النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ کتاب الإيمان قال: قلتُ: أيُّ الصلاةِ أفضلُ؟ قال: ((طولُ القنوتِ)). قال: قلت: أي الهجرةِ أفضلُ؟ قال: ((أن تهجرُ ما كَرِهَ ربُّك)). قال: فقلت: فأي الجهادِ أفضلُ؟ قال: ((من عُقرَ جوادُه وأُهْرِيقَ دمُه)). الله عنه، وذكر شيخ مشايخنا خاتمة المحدثين وآخر المجتهدين جلال الدين السيوطي رحمه الله. أنه حديث حسن، رواه الحسن عن الحسن عن أبي الحسن عن جد الحسن ((أن أحسن الحسن الخلق الحسن))(١). وقال بعض المحققين: الخلق الحسن هو بسط الوجه المسمى بالمحيا، وبذل الندى والعطاء، وكف الأذى، وأن لا يخاصم لشدة معرفته بالله تعالى، ولذا قيل: الصوفي لا يخاصِم ولا يخاصَم، أو إرضاء الخلق في السراء والضراء. وقال سهل: أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه. والتحقيق أنه قد لاح وبان عند أرباب العرفان بطوالع الوحي ولوائح الوجدان، أن الإنسان جوهر لطيف نوراني من عالم الأمر شبيه بالجواهر القدسية الملكوتية، وله قوّتان يحظى بكمالهما ويشقى بسبب اختلالهما؛ قوّة عاقلة تدرك حقائق الموجودات بأجناسها وأنواعها وتنتقل منها إلى معرفة من اشتغل بإبداعها، وعاملة تدرك النافع نافعاً فتميل إليه والضار مضراً فتنفر عنه، وذلك أمور معاشية تتعلق بحفظ النوع وكمال البدن، ولذا ورد ((خالق الناس بخلق حسن))(٢)، أو ملكات فاضلة وأحوال باطنة هي الخلق الحسن؛ وهو إما تزكية النفس عن الرذائل وأصولها عشرة الطعام والكلام والغضب والحسد والبخل وحب المال والجاه والكبر والعجب والرياء، أو تحليتها بالفضائل وأمهاتها عشرة التوبة والخوف والزهد والصبر والشكر والإِخلاص والتوكل والمحبة والرضا بالقضاء وذكر الموت. والخلق ملكة تصدر بها الأفعال عن النفس بسهولة من غير سبق روية، وتنقسم إلى فضيلة هي الوسط ورذيلة وهي الأطراف، ولذا قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم - ٤] (قال: قلت: أي الصلاة) [أي] أيُّ أركانها، أو كيفياتها (أفضل؟) أي أكثر ثواباً [وفضلاً] (قال: طول القنوت) أي القيام، أو القراءة، أو الخشوع (قال: قلت أي الهجرة) أي أفرادها (أفضل؟) فإن الهجرة أنواع، إلى الحبشة عند إيذاء الكفار للصحابة، ومن مكة إلى المدينة، وفي معناه الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام، وهجرة القبائل لتعلم المسائل من النبي وَله، والهجرة عما نهى الله عنه. (قال: أن تهجر ما كره ربك) كراهة تحريم أو تنزيه، وهذا النوع هو الأفضل لأنه الأعم الأشمل (قال: فقلت:) وفي نسخة قلت (فأيُّ الجهاد) أي أنواعه، أو أهله (أفضل؟ قال: من عُقِر) [بالبناء للمفعول] (جواده) أي قُتِل فرسه (وأهريق دمه) بضم الهمزة وسكون الهاء، وقيل: بفتحها وهو وهم، أي صب وسكب يقال: أراق يريق وهراق(٣) يهريق بقلب الهمزة هاء(٤)، وإهراق يهريق بزيادتها كما زيدت السين في استطاع. والهاء في مضارع الأول محركة وفي مضارع الثاني مسكنة كذا قاله 510 (١) عزاه السيوطي في الجامع الصغير لابن عساكر ١٣٣/١ حديث ٢١٨٣. (٢) الترمذي ٣١٢/٤ حديث ١٩٨٧. (٤) في المخطوطة ((ياء)). (٣) في المخطوطة ((اهراق)). ١٠٢٤٦٦ * ٢٠٢ w: • غزاهد مازيل كتاب الإيمان قال: قلت: أي الساعات أفضلُ؟ قال: ((جوفُ الليل الآخر)) رواه أحمد. مجم و ٤٧. (٤٦) وعن معاذ بن جبل، رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله وَل يقول: ((من لَقِيَ الله لا يُشرِكُ به شيئاً، ويُصلي الخمسَ، ويصومُ رمضانَ؛ غُفرَ له)). قلت: أفلا أبشرهم يا رسولَ الله؟ قال: ((دَعْهُمْ يَعْملوا)). رواه أحمد. ٤٨. (٤٧) وعنه أنه سألَ النبيّ وَّ عن أفضل الإِيمان؟ قال: ((أن تُحِبَّ للَّهِ، صاحب الفائق(١)، وقال الحجازي في حاشية الشفاء: لا تفتح الهاء مع الهمزة. وإنما كان هذا الجهاد أفضل لاشتماله على الجهادين جهاد فارس وجهاد راجل، أو لجمعه بين الإنفاق في سبيل الله والشهادة في مرضاة مولاه (قال: قلت: أي الساعات) أي لتحصيل الطاعات (أفضل؟ قال: جوف الليل) أي وسطه، لأنه أقرب إلى الصفاء وأبعد عن الرياء (الآخر) صفة جوف، أي النصف الأخير من الليل، فإنه أشق على النفس وأخلى من الخلق وأقرب إلى تنزل رحمة الله (رواه أحمد). ٤٧ - (وعن معاذ بن جبل [رضي الله عنه] قال: سمعت رسول الله وَ﴿﴿ يقول: من لقي الله) يعني من مات (لا يشرك به شيئاً) أي جلياً أو خفياً، أي حال كونه غير مشرك يعني يكون موحداً مؤمناً (ويصلي الخمس) أي خمس صلوات كل يوم وليلة في خمسة أوقات بركعات معدودات مقرونة بشرائط وأركان معلومات (ويصوم رمضان) أي شهره في كل سنة أياماً معدودات، ولعل ترك الزكاة والحج لأنهما مختصان بالأغنياء، أو كان قبل فرضيتهما (غفر له) أي غفر الله له ذنوبه الصغائر التي بين كل صلاة وصلاة وكل صوم وصوم، أو الكبائر التي بينه وبين الله تعالى إن شاء، وأما حقوق العباد فيمكن أن يرضيهم الله تعالى من فضله (قلت:) ذكرت ذلك (أفلا أبشرهم) أي عموم الناس (يا رسول الله؟) حتى يفرحوا بهذه البشارة (قال: دعهم) أي اتركهم بلا بشارة (يعملوا) مجزوم على جواب الأمر، أي يجتهدوا في زيادة العبادة ولا يتكلوا على هذا الإجمال ولا يرتكبوا من قبائح الأفعال، فإن هذا دأب العوام في غالب الأحوال بخلاف الخواص وأصحاب الاختصاص، إذ لو فرض وقدّر أن ليس هناك جنة ولا نار ما عصوا الله تعالى ساعة في لیل ولا ونهار، وقد ورد في الحدیث: ((رحم الله صھیباً لو لم یخف الله لم یعصه»(٢)، بل یزیدون في العبادة بعد البشارة شكراً لهذه الإِشارة، ويخافون أن البشارة تكون مقيدة بقيد مطوي تحت العبارة امتحاناً من رب العباد والله رؤوف بالعباد. (رواه أحمد). ١٠٠ ٤٨ - (وعنه) أي عن معاذ [رضي الله عنه] (أنه سأل النبي ◌َّفي عن أفضل الإيمان) أي عن شُعَبه ومراتبه وأحواله، أو خصال أهله (قال: أن تجب) أي كل ما تحبه (الله) لا لغرض سواه (١) لعله كتاب الفائق في غريب الحديث لأبي قاسم محمود بن عمر الزمخشري (ت ٥٣٨). الحديث رقم ٤٧: أخرجه أحمد في المسند ٢٣٢/٥. (٢) ويروى ((نعم العبد صهيباً)) .. وهو حديث ليس له إسناد راجع المقاصد الحسنة وكشف الخفاء (منهج النقد ص ٤١١). الحديث رقم ٤٨: أخرجه أحمد في المسند ٢٤٧/٥ وزاد ((أن تقول خيراً أو تصمت)). ١٠ ٠,٥٢٫٥٠ ٢٠٣ كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق وتُبْغِضَ للَّهِ، وتُعمِلَ لسانكَ في ذكر الله)). قال: وما ذا يا رسولَ الله؟ قال: ((أن تُحبَّ للناسِ ما تحبُّ لنفسِك، وتَكْرَه لهم ما تَكرهُ لنفسِك)). رواه أحمد. (١) باب الكبائر وعلامات النفاق الفصل الأول ٤٩. (١) عن عبدِ الله بن مسعود، رضي الله عنه، (وتبغض) أي مبغوضك (الله) لا لطبع وهوى (وتعمل) من الأعمال بمعنى الاستعمال والأشغال (لسانك) ليصل بركته إلى جنانك (في ذكر الله) بأن لا يزال رطباً به بشرط الحضور فيكون نوراً على نور، وإلا فاشتغال عضو بالعبادة نوع من العناية ومن شكر هذه النعمة حصل له مزيد الرعاية (قال: وماذا يا رسول الله؟) أي وماذا أصنع بعد ذلك؟ وماذا إما منصوب باصنع، أو مرفوع أي أيُّ شيء أصنعه فعلى الأول مقول (قال: وأن تحب) يكون منصوباً، وعلى الثاني مرفوعاً والواو للعطف على مقدر، والتقدير: أن تستقيم على ما قلنا وأن تحب (للناس) يحتمل التعميم ويحتمل التخصيص بالمؤمنين (ما تحب لنفسك) أي مثله (وتكره لهم ما تكره لنفسك رواه أحمد). (باب الكبائر) جمع كبيرة، وهي السيئة العظيمة التي خطيئتها في نفسها كبيرة، وعقوبة فاعلها عظيمة بالنسبة إلى معصية ليست بكبيرة. وقيل: الكبير ما أوعد عليه الشارع بخصوصه، وقيل: ما عين له حد، وقيل: النسبة إضافية فقد يكون الذنب كبيرة بالنسبة لما دونه صغيرة بالنسبة إلى ما فوقه، وقد يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقد يتفاوت باعتبار المفعول فإن إهانة السادات والعلماء ليست كإهانة السوقة والجهلاء، وللشيخ ابن حجر كتاب نفيس في هذا الباب يسمى الزواجر عن الكبائر، وقيل: كل معصية كبيرة نظراً إلى عظمة الله تعالى، وقيل: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، وقيل : بإبهام الكبيرة من بين الذنوب لئلا يرتفع الخوف من القلوب (وعلامات النفاق) تخصيص بعد تعمیم، أو بینھما عموم وخصوص من وجه. (الفصل الأوّل) ٤٩ - (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه) [يُكنى أبا عبد الرحمن الهذلي، كان إسلامه الحديث رقم ٤٩: أخرجه البخاري في صحيحه ١٨٧/١٢ حديث رقم ٦٨٦١ ومسلم في صحيحه ٩١/١ حديث رقم (٨٦.١٤٢). والترمذي في السنن ٣١٤/٥ حديث ٣١٨٢. والنسائي ٧/ ٩٠ حديث رقم ٤٠١٣. وأبو داود فى سننه ٧٣٢/٢ حديث رقم ٢٣١٠. وأحمد في المسند ٣٨٠/١. مجدي ٢٠٤ ٠٢٠٧ كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله! أيُّ الذَّنبَ أكبرُ عندَ الله؟ قال: ((أن تدْعُوَ للَّهِ نِدّاً وهو خَلَقَك)). قال: ثم أيّ؟ قال: ((أن تقتلَ ولدَكَ خشيةَ أن يَطَعَمَ معك)). واوده قديماً في أول الإِسلام قبل دخول النبي ◌َّر في دار الأرقم وقبل عمر بزمان، وقيل: كان سادساً في الإِسلام ثم ضم إليه رسول الله وَّ ر سواكه ونعليه وطهوره في السفر، هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً وما بعدها من المشاهد وشهد له رسول الله* بالجنة، وقال رسول الله وله: ((رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد، وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد))(١) يعني ابن مسعود، وكان يشبه بالنبي ◌َّ في سمته ودله وهديه، وكان خفيف اللحم قصيراً شديد الأدمة نحيفاً طوال الرجال توازيه جالساً. ولي القضاء بالكوفة وبيت مالها لعمر وصدراً من خلافة عثمان، ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع وله بضع وستون سنة. روى عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومن بعدهم من الصحابة والتابعين، وهو عندنا أفقه الصحابة بعد الخلفاء الأربعة]. (قال: ((قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟) الذنب ما يذم به الآتي به شرعاً، وهو أربعة أقسام: قسم لا يُغفر بلا توبة وهو الكفر، وقسم يُرجى أن يغفر بالاستغفار وسائر الحسنات وهو الصغائر، وقسم يُغفر بالتوبة وبدونها تحت المشيئة وهو الكبائر من حق الله تعالى، وقسم يحتاج إلى التراد وهو حق الآدمي، والتراد إما في الدنيا بالاستحلال أو رد العين أو بدله، وإما في الآخرة برد ثواب الظالم للمظلوم، أو إيقاع سيئة المظلوم على الظالم، أو أنه تعالى يرضيه بفضله وكرمه. (قال: أن تدعو) أي تجعل الله نداً) بالكسر أي مثلاً ونظيراً في دعائك وعبادتك، وقيل: الند المثل المزاحم الذي يضادّه في أموره من ند نفر. وأما الضد فهو أحد متقابلين لا يمكن اجتماعهما. (وهو خلقك) الجملة حال من الله، أو من فاعل أن تدعو، وفيه إشارة إلى ما استحق به تعالى أن تتخذه رباً وتعبده فإنه خلقك، أو إلى ما به امتيازه تعالى عن غيره في كونه إلهاً، أو إلى ضعف الند أي أن تدعو له نداً وقد خلقك غيره وهو لا يقدر على خلق شيء، والمراد أن أكبر الكبائر [هو] الشرك بالله بل الكفر مطلقاً، وإنما خص فإن لشرك لظلم عظيم. (قال: ثم أي؟) استفهام بالتنوين يدل من المضاف إليه لكن يحذف التنوين [وقفاً] بمعنى أيُّ شيء من الذنوب أكبر بعد الكفر (قال: أن تقتل ولدك خشية) منصوب على أنه مفعول له (أن يطعم) بفتح أوله، أي يأكل (معك) لا خلاف أن أكبر الذنوب بعد الكفر قتل نفس المسلم بغير حق، فالمعنى أن قتل الولد أكبر من سائر الذنوب، وقتله من خوف أن يطعم أيضاً ذنب لأنه لا يرى الرزق من الله تعالى، وليس (ثم)) في هذا الحديث لتراخي الزمان إذ لا يتصوّر ههنا، ولا لتراخي الرتبة لوجوب كون المعطوف بها أعلى مرتبة وههنا بالعكس بل هي التراخي في الإخبار كأنه قيل: أخبرني عن أوجب ما يهمني السؤال عنه من الذنوب ثم الأوجب فالأوجب، كذا قاله الطيبي. والأظهر أنه لتراخي الرتبة، وقد يكون المعطوف بها أدنى مرتبة كما في قوله عليه الصلاة والسلام: ((أشد (١) الحاكم في المستدرك ٣١٧/٣. ١٣٥٠٠٠ ٢٠٥ کتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق قال: ثم أيّ؟ قال: ((أن تُزاني حليلةَ جارك)). فأنزل اللَّهُ [تعالى] تصديقَها: ﴿والذينَ لا يَذْعونَ مع الله إِلهاً آخرَ ولا يَقْتُلونَ النَّفسَ التي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بالحَقِّ ولا يَزْنونَ﴾ الآية [متفق عليه]. الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل))(١). وحاصل الكلام أن قتل النفس المسلمة بغير حق كبيرة، وأفحش أنواعه قتل القريب لأنك ضممت إلى معصية القتل معصية قطيعة الرحم، وأفحش أنواع قتل القريب قتل الوالد ثم قتل الولد؛ فكون قتل الولد أكبر الكبائر بعد الكفر إنما هو بضم العلة المذكورة، فإنه يضم إلى تلك القبائح عدم رؤية الرزق من الله تعالى، وانتفاء التوكل والاعتماد عليه في أمره، مع دلالته على كمال قساوته بقتل نفس زكية صغيرة بأقبح أنواع القتل وهو دفنه حياً. (قال ثم أي؟ قال: أن تزاني) أي تزني (حليلة جارك) أي زوجته، من حل يحِل بالكسر إذ كل منهما حلال للآخر، أو من حل يحُل بالضم لأن كل واحد منهما حال عند الآخر، فمطلق الزنا ذنب كبير وخاصة مع من سكن جوارك والتجأ بأمانتك، فهو زنا وإبطال حق الجوار والخيانة معه أقبح. (فحاصل القيود من الند والولد والجار كمال تقبيح هذه الأصناف من هذه الأنواع لا أنها قيود احترازية. وإلا فأفحش الزنا أن يكون بالمحارم، ثم في الاتيان بقوله: ((أن تزاني)) بصيغة المفاعلة مبالغة لا تخفى، فالحديث كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ [الإسراء - ٣١] أو رعاية لحال السائل ولذا قيد الكبائر في بعض الأحاديث بكونها سبعاً واقتصر في بعضها على ثلاث منها كما هنا، أو أربع كما يأتي بناء على بيان المحتاج إليه منها وقت ذكره، وقد قال ابن عباس: هي إلى السبعين أقرب(٢)، وقال سعيد بن جبير: إلى السبعمائة أقرب، قيل: يعني باعتبار أصناف أنواعها، وقيل: بل هو على حقيقته والله أعلم. (فأنزل الله) وفي نسخة عزَّ وجلّ (تصديقها) أي تصديق هذه المسألة، أو الأحكام، أو الواقعة. ونصبه على أنه مفعول له أي أنزل الله هذه الآية تصديقاً لها، وفيه دليل على جواز تقرير السنة وتصديقها بالكتاب كذا قاله الطيبي، ولا أعرف له مخالفاً في هذا المقال ليحتاج إلى الاستدلال، ويمكن أن يراد بالتصديق المطابقة والتوفيق، وتكون السنة مقتبسة من الآية مع زيادة التنبيه على أقبح الأفراد. (﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر﴾) هذا من جملة الأخبار عن المبتدأ المتقدم وهو عباد الرحمن (﴿ولا يقتلون النفس﴾) يعني نفس المسلم والذمي والمعاهد (﴿التي حرم الله﴾) أي قتلها، والمعنى لا يقتلون نفس غير الحربي بوجه من الوجوه فهو استثناء مفرغ (﴿إلا بالحق﴾) أو متعلق بالقتل المقدر، وقيل: ((بلا يقتلون)) أي بإحدى الخصال الثلاثة؛ وهي الردة وزنا الإِحصان والقصاص (﴿ولا يزنون الآية﴾)(٣) بتمامها في سورة الفرقان، وفي كون هذه الآية SF (١) أخرجه الترمذي من غير لفظ الأولياء ٢/ ٥٢٠ حديث رقم ٢٣٩٨ وأخرجه البخاري تعليقاً. (٢) أخرجه عبد الرزاق ٤٦٠/١٠ حديث رقم ١٩٧٠٢. (٣) سورة الفرقان آية ٦٨. عد؟ ... ٢٠٦ کتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق ٥٠. (٢) وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((الكبائرُ: الإشراكُ باللَّهِ، وعقوقُ الوالديْنِ، وقتلُ النَّفْسِ، واليمينُ الغَموسُ)). رواه البخاري. ٥١. (٣) وفي رواية أنس: ((وشهادةُ الزُّور)) بدل: ((اليمينُ الغَمُوسُ)). متفق عليه .46 مصدقة للحديث دليل واضح لما تقدم من أن ذكر الولد والخشية وحليلة الجار إنما هو لبيان زيادة الفحش لا للتقييد وإلا لم تكن الآية الدالة على أكبرية القتل والزنا إلاّ بقيد مطابقة للحديث حتى تصدقه، بل كان الحديث مقيداً لها. (متفق عليه) ورواه الترمذي والنسائي. ٥٠ _ (وعن عبد الله بن عمرو) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَلّ ى: ((الكبائر الإشراك بالله) هو جعل أحد شريكاً للآخر، والمراد ههنا اتخاذ إله غير الله، وأراد به الكفر، واختار لفظ الإِشراك لأنه كان غالباً في العرب. (وعقوق الوالدين) أي قطع صلتهما مأخوذ من العق وهو الشق والقطع، والمراد عقوق أحدهما، قيل: هو إيذاء لا يتحمل مثله من الولد عادة، وقيل: عقوقهما مخالفة أمرهما فيما لم يكن معصية، وفي معناهما الأجداد والجدات. ثم اقترانه بالإِشراك لما بينهما من المناسبة إذ في كل قطع عقوق السبب في الإيجاد والإمداد، وإن كان ذلك لله حقيقة وللوالدين صورة ونظيره قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً﴾ [النساء - ٣٦] وقوله عزَّ وجلّ: ﴿أن أشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان - ١٤] (وقتل النفس) أي بغير حق (واليمين الغموس))) الذي يغمس صاحبه في الإِثم ثم في النار، وقيل: في الكفارة بناء على مذهب الشافعي، ومعناه: أن يحلف على الماضي عالماً بكذبه، وقيل: أن يحلف كاذباً متعمداً ليذهب بمال أحد. واعلم أن الأولى أن يقال: الكبيرة لا تنحصر في عدد، وما قاله عليه الصلاة والسلام من عدد فذلك بسبب الوحي، أو اقتضاء المقام. والأنسب أن يضبط ذلك ويقاس الذنب إلى مفسدة المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل المفاسد فهي من الصغائر وإلا فهي من الكبائر هذا حاصل ما قاله الإمام عز الدين بن عبد السلام. (رواه البخاري) والترمذي والنسائي أيضاً. ٥١ - (وفي رواية أنس رضي الله عنه) الجار والمجرور خبر مقدم والمبتدأ قوله (وشهادة الزور) أي الكذب، وسُمي زوراً لميلانه عن جهة الحق وقوله (بدل اليمين الغموس) منصوب على الظرف وعامله معنى الفعل الذي فيّ، وفي رواية أنس، أي مكان اليمين على الرفع حكاية، وعلى الجر عملاً بالإِضافة، وإطلاق البدل على المكان على سبيل الكناية لأن من أبدل شيئاً بشيء فقد وضعه مكانه، قيل: ولعل مخالفة أنس لابن عمر لاختلاف المجلس، أو تعدد الحديث رقم ٥٠: أخرجه البخاري في صحيحه ٥٥٥/١١ حديث رقم ٦٦٧٥. وأورده الترمذي بلفظ قريب مع نقص ((قتل النفس)). وأخرجه النسائي في سننه ٨٩/٧ حديث رقم ٤٠١١. والدارمي ٢٥١/٢ حديث رقم ٢٣٦٠ وأحمد في المسند ٢٠١/٢. الحديث رقم ٥١: رواه البخاري في صحيحه ٢٦١/٥ حديث رقم ٢٦٥٤ ورواه مسلم في صحيحه ٩١/١ حديث (١٤٤ - ٨٨). .... ٢٠٧ کتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق متفق عليه . ٥٢. (٤) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّ: ((اجتنبُوا السَّبْع الموبقات)) قالوا: يا رسول الله وما هنَّ؟ قال: ((الشّركُ بالله، والسّحرُ، الحديث، أو نسيان كل منهما (متفق عليه) قال ميرك: ((يفهم من كلام الشيخ الجزري أن هذه الرواية من أفراد البخاري)). ٥٢ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَير: اجتنبوا السبع) أي احذروا فعلها (الموبقات) أي المهلكات، أجمل بها ثم فصلها ليكون أوقع في النفس، قال ابن عمر: الكبائر سبع، وقال ابن عباس: هي أقرب إلى السبعين، وقال الشيخ أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب الذي هو أصل إحياء العلوم للغزالي: ((قد جمعت جميع الأحاديث الواردة في هذا الباب فوجدت سبعة عشر؛ أربعة في القلب: الشرك ونية الإصرار على المعصية واليأس من رحمة الله والأمن من مكر الله، وأربعة في اللسان: شهادة الزور وقذف المحصن واليمين الغموس والسحر، وثلاثة في البطن: شرب الخمر وأكل مال اليتيم وأكل مال الربا، واثنان في الفرج: الزنا واللواط، واثنان في اليد القتل بغير الحق والسرقة، وواحد في الرجل: وهو الفرار من الكفار يوم الزحف، وواحد يشمل البدن: وهو عقوق الوالدين)). (قالوا) يعني بعض الصحابة، وفي نسخة ((قال)) أي رجل، أو أبو هريرة (يا رسول الله: وما هن(١)؟) أي تلك السبع (قال: الشرك بالله) أي الكفر به (والسحر) قال في المدارك: ((إن كان في قول الساحر أو فعله رد ما لزم في شرط الإِيمان فهو كفر وإلا فلا))، وقال ابن حجر: وهو يقع كما قاله القرافي على حقائق مختلفة؛ السيمياء، والهيمياء، وخواص الحقائق من الحيوانات [وغيرها]، والطلسمات والأوفاق، والرقي التي تحدث ضرراً، والعزائم، والاستخدامات. ثم بين هذه الأنواع بما ذكرته عنه في كتابي الآتي ذكره، ثم قال: وقد يقع للسحرة أنهم يجمعون عقاقير ويجعلونها في نهر أو بئر أو قبر أو باب يفتح للشرق فيحدث عنها آثار بخواص نفوسهم التي طبعها الله على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم، وقد يأتي الساحر بفعل أو قول يضر بحال المسحور فيمرض ويموت منه، إما بواصل إلى بدنه من دخان أو غيره أو بدونه. وقال الحنابلة: الساحر بفعل من يركب مكنسة فتسير به في الهواء أو نحوه، وكذا معزم على [الجن] ومن يجمعها بزعمه وأنه يأمرها فتطيعه، وكاهن وعرّاف ومنجم ومشعبذ، وقائل بزجر الطير وضارب عصا وشعير وقداح، ومن يسحر بدواء أو تدخين أو سقي مضر. قال بعض أئمتهم: ومن السحر السعي بالنميمة والإِفساد بين الناس الحديث رقم ٥٢: أخرجه البخاري في صحيحه ٣٩٣/٥ حديث رقم ٢٧٦٦ ومسلم في صحيحه ١/ ٩٢ حدیث رقم (٨٩.١٤٥). وأبو داود في سننه ٢٩٤/٣ حديث ٢٨٧٤. والنسائي في سننه ٦/ ٢٥٧ حديث رقم ٣٦٧١. (١) في المخطوطة ((قالوا: ((وما هن يا رسول الله)). ٢٠٨ ٠٠ .صبري كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق وقَتْلُ النّفْسِ التي حَرَّمِ اللَّهُ إِلا بالحقْ، وأكلُ الرّبا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتَّلِّي يومَ الزَّحفِ، وقذفُ المُحصنَاتِ الغافلات المؤمنات)). متفق عليه. لقول جمع من السلف: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسده الساحر في سنة. .***- ١٩ /١٣/١١٣٠ واعلم أن للسحر حقيقة عند عامة العلماء خلافاً للمعتزلة وأبي جعفر الأسترآبادي. ثم ظاهر عطف السحر على الشرك أنه ليس بكفر، وقد كثر اختلاف العلماء في ذلك، وحاصل مذهبنا أن فعله فسق. وفي الحديث: ليس منا من سحر أو سحر له(١)، ويحرم تعلمه خلافاً للغزالي لخوف الافتتان والإضرار، ولا كفر في فعله وتعلمه وتعليمه إلا أن اشتمل على عبادة مخلوق أو تعظيمه كما يعظم الله سبحانه، أو اعتقاد أن له تأثيراً بذاته، أو أنه مباح بجميع أنواعه. وأطلق مالك وجماعة أن الساحر كافر، وإن السحر كفر، وإن تعلمه وتعليمه كفر، وإن الساحر يقتل ولا يستتاب سواء سحر مسلماً أم ذمياً. وقالت الحنفية: إن أعتقد أن الشيطان(٢) يفعل له ما يشاء فهو كافر، وإن أعتقد أن السحر مجرد تخييل وتمويه لم يكفر. واختلف الحنابلة في كفره، وفي التنقيح من كتبهم: ولا تقبل توبة ساحر يكفر بسحره، ويقتل ساحر مسلم يركب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه، ويكفر هو ومن يعتقد حله، وفي الفروع لهم أيضاً: أن من أوهم قوماً بطريقته أنه يعلم الغيب فللإمام قتله لسعيه بالفساد. وبقي لهذا المبحث متممات بسطتها مع ذكر فروق بين المعجزة والسحر في كتابي الأعلام بقواطع الإِسلام (وقتل النفس التي حرم الله) بوجه من الوجوه (إلا بالحق) وهو أن يجوز قتلها شرعاً بالقصاص وغيره (وأكل الربا) وتفصيله في كتب الفقه (وأكل مال اليتيم) إلا بالمعروف، وهو صغير لا أب له. والتعبير فيهما بالأكل والمراد به سائر وجوه الاستعمال لأنه أغلبها المقصود منها (والتولي) بكسر اللام، أي الإِدبار للفرار (يوم الزحف) وهو الجماعة التي يزحفون إلى العدوّ، أي يمشون إليهم بمشقة من زحف الصبي إذا دب على إسته، وقيل: سُمي به لأنه لكثرته وثقل حركته كأنه يزحف، وسموا بالمصدر مبالغة وإذا كان بإزاء كل مسلم أكثر من كافرين جاز التولي (وقذف المحصنات) أي العفائف، يعني رميهن بالزنا، وهي بفتح الصاد وتكسر، أي أحصنها الله وحفظها. أو التي حفظت فرجها من الزنا (المؤمنات) احتراز عن قذف الكافرات؛ فإن قذفهن ليس من الكبائر فإن كانت ذمية فقذفها من الصغائر ولا يوجب الحد. وفي قذف الأَمَّة المسلمة التعزير دون الحد، ويتعلق باجتهاد الإمام. وإذا كان المقذوف رجلاً يكون القذف أيضاً من الكبائر، ويجب الحد أيضاً فتخصيصهن لمراعاة الآية والعادة. (الغافلات) عن الاهتمام بالفاحشة كناية عن البريات، فإن البريء غافل عما بهت به، والغافلات مؤخر عن المؤمنات في الحديث عكس الآية على ما في النسخ المصححة، ووقع في شرح ابن حجر بالعكس وفق الآية. (متفق عليه). (١) الطبراني. (٢) في المخطوطة ((شيطان)). 75 *. ١٠ ٢٠٩ کتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق ٥٣. (٥) وعنه، قال: قال رسول الله وَّر: ((لا يزْني الزاني حينَ يزْني وهو مُؤمنٌ، ولا يسرِقُ السَّارقُ حين يَسرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يشربُ الخمرَ حين يشربُها وهو مؤمنٌ، ولا ينتهِبُ نُهبةً يرفعُ الناسُ إِليه فيها أبصارهم ٥٣ - (وعنه) أي عن أبي هريرة (قال: قال رسول الله وَلقول: لا يزني) بإثبات الياء خطأً (الزاني حين يزني وهو مؤمن) الواو للحال، وظاهره دليل [على] أن صاحب الكبيرة ليس بمؤمن، وأصحابنا أوّلوه بأن المراد المؤمن الكامل في إيمانه، أو ذو أمن من عذاب الله تعالى، أو المراد المؤمن المطيع الله يقال آمن له إذا أنقاد وأطاع، أو معناه الزجر والوعيد، أو الإنذار لمرتكب هذه الكبائر بسوء العاقبة إذ مرتكبها لا يؤمن عليه أن يقع في الكفر الذي هو ضد الإيمان، أو أن الإيمان إذا زنى الرجل خرج منه وكان فوق رأسه مثل الظلة فإذا انقلع رجع إليه وسيأتي تقريره، وقيل: معنى مؤمن مستحي من الله تعالى لأن الحياء شعبة من الإيمان، فلو استحى منه واعتقد أنه ناظر لم يرتكب هذا الفعل الشنيع. وفيه بحث إذا سئل الجنيد أيزني العارف فقال: وكان أمر الله قدراً مقدوراً، مع أن هذا يرجع إلى القول الأوّل لأنه إذا انتفى تلك الشعبة انتفى كمال الإِيمان، لأن الكل ينتفي بانتفاء جزئه، ونظيره: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له))(١)، وقيل: إن صيغ الأفعال وإن كانت واردة على طريق الإخبار فالمراد منها النهي، ويشهد له أنه رُوي: ((لا يزن)) بحذف الياء ((ولا يشرب)) بكسر الباء توفيقاً بينه وبين ما سبق من الدلائل على أن الإيمان هو التصديق والأعمال خارجة عنه، وقوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات - ٩] ونظائره وفي حمله على النهي نظر لأنه يفهم منه جواز المنهي عنه وهو ليس بمؤمن كقول الطبيب: لا تشرب اللبن وأنت محموم، وأما حذف الياء فإن صح فهو على أسلوب: لا تكذب وأنت عالم، أي أن كذبك عالماً أفحش منه غير عالم (ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) أي ولا يشرب الشارب الخمر وكذا في غيره، وحذف وإن كان فاعلاً لدلالة المقام عليه، ويجوز أن يكون في كل منهما ضمير مستتر يعود إلى مؤمن. قال المالكي: ومن حذف الفاعل قوله عليه السلام: ((ولا يشرب ولا ينتهب ولا يغل ولا يقتل)) أي شارب وناهب وغال وقاتل، كقوله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين قتلوا﴾ [آل عمران - ١٦٩] في قراءة هشام، أي حاسب كذا نقله الطيبي وقوله غال سهو إذ فاعله موجود في الحديث وهو أحدكم وقوله قراءة هشام يعني بالغيبة في أحد وجهيه (ولا ينتهب) انتهب ونهب إذا أغار على أحد أخذ ماله قهراً (نهبة) بالضم، المال الذي ينهب فهو مفعول به، وبالفتح المصدر (يرفع الناس) صفة نهبة (إليه) أي إلى المنتهب (فيها) أي بسببها ولأجلها، أو في حال فعلها أو أخذها (أبصارهم) أي تعجباً الحديث رقم ٥٣: أخرجه البخاري في صحيحه ١١٩٥ حديث رقم ٢٤٧٥. ومسلم في صحيحه ٧٦/١ حديث (٥٧.١٠٠). وأخرج أبو داود بعضه ٦٤/٥ حديث ٤٦٨٩ والترمذي ١٦/٥ حديث رقم ٢٦٢٥. وابن ماجة في سننه ١٢٩٨/٢ حديث رقم ٣٩٣٦ والنسائي في السنن ٨/ ٦٤ حديث رقم ٤٨٧٠. (١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧٨/٤ حديث ٤٣٥٤. ٢١٠ كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق حين ينتهيُها وهو مُؤمنٌ، ولا يَغُلُّ أحَدُكُم حين يَغْلُّ وهو مؤمنٌ؛ فإِيَّاكُم إِيّاكُم)). متفق عليه. ٥٤. (٦) وفي رواية ابن عباس: ((ولا يقتُل حين يقتُل وهو مؤمنٌ)). قال عكرمة: قلت لابن عباس: كيف ينزعُ الإِيمان منه؟ قال هكذا، وشبَّك بين أصابعه ثم أخرجها، فإن تاب عاد إليه هكذا، وشبك بين أصابعه. وقال أبو عبد الله: لا يكون هذا مؤمناً تاماً، ولا يكون له نورُ الإِيمان. هذا لفظ البخاري. من جراءته، أو خوفاً من سطوته، وهو مفعول يرفع (حين ينتهبها وهو مؤمن) والمعنى: لا يأخذ رجل مال قوم قهراً وهم ينظرون إليه ويتضرعون لديه ويبكون ولا يقدرون على دفعه وهو مؤمن، فإن هذا ظلم عظيم لا يليق بحال المؤمن (ولا يَغُل أحدكم) الغلول الجناية، أو الخيانة في المغنم، والغل الحقد، ومضارع الأوّل بالضم وهو المراد والثاني بالكسر (حين يغِل) أي يسرق شيئاً من غنيمة، أو يخون في أمانة (وهو مؤمن فإياكم إياكم) نصبه على التحذير، والتكرير توكيد ومبالغة أي احذركم من فعل هذه الأشياء المذكورة (متفق عليه) إلا قوله: ((ولا يغل)) فإنه من أفراد مسلم كذا قاله ميرك. ١٠٨٦٠١ ٥٤ - (وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما) زيادة ((ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن)) قال عكرمة) مولى ابن عباس (قلت لابن عباس: كيف ينزع الإِيمان منه؟ قال: هكذا) أي تفسيره (وشبك) أو قال: ((هكذا)) أو فعل التشبيك، يعني جمع بين قوله هكذا وفعل التشبيك (بين أصابعه ثم أخرجها) تعبير للأمر المعنوي بالمدرك الحسي(١) تقريباً للفهم (قال) كذا في نسخة صحيحة، أي ابن عباس (فإن تاب عاد إليه هكذا وشبك بين أصابعه) ظاهر كلامه أن الإيمان يخرج عن مرتكب هذه الأشياء حين الارتكاب ولا يعود إليه إلا بالتوبة، وهو غير مستقيم على قواعد أهل السنة؛ فالتأويل أن كمال الإيمان ونوره وثمرته ونتيجته من الحياء والخوف والرحمة والشفقة والديانة تفارقه في تلك الحالة، ((والتائب من الذنب كمن لا ذنب له))(٢)، وينصره قول الحسن البصري: إن المعنى ينزع(٣) عنه اسم المدح الذي يسمى به أولياؤه المؤمنون، ويستحق اسم الذم فيقال: سارق وزانٍ وفاسق (وقال أبو عبد الله) أي البخاري (لا يكون هذا مؤمناً تاماً) أي كاملاً (ولا يكون له نور الإيمان) أي بهاؤه وبهجته وضياؤه وثمرته (هذا لفظ البخاري) في قول المصنف، وفي رواية: وقوله وقال: وكذا في قوله وهذا لفظ البخاري سماجة(٤) لا تخفى قاله ميرك. الحديث رقم ٥٤: أخرجه البخاري في صحيحه ١١٤/١٢ حديث رقم ٦٨٠٩. في المخطوطة الحسنى والصواب الحسي كما يدل عليه لسياق الكلام. (١) (٢) أخرجه ابن ماجة ١٤١٩/٢ حديث رقم ٤٢٥٠. ٢٤٠٠٠٠٠ ?ب٠٫٠ ٠٠٫٥٠ ٥جم (٣) في المخطوطة (نزع)). (٤) في المخطوطة ((سماحة)). Econ ٢١١ کتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق ٥٥. (٧) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَور: «آية المنافقِ ثلاثٌ)). زاد مسلم: ((وإِن صامَ وصلى وزعم أنه مسْلم))، ثم اتفقا: ((إِذا حدَّث كَذَبَ، وإِذا وَعَدَ أخلَف، وإِذا اؤْتُمنَ ٥٥ - (وعن أبي هريرة [رضي الله عنه]) وإنما لم يقل: ((وعنه)) لئلا يتوهم رجوع الضمير إلى ابن عباس أو البخاري (قال: قال رسول الله وَلاير: ((آية المنافق) أي علامة نفاقه الدال على قبح نيته وفساد طويته، وأصله من يظهر خلاف ما يضمر، ثم غلب على من يظهر الإِسلام ويبطن الكفر (ثلاث) أي خصال، والآية العلامة وإفرادها إما على إرادة الجنس أي كل واحد منها آية، وإن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث ويؤيد الأوّل ما ورد في صحيح أبي عوانة بلفظ: ((علامات المنافق ثلاث))، فإن قيل ظاهره الحصر في الثلاث فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: (أربع من كن فيه الحديث)) أجاب القرطبي باحتمال أنه عليه الصلاة والسلام استجد له العلم بخصالهم ما لم يكن عنده، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني: ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة كونها علامة على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على عدم إرادة الحصر؛ فإن لفظه: ((من علامة المنافق ثلاث)) فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وبعضها في وقت آخر (زاد مسلم: وإن صام وصلى)(١) التثنية للتكرير والاستيعاب، أي وإن عمل عمل المسلمين من الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات، وفي رواية: ((وإن صلى وصام وحج واعتمر وقال إني مسلم)) وهذا الشرط اعتراض وارد للمبالغة لا يستدعي الجواب (وزعم) أي ادعى (أنه مسلم) أي كامل (ثم اتفقا) أي البخاري ومسلم فقالا: (إذا حدث كذب) وهو أقبح الثلاثة، والجملة خبر بعد خبر (وإذا وعد) أي أخبر بخبر في المستقبل إذا وعد يغلب في الخير وأوعد في الشر وأيضاً الخلف في الوعيد من مكارم الأخلاق، قال الشاعر: وإني إذا أوعدته أو وعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي (أخلف) أي جعل الوعد خلافاً بأن لم يف بوعده، ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها أن الإِخلاف قد يكون بالفعل، وهو غير الكذب الذي هو لازم التحديث، وليس فيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد لأن ذم الإِخلاف إنما هو من حيث تضمينه الكذب المذموم إن عزم على الإِخلاف حال الوعد لا إن طرأ له كما هو واضح، على أن علامة النفاق لا يلزم تحريمها إذ المكروه لكونه يجر إلى الحرام يصح أن يكون علامة على المحرم، ونظيره علامات الساعة فإن منها ما ليس بمحرم (وإذا ائتمن) بالبناء للمجهول، أي جعل أميناً، قال ابن حجر: وفي رواية: الحديث رقم ٥٥: أخرجه البخاري في صحيحه ٨٩/١ حديث رقم ٣٣. وأخرجه مسلم في صحيحه ٧٨/١ حديث رقم (٥٩.١٠٧). وأخرجه الترمذي ٢٠/٥ حديث رقم ٢٦٣١. والنسائي في سننه ١١٦/٨ حديث رقم ٥٠٢١ وأحمد في المسند ٣٥٧/٢. (١) مسلم ٧٩/١ حديث رقم (١١٠- ٥٩). ٢١٢ کتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق خانَ)) . ١٣٢/١١٣٢/١٠ ((أتّمن)) بتشديد التاء لقلب همزته الثانية واواً وإبدالها تاء وإدغام التاء في التاء. اهـ. ولعل هذا الإِعلال قبل دخول إذا عليه ومع هذا قال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿فليؤد الذي ائتمن﴾ [البقرة - ٢٨٣] قرأ ورش والسوسي الذي ((يتمن)) (١) بقلب الهمزة ياء وقرىء ((والذتمن)) بادغام وهو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا تدغم. اهـ. ولذا قال المحققون من القراء قراءة هذا بالتشديد مخالف للرواية والدراية؛ فالصحيح في الرواية هنا إما بالهمزة الساكنة أو إبدالها ألفاً (خان) ورواه ابن ماجة والترمذي، وإنما خص هذه الثلاثة بالذكر لاشتمالها على المخالفة التي هي عليها مبنى النفاق من مخالفة السر العلن، فالكذب الاخبار على خلاف الواقع، وحق الأمانة أن تؤدي إلى أهلها فالخيانة مخالفة لها، وإخلاف الوعد ظاهر ولهذا صرح ((بأخلف)»، فإن قيل: هذا الحديث مشكل من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره، قلنا: اللام في المنافق إما أن تكون للجنس فهو إما على التشبيه لنفاق العمل الذي لا ينافي الإِسلام بنفاق الاعتقاد الذي ينافيه بجامع أن كلا فيه إظهار بخلاف ما أبطن، أو أن المراد الاعتياد ولذا قيد هذا بإذا المقتضية للتكرار، يعني أن النفاق العملي إذا وقع كثيراً بحيث إنه يصير عادة قد يجر إلى النفاق الحقيقي بخلاف من وقعت له هذه الخصال أو بعضها نادراً، فالحديث محمول على من غلبت عليه هذه الخصال. وقال البيضاوي: يحتمل أن يكون عاماً لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه إيذاناً بأنها طلائع النفاق الذي هو أسمج القبائح، لأنه كفر ضموا إليه الاستهزاء والخداع برب الأرباب ومسبب الأسباب، فيعلم من ذلك أنها منافية لحال المسلمين، فينبغي للمسلم أن لا يرتع حولها، فإن ((من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه)). ويحتمل أن المراد بالمنافق [المنافق] العرفي وهو من يخالف سره علنه مطلقاً، ويشهد له قوله: ((ومن كانت فيه خصلة)). وكذا قوله: ((خالصاً)) لأن الخصال التي تتم بها المخالفة بين السر والعلن لا تزيد على هذا [قال النووي: حصل من الحديثين خمس خصال، وقال في شرح مسلم: ((إذا عاهد غدر)) داخل في ((إذا ائتمن خان)) وباعتبار ذلك يرجع إلى ثلاث، بل إلى واحدة هي أقبحها وهي الكذب. قيل: لكن الحق أنها خمسة باعتبار تغايرها عرفاً، أو تغاير أوصافها ولوازمها، ولا تنافي بين قوله (ثمة ثلاث)) و ((هنا أربع)) لأن مفهوم العدد ليس بحجة عند الأكثرين، وعلى مقابلة الذي صححه غير واحد فيحتمل أنه والله أعلم بالوحي بثلاث ثم بأربع]، أو معناه الإنذار والتحذير من أن يعتاد هذه الخصال فتفضي به إلى النفاق الخالص، وأما للعهد إما من منافقي زمن رسول الله ◌َّ وإما من منافق خاص شخص بعينه، أو المراد بالنفاق هو النفاق العملي لا الإِيماني، أو المراد النفاق العرفي وهو ما يكون سره خلاف علنه، واستحسن هذا لأن النفاق شرعي وهو الاعتقادي الذي هو إبطان الكفر وإظهار الإِسلام، وعرفي وهو العملي الذي هو إبطان المعصية مطاقية ٥/١/٨/ (١) تقلب ((الهمزة)) ((ياء)) عند ورش والسوسي في حالة الوصل. أما الرسم لكلمة ((أؤتمن)) فلم تكتب بياء في المصحف. فيكون الأصح والله اعلم ((تمن)) وهي كذلك في المخطوطة. 3446 ٠٢٢ ٢١٣ كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق متفق عليه . وإظهار الطاعة، فإرادته هنا أولى. وإطلاق النفاق على العملي كإطلاق الكفر على بعض كبائر الذنوب في نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ((سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)) (١)، وأبي الحسن البصري مرة هذا الإطلاق ومرة قال به فسمى صاحب الكبيرة منافقاً، ويحكى أنه رجع عن الأوّل لما أرسل له عطاء إذ بلغه عنه ذلك أن أخوة يوسف عليهم الصلاة والسلام وجدت فيهم تلك الثلاثة افتراهم منافقين فسر بما نبهه عليه عطاء، ورُوي إن مقاتلاً قال لابن جبير: إن هذا الحديث أفسد عليّ معيشتي لأني أظن أن لا أسلم من هذه الثلاث أو بعضها، فضحك وقال: قد أهمني ذلك فسألت عنه ابن عمر وابن عباس، فضحكا. وقالا: أهمنا ذلك فسألنا عنه النبي ◌َّر، فضحك فقال: ((ما لكم وما لهن، أما قولي: إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله عليّ ﴿والله يشهد أن المنافقين لكاذبون﴾ [المنافقون - ١] وأما إذا وعد أخلف فذلك في قوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم) الآية [التوبة - ٧٧] وأما إذا ائتمن خان فذلك فيما أنزل الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ الآية [الأحزاب - ٧٢] وأنتم برآء من ذلك)). قال ابن حجر: وما ذكر في أولاد يعقوب مبني على القول بأنهم غير أنبياء، أما على القول بأنهم أنبياء فيتعين تأويل ما صدر منهم بحمله على محامل التجوّزات والكنايات التي تقتضي عدم وقوع حقائق ذلك منهم، إذ الأنبياء معصومون قبل النبوّة بعدها عن كبائر الذنوب وصغائرها ولو سهواً على ما هو الحق عند المحققين، وإن كان الأكثرون على خلافه ويؤيد القول بنبوتهم بل يصرح به قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ [البقرة - ١٣٦] وهم أعني الأسباط أولاد يعقوب، فالآية مصرحة بوجوب الإِيمان بما أنزل إليهم ويلزم من الإنزال إليهم نبوّتهم كلهم. اهـ. وفيه نظر لأن السبط على ما هو المعروف في العرف واللغة ولد الولد؛ ففي القاموس السبط بالكسر ولد الولد والقبيلة من اليهود وجمعه أسباط، وفي النهاية الأسباط في أولاد إسحاق بن إبراهيم بمنزلة القبائل من ولد إسماعيل وأحدهم سبط فهو واقع على أمة. اهـ. ولا يلزم من الإنزال إليهم أن يكونوا كلهم أنبياء، إذ يمكن أن يكون أحدهم نبياً والباقون مأمورون بأتباعه كما في قوله تعالى: ﴿وما أنزل إلينا﴾ [ثم على ثبوت نبوتهم جميعاً وعدم تجويز الصغيرة ولو سهواً ينسدّ باب تأويل ما صدر منهم من العقوق وقطع صلة الرحم وبيع الحر وقولهم: ﴿أكله الذئب﴾ [يوسف - ١٧] ووعدهم بالحفظ بقولهم: ﴿وإنا له لحافظون﴾ وإتيانهم عشاء يبكون إظهاراً للحزن، وقولهم: ﴿ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون﴾ وقولهم: ﴿اقتلوا يوسف﴾ وطرحهم إياه في البئر مع أن تأويلها يخالف أقوال السلف من إلزام عطاء والتزام الحسن؛ فالصحيح قول الجمهور وهو تجويز وقوع الكبائر من الأنبياء سهواً والصغائر عمداً بعد الوحي، وأما قبل الوحي فلا دليل على امتناع صدور الكبيرة، وذهب المعتزلة إلى امتناعها ومنعت الشيعة صدور الصغيرة والكبيرة قبل الوحي وبعده]. (١) أخرجه مسلم ١/ ٨١ حديث ٦٤. ٢١٤ كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق ٥٦. (٨) وعن عبد الله بن عمروٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَلَهُ: ((أربعٌ مَنْ كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيهِ خَصْلةٌ منهن كانت فيه خَصْلةٌ من النفاقِ حتى يدعَها: إِذا اؤتمنَ خانَ، وإِذا حَدَّث كَذَبَ، وإِذا عاهدَ غدَرَ، وإِذا خاصمَ فَجَرَ)). متفق عليه. ٥٧. (٩) وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلّ: ((مثلُ المنافق كالشاة العائرةِ بين الغنمينِ ".2 ٥٦ - (وعن عبد الله بن عمرو) بالواو (رضي الله عنهما(١) قال: قال رسول الله صَلجر: أربع) أي خصال أربع، أو أربع من الخصال فساغ الابتداء به (من كن فيه) قيل: بتأويل اعتقاد استحلالهن (كان منافقاً خالصاً) ويمكن أن لا يجتمعن في مؤمن خصوصاً على وجه الاعتياد ويؤيده قوله (ومن كانت فيه خصلة منهن) أي من تلك الخصال الأربع (كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها) أي يتركها (إذا ائتمن) بالبناء للمفعول، أي وضع عنده أمانة (خان) أي بالتصرف الغير الشرعي (وإذا حدث كذب) أي عمداً من غير عذر (وإذا عاهد غدر) أي نقض العهد ابتداء، وقال ابن حجر: إذا حالف ترك الوفاء (وإذا خاصم فجر) أي شتم ورمى بالأشياء القبيحة، قال التوربشتي: من اجتمعت فيه هذه الخصال واستمرت فبالحري أن يكون منافقاً، وأما المؤمن المفتون بها فإنه لا يصر عليها، وإن وجدت فيه خصلة منها عدم الأخرى، قيل: ويحتمل أن يكون المراد كالمنافق بحذف أداة التشبيه مثل زيد أسد، ويحتمل أن يكون هذا مختصاً بأهل زمانه فإنه عليه الصلاة والسلام عرف بنور الوحي بواطن أحوالهم وميز بين من آمن به صدقاً ومن أذعن له نفاقاً، وأراد إطلاع أصحابه عليهم ليحذروا منهم، ولم يصرح بأسمائهم لعلمه بأن بعضهم يتوب فلم يفضحهم بين الناس، ولأن ترك التصريح أوقع في النصيحة وأدل على الشفقة وأجلب إلى الدعوة إلى الإِيمان وأبعد عن النفور والمخاصمة والالتحاق بالمخالفين. (متفق عليه) واللفظ للبخاري، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، ولفظهم: ((إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر)). ٥٧ - (وعن ابن عمر) رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله وَلقر: مثل المنافق) بفتح المثلثة أي صفته العجيبة الشان (كالشاة العائرة(٢)) أي الطالبة للفحل المترددة من عار ذهب وبعد (بين الغنمين) أي القطعتين، فإن الغنم اسم جنس يقع على الواحد والجمع لا تدري أيهما الحديث رقم ٥٦: أخرجه البخاري في صحيحه ٨٩/١ حديث رقم ٣٤. ومسلم في صحيحه ٧٨/١ حديث (٥٩٠١٠٧) وأبو داود ٦٤/٥ حديث رقم ٤٦٨٨. والنسائي في سننه ١١٦/٨ حديث رقم ٥٠٢٠ والترمذي ٢١/٥ حديث رقم ٢٦٣٢ وأحمد في المسند ١٨٩/٢. (١) في المخطوطة ((عنهما)). الحديث رقم ٥٧: أخرجه مسلم في صحيحه ٢١٤٦/٤ حديث (١٧). والنسائي في سننه ١٢٤/٨ حديث رقم ٥٠٣٧. وأحمد في المسند ٢/ ٤٧. (٢) في المخطوطة لفظ ((كالمشاة العائرة)) قبل لفظ ((العجيبة الشان)). ٢١٥ 7307 كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق تَعِيرُ إلى هذه مرَّةً وإِلی هذه مرَّةً». رواه مسلم. الفصل الثاني ٥٨. (١٠) عن صفوان بن عسَّال رضي الله عنه، قال: قال يهوديّ لصاحبه: إذْهَبْ بنا إِلى هذا النبي ◌َّ﴾. فقال له صاحبُهُ: لا تقل: نبي، إِنَّه لو سمعكَ لكان لهُ أربعُ أعيُنٍ. فأتّيا رسولَ الله وََّ، فسألاه عن [ تسع ] آياتٍ بِيّناتٍ، تتبع (تعير) بفتح أوله، أي تنفر وتشرد (إلى هذه) أي القطعة (مرة وإلى هذه) أي القطعة الأخرى (مرة) أخرى ليضربها فحلها فلاثبات لها على حالة واحدة، وإنما هي أسير شهوتها، وهو تشبيه مركب محسوس بمعنى معقول تقريباً إلى فهم المخاطب؛ فشبه تردده بين الطائفتين أي المسلمين والكافرين تبعاً لهواه ومراداته وقصداً إلى شهواته بتردد الشاة العائرة التي لا تستقر على حال، وبذلك وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ (رواه مسلم) وكذا أحمد والنسائي وزاد: ((لا تدري أيهما تتبع)). (الفصل الثاني) ٥٨ - (عن صفوان بن عسال) بالمهملتين وتشديد الثانية، هو المرادي وسكن الكوفة وحديثه فيهم (رضي الله عنه قال: قال يهودي:) أي أحد من اليهود (لصاحبه) من اليهود (اذهب بنا) الباء للمصاحبة، أو التعدية (إلى هذا النبي وَ﴾) أي لنسأله عن مسائل (فقال له صاحبه لا تقل) أي له كما في رواية (نبي) أي هو نبي (إنه) بكسر الهمزة استئناف. فيه معنى التعليل أي لأن(١) النبي (لو سمعك) أي سمع قولك إني هذا النبي (لكان له أربع أعين) أي يسر بقولك هذا النبي سروراً يمدّ الباصرة فيزداد به نوراً على نور كذي عينين أصبح يبصر بأربع، فإن الفرح يمدّ الباصرة كما أن الهم والحزن يخل بها، ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم أظلمت عليه الدنيا (فأتيا رسول الله ﴿ فسألاه) أي امتحاناً (عن تسع آيات بينات) أي واضحات، والآية العلامة الظاهرة تستعمل في المحسوسات كعلامة الطريق والمعقولات كالحكم الواضح والمسألة الواضحة، فيقال لكل ما تتفاوت فيه(٢) المعرفة بحسب التفكر فيه والتأمل، وحسب منازل الناس في العلم آية وللمعجزة آية، ولكل جملة دالة على حكم من أحكام الله آية، ولكل كلام منفصل [بفصل] لفظي آية. والمراد بالآيات ههنا إما المعجزات التسع وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات، وعلى هذا فقوله: ((لا الحديث رقم ٥٨: أخرجه الترمذي ٧٢/٥ حديث رقم ٢٧٣٣ وقال حسن صحيح. والنسائي في سننه ٧/ ١١١ حديث رقم ٤٠٧٨. وأحمد في مسنده ٢٣٩/٤. (١) في المخطوطة ((أن)). (٢) في المخطوطة ((منه)). ١/٠ ٢١٦ ٠٫٣٠ كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق م١٣٢ (9م: فقال رسول الله وَله: ((لا تُشْركوا باللّهِ شيئاً، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تقتُلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمِ اللَّهُ إِلا بالحقِّ، ولا تمشُوا ببريءٍ إِلى ذي سلطانٍ ليقتُلَهُ، ولا تَسْحَروا، ولا تأكلوا الرِّبا، ولا تقذِفوا مُخصَنةً، ولا توَلوا للفرار يومَ الزَّحفِ، وعليكم خاصَّةً. اليهودَ. أن لا تعتدوا في السبت)). قال: فقبَّلا يديه ورجليه، وقالا: نشهد أَنكَ نبيٍّ. قال: ((فما يمنعكم ٣/١١٣٠٠ تشركوا)) كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب، ولم يذكر الراوي الجواب استغناء بما في القرآن أو بغيره، ويؤيده ما في خبر الترمذي: أنهما سألاه عن هذه الآية يعني: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات﴾. وأما الأحكام العامة الشاملة للملل الثابتة في كل الشرائع وبيانها ما بعدها سميت بذلك لأنها تدل على حال من يتعاطى متعلقها في الآخرة من السعادة والشقاوة، وقوله: ((وعليكم خاصة)) حكم مستأنف زائد على الجواب ولذا غير السياق (فقال رسول الله إيلاف: لا تشركوا بالله) أي بذاته وصفاته وعبادته (شيئاً) من الأشياء، أو الإشراك (ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) سبق (ولا تمشوا ببريء) بهمزة وإدغام، أي بمتبرىء من الإِثم الباء للتعدية، أي لا تسعوا ولا تتكلموا بسوء فيمن(١) ليس له ذنب (إلى ذي سلطان) أي صاحب قوة وقدرة وغلبة وشوكة (ليقتله) يعني كيلا يقتله مثلاً (ولا تسحروا) بفتح الحاء، فإن بعض أنواعه كفر وبعضها فسق (ولا تأكلوا الربا) فإنه سحق ومحق (ولا تقذفوا) [بكسر الذال] (محصنة) بفتح الصاد وتكسر، أي لا ترموا بالزنا عفيفة (ولا تولوا للفرار) أي لأجله من التولي، وهو الإِعراض والإِدبار أصله تتولوا فحذف إحدى التاءين، وقيل: بضم التاء واللام من ولى تولية إذا أدبر أي ولا تولوا أدباركم، وفي بعض النسخ: ((الفرار)» بلا لام العلة منصوباً على أنه مفعول له (يوم الزحف) أي الحرب مع الكفار (وعليكم) ظرف وقع خبراً مقدماً (خاصة) منوّناً حال، [والمستتر في الظرف العائد إلى المبتدأ أي مخصوصين بهذه العاشرة، أو حال كون عدم الاعتداء مختصاً بكم دون غيركم من الملل، أو تمييز. والخاصة ضد العامة] (اليهود) [نصب على التخصيص والتفسير، أي أعني اليهود، ويجوز أن يكون خاصة بمعنى خصوصاً ويكون اليهود معمولاً لفعله أي أخص اليهود خصوصاً، وفي بعض طرق هذا الحديث يهود مضموماً بلا لام على أنه منادى]، وقوله (أن لا تعتدوا) بتأويل المصدر في محل الرفع على أنه المبتدأ من الإعتداء، وفي نسخة صحيحة: ((أن لا تعدوا بسكون العين وتخفيف الدال، وفي نسخة بفتح العين وتشديد الدال (في السبت) أي لا تتجاوزوا أمر الله في تعظيم السبت بأن لا تصيدوا السمك فيه، وقيل: عليكم اسم فعل بمعنى خذوا وإن لا تعتدوا مفعوله أي الزموا ترك الاعتداء، ويمكن أن يكون السؤال عن الآيات التسع والأحكام العامة جميعاً، وأخبروا عن إحداها وأضمروا عن أخراها على طريق التورية، فأجابهم عن الأمرين وحذف الراوي الأوّل، أو أجابهم عن المشكل أو المضمر وترك المشهور إما لظهوره أو على أسلوب الحكيم ولذا أذعنا له في الظاهر (قال) صفوان (فقبلا) أي اليهوديان (يديه ورجليه) بَ ر (وقالا: نشهد إنك نبي) إذ هذا العلم من الأمي معجزة لكن [نشهد إنك] نبي إلى العرب (قال: فما يمنعكم) (١) في المخطوطة ((ممن). ٢٠٠ ٢١٧ كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق أن تتّبعوني؟)). قالا: إِنَّ داود عليه السلام دعا ربَّه أن لا يزالَ من ذريته نبي، وإِنا نخاف إِن تبعناك أن تقتُلَنَا اليهودُ. رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. ٥٩. (١١) وعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَله: ((ثلاثٌ من أصل الإِيمان: الكَفُّ عمَّن قال: لا إله إلا الله، لا تُكفِّرْهُ بذنب، ولا تُخرجه من الإِسلامِ بعمل. والجهادُ ماضٍ مُذْ بعثَنِيْ اللَّهُ إِلى أن يقاتلَ آخِرَ هذه الأمة الدجَّالَ، فيه إن أقل الجمع اثنان، أو المراد أنتما وقومكما (أن تتبعوني؟) بتشديد التاء، وقيل: بالتخفيف أي من أن تقبلوا نبوّتي بالنسبة إليكم وتتبعوني في الأحكام الشرعية التي هي واجبة عليكم (قالا: إن داود عليه الصلاة والسلام دعا ربه أن لا يزال) [أي بأن لا ينقطع] (من ذريته نبي) إلى يوم القيامة فيكون مستجاباً فيكون من ذريته نبي ويتبعه اليهود وربما يكون لهم الغلبة والشوكة (وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود))) أي فإن تركنا دينهم واتبعناك لقتلنا اليهود إذا ظهر لهم نبي وقوّة، وهذا (١) افتراء محض على داود عليه الصلاة والسلام لأنه قرأ في التوراة والزبور بعث محمد ◌ّطير النبي وإنه خاتم النبيين وإنه ينسخ به الأديان، فكيف يدعو بخلاف ما أخبر الله تعالى به من شأن محمد ◌َّر؟ ولئن سلم فعيسى من ذريته وهو نبي [باق] إلى يوم الدين (رواه الترمذي) وقال: حسن صحيح (وأبو داود والنسائي) وكذا الحاكم(٢)، وقال: صحيح لا يعرف له علة بوجه من الوجوه ولم يخرجاه. ٥٩ - (وعن أنس [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله وَلير: ((ثلاث) أي خصال (من أصل الإيمان) أي أساسه وقاعدته إحداها، أو منها (الكف عمن قال لا إله إلا الله) أي الامتناع عن التعرض بأهل الإسلام (لا تكفره) بالتاء نهي، وبالنون نفي، وكلاهما مروي وهو بيان للكف، ولذا قطعه عنه، والإِكفار والتكفير نسبة أحد إلى الكفر (بذنب) أي سوى الكفر ولو كبيرة خلافاً للخوارج (ولا تخرجه) بالوجهين (من الإِسلام بعمل) أي ولو كبيرة سوى الكفر خلافاً للمعتزلة في إخراج صاحب الكبيرة إلى منزلة بين المنزلتين (والجهاد ماض) أي الخصلة الثانية اعتقاد كون الجهاد ماضياً، أو ثانيتها الجهاد، أو الجهاد من أصل الإيمان، وماض خبر مبتدأ محذوف أي هو ماض ونافذ وجار ومستمر (مذ) وفي نسخة بالنون، أي من ابتداء زمان (بعثني الله) إلى المدينة، أو بالجهاد فمذ حرف جر، أو أول مدة نفاذ الجهاد زمان بعثني الله فمذ مبتدأ والزمان المقدر خبره والجملة خبر آخر لمبتدأ ماض (إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة) أي أمة الإجابة يعني عيسى أو المهدي (الدجال) وبعد قتل الدجال لا يكون الجهاد باقياً؛ أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة والطاقة عليهم وعند ذلك لا وجوب عليهم بنص آية الأنفال، وأما بعد إهلاك الله إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه الصلاة والسلام حياً في الأرض، وأما على من كفر من المسلمين بعد عيسى عليه الصلاة والسلام فلموت المسلمين كلهم عن قريب ااہہ« (١) في المخطوطة ((هو)). الحديث رقم ٥٩: أخرجه أبو داود في السنن ٣/ ٤٠ حديث رقم ٢٥٣٢. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٩. ٢١٨ كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق لا يُبطِلِهُ جَوْزُ جائر، ولا عَذْلُ عادلٍ. والإِيمانُ بالأقدار)). رواه أبو داود. ٦٠. (١٢) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إِذا زنى العبدُ خرجَ منه الإِيمانُ، بريح طيبة وبقاء الكفار إلى قيام الساعة، وتجيء هذه الحكاية في ذكر الدجال. (لا يبطله) بضم أوّله (جور جائر ولا عدل عادل) أي لا يسقط الجهاد كون الإِمام ظالماً أو عادلاً، وهو صفة ماض، أو خبر بعد خبر وقد ورد في الخبر: ((الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً)(١)، وفيه رد على المنافقين وبعض الكفرة فإنهم زعموا أن دولة الإِسلام تنقرض بعد أيام قلائل كأنه قيل: الجهاد ماضٍ أي أعلام دولته منشورة وأولياء أمته منصورة وأعداء ملته مقهورة إلى يوم الدين، ولعل محيي السنة أورد هذا الحديث في باب علامات النفاق لهذا المعنى وكذا الحديث السابق، فإن اليهوديين نافقاً بقولهما: نشهد أنك نبي، ثم قولهما: إن داود عليه الصلاة والسلام دعا ربه لأنه يدل الحديث على أنهما لم يقولا ذلك عن اعتقاد كذا قاله الطيبي. وفيه تكلف وتعسف والظاهر أن الباب موضوع لشيئين للكبائر وعلامات النفاق، فهذا الحديث مناسبته للكبائر في غاية الوضوح كما ظهر من مخالفة الخوارج والمعتزلة، وكذا الجهاد فرض كفاية وقد يصير فرض عين وتركه من الكبائر. وأما الحديث السابق ففيه الآيات التسع التي كلها كبائر، واليهوديان قد صرحا بثبوتهما على كفرهما فلا يكونان منافقين وليس توجد (٢) دلالة في دعاء داود على أنهما لم يقولا ذلك عن اعتقاد والله أعلم. وقيل: معنى ((لا يبطله)) الخ لا يجوز ترك الجهاد بأن يكون الإِمام ظالماً، بل يجب عليهم الموافقة فيه ولا بأن يكن الإِمام عادلاً فلا يخافون من الكفار ولا يحتاجون إلى الغنائم، لأن القصد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله فاحتيج لهذا نفياً لهذا التوهم، وإن كان من شأن عدل العادل أنه لا يتوهم فيه إبطال الجهاد بل تقويته. ولما نظر شارح لهذا قال: تتميم وإلا فعدل العادل لا يتوهم فيه إبطال، وقيل: فعلى هذا يكون النفي بمعنى النهي (والإيمان بالأقدار) أي الخصلة الثالثة، أو الإِيمان بالأقدار من أصل الإِيمان، يعني بأن جميع ما يجري في العالم هو من قضاء الله وقدره، وفيه رد على المعتزلة لإثباتهم للعباد القدرة المستقلة بإيجاد المعصية (رواه أبو داود). ٦٠ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَلجر: ((إذا زنى) أي أخذ وشرع في الزنا (العبد) أي المؤمن (خرج منه الإيمان) أي نوره وكماله، أو أعظم شعبه، وهو الحياء من الله تعالى، أو يصير كأنه خرج إذ لا يمنع إيمانه عن ذلك كما لا يمنع من خرج منه (١) أخرجه أبو داود في السنن ٣/ ٤٠ حديث رقم ٢٥٣٣. (٢) في المخطوطة ((بوجود)). الحديث رقم ٦٠: أخرجه أبو داود في سننه ٦٦/٥ حديث ٤٦٩٠. والترمذي تعليقاً ١٧/٥ ضمن حديث رقم ٢٦٢٥. ٢١٩ كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق فكان فوقَ رأسِه كالظُلَّةِ، فإذا خرج من ذلكَ العملِ رجعَ إِليه الإِيمانُ)). رواه الترمذي، وأبو داود. الفصل الثالث ٦١. (١٣) عن معاذ، قال رضي الله عنه: أوصاني رسول الله وَ ل بعشر كلمات، قال: ((لا تشرك بالله شيئاً وإِن قُتلت وحُرِّقت، الإيمان، أو أنه من باب التغليظ في الوعيد. قال التوربشتي: هذا من باب الزجر والتهديد، وهو كقول القائل لمن اشتهر بالرجولية والمروءة ثم فعل ما ينافي شيمته عدم عنه الرجولية والمروءة تعبيراً وتنكيراً لينتهي عما صنع واعتباراً وزجراً للسامعين ولطفاً بهم وتنبيهاً على أن الزنا من شيم أهل الكفر وأعمالهم؛ فالجمع بينه وبين الإِيمان كالجمع بين المتنافيين، وفي قوله وَالثّر (فكان فوق رأسه كالظلة) وهو أوّل سحابة تظل إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإِيمان فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكم الإِيمان ولا يرتفع عنه اسمه (فإذا خرج من ذلك العمل) قيل: أي بالتوبة (رجع إليه الإيمان) قيل: هذا تشبيه المعنى بالمحسوس بجامع معنوي، وهو الإشراف على الزوال. وفيه إيماء بأن المؤمن في حالة اشتغاله بالمعصية يصير كالفاقد للإيمان، لكن لا يزول حكمه واسمه بل هو بعد في ظل رعايته وكنف بركته إذا نصب فوقه كالسحابة تظله، فإذا فرغ من معصيته عاد الإِيمان إليه. قلت: وفيه إشارة إلى أنه في خطر من الكفر نعوذ بالله لأنه صدر عنه ما قد يكون سبباً لعدم رجوع الإِيمان إليه، ولذا قالوا: المعاصي بريد الكفر. (رواه الترمذي) أي تعليقاً (وأبو داود) وسكت عليه هو والمنذري ورواه الحاكم(١) وقال: صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي. (الفصل الثالث) ٦١ - (عن معاذ) رضي الله عنه (قال: أوصاني رسول الله وَ ل38) أي أمرني (بعشر كلمات) أي بعشرة أحكام من الأوامر والنواهي لأعمل بها (٢) وأعلمها الناس (قال: لا تشرك بالله شيئاً) أي بقلبك، أو بلسانك أيضاً فإنه أفضل عند الإكراه (وإن قتلت وحرقت) أي وإن عرضت للقتل والتحريق، شرط جيء به للمبالغة فلا يطلب جواباً. قال ابن حجر: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل من صبر المكره على الكفر على ما هدد به، وهذا فيمن لم يحصل بموته وهن الإِسلام وإلا كعالم وشجاع يحصل بموته ذلك فالأولى له أن يأتي بما أكره عليه ولا يصبر على ما هدد به رعاية لأخف المفسدتين، وأما باعتبار أصل الجواز فيجوز له أن يتلفظ وأن يفعل ما يقتضي (١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢٢/١. الحديث رقم ٦١: أخرجه أحمد في المسند ٢٣٨/٥. (٢) في المخطوطة ((لا عملها)). :هم , +بوم كتاب الإيمان / باب الكبائر وعلامات النفاق ٢٢٠ ولا تعُقِّنَّ والدَيْكَ وإن أمراكَ أن تخرُجَ من أهلكَ ومالك، ولا تتركنَّ صلاةً مكتوبةً متعمّداً؛ فإنَّ من ترك صلاةٌ مكتوبةً متعمِّداً فقد برئت منه ذمَّة الله، ولا تشرَبنَّ خمراً فانه رأسُ كلِّ فاحشة، وإياك والمعصية؛ فإنَّ بالمعصية حلَّ سخَطُ الله، وإِياك والفرارَ من الزحف وإِن الكفر كسّب الإِسلام وسجود الصنم إذا هدد ولو بنحو ضرب شديد، أو أخذ مال له وقع كما أفاد ذلك قوله تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ الآية. (ولا تعقن(١) والديك) أي لا تخالفهما أو أحدهما فيما لم يكن معصية إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، (وإن أمراك أن تخرج من أهلك) أي امرأتك أو جاريتك أو عبدك بالطلاق أو البيع أو العتق أو غيرها (ومالك) بالتصرف في مرضاتهما، قال ابن حجر: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضاً، أي لا تخالف واحداً منهما وإن غلا في شيء أمرك به وإن كان فراق زوجة أو هبة مال، أما باعتبار أصل الجواز فلا يلزمه طلاق زوجة امرأة بفراقها وإن تأذيا ببقائها إيذاء شديداً لأنه يحصل له ضرر بها فلا يكلفه لأجلهما إذ من شأن شفقتهما أنهما لو تحققا ذلك لم يأمراه به، فالزامهما له به مع ذلك حمق منهما ولا يلتفت إليه وكذلك إخراج ماله. (ولا تتركن صلاة مكتوبة) أي مفروضة (متعمداً) احتراز من السهو والنسيان والضرورة (فإن من ترك صلاة مكتوبة) أي مفروضة ولو نذراً عن وقتها (متعمداً فقد برئت منه ذمة الله) أي لا يبقى في أمن من الله في الدنيا باستحقاق التعزير والملامة وفي العقبى باستحقاق العقوبة. قال ابن حجر: كناية عن سقوط احترامه لأنه بذلك الترك عرض نفسه للعقوبة بالحبس عند جماعة من العلماء، ولقتله حداً لا كفراً بشرط إخراجها عن وقتها الضروري وأمره بها في الوقت عند أئمتنا ولقتله كفراً فلا يصلى عليه ولا يدفن بمقابر المسلمين عند أحمد وآخرين. (ولا تشربن خمراً فإنه) أي شربها (رأس كل فاحشة) أي قبيحة، لأن المانع من الفواحش هو العقل ولذا سمي عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن القبائح؛ فبزواله عن الإِنسان يقع في كل فاحشة عرضت له ولذا سميت أم الخبائث كما سميت الصلاة أم العبادات لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. (وإياك والمعصية) تحذير وتعميم بعد تخصيص وإيذان بأن المعاصي السابقة أعظمها ضرراً (فإن بالمعصية حل سخط الله) أي نزل وثبت على فاعلها، واسم إن ضمير الشأن المحذوف أي فإنه وقيل: ضمير الشأن لا يحذف لأن المقصود به تعظيم الكلام فينا في الاختصار، ورد بحذفه في قوله تعالى: ﴿ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم﴾ [التوبة - ١١٧] وأما قول ابن الحاجب: وحذفه منصوباً ضعيف فقد ضعفوه أيضاً كيف يقول ذلك وقد جاء في كلامه عليه الصلاة والسلام في النهي عن الصلاة في أوقات الكراهة في خبر مسلم: ((اقصر عن الصلاة فإن حينئذ تسجر جهنم))(٢) أي فإن الأمر والشأن، قال ابن حجر: ولك أن تجيب عنه بأنه ضعيف قياساً لا استعمالاً ومثله واقع في القرآن في ﴿قتل أولادهم شركاءهم﴾ [الأنعام - ١٣٧] بنصب أولاد الفاصل بين المضاف والمضاف إليه. اهـ. وأراد به قراءة ابن عامر، وأظهر منه وجود أبي يأبى في القرآن مع كونه شاذاً في القياس بلا خلاف (وإياك والفرار من الزحف) تخصيص بعد تعميم (وإن ٣١١٣٢ (٢) مسلم ٥٦٩/١ حديث رقم ٨٣٢. (١) في المخطوطة ((تعق)). عدة