النص المفهرس

صفحات 181-200

١ /
كتاب الإيمان
١٨١
ويُباعِدُني عن النار. قال: ((لقد سألتَ عن أمر عظيم، وإِنه ليسيرٌ على من يسَّره اللهُ [تعالى]
عليه: تعبدُ اللَّهَ ولا تشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصومُ رمضان، وتحجُ
البيتَ)) ثم قال: ((ألا أدُلُّكَ
الجزاء [لأن المؤمن الكامل لما كان مظنة للامتثال نزل منزلة المحقق منه ذلك] (ويباعدني من
النار) عطف على ((يدخلني)) بالوجهين، وقول ابن ملك هنا بالرفع فقط مع تجويزه الوجهين
أوّلاً في غاية من السقوط، ثم العطف يفيد أن مراده دخول الجنة من غير سابقة عذاب، ويؤيده
أنه أخرج على صيغة المغالبة للمبالغة (قال) أي [رسول الله] وَليزر (لقد سألت) أي مني (عن
عظيم) أي شيء عظيم، أو سؤال عظيم متعسر الجواب لأن الدخول والتباعد أمر عظيم؛ فسببه
الذي هو اجتناب كل محظور وامتثال كل مأمور أيضاً كذلك، أو لأن معرفة العمل المدخل من
علم الغيب والأولى أن يقال عن عمل عظيم فعله على النفوس ليطابق السابق واللاحق.
والعظيم ضد الحقير كالكبير نقيض الصغير، وكما أن الحقير دون الصغير فكذلك العظيم فوق
الكبير، ويستعملان في الصور والمعاني تقول: رجل عظيم وكبير. أي جثته أو قدره (وإنه)
[أي جوابه أو فعله] (ليسير) أي هين وسهل (على من يسره الله) وفي نسخة (تعالى) أي جعله
سهلاً (عليه تعبد الله) إما بمعنى الأمر وكذا ما بعده، وإما خبر مبتدأ محذوف [تعويلاً على
أقوى الدليلين] أي هو أن تعبد أي العمل الذي يدخلك الجنة عبادتك الله بحذف أن، أو تنزيل
الفعل منزلة المصدر وعدل عن صيغة الأمر تنبيهاً على أن المأمور كأنه متسارع إلى الامتثال وهو
يخبر عنه إظهاراً لرغبته في وقوعه، وفصله عن الجملة الأولى لكونه بياناً، أو استئنافاً وفيه
براعة الاستهلال لدلالته على مضمون الكلام بطريق الإجمال، كما أن قوله: ((كف عليك» يدل
على حسن القطع. والعبادة أقصى غاية الخضوع والمراد به التوحيد لقوله (ولا تشرك به شيئاً)،
أو الأعم منه ليعم امتثال كل مأمور واجتناب كل محظور، والضمير في به إما أن يعود إلى الله
أو إلى العبادة، والثاني هو الأولى لأنه إذا لم يشرك في العبادة فلأن لا يشرك بالله أولى،
والتنوين في شيئاً للإفراد شخصاً كما أن في قوله ((عظيم)) للتعظيم وفي ((يسير)) للتقليل. (وتقيم
الصلاة) من باب عطف الخاص على العام تنبيهاً على إنافته إن عمم العبادة والمراد بها
المكتوبة، وهذا الحكم ليس مخصوصاً بمعاذ بل يعم كل مؤمن إذ العبرة بعموم اللفظ لا
بخصوص السبب. ثم توقف دخول الجنة على الأعمال إنما هو بقيد الدخول الأولى كما
سبقت الإشارة إليه [فلا مستمسك للمعتزلة والخوارج لديه] (وتؤتي الزكاة) أي المفروضة
(وتصوم رمضان) أي الأيام المعدودة (وتحج البيت) أي بالأفعال المعلومة على شرط الاستطاعة
في العمر مرة (ثم قال:) أي عليه الصلاة والسلام زيادة على الإفادة بالحث على النوافل
لتحصيل الدرجات العالية، أو لتكميل العبادات البدنية والمالية (ألا أدلك) الهمزة للاستفهام
الإنكاري ولا للنفي وهو لتحقيق ما بعدها، ولعل قوله: ((قلت: بلى)) كان موجوداً هنا أيضاً كما
في الموضعين بعده فنسي الراوي كذا قيل، وقيل المعنى: لا ينبغي [لي] أن لا أدلك مع إني
المرشد الكامل، والأظهر أنه للتنبيه لئلا ينسب الرواة إلى النسيان مع أن الجواب ليس بلازم
لأنه أمر ظاهر معلوم مطلوبية إدلالته، أو يقال وإنما لم يتوقف عليه الصلاة والسلام حتى يقول
i
Hi٠٠
· هوة
i
١

١٨٢
-4-4
كتاب الإيمان
١٠/١
على أبواب الخير؟ الصومُ جُنَّةٌ، والصَّدقةُ تُطفىء الخطيئة كما يُطفىءُ الماءُ النارَ، وصلاةُ
الرجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيلِ)) ثم تلا: ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عن المضاجعِ﴾
معاذ: ((بلى)) [هنا] تنبيهاً على أنه لا ينبغي أن ينتظر تصديقه اهتماماً بمضمونه (على أبواب
الخير:) أي الطرق الموصلة به؛ شبه الخير بدارٍ فيها كل ما يتمناه النفس، واللام فيه للجنس
جعل الأمور الآتية أبواب الخير لأن الصوم شديد على النفس، وكذا إخراج المال في الصدقة
لا سيما الزيادة على الزكاة، وكذا الصلاة في جوف الليل الذي محل راحة النفس والبعد من
الرياء، فمن اعتادها يسهل عليه كل خير لأن المشقة في دخول الدار تكون(١) بفتح الباب
(الصوم جنة) أي ستر، وإنما جعل الصوم جنة من النار، أو من الشيطان لأن في الجوع سد
مجاري الشيطان، فإذا سد مجاريه لم يدخل فلم يكن سبباً للعصيان الذي هو سبب لدخول
النار، قيل: التقدير صوم النفل فاللام تدل على المضاف إليه، قال بعض المحققين من شراح
الأربعين - ولعل قائله كوفي - قال في الكشاف في قوله تعالى: ﴿فإن الجحيم هي المأوى﴾
[النازعات - ٣] أي مأواه فإن اللام ليس يدل على المضاف إليه بل للتعريف العهدي، لأنه لما
علم أن الطاغي صاحب المأوى تركت الإِضافة فكذا ههنا، لأنه لما ذكر الفرائض أوّلاً علم أن
المذكور بعدها من النوافل، فاللام للعهد الخارجي ولا يجب فيه تقديم المعهود كما ظن بل قد
يستغنى عنه لعلم المخاطب بالقرائن كقولك لمن دخل البيت أغلق الباب وكم مثلها وقوله
(جُنَّة)) أي وقاية من سورة(٢) الشهوة في الدنيا والنار في العقبى كالجنة، ففيه تشبيه المعقول
بالمحسوس عند المتكلمين، واختار بعض الأفاضل أن مثله استعارة، فمن كان الصوم جنته سد
طرق الشياطين عن قلبه فيكشف بعد إزالة ظلمتهم يرى بنور الغيب خزائن لطائف حكم
الصفات فيستتر بأنوارها عن جميع المخالفات والآفات (والصدقة تطفىء الخطيئة) أي التي تجر
إلى النار يعني تذهبها وتمحو أثرها، أي إذا كانت متعلقة بحق الله تعالى، وإذا كانت من حقوق
العباد فتدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضاً عن مظلمته (كما يطفىء الماء النار) لتنافي آثارهما
بإيجاد الله [تعالى] سبحانه إذ الأشياء لا تعمل بطبعها فلا الماء يروي ولا الخبز يشبع ولا النار
تحرق (وصلاة الرجل) مبتدأ خبره محذوف أي وصلاة الرجل (في جوف الليل) كذلك أي
تطفىء الخطيئة، أو هي من أبواب الخير والأوّل أظهر، قال القاضي: وقيل: الأظهر أن يقدر
الخبر شعار الصالحين كما في جامع الأصول (ثم تلا) أي قرأ عليه الصلاة والسلام (﴿تتجافى
جنوبهم﴾) أي تتباعد، وفي النسبة مبالغة لا تخفى (﴿عن المضاجع﴾) أي المفارش والمراقد،
والجمهور على أن المراد صلاة التهجد، وقال بعضهم: المراد إحياء ما بين العشاءين (﴿يدعون
ربهم﴾) بالصلاة والذكر والقراءة والدعاء (﴿خوفاً﴾) من سخطه (﴿وطمعاً﴾) في رحمته
(﴿ومما رزقناهم﴾) وبعض ما أعطيناهم (﴿ينفقون﴾) يصرفون في وجوه الخير، أي أنهم
جامعون بين العبادات البدنية والمالية عابدون زاهدون (﴿فلا تعلم نفس﴾) أي لا ملك ولا نبي
(﴿ما أخفي لهم﴾) جمهور القراء على أنه ماض مجهول، وقرأ حمزة على المتكلم المعلوم
- ٢٩٧١٧
" -------- -******
(١) في المخطوطة ((تكون)).
(٢) السورة: الحدة والشدة. (لسان العرب).
٢٢٠٠ .

١٨٣
كتاب الإيمان
حتى بلغ ﴿يعملون﴾ ثم قال: ((ألا أدُلَّكَ برأسِ الأمرِ وعَمودِهِ وذِرْوَةِ سنامِهِ؟)) قلت: بلى يا
رسول الله! قال: ((رأسُ الأَمرِ الإِسلامُ، وعمودُه الصلاةُ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجهادُ.)) ثم قال:
((ألا أخبرك بملاكِ ذلك كُلُّه؟)) قلت: بلى يا نبيَّ اللهِ!
(من قرة أعين) من اللذات التي تقر أعينهم وتشتهيه أنفسهم، وفي الحديث القدسي: ((أعددت
لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)» (حتى بلغ
﴿يعملون﴾) وهو قوله [تعالى]: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة - ١٦] أي جوزوا جزاء
بسبب أعمالهم وبمقابلة أفعالهم وموافقة لأحوالهم (ثم قال:) أي عليه الصلاة والسلام (ألا
أدلك برأس الأمر) أي مخبراً بأصل كل أمر (وعموده) بفتح أوّله، أي ما يقوم به ويعتمد عليه
(وذروة سنامه؟) الذروة بكسر الذال وهو الأشهر وبضمها وحُكي فتحها أعلى الشيء، والسنام
بالفتح ما ارتفع من ظهر الجمل قريب عنقه (قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر) أي أمر
الدين (الإِسلام) يعني الشهادتين، وهو من باب التشبيه المقلوب إذ المقصود تشبيه الإِسلام
برأس الأمر ليشعر بأنه من سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه وعدم بقائه
دونه (وعموده الصلاة) يعني الإِسلام هو أصل الدين إلا أنه ليس له قوّة وكمال كالبيت الذي
ليس له عمود، فإذا صلى وداوم قوي دينه ولم يكن له رفعة، فإذا جاهد حصل لدينه رفعة وهو
معنى قوله (وذروة سنامه الجهاد) وفيه إشعار إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره وتفوقه على سائر
الأعمال. والجهاد من الجهد بالفتح وهو المشقة، أو بالضم وهو الطاقة لأنه يبذل الطاقة في
قتال العدوّ عند فعل العدوّ مثل ذلك، أو بضم جهده إلى جهد أخيه في نصرة دين الله
كالمساعدة، وهي ضم ساعده إلى ساعد أخيه لتحصيل القوّة. وله أنواع من جهاد الأعداء
ليكون الدين كله لله، وجهاد النفس بحملها على اتباع الأحكام وترك الحظوظ وتكليف الخصلة
المذمومة المفرطة خلاف مقتضاها والعمل بنقيض موجبها حتى اعتدلت وتناسقت قوّة العلم
والغضب والشهوة والعدل، وهو أشد من الأوّل ولذا ورد: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى
الأكبر)) لأن النفس كالملك في داخل الإنسان وعسكره الروح الحيوانية (١) والطبيعية والهوى
والشهوة، وهي في نفسها عمياء لا تبصر المهالك، ولا تميز الخير من الشر إلى أن ينوّر الله
بلطيف حكمته بصيرتها فتبصر الأعداء والمعارف وتجد البنيان الإنساني مملوءاً من خنازير
الحرص وتكالب الكلب ونمر الغضب والشهوة الحمارية وحية الشيطان، فكنستها من الرذائل
وزينتها بالفضائل، وأما جهاد القلب فتصفيته وقطع تعلقه عن الأغيار، وجهاد الروح بإفناء
الوجود في وجود الواحد القهار (ثم قال:) أي عليه الصلاة والسلام (ألا أخبرك بملاك ذلك
كله؟) الملاك ما به إحكام الشيء، أو تقويته من ملك العجين إذا أحسن عجنه وبالغ فيه، وأهل
اللغة يكسرون الميم ويفتحونها والرواية بالكسر، وذلك إشارة إلى ما ذكر من أوّل الحديث إلى
هنا من العبادات وأكده بقوله: ((كله)) لئلا يظن خلاف الشمول أي بما تقوم به تلك العبادات
جميعها (قلت: بلى يا نبي الله) لا يخفى مناسبة نبي الله بالإخبار كمناسبة الرسالة بالدلالة
(١) في المخطوطة الروحانية.

١٨٤
كتاب الإيمان
فأخذَ بلسانِهِ فقال: ((كُفَّ عليكَ هذا)) فقلت: يا نبيَّ الله! وإِنا لمؤاخذون بما نتكلّمُ به؟ قال:
(ثَكَلَتْكَ أمُّك يا معاذُ! وهل يُكُبُّ الناسَ في النار على وجوهِهِم، أو على مناخِرِهِم، إِلا
حصائِدُ ألسنتهم؟»
(فأخذ) أي النبي وَّر (بلسانه) الباء زائدة والضمير راجع إلى النبي ◌َّ، وقيل: الباء لتضمين
معنى التعلق (وقال: كف) الرواية بفتح الفاء المشددة أي امنع (عليك هذا) إشارة إلى اللسان
أي لسانك، وتقديم المجرور على المنصوب للاهتمام به، وتعديته بعلى للتضمين، أو بمعنى
عن. وإيراد اسم الإشارة لمزيد التعيين، أو للتحقير. وهو مفعول كُفَّ، وإنما أخذ عليه الصلاة
والسلام بلسانه وأشار إليه من غير اكتفاء بالقول تنبيهاً على أن أمر اللسان صعب، والمعنى: لا
تتكلم بما لا يعنيك، فإن من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت(١) ذنوبه. ولكثرة
الكلام مفاسد لا تحصى ومن أراد الاستقصاء فعليه بالإِحياء، ولذا قال الصديق: ((ليتني كنت
أخرس إلا عن ذكر الله)) (فقلت: يا نبي الله) أتقول هذا (وإنا لمؤاخَذون) بالهمز ويبدل أي هل
يؤاخذنا ويعاقبنا، أو يحاسبنا ربنا (بما نتكلم به؟) يعني بجميعه، إذ لا يخفى على معاذ
المؤاخذة ببعض الكلام (قال:) أي عليه الصلاة والسلام (ثكلتك أمك) بكسر العين (يا معاذ)
أي فقدتك وهو (٢) دعاء عليه بالموت على ظاهره ولا يراد وقوعه بل هو تأديب وتنبيه من الغفلة
وتعجيب وتعظيم للأمر (وهل يكب) بفتح الياء وضم الكاف من كبه(٣) إذا صرعه على وجهه
بخلاف أكب فإن معناه سقط على وجهه، وهو من النوادر وهو عطف على مقدر أي هل تظن
غير ما قلت؟ وهل يكب (الناس) أي يلقيهم ويسقطهم ويصرعهم (في النار على وجوههم، أو
على مناخرهم) شك من الراوي، والمنخر بفتح الميم وكسر الخاء وفتحها ثقب الأنف، والمراد
هنا الأنف، والاستفهام للنفي خصهما بالكب لأنهما أوّل الأعضاء سقوطاً (إلا حصائد ألسنتهم)
أي محصوداتها؛ شبه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل، وهو من بلاغة النبوّة
فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس والجيد والرديء فكذلك لسان بعض الناس
يتكلم بكل نوع من الكلام حسناً وقبحاً، والمعنى: لا يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم
من الكفر والقذف والشتم والغيبة [والنميمة] والبهتان ونحوها. والاستثناء مفرّغ، وهذا الحكم
وارد على الأغلب [أي على الأكثر] لأنك إذا جربت لم تجد أحداً حفظ لسانه عن السوء، ولا
يصدر عنه (٤) شيء يوجب دخول النار إلا نادراً، ولعمرك أن هذه الخاتمة فاتحة السعادة الكبرى
فائحة منها نسائم الكرامة العظمى، لأنه إذا نظر إلى الشريعة فكف اللسان نعم العون على
حفظها، وإذا نظر إلى الطريقة فهو الركن المشار إليه والقطب المدار عليه، لأنه [إذا] سكت
اللسان نطق القلب ويحصل له المسامرة مع الرب ويمطر عليه سحائب الرحمة بقطرات النور
ويمتلىء من الخيور والحبور، ولو نظر إلى الحقيقة فهو نهاية مراتب السالكين وغاية منازل
السائرين، ولذا ورد: من عرف الله كُلَّ لسانه أي عن ذكر غير الله، وهو في مقام المراقبة، وكل
/٠٣٠
١٠
/:٣.
(١) في المخطوطة ((كثر).
(٢) في المخطوطة ((هذا)).
(٤) فى المخطوطة ((منه).
(٣) في المخطوطة ((اكبه)).
FinIS

٦٧٧٩
/١٩٩٥٤٠
٤٠
كتاب الإيمان
١٨٥
رواه أحمدُ، والترمذي، وابن ماجة.
٣٠. (٢٩) وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّ: ((من أحبَّ للَّهِ،
وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومنعَ لله؛ فقد استكملَ الإِيمانَ)) رواه أبو داود.
٣١. (٣٠) ورواه الترمذي عن معاذ بن أنس مع تقديم وتأخير، وفيه:
لسانه عن مقام الدعوى وهو فى مقام الهيبة، وكل لسانه عن نشر حالة وبيان مقامه وهو مقام
صولة المحبة، وعن وصف الله وثنائه وهو مقام الحيرة في المعرفة، كما قال عليه الصلاة
والسلام في أقصى الدنو لما رأى الحق بالحق، وفني عن الصفات في الذات، ووجد معنى من
معاني البقاء: ((لا أحصي ثناء عليك)) لأن ثناءه يصدر عن الحدوثية، وثناء الخليقة لا يليق إلا
بهم، ثم قطع لسان الثناء بمقراض التنزيه عجزا في جلال الأبد، وأضاف ثناءه تعالى إليه لأنه لا
يعرف الله إلا هو، فقال: ((أنت كما أثنيت على نفسك)). وفي معنى الحديث أنشد الشافعي:
احفظ لسانك أيها الإنسان * لا يلدغنك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه * كانت تهاب لقاءه الشجعان
(رواه أحمد والترمذي وابن ماجة) ورواه النسائي، وقال الترمذي حسن صحيح.
٣٠ - (وعن أبي أمامة [رضي الله عنه]) بضم الهمزة وتفخيم الميم، بأهلي سكن بمصر ثم
انتقل إلى حمص ومات بها. وكان من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه عن الشاميين. روى
عنه خلق كثير، مات سنة ست وثمانين وله إحدى وسبعون، وهو آخر من مات من الصحابة
بالشام. (قال: قال رسول الله ويليهو: من أحب) أي شيئاً أو شخصاً، فحذف المفعول [ليذهب]
لوهم كل مذهب (الله) لا لغرض سواه ولا لشهوة طبعه وهواه (وأبغض لله) كذلك (وأعطى لله
ومنع الله) وكذلك سائر الأعمال فتكلم الله وسكت لله واختلط بالناس لله واعتزل عن الخلق لله
كقوله تعالى حاكياً: ﴿إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله﴾ [الأنعام - ١٦٢]. وإنما خص
الأفعال الأربعة لأنها حظوظ نفسانية إذ قلما يمحضها الإنسان لله، فإذا محضها مع صعوبة
تمحيضها كان تمحيض غيرها بالطريق الأولى، ولذا أشار إلى استكمال الدين بتمحيضها بقوله
(فقد استكمل الإيمان) بالنصب أي أكمله، وعدى إليه للمبالغة لزيادة السين المستدعية لتجريده
من نفسه شخصاً آخر يطلب منه إكمال الإيمان ونظيره: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين
كفروا﴾ [البقرة - ٨٩] أي يطلبون من أنفسهم الفتح عليهم، وقيل: بالرفع أي تكمل إيمانه (رواه
أبو داود) وسكت عليه وصححه الحاكم وحسنه الترمذي (ورواه الترمذي) لا عن أبي أمامة بل.
٣١ - (عن معاذ بن أنس مع تقديم وتأخير وفيه) أي في حديث الترمذي، أو في مروي
தல்ல.
الحديث رقم ٣٠: أخرجه أبو داود في سننه ٥/ ٦٠ حديث رقم ٤٦٨١.
الحديث رقم ٣١: أخرجه الترمذي في الجامع الصحيح ٥٧٨/٤ حديث رقم ٢٥٢١ وقال عنه حسن.
وأحمد في المسند ٣/ ٤٤٠.
Fibe

١٨٦
كتاب الإيمان
(فقد استكمل إِيمانه)).
٣٢. (٣١) وعن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَل ◌َه: ((أفضلُ الأعمالِ
الحبُّ في اللَّهِ والبغضُ في اللَّهِ». رواه أبو داود.
٣٣. (٣٢) وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله وَّر: ((المسلم من
سلم المسلمون من لسانه ويدِهِ، والمؤمن من أَمِنَهُ الناسُ على دمائِهِم وأموالِهِم)). رواه
الترمذي، والنسائي.
معاذ (فقد استكمل إيمانه) بالإِضافة .
.٠٠٥
٣٢ - (وعن أبي ذر [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صل﴾: أفضل الأعمال) [أي
الباطنية التي يتوصل بها إلى حقائق المعرفة والشهود، فأل للعهد الذهني، وقيل: التقدير من
أفضل الأعمال إذ الصلاة أفضل الأعمال مطلقاً بعد أداء الشهادتين] (الحب في الله) أي لوجهه
وفي سبيله (والبغض في الله) أي لأجله وفي حقه، والعطاء والمنع متفرعان على الحب
والبغض، ولذا اكتفى في هذا الحديث بالأصلين (رواه أبو داود) [عن مجاهد عن رجل عن
أبي ذر، وهذا الرجل المجهول هو والله أعلم عبد الله بن عباس كما رواه الطبراني بإسناد جيد
من رواية عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَل جر لأبي ذر: ((أيُّ عرا الإِيمان أشرف بل
أوثق، قال: الله ورسوله أعلم، قال: الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض
في الله))(١) اهـ. والفرق بين الموالاة والحب أنها تكون بين اثنين والحب أعم].
٣٣ - (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّ: المسلم من سلم
المسلمون من لسانه ويده) تقدم الكلام عليه (والمؤمن) أي الكامل (من أمنه الناس) كعلمه أي
ائتمنه يعني جعلوه أميناً وصاروا منه على أمن (على دمائهم وأموالهم) لكمال أمانته وديانته وعدم
خيانته. وحاصل الفقرتين إنما هو التنبيه على تصحيح اشتقاق (٢) الاسمين؛ فمن زعم أنه
متصف به ينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتق منه، فإن لم يوجد فيه فهو كمن زعم أنه كريم
ولا كرم له (رواه الترمذي والنسائي) قال في التصحيح: هذا الحديث لم یکن بهذا السياق في
واحد من الكتب الستة بل هو مقطع فيها، فتقدم في الصحيحين منه من حديث عبد الله بن
عمرو: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) وباقية
جاء مقطعاً في السنن من حديث فضالة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص، لكن
/١٣٠٠
١٠
الحديث رقم ٣٢: أخرجه أبو داود في سننه ٥/ ٦ حديث رقم ٤٥٩٩.
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٦٩/٧ حديث رقم ٩٥١١.
الحديث رقم ٣٣: الترمذي في الجامع الصحيح ١٨/٥ حديث ٢٦٢٧. والنسائي ١٠٥/٨ حديث رقم
٤٩٩٦ عن ابن عمر.
(٢) في المخطوطة ((اشتقاق تصحيح)).

١٨٧
کتاب الإيمان
٣٤. (٣٣) وزاد البيهقي في ((شعب الإيمان)). برواية فَضالة: ((والمجاهد من جاهدَ
نفسَه في طاعة الله، والمهاجرُ من هجرَ الخطايا والذنوبَ)).
٣٥. (٣٤) وعن أنس رضي اللَّهُ عنه، قال: قَلَّما خَطَبَنَا رسولُ اللهِ وَ إلا قال: ((لا
إيمانَ لمن لا أمانَةً له، ولا دينَ لمن لا عهد له)).
الحديث بجملته رواه الحاكم في مستدركه بإسناد على شرط مسلم عن فضالة بن عبيد، وساقه
بلفظه إلا أنه قدم المؤمن في روايته على المسلم، وهو حديث جليل اشتمل على أصول كثيرة
في الدين يطول ذكرها.
٣٤ - (وزاد البيهقي في شعب الإيمان برواية فضالة) بفتح الفاء هو فضالة بن عبيد
الأنصاري الأوسي، أول مشاهدة أحد ثم شهد ما بعدها وبايع تحت الشجرة، ثم خرج إلى
الشام مجاهداً ثم انتقل إلى الشام فسكن دمشق وقضى بها لمعاوية زمن خروجه بصفين، ومات
بها في عهد معاوية سنة ثلاث وخمسين، روى عنه ميسرة مولاه وغيره (والمجاهد) أي الحقيقي
(من جاهد نفسه في طاعة الله) إذ هو الجهاد الأكبر وينشأ منه الجهاد الأصغر (والمهاجر) أي
الكامل (من هجر الخطايا والذنوب) أي ترك الصغائر والكبائر، وقيل: الذنب أعم من الخطيئة
لأنه يكون عن عمد بخلاف الخطيئة، لأن الحكمة من الهجرة التمكن من الطاعة بلا مانع،
والتبري عن صحبة الأشرار المؤثرة في اكتساب الخطايا، فالهجرة التحرز عنها فالمهاجر
الحقيقي هو المتجانب عنها.
٣٥ - (وعن أنس) [رضي الله عنه] (قال: قلما خطبنا) ما مصدرية أي قل خطبة خطبنا
(رسول الله (*) ويجوز أن تكون كافة، وهو يستعمل في النفي ويدل عليه الاستثناء أي ما
وعظنا (إلا قال:) أي فيها، ولعل الحصر غالبي (لا إيمان) أي على وجه الكمال (لمن لا أمانة
له) في النفس والأهل والمال، وقيل: فيما استؤمن عليه من حقوق الله وحقوق العباد التي كلف
بها، وقد قال تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات﴾ الآية [الأحزاب - ٧٢]. والإنسان
فيها هو آدم ثم ذريته، ومع كونه ﴿ظلوماً﴾ أي ظلم نفسه بالتزامه بحمل ما فيه كافة عظيمة
عليها، المؤدي إلى عدم قيامها به، لا سيما على الوجه الأكمل ﴿جهولاً﴾ لأنه جهل خطر تلك
الأمانة ومشقة رعايتها عند تحمله لها، وإنما انتفى كمال الدين بانتفائها لأنه يؤدي إلى استباحة
الأموال والأعراض والأبضاع والنفوس وهذه فواحش تنقص الإيمان وتقهقره إلى أن لا يبقى منه
إلا أقله، بل ربما أدت إلى الكفر ومن ثم قيل: المعاصي بريد الكفر (ولا دين) على طريق
اليقين (لمن لا عهد له) بأن غدر في العهد واليمين، قيل: هذا الكلام وأمثاله وعيد لا يراد به
الانقلاع بل الزجر. ونفي الفضيلة دون الحقيقة، وقيل: يحتمل أن يراد به الحقيقة فإن من اعتاد
الحديث رقم ٣٤: البيهقي في شعب الإيمان ٤٩٩/٧ ضمن حديث رقم ١١١٢٢ ولفظه ((ألا أخبركم بالمؤمن))
وذكر الحديث من غير المسلم من سلم المسلمون من لسانه. وأخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢١.
الحديث رقم ٣٥: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧٨/٤ حديث ٤٣٥٤. وأحمد في المسند ١٥٤/٣.

١٨٨
٠٠٠.
كتاب الإيمان
رواه البيهقي في ((شُعَبِ الإِيمان)).
الفصل الثالث
٣٦. (٣٥) عن عُبادَةَ بن الصامت [ رضي الله عنهُ]، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَو
يقول: ((مَنْ شهدَ أنْ لا إِلهَ إِلاَ اللَّهُ وأنَّ محمداً رسولُ اللَّهِ،
هذه الأمور لم يؤمن عليه أن يقع ثاني الحال في الكفر كما في الحديث: ((من يرتع حول
الحمى يوشك أن يقع فيه»(١) (رواه البيهقي في شعب الإيمان) وكذا رواه محيي السنة أي
صاحب المصابيح بإسناده في شرح السنة، ورواه الطبراني في معجمه الكبير من حديث ابن
مسعود بزيادات لا بأس بذكرها. ولفظه قال: قال رسول الله وَ ليقول: ((لا إيمان لمن لا أمانة له،
ولا دين لمن لا عهد له، والذي نفس محمد بيده لا يستقيم دين عبد حتى يستقيم لسانه، ولا
يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه، فقيل: ما البوائق يا
رسول الله؟ قال: غشمه(٢) وظلمه، وأيما رجل أصاب مالاً من حرام وأنفق منه لم يبارك له فيه
وإن تصدق منه لم يقبل منه، وما بقي فزاده إلى النار، ألا أن الخبيث لا يكفر الخبيث ولكن
الطيب يكفر)).
(الفصل الثالث)
المراد به الأحاديث الملحقة بالباب ألحقها صاحب الكتاب غير مقيدة بأن تكون مما
أخرجها الشيخان، أو غيرهما من أصحاب السنن ولا بأن تكون عن صحابي أو تابعي.
٣٦ - (عن عبادة بن الصامت) رضي الله عنه (قال: سمعت رسول الله - * يقول:) هذا
مما يتكرر كثيراً، وقد اختلف في المنصوبين بعد سمعت، فالجمهور على أن الأوّل مفعول
وجملة ((يقول)) حال أي سمعت كلامه، لأن السمع لا يقع على الذوات، ثم بين هذا المحذوف
بالحال المذكورة فهي حال مبينة لا يجوز حذفها، واختار الفارسي إن ما بعد ((سمعت)) إن كان
مما يسمع كسمعت القرآن تعدت إلى مفعول واحد وإلا كما هنا تعدت إلى مفعولين فجملة
((يقول)) على هذا مفعول ثان، وقيل: ينبغي جواز حذف ((يقول)) هذه خطاً كما يجوز حذف
((قال)) خطاً في نحو حدثنا مفعول ((قال)) أي قال حدثنا، ورد بأن حذف ((يقول)) ملبس لأنه لا
يدري حينئذ أهو يقول أم قال بخلاف حذف ((قال)) مما ذكر فإنه اشتهر فلا يلبس، ومن ثم جوّز
حذفها حتى في القرآن كما صححه ابن الصلاح في فتاويه والنووي (من شهد) أي بلسانه مطابقاً
لجنانه (أن لا إله إلا الله) والتزم جميع ما جاء من عند الله (وأن محمداً رسول الله) وقبل ما ثبت
(١) من حديث أخرجه البخاري ١٢٦/١ حديث ٥٢ ومسلم ١٢١٩/٣ حديث ١٥٩٩.
(٢) في المخطوطة غشه.
الحديث رقم ٣٦: أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥٧ حديث (٢٩.٤٧). والترمذي ٢٣/٥ حديث ٢٦٣٨.

كتاب الإيمان
١٨٩
حرَّم اللهُ عليهِ النارَ)). رواه مسلم.
يوميوسهر
٣٧. (٣٦) وعن عثمانَ رضي الله عنهُ، قال: قال رسول الله وَّ ((مَنْ مات وهو يعلمُ
أنه لا إِلهَ إِلا اللَّهُ دخلَ الجنة)).
عن (١) رسول الله (حرم الله عليه النار) أي الخلود فيها كالكفار، بل مآله إلى الجنة مع الأبرار
ولو عمل ما عمل من أعمال الفجار، وكذا دخولها إن مات مطيعاً، وأما إذا مات فاسقاً فهو
تحت المشيئة. وفي الحديث دلالة على أن من ترك التلفظ بالشهادتين على القدرة عليه يخلد
في النار على ما فيه من خلاف حُكي عن جمع من متأخري المذاهب الأربعة كأنهم لم يروا
حكاية النووي الإِجماع على الأول ذكره ابن حجر، وفيه نظر يعلم مما تقدم في أوّل الباب
وتقرر (رواه مسلم).
٣٧ - (وعن عثمان [رضي الله عنه]) هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ويُكنى أبا عبد الله
الأموي القرشي، وكان إسلامه في أوّل الإِسلام على يدي أبي بكر قبل دخول النبي ◌َّ- دار
الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، ولم يشهد بدراً لأنه تخلف بمرض رقية بنت النبي
وَ*، وضرب له النبي وَّلي فيها بسهم، ولم يشهد الحديبية بيعة الرضوان لأن النبي ◌َّ [كان]
بعثه إلى مكة في أمر الصلح فلما كانت البيعة ضرب النبي وَلو يده على يده وقال: ((هذه
لعثمان))، وسُمي ذا النورين لجمعه بين بنتي رسول الله وَّر رقية وأم كلثوم. كان أبيض ربعة
حسن الوجه، استُخلف أوّل يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، وقتله الأسود التجيبي من أهل
مصر، وقيل: غيره، ودفن ليلة السبت بالبقيع وله يومئذ من العمر اثنتان وثمانون [سنة]،
وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة إلا أياماً، وروى عنه خلق كثير. (قال: قال رسول الله وَ له: من
مات وهو يعلم) أي علماً يقيناً سواء قدر على الاقرار اللساني وأقر أو لم يقدر عليه واكتفى
بالقلب، أو جهل وجوبه، أو لم يطالب به، أو أتى به إذ ليس فيه ما ينفي تلفظه به (أنه لا إله
إلا الله) وهذه الكلمة علم [لـ] كلمتي الشهادة ولذا اقتصر عليها (دخل الجنة) إما دخولاً أوّلياً إن
لم يصدر عنه ذنب بعد الإِيمان أو أذنب وتاب أو عفا الله عنه، أو دخولاً أخروياً فإن الله لا
يضيع أجر من أحسن عملاً، أو معناه استحق دخول الجنة. قال الشيخ أبو حامد في الإحياء:
من يوجد منه التصديق بالقلب فقبل أن ينطق باللسان أو يشتغل بالعبادة مات فهل هو مؤمن بينه
وبين الله تعالى؟ ففيه اختلاف؛ فمن شرط القول لتمام الإيمان يقول: هذا مات قبل الإِيمان،
وهذا فاسد إذ قال عليه الصلاة والسلام: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من
الإِيمان)) وهذا قلبه طافح بالإِيمان، ومن صدق بالقلب وساعده الوقت للنطق بكلمتي الشهادة
وعلم وجوبهما ولكنه لم ينطق بهما فيحتمل أن يجعل امتناعه عن النطق بمنزلة امتناعه عن
الصلاة و[يقال]: ((هو مؤمن غير مخلد في النار)) ! هـ. وفيه أنه قياس مع الفارق فإن الإقرار
جدة
(١) في المخطوطة ((من)).
الحديث رقم ٣٧: أخرجه مسلم ٥٥/١ حديث (٢٦.٤٣) وأحمد في مسنده ٦٩/١.
جيدو

١٩٠
:: ١٤/٠
كتاب الإيمان
رواه مسلم .
٣٨. (٣٧) وعن [ جابر رضي الله عنه ] قال: قال رسول الله وَِّ ((ثِنْتَانِ موجِبتان)).
قال رجلٌ: يا رسولَ الله! ما الموجبتان؟ قال: ((مَنْ ماتَ يشركُ بالله شيئاً دخلَ النارَ، ومن
مات لا يشركُ باللَّهِ شيئاً دخَلَ الجنَّة)). رواه مسلم.
٣٩. (٣٨) وعن أبي هريرة [رضي الله عنه]، قال: كُنَّا قُعوداً حولَ رسولِ اللهِوَّل
ومعنا أبو بكرٍ وعمر [ رضي الله عنهما] في نَفَرٍ، فقام رسول الله وَله من بين أظهرنا، فأبطَأَ
علينا، وخَشينا أن يُقْتَطَعِ دُونَنا،
إما شرط للإيمان، أو شطر وليس كذلك الصلاة للإيمان والله أعلم، وكأنه عند الإمام(١) من
واجبات الإِسلام. وفيه أنه لو كان كذلك لما قيل بكفر أبي طالب، فلو عبر بتركه بدل امتناعه
كان له وجه وجيه (رواه مسلم).
٣٨ - (وعن جابر [رضي الله عنه]) هو جابر بن عبد الله، [كنيته أبو عبد الله] الأنصاري
السلمي من مشاهير الصحابة وأحد المكثرين من الرواية، شهد بدراً وما بعدها مع النبي وَثّر
ثماني عشرة غزوة، وقدم الشام ومصر، وُفَّ بصره آخر عمره. روى عنه خلق كثير، مات
بالمدينة سنة أربع وسبعين وله أربع وتسعون سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة في
قول. (قال: قال رسول الله وَلفل: ثنتان) صفة مبتدأ محذوف، أي خصلتان (موجبتان) يقال
أوجب الرجل إذا عمل ما يجب به الجنة [أو النار]، ويقال للحسنة والسيئة موجبة؛ فالوجوب
عند أهل السنة بالوعد والوعيد، وعند المعتزلة بالعمل. (قال رجل: يا رسول الله ما
الموجبتان؟) أي السببان فإن الموجب الحقيقي هو الله تعالى (قال: من مات يشرك بالله شيئاً
دخل النار) فالموت على الشرك الأكبر سبب لدخول النار وخلودها (ومن مات لا يشرك بالله
شيئاً دخل الجنة) فالموت على التوحيد سبب لدخول الجنة (رواه مسلم).
٣٩ - (وعن أبي هريرة [رضي الله عنه] قال: كنا قعوداً) أي ذوي قعود أو قاعدين (حول
رسول الله وَّ﴿ ومعنا أبو بكر وعمر) بالرفع (في نفر) أي مع جماعة، أو في جملة نفر من
الصحابة رضي الله عنهم (فقام رسول الله وتلاقي من بين أظهرنا) أظهر زائد للتأكيد أي من بيننا
(فابطأ) بالهمزة (علينا) أي مكث وتوقف عنا كثيراً (وخشينا) الخشية خوف مع تعظيم (أن
يُقتطع) على البناء للمفعول أي من أن يقتطع وقوله (دوننا) حال من الضمير المستتر في يقتطع،
أي خشينا أن يصاب(٢) بمكروه من عدوّ أو غيره متجاوزاً عنا وبعيداً منا (٣)، وفي الكشاف معنى
(١) في المخطوطة الإِيمان.
الحديث رقم ٣٨: أخرجه مسلم في صحيحه ٩٤/١ حديث رقم (٩٣.١٥١) وأحمد في المسند ٣٩١/٣.
الحديث رقم ٣٩: أخرجه مسلم في صحيحه ٥٩/١ حديث رقم (٣١.٥٢).
(٢) في المخطوطة ((يصيب)).
(٣) في المخطوطة ((عنا)).
٠ / ٢١٠:

١٩١
كتاب الإيمان
فِفَزِعْنا فقُمْنا، فكُنتُ أوَّلَ من فَزِع، فخرجتُ أبتغي رسولَ الله وَّهِ، حتى أتَيْتُ حائطاً
للأنصار لبني النجار، فساورت به، هل أجد له باباً؟ فلم أجِذ، فإذا ربيعٌ يدخل في جوف
حائطٍ من بئر خارجة . والربيع الجَذْوَلُ. قال: فاحتفَزتُ فدخلت على رسول الله. فقال:
((أبو هريرة؟)) فقلتُ: نعم يا رسول الله الله! قال: ((ما شأنك؟)) قلتُ: كنتَ بين أظهرِنا
فَقُمْتَ فأبطأتَ علينا،
دون أدنى مكان الشيء، ومنه الشيء الدون، واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب يقال: زيد
دون عمرو في الشرف والعلم، ثم اتسع فيه واستعمل في كل تجاوز حد إلى حد. (وفزعنا) أي
اضطربنا، قال الطيبي: ((عطف أحد المترادفين على الآخر لإرادة الاستمرار كما في قوله تعالى:
﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا﴾ [القمر - ٩] أي كذبوه تكذيباً غب تكذيب)) اهـ.
ويمكن أن يغاير بينهما بحمل الخشية على خوف الباطن والفزع على اضطراب الظاهر وهو
الظاهر؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد سيما مع تغاير اللفظين. وهو بكسر الزاي، وفي نسخة
((ففزعنا))، ووجه العطف بالفاء أن الثاني مترتب على الأوّل فهو سبب له (فقمنا) أي للتجسس
والتفحص (فكنت) أي لكثرة خشيتي عليه (أوّل من فزع) وقام للطلب (فخرجت) أي من
المجلس (أبتغي) أي أطلب (رسول الله) أتتبع أثره وخبره لأعلم حقيقة إبطائه (وَل* حتى أتيت
حائطاً) أي بستاناً له حيطان أي جدران (للأنصار لبني النجار) تخصيص بعد عام، أو بدل بعض
أي وظننت أنه عليه الصلاة والسلام فيه (فدرت به) أي بحول الحائط قائلاً في نفسي (هل أجد
له باباً) أدخل منه (فلم أجد) له باباً (فإذا) [إذا] للمفاجأة أي فاجأ عدم وجودي للباب رؤية
(ربيع) نهر صغير (يدخل في جوف حائط) أي بستان آخر إلى ذلك الحائط، أو في جوف جدار
من جدران ذلك الحائط، مبتدأ أو مستمد ذلك النهر (من بئر) بالهمز وتبدل (خارجة) ضبطناه
بالتنوين في بئر وخارجة، وعلى أن خارجة صفة لبئر هكذا نقله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح،
وذكر الحافظ أبو موسى الأصفهاني وغيره أنه رُوي على ثلاثة أوجه: الأوّل ما ذكرناه، والثاني
بتنوين في بئر وبهاء مضمومة في خارجه، وهي هاء ضمير للحائط أي البئر في موضع خارج
عن الحائط، والثالث بإضافة بئر إلى خارجة آخره تاء التأنيث وهو اسم رجل، والوجه الأوّل
هو المشهور الظاهر كذا ذكره الشيخ محيي الدين النووي، وقيل: البئر هنا البستان سمي بما
فيها من الآبار يقولون: بئر بضاعة وبئر خارجة وهما بستانان، والحائط هنا البستان من النخيل
إذا كان عليه جدار. (والربيع الجدول) هذا تفسير من بعض الرواة (قال) أبو هريرة (فاحتفزت)
قال النووي روي بالزاء المعجمة والراء المهملة والصواب الأوّل ومعناه تضاممت ليسعني
المدخل (فدخلت على رسول الله ◌َ﴿ فقال أبو هريرة) أي فقال النبي وَلّ: أأنت أبو هريرة؟
والاستفهام إما على حقيقته لأنه عليه الصلاة والسلام كان غائباً عن بشريته بسبب إيحاء هذه
البشارة فلم يشعر بأنه هو، وإما للتقرير وهو ظاهر، وإما للتعجب لاستغرابه أنه من أين دخل
عليه والطرق مسدودة (فقلت: نعم يا رسول الله) أنا أبو هريرة (قال ما شأنك؟) بالهمز ويبدل أي
أيُّ شيء حالك وما سبب مأتاك واضطرابك (قلت: كنت) أي أنت (بين أظهرنا) أي كان ظهورنا
مستندة إليك [وقلوبنا معتمدة عليك وصدورنا منشرحة لديك] (فقمت) أي عنا (فابطأت علينا)

٠-١
كتاب الإيمان
١٩٢
فخشينا أن تُقْتطعَ دونَنا، ففزِعْنا، فكنتُ أولَ منْ فَزع، فأتَيتُ هذا الحائط، فاحتفزتُ كما
يخْتَفِزُ الثعلبُ، وهؤلاء الناسُ ورائي. فقال: ((يا أبا هريرة!)) وأعطاني نعلَيْه، فقال: ((اذهب
بنعليَّ هاتين، فمن لَقيَكَ من وراء هذا الحائط يَشْهدُ أن لا إِلهَ إِلا اللَّهُ مُستيقِناً بها قلبُه؛
فبشّرْهُ بالجنة)) فكان أولَ من لقيتُ عمرُ فقال: ما هاتان النَّعْلان
٠٣٥٢
وفتحت باب الاضطراب لدينا (فخشينا) عليك أوّلاً وعلينا ثانياً (أن تقتطع) أي يقطعك أعداؤك
عن أحبابك وتهلك (دوننا) أي من غير اطلاعنا، أو دون أن نهلك بين يديك لأجلك (ففزعنا)
أي لذلك وتسارعنا إلى تعرّف خبرك (فكنت أوّل من فزع) من المشتاقين وأوّل من قام من
الخائفين (فأتيت هذا الحائط) بناء على ظني أنك فيه (فاحتفزت) لما لم أجد له باباً (كما يحتفز
الثعلب) في تحصیل المطلب (وهؤلاء الناس ورائي) أي ينتظرون علم ما وقع لك، وهو اقتباس
من قوله تعالى حكاية عن موسى: ﴿هؤلاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى﴾ [طه - ٨٤].
جوع
(فقال: يا أبا هريرة) يقرأ بالهمز ولا يكتب (وأعطاني نعليه) الجملة حال وهو إشارة إلى
[البشارة] للمحبين (فقال:) تأكيد للأوّل (اذهب بنعليّ) الباء للتعدية (هاتين) تأكيد للتنبيه، ولعله
عليه الصلاة والسلام حصل له التجلي الطوري في ذلك المقام النوري فخلع النعلين. وأعطى
لأصحابه الكونين، أو إيماء إلى ثباتهم على دينهم وبذلهم الجهد في السعي إليه بإقدامهم.
وقال الطيبي: لعل فائدة بعثة النعلين الدلالة على صدقه وإن كان خبره مقبولاً بدون ذلك،
وتخصيصهما بالارسال إما لأنه لم يكن عنده غيرهما، وإما للإشارة إلى أن بعثته وقدومه لم
يكن إلا تبشيراً وتسهيلاً على الأمة ورفعاً للآصار التي كانت في الأمم السابقة، وإما للإشارة
إلى ثبات القدم والاستقامة بعد الاقرار كقوله عليه الصلاة والسلام: ((قل آمنت بالله ثم
استقم))(١) والله أعلم بأسراره وأسرار أبراره. (فمن لقيك) أي رآك أو رأيته (من وراء هذا
الحائط) قيد واقعي، أو المراد إيمان غيبي(٢) يتميز به المخلص عن المنافق (يشهد) أي حال
كونه (أن لا إله إلا الله) ويلزم منه شهادة أن محمداً رسول الله (مستيقناً بها) أي بمضمون هذه
الكلمة (قلبه) أي منشرحاً بها صدره غير شاك ومتردد في التوحيد والنبوّة اللذين هما الإِيمان
الإجمالي (فبشره بالجنة) معناه أخبر أن من كان هذه صفته فهو من أهل الجنة، وإلا فأبو هريرة
لا يعلم استيقانهم، وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أن اعتقاد التوحيد لا ينفع دون
النطق عند القدرة أو عند الطلب، ولا النطق دون الاعتقاد بالإجماع بل لا بد منهما. غاية الأمر
أن النطق فيه خلاف إنه شرط أو شطر [و] قد يسقط بعذر، وذكر القلب هنا للتأكيد ونفي توهم
المجاز وإلا فالاستيقان لا يكون إلا بالقلب كقوله: رأيت بعيني. (فكان أوّل من لقيت) أي من
الناس (عمر) منصوب على أنه خبر كان، وقيل: مرفوع على الاسمية وأوّل بالعكس، قيل:
وهو أولى لأنه وصف وهو بالخبرية أحرى (فقال:) مبادراً (ما هاتان النعلان) أي شأنهما
محمرة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٦٥/١ حديث رقم ٣٨.
(٢) في المخطوطة ((حسي)).
.جـ

ارجها ؟
١٩٣
كتاب الإيمان
يا أبا هريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله وَّر بعثني بهما، من لقيتُ يشهد أن لا إله إلا الله
مُستيقناً بها قلبُه، بَشَّرتهُ بالجنة، فضرب عمرُ بين ثذييٍّ، فخَرزت لاستي. فقال: ارجع يا أبا
هريرةً! فرجعتُ إِلى رسول الله وَلَّهِ فَأجهشتُ بالبكاءِ،
وخبرهما (يا أبا هريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله لله بعثني بهما) حال كوني قائلاً أو مبلغاً أو
مأموراً بأن (من لقيت) أي أنا (يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب
عمر) لا بد هنا من تقدير يدل عليه السياق من السباق واللحاق يعني: فقال عمر ارجع قصداً
للمراجعة، بناء على رأيه الموافق للكتاب ونطقه المطابق للصواب، فأبيت وامتنعت عن حكمه
امتثالاً لظاهر أمره عليه الصلاة والسلام المقدم على كل أمر آمر فضرب عمر بيده (بين ثدييّ)
بالتثنية أي في صدري فإنه يبعد كل البعد ضربه ابتداء من غير باعث (فخررت) بفتح الراء
(لإستي) بهمزة وصل أي سقطت على مقعدي من شدة ضربه لي. (فقال: ارجع يا أبا هريرة)
[تأكيداً]، قال الطيبي: ((ليس فعل عمرو مراجعته النبي ◌َّ اعتراضاً عليه ورداً لأمره إذ ليس ما
بعث به أبا هريرة إلا لتطبيب قلوب الأمة وبشراهم، فرأى عمر [رضي الله عنه] إن كتمه هذا
أصلح لئلا يتكلوا)) اهـ. والحاصل أنه عليه الصلاة والسلام لكونه رحمةً للعالمين ورحيماً
بالمؤمنين ومظهراً للجمال على وجه الكمال، وطبيباً لأمته على كل حال لما بلغه خوفهم
وفزعهم واضطرابهم أراد معالجتهم (١) [بإشارة] البشارة لإزالة الخوف والنذارة، فإن المعالجة
بالأضداد، ولما كان عمر مظهراً للجلال وعلم أن الغالب على الخلق التكاسل والإتكال، فرأى
أن الأصلح لأكثر الخلق المعجون المركب بل غلبة الخوف بالنسبة إليهم أنسب، فوافقه وَيّ،
وهذه مرتبة علية ومزية جلية لعمر رضي الله عنه. وأما قول ابن حجر: ((وكان وجه استباحة
عمر لذلك أنه لأبي هريرة بمنزلة الشيخ والمعلم، وللشيخ والمعلم أن يؤدب المتعلم بمثل ذلك
إذا رأى منه خلاف الأدب، وهو هنا المبادرة إلى إشاعة هذا الخبر قبل تفهم المراد من النبي
وَليل مع إشكاله وما يترتب عليه من إتكال الناس وإعراضهم عن الأعمال، وكان حقه إذا أمر
بتبليغه أن يتفهم المراد به ليورده في موارده دون غيرها، فاقتضى اجتهاد عمر أن إخلاله بذلك
مقتض لتأديبه فأدّبه بذلك)) فتطويل لا طائل تحته؛ فإنه مع تسليم ما ذكر كله لا يعقل ضربه
ابتداء من الشيخ الحقيقي فضلاً عن غيره، ثم قوله أيضاً: ((ويحتمل أن عمر استبعد صدور هذا
العموم منه عليه الصلاة والسلام بدليل قوله الآتي: ((أبعثت)) الخ ونسبه إلى تصرف أبي هريرة
فأدّبه لذلك)) مستبعد غاية البعد، فإنه يؤدي إلى سوء الظن وعدم قبول خبر الواحد في الديانات
ومع هذا كيف يتصوّر ضربه على ذلك. ثم من الغريب أنه فرّع عليه أيضاً بأن للأفاضل من
الأتباع تأديب من دونهم إذا كانوا لهم بمنزلة التلامذة، وإن للشيخ أن يؤدب تلميذه ولو
بالضرب، ونقل جواز ذلك عن بعض أئمته. اهـ. ولا ريب أن الضرب على عدم فهم المراد،
أو على سوء الظن من غير بيان مخالف للإجماع والله أعلم. (فرجعت إلى رسول الله وَل
فاجهشت بالبكاء) [والباء للمصاحبة، والبكاء إما لشدة الإيلام، أو لقلة الاحترام] ويروى
٥٠٠١/٠٧
(١) فى المخطوطة ((معاملتهم)).

١٩٤
كتاب الإيمان
وركِبَني عمرُ، وإِذا هو على أثري، فقال رسول الله وَّ: ((ما لك يا أبا هريرة؟)) فقلت:
لقيتُ عمرَ فأخبرتهُ بالذي بعثتني به، فضرب بين ثدييَّ ضربةً خررت لاستي. فقال: ارجعْ.
فقال رسول الله وَ له: ((يا عمر! ما حملك على ما فعلت؟)) قال: يا رسول الله! بأبي أنت
وأمي، أبعثتَ أبا هريرةَ بنعليك، من لَقي يشهد أن لا إله إِلا اللَّهُ مستيقناً بها قلبُه بشّرَهُ
بالجنة؟ قال: ((نعم)). قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتَكل الناسُ عليها، فخلّهمْ يعملون.
فقال رسولُ الله ◌ِّرَ: ((فخلّهِمْ)). رواه مسلم.
جهشت بكسر الهاء وغير همز وهما صحيحان وكلاهما بصيغة الفاعل. والجهش كالإجهاش أن
يفزع الإنسان إلى إنسان ويلجأ إليه ومع ذلك يريد البكاء كما يفزع الصبي إلى أمه. (وركبني
عمر) أي أثقلني عدو عمر من بعيد خوفاً واستشعاراً منه، كما يقال ركبته الديون أي أثقلته يعني
تبعني عمر. (وإذا هو) أي عمر وإذا للمفاجأة، وفي نسخة بالفاء بيان لوصوله إليه أي فنظرت
فإذا هو (على أثري) فيه لغتان فصيحتان فتحهما وهو الأفصح وكسر الهمزة وسكون الثاء أي
عقبي (فقال رسول الله ويتر: ما لك رجعت) وأي شيء رجع بك على هذه الحالة المنكرة (يا أبا
هريرة؟ قلت:) وفي نسخة ((فقلت)) (لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة
خررت لاستي فقال:) أي عمر (ارجع قال:) وفي نسخة ((فقال)) بالفاء (رسول الله وَّقى: يا عمر
ما حملك على ما فعلت؟) أي من الأمر بالرجوع والمنع من التبليغ (قال) وفي نسخة ((فقال)) (با
رسول الله بأبي أنت وأمي) الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم تقديره أنت مفدىّ بأبي،
وقيل: فعل أي فديتك بأبي وحذف هذا المقدر تخفيفاً لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب به.
(أبعثت أبا هريرة بنعليك) والاستفهام للتقرير والتحقيق (من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً
بها قلبه بشره؟) بصيغة الماضي أي من لقيه بشره (بالجنة قال: نعم، قال:) أي عمر (فلا تفعل
فإني أخشى أن يتكل الناس عليها) أي على هذه البشارة الإجمالية، ويعتمد العامة على هذه
الرحمة الجمالية، ويتركوا القيام بوظائف العبودية التي تقتضي الصفات الربوبية، وحينئذ ينخرم
نظام الدنيا والعقبى حيث أكثرهم يقعون في الملة الإباحية، كما هو مذهب بعض الجهلة من
الصوفية. (فخلهم) من غير البشارة (يعملون) حال فإن العوام إذا بشروا يتركون العمل بخلاف
الخواص فإنهم إذا بشروا يزيدون في العمل كما تقدم (فقال رسول الله بَطاهر: فخلهم رواه مسلم)
كان المناسب لدأبه أن يقول روى الأحاديث الأربعة مسلم، قال النووي: في الحديث اهتمام
الأتباع بحال متبوعهم، والاعتناء بتحصيل مصالحه ورفع مفاسده، وفيه جواز دخول الإنسان
ملك غيره بغير إذنه إذا علم أنه يرضى بذلك لمودة بينهما أو غيرها، فإن أبا هريرة دخل الحائط
وأقره النبي ◌ّ على ذلك ولم ينقل أنه أنكر عليه، وهذا غير مختص بدخول الأرض بل له
انتفاع بأدواته وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته وركوب دابته ونحو ذلك من التصرف
الذي يعلم أنه لا يشق عليه، اتفق على ذلك السلف والخلف. قال ابن عبد البر: وأجمعوا أنه
لا يتجاوز الطعام ونحوه إلى الدراهم والدنانير وأشباهها، ولعل هذا إنما يكون في الدراهم
الكثيرة التي يشك في رضاه بها، وفيه جواز قول الرجل للآخر بأبي أنت وأمي سواء كان
المفدى به مسلماً أو كافراً أو حياً أو ميتاً.
= يمياء
٦٨٠

١٩٥
كتاب الإيمان
٤٠. (٣٩) وعن معاذٍ بن جبل رضي الله عنه، قال: قال لي رسولُ الله ◌َلاتر: ((مفاتيحُ
الجنَّة شهادةُ أنْ لا إِله إِلا الله)) رواه أحمد.
٤١. (٤٠) وعن عثمانَ، رضي الله عنه، قال: إِن رجالاً من أصحاب النبي ◌ِّ حين
تُوفي حَزنوا عليه، حتى كاد بعضُهم يُوَسوِس قال عثمانُ: وكنتُ منهم، فبينا أنا جالسٌ مرَّ
عليَّ عمرُ، وسلَّمَ فلم
٤٠ - (وعن معاذ بن جبل) رضي الله عنه (قال: قال لي) في قوله ((لي)) إشارة إلى أنه كان
[معه] وحده أو كان هو المقصود بالخطاب (رسول الله وتفقر: مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا
الله) قال الطيبي: ((مفاتيح الجنة مبتدأ، وشهادة خبره وليس بينهما مطابقة من حيث الجمع
والإفراد فهو من قبيل قول الشاعر * ومعى جياعاً * جعل الناقة الضامرة من الجوع كأن كل
جزء من معاها معى(١) واحد من شدة الجوع، وكذا جعلت(٢) الشهادة المستتبعة للأعمال
الصالحة التي هي كأسنان المفاتيح كل جزء منها بمنزلة مفتاح واحد)) اهـ. والأظهر أن المراد
بالشهادة الجنس؛ فشهادة كل أحد مفتاح لدخوله الجنة إما ابتداء أو انتهاء، والأعمال إنما هي
لرفع الدرجات ومراتب اللذات في الوصال، أو لأن الشهادة لما كانت مفتاح أبواب الجنة
فكأنها مفاتيح، أو لأن الشهادة مصدر فهو لشموله القليل والكثير يخبر به عن الجمع وغيره.
وشبه الشهادة بالمفاتيح بجامع أن كلاً سبب للدخول، ثم حذفت أداة التشبيه، وقلبه زيادة في
تحقيق معنى المشبه والمبالغة فيه، وفيه الاستغناء بأحد المتلازمين عن الآخر إذ لا يعتد بإحدى
الشهادتين إلا مع الأخرى (رواه أحمد).
٤١ - (وعن عثمان [رضي الله عنه] أن رجالاً) بفتح الهمزة، وفي نسخة صحيحة قال:
((إن رجالاً)) بكسر الهمزة (من أصحاب النبي ◌َّ ر حين توفي) بضم التاء، والواو ماض مجهول
(حزنوا) بكسر الزاي (عليه) أي على موته وغيبة طلعته وفقدان حضرته. وعدم وجدان إفادته
العلوم الظاهرية وإفاضته المعارف الباطنية (حتى كاد) أي قارب (بعضهم يوسوس) أي يقع في
الوسوسة بأن يقع في نفسه انقضاء هذا الدين وانطفاء نور الشريعة الغراء بموته عليه الصلاة
والسلام، وخطور هذا بالنفوس الكاملة مهلك لها حتى يتغير حاله ويختلط كلامه، ويدهش في
أمره ويختل عقله، ويجيء [أحوال بقيتهم] في آخر [الكتاب] من أن بعضهم أقعد وأسكت
وبعضهم أنكر موته عليه الصلاة والسلام، وأظهر الله فضل الصدِّيق بثبات قدم صدقه. قال
الطيبي: ((الوسوسة حديث النفس وهو لازم))، قال الجوهري: يقال يوسوس: بالكسر والفتح
لحن. (قال عثمان: وكنت منهم) أي من ذلك البعض الذي اشتد حزنه حتى كاد أن يوسوس
ويذهل عن الحس (فبينا) أي بين أوقات (أنا جالس) أي متفكر متحير (مر عليّ عمر وسلم فلم
الحديث رقم ٤٠: أخرجه أحمد في المسند ٢٤٢/٥.
(١) في المخطوطة ((جعله)).
(٢) في المخطوطة ((جامعاً».
الحديث رقم ٤١: أخرجه أحمد في مسنده ٦/١٠.

١٩٦
مه،،
كتاب الإيمان
أشعر به، فاشتكى عمرُ إِلى أبي بكرٍ رضي الله عنهما، ثم أقبلا حتى سلَما عليَّ جميعاً، فقال
أبو بكر: ما حملَكَ على أنْ لا تَرُدَّ على أخيك عمرَ سلامَه؟ قلْتُ: ما فعلت. فقال عمرُ:
بلى، واللَّهِ لقد فعلت. قال: قلتُ: والله ما شعرتُ أنك مرَرتَ ولا سلْمتَ. قال أبو بكر:
صدق عثمانُ، قد شغلك عن ذلك أمرٌ. فقلت: أجَل. قال: ما هو؟ قلتُ: توَفَّى الله تعالى
نبيَّهَ بَّهِ قبل أن نسأله عن نجاةِ هذا الأمر. قال أبو بكر: قد سألتهُ عن ذلك. فقمتُ إِليه وقلتُ
له: بأبي أنت وأمي، أنتَ أحقُّ بها. قال أبو بكر: قلتُ يا رسولَ الله! ما نجاةُ هذا الأمر؟ فقال
رسولُ اللهِ ◌َّ «مَن قَبِل مني الكلمةَ التي عرَضتُ على عمي فردِّها. فهي له نجاةٌ)»
أشعر) أي لشدة ما أصابني من الذهول لذلك الهول (به) أي بمروره، أو سلامه، أو بهما وهو
الأظهر (فاشتكى عمر) معاتبة (إلى أبي بكر [رضي الله عنهما] ثم أقبلا) كلاهما (حتى سلما عليّ
جميعاً) أي فرددت عليهما (فقال أبو بكر: ما حملك على أن لا ترد على أخيك عمر سلامه؟)
أي قبل ذلك (فقلت: ما فعلت) أي ما وقع مني هذا الفعل وهو ترك رد السلام، وهذا بناء على
عدم شعوره بسلامه (فقال عمر: بلى والله لقد فعلت) بناء على حقيقة الحال (قال) أي عثمان،
وهو متروك في بعض النسخ (قلت: والله ما شعرت) بفتح العين ويضم أي ما علمت ولا فطنت
(إنك مررت) أي بي كما في نسخة (ولا سلمت) كان يكفيه أن يقول: ما شعرت أنك مررت،
ولكن جيء به توكيداً أي ما نظرت إليك ولا سمعت كلامك كذا قاله الطيبي، وفيه نظر إذ
يمكن الشعور بأحدهما دون الآخر مع أنه لا يلزم من النظر الشعور (قال أبو بكر:) أي لعمر
(صدق عثمان) أي في اعتذاره بعدم شعوره وقال [لي] على وجه الالتفات (قد شغلك عن ذلك)
أي عن الشعور (أمر) أي عظيم (فقلت: أجل) أي نعم الأمر كذلك (قال: ما هو) أي ذلك
الأمر العظيم (قلت: توفى الله تعالى نبيه) أي قبض روحه (* قبل أن نسأله عن نجاة هذا
الأمر) يجوز أن يراد بالأمر ما عليه المؤمنون أي عما نتخلص به من النار، وهو مختص بهذا
الدين، وأن يراد ما عليه الناس من غرور الشيطان وحب الدنيا والتهالك فيها والركون إلى
شهواتها وركوب المعاصي وتبعاتها، أي نسأله عن نجاة هذا الأمر الهائل. ولعمري كلمة
التقوى تؤثر في النفس اليقظة، وفي القلب جلاء الصدأ والرين، وفي السر محو الأثر والعين،
ولا يعقل ذلك إلا السائرون إلى الله تعالى والعارفون به، ومن ثم ألزموها وكانوا أحق بها
وأهلها (قال أبو بكر: قد سألته عن ذلك) أي وأجابني (فقمت) أي من كمال الفرح متوجهاً
(إليه) ومتمثلاً بين يديه (وقلت له: بأبي أنت وأمي أنت أحق بها) أي بالمسألة والسبق بها
والبحث عنها فإنك إلى كل خير أسبق. (قال أبو بكر: قلت: يا رسول الله ما نجاة هذا الأمر؟
فقال:) أي رسول الله كما في نسخة (* من قبل مني) أي بطوع ورغبة من غير نفاق وريبة
(الكلمة التي عرضت) وفي نسخة عرضتها (على عمي) أي أبي طالب (فردها) ونزل فيه ﴿إنك
لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (فهي) أي هذه الكلمة، وهي كلمة الشهادة
المعبر عنها بالكلمة الطيبة (له) أي لمن قبلها (نجاة) وأي نجاة فإنها هداية لا تحصل إلا بعناية
إما في بداية أو نهاية سيما إذا كانت مقرونة بحسن رعاية، فكأنه عليه الصلاة والسلام يقول:

١٩٧
كتاب الإيمان
رواه أحمد.
٤٢. (٤١) وعن المقداد رضي الله عنه أنه سمع رسول الله وَل يقول: ((لا يَبقى على
ظهر الأرض بيتُ مَّدَر ولا وبر إلا أدخله الله كلمةَ الإِسلام، بعز عزيز وذُل ذليل، إِمَّا يعزهم
اللَّهُ فيجعلُهم من أهلها، أو يُذلُّهم فيدينون لها)). قلت:
النجاة في الكلمة التي عرضتها على مثل أبي طالب وقد زاد على السبعين في الكفر، ولو قالها
مرة كانت له حجة عند الله لاستخلاصه ونجاة له من عذابه، فكيف بالمؤمن المسلم وهي
مخلوطة بلحمه ودمه، فلو صرح بها في كلامه لم يفخم هذا التفخيم. وهذا الحديث رواه
الصحابي عن الصحابي يعني عثمان عن أبي بكر رضي الله عنهما (رواه أحمد).
٤٢ - (وعن المقداد [رضي الله عنه]) هو المقداد بن عمرو الكندي، وذلك أن أباه حالف
كندة فنسب إليها وإنما سمي ابن الأسود لأنه كان حليفه، أو لأنه كان في حجره(١)، وقيل: بل
كان عبداً فتبناه. وكان سادساً في الإِسلام. روى عنه علي وطارق بن شهاب وغيرهما، ومات
بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة، فحمل على رقاب الناس ودفن بالبقيع سنة ثلاث وسبعين
وهو ابن تسعين سنة. (أنه سمع رسول الله) أي كلامه (َ * يقول:) حال، وقيل: مفعول ثانٍ
(لا يبقى على ظهر الأرض) أي وجهها من جزيرة العرب وما قرب منها فلا ينافي ما قيل: إن
وراء الصين قوماً لم تبلغُهم إلى الآن بعثته عليه الصلاة والسلام (بيت مدر ولا وبر) أي المدن
والقرى والبوادي وهو من وبر الإبل، أي شعرها لأنهم كانوا يتخذون منه ومن نحوه خيامهم
غالباً، والمدر جمع مدرة وهي اللبنة. (إلا أدخله) فاعل أدخل هو الله تعالى وإن لم يجر له ذكر
بدليل تفصيله بقوله: ((أما يعزهم الله))، وفي بعض النسخ أدخله الله (كلمة الإِسلام) مفعوله،
والضمير المنصوب ظرف وقوله (بعز عزيز) حال، أي أدخل الله تعالى كلمة الإِسلام في البيت
ملتبسة بعز شخص عزيز، أي يعزه الله بها حيث قبلها من غير سبي وقتال (وذل ذليل) أي أو
يذله الله بها حيث أباها وهو يشمل الحربي والذمي، والمعنى: يذله الله بسبب ابائها بذل سبي
أو قتال حتى ينقاد إليها كرهاً أو طوعاً، أو يذعن لها (٢) ببدل الجزية. والحديث مقتبس من قوله
تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾
[التوبة - ٣٣] ثم فسر العز والذل بقوله (إما يعزهم الله) أي قوماً أعزوا الكلمة بالقبول (فيجعلهم
من أهلها) بالثبات إلى الممات (أو يذلهم) أي قوماً آخرين لم يلتفتوا إلى الكلمة وما قبلوها
فكأنهم أذلوها فجوزوا بالإِذلال جزاء وفاقاً (فيدينون لها) بفتح الياء، أي يطيعون وينقادون لها،
ومن المعلوم أن إسلام الحربي مكرهاً خشية السيف صحيح، وفيه إشارة إلى قوله تعالى ﴿حتى
يعطوا الجزية عن يد﴾ أي من غير إرسال، أو مع ضرب كف في عنق، أو لطم يد في وجه
﴿وهم صاغرون﴾ أي أذلاء مهانون ومحتقرون (قلت:) القائل المقداد (٣)، والظاهر أنه قاله في
بيبيجد :
الحديث رقم ٤٢: أخرجه أحمد في مسنده ٦/ ٤.
(١) في المخطوطة ((حليفه)).
(٢) في المخطوطة ((له)).
(٣) في المخطوطة ((مقداد)).
،عود

١٩٨
كتاب الإيمان
فيكون الدينُ كلُّه لله: رواه أحمد.
٤٣. (٤٢) وعن وهب بن مُنبّه رضي الله عنه، قيل له: أليس لا إِله إِلا اللَّهُ مفتاح
الجنة؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاحٌ إِلا وله أسنان، فإن جئتَ بمفتاح له أسنانٌ فَتح لك،
وإلا لم يفتح لك. رواه البخاري في ترجمة باب.
٤٤. (٤٣) وعن أبي هريرة [ رضي الله عنه ] قال: قال رسول الله وَّ: ((إِذا أحسنَ
غير حضرته عليه الصلاة والسلام بل عند روايته فلهذا ما ذكر له جواب (فيكون الدين كله لله)
أي إذا كان الأمر كذلك فتكون الغلبة لدين الله طوعاً أو كرهاً، وقيل: إن في آخر الزمان لم يبق
على وجه الأرض محل الكفر بل جميع الخلائق يصيرون مسلمين إما بالطوع والرغبة ظاهراً
وباطناً، وإما بالإكراه والجبر، وإذا كان كذلك فيكون الدين كله لله (رواه أحمد) كان الظاهر أن
يقول روى الأحاديث الثلاثة أحمد.
٦٥٨٨
٤٣ - (وعن وهب بن منبه) بكسر الموحدة المشددة، يكنى أبا عبد الله الصنعاني، من
أبناء فارس، سمع جابر بن عبد الله وابن عباس، مات سنة أربع عشرة ومائة، ذكره المصنف
في التابعين. (قيل له: أليس لا إله إلا الله) أي المقرون بمحمد رسول الله، ومحله الرفع على
أنه اسم ليس وخبرها (مفتاح الجنة؟) وقيل: بالعكس وقدم لشرفه (قال: بلى، ولكن) أي أقول
بموجب ذلك وأنها مفتاحها كما تقدم في الحديث السابق، ولكن لا يغتر أحد بذلك، ويظن أنه
بمجرد تلفظه بتلك الكلمة التي هي المفتاح يفتح له الجنة حتى يدخلها مع الناجين وإن لم يعمل
عملهم، لأنه وإن أتى بالمفتاح غير نافع له لأنه (ليس مفتاح) أي من خشب أو حديد (إلا وله
أسنان) أي غالباً، أو عادة هي الفاتحة في الحقيقة (فإن جئت بمفتاح له أسنان) قال الطيبي:
المعنى بها الأركان الأربعة أي الصلاة والصوم والزكاة والحج، وقيل: مطلق الأعمال الصالحة
المتضمنة لترك الأعمال السيئة (فتح لك) أي أوّلاً (وإلا) أي وإن لم تجىء بمفتاح له أسنان مما
ذكر ولو فقدت منه سن واحدة (لم يفتح لك) أي ابتداء، ولا بد من هذا التأويل ليستقيم على
مذهب أهل السنة والجماعة. هذا ولا يخفى عليك أن التشبيه ظاهره يأبى عن القيد الأوّلي
فالأولى أن يقال المراد بالأسنان إنما هو تصديق القلب من غير ترديد بالوفاق، والإقرار باللسان
من غير نفاق، وانقياد لأحكام الإسلام من غير كره وشقاق. فالكلمة حينئذ بهذه الأوصاف
المشبهة بالأسنان يكون مفتاحاً إما أوّلاً أو آخراً على وفق الاذن من الفتاح العليم (رواه البخاري
في ترجمة باب) بفتح الجيم، أي من عادته أن يذكر بعد الباب حديثاً معلقاً بغير إسناد فيه بيان
ما يشتمل عليه أحاديث الباب، ويضيف إليه الباب، واختلف في صحة تعليقاته، والأصح ما
ذكره بصيغة التمريض كرُوي وذُكر، وقيل: فهو ضعيف وما لا فلا.
٤٤ - (وعن أبي هريرة) [رضي الله عنه] (قال: قال رسول الله وَل و: إذا أحسن
الحديث رقم ٤٣: أخرجه البخاري ١٠٩/٣.
الحديث رقم ٤٤: أخرجه البخاري ١/ ١٠٠ حديث رقم ٤٢. ومسلم ١١٧/١ حديث (١٢٩.٢٠٥).

١٩٩
العد
کتاب الإيمان
أحدُكم إِسلامَه، فكلُّ حسنةٍ يعملُها تُكتَبُ له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، وكلُّ سيّئة
يعمَلُها تكتَبُ بمثلها حتى لَقي اللَّهَ)). متفق عليه.
٤٥. (٤٤) وعن أبي أمامة [ رضي الله عنه]، أن رجلاً سأل رسولَ الله وَله: ما
الإِيمانُ؟ قال: ((إِذا سَرَّتْك حَسَنَتُك، وساءتْك سيّئْتُك؛ فأنتَ مُؤمنٌ)). قال: يا رسول الله!
فما الاثمُ؟ قال: ((إِذا حاكَ في نفسِكَ شيءٌ فدَعْهُ)).
أحدكم إسلامه) أي أجاد، وأخلص كقوله تعالى: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾
[البقرة - ١١٢] (فكل حسنة يعملها تكتب) أي له كما في نسخة (بعشر أمثالها) فضلاً من الله
ونعمة (إلى سبعمائة ضعف) إلى لانتهاء الغاية؛ فيكون ما بين العشرة إلى سبعمائة درجات
بحسب الأعمال والأشخاص والأحوال، أو لمجرد الإِفضال والله يضاعف لمن يشاء. حكى
الماوردي أن الضعف لا يتجاوز عن سبعمائة، قال النووي: هذا غلط لما في مسلم: ((إلى
سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة)) اهـ. فالمراد بسبعمائة الكثرة وفيه الإشارة إلى قوله تعالى:
﴿مثلُ الذينَ يُتْفِقونَ أمْوَالَهُم في سبيلِ اللَّهِ كمثَلٍ حَبَّةٍ أَنْبَقَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنْلةٍ مائَةُ حَبَّةٍ﴾
[البقرة - ٢٦١] والمراد هنا بالضعف المثل، وخص حسنات الحرم بمائة ألف، قال ابن حجر:
وصح: ((صلاة واحدة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة في مسجد رسول الله وَار))،
وأخذت من هذا كأحاديث أخر أنها في مكة بمائة ألف ألف ألف صلاة كما يأتي، فالعشرة لا
ينقص عنها والزيادة لا منتهى لها، وما بين العشرة إلى سبعمائة فأكثر درجات بحسب كمال
الأعمال وما يصحبها من الإِخلاص وغيره. اهـ. ولا يخفى أن الحسنات تختلف كيفياتها أيضاً
(وكل سيئة يعلمها تكتب (١) بمثلها) أي كمية فضلاً منه تعالى ومنة ورحمة، وإن كانت السيئات
تتفاوت كيفية باختلاف الزمان والمكان وأشخاص الإِنسان ومراتب العصيان. (حتى لقي الله) أي
إلى أن يلقى الله يوم القيامة فيجازيه، أو يعفو عنه. والعدول إلى الماضي لتحقق وقوعه كقوله
تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل - ١] ولا يبعد تعلق ((حتى)) بالجملتين وإرادة اللقي بمعنى الموت
(متفق عليه).
ـ مرافوزى،
٤٥ _ (وعن أبي أمامة أن رجلاً سأل رسول الله وَّر ما الإيمان؟) أي علامته (قال: إذا
سرتك حسنتك وساءتك سيئتك) أي إذا عملت حسنة وحصل لك فرح ومسرة بتوفيق الطاعة،
وإذا فعلت سيئة ووقع في قلبك حزن ومساءة خوفاً من العقوبة (فأنت مؤمن) فإن المؤمن
الكامل يميز بين الطاعة والمعصية، ويعتقد المجازاة عليهما يوم القيامة بخلاف الكافر فإنه لا
يفرق بينهما ولا يبالي بفعلهما (قال: يا رسول الله فما الإِثم؟) أي ما علامته إذا لم يكن نص
صريح أو نقل صحيح واشتبه أمره والتبس حكمه (قال: إذا حاك) أي تردد (في نفسك شيء)
ولم يطمئن به قلبك، وأثر فيه تأثيراً يديم تنفيراً (فدعه) أي اتركه، وهو كقوله عليه الصلاة
(١) في المخطوطة يكتب.
الحديث رقم ٤٥ : أخرجه أحمد في مسنده ٥/ ٢٥١ وفيه تقديم وتأخير.

٢٠٠
٤٠:
كتاب الإيمان
رواه أحمد.
٤٦. (٤٥) وعن عمرو بنَ عَبَسة [رضي الله عنه]، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وَه
فقلت: يا رسول الله! مَنْ معَك على هذا الأمر؟ قال: ((حُرٌ وعَبْدٌ)). قلت: ما الإِسلام؟
قال: ((طيبُ الكلام، وإِطعامُ الطعام)). قلتُ: ما الإِيمانُ؟ قال: ((الصَّبرُ والسَّماحةُ)). قال:
قلتُ: أيُّ الإِسلام أفضلُ؟ قال: ((من سَلِمَ المسلمونَ من لسانِه ويدِه)). قال: قلت: أيُّ
الإِيمانِ أفضلُ؟ قالَ: ((خُلقٌ حَسَنْ)).
والسلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك))(١)، وهذا بالنسبة إلى أرباب البواطن الصافية والقلوب
الزاكية، أو المعنى اتركه احتياطاً إذا كان الأحوط تركه وإذا كان الفعل أولى فاترك ضده لئلا تقع
في الإِثم، وقيل: الجوابان من أسلوب الحكيم. وقد تصحف على السيد السند فقرأ ((حاك))
جاءك بصيغة الماضي من المجيء (رواه أحمد).
٤٦ - (وعن عمرو بن عبسة) بفتحات، كنيته أبو نجيح السلمي أسلم قديماً في أول
الإِسلام، قيل: كان رابع أربعة في الإِسلام ثم رجع إلى قومه بني سليم، وقال له النبي ◌َّ:
((إذا سمعت أني خرجت فاتبعني))، فلم يزل مقيماً بقومه حتى انقضت خيبر، فقدم بعد ذلك
على النبي عليه الصلاة والسلام، وأقام بالمدينة وعداده في الشاميين، روى عنه جماعة. (رضي
الله عنه قال: أتيت رسول الله وَ#) أي جئته لطلب العلم (فقلت: يا رسول الله من معك على
هذا الأمر؟) أي من يوافقك على ما أنت عليه من أمر الدين (قال: حر وعبد) أي كل حر وعبد
يعني مأمور بالموافقة، وقيل: أبو بكر وزيد، أو أبو بكر وبلال، ويؤيده ما في إحدى روايات
مسلم: ((ومعه يومئذ أبو بكر وبلال))، ولعل علياً رضي الله عنه لم يذكر لصغره، وكذا خديجة
لسترها وعدم ظهورها (قلت: ما الإِسلام؟) أي علامته، أو شعبه، أو كماله (قال: طيب الكلام
وإطعام الطعام) فيهما إشارة إلى الحث على مكارم الأخلاق، وإظهار الإِحسان لأفراد الإنسان
ولو بحلاوة اللسان (قلت: ما الإيمان؟) أي ثمرته ونتيجته (قال: الصبر) أي على الطاعة وعن
المعصية وفي المصيبة (والسماحة) أي السخاوة بالزهد في الدنيا والإِحسان والكرم للفقراء،
وقيل: الصبر على المفقود والسماحة بالموجود (قال: قلت: أي الإِسلام) أي خصاله، أو أهله
وهو أولى (أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده، قال: قلت: أي الإيمان أفضل؟)
أيّ أيُّ أخلاقه، أو خصاله (قال: خلق حسن) بضم اللام وتسكن، وهو صفة جامعة للخصال
السنية والشمائل البهية، قال تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم - ٤] ولذا قالت(٢)
الصديقة رضي الله عنها: ((كان خلقه القرآن)»(٣)، أي يأتمر بما أمر الله تعالى فيه وينتهي عما نهى
(١) أخرجه الترمذي في السنن ٥٧٦/٤ حديث رقم ٢٥١٨.
الحديث رقم ٤٦: أخرجه أحمد في مسنده.
(٢) في المخطوطة ((قال)) والصواب قالت لأن المقصود السيدة عائشة رضي الله عنها.
(٣) أخرجه مسلم ١/ ٥١٢ حديث ٧٤٦.