النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
رواه أحمد والترمذي.
١٠٢. (٢٤) وعن أنس رضي الله عنه، قال: كان رسول الله وَلَوَ يُكثرُ أن يقول: ((يا
مقلّب القلوبِ! ثبت قلبي على دينك)) فقلت: يا نبيَّ الله! آمنا بك وبما جئت به، فهل(١)
تخافُ علينا؟ قال: نعمْ؛ إِن القلوب بين أُصبعين من أصابع اللَّهِ، يُقلّبُهَا كيف يشاء)) رواه
الترمذي وابن ماجة .
١٠٣. (٢٥) وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّ: ((مثلُ القلب
القلم))، قيل: وجه التوفيق بين هذا المعنى وبين قوله: ((ما من مولود)) أن يقال الإنسان مركب
من الروحانية التي تقتضي العروج إلى عالم القدس وهي مستعدة لقبول فيضان نور الله تعالى
والتحلي بالكمالات، ومن النفسانية المائلة إلى ظلمات الشهوات والضلال. فهذا الحديث
مسوق في القدر بدليل قوله: ((جف القلم)) فنبه فيه على أن الإِنسان خلق على حالة لا تنفك عن
ظلمة إلا من أصابه من النور الملقى عليهم، وفي هذا الحديث لمح إلى القضاء كقوله: ((ما من
مولود» فأجرى الكلام على ما مر بيانه (رواه أحمد والترمذي).
١٠٢ - (وعن أنس) رضي الله عنه (قال: ((كان رسول الله وَلتر: يكثر) من الإكثار (أن
يقول) هذا القول (يا مقلب القلوب) أي مصرفها تارة إلى الطاعة وتارة إلى المعصية وتارة إلى
الحضرة وتارة إلى الغفلة (ثبت قلبي على دينك) أي اجعله ثابتاً على دينك غير مائل عن الدين
القويم والصراط المستقيم والخلق [العظيم] (فقلت: يا نبي الله آمنا بك) أي بنبوّتك ورسالتك
(وبما جئت به) من الكتاب والسنة (فهل تخاف علينا؟) يعني أن قولك هذا ليس لنفسك لأنك
في عصمة من الخطأ والزلة خصوصاً من تقلب القلب عن الدين والملة، وإنما المراد تعليم
الأمة فهل تخاف علينا من زوال نعمة الإيمان، أو الانتقال من الكمال إلى النقصان؟ (قال:
نعم) يعني أخاف عليكم (إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله) وفي خبر مسلم: ((من أصابع
الرحمن))، والفرق أنه ابتدأ به ثمة، فالرحمة سبقت الغضب فناسب ذكر الرحمن، وهنا وقع
تأييد للخوف عليهم فالمقام مقام هيبة وإجلال، فناسب ذكر مقام الجلالة والإلهية المقتضية لأن
يخص من شاء بما شاء من هداية أو ضلالة (يقلبها) أي القلوب (كيف يشاء))) مفعول مطلق،
أي تقليباً يريده، أو حال من الضمير المنصوب، أي يقلبها على أي صفة شاءها (رواه الترمذي
وابن ماجة).
١٠٣ - (وعن أبي موسى) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَالر: ((مثل القلب) أي صفة
الحديث رقم ١٠٢: أخرجه أحمد في المسند ١١٢/٣. وأخرجه الترمذي ٣٩٠/٤ حديث رقم ٢١٤٠ وقال
حديث حسن وأخرجه ابن ماجة في السنن ٢/ ١٢٦٠ حديث رقم ٣٨٣٤.
(١) في المخطوطة ((هل)).
الحديث رقم ١٠٣: أخرجه أحمد في المسند ٤٠٨/٤. وابن ماجة ٣٤/١ حديث رقم ٨٨.

٢٨٢
عن :
MA:S
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
كَرِيْشَةٍ بأرضٍ فَلاَةٍ يُقَلُِّهَا الرياحُ ظهراً لبطن)). رواه أحمد.
١٠٤. (٢٦) وعن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلّ: ((لا يؤمِنُ عبدٌ حتى
يؤمِنَ بأربعٍ: يشهدُ أنْ لا إِله إِلا اللَّهُ وأني رسولُ اللَّهِ بعثني بالحقِ، ويؤمِنُ بالموتِ،
والبعثِ بعدَ الموتِ،
-٠٤: "
القلب العجيبة الشأن وما يرد عليه من عالم الغيب من الدواعي وسرعة تقلبه بسببها (كريشة) أي
كصفة ريشة، وهي وحدة الريش (بأرض) بالتنوين وقيل: بالإضافة (فلاة) صفة، أي مفازة خالية
من النبات، قيل: ذكر الأرض مقحم لأن الفلاة تدل عليها فالمقصود التأكيد لدفع التجوّز كما
في أبصرتها بعيني، وتخصيص الفلاة لأن التقليب فيها أشد من العمران (يقلبها الرياح)
بالتذكير، وقيل: بالتأنيث. قال الطيبي: صفة أخرى لريشة وجمع الرياح للدلالة على ظهور
التقليب إذ لو استمر الريح على جانب واحد لم يظهر التقلب (ظهراً لبطن))) أي وبطناً لظهر،
يعني كل ساعة يقلبها على صفة فكذا القلب ينقلب ساعة من الخير إلى الشر وبالعكس وقوله:
((ظهراً)) بدل البعض من الضمير في ((يقلبها))، واللام في لبطن بمعنى إلى كقوله تعالى: ﴿منادياً
ينادي للإيمان﴾ [آل عمران - ١٩٣] ويجوز أن يكون ظهراً لبطن مفعولاً مطلقاً، أي تقليباً
مختلفاً وأن يكون حالاً يعني مقدرة، أي يقلبها مختلفة، ولهذا الاختلاف والانقلاب يسمى
القلب قلباً. (رواه أحمد) ورواه ابن ماجة بلفظ: ((مثل القلب مثل الريشة تقلبها الرياح بفلاة)).
١٠٤ - (وعن علي رضي الله عنه) وفي نسخة كرم الله وجهه (قال: قال رسول الله وَلَّى: لا
يؤمن عبد) هذا نفي أصل الإيمان، أي لا يعتبر ما عنده من التصديق القلبي (حتى يؤمن بأربع
يشهد) منصوب على البدل من قوله: ((حتى يؤمن))، وقيل: مرفوع تفصيل لما سبقه، أي يعلم
٤أويتيقن (أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) أي يؤمن بالتوحيد والرسالة، وعدل إلى لفظ الشهادة
٤ أمناً من الإِلباس بأن يشهد ولم يؤمن، أو دلالة على أن النطق بالشهادتين أيضاً من جملة
٤/الأركان فكأنه قيل: يشهد باللسان بعد تصديقه بالجنان، أو إشارة إلى أن الحكم بالظواهر والله
أعلم بالسرائر. (بعثني بالحق) استئناف، كأنه قيل: لم يشهد، فقال: بعثني بالحق، أي إلى
إكافة الإنس والجن، ويجوز أن يكون حالاً مؤكدة، أو خبراً بعد خبر فيدخل على هذا في حيز
الشهادة. وقد حكى لي على القولين كلام الشاهد بالمعنى إذ عبارته أن محمداً وبعثه (ويؤمن
بالموت) بالوجهين (والبعث) أي يؤمن بوقوع البعث (بعد الموت) وتكرير الموت إيذان
للاهتمام بشأنه، قال الأبهري: فإن قلت لَم أكد الموت [بذكر] لفظ (يؤمن)) دون ((البعث)) مع
أن الموت ظاهر لا ينكر والبعث خفي ينكر؟ قلت: إشارة إلى أن أدلة البعث ظاهرة وإلى أنهم
متمادون في الغفلة عن ذكر الموت. اهـ. قلت: ولهذا قال الغزالي: ليس يقين أشبه بالشك
من الموت، قال الراغب: والموت أحد الأسباب الموصلة إلى النعيم؛ فهو في الظاهر فناء وفي
الحقيقة ولادة ثانية وبقاء، وهو باب من أبواب الجنة. فلذلك منّ على الإِنسان بخلقه حيث
الحديث رقم ١٠٤: أخرجه الترمذي في السنن ٣٩٣/٤ حديث رقم ٢١٤٥. وابن ماجة ٣٢/١ حديث ٨١.
٠,٠٠ :" ..
٠٠ ***

٢٨٣
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
ويؤمِنُ بالقَدْرِ)). رواه الترمذي، وابن ماجة.
١٠٥. (٢٧) وعن ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلهو: ((صِنْفَانٍ من
أُمَّتِي ليسَ لهما في الإِسلامِ
قال: ﴿خلق الموت والحياة﴾ وقُدم لأنه الموصل إلى الحياة الحقيقية؛ فالتغييرات الواقعة لأجله
كما في النوى المزروع إذ لا يصير نخلاً إلا بفساد جثته، وكما في البر إذا أردنا أن نجعله زيادة
في أبداننا، وكما في البذر إذا زرع. قيل: فكان ذلك الفساد ظاهراً هو عين الصلاح باطناً فرضاً
النفس بالبقاء في الدنيا إنما هو لقذارتها ورضاها بالإِعراض الدنية كما رضي الجعل بالانغماس
في العذرة(١) دائماً بل قيل: إنه إذا شم المسك مات لوقته. (ويؤمن) بالوجهين (بالقدر) قال
المظهر: المراد بهذا الحديث نفي أصل الإِيمان لا نفي الكمال؛ فمن لم يؤمن بواحد من هذه
الأربعة لم يكن مؤمناً، الأوّل الإقرار بالشهادتين، وأنه مبعوث إلى كافة الإِنس والجن، والثاني
أن يؤمن بالموت، أي يعتقد فناء الدنيا وهو احتراز عن مذهب الدهرية القائلين بقدم العالم
وبقائه أبداً، قلت: وفي معناه التناسخي. ويحتمل أن يراد اعتقاد أن الموت يحصل بأمر الله لا
بفساد المزاج كما يقوله الطبيعي، والثالث أن يؤمن بالبعث، والرابع أن يؤمن بالقدر يعني بأن
جميع ما يجري في العالم بقضاء الله وقدره. (رواه الترمذي وابن ماجة).
١٠٥ - (وعن ابن عباس) رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله وَلاغير: ((صنفان) أي نوعان
(من أمتي) أي أمة الإِجابة (ليس لهما في الإِسلام نصيب) أي حظ كامل، أو ليس لهما في
كمال الانقياد لما قضي وقدر على العباد مما أراد نصيب، أي حظ مطلقاً. قال التوربشتي: ربما
يتمسك به من يكفر الفريقين، والصواب أن لا يسارع إلى تكفير أهل البدع لأنهم بمنزلة
الجاهل، أو المجتهد المخطىء وهذا قول المحققين من علماء الأمة احتياطاً، فيحمل قوله:
((ليس لهما نصيب)) على سوء الحظ وقلة النصيب كما يقال: ليس للبخيل من ماله نصيب. وأما
قوله عليه الصلاة والسلام: ((يكون في أمتي خسف))، وقوله: ((ستة لعنتهم)) وأمثال ذلك فيحمل
على المكذب به، أي بالقدر إذا أتاه من البيان ما ينقطع به العذر، أو على من تفضي(٢) به
العصبية إلى تكذيب ما ورد فيه من النصوص أو إلى تكفير من خالفه. وأمثال هذه الأحاديث
واردة تغليظاً وزجراً، وقال ابن حجر: فمن أطلق تكفير الفريقين أخذاً بظاهر هذا الخبر فقد
استروح بل الصواب عند الأكثرين من علماء السلف والخلف أنّا لا نكفر أهل البدع والأهواء
إلا أن أتوا بمكفر صريح لا استلزامي، لأن الأصح أن لازم المذهب ليس بلازم، ومن ثم لم
يزل العلماء يعاملونهم معاملة المسلمين في نكاحهم وإنكاحهم والصلاة على موتاهم ودفنهم في
(١) في المخطوطة القذر.
الحديث رقم ١٠٥ : أخرجه الترمذي في السنن ٣٩٥/٤ حديث رقم ٢١٤٩ وقال هذا حديث حسن
صحيح. وأخرجه ابن ماجة ٢٤/١ حديث رقم ٦٢.
(٢) في المخطوطة يفضي.

٠٫٣٠
٢٨٤
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
نصيبٌ: المُرجِئَةُ والقَدَرِيَّة)). رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب [ حسن صحيح ].
٦٥٣٠
١٠٦. (٢٨) وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسولَ الله وَلته يقول:
(يكونُ في أُمَّتِي خسْفٌ ومسخٌ، وذلك في المكذبين بالقَدَرِ)).
مقابرهم لأنهم وإن كانوا مخطئين غير معذورين حقت عليهم كلمة الفسق والضلال إلا أنهم لم
يقصدوا بما قالوه اختيار الكفر، وإنما بذلوا وسعهم في إصابة الحق فلم يحصل لهم، لكن
لتقصيرهم بتحكيم عقولهم وأهويتهم وإعراضهم عن صريح السنة والآيات من غير تأويل سائغ،
وبهذا فارقوا مجتهدي الفروع فإن خطأهم إنما هو لعذرهم بقيام دليل آخر عندهم مقاوم لدليل
غيرهم من جنسه فلم يقصروا ومن ثم أثيبوا على اجتهادهم. (المرجئة) يهمز ولا يهمز من
الإرجاء مهموزاً ومعتلاً، وهو التأخير يقولون: الأفعال كلها بتقدير الله تعالى وليس للعباد فيها
اختيار، وأنه لا يضر مع الإِيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، كذا قاله ابن الملك. وقال
الطيبي: قيل: هم الذين يقولون: الإِيمان قول بلا عمل فيؤخرون العمل عن القول وهذا غلط،
بل الحق أن المرجئة هم الجبرية القائلون بأن إضافة الفعل إلى العبد كإضافته إلى الجمادات،
سموا بذلك لأنهم يؤخرون أمر الله ونهيه عن الاعتداد بهما ويرتكبون الكبائر [فهم] على
الإفراط. (والقدرية))) على التفريط والحق ما بينهما. اهـ. والقدرية بفتح الدال وتسكن، وهم
المنكرون للقدر القائلون بأن أفعال العباد مخلوقة بقدرتهم ودواعيهم لا بقدرة الله وإرادته، وإنما
نسبت هذه الطائفة إلى القدر لأنهم يبحثون في القدر كثيراً. (رواه الترمذي وقال: هذا حديث
غريب) عده في الخلاصة من الموضوعات، لكن قال في جامع الأصول: أخرجه الترمذي،
قال صاحب الأزهار: حسن غريب، وكتب مولانا زاده وهو من أهل الحديث [في زماننا] أنه
رواه الطبراني وإسناده حسن، ونقل عن بعضهم أيضاً أن رواته مجهولون كذا ذكره العيني،
وقال الفيروزآبادي: لا يصح في ذم المرجئة والقدرية حديث، وفي الجامع الصغير(١) بعد ذكره
الحديث المذكور رواه البخاري في تاريخه، والترمذي، وابن ماجة عن ابن عباس، وابن ماجة
عن جابر، والخطيب عن ابن عمر، والطبراني في الأوسط عن أبي سعيد، ورواه أبو نعيم في
الحلية عن أنس، ولفظه: ((صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي يوم القيامة المرجئة والقدرية)).
١٠٦ - (وعن ابن عمر) رضي الله عنهما (قال: سمعت رسول الله وَّ ر يقول: يكون في
أمتي) أي أمة الإجابة (خسف ومسخ) يقال: خسف الله به، أي غاب به في الأرض، والمسخ
تحويل صورة إلى ما هو أقبح منها (وذلك) أي ما ذكر من الخسف والمسخ واقع (في المكذبين
بالقدر) بهذا الحديث تبين أن القدرية المذمومة إنما هم المكذبة بالقدر لا المؤمنة به كما زعمت
المعتزلة، ونسبوا أهل السنة والجماعة إلى القدرية لما هو مقتضى المقابلة بالجبرية، وإنما
(١) الجامع الصغير ٣١١/٢ حديث ٥٠٤٢.
الحديث رقم ١٠٦ : أخرجه الترمذي في السنن ٣٩٧/٤ حديث رقم ٢١٥٢ وقال حديث حسن صحيح
غريب. وأخرج أبو داود نحوه ٥/ ٢٠ حديث رقم ٤٦١٣ وأحمد في المسند ١٠٨/٢.

٢٨٥
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
رواه أبو داود، وروى الترمذي نحوه.
١٠٧. (٢٩) وعنه، قال: قال رسول الله وَّله: ((القدَرِيَّة مجوسُ هذه الأمَّة،
عاقبهم الله بهما لإضافتهما الكوائن إلى غير الله محقوا خلق الله ومسخوا صور خلقه فجازاهم
الله بمحق ومسخ، قال الأشرف: معنى الحديث إن يكن مسخ وخسف يكونا في المكذبين
بالقدر. قال الطيبي: لعله اعتقد أن هذه الأمة المرحومة مأمونة منهما فأخرج الكلام مخرج
الشرطية، وقوله: ((ذلك)) أي في الحديث يدل على استحقاق ما سبق، أي من الخسف والمسخ
لأجل ما بعده من التكذيب، وقد سبق عن التوربشتي. أن الحديث من باب التغليظ فلا حاجة
إلى تقدير الشرط، وأبو سليمان الخطابي: ذهب إلى وقوع الخسف والمسخ في هذه الأمة
[حيث قال: ((قد يكونان في هذه الأمة))] كما في سائر الأمم خلاف قول من زعم أن ذلك لا
يكون إنما مسخها بقلوبها ذكره في أعلام السنن، قيل: المراد بالخسف الإذهاب في الأرض
كما فعل بقارون وأمواله، وبالمسخ تبديل الأبدان إلى القردة والخنزير وغيرهما كما فعل بقوم
داود وعيسى، وقيل: المراد بالخسف تسويد الوجه والأبدان مأخوذ من خسوف القمر،
وبالمسخ تسويد قلوبهم وإذهاب معرفتهم وإدخال القساوة والجهل والتكبر فيها كذا ذكره
الأبهري. ولا يبعد أن يكون مسخهما يوم القيامة بتسويد وجوههما كما قاله بعض المفسرين في
قوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه﴾ وجوه أهل السنة ﴿وتسود وجوه﴾ [آل عمران - ١٠٦] وجوه
أهل البدعة، وخسفهما انهيارهما من الصراط في النار، أو نزولهما في قعر دار البوار والله أعلم
بالأسرار. (رواه أبو داود) أي بهذا اللفظ (وروى الترمذي نحوه) أي بالمعنى.
١٠٧ - (وعنه) أي عن ابن عمر (قال: قال رسول الله ◌َله: ((القدرية مجوس هذه الأمة)
أي أمة الإِجابة، لأن قولهم أفعال العباد مخلوقة بقدرهم يشبه قول المجوس القائلين بأن للعالم
الهين خالق الخير وهو يزدان وخالق الشر وهو أهرمن، أي الشيطان وقيل: المجوس يقولون
الخير من فعل النور والشر من فعل الظلمة كذلك القدرية يقولون: الخير من الله والشر من
الشيطان ومن النفس، وقال الخطابي: لإحداثهم في الإِسلام مذهباً يشبه مذهب المجوس من
وجه هو أنهم يضيفون الكائنات أعياناً وأحداثاً إلى الهين أحدهما لا يصدر عنه إلا ما هو خير
والثاني لا يصدر عنه إلا ما هو شر، وقول القدرية يشبه ذلك لكن في الأحداث لا الأعيان
لإضافتهم الخير إلى الله والشر إلى النفس. اهـ. ولعله مذهب فرقة من المعتزلة وإلا فالمشهور
عنهم ما صرح به الزمخشري منهم وهو أن الحسنة التي هي الخصب والصحة والسيئة التي هي
القحط والمرض من الله تعالى، وأما الطاعة فمن العبد، لكن الله تعالى قد لطف به في أدائها
وبعثه عليها وكذلك المعصية منه أيضاً، والله تعالى بريء منها، قال ابن حجر: وعلى هذا فوجه
تسميتهم مجوساً أنه يلزم على قولهم هذا تعدد الإِله أيضاً لأن الباعث على الطاعة غير الباعث
الحديث رقم ١٠٧ : أخرجه أحمد في المسند ٢ /٨٦. وأخرجه أبو داود ٦٦/٥ حديث رقم ٤٦٩١.
وأخرجه ابن ماجة بنحوه عن جابر ٣٥/١ حديث رقم ٩٢.
***

٢٨٦
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
إِنْ مَرِضُوا فلا تعودُوهم، وإِن ماتوا فلا تشهدُوهم» رواه أحمد، وأبو داود.
١٠٨. (٣٠) وعن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلهو: ((لا تجالسوا أهلَ
القدَرِ ولا تفاتحوهم))
على المعصية عندهم كما تقرر. (إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم))) النهي
محمول على الزجر والتغليظ وتقبيح اعتقادهم على قول من لم يحكم بكفرهم، وعلى الحقيقة
على قول من حكم بكفرهم إذ الفاسق لا منع ولا كراهة في شهود جنازته بخلاف المريض
فضلاً عن كفره يمنع عن عيادته كذا ذكره ابن حجر وهو مخالف لمذهبنا؛ فإن عيادة المريض
من المسلمين فرض كفاية كشهود جنازتهم وخص هاتين الخصلتين لأنهما ألزم وأولى من سائر
الحقوق فإنهما حالتان مفتقرتان إلى الدعاء بالصحة والمغفرة، فيكون النهي عنهما أبلغ في
المقصود. (رواه أحمد وأبو داود) وكذا الحاكم(١).
١٠٨ - (وعن عمر) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله صلجر: ((لا تجالسوا أهل
القدر) بضم أوّله. أي لا تواددوهم ولا تحابوهم فإن المجالسة ونحوها من المماشاة من
علامات المحبة وإمارات المودة. فالمعنى: لا تجالسوهم مجالسة تأنيس وتعظيم لهم لأنهم
إما إن يدعوكم إلى بدعتهم بما زينه لهم شيطانهم من الحجج الموهمة والأدلة المزخرفة
التي تجلب من لم يتمكن في العلوم والمعارف إليهم ببادي الرأي، وإما أن يعود عليكم
من نقصهم وسوء عملهم ما يؤثر في قلوبكم وأعمالكم، إذ مجالسة الأغيار تجر إلى غاية
البوار ونهاية الخسار، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾
[التوبة - ١١٩] ولا ينافي إطلاق الحديث تقييد الآية في المنافقين [حيث قال الله تعالى]:
﴿فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم﴾ [النساء - ١٤٠] وكذا
قوله عزَّ وجلّ: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في
حديث غيره﴾ [الأنعام - ٦٨] فلم ينه عن مجالستهم مطلقاً لأن الحديث يحمل على من لم
يأمن على نفسه منهم فيمنع عن مجالستهم مطلقاً، والآية على من أمن فلا حرج عليه في
مجالسته لهم بغير التأنيس والتعظيم ما لم يخوضوا في كفر وبدعة، وكذا إذا خاضوا وقصد
الرد عليهم وتسفيه أدلتهم ومع هذا البعد عنهم أولى والاجتناب عن مباحثتهم أحرى. (ولا
تفاتحوهم))) من الفتاحة بضم الفاء وكسرها، أي الحكومة ومنه قوله تعالى: ﴿ربنا افتح بيننا
وبين قومنا بالحق﴾ [الأعراف - ٨٩] أي لا تحاكموا إليهم فإنهم أهل عناد ومكابرة، وقيل:
لا تبدؤوهم بالسلام أو بالكلام، وقال المظهر: لا تناظروهم فإنهم يوقعونكم في الشك
ويشوّشون عليكم اعتقادكم، أي وإن لم تجالسوهم فهو عطف مغاير، وقيل: عطف خاص
لأن المجالسة تشتمل على المؤاكلة والمؤانسة والمحادثة وغيرها وفتح الكلام في القدر
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٨٥/١.
الحديث رقم ١٠٨: أخرجه أحمد في المسند ٣٠/١. وأخرجه أبو داود ٨٤/٥ حديث رقم ٤٧١٠.
١٠٫٨٬٠٠

٢٨٧
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
رواه أبو داود.
١٠٩. (٣١) وعن عائشة [رضي الله عنها] قالت: قال رسول الله وَّهُ: (ستةُ لعَنْتُهُمْ
ولِعَنَّهُمُ اللَّهُ وكلُّ نبيِّ يجابُ: الزائدُ في كتابِ اللَّهِ، والمكذِّبُ بقَدَرِ اللَّهِ، والمتسَلّطُ
بالجبروتَ
أخص من ذلك. (رواه أبو داود) وكذا أحمد والحاكم(١).
١٠٩ - (وعن عائشة) رضي الله عنها (قالت: قال رسول الله وَله: ستة) أي أشخاص أو
أقوام (لعنتهم) أي دعوت عليهم بالبعد عن رحمة الله (ولعنهم الله) بالواو العاطفة وبدونها وهو
الأصح، ولم يعطفه على جملة قبله إما لأنه دعاء وما قبله خبر، وإما لكونه عبارة عما قبله في
المعنى، لأن لعنة الله هي لعنة رسوله وبالعكس. وأما لكونه استئنافاً كأنه قيل: فماذا بعد؟
فأجيب: لعنهم الله، والثانية منبئة عن الأوّل، أو قيل لم ذا؟ فبالعكس وعلى هذا قوله: (وكل
نبي يجاب) معترض بين البيان والمبين. يعني من شأن كل نبي أن يكون مستجاب الدعوة،
وكل نبي مبتدأ خبره يجاب على بناء المفعول من المضارع، أي يجاب دعوته وهو الرواية
المشهورة. ويُروى بالميم، أي مجاب الدعوة، والجملة على الروايتين إما ابتدائية، وإما عطف
على ((ستة لعنتهم))، أو حال من فاعل لعنتهم. وجملة ((لعنهم الله)) إنشائية معترضة بين الحال
وصاحبها، وقال التوربشتي: لا يصح عطف ((وكل نبي مجاب)) على فاعل ((لعنتهم))، ومجاب
صفة وصححه الأشرفي لوجود الفاصل. قال الطيبي: وفيه نظر لأن المانع عطف الجملة على
المفرد، يعني لا العطف على الضمير المرفوع المتصل، وفيه أن قوله: ((مجاب)» صفة يدل على
أنه لا يريد عطف الجملة، ثم قال الطيبي: ولا يجوز أن يجعل ((مجاب)) صفة لا خبراً إذا يلزم
أن يكون بعض الأنبياء مجاب الدعوة ومنه فر التوربشتي وأبطل رواية الجرفي ((مجاب)). اهـ.
ويمكن أن يجعل صفة كاشفة (الزائد في كتاب الله) أي القرآن وسائر كتبه بأن يدخل فيه ما ليس
فيه، أو يؤوّله بما يأباه اللفظ ويخالف الحكم كما فعلت اليهود، والزيادة في كتاب الله في نظمه
وحكمه كفر وتأويله بما يخالف الكتاب والسنة بدعة. وقال ابن حجر: أي الزائد في كتاب الله
لفظة لم تتواتر عن النبي وَل# زاعماً قرآنيتها لحرمة القراءة بالشواذ، وإن صحت عنه عليه الصلاة
والسلام لأنها حينئذ في حكم الخبر لا القرآن فلا تذكر إلا لبيان تفسير أو زيادة حكم، فمن أتى
بها على أنها قرآن مع اعترافه بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر كما عليه عامة العلماء صدق عليه
أنه زاد في كتاب الله، فيشمله اللعن لفسقه بل كفره إن استباح مطلق الزيادة في القرآن.
(والمكذب بقدر الله) تقدم حكمه (والمتسلط بالجبروت) أي الإنسان المستولي المتقوّي
الغالب، أو الحاكم بالتكبر والعظمة الناشىء عن الشوكة والولاية والجبروت، فعلوت مبالغة من
١
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٨٥/١.
الحديث رقم ١٠٩: أخرجه الترمذي في السنن ٣٩٧/٤ حديث رقم ٢١٥٤.

٢٨٨
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
ليُعزَّ من أذلَّ اللَّهُ ويُذِلَّ من أعَزَّهُ اللَّهُ، والمستحِلُ لحُرَمِ اللَّهِ، والمستحِلُ من عِترتي ما حرَّم
اللَّهُ، والتَّارُكُ لسنَّتي)). رواه البيهقي في ((المدخل)) ورزينٌّ في كتابه.
الجبر وهو القهر، قيل: وإنما يطلق ذلك في صفة الإنسان على من يجبر نقيصته (١) بإدعاء
منزلة من التعالي ولا يستحقها، أو بتولية المناصب من لا يستحقها ومنعها من يستحقها.
(ليعز من أذله الله ويذل من أعزه الله) قيل: اللام في ((ليعز) للعاقبة كما في قوله تعالى:
﴿ليكون لهم عدوّاً وحزناً﴾ [القصص - ٨] وفي الحديث: ((لدوا للموت وابنوا للخراب))(٢)
لا للتعليل إذ يلزم جواز التسلط بغير ذلك ظاهراً، أي من أذله الله لفسقه أو لكفره يرفع
مرتبته على المسلمين، أو يحكمه فيهم كما فعل كثير من حكام الجور برفع اليهود
والنصارى والهنود على كثير من المسلمين والفسقة على العدول المبرزين ويذل من أعزه
الله بأن يخفض مراتب العلماء والصلحاء أو نحوهم. (والمستحل لحرم الله) بفتح الحاء
والراء، يريد حرم مكة بأن يفعل فيه ما لا يحل فيه من الاصطياد وقطع الشجر ودخوله بلا
إحرام كذا قاله الطيبي: وضم الحاء على أنه جمع حرمة تصحيف كذا قاله بعض الشراح،
ونقل ميرك شاه عن التخريج أنه بضم الحاء وفتح الراء، وزعم بعضهم أنه بفتحهما وما
قدمنا أعم إلا أن تكون(٣) الرواية كما قال ولم يثبت ذلك. اهـ. والنسختان صحيحتان
لكن يؤيد الأوّل باعتبار المعنى قوله: (والمستحل من عترتي ما حرم الله) أي من إيذائهم
وترك تعظيمهم والعترة الأقارب القريبة وهم أولاد فاطمة وذراريهم، وتخصيص ذكر الحرم
والعترة وكل مستحل محرم ملعون لشرفهما. وإن أحدهما منسوب إلى الله والآخر إلى
رسول الله؛ فعلى هذا من في ((من عترتي)) ابتدائية، قال الطيبي: ويحتمل أن تكون بيانية
بأن يكون المستحل من عترة رسول الله ( 18 ففيه تعظيم الجرم الصادر عنهم، قال ابن
حجر: هو بضم الحاء وهذا كافر إذ يدخل تحت عمومه من استباح محرماً بالإجماع
معلوماً من الدين بالضرورة كفر بل قال كثيرون لا يشترط علمه ضرورة. (والتارك لسنتي)
أي المعرض عنها بالكلية، أو بعضها استخفافاً وقلة مبالاة كافر وملعون وتاركها تهاوناً
وتكاسلاً لا عن استخفاف عاص واللعنة عليه من باب التغليظ. (رواه البيهقي في المدخل)
بفتح الميم والخاء (ورزين) أو ورواه رزين (في كتابه) أي الذي جمع فيه بين الصحاح
لكنه لم يوف بذلك فقد ذكر فيه حتى الموضوع كخبر: ((الصلاة ليلة النصف من شعبان»
والرغائب كذا قاله ابن حجر. وفي الجامع الصغير(٤) رواه النسائي والحاكم عن عائشة،
والحاكم عن علي.
١٢٠٦
(١) في المخطوطة بعصبية.
البيهقي في شعب الإيمان ٣٩٦/٧ حديث ١٠٧٣٠. ولفظه ((وابنوا للتراب)).
(٢)
(٣)
في المخطوطة ((یکون)).
الجامع الصغير ٢٨٦/٢ حديث رقم ٤٦٦٠. وفيه الترمذي والحاكم عن عائشة والحاكم عن ابن عمر
(٤)
وليس كما في المرقاة والله أعلم. وأخرجه الحاكم ٣٦/١.

** ١٢
٢٨٩
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
١١٠ . (٣٢) وعن مَطَرَ بن عُكامِس رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ وَل ◌َى: ((إذا
قَضَى اللَّهُ لعَبدٍ أن يموتَ بأرضٍ جعل له إِليها حاجةً)). رواه أحمد، والترمذي.
١١١. (٣٣) وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله! ذراريُّ
المؤمنين؟ قال: ((مِنْ آبائهم)). فقلت: يا رسول الله بلا عمل؟ قال: ((اللَّهُ أعلم بما كانوا
عاملين)). قلت: فذراريُّ المشركين؟ قال: ((مِنْ آبائهم)). قلت: بلا عمل؟ قال: ((الله أعلم
بما كانوا عامِلين»
١١٠ - (وعن مطر بن عكامس) رضي الله عنه بضم العين وكسر الميم السلمي، عداده في
الكوفيين له حديث واحد ولم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي. (قال: قال رسول الله تليفون: ((إذا
قضى الله) أي أراد، أو قدر، أو حكم (لعبد أن يموت بأرض وهو في غيرها جعل) أي أظهر الله
(له إليها حاجة))) أي فيأتيها ويموت فيها إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وما تدري نفس بأي أرض
تموت﴾ [لقمان - ٣٤] (رواه أحمد والترمذي) وقال: غريب لا يعرف لمطر غير هذا الحديث،
ورواه الحاكم(١) وقال: صحيح، وفي الجامع الصغير: «إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له بها
حاجة))(٢) رواه أحمد والطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أبي عزة بفتح المهملة وتشديد الزاي.
١١١ - (وعن عائشة) رضي الله عنها (قالت: قلت يا رسول الله ذراري المؤمنين) خبر
مبتدأ محذوف، أي ما حكم ذراريهم أهم في الجنة أم النار؟ (قال: من آبائهم) من اتصالية
كقوله تعالى: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾ [التوبة - ٦٧] وقوله وَالر: ((ما أنا من
دد ولا الدد مني))، أي اللهو واللعب فالمعنى: إنهم متصلون بآبائهم، وقيل: من تبعيضية
والمعنى: هم بعض آبائهم فلهم حكمهم، أي يعلم حكمهم من حكم آبائهم، يعني إن كان
آباؤهم من أهل الجنة فهم كذلك، وقال التوريشتي: أي معدودون من جملتهم لأن الشرع
يحكم بالإِسلام لإسلام أحد الأبوين ويأمر بالصلاة عليهم ومراعاة أحكام المسلمين، وكذلك
يحكم على ذراري المشركين بالاسترقاق وبمراعاة أحكامهم فيهم قبل ذلك وبانتفاء التوارث
بينهم وبين المسلمين فهم ملحقون في ظاهر الأمر بآبائهم. (فقلت: يا رسول الله بلا عمل) هذا
واردٌ منها على سبيل التعجب إذ لا موجب للثواب والعقاب، والمعنى أيدخلون الجنة بلا
عمل؟ والله تعالى يقول: ﴿أدخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل - ٣٢] (قال ◌َّلمرّ: الله أعلم
بما كانوا عاملين) أي لو بلغوا رداً لتعجبها وإشارة إلى القدر، ولهذا أورد الحديث في باب
القدر (قلت: فذراري المشركين) أي فما حكمهم؟ (قال: من آبائهم) أي يعلم من حكم
آبائهم، أو معناه أتباع لآبائهم (قلت: بلا عمل، قال: الله أعلم بما كانوا عاملين) قال
الحديث رقم ١١٠: أخرجه أحمد في المسند ٢٢٧/٥. والترمذي ٣٩٤/٤ حديث رقم ٢١٤٦. وقال حسن
غريب.
(١) الحاكم ٤٢/١.
(٢) الجامع الصغير ٣١/١ حديث ٤٠٤.
الحدیث رقم ١١١: أخرجه أبو داود في السنن ٥/ ٨٥ حديث رقم ٤٧١٢.

٢٩٠
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
رواه أبو داود.
التوربشتي: يعني أنهم تبع لهم في الدنيا، وأما الآخرة فموكول أمرهم إلى علم الله تعالى
بهم. قال القاضي: الثواب والعقاب ليسا بالأعمال وإلا لم يكن ذراري المسلمين والكفار من
أهل الجنة والنار بل الموجب اللطف الإلهي والخذلان المقدر لهم في الأزل، فالواجب فيهم
التوقف وعدم الجزم فإن أعمالهم موكولة إلى علم الله فيما يعود إلى أمر الآخرة، والأعمال
دلائل السعادة والشقاوة ولا يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول. قال النووي في شرح
صحيح مسلم: اختلف العلماء في أطفال المشركين، فمنهم من يقول: هم تبع لآبائهم في
النار، ومنهم من توقف، والصحيح أنهم من أهل الجنة، واستدل عليه بأشياء منها حديث
إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام حين رآه النبي ◌َّله وحوله أولاد الناس قالوا: ((يا رسول
الله وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين))(١). رواه البخاري في صحيحه. ومنها قوله
تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء - ١٥] ولا تكليف على المولود حتى
يلزم الحجة وهذا متفق عليه. قال الطيبي: والحق مذهب التوقف لما ورد في أولاد خديجة
كما سيأتي، وحديث الوائدة والموؤدة في النار (٢) مخالف لحديث إبراهيم عليه الصلاة
والسلام؛ فالوجه أن يبنى الكلام على حديث عائشة رضي الله عنها وقولها: ((عصفور من
عصافير الجنة)) في شأن ولد من أولاد المسلمين فإنه عليه الصلاة والسلام أنكر عليها لأن
الجزم بذلك جزم بأن الأبوين أو أحدهما في الجنة، فعلى هذا أولاد المشركين الذين كانوا
بين يدي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام هم المشركون الذين لم يسلموا حينئذ ثم في
المآل آمنوا. وأما أولاد خديجة والموؤدة فهم الذين مات آباؤهم على الكفر، وأما قوله
تعالى: ﴿وما كنا معذبين﴾ فيحتمل أن يراد بالعذاب الاستئصال في الدنيا لأن ((حتى)) تقتضي
ظاهراً أن يكون العذاب في الدنيا، ويؤيده ما أتبعه من قوله ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا
مترفيها﴾ [الإسراء - ١٦] فلا يتم الاستدلال بالآية، وقال البيضاوي: وكما أن البالغين منهم
شقي وسعيد فالأطفال منهم من سبق القضاء بأنه سعيد من أهل الجنة فهو لو عاش عمل
عمل أهلها ومنهم من حق القلم(٣) بأنه من أهل النار فهو لو عاش عمل عمل أهلها. اهـ.
ويؤيده قضية الغلام الذي قتله الخضر أنه طبع كافراً فهو ممن علم الله أنه لو عاش وبلغ
أشرك، وجاء في بعض الروايات: إنهم يمتحنون في الآخرة برمي أنفسهم في النار فمن أطاع
دخل الجنة ومن أبى دخل النار، وكذا المجانين وأهل الفترة. قال ابن حجر: والحق أيضاً
فيمن مات من أهل الفترة أنهم ليسوا في النار لتلك الآية، وأما الأخبار الدالة على خلاف
ذلك كخبر مسلم: ((أبي وأبوك في النار)) (٤) مؤوّلة وعن أكثر العلماء أنهم في النار. اهـ.
وقد أفردت في هذه المسألة رسالة مستقلة (رواه أبو داود).
smg.
(١) البخاري ١٢/ ٤٣٨ حديث ٧٠٤٧.
(٢) يأتي في الحديث ١١٢.
(٤) أخرج مسلم ١٩١/١ حدیث ٢٠٣.
(٣) في المخطوطة العلم.
wARD

٢٩١
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
١١٢. (٣٤) وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((الوائدةُ
والموؤدةُ في النَّارِ)).
١١٢ - (وعن ابن مسعود) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلير: (الوائدة والموؤدة في
النار))) وأدبنته يئدها وأداً فهي موؤدة، إذا دفنها في القبر وهي حية، وهذا كان من عادة العرب
في الجاهلية خوفاً من الفقر أو فراراً من العار، وبعضهم كانوا يخلونها ويربونها على طريق الذل
والهوان، قال تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم
من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ [النحل - ٥٨ -
٥٩] أي حكمهم بإثبات البنات لله، بقولهم: الملائكة بنات الله، والحال أنهم يكرهون البنات.
قال القاضي: كانت العرب في جاهليتهم يد فنون البنات حية؛ فالوائدة في النار لكفرها وفعلها
والموؤدة فيها لكفرها، وفي الحديث دليل على تعذيب أطفال المشركين، وقد تؤّل الوائدة
بالقابلة لرضاها به والموؤدة بالموؤدة لها وهي أم الطفل فحذفت الصلة إذ كان من ديدنهم أن
المرأة إذا أخذها الطلق حفروا لها حفرة عميقة فجلست المرأة عليها والقابلة وراءها ترقب الولد
فإن ولدت ذكراً أمسكته وإن ولدت أنثى ألقتها في الحفرة وأهالت التراب عليها. قال السيد
جمال الدين: وإيراد المصنف في هذا الباب يأبى عن هذا التأويل تأمل، وقيل: هذا الحديث
والذي قبله إنما أوردا في هذا الباب استدلالاً على إثبات القدر وتعذيب أطفال الكفار، ومن
أراد تأويلها بغير ذلك وجب عليه أن يخرجهما من هذا الباب. قال ابن حجر: إن أريد بهذا
الحديث ما يعم أهل الفترة كان مبنياً على ما نقل عن الأكثرين أنهم في النار، أو ما يختص
بأهل الإِسلام كان محمولاً في الموؤدة على البالغة. اهـ. وهذا بعيد جداً فإنه لا يعرف من
العرب من دفن ولده حياً بعد بلوغه، وأما قولهم: ورد هذا الحديث في قصة خاصة وهي أن
ابني مليكة أتيا رسول الله ﴿ فسألاه عن أم لهما كانت تئد فقال عليه الصلاة والسلام الحديث.
أما الوائدة فلأنها كانت كافرة، وأما الموؤدة فلأنها ولد الكافر، ويحتمل أنها كانت بالغة،
ويحتمل أنها تكون غير بالغة ولكن علم عليه الصلاة والسلام بالمعجزة كونها من أهل النار،
وقيل: ورد في حق امرأة أسقطت حملها(١) من الزنا وماتا فلا يتعين القطع بهذا الحديث على
تعذيب أطفال المشركين لأنه ورد في قضية خاصة فلا يجوز حمله على العموم مع الاحتمال؛
فجوابه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. نعم روى الدارمي في جامع الصحيح: أن
رجلاً قال: ((يا رسول الله إنا كنا أهل جاهلية وعبادة أوثان فكنا نقتل الأولاد وكانت عندي ابنة
لي فلما أحانت وكانت مسرورة بدعائي إذا دعوتها دعوتها يوماً فاتبعتني، فمررت حتى أتينا بئراً
من أهلي غير بعيد، فأخذت بيدها فرديت بها في البئر، وكان آخر عهدي بها أن تقول: يا أبتاه
يا أبتاه فبكى عليه الصلاة والسلام حتى وكف دمع عينيه، فقال له رجل من جلساء النبي ◌َّار:
أحزنت رسول الله وَله، فقال له: كف فإنه يسأل عما أهمه، ثم قال له: أعد عليّ حديثك،
الحديث رقم ١١٢ : أخرجه أبو داود في السنن ٨٩/٥ حديث رقم ٤٧١٧.
(١) في المخطوطة حملاً.

٢٦١٣٠
٢٩٢
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
رواه أبو داود.
الفصل الثالث
١١٣. (٣٥) عن أبي الدَّرداءِ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّر: ((إِن الله عزَّ
وجل فرغَ إِلى كل عبد من خلقه من خَمْسٍ: من أجَله، وعمله، ومضجعِه، وأثرِهِ،
فأعاده فبكى حتى وكف الدمع من عينيه على لحيته، ثم قال له: إن الله قد وضع عن الجاهلية
ما عملوا فاستأنف عملك))(١). قال ابن حجر: فظاهر قوله: ((ما عملوا)» أن المراد بهم أهل
الفترة، قلت: ليس كذلك بل معناه أنه وضع عنهم ما عملوا إذا أسلموا، ولذا قال: تسلية له:
((فاستأنف عملك)) فهو كحديث: ((الإِسلام يهدم ما كان قبله))(٢)، وكقوله تعالى: ﴿عفا الله عما
سلف﴾ [المائدة - ٩٥]. (رواه أبو داود) وسكت عليه هو والمنذري، وقال ابن عبد البر: لا
أعلم أحداً روى هذا الحديث عن الزهري غير أبي معاذ، وهو ناسي الحديث لا يحتج بحديثه
كذا نقله میرك شاه رحمه الله.
(الفصل الثالث)
١١٣ - (عن أبي الدرداء) رضي الله عنه، هو عويمر بن عامر الأنصاري الخزرجي، اشتهر
بكنيته والدرداء ابنته، تأخر إسلامه قليلاً فكان آخر أهل داره إسلاماً، وحسن إسلامه وكان فقيهاً
عالماً حكيماً، يسكن الشام ومات بدمشق سنة اثنتين وثلاثين (قال: قال رسول الله وَله: ((إن الله
عزَّ وجلّ فرغ إلى كل عبد) فرغ يستعمل باللام، ومنه قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أية الثقلان﴾
[الرحمن - ٣٧] واستعماله بإلى هنا لتضمين معنى الانتهاء، أو يكون حالاً بتقدير منتهياً.
والمعنى انتهى تقديره في الأزل من تلك الأمور الخمسة إلى تدبير هذا العبد بإبدائها كما سبق
من قوله: ((شؤون يبديها لا يبتدىء بها)) ويجوز أن يكون إلى بمعنى اللام يقال: هداه إلى كذا
ولكذا وقوله: (من خلقه) صلة ((فرغ)) أي من خلقته، وما يختص به وما لا بد له منه من الأجل
والعمل وغيرهما. وقوله: (من خمس) عطف عليه، ولعل سقوط الواو من الكاتب. ويمكن أن
يقال: إنه بدل منه بإعادة الجار، والوجه أن يذهب إلى أن الخلق بمعنى المخلوق ((ومن)) فيه
بيانية أو تبعيضية، ((ومن)) في ((من خمس)) متعلق بفرغ، أي فرغ إلى كل عبد كائن من مخلوقه
من خمس (من أجله) بفتحتين، من بيانية للخمس، أو بدل بإعادة الجار، والمراد بالأجل مدة
عمره (وعمله) خيره وشره (ومضجعه) بفتح الجيم، أي سكونه وقراره (وأثره) بحركتين، أي
(١) أخرجه الدارمي ١٤/١ حديث رقم ٢.
(٢) مسلم ١١٢/١ حديث رقم ١٢١ .
الحديث رقم ١١٣: أخرجه أحمد في المسند ١٩٧/٥.
هده د.
١٣٠

٢٩٣
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
ورزقه)) رواه أحمد.
١١٤. (٣٦) وعن عائشة، رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله وَّلو يقول: ((من
تكلم في شيء من القدَرِ سئل عنه يوم القيامة، ومن لم يتكلم فيه لم يُسْأل عنه)). رواه ابن
ماجة .
١١٥ . (٣٧) وعن ابن الديلمي رضي الله عنه،
حركته واضطراره (ورزقه))) حلاله وحرامه وكثيره وقليله، وقيل: المراد بأثره مشيه فى الأرض،
قال السيد جمال الدين: وجمع بين مضجعه وأثره وأراد سكونه وحركته ليشمل جميع أحواله
من الحركات والسكنات، وقال نجله السعيد الأظهر: أن يقال المراد من مضجعه محل قبره
وأنه بأي أرض يموت، ومن أثره ما يحصل له من الثواب والعقاب، وأنه من أهل الجنة أو النار
والله أعلم. (رواه أحمد).
١١٤ - (وعن عائشة) [رضي الله عنها] (قالت: سمعت رسول الله وَلهو يقول: ((من تكلم
في شيء) أي وإن قل (من القدر) أعم من النفي والإِثبات والحق والباطل، قال الطيبي: هذا
أبلغ من أن يقال في القدر لإفادة المبالغة في القلة والنهي عنه. اهـ. والظاهر والله أعلم أن
المراد النهي عن التكلم بالأدلة العقلية المتعلقة بمسألة القدر بعد الإيمان بإثبائه، لأن انتهاءها
عند أرباب العلم والعمل إلى قوله تعالى: ﴿لا يسئل عما يفعل﴾ [الأنبياء - ٢٢] (يسئل عنه يوم
القيامة) أي كسائر الأقوال والأفعال، وجوزي كل ما يستحقه، ولعلها إشارة إلى تخصيص قوله
تعالى: ﴿وهم يسئلون﴾ [الأنبياء - ٢٢] (ومن لم يتكلم فيه لم يسأل عنه) لأن الخلق مكلفون
بالإِيمان بالقدر بمقتضى الأدلة النقلية غير مأمورين بتحقيقه بموجب الأدلة العقلية؛ فالشخص
إذا آمن بالقدر ولم يبحث عنه لا يرد عليه سؤال الإعتراض بعدم التفحص فإنه غير مأمور به،
ولذا قال وَي﴿ فيما تقدم على طريق الإِنكار: ((بهذا أمرتم؟)) أي بالتنازع في البحث بالقدر، وقال
أيضاً: ((إذا ذكر القدر فأمسكوا)) والله أعلم. (رواه ابن ماجة).
١١٥ - (وعن ابن الديلمي رضي الله عنه) هو أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الرحمن،
وقيل: أبو الضحاك فيروز الديلمي، ويقال له الحميري لنزوله في حمير وهو من أبناء الفرس
الذين بعثهم كسرى إلى اليمن، قال محمد بن سعيد: ومن أهل الحديث من يقول فيروز بن
الديلمي وهو واحد وفد فيروز على رسول الله وَليه، وهو قاتل الأسود العنسي الكذاب المدعي
للنبوّة، قتله في آخر حياة النبي وَّر، ووصل خبر قتله إياه إليه في مرض الموت فقال عليه
الصلاة والسلام: ((قتله الرجل الصالح فيروز، فاز فيروز، [فاز فيروز])) ويقال أن فيروز ابن
أخت النجاشي. روى عن ابن الضحاك وعبد الله وغيرهما، توفي في خلافة عثمان، وقيل: في
الحديث رقم ١١٤: أخرجه ابن ماجة في السنن ٢٣/١ حديث رقم ٨٤.
الحديث رقم ١١٥: أخرجه أبو داود في السنن ٧٥/٥ حديث رقم ٤٦٩٩. وأخرجه ابن ماجة ٢٩/١
حديث رقم ٧٧. وأحمد في المسند ١٨٩/٥.
جهود
قهوه

٢٩٤
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
قال: أتيتُ أُبيّ بن كعب، فقلت له: قد وقع في نفسي شيءٌ من القَدَر، فحدثني لعل اللَّهَ
أن يذهبَه من قلبي. فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه؛ عذبهم وهو غير
ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم،
زمن معاوية بعد الخمسين كذا في تهذيب الأسماء. قال ميرك شاه: هذا كلام صحيح في نفس
الأمر ليس المراد من ابن الديلمي في هذا المحل هو فيروز الديلمي، بل المراد ابن الضحاك بن
فيروز وهو تابعي مقبول من أوساط التابعين، وأبوه معدود في الصحابة، وله أحاديث. ويحتمل
أن يكون المراد به عبد الله بن فيروز أخا الضحاك، وهو ثقة من كبار التابعين، ومنهم من ذكره
في الصحابة وهذا الاحتمال عندي أظهر والله أعلم. اهـ. وقد ذكر المصنف في أسماء الرجال
للمشكاة ابن الديلمي هو الضحاك بن فيروز تابعي حديثه في المصريين، روى عن أبيه.
والديلمي بفتح الدال منسوب إلى الديلم وهو الجبل المعروف بين الناس، وفيروز بفتح الفاء
وسكون الياء تحتها نقطتان وضم الراء وبالزاي. (قال: أتيت أبي بن كعب) أقرأ الصحابة [رضي
الله عنهما، قال المصنف: هو أبي بن كعب الأكبر الأنصاري الخزرجي، كان يكتب للنبي وَّل
الوحي، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله وَلّل، كناه النبي ◌َّ أبا المنذر
وعمر أبا الطفيل، وسماه النبي ◌َّلير سيد الأنصار وعمر سيد المسلمين، مات بالمدينة سنة تسعة
عشر، روى عنه خلق كثير. (فقلت له:) بحكم قوله تعالى: ﴿فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا
تعلمون﴾ [النحل - ٤٣] (قد وقع في نفسي شيء من القدر) أي حزازة واضطراب عظيم من
جهة أمر القضاء والقدر باعتبار العقل لا بموجب النقل، قال ابن حجر: أي من بعض شبه
القدر التي ربما تؤدي إلى الشك فيه كاعتقاد أن الإنسان يخلق فعل نفسه كما قالته المعتزلة، أو
أنه مجبور على الفعل كما قالته الجبرية، فكيف يعذب؟ وأنا أريد الخلاص منه، أي من هذا
المبحث (فحدثني) أي بحديث (لعل الله أن يذهبه من قلبي) أي رجاء أن يزيل ذلك مني، وقال
أوّلاً ((في نفسي)) وثانياً ((من قلبي)) إشعاراً بأن ذلك تمكن منه وأخذ بمجامعه من ذاته وقلبه كذا
قاله الطيبي. والأظهر أن الحزازة تنشأ من الخطرات النفسية والثبات والاطمئنان من الصفات
القلبية، ثم قوله: ((أن يذهبه)) خبر ((لعل)) أعطاه حكم عسى في دخول أن في خبره. (فقال:)
أي أبي رضي الله عنه متحرياً غاية البيان الشافي ونهاية الإِرشاد الوافي (لو) أي فرض (أن الله
عذب أهل سمواته) من الملائكة المقربين (وأهل أرضه) من الأنبياء والمرسلين (عذبهم) وفيه
إشكال، ودفعه أن الشرطية غير لازمة الوقوع (وهو غير ظالم لهم) الواو للحال لأنه متصرف في
ملكه [وملكه]. فعذابه عدل وثوابه فضل، قيل: فيه إرشاد عظيم وبيان شاف لإزالة ما طلب منه
لأنه يهدم منه قاعدة الحسن والقبح العقليين، لأنه مالك الجميع فله أن يتصرف كيف شاء ولا
ظلم أصلاً. (ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم) أي الصالحة، إشارة إلى أن
رحمته ليست بسبب من الأعمال، وإيجابها إياها إذ هي لا توجبها عليه، كيف وهي من جملة
رحمته بهم؟ فرحمته إياهم محض فضل منه تعالى عليهم، فلو رحم الأوّلين والآخرين فله ذلك
ولا يخرج عن حكمة. غايته أنه أخبر أن المطيعين لهم الثواب وأن العاصين لهم العقاب كما
هو مثبت في أم الكتاب، فالأمر المقدر لا يتبدل ولا يتغير وهذا هو الصواب في الجواب.

٢٩٥
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
ولو أنْفَقْتَ مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قَبِلهُ الله منك حتى تؤمن بالقدَر، وتعلم أنَّ ما
أصابك لم يكن ليُخْطئَك، وأن ما أخطأَ لم يكن ليصيبك. ولو متَّ على غير هذا لدخلتَ
النار. قال: ثم أتيتُ عبد الله بن مسعود، فقال مثلَ ذلك. قال: ثم أتيت حذيفةً بنَ اليمان،
فقال مثل ذلك. ثم أتيتُ زيدَ بنَ ثابت فحدَّثني عن النبي ◌َّر مثل ذلك. رواه أحمد، وأبو
داود، وابن ماجة .
(ولو أنفقت مثل أحد) بضمتين جبل عظيم قريب المدينة المعظمة (ذهباً) تمييز (في سبيل الله)
أي مرضاته وطريق خيراته (ما قبله الله) أي ذلك الإنفاق، أو مثل ذلك الجبل (منك) وهو تمثيل
على سبيل الفرض لا تحديد، إذ لو فرض إنفاق ملء السموات والأرض كان كذلك. (حتى
تؤمن بالقدر) أي بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها وحلوها ومرها ونفعها وضرها وقليلها
وكثيرها وكبيرها وصغيرها بقضائه وقدره وإرادته وأمره، وأنه ليس فيها لهم إلا مجرد الكسب
ومباشرة الفعل. والمراد هنا كمال الإيمان وسلب القبول مع فقده يؤذن بأن المبتدعة لا تقبل
لهم أعمال، أي لا يثابون عليها ما داموا على بدعتهم، ويؤيده خبر: ((أبى الله: أن يقبل عمل
صاحب بدعة حتى يتوب من بدعته))، وفيه إشعار بأنه أهل البدعة ليسوا من المتقين لقوله
تعالى: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ المائدة - ٢٧] وأنه لا يحبهم فإن الله يحب المتقين (وتعلم)
تخصيص بعد تعميم (أن ما أصابك) من النعمة والبلية، أو الطاعة والمعصية مما قدره الله لك أو
عليك (لم يكن ليخطئك) أي يجاوزك (وإن ما أخطأك) من الخير والشر (لم يكن ليصيبك)
وهذا وضع موضع المحال كأنه قيل: محال أن يخطئك، وفيه ثلاث مبالغات دخول أن ولحوق
اللام المؤكدة للنفي وتسليط النفي على الكينونة وسرايته في الخبر، وهو مضمون قوله تعالى:
(قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ [التوبة - ٥١] وفيه حث على التوكل والرضا ونفي الحول
والقوّة وملازمة القناعة والصبر على المصائب. (ولو مت) بضم الميم من مات يموت،
وبكسرها من مات يميت (على غير هذا) أي على اعتقاد غير هذا الذي ذكرت لك من الإيمان
بالقدر (لدخلت النار) يحتمل الوعيد ويحتمل التهديد (قال) أي ابن الديلمي (ثم أتيت عبد الله
بن مسعود) صاحب السجادة والمخدة والنعلين والمطهرة رضي الله عنه (فقال مثل ذلك) أي مثل
جواب أبي في سؤالي (قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان) مر ذكره، وهو صاحب سر النبي ◌َّر،
وأبوه اسمه حسيل بالتصغير واليمان لقبٌ له، وقتل بأحد شهيداً رضي الله عنه (فقال مثل ذلك)
فالحديث من طرقهم صار موقوفاً (ثم أتيت زيد بن ثابت) أفضل كتبة الوحي وأفرض الصحابة،
قال المصنف: هو زيد بن ثابت الأنصاري كاتب النبي وَّر، كان له حين قدم النبي ◌َّر المدينة
إحدى عشرة سنة، وكان أحد فقهاء الصحابة الأجلة القائم بالفرائض، وهو أحد من جمع القرآن
وكتبه في خلافة أبي بكر، ونقله من المصحف في زمن عثمان، روى عنه خلق كثير مات
بالمدينة سنة خمس وأربعين وله ست وخمسون سنة. (فحدثني عن النبي ◌َّلتر مثل ذلك) فصار
الحديث من طريقه مرفوعاً، قال الطيبي: في سؤاله من الصحابة واحداً بعد واحد واتفاقهم في
الجواب من غير تغيير، ثم انتهاء الجواب إلى حديث النبي ◌َّ دليل على الإجماع المستند إلى
النص الجلي، فمن خالف ذلك فقد كابر الحق الصريح. (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة).
٠:٥٢٠
١ قصره

٢٩٦
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
١١٦. (٣٨) وعن نافع رضي الله عنه، أن رجلاً أتى ابن عُمَر فقال: إِن فلاناً يقرأ
عليكَ السلام. فقال: إِنه بلغني أنه قد أحدث، فإن كان قَدْ أحْدَث فلا تُقْرِتْهُ مني السلام؛
فإني سمعتُ رسول الله وَ لَه يقول: ((يكون في أُمَتي. أو في هذه الأمة. خَسْفٌ، ومَسْخٌ، أو
قَذْفٌ في أهل القَدَر)). رواه الترمذي، وأبو داود، وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث
حسن صحيح غريب.
١١٦ - (وعن نافع) أي ابن سرجس مولى عبد الله بن عمر كان ديلمياً، وهو من كبار
التابعين، سمع ابن عمرو أبا سعيد، روى عنه خلق كثير منهم الزهري ومالك بن أنس وهو من
المشهورين بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ويعمل به، معظم حديث
ابن عمر دائر عليه. قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه
من غيره، مات سنة سبع عشرة ومائة، وسرجس بفتح السين المهملة الأولى وسكون الراء وكسر
الجيم. (أن رجلاً أتى ابن عمر فقال) أي الرجل (إن فلاناً يقرأ) وفي نسخة يقرىء (عليك
السلام) في القاموس، قرأ عليه السلام أبلغه كأقرأه أولاً يقال: أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوباً
(فقال) أي ابن عمر (إنه) أي الشأن وتفسيره الخبر وهو قوله: (بلغني أنه قد أحدث) أي ابتدع
في الدين ما ليس منه من التكذيب بالقدر (فإن كان قد أحدث) أي ما ذكر (فلا تقرئه مني السلام)
كناية عن عدم قبول سلامه كذا قاله الطيبي. والأظهر أن مراده أن لا تبلغه مني السلام لأنا أمرنا
بمهاجرة أهل البدع أورده، فإنه ببدعته لا يستحق جواب السلام ولو كان من أهل الإِسلام، قال
ابن حجر: لا تقرئه مني السلام ومن ثم قال العلماء: لا يجب رد سلام الفاسق والمبتدع بل لا
يسن زجراً لهما، ومن ثم جاز هجرهم لذلك. (فإني سمعت رسول الله وَ ير يقول: ((يكون في
أمتي، أو في هذه الأمة) يحتمل الدعوة والإِجابة على ما تقدم، وأو للشك. (خسف) في الأرض
(ومسخ) وفي نسخة، أو مسخ أي تغيير في الصورة (أو قذف) أي رمى بالحجارة كقوم لوط،
قال ميرك شاه: والظاهر أنه شك من الراوي، وقال الطيبي: يحتمل التنويع أيضاً. اهـ. وهذا
صحيح إن لم يكن عطف ((مسخ)) على ((خسف)) بالواو تأمل (في أهل القدر) بدل بعض من قوله
في أمتي بإعادة الجار (رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وقال الترمذي: هذا حديث حسن
صحيح غريب) اعلم أن الغرابة قد تكون في الحديث الحسن أو الصحيح ولكن في الجمع بين
الحسن والصحة إشكال؛ إذ الحسن قاصر عن الصحيح فقيل: يريد الترمذي به أنه روي
بإسنادين أحدهما يقتضي الصحة والآخر الحسن، أو المراد بالحسن معناه اللغوي وهو ما تميل
إليه النفس وتستحسنه، وهذا المعنى لا ينافي الصحيح فاندفع التناقض، وقد يقال: المراد أنه
حسن لذاته صحيح لغيره، فإن الحسن إذا رُوي من وجه آخر ترقى من الحسن إلى الصحيح
١٢/١/ ١٣٢
الحديث رقم ١١٦ : أخرجه الترمذي في السنن ٤/ ٣٩٧ حديث رقم ١٢٥٢ وقال حديث حسن صحيح
غريب. وأخرجه ابن ماجة في السنن ٢/ ١٢٥٠ حديث رقم ٤٠٦١. وأخرج أبو داود ونحوه ٢٠/٥
حديث رقم ٤٦١٣. وأحمد في المسند ١٣٦/٢.
محمد
٠٫٠٠٠
...-***

٢٩٧
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
١١٧ . (٣٩) وعن علي، رضي الله عنه، قال: سألتْ خديجةُ النبيَ بَّ، عن ولدين
ماتا لها في الجاهلية. فقال رسول الله وَالقرن: ((هما في النار)). قال: فلمَّا رأى الكراهةَ في
وجهها قال: ((لو رأيت مكانهما لأبغضتِهما)). قالت: يا رسولَ الله! فولدي منك؟ قال: ((في
الجنة)). ثم قال رسول الله والتر: ((إِن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإِن المشركين
وأولادهم في النار)). ثم قرأ رسول الله وَّ: ﴿والذينَ آمَنوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُريتهم [ بإيمان ألحقنا
بهم ذریتهم] ﴾
لقوّته من الجهتين فيعتضد أحدهما بالآخر.
١١٧ - (وعن علي) [رضي الله عنه] (قال: سألت خديجة النبي ◌َّر عن ولدين ماتا [لها]
في الجاهلية) أي عن شأنهما وأنهما في الجنة أو النار، وقال المؤلف: هي أم المؤمنين خديجة
بنت خويلد بن أسد القرشية، كانت تحت بني هالة بن زرارة، ثم تزوّجها عتيق بن عائد(١)، ثم
تزوّجها النبي ◌َّ﴾ ولها يومئذ من العمر أربعون سنة، ولم ينكح النبي ◌َّر قبلها امرأة ولا نكح
عليها حتى ماتت. وهي أوّل من آمن من كافة الناس من ذكرهم وأنثاهم وجميع أولاده منها غير
إبراهيم فإنه من مارية. وماتت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين، وقيل:
بثلاث وكان قد مضى من النبوّة عشر سنين، وكان لها من العمر خمس وستون سنة، وكانت
مدة مقامها مع رسول الله وَلفر خمساً وعشرين سنة ودفنت بالحجون(٢). (فقال رسول الله إليه:
هما في النار قال:) أي علي (فلما رأى) أي النبي وَّر (الكراهة) أي أثرها من الكآبة والحزن
(في وجهها قال:) أي تسلية لها (لو رأيت مكانهما) وهو جهنم (لأبغضتهما) وفي نسخة
((لأبغضتيهما)) بإشباع الكسرة ياء، أي لو أبصرت منزلتهما في الحقارة والبعد عن نظر الله تعالى
لرأيت الكراهة وأبغضتهما، أو لو علمت مكانهما أي منزلتهما وبغض الله إياهما لأبغضتهما
وتبرأت منهما تبرأ إبراهيم عن أبيه حيث تبين أنه عدوّ الله (قالت: يا رسول الله فولدي منك،
قال: في الجنة) والمراد بأولادها منه وَ ل﴿ القاسم وعبد الله. وقيل: الطيب والطاهر أيضاً،
وقيل: هما لقبان لعبد الله وهو قول الأكثر والله أعلم. (ثم قال رسول الله: إن المؤمنين
وأولادهم في الجنة) وهذا لا خلاف فيه يعتد به (وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ
رسول الله ◌َلخر (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾)(٣) وفي نسخة صحيحة: ((ذرياتهم)) وهما
قراءتان متواترتان، قال الطيبي: وفي الحديث أن الأولاد تابعة لآبائهم لا لأمهاتهم، ولذلك
استشهد لذلك بقوله تعالى: ﴿ألحقنا بهم ذريتهم﴾ وأما طريق الاستشهاد لإلحاق أولاد المؤمنين
في العليم: ١٠ -٥ جا جم الجمر٨ الخليجلان :: ٠٠٣٢٦
الحديث رقم ١١٧ : أحمد في المسند ١٣٤/١.
(١) في المخطوطة ((عابد)).
(٢) الخَجون. مكان في مكة لا زال معروفاً. وهو مكان ركز فيه الرسول وَله يوم فتح مكة رايته. (المعالم
الأثيرة في السنة والسيرة ص ٩٧).
(٣) سورة الطور. آية ٢١.
؟' تصا،س
٠.٠
١٠٥٫٦٠٪

٠١٠٠
ـة ر
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
٢٩٨
رواه أحمد.
١١٨. (٤٠) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: «لما خلق اللَّهُ
آدم مَسَحَ ظهره فسقط عن ظهره كلُّ نسمة
بالآباء فأن يقال لا ريب أن هذا الإلحاق لكرامة آبائهم ومزيد سرورهم وغبطتهم في الجنة وإلا
فينغص عليهم كل نعيم ومن ثم قيل: ﴿والذين آمنوا﴾ في محل نصب على تقدير وأكرمنا الذين
آمنوا ألحقنا بهم على شريطة التفسير(١) الكشاف ﴿الذين آمنوا﴾ مبتدأ ﴿وبإيمان ألحقنا بهم
ذريتهم﴾ خبره والذي بينهما اعتراض، والتنكير في إيمان للتعظيم، والمعنى بسبب إيمان عظيم
رفيع المحل وهو إيمان الآباء ألحقنا بدرجاتهم ذريتهم وإن كانوا لا يستأهلونها تفضلاً عليهم
وعلى آبائهم ليتم سرورهم وليكمل نعيمهم، وهذا المعنى مفقود في الكفار. اهـ. قلت: بل
كون أولادهم معذبين معهم سبب لزيادة عذابهم وشدة عقابهم، ثم ما ذكره الشراح من تفسير
الآية ليس صريحاً في المدعي من الحديث أن أولاد المؤمنين الصغار تبع لآبائهم في دخول
الجنة، أو في رفع الدرجة، وإنما يستفاد من تفسير البغوي حيث قال: اختلفوا في تفسير الآية
فقال قوم: معناها ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان﴾ يعني أولادهم الصغار والكبار،
فالكبار بإيمانهم بأنفسهم والصغار بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعاً لأحد
الأبوين، ألحقنا بهم ذريتهم المؤمنين في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم
تكرمة لآبائهم لتقر بذلك أعينهم، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما،
وقال آخرون: معناه والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم البالغون بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم الصغار
الذين لم يبلغوا الإِيمان بإيمان آبائهم، وهو قول الضحاك، ورواية العوفي عن ابن عباس:
((أخبر الله عزَّ وجلّ أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا
إليه، يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه من غير أن ينقص الآباء من أعمالهم
شيئاً)) فذلك قوله: ﴿وما ألتناهم﴾ أي ما نقصناهم يعني الآباء ﴿من عملهم من شيء﴾ [الطور -
٢١] وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعاً ((إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه
في العمل لتقرّبه عينه))، ثم قرأ ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم) الآية(٢). اهـ. وظاهر الآية
أن الذين آمنوا أعم من الآباء والأمهات، ولعل أولاد خديجة في النار لأنها حال موتهم لم تكن
مؤمنة فلا ينافي قول العلماء: الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعاً لأحد الأبوين، وحينئذ ليس
كلام الطيبي على صرافته فتدبر. (رواه أحمد).
١١٨ - (وعن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال: قال رسول الله وَلاير: ((لما خلق الله آدم
مسح ظهره) تقدم (فسقط) أي خرج (من ظهره) وفي نسخة صحيحة: ((عن ظهره)) أي بواسطة
وغيرها (كل نسمة) أي ذي روح، وقيل: كل ذي نفس مأخوذة من النسيم قاله الطيبي. وفي
(١) في المخطوطة ((تفسير)) بغير ال.
(٢) الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٦٨.
الحديث رقم ١١٨: أخرجه الترمذي ٢٤٩/٥ حديث رقم ٣٠٧٦ وقال حسن صحيح.

٢٩٩
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عَيْنَي كلٍ إِنسانٍ منهم وبيصاً من نور، ثم
عرضهم على آدم، فقال: أي رب! مَنْ هؤلاءِ؟ قال: ذرّيَّتُك. فرأى رجلاً منهم فأعجبه
وبيصُ ما بين عينيه، قال: أي ربّ! من هذا؟ قال: داود. فقال: رب! كم جعلت عمره؟
قال: ستين سنة. قال: ربّ زده من عمري أربعين سنةً)). قال رسول الله وَله: ((فلما انقضى
عمر آدم إِلا أربعين جاءه ملك الموت، فقال آدم: أو لم يبق من عمري أربعون سنةً؟ قال:
أو لم تُعْطِها
القاموس النسيم محركة نفس الروح كالنسمة محركة، ونفس الريح إذا كان ضعيفاً كالنسيم (هو
خالقها من ذريته) الجملة صفة نسمة، ذكرها ليتعلّق بها قوله: (إلى يوم القيامة) ومن بيانية،
وفي هذا الحديث دليل على أن إخراج الذرية كان حقيقياً (وجعل بين عيني كل إنسان) أي منهم
على نسخة، والأصح بين عيني ثاني مفعولي جعل، ويجوز أن يكون بمعنى خلق فيكون ظرفاً
له (وبيصاً) أي بريقاً ولمعاناً (من نور) وفي ذكره إشارة إلى الفطرة السليمة، وفي قوله: ((بين
عيني كل إنسان)) إيذان بأن الذرية كانت على صورة الإِنسان على مقدار الذر (ثم عرضهم على
آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال:) تعالى هم (ذريتك فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين
عينيه قال:) بغير الفاء (أي رب من هذا؟ قال:) تعالى (هو داود) قيل: تخصيص التعجب من
وبيص داود إظهار لكرامته ومدح له فلا يلزم تفضيله على سائر الأنبياء، لأن المفضول قد يكون
له مزية بل مزايا ليست في الفاضل، ولعل وجه الملاءمة بينهما اشتراك نسبة الخلافة. (فقال:
رب) وفي نسخة صحيحة: ((أي رب)) (كم جعلت عمره؟) بضم العين والميم وقد تسكن، وكم
مفعول لما بعده وقدم لماله الصدر، أي كم سنة جعلت عمره؟ (قال: ستين سنة، قال: رب
زده من عمري) يعني من جملة الألف، ومن عمري صفة أربعين قدمت فعادت حالاً وقوله:
(أربعين سنة) مفعول ثان لقوله «زده)) كقوله تعالى: ﴿رب زدني علماً﴾ [طه - ١١٤] قال أبو
البقاء: زاد يستعمل لازماً كقولك: زاد الماء، ويستعمل متعدياً إلى مفعولين كقوله: زدته
درهماً، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿فزادهم الله مرضاً﴾ [البقرة - ١٠] كذا ذكره الطيبي. قال
ابن حجر: وقد يستعمل متعدياً لواحد کزاد المال درهماً، قال السيد جمال الدين: وفيه أن
الأمثلة ليست أيضاً نصاً في التعدية إلى مفعولين لاحتمال التمييز تأمل. (قال رسول الله وَل فيه:
فلما انقضى عمر آدم إلا أربعين) أي سنة كما في نسخة (جاءه ملك الموت فقال آدم: أو لم
بيق) بفتح الياء والقاف (من عمري أربعون سنة) بهمزة الاستفهام الإنكاري المنصب على [نفي]
البقاء فيفيد إثباته وقدمت على الواو لصدارتها، والواو استئنافية لمجرد الربط بين ما قبلها وما
بعدها فإن قلت: ما الفرق بين انقضى عمره إلا أربعين وبين بقي من عمر آدم أربعون؟ قلت:
في الاستثناء توكيد ليس في غيره قاله الطيبي. قلت: لأن غيره يحتمل [الأكثر] وهو نص في
بقاء الأربعين كلها كقوله تعالى: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾ [العنكبوت - ١٤]
مع زيادة الإفادة في الآية من الأقربية إلى الضبط والدلالة على العدد المشهور في الكثرة،
والإشارة إلى جواز إلغاء الكسر كما هو جار على ألسنة العامة. (قال: أو لم تعطها) أي أتقول

ر ہ.»
كتاب الإيمان / باب الإيمان بالقدر
٣٠٠
ابنَك داود؟ فجحد آدمُ، فجحدت ذريتهُ، ونسي آدم فأكّلَ من الشجرة، فنسيت ذريتُه،
وخَطَأ وخَطَأت ذُرِيَّتُه)). رواه الترمذي.
١١٩. (٤١) وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي ◌َِّ قال: ((خلق اللَّهُ آدمَ حين
خلقه، فضرب كتفه اليمنى، فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذرُّ، وضَربَ كتفه اليُسرى
ذلك ولم تعطها، أي الأربعين (ابنك) مفعول ثان (داود) بدل، أو عطف بيان (فجحد آدم) أي
ذلك لأنه كان في عالم الذر فلم يستحضره حالة مجيء ملك الموت له قاله ابن حجر.
(فجحدت ذريته) لأن الولد سر أبيه (ونسي آدم) إشارة إلى أن الجحد كان نسياناً أيضاً إذ لا
يجوز جحده عناداً (فأكل من الشجرة) قيل: نسي أن النهي عن جنس الشجرة، أو الشجرة
بعينها فأكل من غير المعينة وكان النهي عن الجنس والله أعلم. (فنسيت ذريته) ولذا قيل: أوّل
الناس أوّل الناسي (وخطأ) بفتح الطاء، أي في اجتهاده من جهة التعيين والتخصيص (وخطأت
ذريته))) والأظهر أن ((خطأ)) بمعنى عصى لقوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه﴾ [طه - ١٢١] ولقوله
عليه الصلاة والسلام: ((كلكم خطاؤون وخير الخطائين التوابون))(١). قال الطيبي: وفي الحديث
إشارة إلى ما نقله الشيخان: ((يهرم ابن آدم ويشت فيه اثنان الحرص على المال والحرص على
العمر)) و((ابن آدم)) وارد على سبيل الاستطراد، وإن ابن آدم مجبول من أصل خلقته على
الجحد والنسيان والخطأ إلا من عصمه الله. (رواه الترمذي).
١١٩ - (وعن أبي الدرداء) رضي الله تعالى عنه (عن النبي ◌َّر قال: ((خلق الله آدم حين
خلقه) قال الطيبي: ظرف لقوله: (فضرب) ولا يمنع الفاء من العمل، لأنه ظرف على أن الفاء
السببية أيضاً غير مانعة لعمل ما بعدها فيما قبلها، فإن ﴿لإيلاف قريش﴾ [قريش - ١] متعلق
بقوله: ﴿فليعبدوا﴾ على تقدير الشرط أي أما لا ((فليعبدوه)) كذا في الكشاف. تقول العرب أما
لا أي إن كنت لا تفعل غيره فافعل هذا، قال القاضي: أي أن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه
لأجل إيلافهم، وقال السيد جمال الدين: ويحتمل أن يكون ظرفاً لقوله: ((خلق الله)) والمقصود
الإِشارة إلى عدم العلم بزمان خلقه تأمل. اهـ. وقيل: تقديم الظرف مع وجود التعقيب للدلالة
على أن الإِخراج لم يتخلف عن خلقه عليه الصلاة والسلام، وفيه نظر لأن الدلالة حاصلة وإن
تأخر الظرف وقوله: ((فضرب)) قيل: أمر بالضرب فضرب الملك. (كتفه اليمنى) بفتح الكاف
وكسر التاء كذا مضبوط في النسخ المصححة، وفي القاموس كتف كفرح ومثل وجبل (فأخرج
ذرية بيضاء) أي نورانية (كأنهم الذر) في أكثر النسخ بفتح الذال المعجمة؛ فالتشبيه في الهيئة،
وقيل: أي الأبيض بدليل مقابلة الآتي، وفي بعضها بضم الدال المهملة؛ فالتشبيه باعتبار اللون
والصفاء، ولا ينافي هذا ما تقدم من أن بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً حتى يحتاج إلى أن
يحمل على تكرر الإخراج على صفات مختلفة كما صنعه ابن حجر. (وضرب كتفه اليسرى
(١) أخرجه الترمذي ٥٦٨/٤ حديث ٢٤٩٩. وابن ماجة.
الحديث رقم ١١٩: أخرجه أحمد في المسند ٤٤١/٦.
:٠٠