النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
كتاب الطهارة / باب أحكام المیاه
مثلَ زِرِ الحَجَلة. متفق عليه
أخذها مغيا بنزوله لزوال شبهتهم حينئذ المجوّزة لقبولها منهم. قيل: لا تتم تلك التسمية إلا لو
كان الخاتم من خصائصه وَلتر، وأما إذا ورد أن لكل نبي خاتماً فلا يتم. اهـ. ويرد بأن من
خصائصه هذا الخاتم المخصوص في محله المخصوص الدال على تميزه عنهم فإن خواتيمهم
كانت في أيمانهم كما رواه الحاكم عن وهب بن منبه، وشتان ما بين بعدها من القلب وقرب
خاتمه عليه الصلاة والسلام منه. وقوله: ((بين كتفيه)) أي تقريباً حتى لا ينافي رواية مسلم أنه
عند نغض كتفه الأيسر بنون مضمومة وتفتح فمعجمتين وهو أعلى الكتف، أو العظم الرقيق
الذي على طرفه، أو ما يظهر منه عند التحرك أقوال؛ قال السهيلي: وكونه عند نغض كتفه
الأيسر هو الصحيح، وأشار بذلك إلى رد رواية أنه كان عند كتفه الأيمن، وحكمة الأولى أن
ذلك المحل فوق القلب فبختمه لا يمكن تطرق شيء إلى القلب بوجه من الوجوه (مثل) نصب
بنزع الخافض أي كمثل، وقيل: بالرفع على أنه خبر محذوف هو هو، ويؤيده ما في الشمائل
فإذا هو مثل (زر الحجلة))).
قال ابن الملك: الزر بتقديم الزاي المكسورة على الراء المشددة وأحد الأزرار التي تشد
على ما يكون في حجلة العروس بالحاء والجيم وهي بفتحتين بيت كالقبة يستر بالثياب، ويكون
له أزرار كبار. قلت: وتسمية أهل مكة الآن الناموسية، قال ميرك: وهذا ما عليه الجمهور،
وقيل: بتقديم الراء المهملة على الزاي [بمعنى البيض والحجلة هي القبجة وهي طائر معروف
كذا ذكره ابن الملك، وقال ميرك: وذكر الخطابي أنه روي بتقديم الراء على الزاي]، وقال ملا
حنفي: إن البخاري ذكر في الصحيح أن الصحيح الراء قبل الزاي، وقال التوربشتي: قيل:
المراد واحد الأزرار التي يشد بها في حجال العرائس من الحلل والستور وهذا بعيد من طريق
البلاغة قاصر في التشبيه والاستعارة، ثم أنه لا يلائم الأحاديث المروية في خاتم النبوة. وقيل:
المراد بيضة الحجلة وهي القبجة، وهذا القول يوافق الأحاديث الواردة في هذا الباب غير أن
الزر بمعنى البيض لم يوجد في كلام العرب، وقيل: إنما هو رز بتقديم الراء على الزاي من
رززت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض وألقت بيضها، وهذا أشبه بما في الحديث إلا أن
الرواية لم تساعده؛ والذي ينصر القول الثاني ما رواه الترمذي في كتابه عن جابر بن سمرة ((كان
خاتم رسول الله وَ﴿ بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة))(١)، قيل: يكفي المشابهة في
بعض الوجوه وهو أن يكون شيئاً ناتئاً من الجسد له نوع مشابهة بزر الحجلة كذا قاله الطيبي.
(متفق عليه).
قال ابن حجر: وفي روايات ما قد يخالف ما مر من كونه مثل زر الحجلة كرواية مسلم
((جمع عليه خيلان كأنها الثآليل السود، وروايته أيضاً ((كبيضة الحمامة)) (٢) ورواية صحيح الحاكم
(١) أخرجه الترمذي ٥/ ٥٦٢ حديث ٣٦٤٤ وقال حسن صحيح.
(٢) مسلم ٤/ ١٨٢٤.
96يوم
٥٠٠٣

١٦٢
١٣٧٠
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
البندقة))، وصحيح الترمذي ((كالتفاحة كأثر المحجم القابضة على اللحم))، وابن أبي خيثمة
((شامة خضراء محتفرة في اللحم))، وله أيضاً ((شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات
متراكبات كأنها عرف الفرس))، والقضاعي ((ثلاث شعرات مجتمعات))، والترمذي الحكيم
(«كبيضة حمام مكتوب في باطنها الله وحده لا شريك له، وفي ظاهرها توجه حيث كنت فإنك
منصور))، وابن عائذ ((كان نوراً يتلألأ))، وابن أبي عاصم ((كالنقطة التي أسفل منقار الحمامة)»،
وتاريخ نيسابور ((مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم محمد رسول الله)). ليس هذا
الاختلاف في مقداره حقيقياً بل كل شبه بما سنح له، والكل مؤد والمراد واحد، وهو قطعة
لحم. ومن قال: شعر، فلأن الشعرات حوله متراكبة عليه شاخصة في جسده قريبة من بيضة
الحمامة، وفي رواية جمع الكف معناها أنه على هيئته لكنه أصغر منه، ورواية أنه كالمحجم أو
كالشامة السوداء أو الخضراء مكتوب عليه ما مر لم يثبت منها شيء، وغلط ابن حبان في
تصحيحه ذلك، وكذا من ذكر الكتابة هنا فإنه اشتبه عليه ذلك بخاتم يده الذي کان یختم به.
اهـ. وفيه أن الحمل عليه بعيد جداً، والأقرب أن يقال: الكتابة كانت معنوية أو صورية لكنها
كانت تدركها البصيرة النورية، ثم قال: وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم وكيف وضع
ومن وضعه في حديث أبي ذر عند البزار وغيره قال: قلت: يا رسول الله كيف علمت أنك نبي
وبم علمت حتى استيقنت؟ قال: ((أتاني آتيان، وفي رواية ((ملكان وأنا ببطحاء مكة فوقع
أحدهما بالأرض وكان الآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو
هو، فمر به رجل)) الحديث. وفيه ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه فشق بطني فأخرج قلبي
فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء
واغسل قلبه غسل الملاء أي الثوب الذي يتردى به، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه فخاط
بطني وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن، وولياً عني وكأني أرى الأمر معاينة))(١)، وعند
أحمد وصححه الحاكم ((استخرجا قلبي فشقاه فاخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما:
ائتني بماء وثلج فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء وبرد فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني
بالسكينة فزادها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه فخاطه وختم عليه بخاتم النبوّة؟
وبهذا يعلم أن القاضي عياضاً لم يعلق في قوله: هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه عليه
الصلاة والسلام لأن بين ظرف للخاتم لا للشق؛ فالحاصل أن الخاتم بين الكتفين [إجماعاً،
وأن الشق لما وقع في صدره ثم خيط حتى التأم كما كان، ووقع الخاتم بين كتفيه] كان ذلك
أثر الشق، وروى أبو نعيم أنه ختم به عند ولادته، وقيل: ولد به ولا منع من التعدد وزيادة أثر
ما في كل مرة والله أعلم.
(١) أخرجه البزار ١١٥/٣ حديث ٢٣٧١ (كشف الأستار).
٠

١٦٣
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
الفصل الثاني
٤٧٧ - (٤) عن ابن عُمر، قال: سُئلَ رسولُ اللهِّ عن الماءِ يكونُ في الفَلاةِ من
الأرضِ وما ينوبُه من الدَّوابِ والسّباع، فقالَ: ((إِذا كانَ الماءُ قُلَتينِ
(الفصل الثاني)
٤٧٧ - (عن ابن عمر قال: سئل رسول الله وَ ل﴿ عن الماء يكون) صفة أو حال (في الفلاة)
أي في الصحراء أو المحل الواسع (من الأرض وما ينوبه) عطف على الماء على سبيل البيان
نحو أعجبني زيد وكرمه، يقال: ناب المكان وأنابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى (من الدواب
والسباع) بيان لما قال الخطابي فيه دليل على أن سؤر السباع نجس وإلا لم يكن لسؤالهم
وجوابه بهذا الكلام معنى، وذلك لأن المعتاد من السباع إذا وردت المياه أن تخوض فيها وتبول
وربما لا تخلو أعضاؤها من لوث أبوالها ورجيعها ذكره الطيبي، والأوّل مذهبنا والثاني مذهب
الشافعي (فقال) عليه الصلاة والسلام: ((إذا كان الماء قلتين))).
قيل: القلة الجرة الكبيرة التي تسع مائتين وخمسين رطلاً بالبغدادي؛ فالقلتان خمسمائة
رطل، وقيل: ستمائة، وقال ابن الملك: القلة معروفة بالحجاز. قلت: ولعلها كانت معروفة
فيه، وقال القاضي: القلة التى يستسقى بها [سميت بذلك] لأن اليد تقلها، وقيل: القلة ما
يستقله البعير كذا ذكره الطيبي، وفي رواية ((أربعين قلة غرباً))، أي دلوا وهي إن لم تصح موقعة
للشبهة، ورواية ((إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر)) مع عدم صحتها لا تخلو عن المجهولية،
وحمل بعضهم حديث القلتين على الجاري هذا، وترك ظاهر الحديث في المتغير بنجاسة
لوجود الإجماع أو لخبر ((الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على طعمه أو لونه أو ريحه))،
وقيل: الاستثناء فيه ضعيف اتفاقاً. وقال الطحاوي من علمائنا خبر القلتين صحيح وإسناده ثابت
وإن تركناه لأنا لا نعلم ما القلتان؟ ولأنه روى قلتين أو ثلاثاً على الشك، وقال ابن الهمام:
الحديث ضعيف(١) وممن ضعفه الحافظ ابن عبد البر والقاضي إسماعيل بن إسحاق وأبو بكر
الحديث رقم ٤٧٧: أخرجه أحمد في مسنده ٢٧/٢. وأخرجه أبو داود في السنن ٥١/١ حديث رقم ٦٣.
وأخرجه الترمذي في السنن ١/ ٩٧ حديث رقم ٦٧. وأخرجه النسائي في السنن ٤٦/١ حديث رقم
٥٢ عن ابن عمر عن أبيه. وأخرجه الدارمي في السنن ٢٠٢/١ حديث رقم ٧٣٢. وأخرجه ابن
ماجة في السنن ١٧٢/١ حديث رقم ٥١٧.
(١) نقل ابن الهمام في فتح القدير تضعيف الحديث ١/ ٧٥ لاضطراب في السند، إلا أن الإمام الخطابي
في معالم السنن رد هذا التوهم ونقل تصحيح الحديث عن كبار الأئمة وقد فصل الإِمام الدارقطني
القول في سننه واستوفاها ١٧/١

997
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
١٦٤
لم يَحْمِلِ الخَبَثَ)).
/١٢٣٧٢/
ابن العربي المالكيون. اهـ. ولا يخفى أن الجرح مقدم على التعديل كما في النخبة فلا يدفعه
تصحيح بعض المحدثين ممن ذكره ابن حجر وغيره، وسئل ابن معين عنه قال: هو جيد وإن
لم يحفظه ابن علية، قال(١) ابن حجر: وما روي من أن زنجياً مات بزمزم فنزحها ابن عباس،
فإما ضعيف بل باطل كما بينه النووي، وإما محمول على أن دمه غير ماءها أو نزحها استحباباً
إذ المشهور عنه أن الماء قل أو كثر لا ينجس إلا بالتغير كما هو مذهب مالك واختاره جماعة
من أصحابنا وفيه فسحة عظيمة للناس مخالف لمفهوم حديث القلتين المذكور كما علمت. قال
المحقق ابن الهمام: وأما فتوى ابن عباس فرواها الدارقطني عن ابن سيرين ((أن زنجياً وقع في
زمزم، يعني مات فأمر به ابن عباس فأخرج وأمر بها أن تنزح قال: فغلبتهم عين جاءت من
الركن، قال: فأمر بها فسدت بالقباطي والمطارق حتى نزحوها، فلما نزحوها انفجرت
عليهم)»(٢) فهو مرسل لأن ابن سيرين لم ير ابن عباس، ورواها ابن أبي شيبة عن هشيم عن
منصور عن عطاء وهو سند صحيح، ورواها الطحاوي عن صالح بن عبد الرحمن حدثنا سعيد
ابن منصور حدثنا هشيم حدثنا منصور عن عطاء ((أن حبشياً وقع في زمزم فمات فأمر عبد الله
ابن الزبير فنزح ماؤها فجعل الماء لا ينقطع، فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود،
فقال ابن سيرين حسبكم)). وهذا أيضاً صحيح باعتراف الشيخ به في الإِمام وما نقل عن ابن
عيينة ((كنت أنا بمكة منذ سبع سنين لم أر صغيراً ولا كبيراً يعرف حديث الزنجي الذي قالوا إنه
وقع في زمزم»، وقول الشافعي لا يعرف هذا عن ابن عباس وكيف يروي ابن عباس عن النبي
وَ لّر ((الماء لا ينجسه شيء)) ويتركه، وإن كان قد فعل فلنجاسة ظهرت على وجه الماء، أو
للتنظيف فدفع بأن عدم علمهما لا يصلح دليلاً في دين الله تعالى، ورواية ابن عباس ذلك
كعلمك أنت به فكما قلت: يتنجس ما دون القلتين لدليل آخر وقع عندك فلا تستبعد مثله من
ابن عباس، والظاهر من السوق ولفظ القائل مات فأمر بنزحها أنه للموت لا لنجاسة أخرى على
أن عندك أيضاً لا تنزح للنجاسة، ثم إنهما أي ابن عيينة والشافعي بينهما وبين ذلك الحدیث
قريب من مائة وخمسين سنة فكان إخبار من أدرك الواقعة وأثبتها أولى من عدم علم غيره،
وقول النووي: كيف يصل هذا الخبر إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة؟ استبعاد بعد وضوح
الطريق ومعارض بقول الشافعي لأحمد: أنتم أعلم بالأخبار الصحيحة منا فإذا كان خبر صحيح
فاعلموني حتى أذهب إليه كوفياً كان أو بصرياً أو شامياً فهلا قال: كيف يصل هذا إلى أولئك
ويجهله أهل الحرمين؟ وهذا لأن الصحابة انتشرت في البلاد خصوصاً العراق، قال العجلي في
تاريخه: نزل الكوفة ألف وخمسمائة من الصحابة، ونزل قرقيساً ستمائة وقرقيساً بالكسر ويقصر
بلد على الفرات على ما في القاموس (لم يحمل الخبث))) قال القاضي: الحديث بمنطوقه يدل
على أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس بملاقاة النجاسة؛ فإن معنى ((لم يحمل)) لم يقبل النجاسة
(١) في المخطوطة ((فقول)).
(٢) أخرجه الدار قطني ٣٣/١ حديث ١ من باب البئر إذا وقع فيها حيوان.

١٦٥
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
رواه أحمدُ، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، والدارميُّ، وابنُ ماجة.
وفي أخرى لأبي داود: ((فإِنَّه لا ينجُسُ)).
٤٧٨ - (٥) وعن أبي سعيد الخُدريّ، قال: قيل يا رسولَ الله! أنتوضَّأ من بِئْرِ
بُضاعَةَ، وهي بِرٌ يُلقى فيها الحِيَضُ، ولحومُ الكلاب،
كما يقال: فلأن لا يحمل ضيماً إذا امتنع عن قبوله، وذلك إذا لم يتغير فإن تغير نجس. ويدل
بمفهومه على أنه كان أقل ينجس بالملاقاة، وهذا المفهوم يخصص حديث ((خلق الماء طهوراً))
عند من قال بالمفهوم، ومن لم يقل به أجراه على عمومه كمالك فإن الماء قل أو كثر لا ينجس
عنده إلا بالتغير، وقيل: ((لم يحمل)) يحتمل أنه لضعفه لم يحمله أو لقوّته لم يقبله، وبالرواية
الثانية يترجح الثاني، قلت: الترجح يتوقف على أن لا تكون الرواية بالمعنى، وحمل الرواية
الشاذة على المعنى أولى والله أعلم. ويحتمل أن يكون مدرجاً من كلام أحد الرواة كما يدل
عليه الفاء التعليلية؛ فإن الحمل لما كان يحتمل أنه يكون من باب حمل الجسم كفلان لا يحمل
الحجر، أي لا يطيقه لثقله وأن يكون من باب حمل المعنى كفلان لا يحمل الغم، أي لا يقبله
ولا يصبر عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها﴾ [الجمعة - ٥]
أي لم يقبلوا أحكامها، علل الراوي بمقتضى رأيه وفهمه بقوله: فإنه لا ينجس. لكن يبقى أنه
حينئذ لم يبق لذكر القلتين فائدة بل ولا يكون الجواب كافياً شافياً. نعم لو قيل معنى ((لم يحمل
الخبث)) أنه لم يتغير صريحاً لصلح أن يكون حجة للمالكية ولظهر لذكر القلتين فائدة أغلبية.
(رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والدارمي وابن ماجة وفي أخرى لأبي داود ((فإنه لا
ينجس)))(١) بفتح الجيم ويجوز ضمها كذا في الأزهار، ورُوي الحديث موقوفاً على ابن عمر.
٤٧٨ - (وعن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة) بضم
الباء وأجيز كسرها وحكي أيضاً بالصاد المهملة، وهي بئر معروف بالمدينة قاله ابن الملك.
وقال الطيبي: نقلاً عن التوربشتي: بضاعة دار بني ساعدة بالمدينة وهم بطن من الخزرج،
وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها والمحفوظ في الحديث الضم (وهي بئر) بالهمزة ويبدل
(يلقى) يجوز فيه التذكير والتأنيث (فيها الحيض) بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيضة بكسر
الحاء وسكون الياء، وهي الخرقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض أو تستشفرها (ولحوم
الكلاب) قال الطيبي: ووجه معين يلقى فيها أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحتمل
أن ينزل فيها أهل البادية فتلقى تلك القاذورات بافنية منازلهم فيكسحها السيل فيلقيها في البئر،
فعبر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم وهذا مما لا يجوّزه مسلم، فأنى
(١) أبو داود ٥٢/١ حديث رقم ٦٥.
الحديث رقم ٤٧٨: أخرجه أحمد في مسنده ٣١/٣ وأخرجه الترمذي في السنن ٩٥/١ حديث رقم ٦٦.
وقال حديث حسن. وأخرجه أبو داود في السنن ١/ ٥٣ حديث رقم ٦٦. والنسائي في السنن ١/
١٧٤ حديث رقم ٣٢٦.
٥٩٩م
١
١ /١/٢٠٠٦
155
IWE

١٦٦
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
والنَّتنُ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الماءَ طَهورٌ لا يُنجِسُه شيء)). رواه أحمد، والترمذي،
وأبو داود، والنسائيّ.
٤٧٩ - (٦) وعن أبي هريرة، قال: سألَ رجلٌ رسولَ اللهِوَ لَه فقالَ: يا رسولَ الله! إِنا
نَركبُ البحرَ، ونحمِلُ معَنا القليل من الماءِ، فإِنْ توضَّأنا به
يظن ذلك بالذين هم أفضل القرون وأزكاهم؟ (والنتن؟) بفتح النون وسكون التاء وتكسر، وهي
الرائحة الكريهة والمراد بها هنا الشىء المنتن كالعذرة والجيفة، قيل: كانت السيول تكسح
الأقذار من الطرق والأفنية فتحملها وتلقيها في هذه البئر وكان ماؤها كثيراً سيالاً يجري بها،
فسألوا عن حكمها في الطهارة والنجاسة. (فقال رسول الله ويقول: إن الماء) قيل: الألف واللام
للعهد الخارجي، فتأويله أن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة، فالجواب مطابقي لا
عموم كلي كما قاله الإِمام مالك (طهور) أي طاهر مطهر كما تفيد صيغة المبالغة لكونه جارياً
في البساتين (لا ينجسه شيء))) أي ما لم يتغير بدليل الإجماع على نجاسة المتغير، فما جاء في
بعض الطرق أنه كان كنقاعة الحناء محمول على لون جوهر مائها، والشافعية يقولون: لأنها
كانت كثيرة الماء أضعاف القلتين فلا يخالف حديث ابن عمر. قال أبو داود: مددت فيه ردائي
فإذا عرضه ستة أذرع (رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي) قال السيد: هذا حديث
صحيح. اهـ. وفي المصابيح وروي عنه عليه الصلاة والسلام، أي في جواب السؤال المذكور
قال: ((خلق الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه))(١) قال شارحه ابن الملك،
قاس [الشافعي] اللون على الطعم والريح المنصوص عليهما في الحديث، وأغرب ابن حجر
في قوله: أخذ مالك بعموم هذا يلزم عليه الغاء العمل بمفهوم حديث القلتين مع عدم المسوّغ
[لذلك، قلت: المسوّغ] له أنه لم يقل بالمفهوم كما هو قول أئمتنا. ثم قوله: وقول أبي
حنيفة: إن الماء يتنجس مطلقاً إلا إذا عظم بحيث لا يتحرك طرفه بتحرك طرفه الآخر مخالف
لهذا الحديث ولمنطوق حديث القلتين لا يضر إذ ما خالفهما إلا وقد ثبت عنده ما يوجب
مخالفتهما، وقد تقدم علة القلة وعلة الامتناع عن الأخذ بعموم هذا الحديث مشتركة بين أبي
حنيفة والشافعي.
٤٧٩ - (وعن أبي هريرة قال: سأل رجل رسول الله وَ له فقال: يا رسول الله انا نركب
البحر) أي مراكبة من السفن (ونحمل معنا القليل من الماء) أي ماء الحلو (فإن توضأنا به
(١) مصابيح السنة ٢٢٥/١ حديث رقم ٣٣٠.
الحديث رقم ٤٧٩: أخرجه مالك في الموطأ ٢٢/١ كتاب الطهارة الحديث رقم ١٢. والترمذي في السنن
١/ ١٠٠ حديث ٦٩ وقال حسن صحيح وأخرجه النسائي في السنن ١/ ٥٠ حديث رقم ٥٩
وأخرجه ابن ماجة في السنن ١٣٦/١ حديث رقم ٣٨٦. وأخرجه الدارمي في السنن ١/ ٢٠١
حديث رقم ٧٢٩. وأخرجه أيضاً أبو داود في السنن ٦٤/١ حديث رقم ٨٣. وأحمد في مسنده ٢/
٣٦١.

١٦٧
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
عطِشنا، أفَنتوضَّأُ بماءِ البَحرِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((هو الطَّهورُ ماؤُه، والحِلُّ مَيْتَتُه)). رواه
مالكٌ، والترمذيّ، والنّسائي، وابن ماجة، والدارميّ.
٤٨٠ _ (٧) وعن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود أنَّ النبيَّ ◌ََّ قال له ليلةَ الجِنِّ: ((ما في
إِداوَتِك؟)) قال: قلتُ: نبيذٌ.
عطشنا) بكسر الطاء (أفنتوضأ بماء البحر؟) وهو ضد البر يعني أو نتيمم؟ (فقال رسول الله تليفون:
(هو) أي البحر (الطهور) أي المطهر (ماؤه) لأنهم سألوه عن تطهير مائه لا عن طهارته،
والحصر فيه. قلت: للمبالغة، وهذا يدل على أن التوضوء بماء البحر جائز مع تغير طعمه ولونه
كذا قاله ابن الملك. وفيه أن طعمه ولونه جبليان لا أنهما متغيران على ما هو الظاهر مع أن
التغير باللبث لا يضر، قال الطيبي نقلاً عن الزجاج: إن الطهور هو الماء الذي يتطهر به ولا
يجوز إلا أن يكون ظاهراً في نفسه مطهراً لغيره لأن عدولهم عن صيغة الفاعل إلى فعول أو
فعيل لزيادة معنى لأن اختلاف المباني لاختلاف المعاني كما في شاكر وشكور، لكن زيادة
الطهارة ليست بالنسبة إلى طاهر آخر هو أطهر منه، بل بالقياس إلى ما يتطهر به ففيه معنى
الطهارة والتطهير بخلاف طاهر، وإن كان القياس أن تعتبر زيادة الطهارة لأنه فعل لازم. وفي
شرح السنة في الحديث أن الطهور هو المطهر لأنهم سألوه عن التطهير، وقال مالك: الطهور
ما يتكرر فيه التطهير (١) كالصبور فجوّز الوضوء بالمستعمل. اهـ. وهو احتمال ضعيف لا
يصلح أن يكون حجة على الخصم، ولما سئل النبي ◌َّر عن ماء البحر وعلم جهلهم بحكم مائه
قاس جهلهم بحكم صيده مع عموم قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة - ٣] فزاد
في الجواب إرشاداً وهداية كما هو حال الحكيم العارف بالداء والدواء فقال: (والحل ميتته»)
فالميت من السمك حلال بالاتفاق وفيما عداه خلاف محله كتب الفقه (رواه مالك والترمذي
وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي) قال السيد: هذا حديث صحيح، وقال ابن حجر:
سنده صحيح، ومنه يؤخذ مع الخبر الصحيح وهو ((من لم يطهره ماء البحر فلا طهره الله)) أنه لا
كراهة في الطهارة به وإن كرهه جماعة من الصحابة، وخبر «تحت البحر نار وتحت النار بحر
حتى عد سبعة)) ضعيف اتفاقاً على أنه لو صح لم يكن دليلاً للكراهة.
٤٨٠ - (وعن أبي زيد) لم يذكره المصنف في أسمائه (عن عبد الله بن مسعود أن النبي
وَالر قال له) أي لعبد الله (ليلة الجن:) أي ليلة ذهب الجن بالنبي ◌َّ إلى قومهم ليتعلموا منه
الدين، وكان معه عبد الله بن مسعود، وفي رواية زيد بن ثابت («ما في ادواتك؟) أي أيّ شيء
في مطهرتك؛ في النهاية الإدواة بالكسر إناء صغير من جلد (قال:) أي ابن مسعود (قلت: نبيذ)
(١) في المخطوطة الطهر.
الحديث رقم ٤٨٠: أخرجه أبو داود في السنن ٦٦/١ حديث ٨٤. وأحمد في مسنده ١/ ٤٥٠ وأخرجه
الترمذي في السنن ١٤٧/١ حديث رقم ٨٨ واللفظ له. وأخرجه ابن ماجة في السنن بألفاظ متقاربة
١٣٥/١ حديث رقم ٣٨٤.
i

١٦٨
٤٢٦٠٠
٢٠٠٠٠
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
قال: ((تَمْرَةٌ طيّبةٌ وماءٌ طَهورٌ)). رواه أبو داود، وزاد أحمد، والترمذي: فتوضَّأَ منه.
وقال الترمذيّ: أبو زيد مجهولٌ، وصحَّ:
٤٨١ - (٨) عن عَلقمةَ، عن عبدِ الله بن مسعود، قال: لم أكُنْ ليلةَ الجِنّ معَ رسول
الله مالټ.
٠٫٤٥
وفي المصابيح نبيذ تمر، وهو ماء يلقى فيه تمرات ليحلو، وقيل: النبيذ هو التمر أو الزبيب
المنبوذ، أي الملقى في الماء لتتغير ملوحته ومرارته إلى الحلاوة (قال: تمرة طيبة وماء طهور)))
وزاد في المصابيح: ((وتوضأ منه»، وفيه دليل على أن التوضوء بنبيذ التمر جائز، وبه قال أبو
حنيفة خلافاً للشافعي إذا تغير (رواه أبو داود) قال ابن الهمام: وابن ماجة أيضاً (وزاد أحمد
والترمذي ((فتوضأ منه))) قال ابن الهمام: ورواه ابن أبي شيبة مطوّلاً(١) وفيه: ((هل معك من
وضوء؟ قلت: لا، قال: فما في ادواتك؟ قلت: نبيذ تمر، قال: تمرة حلوة وماء طيب، ثم
توضأ وأقام الصلاة)). اهـ. وكان حق المؤلف أن يأتي بقوله: ((فتوضأ منه)) أوّلاً كما هو في
المصابيح (٢)، ثم يقول: رواه أحمد والترمذي، ورواه أبو داود إلى ((طهور)) حتى لا يوهم أنه
ليس في المصابيح (وقال الترمذي: أبو زيد) أي الراوي هذا الحديث عن ابن مسعود (مجهول)
قال ابن الهمام: فيه أنه ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي أن أبا زيد مولى عمرو
بن حريث روى عنه راشد بن كيسان العبسي الكوفي وأبو روق وهذا يخرجه عن الجهالة(٣). |
هـ. قال السيد جمال الدين: أجمع المحدثون على أن هذا الحديث ضعيف، قال التوربشتي:
حديث نبيذ التمر قد رُوي عن ابن مسعود، وفي أسانيد سائرها لأهل النقل مقال، غير أن
الحديث إذا رُوي من طرق شتى غلب على ظن المجتهد كونه حقاً خصوصاً عند من يرى
المسلمين كلهم عدولاً في أخبار الديانات.
٤٨١ - (وصح عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله
وَّ﴾ أي فلم يكن ما روي عنه ثابتاً، ولئن ثبت فلم يكن متغيراً بل كان معداً للشرب فإنهم كانوا
يفعلون ذلك ليجتذب ملوحة مائهم، فيكون أوفق وأنفع لأمزجتهم كذا ذكره ابن الملك. قال
التوربشتي: الذي ذكره المؤلف من صحة حديث علقمة عن ابن مسعود وعلى ما ذكره لكنا
نقول يمكن الجمع بأنه لم يكن معه عند معارضة الجن ودعائهم إلى الإِسلام، وكان قد خرج
معه بمدرجته على ما ذكر في الحديث عن ابن مسعود، فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد
فخط لي خطاً وأجلسني فيه وقال: لا تخرج من هذا، فبت حتى آتاني مع السحر. ويحتمل أنه
لم يكن معه أوّلاً حين خرج ثم لحقه آخراً، وهذا الوجه أوفق لما في بعض طرق حديث علقمة
(١) في المخطوطة معلولاً لكن الصواب مطولاً على ما ذكر ابن الهمام في فتح القدير ١١٨/١.
(٢) مصابيح السنة ٢٢٧/١ حديث رقم ٣٣٢.
(٣) فتح القدير ١١٨/١.
الحديث رقم ٤٨١: أخرجه مسلم في الصحيح ٣٣٣/١ حديث رقم (١٥٢. ٤٥٠).

١٦٩
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
رواه مسلم.
عن عبد الله الذي استدل به المصنف إن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحبه أحد منكم
ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا: اغتيل استطير ما فعل فبتنا بشر ليلة،
فإذا كان وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ثم ساق الحديث، ولا تنافي بين قوله:
(ليلة الجن)) لأن سحرها منها وتعليل ترك العمل بحديث أبي زيد وغيره عن ابن مسعود بأن
ذلك كان بمكة قبل استقرار الأحكام ونزول المائدة بسنين كثيرة أوجه من الإقدام على رد تلك
الأحاديث (رواه مسلم).
قال ابن الهمام: وأما ما رُوي عن ابن مسعود أنه سئل عن ليلة الجن فقال: ما شهدها منا
أحد، فهو معارض بما في حديث ابن أبي شيبة من أنه كان معه، وروى أيضاً أبو حفص بن
شاهين عنه أنه قال: كنت مع النبي ◌َّلر ليلة الجن، وعنه أنه رأى قوماً من الزط فقال: هؤلاء
أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن والإِثبات مقدم على النفي. وإن جمعنا فالمراد ما شهدها منا
أحد غيري نفياً لمشاركته وإبانة اختصاصه بذلك(١)، وقد ذكر صاحب أكمام المرجان في أحكام
الجان(٢) أن ظاهر الأحاديث الواردة في وفادة الجن أنها كانت ست مرات، وذكر منها مرة في
بقيع الغرقد قد حضرها ابن مسعود [مع رسول الله وَلقر] مرتين بمكة، ومرة رابعة خارج المدينة
حضرها الزبير بن العوّام؛ فعلى هذا لا يقطع بالنسخ. اهـ.
وفي خزانة الأكمل قال: التوضوء بنبيذ التمر جائز من بين سائر الأشربة عند عدم الماء،
ويتيمم معه عند أبي حنيفة وبه أخذ محمد، وفي رواية عنه يتوضأ ولا يتيمم، [وفي رواية
يتيمم] ولا يتوضأ وبه أخذ أبو يوسف، وروى نوح الجامع أن أبا حنيفة رجع إلى هذا القول،
ثم قال في الخزانة قال مشايخنا: إنما اختلف أجوبته لاختلاف السائل؛ سئل مرة إن كان الماء
غالباً قال: يتوضأ، وسئل مرة إن كانت الحلاوة غالبة قال: يتيمم ولا يتوضأ، وسئل مرة إذا لم
يدر أيهما الغالب قال: يجمع بينهما، فقول ابن حجر: فلا يحتج بروايته هذه على جواز
الوضوء بالنبيذ، وإن قال أبو حنيفة والثوري بجوازه في السفر عند فقدان الماء ولم يباليا بأنه
خلاف ما يصرح به قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة - ٦] من أنه عند فقد الماء
لا يجوز إلا التيمم، فتجويز النبيذ حينئذ مخالف لذلك على أنه كان ينبغي لأولئك أن يؤوّلوا
هذا الحديث بتقدير صحته ليوافق الآية على أن تلك التمرة الملقاة في الماء لم تغيره تغيراً
ضاراً، وتسمية ابن مسعود له نبيذاً من مجاز الأول، أو المراد به الوضع اللغوي وهو ما ينبذ فيه
شيء وإن لم يغيره. اهـ. إنما نشأ عن قلة اطلاع على كلامهم أصلاً وفصلاً وكأنه ادعى أنه لم
يعلم معنى الآية إلا هو بفهمه الفاتر وعقله القاصر. ثم في نسبته عدم المبالاة بصريح الآية إلى
الإِمامين الأعظمين قلة مبالاة في الدين وكثرة جراءة على أرباب اليقين سامحه الله بما زلق قدمه
(١) فتح القدير ١١٩/١
(٢) هو كتاب ((آكام)) وليس اكمام للقاضي بدر الدين محمد بن عبد الله الشبلي الحنفي (ت ٧٦٩).
أق العبوة
FyAi

١٧٠
كتاب الطهارة / باب أحكام المیاه
٤٨٢ - (٩) وعن كَبْشةَ بنتِ كعب بنِ مالك - وكانت تحتّ ابنِ أبي قَتَادَة - أنَّ أبا قَتادةَ
دخلَ عليها، فسكبَتْ له وَضوءاً، فجاءتْ هِرةٌ تشرُب منه، فأصغى لها الإِناءَ حتى شَرِبَتْ،
قالت كبشةُ: فرآني أنظُرُ إِليه، فقالَ: أتعجَبينَ يا ابنةَ أخي؟! قالتْ: فقلتُ: نعم. فقال: إِنَّ
رسولَ الله ◌َّه قال: ((إِنَّها ليستْ بِنَجَسٍ، إِنَّها من الطوَّافِينَ
وسبق قلمه، ثم ما قيل: من أن الأمة أجمعت على أن الحدث لا يرفعه إلا الماء غير صحيح
بل غلط صريح لأن مذهبنا أن التيمم يرفعه، بل قال أبو ليلى: بجواز رفع الحدث وإزالة
النجس بكل مائع طاهر.
٤٨٢ - (وعن كبشة بنت كعب بن مالك) أنصاري خزرجي، قال المصنف: هي زوجة
عبد الله بن أبي قتادة رضي الله عنه حديثها في سؤر الهرة، روت عن أبي قتادة، وعنها حميدة
بنت عبيد بن رفاعة. (وكانت تحت [ابن] أبي قتادة) وهو الحارث بن الربعي الأنصاري فارس
رسول الله وَّر، واسم ابنه عبد الله والمعنى: كانت زوجة ولده (أن أبا قتادة دخل عليها) أي
على كبشة (فسكبت) أي كبشة يعني صبت، وقال الأبهري: بضم التاء على التكلم، ويجوز
السكون على التأنيث. اهـ. لكن أكثر النسخ الحاضرة المصححة بالتأنيث، ويؤيد المتكلم ما
في المصابيح ((قالت: فسكبت)) (له) أي لأبي قتادة (وضوءاً) بفتح الواو أي ماء الوضوء في إناء
(فجاءت هرة تشرب منه) حال أو صفة (فأصغى لها الإِناء) أي أماله إليها (حتى شربت) أي
سهلاً (قالت كبشة: فرآني) أي أبو قتادة (أنظر إليه) أي إلى فعله متعجبة (فقال: أتعجبين) أي
بشربها من وضوئي (يا ابنة أخي؟) هذا على عادة العرب أن بعضهم يقول لبعض: يا ابن أخي
وإن كانا ابنا عمين، ويا أخا فلان وإن لم يكن أخاً له في الحقيقة، ويجوز في تعارف الشرع
لأن المؤمنين أخوة. وقول ابن حجر: مراده أخوّة الإِسلام لما تقرر أنها زوجة ابنه تعليل غير
صحيح لعدم المنافاة بل لكونها بنت كعب بن مالك وأبو قتادة بن ربعي بكسر الراء وسكون
الموحدة وكسر العين المهملة (قالت: فقلت: نعم، قال: إن رسول الله وَلقر قال: ((إنها) أي
الهرة أو سؤرها (ليست بنجس) مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث ولو قيل: بكسر الجيم لقيل
بنجسة لأنها صفة الهرة كذا قاله بعض الشراح، وذكر الكازروني أن بعض الأئمة قال: هو بفتح
الجيم، والنجس النجاسة فالتقدير إنها ليست بذات نجس وفيما سمعنا وقرأنا على مشايخنا هو
بكسر الجيم وهو القياس، أي ليست بنجسة ولم يلحق التاء نظراً إلى أنها في معنى السؤر.
اهـ. وأكثر النسخ المصححة على الأول فعليه المعوّل لأن النجس بالفتح في اصطلاح الفقهاء
عين النجاسة وبالكسر المتنجس (إنها) استئناف فيه معنى التعليل، أي لأنها (من الطّافين)
الحديث رقم ٤٨٢: أخرجه مالك في الموطأ ٢٢/١ حديث رقم ١٣ من كتاب الطهارة. وأخرجه أحمد في
مسنده ٣٠٣/٥. وأخرجه الترمذي في السنن ١٥٣/١ حديث رقم ٩٢ وقال حسن صحيح.
وأخرجه أبو داود في السنن ١/ ٦٠ حديث رقم ٧٥. وأخرجه النسائي في السنن ١/ ٥٥ حديث رقم
٦٨. وأخرجه ابن ماجة في السنن ١٣١/١ حديث رقم ٣٦٧. وأخرجه الدارمي في السنن ٢٠٣/١
حديث رقم ٧٣٦. وأخرجه الشافي في مسنده ص ٩.
١

١٧١
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
عليكم أو الطوَّافاتِ)). رواه مالكٌ، وأحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابنُ ماجة،
والدارمي.
الطائف الذي يخدمك برفق شبهها بالمماليك وخدمة البيت الذين يطوفون للخدمة، قال الله
تعالى: ﴿طوافون عليكم بعضكم على بعض﴾ [النور - ٥٨]، وألحقها بهم لأنها خادمة أيضاً
حيث تقتل المؤذيات، أو لأن الأجر في مواساتها كما في مواساتهم، وهذا يدل على أن سؤرها
طاهر وبه قال الشافعي. وعن أبي حنيفة أنه مكروه كذا ذكره ابن الملك، وقال الطيبي: قوله:
((إنها من الطوّافين)) من ترتيب الحكم على الوصف المناسب إشعاراً بالعلية؛ فعلى هذا ينبغي أن
يكون سؤر الهرة على تقدير نجاسة فمها معفوا عنه للضرورة كطين الشارع، ويؤيده قول عمر
رضي الله عنه في الفصل الثالث كما سنقرره، هذا هو المختار عند أبي حامد الغزالي فإنه قال:
الأحسن تعميم العفو، وقال النووي في الروضة: سؤر الهرة طاهر لطهارة عينها، ولا يكره ولو
تنجس فمها ثم ولغت في ماء قليل؛ ففيه ثلاثة أوجه ثالثها التفصيل وهو الأصح فإنها إن غابت
بمقدار يحتمل ولوغها في ماء مطهر كان طاهراً وإلا نجساً. اهـ. قال ابن حجر: هو من باب
عطف المغاير؛ علل اصغاءه لها الإِناء بأمرين متغايرين، وفيه أنه غير صحيح لفظاً ومعنى، ومن
الغرائب أنه جعل قول الطيبي مقابلاً لقوله وضعفه بقوله: قيل: ويصح الخ فتأمل يظهر لك
طرق الزلل. قال ابن الهمام: الأصح أنه يكره كراهة تنزيه وكفى فيها أنها لا تتحامى النجاسة
فيكره كما لو غمس الصغير يده فيه، وأما النجاسة فالاتفاق على سقوطها بعلة الطواف
المنصوص في قوله: ((إنها من الطوّافين)) يعني أنها تدخل المضايق ولملازمة شدة المخالطة
بحيث يتعذر معه صون الأواني منها بل النفس والضرورة اللازمة من ذلك أسقطت النجاسة،
كما أنه سبحانه وتعالى أوجب الاستئذان وأسقطه عن المملوكين بقوله: ﴿والذين لم يبلغوا
الحلم﴾ [النور - ٥٨] أي عن أهلهم في تمكينهم من الدخول في غير الأوقات الثلاثة بغير اذن
للطواف المفاد بقوله عقيبه ﴿طوّافون عليكم بعضكم على بعض﴾(١) ) هـ.
وعن أبي يوسف أن سؤر الهرة غير مكروه وإن أكلت الهرة الفأرة ثم شربت الماء على
الفور يتنجس، وإن مكثت ساعة ولحست فمها فمكروه وليس بنجس عندهما خلافاً لمحمد بناء
على أن التطهير بغير الماء كذا في شرح المنية. (عليكم) فيتمسحون بأيديكم وثيابكم فلو كانت
نجسة لأمرتكم بالمجانبة عنها، فهذا بيان لقوله: إنها ليست بنجس كذا قاله بعض الشراح
والتحقيق ما تقدم. (أو الطوافات) شك من الراوي كذا قاله ابن الملك، وقال في الأزهار: شبه
ذكورها بالطوّافين وإناثها بالطوافات، وقال ابن حجر: وليست للشك لوروده بالواو في روايات
أخر بل للتنويع ويكون ذكر الصنفين من الذكور والأناث. (رواه مالك وأحمد والترمذي وأبو
داود والنسائي وابن ماجة والدارمي) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح نقله السيد، وروى
الدار قطني إنها كانت تمر به عليه الصلاة والسلام فيصغي لها الإِناء فتشرب منه ثم يتوضأ
١
i
(١) فتح القدير ١١١/١.
إبرازبو
ت چچا ۔

١٧٢
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
٤٨٣ - (١٠) وعن داود بن صالح بن دينار، عن أمِّه أنَّ مَولاتَها أرسلَتها بهَريسَةٍ
إلى عائشة. قالتْ: فوجدتُها تصلي، فأشارت إِليَّ: أنْ ضَعيها. فجاءتْ هِرَّةٌ، فأكلَتْ
منها
بفضلها(١)، وضعفه عبد ربه(٢). ولكن قلنا: هذا دليل أبي يوسف وهو رواه عن عبد ربه عن
سعيد المقبري عن أبيه عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: ((كان رسول الله وَل و تمر به
الهرة فيصغي لها الإِناء فتشرب منه ثم يتوضأ بفضلها)) وأبو يوسف أدرى بعبد ربه من الدارقطني
لعلمه بحال شيخه، ويشهد لصحته ما رواه هو وابن ماجة والطحاوي من حديث حرث بن
محمد عن عروة عن عائشة قالت: ((كنت أتوضأ أنا ورسول الله وَّر في إناء واحد وقد أصابت
منه الهرة)) قبل ذلك(٣)، وما في السنن المتقدمة وما في معجم الطبراني سئل أنس بن مالك عن
الهرة قال: خرج رسول الله ◌َ ﴿ إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان فقال: ((يا أنيس اسكب لي
وضوءا)) فسكبت له، فلما قضى بّله حاجته أقبل إلى الإِناء، وقد أتى هر فولغ في الإِناء، فوقف
له رسول الله وَ ل وقفة حتى شرب الهر، ثم سألته فقال: ((يا أنس إن الهر من سباع البيت لن
يقذر شيئاً ولن ينجسه))(٤)، وما في صحيح ابن خزيمة عن عائشة أن رسول الله وَ لّر قال: ((إنها
ليست بنجسة هي كبعض أهل البيت))(٥)، وفي سنن الدارمي: ((هي كبعض متاع أهل البيت))،
وأما خبر ((يغسل الإِناء من ولوغ الكلب سبعاً ومن ولوغ الهرة مرة) مدرج من قول أبي هريرة
كما بينه البيهقي وغيره وإن خفي على الطحاوي، ولذا قال: سؤر الهرة مكروه كراهة تحريم
والله أعلم. وأما ما اشتهر بين الناس من أنه عليه الصلاة والسلام قطع ذيل ثوبه الذي رقدت
عليه هرة فلا أصل له.
٤٨٣ - (وعن داود) مولى الأنصاري قاله الطيبي (ابن صالح بن دينار) أي التمار قاله
الطيبي: وهو مدني روى عن سالم بن عبد الله وعن أبيه وأمه كذا ذكره المصنف في فصل
التابعين (عن أمه) لم تسم قاله ميرك، أي عن أم داود (أن مولاتها) أي مولاة أمه، أي معتقتها
ولم تسم أيضاً ذكره ميرك (أرسلتها) أي أمه (بهريسة) في القاموس الهرس الأكل الشديد والدق
العنيف ومنه الهريس والهريسة (إلى عائشة قالت:) أي أمه (فوجدتها) أي عائشة (تصلي
فأشارت) إليّ) باليد أو بالرأس (أن ضعيها) مفسرة أو مصدرية، أي بوضعها. قال الطيبي: ((إن))
مفسرة لمعنى القول في الإِشارة، وفيه إن مثل هذه الإِشارة جائزة في الصلاة. اهـ. لأنها
ليست بعمل كثير وقول ابن حجر ((إن)) مفسرة لأن الإِشارة كلام لغو (فجاءت هرة فأكلت منها)
(١) أخرجه الدارقطني في السنن ٦٦/١ حديث ١.
(٢) أي هو مسبب تضعيف الحديث.
(٣) ابن ماجة ١٣١/١ حديث ٣٦٨ والدارقطني ٦٩/١ حديث ١٧.
(٤) الطبراني في الصغير ٢٤١/١ حديث رقم ٦٢٥.
ر الرأس صدر
(٥) ابن خزيمة حديث رقم ١٠٢.
الحديث رقم ٤٨٣: أخرجه أبو داود في السنن ١/ ٦١ حديث رقم ٧٦.

١٧٣
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
فلمَّا انصرفتْ عائشةُ من صلاتِها، أكلَتْ منْ حيثُ أكلَتِ الهِرةُ. فقالت: إِنَّ رسولَ الله وَلول
قال: ((إِنَّها ليستْ بنجَسٍ، إِنَّها من الطوَّافينَ عليكم)). وإِني رأيتُ رسولَ الله وَّهِ يتوضَّأُ
بفضلها. رواه أبو داود.
٤٨٤ _ (١١) وعن جابر، قال: سُئلَ رسولُ اللهِ وَّهِ: أنتوضَّأُ بما أفْضلتِ الحُمُر؟
قال: ((نعم، وبما أفضَلَتِ السّباعُ كلُّها)). رواه في ((شرح السُّنة)).
أي بعضها (فلما انصرفت عائشة من صلاتها أكلت من حيث أكلت الهرة) أي من محل أكلها
(فقالت:) هو إما [جواب] عن سؤال مقدر أو محقق (إن رسول الله وسلم قال: ((إنها ليست
بنجس) بفتح الجيم، وقيل: بالكسر (إنها من الطوافين عليكم))) ظاهره أن أو فيما تقدم للشك،
ويمكن أن يكون هنا اقتصاراً أو يحمل على التغليب (وإني رأيت رسول الله وَلفيه يتوضأ بفضلها)
أي بفضل الهرة، يعني في الإِناء بعد شربها وهذا على القول بأنه طاهر ظاهر، وأما على القول
بالكراهة التنزيهية فمحمول على العمل بالرخصة وبيان الجواز. (رواه أبو داود).
قال ابن حجر: وسنده حسن وفيه نظر لأنه قال الدارقطني: تفرد به عبد العزيز بن محمد
الدلاوردي عن داود بن صالح عن أمه عن عائشة بهذا اللفظ كذا نقله السيد عن التخريج،
وروى أحمد والدارقطني والحاكم أنه وَلچر دُعي لدار فأجاب ولأخرى، فلم يجب، فقيل له في
ذلك فقال: ((إن في تلك كلباً))، فقيل: وفي هذه هرة، فقال: ((إن الهرة ليست بنجسة)).
قال العلماء: يستحب اتخاذ الهرة وتربيتها أخذاً من الأحاديث، وأما حديث حب الهرة
من الإِيمان فموضوع على ما قاله جماعة كالصغاني، والعجب من الجرجاني والتفتازاني في
بحثهما فيه ومناقشتهما في أن إضافته هل هي من إضافة المصدر إلى فاعله أو مفعوله والظاهر
الثاني كما بينته في رسالة مستقلة.
٤٨٤ - (وعن جابر) أي ابن عبد الله (قال: سئل رسول الله ويالقر أنتوضأ) بنون المتكلم
(بما) قال التوربشتي: كلمة ((ما)) في الموضعين بمعنى الذي، وقد رواه بعض الناس بالمد ولا
أراه إلا تصحيفاً (أفضلت الحمر؟) أي الأهلية أو الوحشية بضمتين جمع حمار، أي أبقته من
فضالة الماء الذي تشربه (قال: ((نعم وبما أفضلت السباع كلها))) قال ابن الملك: وهذا يدل
على أن سؤر السباع طاهر وبه قال الشافعي إلا سؤر الكلب والخنزير، وعند أبي حنيفة سؤر
السباع كلها نجس. اهـ. وقد تقدم في أوّل الفصل ما يدل على أن سؤر السباع نجس، وذلك
حديث صحيح وهذا (رواه في شرح السنة) ورواه الشافعي في مسنده من حديث داود بن
الحصين عن أبيه عن جابر، وفي بعض رواياته داود بن الحصين عن جابر ولم يذكر أباه كذا
نقله السيد من التخريج، وقال ابن الهمام: يحمل هذا الحديث وحديث سئل عن الحياض
الآتي على الماء الكثير أو على ما قبل تحريم لحوم السباع على أن الحديث الثاني معلول بعبد
الحديث رقم ٤٨٤: رواه الشافعي في مسنده ص ٨. شرح السنة ٧١/٢ حديث رقم ٢٨٧.
சங்க
١
١
روم.
٠٤٢٠

١٧٤
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
٤٨٥ _ (١٢) وعن أمّ هانىءٍ، قالت: اغتسلَ رسولُ اللهِ وَّرَ هوَ ومَيمونةُ في قَصْعةٍ
فيها أثَرُ العجينِ. رواه النسائي، وابنُ ماجة.
الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه ابن ماجة والأوّل أخرجه الدارقطني، وفيه داود بن الحصين
ضعفه ابن حبان، لكن روى عنه مالك.
وأما سؤر الحمار وكذا البغل فمشكوك في طهوريته على الأصح، وسبب الشك تعارض
الأدلة في إباحته وحرمته؛ فحديث خيبر في إكفاء القدور، وفي بعض رواياته أنه عليه الصلاة
والسلام ((أمر منادياً ينادي بإكفائها فإنه رجس)) رواه الطحاوي وغيره يفيد الحرمة، وحديث
غالب بن أبجر بمفتوحة فموحدة ساكنة فجيم مفتوحة فراء حيث قال له عليه الصلاة والسلام :
((هل لك من مال)) فقال: ليس لي مال إلا حميرات لي بالرفع والنصب، فقال عليه الصلاة
والسلام: ((كل من سمين مالك))(١) يفيد الحل، واختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم في
طهارته ونجاسته، فعن ابن عمر نجاسته وعن ابن عباس طهارته كذا حققه ابن الهمام (٢).
٤٨٥ - (وعن أم هانىء) بالهمزة، هي أخت علي بن أبي طالب، قال المصنف: اسمها
فاختة بنت أبي طالب كان رسول الله وَير خطبها في الجاهلية، وخطبها هبيرة بن أبي وهب
فزوّجها أبو طالب من هبيرة وأسلمت ففرق الإِسلام بينها وبين هبيرة، وخطبها النبي وَلّم
فقالت: والله إن كنت لأحبك(٣) في الجاهلية فكيف في الإِسلام ولكني امرأة مصيبة فسكت
عنها، روى عنها خلق كثير منهم علي وابن عباس (قالت: ((اغتسل رسول الله وَ لقر هو وميمونة)
بالرفع، وقيل: بالنصب وهي من أمهات المؤمنين بنت الحارث الهلالية العامرية، يقال: إن
اسمها كان برة فسماها النبي ◌ّلر ميمونة، كانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية،
ففارقها فتزوّجها أبو درهم، وتوفي عنها فتزوّجها النبي ◌َّر في ذي القعدة سنة سبع في عمرة
القضاء بسرف على عشرة أميال من مكة، وقدر الله أنها ماتت في المكان الذي تزوّجها فيه
بسرف سنة إحدى وستين وصلى عليها ابن عباس، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس وهي
آخر أزواج النبي ◌َّ، روى عنها جماعة منهم ابن عباس (في قصعة) بفتح القاف ظرف كبير
(فيها أثر العجين))) وهو الدقيق المعجون بحيث لم يكن أثره في تلك القصعة كثيراً مغيراً للماء،
وجازت الطهارة به عند أبي حنيفة خلافاً للشافعي ذكره ابن الملك. وقال الطيبي: الظاهر أن أثر
العجين في تلك القصعة لم يكن كثيراً مغيراً للماء (رواه النسائي وابن ماجة) قال السيد: وابن
حبان في صحيحه أيضاً.
(١) أخرجه أبو داود للفظ مغاير ١٦٣/٤ حديث ٣٨٠٩.
(٢) فتح القدير ١١٥/١.
الحديث رقم ٤٨٥: أخرجه النسائي في السنن ١٣١/١ حديث رقم ٢٤٠. وابن ماجة في السنن ١٣٤/١
حديث رقم ٣٧٨. وأخرجه أحمد في مسنده ٣٤٢/٦.
(٣) في المخطوطة لأختك والصواب لأحبك.
/١٣٠

١٧٥
كتاب الطهارة / باب أحكام المياه
الفصل الثالث
٤٨٦ _ (١٣) عن يحيى بن عبد الرَّحمنِ، قال: إِنَّ عُمرَ خرجَ في رَكُبٍ فيهم عَمْرو
ابنُ العاص حتى وَرَدُوا حَوْضاً. فقال عمرو: يا صاحبَ الحوض! هلْ تَرِدُ حوضَكَ السّباعُ؟
فقال عمرُ بن الخطابِ: يا صاحبَ الحَوض! لا تُخبرنا، فإِنَّا نَرِدُ على السّباعِ وترُد علينا.
رواه مالك.
٤٨٧ - (١٤) وزادَ رَزينٌ، قال: زادَ بعضُ الرُّواةِ في قولٍ عمر رضي الله عنه وإِنِّي
سمعتُ رسولَ الله يقولُ: ((لها ما أخذَتْ في بطونِها، وما بَقي فهو لنا طَهورٌ وشَرابٌ)).
(الفصل الثالث)
٤٨٦ - (عن يحيى بن عبد الرحمن) قال الطيبي: يحيى مدني سمع أباه وابن الزبير وابن
عمر وعبد الرحمن بن حاطب، قال المصنف: هو يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي
بلتعة مدني، روى عن جماعة من الصحابة وجماعة عنه (قال: ((إن عمر رضي الله عنه خرج في
ركب) أي جماعة من الراكبين (فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضاً) أي وحضروا صلاة
(فقال عمرو: يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب
الحوض لا تخبرنا) قال الطيبي: يعني أن إخبارك بورودها وعدمه سواء فإن أخبرتنا بسوء الحال
فهو عندنا جائز سائغ، قال ابن حجر: لأنا لا نمتنع مما ترده لعسر تجنبه المقتضي لبقائه على
طهارته (فإنا نرد على السباع وترد علينا))) أي لأنا نخالط السباع وهي واردة علينا، قال ابن
حجر: لأنا نرد على ما فضل منها وهي ترد على ما فضل منا. اهـ. والأظهر أن يحمل قوله:
لا تخبرنا على إرادة عدم التنجس وبقاء الماء على طهارته الأصلية، ويدل عليه سؤال الصحابي
وإلا فيكون عبئاً، ثم تعليله بقوله: فإنا الخ إشارة إلى أن هذا الحال من ضرورات السفر، وما
كلفنا بالتفحص فلو فتحنا هذا الباب على أنفسنا لوقعنا في مشقة عظيمة (رواه مالك) وسنده
صحیح قاله ابن حجر.
٤٨٧ - (وزاد رزين قال: زاد بعض الرواة في قول عمر) رضي الله [تعالى] عنه (((وإني
سمعت رسول الله وسلم يقول: لها) أي للسباع (ما أخذت في بطونها)، أي مما شربته (وما بقي
فهو لنا طهور وشراب) يعني أن الله تعالى قسم لها في هذا الماء ما أخذت في بطونها فما شربته
حقها الذي قسم لها وما فضلت فهو حقنا، وليس في هذه الزيادة على تقدير صحتها دلالة
صريحة على مذهب الشافعية فإنه يحمل على الإبهام وعدم التنجس كما تقدم، وقول ابن
الحديث رقم ٤٨٦: أخرجه مالك في الموطأ ٢٣/١ حديث رقم ١٤ من كتاب الطهارة.
الحديث رقم ٤٨٧ :
iM
أعود
٤٠و ٥

١٧٦
كتاب الطهارة / باب أحكام المیاه
٤٨٨ - (١٥) وعن أبي سعيد الخُدريِّ: أنَّ رسولَ الله وَّرَ سُئلَ عن الحِياض التي بين
مكةَ والمدينةِ تَرِدُها السّباعُ والكلابُ والحُمُرُ عن الطُّهْرِ منها. فقال: ((لها ما حمَلتْ في
بطونِها، ولنا ما غَبَرَ طَهورٌ)). رواه ابن ماجة.
ters
٤٨٩ - (١٦) وعن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رضي الله عنه، قال: لا تَغتسِلوا بالماءِ
المُشَمَّس؛
حجر: وهذه الزيادة سيأتي معناها عن ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري وسندها صحيح وهي
صريحة في طهارة سؤر السباع إلى آخر ما ذكره غير صحيح نشأ عن غفلة من فهم الحديث
الثاني؛ فإن فيه ذكر الكلاب وهي منجسة بالاتفاق، فجوابهم يكون جوابنا؛ وجوابهم بأن
نجاسة الكلب علم من حديث آخر مدفوع بعدم علم التاريخ، وأما سكوت عمر وعلي قول عمر
لما تقدم ومع الاحتمال لا يصح الاستدلال، ثم قوله: وحمل ماء الحوض والحياض على أنه
كان كثيراً يحتاج لدليل، دليله الجمع بين الدليلين مع أن الحوض في اللغة والعرف لا يكون إلا
في الماء الكثير، وقوله: وزعم أن ذلك قبل تحريم لحوم السباع باطل لأن الأشياء ما حرمت
إلا تدريجاً كما أنها ما فرضت إلا شيئاً فشيئاً، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي
إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو
فسقاً أهل لغير الله به﴾ قال البيضاوي: والآية محكمة لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أوحي
الي تلك الآية محرماً غير هذه، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر، وقال البغوي في
تفسير الآية: فذهب بعض أهل العلم أن التحريم مقصور على هذه الأشياء، يروى ذلك عن
عائشة وابن عباس وأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء؛ فالمحرم بنص
الكتاب ما ذكر، وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها. وذكر في اختلاف الأئمة أن العلماء
اتفقوا على تحريم كل ذي ناب من السباع إلا مالكاً فإنه أباح ذلك مع الكراهة، هذا وحديث
سئل عن الماء في الفلاة وترده السباع والدواب فقال: ((إذا كان الماء قلتين)) حجة إلزامية على
الشافعية .
٤٨٨ - (وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (يوليو سئل عن الحياض) أي الغدران (التي
بين مكة والمدينة) في البراري (تردها) أي الحياض (السباع والكلاب والحمر عن الطهر) أي
التطهر بدل من الحياض بإعادة العامل [(منها) أي من الحياض] (فقال: ((لها ما حملت في
بطونها ولنا ما غبر) بفتح الباء، أي بقي (طهور))) بفتح الطاء، وهو خبر مبتدأ محذوف وقد تقدم
تأويل الحدیثین (رواه ابن ماجة) قال ابن حجر: وسنده حسن.
٤٨٩ - (وعن عمر بن الخطاب قال: ((لا تغتسلوا بالماء المشمس) وهو أن يوضع الماء
الحديث رقم ٤٨٨: أخرجه ابن ماجة في السنن ١٧٣/١ حديث رقم ٥١٩. وفي الزوائد إسناده ضعيف.
الحديث رقم ٤٨٩: أخرجه الدارقطني في سننه ٣٩/١ حديث رقم ٤ باب الماء المسخن.
i'm

١٧٧
كتاب الطهارة / باب تطهير النجاسات
فإِنَّه يورِثُ البَرَصَ. رواه الدار قطني.
١
(٨) باب تطهير النجاسات
* جيو
الفصل الأول
٤٩٠ - (١) عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((إِذا شربَ الكلبُ في
في الشمس ليسخن كذا قيل، وظاهره الإطلاق فيشمل ما وضع وغيره، وقال ابن حجر: أي
المشمس في إناء منطبع، وهو ما يمتد تحت المطرقة من غير النقدين في قطر حار وقت الحر،
أي لا تستعملوه في أبدانكم قليلاً كان أو كثيراً (فإنه يورث البرص))) أي طباً لما ذكره بعض
الأطباء.
واعلم أن استعمال الماء المشمس مكروه على الأصح من مذهب الشافعي، والمختار
عند متأخري أصحابه عدم كراهيته وهو مذهب الأئمة الثلاثة، والماء المسخن غير مكروه
بالاتفاق، وحكي عن مجاهد كراهته وكره أحمد المسخن بالنجاسة. (رواه الدارقطني) قال
ميرك: حديث ضعيف؛ فقول ابن حجر: بإسناد صحيح يحتاج إلى بيان، وقوله: لم ينقل عن
أحد من الصحابة مخالفة عمر في ذلك فكان كالإجماع محله إذا كان بمحضر منهم ولا يكون
النهي تنزيهياً للاحتياط بناء على كلام واحد من الأطباء مع أنه لا اعتبار لكلامهم جميعاً في سائر
الأمور الشرعية حتى في أمر الهلال الذي ما حققوا شيئاً مثل تحقيقهم فيها. ومن الغرائب أن
جماعة من الشافعية جعلوا هذا من عمر في حكم المرفوع، وأيدوه بخبر ضعيف بل موضوع
وهو ما أخرجه الدارقطني وأبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: سخنت للنبي
وَّ ماء في الشمس، فقال: ((لا تفعلي فإنه يورث البرص))(١). ثم على التنزل في قبول
الحديثين من أين تؤخذ الشروط المذكورة في فقه الشافعية المخالفة لظاهر الخبرين؟ ولذا قيل:
لم يثبت عن الأطباء فيه شيء، وحديث عمر ضعيف فثبت أنه لا أصل لكراهته.
2
i
(باب تطهير النجاسات)
أي الحقيقية بالماء وغيره.
(الفصل الأوّل)
٤٩٠ - (عن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَيقول: ((إذا شرب الكلب في
(١) أخرجه الدارقطني ٣٨/١ حديث رقم ٢ من باب الماء المسخن.
الحديث رقم ٤٩٠: أخرجه البخاري في الصحيح ٢٧٤/١٠ حديث رقم ١٧٢. وأخرجه مسلم في الصحيح -

٧٠٠٪
كتاب الطهارة / باب تطهير النجاسات
١٧٨
إِناءِ أحدَكم؛ فليَغْسِلْه سبعَ مرّاتٍ)). متفق عليه.
٦٥٨٠
وفي رواية لمسلم قال: ((طُهورُ إِناءِ أحدِكم إِذا وَلَعَ فيهِ الكلبُ أنْ يغسِلَه سبعَ مرَّاتٍ،
أُولاهُنَّ بالتّرابِ».
إناء أحدكم) ضمّن شرب معنى ولغ فعدّى تعديته، في النهاية ولغ الكلب إذا شرب بلسانه.
(فليغسله) أي ذلك الإِناء (سبع مرات))) فيه حجة لمالك لغسله سبعاً من غير تراب لكن تعبداً لا
لكونه نجساً (متفق عليه وفي رواية لمسلم قال: ((طهور) بضم الطاء وتفتح، قال النووي:
الأشهر فيه ضم الطاء، ويقال: بفتحها لغتان نقله السيد، وقال ابن الملك: بضم الطاء بمعنى
التطهر أو الطهارة (إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب) قال الطيبي: هو مبتدأ والظرف معمول له
والخبر (أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب))) أي معهن، وفي رواية أخرى ((إحداهن
بالتراب))، قال ابن حجر: وهي صحيحة أيضاً على ما ذكره النووي في بعض كتبه، لكن بين
في محل آخر أن في سندها ضعيفاً ومجهولاً، وفي رواية صحيحة ((أولاهن أو أخراهن
بالتراب))، وأو فيها للشك كما بينه البيهقي وغيره. وفي أخرى صحيحة أيضاً ((وعفروه الثامنة
بالتراب))(١) أخذ بظاهرها أحمد وغيره، وقيل: لا تعارض لإمكان الجمع بحمل رواية ((أولاهن))
على الأكمل إذ الأولى أحب من غيرها اتفاقاً، وحمل رواية ((السابعة)) (٢) على الجواز، ورواية
((إحداهن)) على الإِجزاء.
قال ابن الملك: فيجب استعمال الطهورين في ولوغ الكلب لكون نجاسته أغلظ
النجاسات، ولو ولغ كلبان أو كلب واحد سبع مرات فالصحيح أنه يكفي للجميع سبع وهذا
مذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة يغسل من ولوغه ثلاثاً بلا تعفير كسائر النجاسات. وفي شرح
السنة: مذهب أكثر المحدثين أنه إذا ولغ في ماء أو مائع يغسل سبع مرات، إحداهن مكدرة
بالتراب، وفي الشرح الكبير عن مالك لا يغسل من غير الولوغ لأن الكلب طاهر عنده والغسل
من الولوغ تعبد، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا عدد في غسله ولا تعفير بل هو كسائر
النجاسات، وفي صحيح البخاري عن عطاء لا يرى بشعر الإِنسان بأساً أن يتخذ منه الخيوط
والحبال وبسؤر الكلاب وممرها في المسجد وقال الزهري: إذا ولغ في الإِناء وليس له وضوء
غيره يتوضأ به، وقال سفيان: هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ [المائدة - ٦]
وفي التفسير منه شيئاً يتوضأ ويتيمم. اهـ.
وقال ابن الهمام: روى الدارقطني عن الأعرج عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام
٢٣٤/١ حديث (٢٧٩.٩٠) وأخرجه النسائي في السنن ٥٢/١ رقم ٦٣. وأخرجه ابن ماجة في
=
السنن ١٢٠/١ حديث ٣٦٤ وأخرجه مالك في الموطأ ٣٤/١ حديث رقم ٣٥ من كتاب الطهارة.
وأخرجه أحمد في مسنده ٢٤٥/٢ ورواية ((طهور أحدكم ... )) أخرجها مسلم في الصحيح ٢٣٤/١
حديث رقم (٢٧٩.٩١) وأخرجه أبو داود في السنن ١/ ٥٧ حديث رقم ٧١.
(١) راجع تخريج الحديث.
(٢) فى المخطوطة السبعة.

١٧٩
كتاب الطهارة / باب تطهير النجاسات
٤٩١ - (٢) وعنه، قال: قامَ أَعرابيٍّ، فبالَ في المسجدِ، فتناوله النَّاسُ. فقال لهم
النبيُّ وَّرَ: ((دَعوهُ وهَريقوا على بوله سَجْلاً من ماءٍ - أو ذَنوباً
في الكلب يلغ في الإِناء ((يغسل ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً) (١) رواه ابن عربي مرفوعاً ((إذا ولغ
الكلب في إناء أحدكم فليهريقه وليغسله ثلاث مرات))، ورواه الدارقطني بسند صحيح عن عطاء
موقوفاً على أبي هريرة أنه ((كان إذا ولغ في الإِناء إهراقه ثم غسله ثلاث مرات))(٢)، وحينئذ
فيعارض حديث السبع ويقدم عليه، لأن مع حديث السبع دلالة التقدم للعلم بما كان من
التشديد في أمر الكلاب أوّل الأمر حتى أمر بقتلها، والتشديد في سؤرها يناسب كونه إذ ذاك،
وقد ثبت نسخ ذلك فإذا عارض قرينته معارض كان التقدم له؛ فالأمر الوارد بالسبع محمول
على الابتداء مع أن في عمل أبي هريرة على خلاف حديث السبع وهو راويه كفاية لاستحالة أن
يترك القطعي للراوي منه، وهذا لأن ظنية خبر الواحد إنما هو بالنسبة إلى غير راويه، فأما
بالنسبة إلى راويه الذي سمعه من في رسول الله وَيقر فقطعي حتى ينسخ به الكتاب إذا كان قطعي
الدلالة في معناه، فلزم أنه لا يتركه إلا لعلمه بالناسخ؛ إذ القطعي لا يتركه بمنزلة روايته للناسخ
بل أشبه فيكون الآخر بالضرورة (٣).
٠
٤٩١ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قام أعرابي) وهو ذو الخويصرة التميمي (فبال في
المسجد فتناوله الناس) أي بألسنتهم سباً وشتماً، قال الطيبي: أي وقعوا فيه يؤذونه، وقال ابن
الملك: أخذوه للضرب والأظهر زجروه ومنعوه من غير ضرب وإيذاء كما في الحديث الآتي
(فقال لهم النبي ◌َّر: ((دعوه) أي اتركوه فإنه معذور لأنه لم يعلم عدم جواز البول في المسجد
لقربه بالإِسلام وبعده عنه عليه الصلاة والسلام، وقيل: لئلا يتعدد مكان النجاسة، وقيل: لئلا
يتضرر بانحباس البول (وهريقوا) وفي نسخة: «أهريقوا)) بسكون الهاء بعد همزة، وهو مطابق
لما في المصابيح على ما نقله ابن الملك، قال الطيبي: أمر من إهراق يهريق بسكون الهاء
إهراقاً نحو إسطاعاً، وأصله أراق فأبدلت الهمزة هاء ثم جعل عوضاً عن ذهاب حركة العين
فصارت كأنها من نفس الكلمة ثم أدخل عليها الهمزة، أي صبوا (على بوله سجلاً) بفتح
السين، أي دلواً (من ماء أو ذنوباً) بفتح الذال وهو الدلو أيضاً، قال الطيبي: الظاهر أنه من
كلام الراوي، وقال ميرك: شك من الراوي، ويحتمل أن يكون من كلام رسول الله وَالر فيكون
(١) الدارقطني ١/ ٦٥ حديث ١٣ باب ولوغ الكلب في الإناء.
(٢) الدارقطني ٦٦/١ حديث ١٧ من باب ولوغ الكلب في الإناء.
(٣) فتح القدير ١١٠.١٠٩/١.
* جمجم
الحديث رقم ٤٩١: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٢٣/١ حديث رقم ٢٢٠. وأخرج أبو داود نحوه ١/
٢٦٣ حديث رقم ٣٨٠. وكذلك الترمذي في السنن ٢٧٥/١ حديث رقم ١٤٧. وأخرجه النسائي
في السنن ٤٨/١ حديث ٥٦ وكذلك ابن ماجة في السنن ١٧٦/١ حديث ٥٢٩. وقد رواه الثلاثة
اما مطولاً واما مختصراً وقد رواه ابن ماجة عن أبي هريرة كرواية أنس الآتية. وأخرجه أحمد في
المسند ٢٣٩/٢.
ود' و
٠٠٠٠٠

١٨٠
محام جبان
كتاب الطهارة / باب تطهير النجاسات
من ماءٍ -
للتخيير لما بينهما من فرق والأوّل أظهر. اهـ. ومال ابن الملك إلى الثاني وقال: يعني خيرهم
بين أن يهريقوا فيه سجلاً غير ملأى أو ذنوباً ملأى، قال الطيبي: السجل الدلو فيه الماء قل أو
كثر، وهو مذكر، والذنوب يؤنث وهو ما ملىء ماء فقوله: (من ماء) أي في الموضعين زيادة
وردت تأكيداً. اهـ. لأن السجل والذنوب لا يستعملان إلا في الدلو التي فيها الماء، وقيل:
((من)) للتبيين لاحتمال أن يكون من ماء وغيره وهذا قول من يجوز التطهير بغير الماء. قال ابن
الملك: وقد صرح الغزالي في المنخول بأن استدلال الشافعية بهذا الخبر غير صحيح لأن
الغرض قطعاً من تخصيص الماء ما اختص به الماء من عموم الموجود، والمقصود من الحديث
الابتدار إلى تطهير المسجد لا بيان ما تزال به النجاسة.
قال المظهر: في الحديث دليل على أن الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة
والمغالبة طهرها، وعلى أن غسالات النجاسة طاهرة إذا لم يكن فيها تغير وإن لم تكن مطهرة
ولولاه لكان الماء المصبوب على البول أكثر تنجيساً للمسجد من البول نفسه. قال ابن الملك:
وعند أبي حنيفة لا يطهر حتى يحفر ذلك التراب؛ فإن وقع عليه الشمس وجفت أو ذهب أثرها
طهرت عنده من غير حفر ولا صب ماء. اهـ. قال ابن الهمام: قول صاحب الهداية فجفت
بالشمس اتفاقي إذ لا فرق بين الجفاف بالشمس أو الريح، والمراد من الأثر الذاهب اللون أو
الريح(١). اهـ. وفي شرح السنة: فيه دلالة على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة لا تطهر
بالجفاف، ولا يجب حفر الأرض ولا نقل التراب إذا صب عليه الماء نقله الطيبي. قال ابن
الهمام: ليس فيه دلالة على أن الأرض لا تطهر بالجفاف، وقد صح عن ابن عمر أنه قال:
كنت عزباً أبيت في المسجد وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون
شيئاً من ذلك، فلولا اعتبارها أنها تطهر بالجفاف كان ذلك تبقية لها بوصف النجاسة مع العلم
بأنهم يقومون عليها في الصلاة ألبتة، إذ لا بد منه مع صغر المسجد وعدم من يتخلف في بيته،
وكون ذلك يكون في بقع كثيرة حيث تقبل وتدبر وتبول، فإن هذا التركيب في الاستعمال يفيد
تكرار الكائن منها، أو لأن تبقيتها نجسة ينافي الأمر بتطهيره، فوجب كونها تطهر بالجفاف
بخلاف أمره عليه الصلاة والسلام بإهراق ذنوب من ماء لأنه كان نهاراً وقد لا يجف قبل وقت
الصلاة، فأمر بتطهيرها بالماء بخلاف مدة الليل، أو لأن الوقت [كان] إذ ذاك قد آن، أو أريد
إذ ذاك أكمل الطهارتين المتيسر في ذلك الوقت، هذا وإذا قصد تطهير الأرض صب الماء عليها
ثلاث مرات وجفت في كل مرة بخرقة طاهرة، وكذا لو صب عليها ماء بكثرة ولم يظهر لون
النجاسة ولا ريحها فإنها تطهر. اهـ. كلامه.
وذكر ابن حجر أجوبة عجيبة بعبارة غريبة لا بأس بذكرها قال: فجوابه أن في المسجد
يحتمل تعلقه بتبول وبما(٢) بعده فقط لم يكن صريحاً في مذهب الخصم، وبتسليم أنه عائد
(١) فتح القدير ١٩٨/١ وفيه زيادة والنار.
(٢) في المخطوطة (ما).