ص - ٢٨] (فيقول الله عزَّ وجلَّ اكتبوا كتابه في سجين) قيل: هو
موضع فيه كتاب الفجار، من قعر النار (في الأرض) حال لازمة أو بدل باعادة الجار بدل كل
من بعض (السفلى) أي السابعة وفيه إشارة إلى محل جهنم، وهو الأشهر من خلاف طويل فيه
لكن قال بعض المحققين: الجامعين بين المعقول والمنقول لم يصح في ذلك شيء فينبغي لنا
الإمساك عنه. (فتطرح) أي ترمى (روحه طرحاً) أي رمياً شديداً(٢) (ثم قرأ رسول الله (وَلا﴿) أي
اعتضاداً للمبالغة (﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي﴾) أو للتنويع
أو للتخيير في التمثيل أي ترمي (به الريح في مكان سحيق) أي بعيد أو عميق قال الطيبي: أي
عصفت به الريح أي هوت به في بعض المطارح البعيدة وهذا استشهاد مجرد لقوله وَالر: في
سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحاً لا أنه بيان لحال الكافر حينئذ لأنه شبه في الآية
من يشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التي توزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان
الذي يغويه ويطرح به في وادي الضلالة بالريح الذي هو يهوي بما عصف به في بعض
المهاوي لمتلفة، (فتعاد روحه) في جسده (ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك
(١) سورة الأعراف - آية رقم ٤٠.
(٢) في المخطوطة ((بشدة).

٩٧
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
فيقولُ: هاه هاه، لا أدْرِي. فيقولان له: ما دينك؟ فيقولُ: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما
هذا الرَّجلُ الذي بُعِثَ فيكم؟ فيقولُ: هاه هاه، لا أذرِي. فيُنادي مُنادٍ منَ السماءِ: أنْ كذَبَ،
فأفرشوهُ منَ النَّارِ، وافتَحوا له باباً إِلى النارِ، فيأتيهِ منْ حرِّها وسَمومِها، ويضيقُ عليه قبرُه حتى
تختلفَ فيه أضلاعُه، ويأتيهِ رجلٌ قبيحُ الوَجهِ، قبيحُ الثياب، مُنتنُ الرِّيحِ، فيقولُ: أبْشِرْ بالذي
يسُوؤكَ، هذا يومُكَ الذي كنتَ توعَدُ. فيقولُ: مَنْ أنتَ؟ فَوَجهُكَ الوَجهُ يجيءُ بالشرِّ.
فيقولُ: أنا عملُكَ الخَبيثُ. فيقولُ: ربِّ! لا تُقِمِ السَّاعةَ)). وفي روايةٍ نحوُه وزادَ فيهِ: ((إِذا
خرّج روحُه
فيقول هاه هاه) بسكون الهاء الأخير فيهما وهو كلام المبهوت، المتحير في الجواب ولذا
صرح وقال: (لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان) أي له كما
في نسخة (ما هذا الرجل الذي بعث فيكم) أي أرسل إليكم (فيقول هاه هاه لا أدري
فينادي مناد من السماء أن كذب) أي كذب في نفي الدراية عنه مطلقاً بل عرف الله
وأشرك به، وتبين له الدين، وما تدين به وظهرت رسالة النبيِّ بالمعجزات عنده وما
أطاعه أو الكذب باعتبار أن معنى لا أدري لم يكن لي قابلية دراية بالأمور المذكورة،
وهذا كذب محض منهم فإنهم تركوا هذا العلم باختيارهم، والله أعلم (فافرشوه من النار)
وفي رواية السيوطي والبسوه من النار. (وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها) أي
يأتيه بعض حرها في قبره وأما تمامه ففي الآخرة قال تعالى: ﴿ولعذاب الآخرة أشد
وأبقى﴾ [طه - ١٢٧] وقال عزَّ وجلَّ: ﴿ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون أشد
العذاب ﴾ [غافر - ٤٦] وأما قول ابن حجر فيأتيه عذاب عظيم، فتقدير من غير تحرير
وتقرير (وسمومها) أي شدة حرارتها وظاهر المقابلة أن سمومها ممزوج بالنتن والعفونة
(ويضيق) بالتشديد (عليه قبره حتى تختلف فيه) أي في قبره أو في بدنه (أضلاعه) أي
عظام جنبيه وأما ضغطة القبر لبعض المؤمنين، بل الأكابر الموحدين كسعد ابن معاذ سيد
الأنصار الذي حمل جنازته سبعون ألف ملك، واهتز لموته عرش الرحمن فإنما هو ضمة
للأرض كمعانقة الأم المشتاقة لولدها، وأما قول ابن حجر أي دائماً أو غالباً وأن الجمع
بين الضيق والضم من خصائص الكفار فعن التحقيق بعيد وبالنسبة إلى الأكابر غير سديد
والله الموفق. (ويأتيه رجل) أي له (قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول ابشر
بالذي يسوؤك هذا يومك) أي اليوم (الذي كنت توعد) أي في الدنيا كما مر (فيقول من
أنت فوجهك الوجه) أي الكامل في القبح (يجيء بالشر) وفي رواية الذي يجيء بالشر
(فيقول أنا عملك الخبيث) أي المركب من خبث(١) عقائدك، وأعمالك وأخلاقك
فالمعاني تتجسد وتتصوّر في قوالب المباني (فيقول رب لا تقم الساعة، وفي رواية نحوه)
أي معنى هذا اللفظ (وزاد) أي الراوي (فيه) أي في نحوه (إذا خرج روحه) أي روح المؤمن
(١) في المخطوطة ((خبيثة)).

٩٨
.t.rmm
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
صلّى عليه كلُّ ملكِ بينَ السَّماءِ والأرضِ، وكلُّ ملكِ في السَّماءِ، وفُتحثْ له أبوابُ
السَّماءِ، ليسَ منْ أهلِ بابٍ إِلاَّ وهُم يدعونَ اللَّهَ أنْ يُعرَجَ بروحِهِ مِنْ قَبَلِهِم. وتُنزَعُ نفسُه -
يعني الكافرَ - معَ العُروقِ، فيلعنُه كلُّ ملكِ بين السَّماءِ والأرضِ، وكلُّ ملكِ في السَّماءِ،
وتُغلَقُ أبوابُ السَّماءِ ليسَ منْ أهلِ بابٍ إِلاَّ وهُم يدعونَ اللَّهَ أنْ لا يُعرِج روحَه منْ قِبَلِهِمْ)) .
رواه أحمدُ .
١٦٣١ - (١٦) وعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ كعبٍ، عن أبيه، قال: لمَّا حضرَتْ كعباً الوفاةُ
أتتْهُ أمُّ بشرٍ بنتُ البَراءِ بن مَعروُرٍ، فقالتْ: يا أبا
(صلى عليه) أي دعا له (كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء) أريد بها
الجنس (وفتحت) بالتخفيف ويشدد أي له كما في نسخة (أبواب السماء ليس من أهل
باب) أي من أبواب كل سماء (إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه) بالبناء للمفعول أي
يعرج الملائكة به،« ويصح كونه بناء للفاعل أي يعرج الله أي يأمر بعروجه (من قبلهم)
بكسر القاف وفتح الباء أي من جهتهم أي ليتبركوا به ويتشرفوا بمشايعته، وناهيك بهذا
تشريفاً وتعظيماً وجزاء وتكريماً. (وتنزع) بصيغة المجهول (نفسه) أي روحه (يعني الكافر
مع العروق) إشارة إلى كراهة خروجه، وشدة الجذب في نزع روحه، وكمال تعلقه بجيفة
بدنه (فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء) أي سماء الدنيا
(وتغلق) أي دونه (أبواب السماء) أي جميعها (ليس من أهل باب) أي من أبواب سماء
الدنيا وأما ما وقع في أصل ابن حجر من أهل سماء فسهو قلم (إلا وهم يدعون الله أن
لا يعرج روحه) بصيغة المجهول ويصح أن يكون للفاعل أي أن لا يصعد روحه (من
قبلهم) كراهة لظاهره وباطنه وأما قول ابن حجر، ومر في المؤمن بروحه والفرق واضح
فليس بظاهر إلا من جهة المعنى دون طريقة المبنى إلا إذا صحت الرواية بالبناء للفاعل
فيكون إشارة إلى وحدته وفي المؤمن إيماء إلى جمع من الملائكة في صحبته، (رواه
أحمد) قال ميرك: وهو حديث حسن وقال السيوطي: ورواه أبو داود في سننه والحاكم
في مستدركه، وابن أبي شيبة في مصنفه، والبيهقي في كتاب عذاب القبر والطيالسي وعبد
في مسنديهما وهناد بن السري في الزهد وابن جرير وابن أبي حاتم وغيره من طرق
صحيحة(١). اهـ. وأراد بقوله عبد عبد بن حميد أوّل من كتب في التفسير.
١٦٣١ - (وعن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه) قال الطيبي: هو كعب بن عمرو بن عوف
المازني الأنصاري شهد بدراً (قال) أي عبد الرحمن (لما حضرت كعباً الوفاة أتته) أي كعباً (أم
بشر بنت البراء بن معرور) أنصاري خزرجي أوّل من بايع ليلة العقبة الثانية، قبل قدوم النبيِّ وَّ
المدينة بشهر ومعرور بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى. (فقالت يا أبا
(١) ذكره في كنز العمال ٦٢٧/١٥ حديث رقم ٤٢٤٩٥.
الحديث رقم ١٦٣١ : أخرجه ابن ماجه ٤٦٦/١ حديث رقم ١٤٤٩.
٠

٩٩
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
عبدِ الرَّحمن! إِنْ لقيتَ فُلاناً فاقرَأ عليهِ مني السَّلامَ. فقالَ: غفرَ اللَّهُ لكِ يا أمَّ بشرٍ! نحنُ
أشغلُ منْ ذلكَ فقالت: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ! أَما سمعت رسولَ اللَّهِ وَرَ يقولُ: ((إِنَّ أرواحَ
المؤمنين في طَيرِ خُضرٍ تَعلُقُ بشجر الجنَّةِ))؟ قال: بَلى. قالتْ: فهوَ ذاك. رواه ابنُ ماجه،
والبيهقيُّ في كتاب ((البعثِ والنُّشور)).
عبد الرحمن) كنية كعب (إن لقيت) أي بعد موتك (فلاناً) أي روحه الظاهر أنها تعني
أباها البراء ثم رأيت ما يدل على أن المراد به ولدها بشر، وهو ما أخرج ابن أبي الدنيا
عن أبي لبيبة قال: لما مات بشر بن البراء بن معرور وجدت أمه وجداً شديداً فقالت: يا
رسول الله لا يزال الهالك يُهلك، من بني سلمة فهل تتعارف الموتى فأرسل إلى بشر
بالسلام، قال: نعم والذي نفسي بيده أنهم يتعارفون كما يتعارف الطير في رؤوس
الأشجار، وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر فقالت يا فلان عليك
السلام فيقول وعليك فتقول اقرأ على بشر مني السلام. (فاقرأ عليه السلام) وفي رواية
فاقرئه مني السلام (فقال) أي لها كما في رواية (غفر الله لك يا أم بشر نحن أشغل من
ذلك فقالت: يا أبا عبد الرحمن أما سمعت رسول الله ◌َليم يقول إن أرواح المؤمنين في
طير خضر) قال الطيبي: جواب عن اعتذاره بقوله نحن أشغل أي لست(١) ممن يشتغل
عما كلفتك بل أنت ممن قال: فيه رسول الله وَلقر: كيت وكيت (تعلق) بضم اللام
(بشجر الجنة) أي تتعلق بأشجارها وتمتع بأثمارها، وفي حديث أن أرواح المؤمنين في
حواصل طير خضر ترعى في الجنة، وتأكل من ثمارها وتشرب من مياهها وتأوي إلى
قناديل من ذهب، تحت العرش(٣) قال القرطبي: وذهب بعض العلماء إلى أن أرواح
المؤمنين كلهم في الجنة، يعني أنه غير مختص بالشهداء ولذلك سميت جنة المأوى،
لأنها تأوي إليها الأرواح، وهي تحت العرش فيتنعمون بنعيمها، ويشمون بطيب ريحها
قال الطيبي: الجوهري: علقت الابل العضاة تعلق بالضم، إذا تشبثتها وتناولتها بأفواهها،
ومنه الحديث أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ورق الجنة. اهـ. كلامه
ولعل الظاهر أن يقال تعلق من شجر الجنة وتعديته بالباء تفيد الاتصال لعله كنى به عن
الأكل لأنها إذا اتصلت بشجر الجنة، وتشبثت بها أكلت من ثمرها قال النووي: وفيه أن
الجنة مخلوقة موجودة وهو مذهب أهل السنة، وقال القاضي عياض: وفيه أن الأرواح
باقية لا تفنى فينعم المحسن ويعذب المسيء، وقد جاء به القرآن والآثار. اهـ. وفي
رواية فقالت: أما سمعت رسول الله * يقول إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث
شاءت ونسمة الكافر في سجين (قال بلى قالت فهو ذاك) وفي نسخة فهو ذلك (رواه ابن
ماجه والبيهقي في كتاب البعث والنشور) قال السيوطي والطبراني بسند حسن.
(١) في المخطوطة ((ليس)).
(٢) أخرجه الترمذي فى السنن الحديث رقم ١٦٤١.

١٠٠
كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند من حضره الموت
١٦٣٢ - (١٧) وعنه، عن أبيه، أنَّه كانَ يُحدثُ أنَّ رسولَ اللهِوَ لَ قال: ((إِنَّما نَسمة
المؤمنِ طَيرٌ تغْلُقُ في شجرِ الجنَّةِ، حتى يُرجعَه اللَّهُ في جسدِهِ يومَ يَبعثُه)). رواه مالكٌ
والنَّسائيُّ، والبيهقيُّ في كتاب ((البعث والنشورِ)).
١٦٣٢ - (وعنه) أي عن عبد الرحمن (عن أبيه) أي كعب (إنه كان يحدث أن رسول الله
وَس* قال: إنما نسمة المؤمن) قال النووي: النسمة تطلق على ذات الإنسان جسماً وروحاً على
الروح مفردة وهو المراد: هنا لقوله حتى يرجعه الله في جسده. (طير) وفي رواية طائر قال
الطيبي: وفي رواية في جوف طير خضر، وفي أخرى كطير خضر وفي أخرى بحواصل طير
وفي أخرى في صورة طير بيض. قال القاضي عياض: والأشبه أو الأصح قول من قال: طيراً
أو صورة طير، وهو الأكثر لا سيما مع قوله وَّر في حديث ابن مسعود وتأوي إلى قناديل تحت
العرش(١)، وليس هذا بمستبعد إذ ليس للأقيسة والعقول فيه حكم ومجال فإذا أراد الله، أن
يجعل من ذلك شيئاً قال له كن فيكون. وقيل: إن المنعم والمعذب جزء من البدن، يبقي فيه
الروح فهو الذي يؤلم، ويعذب ويتلذذ وينعم، ويقول رب ارجعون ويسرح من(٢) شجر الجنة
في جوف طير، أو في صورته وفي قناديل تحت العرش، كل ذلك غير مستحيل في قدرة الله
تعالى وقيل: المراد من نسمة المؤمن أرواح الشهداء لأن هذا صفتهم لقوله تعالى: ﴿ولا
تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ﴾ [آل عمران - ١٦٩] أما
غيرهم فإنما يعرض عليه مقعده بالغدوة والعشي، وقيل: بل المراد جميع المؤمنين الذين
يدخلون الجنة بغير عذاب، لعموم الحديث (تعلق) بالتأنيث والتذكير قال السيوطي: تعلق بضم
اللام أي تأكل العلقة بضم المهملة وهي ما يتبلغ به من العيش أي تسرح. (في شجر الجنة حتى
يرجعه الله في جسده) أي يرده إليه ردّاً كاملاً في بدنه (يوم يبعثه رواه مالك والنسائي والبيهقي،
في كتاب البعث والنشور) قال السيوطي: والنسائي بسند صحيح، ورواه الترمذي بلفظ أن
أرواح الشهداء، في طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة (٣). وقال القرطبي: في
حديث كعب نسمة المؤمن، طائر يدل على أن نفسها يكون طائراً أي على صورته لا أنها تكون
فيه، ويكون الطائر ظرفاً لها وكذا في رواية عن ابن مسعود عند ابن ماجه أرواح الشهداء عند
الله، كطير خضر(٤) وفي لفظ عن ابن عباس تحوّل في طير خضر ولفظ ابن عمرو في صور طير
بيض وفي لفظ عن كعب أرواح الشهداء طير خضر قال القرطبي: وهذا كله أصح من رواية
جوف طير. وقال القابسي: أنكر العلماء رواية في حواصل طير خضر، لأنها حينئذ تكون
الحديث رقم ١٦٣٢: أخرجه النسائي في السنن ١٠٨/٤ حديث رقم ٢٠٧٣. وابن ماجه ١٤٢٨/٢ حديث
رقم ٤٢٧١. ومالك في الموطأ ١/ ٢٤٠ حديث رقم ٤٩ من كتاب الجنائز. وأحمد في المسند ٣/
٤٥٥.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٥٠٢ حديث رقم ١٨٨٧.
(٢) في المخطوطة ((في)).
(٤) أبو داود في السنن.
(٣) راجع الحديث رقم (١٦٤١).