النص المفهرس
صفحات 301-320
٠٫٥٢ ٣٠١ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر فأخرج ذريةً سوداء كأنهم الحُمَمُ، فقال للذي في يمينه: إِلى الجنة ولا أبالي، وقال للذي في كتفه اليُسرى: إِلى النار ولا أُبالي)). رواه أحمد. ١٢٠. (٤٢) وعن أبي نَضْرَةَ رضي الله عنه، أن رجلاً من أصحاب النبي ◌َّ. يقال له: أبو عبد الله . دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فأخرج ذرية سوداء) أي ظلمانية (كأنهم الحمم) بضم الحاء جمع حممة. يقال: حممت الجمرة كفرحت تحم بالفتح إذا صارت فحماً. (فقال للذي في يمينه) أي في جهة يمين آدم من ذرية المؤمنين بعد إخراجهم من كتفه اليمنى، وقال ابن حجر: أي للذي في كتفه اليمين بدليل في كتفه اليسرى الآتي فيكون باعتبار ما كان. اهـ. والمعنى: قال تعالى لآدم لأجل الذي في يمينه وعن قبلهم وفي حقهم نحو قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه﴾ [الأعراف - ١١] و((الذي)) صفة لفريق، نحو قوله تعالى: ﴿كالذي خاضوا﴾ [التوبة - ١٩] (إلى الجنة) خبر مبتدأ محذوف، أي هؤلاء أوصلهم أو أصيرهم إلى الجنة، ويمكن أن يكون الأمر للمشافهة، والتقدير أنتم أوصلكم، أو أصيركم إلى الجنة، وقوله: (ولا أبالي) حال من الضمير المستكن في الخبر، أي والحال إني لا أبالي بأحد كيف وأنا الفعال لما أريد والخلق كلهم لي عبيد؟ وهو نحو قوله: ((وإن رغم أنف أبي ذر)) فإنه تعالى علم أن بعض المبتدعة يقول بخلافه فرد عليهم بنفسه مبالغة في تحقيرهم وتسفيه عقولهم، وإنهم كالهباء الذي لا يبالي أحد به وإن فعل ما فعل. (وقال للذي في كفه اليسرى) بفتح الكاف وتشديد الفاء كذا في أصل السيد جمال الدين، وفي بعض النسخ أي في يده وهو المناسب للمعنى المقابل بقوله: ((في يمينه))، وفي أكثر النسخ ((كتفه اليسرى)) ولعله باعتبار ما كان قال الطيبي، وذكر اليمين والكف لتصوير العظمة. اهـ. والظاهر أن ضمير ((يمينه وكفه إلى آدم))، والمراد جهتاه، ورواية كتفه صريحة في هذا المعنى واليسرى أيضاً فإنها لا تطلق على يده تعالى فإن كلتا يديه يمين(١) على ما ورد في بعض الأحاديث. (إلى النار ولا أبالي))) فيه إيماء إلى أنه لا يجب على الله تعالى شيء، وإن الأعمال أمارات لا موجبات. فهو المحمود في كل أفعاله خلق فريقاً للجنة بطريق الفضل وجعل طائفة للنار على سبيل العدل ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾ [الأنبياء - ٢٢] (رواه أحمد). களேக் ١٢٠ - (وعن أبي نضرة) هو ابن المنذر بن مالك العبدي، عداده في تابعي البصرة، مات قبل الحسن بقليل، سمع ابن عمر وأبا سعيد وابن عباس، وروى عنه إبراهيم التيمي وقتادة وسعيد بن يزيد. ((أن رجلاً من أصحاب النبي وَلجه يقال له أبو عبد الله) وجهالة الصحابي لا تضر حيث كلهم عدول (دخل عليه أصحابه) أي من الصحابة، أو التابعين والأوّل أظهر لما سيأتي. (يعودونه) من العيادة التي هي أفضل من العبادة لفظاً ومعنىّ (وهو يبكي) الجملة حالية (١) مسلم ١٤٥٨/٣ حديث رقم ١٨٢٧. الحديث رقم ١٢٠ : أخرجه أحمد في ٦٨/٥. أ .عج) ٣٠٢ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر فقالوا له: ما يُبْكِيكَ؟ ألم يَقُل لك رسول الله وَّر: ((خُذْ من شاربك ثم أقِرَّهُ حتى تلقاني؟)) قال: بلى، ولكن سمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((إِن الله عز وجل قبض بيمينه قبضة وأخرى باليد الأخرى وقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي)) ولا أدري في أي القبضتين أنا. رواه أحمد . ١٢١ - (٤٣) وعن ابن عباس، رضي الله عنه، عن النبي وَلّر قال: ((أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنَعْمان - (فقالوا له: ما يبكيك؟) أي أي شيء جعلك باكياً، وما السبب والباعث لبكائك؟ (ألم يقل لك رسول الله وَّل: خذ من شاربك) أي بعضه يعني قصه، وهو مقدار ما يساوي الشفة (ثم أقره) بفتح الهمزة وكسر القاف وتشديد الراء، أي دم عليه (حتى تلقاني) أي في الحوض، أو غيره و (حتى)) تحتمل الغاية والعلة. قال الطيبي: الهمزة للإنكار دخلت على النفي فأفادت التقرير والتعجب، أي كيف تبكي وقد تقرر أن رسول الله صل# وعد بأنك تلقاه لا محالة؟ ومن لقيه راضياً عنه مثلك لا خوف عليه. (قال بلى) أي أخبرني بذلك (ولكن سمعت رسول الله وَالطهي يقول: إن الله عزَّ وجلّ قبض) أي بعض الذرية (بيمينه قبضة) أي واحدة (وأخرى) أي وقبض قبضة أخرى لبعض الذرية الأخرى (باليد الأخرى) لم يقل بيساره أدباً، ولذا ورد في حديث آخر: ((وكلتا يديه يمين))، وفي هذا تصوير لجلال الله وعظمته لتعاليه عن الجسم ولوازمه (وقال: هذه) أي القبضة التي قبضها باليمين يعني من فيها، أو هذه المقبوضة (لهذه) أي للجنة (وهذه) أي القبضة التي قبضها بالأخرى (لهذه) أي للنار (ولا أبالي) أي في الحالتين (ولا أدري) أي ولا أعلم (في) وفي نسخة من (أي القبضتين أنا؟))) وحاصل الجواب: أني أخاف من عدم الاحتفال والاكتراث في قوله: ((ولا أبالي)) كذا قاله الطيبي: يعني غلب على الخوف بالنظر إلى عظمته وجلاله بحيث منعني عن التأمل في رحمته وجماله، فإنه تعالى لذاته وعدم مبالاته له أن يفعل ما يريد ولا يجب عليه شيء للعبيد، وأيضاً لغلبة الخوف قد ينسى البشارة والرجاء بها مع أن البشارة مقيدة بالثبات والدوام والإقامة على طريق السنة والاستقامة وهو أمر دقيق وبالخوف حقيق والله أعلم. قال الطيبي: وفي الحديث إشارة إلى أن قص الشارب من السنن المتأكدة والمداومة عليه موصلة إلى قرب دار النعيم في جوار سيد المرسلين. فيعلم أن من ترك سنة، أي سنة فقد حرم خيراً كثيراً فكيف المواظبة على ترك سائرها فإن ذلك قد يؤدي إلى الزندقة (رواه أحمد). ١٢١ - (وعن ابن عباس) [رضي الله عنهما] (عن النبي بَّر قال: ((أخذ الله الميثاق) يعني العهد، أي أراد أخذه بدليل قوله: ﴿فأخرج﴾ (من ظهر آدم) أي من الذرية التي تظهر من ظهره (بنعمان) قال الجوهري: نعمان بالفتح واد في طريق الطائف يخرج إلى عرفات، وفي القاموس وادٍ وراء عرفة وهو نعمان الأراك، وفي النهاية جبل بقرب عرفة، ويقال له نعمان السحاب لأنه الحديث رقم ١٢١ : أخرجه أحمد في المسند ٢٧٢/١. ٠ ٥٦٠ ٠٢ ٣٠٣ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر يعني عرَفَة - فأخرج من صُلبه كل ذرية ذرَأها، فنثرهم بين يديه كالذر، ثم كلمهم قُبُلاً قال: ﴿ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إِنا كنا عن هذا غافلين لا يركد فوقه لعلوه فلمجاورته لها، قال، أي الراوي (يعني عرفة فأخرج من صلبه) بضم أوله، وهو فقار الظهر (كل ذرية ذرأها) بالهمز، أي خلقها إلى يوم القيامة من ذرأ الله الخلق أوجد أشخاصهم، يعني بعضهم بواسطة وبعضهم بغيرها (فنثرهم) أي فرقهم وبثهم ونشرهم (بين يديه) أي قدام آدم أو بعضهم في يمينه وبعضهم في شماله (كالذر) أي مشبهين بالنمل في صغر الصورة (ثم كلمهم) أي خاطبهم سبحانه وتعالى (قبلاً) بضمتين، وقيل: كعنب وصرد وقفل وجبل وهو حال، أي كلمهم عياناً ومقابلة لا من وراء حجاب ولا بأن يأمر أحداً من ملائكته (قال:) استئناف بيان، وقال ابن حجر: بدل من كلمهم، أي وقال لهم (﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾) أنت ربنا، قال ابن عباس: لو قالوا بدل ((بلى)) نعم لكفروا. قال ابن حجر: لأنها لتقرير النفي وبلى رد له، ونفي النفي إثبات، قال في المغني: ولذا قال جماعة من الفقهاء لو قال: أليس لك على ألف؟ فقال: بلى لزمه، ولو قال: نعم لم يلزمه، وقال آخرون يلزمه فيهما وجروا في ذلك على مقتضى العرف، ثم قال: ولكن يقع في كتب الحديث ما يقتضي أنها يجاب بها الاستفهام المجرد، ففي صحيح البخاري في كتاب الإِيمان ((أنه عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى)) (١). وفي صحيح مسلم في كتاب الهبة: ((أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: بلى، قال فلا إذن))(٢). وفيه أيضاً إنه قال: أأنت الذي لقيتني بمكة؟ فقال له: المجيب: بلى، ثم قال: لكن هذا قليل فلا يتخرج عليه التنزيل. اهـ. ولا يخفى أن هذه الأمثلة ليست من قبيل المتنازع فيه في الأزهار، والصحيح أن جوابهم بقول: بلى كان بالنطق وهم أحياء عقلاء، وقيل: بلسان الحال. ثم قيل: تجلى للكفار بالهيبة، فقالوا: بلى مخافة فلم ينفعهم إيمانهم وتجلى للمؤمنين بالرحمة فقالوا: بلى طوعاً فنفعهم إيمانهم. (﴿شهدنا﴾) هو يحتمل أن يكون من تتمة المقول، أي شهدنا على أنفسنا بذلك وأقررنا بوحدانيتك، وإنما احتاجوا إلى هذا مع أن بلى يغني عنه لقوله تعالى: ﴿وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ [الأعراف - ١٧٢] ويحتمل أن يكون من ابتداء كلام الله تعالى، أي شهدنا على إقراركم ويؤيد الأول تقدير الطيبي فعلنا ذلك كراهة. (أن تقولوا) أي احتجاجاً، وقيل: لئلا تقولوا، والجمهور بالخطاب وأبو عمرو بالغيبة في الموضعين على الالتفات، وقال بعض المفسرين: قال الله تعالى للملائكة: ﴿أشهدوا قالوا شهدنا﴾ [الأنعام - ١٣٠] وقال بعضهم: قال الله: ﴿شهدنا﴾ يعني نفسه والملائكة والسموات والأرض، قال سهل بن عبد الله: أنا أتذكر ذلك الميثاق. (﴿يوم القيامة)) ظرف ((أن تقولوا))، أي حين يحاسبون على كفرهم بالله وبکتبه ورسله والمقول (﴿إنا كنا عن هذا﴾) أي هذا الميثاق هذا، [أ] والإقرار بالربوبية والاعتراف بالعبودية (غافلين) أي (١) البخاري ٣٧٨/١١ حديث ٦٥٢٨ ومسلم ٢٠٠/١ حديث ٢٢٠. (٢) مسلم ١٢٤٣/٣ حديث (١٦٢٣.١٧). جودة .... ١١٠٢/٠ ٣٠٤ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر أو تقولوا إِنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذريَّة من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ﴾ رواه أحمد. جاهلين لا نعرفه [ولا نبهنا عليه] ((أو تقولوا﴾) أي البعض المتأخرون احتجاجاً آخر (﴿إنما أشرك آباؤنا من قبل﴾) أي من قبل ظهورنا ووجودنا، أو من قبل إشراكنا (﴿وكنا ذرية من بعدهم﴾) فاقتدينا بهم فاللوم عليهم لا علينا (﴿أفتهلكنا﴾) أي أتعلم ذلك فتعذبنا؟ (﴿بما فعل المبطلون﴾)))(١) من آبائنا بتأسيس الشرك، والمعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد والتذكير به على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس. (رواه أحمد) وقال ابن حجر: رواه أحمد والنسائي وليس النسائي موجوداً في النسخ، ولعله إلحاق في الشرح لكنه مستبعد منه لأنه ليس من دأبه، قال ميرك شاه: كذا رواه أحمد مرفوعاً، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس ورواه ابن أبي حاتم وغيره من طرق كثيرة والله أعلم. ا هـ. وقال التوربشتي: هذا الحديث مخرج في كتاب أبي عبد الرحمن النسائي، ولا يحتمل من التأويل ما يحتمله حديث عمر رضي الله عنه، ولا أرى المعتزلة يقابلون هذه الحجة إلا بقولهم: حديث ابن عباس هذا من الآحاد فلا نترك به ظاهر الكتاب، وإنما هربوا عن القول في معنى الآية بما يقتضيه ظاهر الحديث لمكان قوله تعالى: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾ [الأعراف - ١٧٢] فقالوا إن كان هذا الإقرار عن اضطرار حيث كوشفوا بحقيقة الأمر وشاهدوه عين اليقين فلهم يوم القيامة أن يقولوا شهدنا يومئذ فلما زال عنا علمنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا كان منا من أصاب ومنا من أخطأ، وإن كان على استدلال ولكنهم عصموا عنده من الخطأ فلهم أن يقولوا أيدنا يوم الإقرار بالتوفيق والعصمة وحرمناهما (٢) من بعد ولو مددنا بهما لكانت شهادتنا في كل حين كشهادتنا في اليوم الأول، فقد تبين أن الميثاق ما ركز الله فيهم من العقول وآتاهم(٣) وآباءهم من البصائر لأنها هي الحجة الباقية المانعة لهم أن يقولوا ﴿إنا كنا عن هذا غافلين﴾ لأن الله تعالى جعل هذا الإقرار حجة عليهم في الإشراك كما جعل بعث الرسل حجة عليهم في الإيمان بما أخبروا به من الغيوب. قال الطيبي: وخلاصة ما قالوه إنه يلزم أن يكونوا محتجين يوم القيامة بأنه زال عنا علم الضرورة ووكلنا إلى آرائنا، فيقال لهم: كذبتم بل أرسلنا رسلنا تترى يوقظونكم من سنة الغفلة، وأما قوله: حرمنا عن التوفيق والعصمة من بعد ذلك، فجوابه أن هذا مشترك الإلزام إذ لهم أن يقولوا: لا منفعة لنا في العقول والبصائر حيث حرمنا عن التوفيق والعصمة، والحق أن تحمل الأحاديث الواردة على ظواهرها ولا يقدم على الطعن فيها بأنها آحاد لمخالفتها لمعتقد أحد، ومن أقدم على ذلك فقد حرم خيراً كثيراً، وخالف طريقة السلف الصالحين لأنهم كانوا يثبتون خبر واحد عن واحد عن النبي ◌َّهه ويجعلونه سنة حمد من تبعها وعيب من خالفها. اهـ. وقال في الكشاف: نزل تمكين بني آدم من العلم بربويته بنصب الدلائل وخلق الاستعداد فيهم وتمكينهم من معرفتها والإِقرار بها منزلة ١٣٢ ١/ ١١٣ (١) الأعراف آية ١٧٢ .١٧٣. (٣) في المخطوطة ((وإياهم). (٢) في المخطوطة ((حررناهما)). JA *** A ... كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر ٣٠٥ ١٢٢ - (٤٤) وعن أبيّ بن كعب في قول الله عزَّ وجلّ: ﴿وإِذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ﴾ قال: جمعهم فجعلهم أزواجاً، ثم صوَّرهم فاستنطقهم، فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، ﴿وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم﴾ قالوا: بلى. قال: فإني أشهد عليكم السماوات السبعَ والأرضين الإشهاد والاعتراف تمثيلاً وتخييلاً لا قول ثمة ولا شهادة حقيقة، أقول: لا منع من الجمع وبه يلتئم العقل والسمع، قال المولى العلامة قطب الدين الشيرازي [رحمه الله]: قد تقرر في بداية العقول أن بني آدم من ظهر آدم، فيكون كل ما أخرج من ظهور بني آدم فيما لا يزال هم الذين قد أخرجهم الله تعالى في الأزل من ظهر آدم وأخذ منه الميثاق الأزلي ليعرف منه أن هذا النسل الذي يخرج فيما لا يزال من أصلاب بني آدم هو الذر الذي أخرج في الأزل من صلب آدم وأخذ منهم الميثاق الأوّل وهو المقالي الأزلي، كما أخذ منهم فيما لا يزال بالتدريج حين أخرجوا الميثاق الثاني وهو الحالي اللايزالي؛ فالله سبحانه ميثاقان مع بني آدم أحدهما تهتدي إليه العقول من نصب الأدلة الباعثة على الاعتراف الحالي، وثانيهما المقالي الذي لا تهتدي إليه العقول بل يتوقف على توقيف واقف على أحوال العباد من الآزال إلى الآباد كالأنبياء، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يعلم الأمة بأن وراء الميثاق الذي يهتدون إليه ميثاقاً آخر أزلياً، فقال ما قال: ((من مسح ظهر آدم في الأزل)) الخ وهو في غاية التحقيق ونهاية التدقيق والله أعلم. ١ ١٢٢ - (وعن أبي بن كعب) [رضي الله عنه] (في قول الله عزَّ وجلّ) أي في تفسير قوله تعالى: (﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم))(١) وفي نسخة صحيحة، ذریاتهم، وهما قراءتان متواترتان (قال:) أي أبيّ (جمعهم) أي الله بعد أن أخرجهم (فجعلهم أزواجاً) أي ذكوراً وإناثاً، أو أصنافاً وهو الأظهر ولذا قال الطيبي: أي أراد جعلهم أصنافاً، وفسر الأصناف بقوله الآتي: ((فرأى الغني والفقير)) (ثم صوّرهم) أي على صورهم التي يكونون عليها بعد (فاستنطقهم) أي خلق فيهم العقل وطلب منهم النطق (فتكلموا) بما شاء الله، أو بما سيأتي (ثم) أي بعد التصوير والاستنطاق بحكم تقدير الخلاق (أخذ عليهم العهد) أي بالتوحيد (والميثاق) وهو توكيد العهد بالإِقرار، أو المراد بالعهد ﴿لئن جاءتهم الرسل ليؤمنن بهم﴾ والميثاق الإِيمان المؤكدة ليوفن بذلك (﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾) أي على ذواتهم أو بعضهم على بعض، أو قال لهم اشهدوا على أنفسكم وعلى كل تقدير يؤيد قول من يقول: شهدنا بقولهم (﴿ألست بربكم﴾؟) إما استئناف بيان، وإما التقدير أشهدهم بقوله: ﴿ألست بربكم﴾ أي استشهدهم بهذا (قالوا: بلى) كذا في أكثر النسخ المصححة، وفي بعضها متروك لفظاً وإن كان مقدراً معنى إذ المعنى قالوا: بلى شهدنا (قال: فإني أشهد عليكم السموات السبع) أي نفسها بأن ركب فيها عقولاً مع أن المحققين على أن لجميع الموجودات علماً بموجدها، أي نفسها أو أهلها ١ wARr Adoris mS الحديث رقم ١٢٢ : أخرجه أحمد في المسند ١٣٥/٥. (١) الأعراف. آية ١٧٢. ٠٠٠٠ ٦ ٤ ہدو ٢٠٦٣٩٩ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر ٣٠٦ السبعَ، وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا. اعلموا أنه لا إِله غيري، ولا ربَّ غيري، ولا تشركوا بي شيئاً. إِني سأرسل إليكم رسُلي يُذكْرونكم عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتُبي. قالوا: شهدنا بأنك ربُّنا وإِلهنا. لا ربَّ لنا غيرُك، ولا إِله لنا غيرك. فأقرّوا بذلك، ورُفِع عليهم آدم عليه السلام ينظر إليهم، فرأى الغنيّ والفقيرَ، وحسَنَ الصورة ودون ذلك. فقال: ربّ لولا سوَّيتَ بين عبادك! قال: إِني أحببتُ أن أُشكرَ. (والأرضين) بفتح الراء وتسكن (السبع) كذلك، أي زيادة على شهادتكم على أنفسكم وكفي سود , ٢٠٢٢% بالله شهيداً، وقال الطيبي: إشارة إلى نصب الدليل الظاهر فأشهد بمعنى أنصب وأبين، ويؤيد الأوّل ظاهر قوله: (وأشهد عليكم أباكم آدم) وأوّل الطيبي هذا أيضاً بأنه إلى قوله: ((يذكرونكم)) إشارة إلى النصوص الشاهدة الواردة من جهة الرسل (أن تقولوا) بالخطاب لا غير (يوم القيامة لم نعلم) أي لم نوقن بهذا (اعلموا) أي تحققوا الآن قبل مجيء ذلك الزمان وتبين الأمر بالعيان (أنه لا إله غيري) معبود (ولا رب غيري) موجود (ولا تشركوا بي شيئاً) فإني مقصود (إني) قيل: بالفتح بدل اشتمال مما قبله(١)، وبالكسر استئناف وهو الأظهر، أي إني مع هذا البيان (سأرسل إليكم) في مستقبل الزمان (رسلي) بالبرهان (يذكرونكم) بتشديد الكاف (عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي) بواسطة رسلي، وفيها تبيان كل شيء مما يتعلق بعهدي وميثاقي، ولذا قال تعالى: ﴿أوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ [البقرة - ٤٠] وهذا كالتصريح لما قدمنا من الجمع بين الميثاق المقالي والحالي والعهد الحسي والمعنوي (١). (قالوا: شهدنا) أي علمنا واعترفنا (بأنك ربنا) ورب كل شيء رضينا بربوبيتك (وإلهنا) وإله كل شيء، فنقوم بحق عبوديتك بمقتضى ألوهيتك (لا رب لنا غيرك) فإنك رب العالمين (ولا إله لنا غيرك) فإنك إله العابدين، قال ابن حجر: كان وجه تقديمهم ههنا مقام الربوبية أن شهود تربية الحق حامل، أي حامل على الإيمان بالألوهية [فكان أحق بالتقديم هنا، وإنما عكس ذلك في كلامه تعالى لأن مقام الألوهية] هو الأحق بأن ينبه عليه لأنه الأصل وما عداه وسيلة كما تقرر. (فأقروا بذلك) أي بجميع ما ذكر (ورُفع) بالبناء للمفعول، أي أشرف (عليهم آدم عليه الصلاة والسلام) من مقام عال (ينظر إليهم) حال، أو مفعول له بتقدير إن كما في قوله : * احضر الوغى * (فرأى) أي آدم منهم (الغني) صورة ومعنى باعتبار الآثار اللائحة اللامعة (والفقير) يداً وقلباً، وفي نسخة بتقديم الفقير (وحسن الصورة) أي الظاهرة والباطنة (ودون ذلك) أي في الحسن، أو غير ما ذكر (فقال: رب لولا) أي هلا (سويت) يعني لم ما سوّيت (بين عبادك) والقصد به أن يبين له حكمته (قال: إني أحببت أن أشكر) بالبناء للمفعول، أي أعرف بالأنعام وأشكر على الدوام على لسان الأنام، وهذا المعنى يصحح معنى ما ينقل حديثاً ولم يصح لفظاً: «كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأن أعرف))، ولذا قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وما 24دج (١) في المخطوطة ((بما)). (٢) في المخطوطة ((المعنى). ٤.٧٥ /٧٠٠٠٦, ٠,٦٩٠ لچ ٣٠٧ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر ورأى الأنبياء فيهم مثل السُّرُج عليهم النور، خصُّوا بميثاقٍ آخر في الرسالة والنبوة، وهو قوله تبارك وتعالى: ﴿وإِذْ أَخَذْنا من النبيين ميثاقهم﴾ إِلى قوله: ﴿عيسى ابن مريم﴾ خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات - ٥٦] أي ليعرفون، والمعنى ينظر الغني إلى الفقير فيشكر وينظر الفقير إلى دينه فيرى نعمته فوق الغني فيشكر، ويرى حسن الصورة جماله فيشكر وقبيح الصورة حسن خصاله فيشكر كذا قاله الطيبي. وهو موهم أن حسن الصورة والسيرة لا يجتمعان، وأن الغنى والدين متنافيان، فالأحسن ما قاله شيخنا ابن حجر المكي: إن الغني يرى عظيم نعمة الغني، والفقير يرى عظيم نعمة المعافاة من كدر الدنيا ونكدها وتعبها الذي لا حاصل له غير طول الحساب وترادف المحن وتوالي العذاب، وحسن الصورة يرى ما منحه من ذلك الجمال الظاهر الدال على الجمال الباطن غالباً، وغيره يرى أن عدم الجمال أدفع للفتنة وأسلم من المحنة؛ فكل هؤلاء يرون مزيد تلك النعم عليهم فيشكرون عليها ولو تساووا في وصف واحد لم يتيقظوا لذلك. (ورأى) أي آدم (الأنبياء) وهم أعم من الرسل (فيهم) أي حال كونهم مندرجين في جملتهم (مثل السرج) جمع سراج (عليهم النور) أي يغلب كأنه بيان لوجه شبههم بالسرج، فإن الخلق خلقوا في ظلمة والأنبياء أنوار الله عليهم لائحة يهتدون بهم إلى ربهم، وفيه إشارة إلى أن الأنبياء أيضاً لا يخلون عن ظلمة الأخلاق البشرية، لكن يغلب عليهم العصمة الإلهية والأنوار الربانية ولذا، (خصوا بميثاق آخر) بعدما دخلوا في عموم ميثاق العوام للاهتمام التام بمرامهم عليهم الصلاة والسلام، فقوله: ((خصوا)) استئناف، أو صفة للأنبياء. (في الرسالة والنبوة) أي في شأنهما والقيام بحقهما، والفرق بينهما أن النبي من أنبأ عن الله سواء أمر بأن أنبىء عن الله أم لا، والرسول من أمر بتبليغ الرسالة. (وهو قوله تبارك وتعالى) أي هذا الميثاق هو المراد من قوله: (﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم﴾ إلى قوله ﴿عيسى ابن مريم﴾) وما قبله ﴿ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم﴾ [الأحزاب - ٧] ففيه تخصيص بعد تعميم، فإن الخمسة هم أولو العزم على الأصح، وقدم نبينا وَّر في الذكر لتقدمه في الرتبة، أو في الوجود أيضاً لقوله: ((أوّل ما خلق الله روحي)) وقوله: ((كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد))(١). ثم قال تعالى: ﴿وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً﴾ [الأحزاب - ٧] [أي عظيماً] مؤكداً يسأل الصادقين عن صدقهم، والظاهر منه أن الميثاق الخاص هو العهد بالصدق والإِخلاص، والأظهر أن ميثاق الأنبياء إنما هو مظاهرة بعضهم بعضاً بالإِيمان والتصديق والنصرة والمعاونة كما قال تعالى في موضع آخر: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم اصري﴾ أي عهدي ﴿قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين﴾ [آل عمران - ٨١] وهذا الميثاق الخاص يحتمل أن يكون بعد العام، والأظهر أن يكون قبله في عالم الأرواح تعظيماً لهم وتكريماً، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد)»، (١) بنحوه الترمذي ٥/ ٥٤٥ حدیث رقم ٣٦٠٩. ٢٠٠٠/ ٠٫٠٠ ٠٫٠٠ n9" كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر ٣٠٨ كان في تلك الأرواح، فأرسله إِلى مريم عليهما السلام فحُدّث عن أَبيّ: أنه دخل مِنْ فيها. رواه أحمد . ١٢٣ - (٤٥) وعن أبي الدرداء، قال: بينما نحن عند رسول الله ټو نتذاكر ما يكون، إِذا قال رسول الله وَّرِ: ((إذا سمعتم بجبلٍ زالَ عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلُقِه فلا تُصدقوا به، فإِنه يصير إِلى ما جُبل عليه)). ويدل عليه قوله: (كان) أي عيسى (في تلك الأرواح فأرسله) أي روحه، وهو يذكر ويؤنث، يعني مع جبريل عليه الصلاة والسلام (إلى مريم عليهما السلام) بصيغة التثنية والصحيح (فحدث) بصيغة المجهول، أي روي (عن أبيّ أنه دخل) أي الروح إلى جوفها ثم رحمها، وإنما ذكر الروح بتأويل المنفوخ أو عيسى كذا قاله الطيبي. وفي القاموس الروح بالضم ما به حياة الأنفس ويؤنث. اهـ. فجعل التذكير أصلاً كما هو الأصل في اللفظ. (من فيها))) أي من فمها كذا قاله الأبهري، وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فنفحنا فيه﴾ [التحريم - ١٢٠] أي في فيها، وقرأ ابن مسعود ﴿فيها﴾ أي في مريم، وهو يحتمل أن يكون المراد في فمها، أو في جيب درعها، ويجمع بينهما بفرض ثبوتهما بأن بعض تلك النفخة دخلت من جيبها وبعضها من فمها. وتخصيص عيسى وتقييده بقوله: ((دخل من فيها)) تسجيل على النصارى بركاكة عقولهم، أي كيف يتخذ إلهاً من دون الله من هذا حاله [كذا] قاله الطيبي. ونظيره(١) قوله تعالى: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ [المائدة - ٧٥] قيل: هو كناية عن يبولان ويغوطان (رواه أحمد). ١٢٣ - (وعن أبي الدرداء قال: ((بينما نحن عند رسول الله بَّير نتذاكر) أي مع رسول الله وَ الر، أو مع بعضنا بحضرته وهو يسمع (ما يكون) ما موصولة، أي الذي يحدث من الحوادث أهو شيء مقضي مفروغ منه فتوجد (٢) تلك الحوادث على طبقة، أو شيء يوجد أنفاً من غير سبق قضائه؟ (إذ قال رسول الله وَيقول: إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه) أي لإمكانه، بل حكى وقوعه كما قيل: إن بعض جبال المغرب سار عن محله مسافة طويلة. (وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه) بضم اللام وتسكن، أي خلقه الأصلي بالكلي (فلا تصدقوا به) أي بالخبر عنه بذلك فإنه غير ممكن عادة، ولذا قال تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾ [آل عمران - ١٣٤] ولم يقل والعادمين له. (فإنه) أي الرجل، والمراد به الجنس (يصير) في كل ما يريد أن يفعله ويحدثه (إلى ما جبل) أي خلق وطبع (عليه) من الأخلاق، قال ابن حجر: أي على وفق ما سبق به القضاء والقدر الذي لا يمكن أن يبدل ويغير، فالكيس مثلاً لا يصير بليداً، والسخي لا يصير بخيلاً، والشجاع لا يصير جباناً وعكسها. وهذا مثال تقريبي باعتبار استبعاد العادة لزوال الجبل عن مكانه استبعاداً يلحقه بالمحال العقلي، وحينئذ فلا يقدح في ذلك إمكان (١) في المخطوطة ((نظيرها)). الحديث رقم ١٢٣: أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٤٣. (٢) في المخطوطة ((فيوجد)). ٣٠٩ كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر رواه أحمد. زوال الجبل عن مكانه دون الخلق المقدر عما قدر عليه. اهـ. فإن قلت مدار الصوفية على تبديل الأخلاق فكيف هذا الحديث؟ قلت: التحقيق أن كل أحد خلق وطبع فيه الأخلاق جميعها وهي صالحة بأصلها أن تكون حميدة وأن تكون ذميمة، وإنما تحمد إذا كانت متوسطة بين طرفي الإفراط والتفريط والذميمة ضدها؛ فمثلاً السخاوة صفة معتدلة بين الإِسراف والبخل، وكذا الشجاعة بين التهوّر والجبن، وكذا التواضع بين الضعة والتكبر، والغالب على الناس [عادة] عدم الاعتدال، فالصوفية يجاهدون ويرتاضون في الأخلاق ليبدلوها عن مقتضى العادة ويعدلوها على سنن الاستقامة والعبادة، ولذا (١) قيل: الإرادة ترك العادة، ومن جملتها [البغض] وحالة اعتداله المحمود أن يكون في محله المرضي عند الله على القدر المحدود في الشرع، وكذلك ضده المحبة. ولذا قال رَلجر: ((من أحب الله وأبغض لله فقد استكمل إيمانه))(٢)، وأما إزالة صفة البخل من أصلها بالكلية فغير ممكنة إلا بالجذبة الإلهية، ولذا قال تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتوراً﴾ [الإسراء - ١٠٠] أي بخيلاً، وقال عليه الصلاة والسلام: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأبتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب))(٣)، بل قيل: لو أزيلت الصفات الذميمة بالكلية عن الإِنسان يكون ناقصاً إذ كماله أن تغلب صفاته الحميدة وبهذا فضل نوع الإِنسان على نوع الملك والله أعلم. والحاصل: أن التبديل الأصلي الذاتي غير ممكن كما أشار إليه الحديث النبوي، وأما التبديل الوصفي فهو ممكن، بل العبد مأمور به ويسمى تهذيب النفس وتحسين الأخلاق. قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس - ٩] وفي الحديث: ((حسنوا أخلاقكم))، وفي الدعاء: ((اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي))، ((واللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق لا يهدى لصالحها إلا أنت))(٤)، ومن أراد الاستيفاء فعليه بالأحياء. ويمكن أن يقال إن الخلق المبرم لا يبدل والخلق المعلق يغير وهو مبهم عندنا معلوم عند الله فعلينا المجاهدة، فكل ميسر لما خلق له. ولهذا ترى كثيراً من المرتاضين لم تحسن أخلاقهم في أزمنة طويلة وبعضهم تبدل أخلاقهم الذميمة بالحميدة في مدة قليلة، أو النفي محمول على العادة من غير حصول الأسباب العادية والإثبات على خرقها، وهو تارة يكون بالجذبة الإلهية، وتارة بالرياضات النفسية، وتارة بالعلوم والمعارف الربانية. قال ابن حجر: وفي الحديث إشارة إلى أنه ينبغي استحضار هذا في النظر للخلق بعد وقوع الأفعال منهم حتى تقام أعذارهم في كثير من أحوالهم التي لا يترتب على إقامتها فيها محذور، فإن كلا يجري في تيار ما قدر له لا يخرج عنه مثقال ذرة في حركاته وسكناته. (رواه أحمد) وكذا ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه في تفاسيرهم كلهم من طريق أبي جعفر الراوي عن الربيع عن أنس عن أبي العالية عن ١ جم (١) في المخطوطة ((كذا)). (٢) أبو داود في السنن ٥/ ٦٠ حديث ٤٦٨١. (٣) البخاري ٢٥٣/١١ حديث ٦٤٣٦ ومسلم ٢/ ٧٢٥ حديث ١٠٤٨. (٤) النسائي في معناه ١٢٩/٢ حديث رقم ٨٩٦. ٣١٠ ...... كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر ١٢٤ - (٤٦) وعن أم سلمة، قالت: يا رسول الله! لا يزال يُصيبك في كل عام وجعْ من الشاة المسمومة التي أكلتَ. قال: ((ما أصابني شيء منها إِلا وهو مكتوبٌ عليَّ وأَدم في طينته)). رواه ابن ماجة. (٤) باب اثبات عذاب القبر أبي، وكان مقتضى دأب المصنف أن يقول: روى الأحاديث الخمسة أحمد. ١٢٤ - (وعن أم سلمة) هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية رضي الله عنها، وكانت قبل رسول الله ◌َ﴿ تحت أبي سلمة، فلما مات أبو سلمة سنة أربع تزوّجها رسول الله وَّل في ليال بقين من شوّال من السنة التي مات فيها أبو سلمة، وماتت سنة تسع وخمسين ودفنت بالبقيع وكان عمرها أربعاً وثمانين سنة، وروى عنها ابن عباس وعائشة وزينب بنتها وابن المسيب وخلق سواهم كثير من الصحابة والتابعين. (قالت: ((يا رسول الله لا تزال) بالخطاب، وقيل: بالغيبة (يصيبك) أي يحصل لك (في كل عام) أي سنة (وجع) بفتح الجيم، أي ألم (من الشاة) أي من أجل أثر الشاة (المسمومة) أي بالسم الذي بالغ اليهودي في اصطناعه واتقانه ليقتل في وقته وساعته (التي أكلت) أي في خيبر كما في نسخة (قال: ما أصابني شيء منها) أي من تلك الشاة، أو من تلك الأكلة (إلا وهو) [أي] ذلك الشيء من الألم (مكتوب عليّ وآدم في طينته))) قال الطيبي: مثل للتقدير السابق لا تعيين، فإن كون آدم في طينته أيضاً مقدر قبله كما يقال ما لاح كوكب وما أقام ثبير في التأبيد وإن لم يكن مؤبداً. اهـ. ويؤيده قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾ [الحديد - ٢٢] أي نخلقها، وقضية الشاة تأتي في باب المعجزات إن شاء الله تعالى (رواه ابن ماجة). (باب إثبات عذاب القبر) قال الإمام النووي: مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر، وقد تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿النار يعرضون عليها غدوّاً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ [غافر - ٤٦] وأما الأحاديث فلا تحصى كثرة، ولا مانع في العقل من أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد، أو في الجميع على خلاف بين الأصحاب فيثيبه ويعذبه، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تفرقت أجزاؤه كما يشاهد في العادة، أو أكلته السباع والطيور وحيتان البحر لشمول علم الله تعالى وقدرته. فإن قيل: نحن نشاهد الميت على حاله فكيف يُسأل ويقعد ويضرب ولا يظهر أثر؟ فالجواب: إنه ممكن وله نظير في الشاهد وهو النائم، فإنه يجد لذة وألماً يحسه ولا نحسه، وكذا يجد اليقظان لذة وألماً يسمعه ويتفكر فيه ولا يشاهد ذلك جليسه، وكذلك كان جبريل يأتي النبي وَلّ﴾ فيوحي بالقرآن المجيد ولا يراه أصحابه. الحديث رقم ١٢٤ : أخرجه ابن ماجة في السنن ١١٧٤/٢ حديث رقم ٣٥٤٦. ٣١١ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر الفصل الأول ١٢٥ - (١) عن البراء بن عازب، عن النبي ◌ََّ، قال: ((المسلمُ إِذا سُئِلَ في القبر؛ يشهد أَنْ لا إِله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله: ﴿يثبّتُ اللَّهُ الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾)). وفي رواية عن النبي وَّ، قال: ((﴿يُثْبْتُ اللَّهُ الذينَ (الفصل الأوّل) ١٢٥ - (عن البراء بن عازب) هو وأبوه صحابيان، وهو أبو عمارة الأنصاري الحارثي، نزل الكوفة وافتتح الري سنة أربع وعشرين، وشهد مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين والنهروان، ومات بالكوفة. روى عنه خلق كثير، وعمارة بضم العين المهملة وتخفيف الميم وعازب بعين مهملة وكسر الزاي بعدها موحدة رضي الله عنهما. (عن النبي ◌َّ قال: ((المسلم) وفي معناه المؤمن، والمراد به الجنس فيشمل المذكر والمؤنث، أو حكمها يعرف بالتبعية (إذا سئل في القبر) التخصيص للعادة، أو كل موضع فيه مقره فهو قبره والمسؤول عنه محذوف، أي سئل عن ربه ودينه ونبيه لما ثبت في الأحاديث الآخر. (يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) أي يجيب بأن لا رب إلا الله ولا إله سواه وبأن نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، ويلزم منه أن دينه الإِسلام (فذلك) أي فمصداق ذلك الحكم وقال الطيبي: إشارة إلى سرعة الجواب التي يعطيها جعل إذا ظرفاً ليشهد، والفاء للسببية اهـ. وفيه بحث فإن الظاهر أن الآية سبب لما في الحديث دون العكس، فالأولى أن يقال: إن الفاء تفريعية، أو تفصيلية. (قوله) أي تعالى كما في نسخة (﴿يثبت الله الذين آمنوا﴾) أي يجري لسانهم (﴿بالقول الثابت﴾) وهو كلمة الشهادة المتمكنة في القلب بتوفيق الرب، قال الطيبي: واللام إشارة إلى كلمة طيبة. اهـ. وهذا مقتبس من قوله [تعالى]: ﴿ومثل كلمة طيبة﴾ [إبراهيم - ٢٤] وهي شهادة أن لا إله إلا الله كما جاء عن ابن عباس وغيره ﴿كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء﴾ وهي النخلة على ما في الصحيح، قيل: الباء للسببية متعلقة بيثبت وكذا (﴿في الحياة الدنيا﴾) بأن لا يزالوا عنه إذا فتنوا ولم يرتابوا بالشبهات وإن ألقوا في النار (﴿وفي الآخرة﴾))) أي البرزخ وغيره، وقيل: في القبر عند السؤال وهو الصحيح كما وقع به التصريح، قال الطيبي: وأعاد الجار ليدل على استقلاله في التثبيت. (وفي رواية عن النبي ◌َّلي قال: ((﴿يثبت الله﴾) مبتدأ، أي آية يثبت الله (﴿الذين الحديث رقم ١٢٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٢٣١/٣ حديث رقم ١٣٦٩. ومسلم في الصحيح ٤/ ٢٢٠١ حديث ٧٣. وأبو داود بنحوه ١١٢/٥ حديث رقم ٤٧٥٠. والنسائي ١٠١/٤ حديث رقم ٢٠٥٧. والترمذي ٢٧٦/٥ حديث رقم ٣١٢٠. وابن ماجة ٢/ ١٤٢٧ حديث رقم ٤٢٦٩. 3. ٣١٢ 29.21 ٧,٧ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر آمنوا بالقولِ الثَّابِتِ ﴾ نزلت في عذاب القبر، يقال له: من ربُّك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد)». متفق عليه . ١٢٦ - (٢) وعن أنس، قال: قال رسول الله وَّرِ: ((إِنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قَبرِهِ، وتولى عنه أصحابَهُ [ و] إِنه آمنوا بالقول الثابت﴾) أي إلى قوله: ﴿ويضل الله الظالمين﴾، أي الكافرين ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم - ٢٧] (نزلت في عذاب القبر) أي في إثباته، قال فإن قيل: ليس في الآية دليل على [عذاب المؤمن]، فما معنى قوله نزلت في عذاب القبر؟ قلت: لعله سمى أحوال العبد في القبر بعذاب القبر على تغليب فتنة الكافر على فتنة المؤمن ترهيباً، ولأن القبر مقام الهول والوحشة، ولأن ملاقاة الملكين مما يهيب المؤمن أيضاً. اهـ. وفيه أن المراد إثبات عذاب القبر مجملاً غايته أن عذاب المؤمن الفاسق مسكوت عنه كما هو دأب القرآن في الاقتصار على حكم الفريقين كما ورد في إعطاء الكتاب باليمين والشمال وخفة الميزان وثقله وأمثالهما(١)، وهذا المقدار من الدليل حجة على المخالف إذ لا قائل بالفصل. (يقال له:) أي لصاحب القبر (من ربك؟) فإن كان مسلماً أزال الله الخوف عنه وثبت لسانه في جواب الملكين (فيقول: ربي الله ونبيي محمد))) زاد في الجواب تبجحاً، أو ومن نبيك؟ مقدر في السؤال، أو لأن السؤال عن التوحيد يستلزمه إذ لم يعتد به دونه، وزاد في المصابيح: ((والإِسلام ديني)) فحينئذ يكون منعماً في القبر، وأما الكافر فيغلب عليه الخوف والحيرة والدهشة والوحشة ولا يقدر على جوابهما، فيكون معذباً فيه. قيل: ولم يذكر حال الكافر لأن الضد أقرب خطوراً بالبال عند ذكر ضده فاکتفی به عنه (متفق عليه). ١٢٦ - (وعن أنس قال: قال رسول الله وَ له: إن العبد) [المراد به الجنس] (إذا وضع في قبره) شرط وأتاه جوابه، والجملة خبران (وتولى) أي ادبر وأعرض (عنه أصحابه) أي عن قبره والعبرة بالأكثر، أو عن وضعه، والمعنى: دفنوه، والتعبير عنهم بالأصحاب نظراً للغالب، والأوّل هو الأظهر لقوله: ((يسمع قرع نعالهم)» (إنه) بالكسر، وهو أما حال بحذف الواو كما في أحد وجهي قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة﴾ [الزمر - ٦٠] أي ووجوههم على أن الرؤية بمعنى الإبصار وهو على حد كلمته فوه إلى فيّ، أو يكون (١) كقوله تعالى: ﴿فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه﴾ [الحاقة: آية ١٩]. وكقوله تعالى: ﴿وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه﴾ [الحاقة: آية ٢٥]. وخفة الميزان وثقله كقوله تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية﴾ [القارعة: آية ٦]. ﴿وأما من خفت موازينه فأمه هاوية ﴾ [ القارعة: آية ٨]. الحديث رقم ١٢٦: أخرجه البخاري في الصحيح ٢٠٥/٣ حديث رقم ١٣٣٨. ومسلم في الصحيح ٤/ ٢٢٠١ حديث (٧٠. ٢٨٧٠) وأخرجه النسائي في السنن ٩٧/٤ حديث رقم ٢٠٥١. وأخرجه أبو داود في سننه ١١٤/٥ حديث رقم ٤٧٥٢. ٣١٣ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر ليسمَعُ قرِعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ ملكانٍ فيُقعدانِهِ، فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ لمحمد [صلى الله عليه وسلم]: أنه جواب الشرط على حذف الفاء فيكون ((أتاه)) حالاً من فاعل ((يسمع)) وقد مقدرة، ويحتمل أن يكون إذا ظرفاً محضاً، وقوله: ((إنه)) تأكيد لقوله: ((إن العبد)). (ليسمع) بفتح اللام للتأكيد (قرع نعالهم) بكسر النون جمع نعل، قيل: أي يسمع صوتها لو كان حياً فإن جسده قبل أن يأتيه الملك فيقعده ميت لا يحس بشيء وهو ضعيف، إذ ثبت بالأحاديث أن الميت يعلم من يكفنه ومن يصلي عليه ومن يحمله ومن يدفنه، وقال ابن الملك: أي صوت دقها، وفيه دلالة على حياة الميت في القبر لأن الإِحساس بدون الحياة ممتنع عادة، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: يكون بإعادة الروح وتوقف أبو حنيفة في ذلك. اهـ. ولعل توقف الإِمام في أن الإعادة تتعلق بجزء البدن أو كله قال في شرح السنة؟ يجوز المشي بالنعل في القبور. (أتاه ملكان) أي قبل أن يمضي زمان طويل (فيقعدانه) من الإِقعاد، وقد وقع في بعض الروايات: ((فيجلسانه)) من الإِجلاس وهو أولى، لأن القعود عند الفصحاء في مقابلة القيام، والجلوس في مقابلة الاضطجاع والاستلقاء. ويؤيده ما حكي أن النضر بن شميل مثل بين يدي المأمون فقال: اجلس، فقال: يا أمير المؤمنين لست مضطجعاً فاجلس، قال: كيف أقول؟ قال: قل اقعد. ويحتمل أن يراد بالإِقعاد الإِيقاظ والتنبيه، وإنما يسألان عنه بإعادة الروح، ويمكن أنه يقوم من الفزع والخوف والهيبة والدهشة والحيرة فيقعدانه. قال الطيبي: ولعل من روى: ((فيقعدانه)) ظن أن اللفظين ينزلان في المعنى منزلة واحدة وقد فاته دقة المعنى، ولهذا نهى كثير من السلف عن رواية الحديث بالمعنى، قال النووي: القعود والجلوس مترادفان، واستعمال القعود مع القيام والجلوس مع الاضطجاع مناسبة لفظية، ونحن نقول بموجبه إذا كانا مذكورين، وأما إذا لم يذكر إلا أحدهما فلم تقل أنه كذلك؛ ألا ترى إلى حديث جبريل عليه السلام ((حتى جلس إلى النبي ◌ِّ))(١)، أقول: صرح في القاموس بأنهما لغتان حيث قال: القعود الجلوس، أو هو من القيام والجلوس من الضجعة ومن السجود. اهـ. ويؤيد اللغة الثانية استعمال الفقهاء في أفعال الصلاة القعدة الأولى والقعدة الأخرى والله أعلم. (فيقولان) أي له (ما كنت تقول) أي أي شيء كنت تقوله، أي تعتقد (في هذا الرجل؟) أي في شأنه، واللام للعهد الذهني. وفي الإِشارة إيماء إلى تنزيل الحاضر المعنوي منزلة الصوري مبالغة. (لمحمد) بيان من الراوي للرجل، أي لأجل محمد (مَ﴿) كذا قاله الطيبي وشراح المصابيح، وقال السيد جمال الدين: الأولى أن يقال لمحمد من جملة قول الرسول، والتعبير بمحمد دون النبي والرسول يؤذن بذلك. اهـ. قال الطيبي: ودعاؤه بالرجل من كلام الملك فعبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحاناً للمسؤول لئلا يتلقن تعظيمه عن عبارة القائل: ﴿ثم يثبت الله الذين آمنوا﴾ [إبراهيم - ٢٧] وفي رواية عند أحمد والطبراني: ((ما تقول في هذا الرجل قال: من قال: محمد، فيقول: الخ. قال ابن حجر: ولا يلزم من الإشارة ما قيل من رفع الحجب بين الميت (١) راجع الحديث رقم ٢. م ٠٢٢ ٣١٤ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبدَ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. فيُقال له: أُنْظُرْ إِلى مقعدكَ من النَّارِ، قد أَبدلَكَ الله به مقعداً من الجنَّةِ، فيراهُمَا جميعاً. وأما المنافِقُ والكافِرُ فَيُقَالُ له: ما كُنت تقولُ في هذا الرجلِ؟ فيقولُ: لا أدرِي! كنت أَقولَ ما يقولُ الناسُ! فيقالُ: لادَرَيتَ ولاتلَيتَ، وبينه وَّلر حتى يراه ويُسأل عنه لأن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال على أنه مقام امتحان وعدم رؤية شخصه الكريم أقوى في الامتحان، قلت: وعلى تقدير صحته يحتمل أن يكون مفيداً لبعض دون بعض، والأظهر أن يكون مختصاً بمن أدركه في حياته عليه الصلاة والسلام وتشرف برؤية طلعته الشريفة. (فأما المؤمن فيقول:) أي في جوابه لهما مع اعترافه بالتوحيد كما مر (أشهد أنه عبد الله ورسوله) لا كما زعمت النصارى من الوهية نبيهم، ولا كما زعمت الفرق الضالة أنه ليس برسوله. (فيقال له:) الظاهر أنه على لسانهما تعجيلاً لمسرته وتبشيراً لعظيم نعمته (انظر إلى مقعدك من النار) أي لو لم تكن مؤمناً ولم تجب الملكين (قد أبدلك الله به) أي بمقعدك هذا (مقعداً من الجنة) أي بإيمانك، والقعود هنا أيضاً مستعمل في المعنى الأعم. (فيراهما) أي المقعدين (جميعاً) ليزداد فرحه (وأما المنافق والكافر) تعميم بعد تخصيص (فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري) أي حقيقة أنه نبي أم لا (كنت أقول) أي في الدنيا (ما يقول الناس) أي المؤمنون، وهذا قول المنافق لأنه كان يقول في الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله تقية لا اعتقاداً، وأما الكافر فلا يقول في القبر شيئاً، أو يقول: لا أدري فقط لأنه لم يقل في الدنيا محمد رسول الله، ويحتمل أن يقول الكافر أيضاً دفعاً لعذاب القبر عن نفسه. وقال ابن حجر: إن أراد بالناس المسلمين فهو كذب منه حتى في المنافق لأنه ليس المراد مجرد قول اللسان بل اعتقاد القلب، وإن أراد من هو بصفته فهو جواب غير نافع له. اهـ. والثاني أظهر وهو أن يراد بالناس الكفار، ومراده بيان الواقع لا الجواب [النافع]، وعلى تقدير أن يراد بالناس المسلمون لا محذور أيضاً في كذبهم إذ هذا دأبهم وقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله: ﴿يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾ [المجادلة - ١٨] أي في قولهم: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام - ٢٣] (فيقال) أي له، كما في نسخة (لا دريت) أي لا علمت ما هو الحق والصواب (ولا تليت) أي لا تبعت الناجين، يعني: ما وقع منك التحقيق والتسديد ولا صدر منك المتابعة والتقليد، وقيل: دعاء عليه وهو بعيد، قال السيد جمال الدين: أي لا قرأت فأصله تلوت قلبت الواو لازدواج دريت، أي ما علمت بالنظر والاستدلال، أي العقلي أنه رسول وما قرأت كتاب الله لتعلمه منه، أي بالدليل النقلي وينبئه قوله عليه الصلاة والسلام في الفصل الثالث(١) ((أن المؤمن يقول هو رسول الله، فيقولان: ما يدريك، فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت)) كذا في الأزهار، وقيل: لا تليت لا اتبعت العلماء بالتقليد. اهـ. وقال ابن الملك: قوله: ((ولا تليت)) من تلا يتلو إذا قرأ، أي ولا قرأت الكتاب دعاء عليه، أي بدوام الجهل، أو إخبار. قيل: رواية (١) بل هو في الفصل الثاني الحديث رقم ١٣١. ٣١٥ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر ويُضربُ بمطارقَ من حديدٍ ضربةً، فيصيحُ صيحةٌ يسمعُها من يليهِ غيرَ الثقلَيْنِ)). متفق عليه. ولفظه للبخاري. ((ولا تليت)) خطأ والصواب ولا أتليت من أتلاه إذا اتبعه؛ فالمعنى ما علمت بالنظر والاستدلال حقيقة نبوّته، ولا اتبعت العلماء بالتقليد فيكون اخباراً. اهـ. هذا وفي القاموس: تلوته كدعوته ورميته تبعته، والقرآن أو كل كلام قرأته وأتليته إياه اتبعته، فبهذا يظهر تكلف بعض وخطأ بعض في هذا المقام والله أعلم بالمرام. ثم ذكر في الأزهار فإن قيل: كيف يكلم الملكان جميع المكلفين وكيف يسألانهم في وقت واحد مع كثرتهم في الآفاق والأطراف وبعد المسافة شرقاً وغرباً؟، وأي فائدة من سؤال اثنين من واحد؟ قيل: يكون لهما أعوان كما لملك الموت، وقيل: جميع الأرض مكشوف لهما وفي نظرهما كما لملك الموت وإن أحدهما يسأل المسلمين والآخر الكافرين. اهـ. وفي قول الأخير نظر ظاهر لأنه مخالف لظواهر الأحاديث، ويمكن أن يقال حكمة الاثنين لأنهما بمنزلة الشاهدين، أو عوض الملكين الكاتبين والله أعلم. (ويضرب) أي الكافر (بمطارق) وفي المصابيح بمطرقة وهي آلة الضرب (من حديد) لأنه من بين الفلزات أشد شديد (ضربة) أي بين أذنيه كذا قاله ابن الملك، قال الطيبي: أفرد الضربة وجمع المطارق على نحو قوله * معى جياعاً * ليؤذن بأن كل جزء من تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة. اهـ. والأظهر أن المطارق على حقيقته من معنى الجمعية سواء يكون أقله اثنان أو ثلاثة، والمراد من ضربة دفعة واحدة من الضرب والله أعلم. ثم رأيت ابن حجر قال: كان وجه إفرادها مع جمع المطارق للإشارة إلى أنها تجتمع(١) عليه في وقت واحد فصارت كالضربة الواحدة صورة ثم قال: وفي كلام الطيبي نظر لأن فيه إخراج المطارق عن حقيقته وهي الدلالة على الجمع الذي هو أبلغ في النكال والعذاب من غير داع لذلك. (فيصيح) أي يرفع صوته بالبكاء من تلك الضربة (صيحة يسمعها) أي تلك الصيحة (من يليه) أي يقرب منه من الدواب والملائكة، وعبر بمن تغليباً للملائكة لشرفهم ولا يذهب فيه إلى المفهوم من أن من بعد لا يسمع لما ورد في الفصل الثاني في حديث البراء بن عازب(٢) من أنه يسمعها ما بين المشرق والمغرب، والمفهوم لا يعارض المنطوق. (غير الثقلين))) أي الإِنس والجن، سُمي بهما لأنهما ثقلاً على الأرض، ونصب غير على الاستثناء، وقيل: بالرفع على البدلية واستثنيا لأنهما بمعزل عن سماع ذلك لئلا يفوت الإيمان بالغيب لأنه يصير الإِيمان به لو سمعوه ضرورياً، والإِيمان الضروري لا يفيد ثواباً فيرتفع الابتلاء والامتحان، وقيل: لو سمعوه لأعرضوا عن التدابير والصنائع ونحوهما فينقطع المعاش ويختل نظام العالم، ولذا قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا، وقيل: الغفلة رحمة، وقيل: لولا الأمل لأختل العمل (متفق عليه) أي بحسب المعنى (ولفظه للبخاري) قال ميرك شاه: وفيه نظر لأن رواية مسلم انتهت إلى قوله: ((فيراهما جميعاً» فيحمل الاتفاق على الأكثر فتدبر . (١) في المخطوطة ((يجتمع)). (٢) الحديث رقم ١٣١. ٣١٦ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر ١٢٧ - (٣) وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ أحدكم إِذا ماتَ عُرِضَ عليه مقعَدُهُ بالغداةِ والعَشيِّ، إِنْ كانَ منْ أهلِ الجَنَّةِ فمن أهلِ الجنَّةِ، وإِنْ كان مِنْ أَهْلِ النّارِ فمنْ أهلِ النارِ، فيُقالُ: هذا مقعدُكَ حتى يبعثَكَ الله إِليه يومَ القيامةِ)). متفق عليه . ١٢٧ - (وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَلايقول: ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده) أي أظهر له مكانه الخاص من الجنة أو النار، وهو لا ينافي عرض مقعد آخر فرضياً كما تقدم (بالغداة والعشي) أي طرفي النهار، أو المراد بهما الدوام (إن كان) أي الميت (من أهل الجنة فمن أهل الجنة) أي فالمعروض عليه من مقاعد أهل الجنة، أو فمقعده من مقاعد أهل الجنة يعرض عليه (وإن كان من أهل النار فمن أهل النار) قال الطيبي: يجوز أن يكون المعنى فمن كان من أهل الجنة فيبشر بما لا يكتنه كنهه ويفوز بما لا يقدر قدره، وإن كان من أهل النار فبالعكس لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل الجزاء على الفخامة كقوله: من أدرك الضمان فقد أدرك (فيقال) أي لكل منهما (هذا) أي المقعد المعروض عليك (مقعدك) أي مقعدك الذي أنت مستقر في نعيم عرضه أو جحيمه ومستمر (حتى يبعثك الله إليه) قال السيد جمال الدين: الضمير في ((إليه)) إما أن يرجع إلى المقعد، فالمعنى: هذا مقعدك تستقر فيه حتى تبعث إلى مثله في الجنة أو النار كقوله تعالى: ﴿قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ [البقرة - ٢٥] أي مثل الذي، ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى الله تعالى أي إلى لقائه ويجوز أن يكون الضمير راجعاً إلى المقعد المعروض، أو إلى المقعد الذي هو القبر ((وإلى)) بمعنى من، أي المعروض عليه مقعدك بعد ولا تدخله الآن حتى يبعثك الله إليه، أو القبر مقعدك حتى يبعثك الله منه إلى مقعدك الآخر المعروض عليك. اهـ. وقال الطيبي: الضمير يرجع إلى يوم الحشر، أي هذا الآن مقعدك إلى يوم الحشر فترى عند ذلك كرامة، أو هواناً تنسى عنده هذا المقعد. (يوم القيامة) بالنصب على الظرفية، قال التوربشتي: وهذا لفظ المصابيح، وقد رُوي في الأحاديث الصحاح: ((حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة))، أي هذا مستقرك إلى يوم القيامة، ويجوز أن يكون التقدير: ((حتى يبعثك الله إلى محشر يوم القيامة)) اهـ. وفي الأزهار المراد بالقيامة هنا النفخة الأولى لا الأخرى لأن ما بين النفختين لا يعذب أحد من الكفار والمسلمين، قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل فإن قوله: ((هذا مقعدك)) مطلق متناول للعذاب وغيره مع أن النفخة الأولى حالة إماتة المخلوقات وغشيان للأموات وما ثم هناك بعث فتأمل. (متفق عليه). الحديث رقم ١٢٧ : أخرجه البخاري في صحيحه ٢٤٣/٣ حديث ١٣٧٩. ومسلم في صحيحه ٢١٩٩/٤ حديث رقم (٢٨٨٦.٦٥) والترمذي ٣٨٤/٤ حديث رقم ١٠٧٢. وأخرجه النسائي ١٠٦/٤ حديث رقم ٢٠٧٠. وابن ماجة ٢/ ١٤٢٧ حديث رقم ٤٢٧٠. ومالك في الموطأ ٢٣٩/١ حديث ٤٧ من كتاب الجنائز. وأحمد في المسند ١٦/٢. ٣١٧ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر ١٢٨ - (٤) وعن عائشة، رضي الله عنها، أنّ يهوديةً دخلت عليها، فذكرتْ عذابَ القبرِ، فقالت لها: أعاذِك الله مِنْ عذابِ القبرِ، فسألت عائشةُ رسولَ الله ◌َ لتر عن عذابٍ القبرِ. فقال: ((نعم، عذابُ القبرِ حقٌّ)). قالت عائشةُ: فما رأيتُ رسولَ الله وَله بعد صلَّى صلاةٌ إِلاّ تعوَّذَ باللّهِ من عذابِ القبرِ . ١٢٨ - (وعن عائشة) رضي الله عنها ((أن يهودية دخلت عليها) قال ابن حجر: لا يلزم من ذلك رؤية اليهودية لعائشة المحرم عندنا لمفهوم قوله تعالى: ﴿أو نسائهن﴾ [النور - ٣١] المقتضي لحرمة كشف المسلمة شيئاً من بدنها لكافرة لأنها قد تصفها لكافر فيفتنها. اهـ. ومفهوم المخالفة عندنا غير معتبر ولم ينقل أحد أن نساء النبي وَلقر والصحابة كنّ يحتجبن عن نساء الكفار (فذكرت) أي اليهودية (عذاب القبر فقالت:) أي اليهودية وهو يحتمل أن يكون تفسيراً أو تفريعاً (لها) أي لعائشة (أعاذك الله) أي حفظك وأجارك (من عذاب القبر) جاز علم اليهودية بعذاب القبر لقراءتها في التوراة، أو لسمعها ممن قرأ في التوراة وكانت عائشة لم تعلم ولم تسمع ذلك (فسألت عائشة رسول الله وَل﴿ عن عذاب القبر) أي أحق هو؟ (فقال: نعم عذاب القبر حق) أي ثابت ومتحقق وكائن وصدق (قالت عائشة: فما رأيت رسول الله (وَ لقر بعد) أي بعد سؤالي ذلك (صلى صلاة إلا تعوّذ بالله من عذاب القبر))) وهو يحتمل داخل الصلاة وخارجها والأوّل أظهر. ومن ثم أوجب ذلك بعض العلماء، قيل: يحتمل أنه ما علم ذلك قبل، أو علم ولم يتعوّذ حتى سمع من اليهودية فتعوّذ، أو كان يتعوّذ ولم تشعر به عائشة، وقيل: كان يتعوّذ منه قبل هذا سراً فلما رأى تعجبها منه أعلن به خلف كل صلاة ليثبت في قلبها وليقتدي به أمته وليشتهر ذلك بين الأمة ويترسخ في عقائدهم وليكونوا على خيفة منه، وجاز أنه عليه الصلاة والسلام كان قبل هذا يتعوّذ منه سراً متوقفاً في شأن أمته فيه قبل أن يوحى إليه، ثم تعوّذ منه أعاذنا الله بلطفه منه. قال التوربشتي: روى الطحاوي أنه عليه الصلاة والسلام سمع اليهودية قالت ذلك فارتاع رسول الله وَّت، ثم أوحي إليه بفتنة القبر. ووجدت في حديث آخر أن عائشة رضي الله عنها قالت: لا أدري أكان رسول الله وَل يتعوّذ قبل ذلك ولم أشعر به، أو تعوذ بقول اليهودية؟ قال الطيبي: فعلى هذا فيه تواضع منه عليه الصلاة والسلام وإرشاد للخلق إلى قبول الحق من أي شخص كان فإن الحكمة ضالة المؤمن، وفيه أنه يبعد أنه عليه الصلاة والسلام يعتمد في المسألة الاعتقادية على مجرد قول اليهودية، بل إنه اعتمد على الوحي كما تقدم والله أعلم، وأما قول ابن حجر: وما نقل عن الطحاوي يحتاج إلى نقل فهو غريب، لأن نقله نقل فإنه من المحدثين المشهورين المعروفين بالثقة والعدالة والضبط في الغاية لا سيما وهذا ليس مما يقال بالرأي فيجب حسن الظن به، ومن العجيب أنه لو نقل مثل هذا عمن هو دونه في الرتبة من أصحاب مذهبه كان سنداً معتمداً عنده، ثم في الحديث تنبيه على الحديث رقم ١٢٨ : أخرجه البخاري في صحيحه ٢٣٢/٣ حديث رقم ١٣٧٢. وأخرجه مسلم في صحيحه ٤١١/١ حديث رقم (٥٨٦.١٢٥). وأخرجه النسائي في سننه ١٠٥/٤ حديث رقم ٢٠٦٧. وأحمد في المسند ٦/ ١٧٤. ٣١٨ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر متفق عليه . ١٢٩ - (٥) وعن زيد بن ثابت، قال: بينا رسول الله وَله في حائط لبني النجَّار على بغلةٍ لهُ ونحنُ مَعَهُ، إِذ حادَتْ به وكادَتْ تُلقِيه. وإِذا أقبرٌ ستةٌ أو خمسةٌ، فقال: ((مَنْ يعرفُ أصحابَ هَذِهِ الأقبُرْ؟)) قال رجُلٌ: أنا. قال: ((فَمَتَى ماتُوا؟)) قَالْ: في الشِرْك. فقال: ((إِن هذِهِ الأُمَةِ تُبْتَلَى في قُبُورِها، فلولا أن لا تدافَنُوا لدعوتُ اللَّهَ أن يُسمِعَكم من عذابِ القبرِ أنه لا يجوز لأحد من خلق الله أن يأمن من عذاب الله. (متفق عليه). ١٢٩ - (وعن زيد بن ثابت قال: ((بينا رسول الله وَّلقر في حائط) أي كائن في بستان (لبني النجار) قبيلة من الأنصار (على بغلة له) حال من المستتر في الخبر (ونحن معه) حال متداخلة لأنه حال من الضمير في الحال (إذ حادت) بالحاء المهملة على الصحيح، وقيل: بالجيم من الجودة بالضم، أي مالت ونفرت (به) أي ملتبسة به [فبه] حال، وإذ بسكون الذال للمفاجأة بعد ((بينا)) نص على ذلك سيبويه على ما في المغني (فكادت تلقيه) من الإلقاء، أي تسقطه وترميه عن ظهرها (وإذا أقبر) بفتح فسكون فضم (ستة أو خمسة) إذا بالألف للمفاجأة والواو للحال، أي نحن على ذلك مع رسول الله وَّر وإذا أقبر، أي ظهرت لنا قبور معدودة فاجأناها (فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر) أي ذواتهم وصفاتهم وتاريخ وفاتهم وأيام حياتهم (قال رجل: أنا) أي أعرفهم (قال) وَلّ إذا كنت تعرفهم (فمتى ماتوا؟) أي في الجاهلية، أو بعدها مشركين أو مؤمنين. (قال: في الشرك) أي في زمنه أو صفته، وقال ابن حجر: أي بعد بعثتك بدليل قوله: ((إن هذه الأمة تبتلى في قبورها)) أي بالعذاب فيها، قال: وإنما حملته على ذلك ليوافق الأصح أن أهل الفترة لا عقاب عليهم. اهـ. وفيه أن أهل الفترة على ما حققوا فيه نادر الوجود فكيف يحمل على أهل الشرك؟ (فقال: إن هذه الأمة) أي جنس الإِنسان، فهذه إشارة لما في الذهن وخبره بيان له كهذا أخوك، وأصل الأمة كل جماعة يجمعهم أمر واحد إما دين أو زمان أو مكان. (تبتلى) بصيغة المجهول، أي تمتحن (في قبورها) ثم تنعم أو تعذب (فلولا أن لا تدافنوا) بحذف إحدى التاءين، أي لولا مخافة عدم التدافن إذا كشف لكم (لدعوت الله) أي سألته (أن يسمعكم) من الإسماع مفعول ثان على تضمين سألته أن يجعلكم سامعين (من عذاب القبر) يحتمل أن تكون(١) من للتبعيض. ويحتمل أن تكون زائدة، قال في الأزهار: قيل: المعنى المانع من الدعاء هو الخوف والحيرة والدهشة وانخلاع القلب، وقيل: المانع ترك الإعانة في الدفن، وقال التوربشتي: لو سمعوا ذلك لهم كل واحد منهم خويصة نفسه وعمهم من ذلك البلاء العظيم حتى أفضى بهم إلى ترك التدافن وخلع الخوف أفئدتهم حتى لا يكادوا الحديث رقم ١٢٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٩٩/٤ حديث رقم (٦٧ .٢٨٦٧) وأخرجه أحمد في المسند ١٩٠/٥. (١) في المخطوطة ((يكون)). مجرة . ٣١٩ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر الذي أسمعْ مِنْهُ))، ثم أقبلَ بوجهِهِ عليْنَا، فقالَ: ((تعوَّذوا باللّهِ مِنْ عذابِ النّارِ)). قالوا: نعوذُ باللهِ من عذاب النارِ. قال: ((تعوذوا باللهِ من عذابِ القبرِ)). قالوا: نعوذُ باللَّهِ من عذابِ القبرِ. قال: ((تعوَّذوا بالله من الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وما بَطَنْ)). قالوا: نَعوذُ باللَّهِ من الفتنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنْ. قال: ((تعوَّذوا بالله من فتنة الدجالِ)). قالوا: نعوذُ باللَّهِ من فِتْنَةِ الدجالِ. رواه مسلم. الفصل الثاني ١٣٠ - (٦) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله بَّر: (إِذا قُبِرِ الميتُ يقربون جيفة ميت. (الذي أسمع منه) أي الذي أسمعه من القبر، وقال ابن حجر: أي مثل الذي أسمعه مفعول ثان ليسمع، أي أن يوصل إلى آذانكم أصوات المعذبين في القبر فإنكم لو سمعتم ذلك تركتم التدافن من خوف قلع صياح الموتى أفئدتكم، أو خوف الفضيحة في القرائب لئلا يطلع على أحوالهم. وهذا الحديث مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً))(١)، وفيه أن الكشف بحسب الطاقة، ومن كوشف بما لا يسعه يطيح ويهلك. وقال ابن حجر: ووجه هذا التلازم أن الكشف عن ذلك العذاب يؤدي جهلة العامة إلى ترك التدافن خوفاً عليهم منه، ويؤدي الخاصة إلى اختلاط عقولهم وانخلاع قلوبهم من تصوّر ذلك الهول العظيم فلا يقربون جيفة ميت، وبهذا التفصيل الذي ذكرته يندفع ما قيل: كيف يليق بمؤمن أن يترك الدفن المأمور به حذراً من عذاب القبر؟ بل يلزمه أن يعتقد أن الله إذا أراد تعذيب أحد عذبه ولو في بطن الحيتان وحواصل الطيور. (ثم أقبل علينا بوجهه) تأكيد كقوله: ((رأيته بعيني (فقال: تعوّذوا بالله من عذاب النار) أي اطلبوا منه أن يدفع عنكم عذابها (قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار) أي نعتصم به منها (قال: تعوّذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر) ولعل تقديم عذاب النار في الذكر مع أن عذاب القبر مقدم في الوجود لكونه أشد وأبقى وأعظم وأقوى (قال: تعوّذوا بالله من الفتن) جمع فتنة، وهي الامتحان، وتستعمل في المكر والبلاء وهو تعميم بعد تخصيص. (ما ظهر منها وما بطن) بدل من الفتن، وهو عبارة عن شمولها لأن الفتنة لا تخلو منهما، أي ما جهر وأسر، وقيل: ما يجري على ظاهر الإنسان وما يكون في القلب من الشرك والرياء والحسد وغير ذلك من مذمومات الخواطر (قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن) أي كل فتنة تجر إلى عذاب القبر، أو إلى عذاب النار (قال: تعوّذوا بالله من فتنة الدجال) خص فإنه أكبر الفتن حيث يجر إلى الكفر المفضي إلى العذاب المخلد (قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال)) رواه مسلم). (الفصل الثاني) ١٣٠ - (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلّ: ((إذا قبر الميت) أي دفن وهو قيد غالبي (١) البخاري ٥٢٩/٢ حديث ١٠٤٤ ومسلم ٦١٨/٢ حديث ٩٠١. الحديث رقم ١٣٠: أخرجه الترمذي في سننه ٣٨٣/٣ حديث رقم ١٠٧١. وقال حديث حسن غريب. ٣٢٠ كتاب الإيمان / باب إثبات عذاب القبر أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النَّكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله رسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. ٢٢ سونيا :- وإلا فالسؤال يشمل الأموات جميعها، حتى أن من مات وأكلته السباع فإن الله تبارك وتعالى يعلق روحه الذي فارقه بجزئه الأصلي الباقي من أوّل عمره إلى آخره المستمر على حاله حالتي النمو والذبول الذي تتعلق(١) به الروح أوّلاً فيحيا ويحيا بحياته سائر أجزاء البدن ليسأل فيئاب أو يعذب، ولا يستبعد ذلك فإن الله تعالى عالم بالجزئيات والكليات كلها حسب ما هي عليها فيعلم الأجزاء بتفاصيلها ويعلم مواقعها ومحالها، ويميز بين ما هو أصل وفصل، ويقدر على تعليق الروح بالجزء الأصلي منها حالة الإنفراد، وتعليقه به حال الاجتماع؛ فإن البنية عندنا ليست شرطاً للحياة بل لا يستبعد تعليق ذلك الروح الشخصي الواحد بكل واحد من تلك الأجزاء المتفرقة في المشارق والمغارب، فإن تعلقه بتلك الأجزاء ليس على سبيل الحلول حتى يمنع الحلول في جزء الحلول في جزء آخر (أتاه ملكان أسودان) منظرهما (أزرقان) أعينهما، وإنما يبعثهما الله على هذه الصفة لما في السواد وزرقة العين من الهول والوحشة ويكون خوفهما على الكفار أشد ليتحيروا في الجواب، وأما المؤمنون فلهم في ذلك ابتلاء فيثبتهم الله فلا يخافون ويأمنون جزاء لخوفهم منه في الدنيا. (يقال لأحدهما المنكر) مفعول من أنكر بمعنى نكر إذا لم يعرف أحداً (وللآخر النكير) فعيل بمعنى مفعول من نكر بالكسر إذا لم يعرفه أحد، فهما كلاهما ضد المعروف سميا بهما لأن الميت لم يعرفهما ولم ير صورة مثل صورتهما. ثم يحتمل أن يتمثل الملكان للميت بهذا اللون حقيقة لأنهما مبغوضان والزرقة أبغض الألوان عند العرب لأن الروم أعداؤهم وهم زرق العيون غالباً، ويحتمل أن يراد بالزرقة العمى، قال تعالى: ﴿ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً﴾ [طه - ١٠٢] أي عمياً، ويؤيده ما ورد في الحديث الآخر: ((فيقيض)) أي يقدر له أعمى أصم(٢)، ويحتمل أن يكون المراد بالسواد قبح الصورة وفظاعة المنظر على طريق الكناية وبالزرقة تقليب البصر فيه وتحديد النظر إليه، يقال: زرقت عينه نحوي إذا انقلبت وظهر بياضها وهو كناية عن شدة الغضب. (فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟) قيل: يصوّر صورته عليه الصلاة والسلام فيشار إليه (فيقول: هو عبد الله ورسوله) هذا هو الجواب وذكر الشهادتين أطناب للكلام ابتهاجاً وسروراً وافتخاراً وتلذذاً (أشهد أن لا إله إلا الله وأن) وفي نسخة ((وأشهد أن)) (محمداً عبده ورسوله) ولذا قد أخبر بذلك فيما هنالك، ونظيره قوله: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكاً عليها﴾ [طه - ١٧] الخ فاطنب استلذاذاً بمخاطبة الحق واستذكاراً بنعمته كذا قاله الشراح. والظاهر أن قوله: ((هو عبد الله ورسوله)) ليس جواباً شرعياً لتوقفه على لفظ الشهادة عند بعضهم وعلى التوحيد عند الكل، فيجمع بينهما دلالة على الإِيمان على جهة الإِيقان بخلاف المنافق الآتي ذكره حيث (١) في المخطوطة ((يتعلق)). (٢) الحديث ١٣١. mpth arm